كليب١ وابن المعطوش٢، وبأصبهان من أبي المكارم ابن اللبان وخلق آخرين وبمصر من ابن أبي عبد الله الأرتاجي٣ وكتب بخطه الكثير وجمع وصنف وأفاد وقرأ القراآت على عمه العماد٤ والفقه على الشيخ موفق الدين٥ والعربية على أبي البقاء العكبري٦
قال الحافظ الضياء٧: كان علما في وقته وقال الحافظ ابن الحاجب٨: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة وكان كثير الفضل وافر العقل متواضعا مهيبا جوادا سخيا له القبول التام مع العبادة والورع والمجاهدة وقال الذهبي: روي عنه الضياء وابن أبي عمر وابن البخاري٩ وآخر من روى عنه اجازة القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة١٠ وبنى له الملك الأشرف١١ دار الحديث بالسفح وجعله شيخها وقرر له معلوما فمات قبل فراغها توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة خامس شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالسفح ورآه بعضهم في النوم فقال له ما فعل الله بك فقال أسكنني على بركة رضوان ورآه آخر فسأله فقال لقيت خيرا فقال له كيف الناس فقال متفاوتون على قدر أعمالهم انتهى كلام ابن مفلح وأول من درس بهذه الدار القاضي شمس الدين بن أبي عمر١٢.
стр. 37
قال ابن كثير في سنة ثنتين وثمانين وستمائة شيخ الجبل الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين١ وتدريس الاشرفية بالجبل وقد سمع الحديث الكثير وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة في عصره وأمانة مع هدوء وسمت حسن وخشوع ووقار توفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ودفن في مقبرة والده ثم ولي تدريسها الامام شمس الدين بن الكمال٢.
قال الذهبي في تاريخه العبر في سنة ثمان وثمانين وستمائة الشيخ المحدث شمس الدين بن الكمال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد ابن أحمد المقدسي الحنبلي ولد سنة سبع وستمائة وسمع الكندي٣ وابن الحرستاني حضورا ومن داود بن ملاعب٤ وطائفة وعني بالحديث وجمع وخرج مع الدين المتين والورع والعبادة وولي مشيخة الضيائية ومشيخة الأشرفية بالجبل.
وقال الصفدي في تاريخه في المحمدين: الشيخ القدوة الصالح شمس الدين ابن الكمال ابن أخي الحافظ ضياء الدين سمع من أبي الفتوح البكري وموسى ابن عبد القادر٥ والشمس أحمد العطار٦والعماد إبراهيم والشيخ الموفق وابن أبي لقمة٧ وابن صصري٨ وابن البن٩ وزين الامناء١٠ وابن راجح١١ وأحمد بن طاوس وابن الزبيدي وخلق كثير وحدث بالكثير نحو أربعين
стр. 38
سنة، وتمم تصنيف الأحكام الذي جمعه عمه الحافظ الضياء وكان فاضلا نبيها حسن التحصيل وافر الديانة كثير العبادة نزها عفيفا نظيفا روى عن القاضي تقي الدين سليمان وابن تيمية وابن العطار والمزي وابن مسلم١ وابن الخباز٢ والبرزالي٣. وولي مشيخة الأشرفية التي بالجبل وقرأ غير مرة ودرس بالضيائية وحج مرتين وحفر مكانا بالصالحية لبعض شأنه فوجد جرة مملوءة ذهبا وكانت معه زوجته تعينه فطمه وقال لزوجته: هذا فتنة وله مستحقون لا نعرفهم فوافقته وطماه وتركاه توفي رحمه الله تعالى في تاسع جمادى الآخرة وهي سنة ثمان وثمانين وستمائة ثم درس بها الشرف حسن المقدسي.
قال ابن كثير في تاريخه في سنة خمس وتسعين وستمائة هو قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن ابن الشيخ الامام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي سمع الحديث وتفقه وبرع في الفروع والفقه واللغه وفيه أدب وحسن محاضرة مليح الشكل تولى القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة سبع وثمانين ودرس بدار الحديث الاشرفية بالجبل.
وقال الصفدي في تاريخه في حرف الحاء: الحسن بن عبد الله ابن الشيخ القدوة الزاهد أبي عمر بن أحمد بن محمد بن قدامة قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل ابن الخطيب شرف الدين الصالحي الحنبلي ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة وسمع من ابن قميرة٤ وابن مسلمة٥ والمرسي٦ واليلداني٧ وجماعة،
стр. 39
وقرأ الحديث بنفسه على الكفرطابي١ وغيره وتفقه على عمه شمس الدين وصحبه مدة وبرع في المذهب وكان مديد القامة حسن الهيأة به شيب يسير وفيه لطف كثير ومكارم وسيادة ومروءة وديانة وصيانة وأخلاق زكية وسيرة حسنة في الاحكام سمع منه البرزالي وغيره ودرس بمدرسة جدة وبدار الحديث الاشرفية وولي القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ توفي ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال ودفن من الغد بمقبرة جده بالسفح وحضر نائب السلطنة والقضاة والأعيان جنازته وعمل من الغد عزاؤه بالجامع المظفري وباشر القضاء بعده تقي الدين سليمان بن حمزة قال ابن كثير وكذا مشيخة دار الحديث الاشرفية بالسفح وقد وليها شرف الفائق الحنبلي النابلسي٢ مدة شهور ثم صرف عنها واستقرت بيد التقي سليمان المقدسي انتهى.
وتقي الدين سليمان هذا هو المقدسي، قال ابن كثير في سنة خمس عشرة وسبعمائة: القاضي السند العمدة الرحلة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ ابي عمر المقدسي الحنبلي الحاكم بدمشق ولد في نصف شهر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة وسمع الحديث الكثير وقرأ بنفسه وتفقه وبرع وولي الحكم وحدث وكان من خيار الناس وأحسنهم خلقا وأكثرهم مروءة توفي رحمه الله تعالى فجأة بعد مرجعه من البلد وحكمة بالجوزية فلما صار إلى منزله بالدير تغيرت حاله ومات عقب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي وعشرين ذي القعدة ودفن من الغد بتربة جدة حضر جنازته خلق كثير وجم غفير.
وقال الذهبي في مختصر تاريخه: أي تاريخ الاسلام وله ثمان وثمانون سنة وكان مسند الشام في وقته وقال في العبر أي في الذيل في سنة خمس عشره وسبعمائه ومات في ذي القعده فجأة قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل
стр. 40
سليمان روى الصحيح عن الزبيدي١ حضورا وسمع من ابن اللتي وجعفر وابن المقير وكريمة٢ وابن الجميزي٣ والحافظ الضياء وأجاز له عمر بن كرم٤ وأبو الوفاء محمد بن محمود بن منده٥ وشهاب الدين السهروردي٦ وله معجم في مجلدين عمله ابن الفخر وكان بصيرا بالمذهب دينا متعبدا متواضعا كثير المحاسن واسع الرواية أفتى نيفا وخمسين سنة وتخرج به الفقهاء انتهى. ثم درس بها ولده بعده عز الدين.
قال الذهبي في تاريخه في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ومات في صفر قاضي الحنابلة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان المقدسي وله ست وثلاثون سنة روى عن الشيخ وعن أبي بكر الهروي وبالإجازة عن ابن عبد الدائم٧ ودرس بدار الحديث الاشرفية وغيرها وكان متوسطا في العلم والحكم متواضعا ثم درس بها ولده بعده بدر الدين قال الصفدي في حرف الحاء: الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة ابن الشيخ الإمام أقضى القضاة بدر الدين ابن قاضي القضاة سليمان المقدسي الأصل ثم الدمشقي، سمع من جده وعيسى٨ المطعم ويحيى بن سعد٩ وغيرهم وحدث ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح وذكر لي جدي الشيخ شرف الدين أنه كان يحفظ شيئا من شرح المقنع للشيخ شمس الدين بن أبي عمر مقدارا ويلقيه في الدرس ويتكلم الحاضرون فيه ودرس بالجوزية وكان بيده نصف تدريسها وناب في الحكم عن ابن قاضي الجبل بعد عزله بصلاح الدين ابن المنجا وقد أعيد بعد وفاته مات ليلة الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة ودفن بالسفح ثم استمر كل من تولى قضاء الحنابلة يتولاها وإن لم يكن أهلاً
стр. 41
للتدريس بها ولها إعادة.
فوائد: الأولى: الوف عليها خمس ضياع بالبقاع الدير والدوير والتليل والمنصورة والشرفية ولها بيت ابن النابلسي المعروف بابن الشكل والجنينة وحكر حارة الجوبان.
الثانية: أسمع بها الإمامان القاضيان المحب أحمد بن نصر الله١ البغدادي الحنبلي قاضي القضاة بالديار المصرية والشمس محمد بن أحمد البساطي المالكي قاضي القضاة بها أيضا جزءا مخرجا من حديث شيخ الإسلام سراج الدين أبي حفص عمر بن أرسلان البلقيني تخريج الحافظ ولي الدين أبي زرعة أحمد ابن العراقي المصري٢ الشافعي له من مسموعاته لما قدما دمشق مع السلطان الملك الأشرف٣ في يوم السبت رابع عشر ذي الحجة الحرام سنة ست وثلاثين وثمانمائة بحضور العلامة الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي.
الثالثة: أسمع بها قاضي القضاة نظام الدين أبو حفص عمر بن أقضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن مفلح ونائبه الشمس أبو عبد الله محمد بن عمر ابن ثابت الدروسي٤ الحنبليان مشيخة أبي محمد عيسى بن عبد الرحمن المطعم المقدسي الدلال تخريج الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي له يوم السبت ثالث جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وثمانمائة بحضور المحدث جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي٥ ﵏ سبحانة وتعالى.
стр. 42
١٠ - دار الحديث البهائية
داخل باب توما قال الحافظ ابن كثير في تاريخه في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة: شيخنا الجليل المسند المعمر الرحلة بهاء الدين أبو محمد القاسم ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر إلى أن قال ووقف آخر عمره داره المعروفة دار حديث وولي تدريسها الشهاب الأذرعي وهو كما قال الحافظ برهان الدين الحلبي ١ في مشيخة تخريج الحافظ نجم الدين بن فهد٢ أحمد ابن حمدان بن أحمد بن عبد الله بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن أحمد بن سالم بن داود بن يوسف بن جابر الأذرعي نسبة إلى أذرعات الشام ثم الدمشقي ثم الحلبي الشافعي الإمام العلامة شيخ المذهب أبو العباس ابن الشيخ شهاب الدين مولده في إحدى الجماديين سنة ثمان وسبعمائة بأذرعات ونشأ بدمشق وسمع على القاسم ابن عساكر وأحمد بن الشحنة٣ وسمع من الصدر عبد المؤمن بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الحارثي النصف الأخير من رسالة الشافعي أو أكثر وقرأ على الحافظين الذهبي والمزي وذكر أنهما كانا يعجبان بقراءته وأجاز له من دمشق أبو نصر ابن الشيرازي٤ وإسحاق الآمدي٥ وأبو عبد الله بن الزراد وغيرهم ومن مصر أبو الحسن بن قريش وأبو الحسن الواني وأبو الفتح الدبوسي وصالح بن مختار الأشنهي ويوسف بن عمر الختني٦ وآخرين ومن الإسكندرية عمر بن محمد العتبي٧ وعبد الله بن خلف الصواف وغيرهما خرج له عنهم الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن حجي جزءا حدث به وأخذ الفقه عن شيوخه بدمشق وتفقه وبرع وتميز وساد وشهر حتى صار شيخ البلاد الشامية وأحفظ الناس لفروع المذهب وناب في الحكم في بعض الجهات الدمشقية ثم انتقل إلى حلب واستوطنها،
стр. 43
وناب في الحكم عن ابن الصائغ١ أول ما قدم حلب ثم ترك ذلك وذكر لي القاضي شرف الدين الأنصاري أنه كان يأخذ العهد على أصحابه أنهم لا يلون القضاء ولما ترك القضاء اقتنع ببعض المدارس وأكب على الاشتغال وأقبل على التصنيف فصنف كتابا في المذهب سماه "قوة المحتاج" وآخر سماه "غنية المحتاج" كلاهما في شرح المنهاج ثم صنف "المتوسط في الفتح بين الروضة والشرح" يعني شرح الرافعي الكبير في عشرين مجلدة وهو كتاب جليل جمع فيه فأوعى وتعقب على المهمات للأسنوي واختصر الحاوي للماوردي ودرس بالمدرسة البلدقية بقرب الكلاسة وبالمدرسة الظاهرية وبالمدرسة الأسدية وبدار الحديث البهائية وله إعادة بعدة مدارس من مدارس الشافعية وتصدر بالجامع للافتاء والتدريس وشاعت فتاويه في الأفاق مع التوقي الشديد خصوصا في الطلاق وكان الشيخ زين الدين الباريني يجمع عنده فتاوي يستشكلها فيأتي الأذرعي فيسأله عنها ولم يكن له خبرة بحساب الفرائض وقد وقعت له في ذلك أغلاط اعتنى بجمعها فقيه ورد عليهم حلب من مصر يقال له النوي وأوقف عليها الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ ضياء الدين القربي فأطلق فيها ضياء الدين لسانه إذ لم يكن عارفا بحقيقته وعظم البلقيني شأنه لما يعرف من حاله لكنه كتب أنه لا يصلح للفتوى في الفرائض انتهى. وعرض له في آخر عمره سقطة وصمم شديد وكان كثير الإسناد للشعر وله نظم على طريقة الفقهاء وكانت وفاته عند الزوال من يوم الأحد الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وصلي عليه بالجامع الأموي بحلب المحروسة وتقدم عليه في الصلاة القاضي جمال الدين بن العديم٢ الحنفي ودفن من يومه خارج باب المقام تجاه تربة ابن الصاحب والغريب من تربة سودون ولم يخلف بعده بتلك الديار مثله وولي مشيختها السيد الشريف المؤلف المفيد شمس الدين
стр. 44
أبو المحاسن ويقال أبو عبد الله الحسيني الدمشقي ١ ميلاده سنة خمس عشرة وسبعمائة.
قال الحافظ الذهبي في المعجم: المحقق العالم الفقيه المحدث طلب وكتب الأجزاء وهو في زيادة من السماع والتحصيل والتخريج والإفادة وقال الحافظ ابن كثير: جمع أشياء مهمة في الحديث وكتب أسماء رجال مسند أحمد واختصر كتابا في أسماء الرجال مفيدا وولي مشيخة دار الحديث التي وقفهافي داره بهاء الدين القسم داخل باب توما وقال الحافظ ابن رافع جمع مختصرا من "تهذيب الكمال" لشيخنا المزي وزاد فيه رجال مسند أحمد وكتب بخطه كثيرا وقال الحافظ العراقي٢: إنه شرع في شرح "سنن النسائي" وقال تقي الدين الأسدي: ومن مؤلفاته "اختصار الأطراف للمزي" وكتاب "رياض الزاهدين في مناقب الخلفاء الراشدين" وكتاب "الإمام في آداب دخول الحمام" وكتاب" العرف الذكي في النسب الزكي" و"ذيلا على العبر" من سنة إحدى وأربعين إلى سنة اثنتين وستين كذا قال وفيه نظر إنما هو إلى أن توفي في شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة ودفن رحمه الله تعالى بقاسيون.
стр. 45
١١ - دار الحديث الحمصية
المعروفه بحلقة صاحب حمص لم نقف له على ترجمة ودرس فيها الحافظ أبو الحجاج المزي وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث الأشرفية بدمشق. ثم درس بها بعده الحافظ صلاح الدين العلائي قال الذهبي في "العبر" في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة: وفيها في المحرم درس العلائي بحلقة صاحب حمص بحضرة القضاة فأورد درسا باهرا نحو ستمائة سطر وقال تلميذه ابن كثير في تاريخه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وفي يوم الأربعاء ثاني المحرم درس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائي نزل له عتها شيخنا
стр. 46
الحافظ المزي وحضر عنده الفقهاء والقضاة والأعيان وذكر درسا حسنا مفيدا انتهى. وقال الصفدي في تاريخه في حرف الخاء المعجمة ما عبارته خليل بن كيكلدي بن عبد الله الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الفقيه الأصولي الأديب صلاح الدين أبن العلائي الدمشقي الشافعي ولد في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وستمائة أول سماعه صحيح مسلم سنة ثلاث وسبعمائة على الشيخ شرف الدين الفزاري خطيب دمشق عن المشايخ الأربعة عشر وفيها كمل عليه ختم القرآن العظيم ثم أنه سمع صحيح البخاري على أبن مشرف١ سنة أربع وفيها ابتدأ بقراءة العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكوي ثم أنه جد في طلب الحديث سنة عشر وسبعمائة وقرأ بنفسه على القاضي سليمان الحنبلي الكثير وعلى أبي بكر بن عبد الدائم وعيسى المطعم وإسماعيل بن مكتوم٢ وعبد الأحد بن تيمية٣ والقاسم بن عساكر وأبن عمه إسماعيل٤ وهذه الطبقة ومن بعدها وشيوخه بالسماع نحو سبعمائة شيخ ومن مسموعاته الكتب الستة وغالب دواوين الحديث وقد علق ذلك في مجلده سماه "آثار الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة" ومن تصانيفه أيضا كتاب "النفخات القدسية" في مجلد كبير بشتمل على تفسير آيات وشرح أحاديث ذكره مواعيد حفظا بالمسجد الأقصى و"كتاب الأربعين في أعمال المتقين" في ستة وأربعين جزءا وكتاب "تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض" و"برهان التيسير في عنوان التفسير" و"إحكام العنوان لأحكام القرآن" و"نزهة السفرة في تفسير خواتيم سورة البقرة" و"المباحث المختارة في تفسير آية الدية والكفارة" و"نظم الفوائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد" و"تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد" و"تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال" و"تحقيق الكلام في نية الصيام" و"شفاء المسترشدين في اختلاف
стр. 47
المجتهدين" و"رفع الاشتباه عن أحكام الإكراه" وغير ذلك ومن تصانيفه مما لم يتم إلى يومئذ كتاب "نهاية الإحكام لدراية الأحكام" وكتاب "الأربعين الكبرى" يقع كل حديث منها بطريقة والكلام عليه في مجلد وله التعليقات الأربعة الكبرى والوسطى والصغرى والمصرية في أثني عشر مجلدا ومن الأجزاء الحديثية ما يطول ذكره وخرج للقاضي تقي الدين ولأبن جماعة من الشيوخ وكان أولا يعاني الجندية ثم أنه في سنة خمس عشرة وسبعمائة عاود الاشتغال بالفقه والأصوليين وغير ذلك وحفظ التنبيه ومختصر أبن الحاجب ومقدمتيه في النحو والتصريف وكتاب "لباب الأربعين في أصول الدين" لسراج الدين الأموي وكتاب الإمام في الأحكام وعلق عليه حواشي ثم أنه رحل صحبة الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى زيارة القدس سنة سبع عشرة وسبعمائة وسمع من زينب بنت شكر١ وغيرها ولازم الشيخ كمال الدين المذكور سفرا وحضرا وعلق عنه كثيرا وحج معه سنة عشرين وسبعمائة وسمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري٢ ولازم القراءة على الشيخ برهان الدين الفزاري في الفقه والأصول مدة سنين وخرج له مشيخة وغيرها وولي تدريس الحديث بالناصرية سنة ثمان عشرة وسبعمائة ثم أنه درس بالأسدية سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وأفتى بأذن الشيخ كمال الدبن الزملكاني وقاضي القضاة سنة أربع وعشرين وسبعمائة ثم أنه درس بحلقة صاحب حمص سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثم أنتقل إلى تدريس المدرسة الصلاحية بالقدس سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وأقام به الى يومئذ وتولى مشيخة دار الحديث السيفية بالقدس اجتمعت به مرة بدمشق والقدس والقاهرة وارتوبت من فوائده في كل علم وقل إن رأيت مثله في تحقيق ما يقوله وتدقيقه ونقلت له من خطه خطبة أنشأها لدرس الحديث بحلقة صاحب حمص وهي قوله الحمد لله الذي رفع متن العلماء وجعل لهم من لدنه سندا وأبقى حديثهم الحسن على الإملاء أبدا وأمدهم بمتتابعات كرمه
стр. 48
المشهور بوصل ما كان مقطوعا وأعز من كان مفردا وحمى ضعيف قلوبهم من الاضطراب حتى غدت ثابتة الأفكار وعدد موازين نظرهم حين رجحت بفضلهم المبين بشواهد الاعتبار وأنجز لهم من صادق وعده علو قدرهم المرفوع وأطاب بألسنة الأقلام وأفواه المحابر مشافهة ثنائهم المسموع وجعل شرفهم موقوفا عليهم وشرف من عداهم من جملة الموضوع أحمده على حديث نعمة الحسن المتصل المسلسل وتواتر مننه التي يرفع بها تدليس كل أمر معضل ومزيد كرمه الذي عم المختلف والمؤتلف فلا ينقطع ولا يوقف على أن يطل وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له شهادة اتخذها لسعي الخير منهجا وآنس بها يوم أمسي في جانب اللحد غريبا وفي طي الأكفان مدرجا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أنصح من جاء عن ربه مرسلا وأفصح من خاطب بوحيه حتى أمسى جانب الشرك متروكا مهملا الذي رمى قلوب الأعداء وخشومهم بالتجريح وطاعن بالعوالي حتى استقام وقوي متن الدين الصحيح ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين أبادوا المنكر وأربى على المتفق والمختلف سنا مجدهم الأكبر صلاة معتبرة الإفراد دالة على أنهم في فضل الدنيا والآخرة نعم السادة الأفراد انتهى.
وقال السيد الحسيني في "ذيل العبر" في سنة إحدى وستين وسبعمائة: وفي الثالث المحرم مات شيخنا بقية الحفاظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي ثم المقدسي الشافعي مدرس المدرسة الصلاحية وغيرها بالقدس عن سبع وستين سنة وروى عن القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي وطبقته وأكثر وكان إماما في الفقه والنحو والأصول مفتنا في علوم الحديث ومعرفة الرجال علامة في المتون والأسانيد ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن توفي رحمه الله تعالى ببيت المقدس وولي بعده تدريس الصلاحية ابن الخطيب العلامة ابن جماعة١ ومشيخة التنكزية شهاب الدين محمود زاد الأسدي بالهامش قال شيخنا بتفويض منه متقدم ودرس بها
стр. 49
الشيخ علاء الدين المقدسي الشافعي.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في وافيه. علي بن أيوب بن منصور الشيخ الإمام علاء الدين المقدسي الشافعي معيد المدرسة الباذرائية كان يعرف بعليان وكتب ذلك بخطه في أول امرة ودرس بالأسدية وبحلقة صاحب حمص وسمع من الفخر ابن البخاري وعبد الرحمن ابن الزين١ وحدث بدمشق والقاهرة وكتب بخطه المليح في أول أمره كثيرا من كتب العلم ولما بيعت في حياته تغالى الناس فيها لصحتها وكان قد عني بالحديث وطلب بنفسه وقرأ بنفسه أيضا وحرر وجود الألفاظ وضبطها ثم أنه سكن القدس بآخره واختلط في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وكان يعبث في اختلاطه بذكر الجن ويقول قد وعدوني بأن يأتوا يسوقون نهرا من النيل ونهرا من زيت نابلس إلى داري هذه ويعد لذلك أماكن يكون بها الماء والزيت وأشياء من هذه المستحيلات وقاسى فقرا شديدا وفاقة وتوفي بالقدس سنة ثمان وأربعين وسبعمائة في شهر رمضان المعظم انتهى.
стр. 50
١٢ - دار الحديث الدوادارية والمدرسة والرباط
قال ابن كثير في سنة ثمان وتسعين وستمائة: وفيها وقف الأمير علم الدين سنجر الدوادار رواقه داخل باب الفرج دار حديث ومدرسة وولي مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار وحضر عنده القضاة والأعيان وعمل لهم ضيافة انتهى.
وقال الذهبي في العبر في سنة تسع وتسعين وستمائة: الأمير الكبير علم الدين سنجر التركي الصالحي كان من نجباء الترك وشجعانهم وعلمائهم وله مشاركة جيدة في الفقه والحديث. وفيه ديانة وكرم وسمع الكثير من الزكي المنذري٢ والرشيد العطار٣ وطبقتهما وله معجم كبير وأوقاف بدمشق
стр. 51
والقدس تحيز إلى حصن الأكراد فتوفي به رحمه الله تعالى في شهر رجب عن بضع وسبعين سنة انتهى. وقال الصلاح الصفدي في حرف السين المهملة: سنجر الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى الدواداري ولد سنة نيف وعشرين وستمائه وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وستمائه وقدم من الترك في حدود سنة اربعين وستمائه وكان مليح الشكل مهيبا كبير الوجه خفيف اللحيه صغير العينين ربعه من الرجال حسن الخلق والخلق فارسا شجاعا دينا خيرا عالما فاضلا مليح الخط حافظا لكتاب الله تعالى قرأ القرآن على الشيخ نجيب الدلاصي وغيره وحفظ الإشارة في الفقه للشيخ سليم الرازي١ وحصل له عناية بالحديث وسماعه سنة بضع وخمسين وسمع الكثير وكتب بخطه وحصل الأصول وخرج له المزي جزءين عوالي وخرج له البرزالي معجما في أربعة عشر جزءا وخرج له ابن الظاهري قبل ذلك معجما.
سار بكسوة البيت الشريف بعد أن أخذ بغداد من الديار المصرية وقبل ذلك كان نائبها الاستادار من الخليفة وحج مرة هو واثنان من مصر على الهجن وكان من الاسرى في أيام الظاهر ثم أعطى امرية بحلب ثم قدم دمشق وولي الشدمرة ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر ثم أمسك ثم أعيد إلى رتبته وأكثر ثم أعطى خبزا وتقدمة على الالف وتقلبت به الاحوال وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاشين٢ وقدمه على الجيش في غزوة سيس وكان لطيفا مع أهل الصلاح والحديث يتواضع لهم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم وله معروف كثير وأوقاف بدمشق والقدس وكان مجلسه عامرا بالعلماء والشعراء والأعيان وسمع الكثير بمصر والشام والحجاز وروي عن الزكي عبد العظيم٣ والرشيد العطار وابن عبد السلام٤ والكمال
стр. 52
الضرير١ والشرف المرسي وعبد الغني بن بنين٢ وإبراهيم بن بشارة وأحمد ابن حامد الأرتاحي وإسماعيل بن عزون٣ وسعد الله أبي الفضل الفتوحي وعبد الله بن يوسف بن اللمط٤ وعبد الرحمن بن يوسف المنبجي ولاحق الأرتاحي٥ وأبي بكر بن مكارم وفاطمة بنت الملثم بالقاهرة وفاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة المشرفة وابن عبد الدائم٦ وطائفة بدمشق وهبة الله ابن رزين وأحمد بن النحاس٧ بالاسكندرية وعبد الله بن علي بن معن وبأنطاكية وحلب المحمية وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص وطيبة والفيوم وجدة وقل من أنجب من الترك مثله وسمع منه خلق بدمشق والقاهرة وشهد الوقعة وهو ضعيف ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد فتوفي به ليلة الجمعة ثالث شهر رجب بتاريخ تقدم انتهى.
قلت وكان الشيخ فتح الدين به خصيصا ينام عنده ويساهره فقال لي: كان الامير علم الدين قد لبس الفقيري وتجرد وجاء مكة فجاور بها وكتب الطباق بخطه وكانت في وجهة آثار الضروب من الحروب وكان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبة كذا وهو في زيه وإلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءا فيه أحاديث الجهاد وقال: إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في عمارة جامع ابن طولون وفوض أمره إليه فعمره وعمر وقوفه وقرر فيه دروس الفقه والحديث وجعل من جملة ذلك وقفا يختص بالديوك التي تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها وزعم ان الديوك تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في الاسحار وضمن ذلك كتاب وقف فلما قرئ على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك فلما انتهى إلى ذكر الديوك أنكر ذلك وقال: ابطلوا هذه لا يضحك الناس علينا وكان سبب أختصاص فتح الدين به أنه سأل الشيخ.
стр. 53
شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري فلما استحضر تاريخها فسأل فتح الدين عن ذلك فأجابه وغالب رؤساء دمشق وكبارها وعلماؤها نشوءه وجمع الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مدائحه في مجلدين أو واحد وكتب ذلك بخطه وكتب إليه علاء الدين الوداعي١ بولد أسمه عمر ومن خطه نقلت:
قل للآمير وعزه في نجله ... عمر الذي أجرى الدموع أجاجا
حاشاء يظلم ربع صبرك بعدما ... أمسى لسكان الجنان سراجا
ومن خطه نقلت:
علم الدين لم يزل في طلاب الـ ... ـعلم والزهد سائحا زمالا
فيرى الناس رأيين ووراء ... عند الأربعين وأبدالا كذا
وقال فيه لما اخذ في دويرة السميساطي بيتا:
لدويرة الشيخ السميساطي من ... دون البقاع فضيلة لا تجهل
هي موطن للأولياء ونزهة ... في الدين والدنيا لمن يتأمل
كملت معاني فضلها مذ حلها ... العالم الفرد الغياث الموئل
إني لأنشد كلما شاهدتها ... ما مثل منزلة الدويرة منزل
انتهى.
والشيخ علاء الدين بن العطار الذي تولى مشيختها أولا هو كما قال الصلاح الصفدي في وافيه علي بن إبراهيم بن داود الشيخ الإمام المفتي المحدث الصالح بقية السلف علاء الدين أبو الحسن بن الموفق العطار ابن الطبيب الشافعي شيخ دار الحديث النورية ومدرس القوصية والعلمية يعني هذه لا العلمية الحنفية الآتية ثم قال ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة وتوفي في سنة أربع وعشرين وسبعمائة وحفظ القرآن وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر٢ وعبد العزيز بن عبد الله والجمال الصيرفي٣ وابن أبي
стр. 54
الخير١ والجمال محمد بن إسماعيل بن عساكر والعماد بن محمد صصري٢ وابن مالك شيخ الصوفية والشمس ابن هامل٣ وأبي بكر محمد بن البشتي وخطيب بيت الأبار٤ ومحمد بن عمر٥ الخطيب وابن أبي عصرون٦ وأحمد بن هبة الله الكهفي٧ والكمال بن فارس المقري والشيخ حسن الصقلي والفقيه زهير الزرعي والقاضي أبي محمد بن عطاء الأذرعي٨ ومدللة بنت الشيرجي وابن علوان المقري٩ وعدة وسمع بمكة من يوسف بن إسحاق الطبري وأبي اليمن بن عساكر١٠ وبالمدينة من أحمد بن محمد النقيبي وبالقدس من قطب الدين الزهري١١ وبنابلس من العماد عبد الحافظ وبالقاهرة من الأبرقوهي١٢ وابن دقيق العيد١٣ وعمل له الشيخ شمس الدين معجما سمعه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بقراءته سنة سبع وتسعين وابن الفخر وابن المجد١٤ والبرزالي والمقاتلي١٥ وصحب الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى وتفقه عليه وقرأ عليه التنبيه وأفتى ودرس وجمع وصنف ونسخ الأجزاء ودار مع الطلبة وسمع الكثير وكان فيه زهد ويفيد ويأمر بالمعروف على عادة في أخلاقه وله أتباع ومحبون أصيب بالفالج سنة إحدى وسبعمائة وكان يحمل في محفة إلى المدارس وإلى الجامع رأيته غير مرة ولم أسمع منه وكان والده يهوديا انتهى.
وذكره الذهبي في المعجم المختص وقال وأحسن باستجازته لي كبار المشيخة وفي العبر وقال: كان يلقب بمختصر النواوي وخرجت له معجما،
стр. 55
وأصابه فالج أكثر من عشرين سنة وذكره ابن كثير في تاريخه وقال له مصنفات وتواريخ وفوائد ومجاميع توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين مستهل ذي الحجة سنة أربع المذكورة وصلي عليه بالجامع ودفن بقاسيون وقال غيرهما أخذ عن جمال الدين بن مالك١ ولازم النواوي وهو أشهر أصحابه وأخصهم به لزمه طويلا وانتفع به وله معه حكايات واطلع على أحواله وكتب مصنفاته كثيرا وبيض منها ومن تصانيفه شرح العمدة لكنه أخذ شرح ابن دقيق العيد وزاد عليه من شرح مسلم للنواوي رحمه الله تعالى مع فوائد أخر حسنة سماء أحكام شرح عمدة الأحكام ومصنف في فضل الجهاد وآخر في حكم البلوى وابتلاء العباد وآخر في حكم الأخبار والاحتكار عند فقد غلاء الأسعار انتهى. قلت وممن درس بهذا المكان الشيخ الأصيل الفقيه نور الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ العالم الصالح القدوة نجم الدين أبي بكر بن محمد بن عمر ابن الشيخ الكبير أبي بكر ابن قوام بن علي بن قوام البالسي الأصيل الدمشقي المعروف بابن قوام ولد في شهر رمضان سنة سبع بتقديم السين عشرة وسبعمائة وسمع من جماعة وتفقه ودرس بالناصرية البرانية مدة سنين بعد أبيه وبالرباط الدواداري داخل باب الفرج وكان يحب السنة ويفهمها جيدا وقال ابن رافع سمع وتفقه ودرس وكان حسن الخلق توفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون بزاويتهم انتهى.
стр. 56
١٣ - دار الحديث السامرية
وبها خانقاه أوقفها الصدر الكبير سيف الدين أبو العباس أحمد بن محمد ابن علي بن جعفر البغدادي السامري بفتح الميم وتشديد الراء نسبه إلى مدينة سر من رأى وهي بلدة على الدجلة وينسب إليها أيضا بلفظ السرمري وهي إلى جانب الكروسية بدمشق وكانت داره التي يسكن فيها فدفن بها
стр. 57
بعد أن وقفها دار حديث وخانقاه وكان قد انتقل إلى دمشق وأقام بها بهذه الدار مدة وكانت قديما تعرف بدار ابن قوام بناها من حجارة منحوتة كلها وكان السامري كثير الأموال حسن الأخلاق معظما عند الدولة جميل المعاشرة له أشعار رائقة ومبتكرات فائقة توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة ست وتسعين وستمائة وقد كان له حظوة ببغداد عند الوزير ابن العلقمي١ وامتدح المستعصم٢ وخلع عليه خلعه سوداء سنية ثم قدم دمشق في أيام الناصر صاحب حلب فحظي عنده أيضا فسعى فيه أهل الدولة فصنف فيهم أرجوزة فتح عليهم بسببها باب مصادرة الملك لهم بعشرين ألف دينار فعظموه جدا وتوسلوا به إلى أغراضهم وله قصيدة في مدح النبي ﷺ وقد كتب عنه الحافظ الدمياطي شيئا من شعره قال ذلك كله ابن كثير في سنة ست وتسعين بعد أن قال في سنة ست وثمانين وستمائة وفيها استدعى سيف الدين السامري من دمشق إلى الديار المصرية ليشتري منه ربع قرية حزرما الذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى فذكر لهم أنه أوقفه وقد كان المتكلم في ذلك علم الدين الشجاعي وكان قد استنابه الملك المنصور بديار مصر وجعل يتقرب إليه بتحصيل الأموال فقرر لهم ناصر الدين محمد ابن أبي عبد الله عبد الرحمن المقدسي٣ أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف وهي غير رشيدة وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف٤ وأبطل البيع من أصله واسترجع على السامري بمغل عشرين سنة مائتي ألف درهم أخذوا منه حصة من الزنبقية قيمتها سبعون ألفا وعشرة آلاف مكملة وتركوه فقيرا على برد الديار ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوا ثم أرادوا أن يستدعوا الدماشقة واحدا بعد واحد ويصادروهم وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح وأن من ظلم بمصر أفلح وطالت مدته فكانوا يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم ويفعلون بهم ما أرادوا انتهى.
стр. 58
وممن ولي مشيختها الشهاب بن قوام قال الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة في ذيله في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة شهاب الدين أحمد بن علاء الدين علي بن قوام الشافعي حفظ المنهاج للنواوي وطلب الحديث وأفتى وولي مشيخة الحديث بالسامرية قبل الفتنة ثم أنه أصابه وجع في صلبه وأقعد وافتقر وصار يشهد وتكلم في شهادته وكان حسن المحاضرة له عقل جيد توفي في يوم الأحد سادس عشرين رجب سنة التاريخ المتقدم ودفن بالروضة رحمه الله تعالى انتهى.
стр. 59
١٤ - دار الحديث السكرية
بالقصاعين داخل باب الجابية وبها خانقاه لم أقف لواقفها على ترجمة وولي مشيختها الشيخ الإمام العالم الفقيه شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم بن محمد بن الخضر بن تيمية الحراني١. قال ابن كثير في سنة اثنتين وثمانين وستمائة: والد شيخنا العلامة العالم تقي الدين بن تيمية مفتي الفرق الفارق بين الفرق كانت له فضيلة حسنة ولديه فوائد كثيرة وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظهر قلبه وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين وبها كان مسكنة تم درس ولده الشيخ بها بعده في السنة الآتية كما سيأتي ودفن بمقابر الصوفية.
وقال ابن مفلح في طبقاته سمع من المجد والده٢ وغيره ورحل في صغره إلى حلب وسمع من ابن اللتي وابن رواحه٣ وقرأ العلم على والده المجد وتفنن في الفضائل ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه المجد وخطيبه وحاكمه وكان إماما كثير الفوائد جيد المشاركة في العلوم له يد طولي في الفرائض والغوامض والحساب والهيئة وكان دينا متواضعا حسن
стр. 60
الأخلاق جوادا من حسنات الدهر وكان من أنجم الهدى وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس إشارة إلى أبيه وابنه الشيخ تقي الدين فأن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائلها وعلومهما توفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد سلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة بدمشق ودفن من الغد بسفح جبل قاسيون انتهى. ولم يذكر أنه ولي مشيخة السكرية وقال إنه دفن بالسفح وهو وهم إنما دفن بالصوفية كما قاله ابن كثير ثم قال أيضا في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين وستمائة: وفي يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين وحضر عنده قاضي القضاه بهاء الدين يوسف بن الزكي الشافعي والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية والشيخ زين الدين بن المرحل والشيخ زين الدين المنجا الحنبلي١ وكان درسا هائلا حافلا يعني في البسملة كما ذكره ابن مفلح في طبقاته وقد ذكره الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره فأنه كان إذ ذاك عمره عشرين سنة وسنتين ثم جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضا يعني مكان والده بالجامع كما ذكره ابن كثير يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيء له لتفسير القرآن العزيز فابتدأ من أوله في تفسيره وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير ومن كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة.
زاد ابن مفلح في طبقاته وأنه كان بورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر وبقي يفسر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين. وأطال في ترجمته كثيرا، وشهرته تغني عن الاطناب في ذكره
стр. 61
والإشهار في أمره ولد يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران وقدم مع أهله سنة سبع وستين وستمائة إلى دمشق فسمع بها من ابن عبد الدائم والمجد بن عساكر وابن أبي الخير والقاسم الاربلي والمسلم بن علان وإبراهيم بن الدرجي١ وابن أبي اليسر وخلق كثير وأقبل على العلوم في صغره فأخذ الفقه والأصول عن والده والشيخ شمس الدين بن أبي عمر والشيخ شمس الدين بن المنجا٢ وبرع في ذلك وقرأ في العربية أياما على ابن عبد القوي ثم أخذ كتاب سيبويه وتأمله ففهمه وأقبل على تفسير القرآن العزيز فبرز فيه وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم ونظر في علم الكلام وبرز في ذلك على أهله ورد على رؤسائهم وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة وأمده الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الفهم وبطء النسيان وعني بالحديث أتم عناية ونسخ الأجزاء ودار على الشيوخ وخرج وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث وكان كثير المحاسن فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئا من ذلك وامتحن وأوذي مرات وحبس بقلعة مصر والقاهرة وبالإسكندرية وبقلعة دمشق مرتين وصنف التصانيف الحسنة التي هي أشهر من أن تذكر وأعرف من أن تنكر وحدث بدمشق ومصر والثغر وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث ومن تصانيفه وخرج له ابن الواني أربعين حديثا حدث بها وقد أفرد له الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي٣ ترجمة في مجلدة وكذلك أبو حفص البزار٤ البغدادي في كراريس ومات بدمشق في القلعة معتقلا سحر ليلة الاثنين عشرين ذي الحجة أو ذي القعد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثم جهز وأخرج إلى جامع البلد وكان الجمع أعظم من جمع الجمع حزر الرجال بستين ألفا وأكثر والنساء
стр. 62
بخمسة عشر ألفا صلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن١ بسوق الخيل بعد خروج جنازته من باب الفرج ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخيه بالشرق وهو عبد الله٢ أي أخيه ورؤيت له منامات حسنة ثم وليها بعده الحافظ ابن عبد الله الذهبي وهو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي الأصل الدمشقي الشافعي الإمام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء مؤرخ الشام ومفيده شمس الدين ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة بدمشق وجمع القراآت السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل بيت المقدس فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمر الداني ونظم حرز الأماني لأبي محمد القاسم الشاطبي٣ وعني بالحديث من سنة اثنين وتسعين وهلم جرا فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب الكبار والأجزاء على خلق كثير فسمع من أحمد بن عساكر٤ صحيح مسلم والموطأ للإمام مالك٥ رضي الله تعالى عنه رواية أبي مصعب وعلى ابن القواس٦ معجم ابن جميع٧ وعلى زينب بنت كندي وخلق كثير ورحل إلى مصر فسمع بها على أبي المعالي الأبرقوهي السيرة النبوية لابن إسحاق٨ وجزاء ابن الطلاية٩ وبالقاهرة من ابن الحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره وسمع بالإسكندرية من الغرافي١٠ وببعلبك من التاج عبد الخالق١١ وبحلب من سنقر١٢ وبنابلس من العماد بن بدران١٣ وغيره وبمكة من الفخر التوزي وعدة مشايخ وأجاز له بالاستدعاء الشيخ علاء الدين ابن العطار وأحمد بن أبي الخير بن سلامة الحداد والشيخ عبد الرحمن بن أبي
стр. 63
عمر وخلق كثير من أصحاب ابن طبرزد والكندي وحنبل وابن الحرستاني وغيرهم فشيوخه في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتين بالسماع والإجازة وخرج جماعة من شيوخه وأقرانه وعدل وخرج وصحح واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيرا من تواريخ المتقدمين والمتأخرين وصنف الكتب المفيدة منها تاريخ الإسلام عشرين مجلدا وميزان الاعتدال في نقد الرجال مجلدين وطبقات الحفاظ مجلدين وطبقات القراء مجلد والمغني في أحوال الرواة مجلد ومصنفاته ومختصراته وتخاريجه تقارب المائة وقد سار بكل منها الركبان في أقطار البلدان وولي مشيخة الظاهرية قديما ومشيخة النفيسية والفاضلية والسكرية هذه وأم الصالح وغير ذلك ولم يزل يكتب ويصنف وينتقي حتى أضر في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ومات رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء الثالث من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير ﵀ ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي قال الشيخ شمس الدين السيد في ذيل العبر سنة تسع وأربعين وسبعمائة والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي انتهى. وقال صلاح الدين الصفدي في تاريخه في حرف السين سليمان بن عبد الحكم الشيخ الإمام الفاضل صدر الدين الباردي بالباء الموحدة وبعد الألف راء ودال مهملة المالكي الأشعري مدرس المدرسة الشرابيشية بدمشق مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ووفاته يوم الأحد خامس جمادى الأخرة سنة تسع وأربعين وسبعمائة ودفن بالشرابيشية انتهى.
стр. 64
١٥ - دار الحديث الشقيشقية
بدرب البانياسي قال الذهبي في تاريخه فيمن مات سنة ست وخمسين وستمائة: وابن الشقيشقة المحدث نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز مظفر بن عقيل الشيباني الدمشقي الصفار الشاهد ولد بعد الثمانين وخمسمائة وسمع من حنبل وابن طبرزد وخلق كثير وروى مسند أحمد١.
стр. 65
وكان أديبا ظريفا مليح البزة رماه أبو شامة بالكذب ورقة الدين توفي في جمادى الآخرة ووقف داره بدمشق دار حديث انتهى. وقال تلميذه ابن كثير في سنة سبع وخمسين وستمائة: النجيب بن الشقيشقة الدمشقي أحد الشهود بها وله سماع حديث وقف داره بدرب البانياسي دار حديث وهي التي كان يسكنها شيخنا المزي الحافظ قبل انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية.
وقال أبو شامة: وكان ابن الشقيشقة وهو النجيب نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني مشهورا بالكذب ورقة الدين وغير ذلك وهو أحد الشهود المقدوح فيهم ولم يكن بحال أن يؤخذ عنه قال وقد أجلسه أحمد بن يحيى بن هبة الله الملقب بالصدر بن سني الدولة١، في حال ولايته قضاء القضاة بدمشق فأنشد فيه بعض الشعراء:
جلس الشقيشقة الشقي ليشهدا ... بأبيكما ماذا عدا في ما بدا
هل زلزل الزلزال أم قد أخرج الـ ... ـدجال أم عدم الرجال ذوو الهدى
عجبا لمحلول العقيدة جاهل ... بالشرع قبل أوانه أن يعقدا
وقيل قرأت من خط المصنف الذي هو شيخ لمشايخنا رحمه الله تعالى ما نصه:
عجبا لمحلول العقيدة جاهل ... بالشرع قد أذنوا له أن يعقدا
انتهى. وهو الصحيح كتبه عبد الرحمن بن الفرفور٢ عفى عنهم من خط المذكور بحروفه ولم أقف على أن أحمد ولي مشيختها.
стр. 66
١٦ - دار الحديث العروية
بمشهد ابن عروة بالجانب الشرقي من صحن الجامع الأموي قبلي الحلبية ويعرف قديما بمشهد علي رضي الله تعالى عنه قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تاريخه في سنة عشرين وستمائة: ابن عروة شرف الدين محمد بن
стр. 67
عروة الموصلي المنسوب إليه مشهد ابن عروة بالجامع الأموي لأنه أول من فتحه وكان مشحونا بالحواصل الجامعية وبنى فيه البركة ووقف على الحديث دروسا ووقف خزائن كتبه فيه وكان مقيما بالقدس الشريف ولكنه كان من خواص أصحاب الملك المعظم١ فانتقل إلى دمشق حين خرب سور بيت المقدس إلى أن توفي بها وقبره عند قباب طغتكين٢ قبلي المصلى.
وقال الصلاح الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات: المنسوب إليه المشهد محمد ابن عروة شرف الدين والموصلي إنما نسب إليه لأنه كان يخزن فيه آلات تتعلق بالجامع فعزله وبيضه وعمل له المحراب والخزانتين ووقف فيهما كتبا وجعله دار حديث توفي رحمه الله تعالى سنة عشرين وستمائة وأول من ولي مشيخته الفخر بن عساكر أبو منصور الدمشقي قال ابن كثير في تاريخه في سنة عشرين وستمائة فخر الدين بن عساكر عبد الرحمن بن محمد بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر أبو منصور الدمشقي شيخ الشافعية بها اشتغل من صغره بالعلم على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري٣ وتزوج بابنته ودرس مكانه بالجاروخية وبها كان يسكن في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما وبها توفي غربي الإيوان ثم ولي تدريس الصلاحية الناصرية بالقدس الشريف ثم ولاه الملك العادل تدريس التقوية وكان عنده من الأعيان ثم تفرغ فلزم المجاورة بالجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوى وكانت الفتاوى تفد إليه من كل الأقطار وكان كثير الذكر حسن السمت وكان يجلس تحت قبة النسر في كل يوم اثنين وخميس مكان عمه لإسماع الحديث بعد العصر فيقرأ دلائل النبوة وغيره وكان يحضر مشيخة دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة أول ما فتح وقد استدعاه الملك العادل لما عزل قاضيه زكي الدين بن الزكي٤ فأجلسه إلى جانبه وقت السماط وسأل منه أن يلي القضاء بدمشق فقال حتى أستخير الله
стр. 68
تعالى ثم امتنع من ذلك فشق على السلطان امتناعه وهم أن يؤذيه فقيل له احمد الله الذي في بلادك مثل هذا ولما توفي العادل١ وأعاد ابنه المعظم الخمور انكر عليه الشيخ الدين فبقى في نفسه منه فانتزع منه تدريس الصلاحية التي بالقدس وتدريس التقوية ولم يبق معه سوى الجاروخية ودار الحديث النورية ومشهد ابن عروة وكانت وفاته يوم الأربعاء بعد العصر عاشر رجب من هذه السنة وله خمس وستون سنة وصلي عليه بالجامع وكان يوما مشهودا وحملت جنازته إلى مقابر الصوفية فدفن بها في أولها قريبا من شيخه قطب الدين مسعود انتهى ملخصا.
وقال الذهبي في العبر: وكان له مصنفات في الفقة لم تنشر وقال الاسدي في تاريخه في سنة عشرين وستمائة: الشيخ فخر الدين بن عساكر عبد الرحمن ابن محمد بن الحسن بن عبد الله بن الحسين الإمام المفتي فخر الدين أبو منصور الدمشقي الشافعي ابن عساكر شيخ الشافعية بالشام ولد في شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة وسمع من عمية الصائن٢ والحافظ أبي القاسم٣ وحسان الزيات٤ وأبي المكارم بن هلال٥ وأبي المعالي بن صابر٦ وجماعة وتفقه على الشيخ قطب الدين النيسابوري حتى برع في الفقه وزوجه القطب بابنته وولي تدريس الجاروخية ثم الصلاحية بالقدس ثم تدريس العزيزية وكان عنده بالتقوية فضلاء الوقت حتى كانت تسمى نظامية الشام وهو أول من درس بالعذراوية في سنة ثلاث وتسعين وكان يقيم بالقدس الشريف أشهرا وبدمشق الشام أشهرا وكان لا يمل الشخص من النظر إليه لحسن سمته واقتصاده في لباسه ولطفه ونور وجهه وكان لا يخلو لسانه من ذكر الله تعالى وكان يسمع عليه تحت قبة النسر وهو المكان الذي كان يسمع فيه على الحافظ أبي القاسم عمه وكان العادل قد طلبه لتوليه القضاء فألح عليه فامتنع وأصر على
стр. 69
الامتناع وأشار بتولية ابن الحرستاني.
قال أبو شامه" كان يتورع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأتموا بالوقيعة فيه وذلك ان عوامهم يبغضون بني عساكر لأنهم أعيان الأشعرية الشافعية وعزله الملك المعظم عن توليته تدريس العادلية لكونه أنكر عليه تضمين المكوس والخمور ثم أنه لما حج اخذ منه التقوية واخذت منه قبل ذلك الصلاحية التي بالقدس وما بقي معه الا الجاروخية روى عنه الزكي البرزالي والضياء المقدسي والتاج عبد الوهاب بن زين الامناء١ والزين خالد٢ وغيرهم وتفقه عليه جماعة منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال ابن الحاجب هو أحد الائمة المبرزين بل وأوحدهم فضلا وكبيرهم شيخ الشافعية في وقته وكان إماما زاهدا ذاكرا لله كثير التهجد غزير الدمعة حسن الإخلاق كثير التواضع قليل لغضب سلك طريق أهل اليقين وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع وفي نشر العلم وكان مطرح التكلف وعرض عليه مناصب وولايات دينية فتركها وحدث بمكة المشرفة ودمشق والقدس الشريف وصنف في الفقه وفي الحديث عدة مصنفات.
قال الشهاب القوصي في معجمه: كان شيخنا فخر الدين كثير البكاء سريع الدموع كثير الورع والخشوع وافر التواضع عظيم الخضوع وكثير التهجد قليل الهجوع مبرزا في علم الأصول والفروع جمعت له العلوم والزهادة وعليه تفقهت فأحرزت الإفادة توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب قال أبو شامة أخبرني من حضر وفاته قال: صلى الظهر ثم جعل يسأل عن العصر فقيل له لم يقرب وقتها فتوضأ ثم تشهد وهو جالس وقال: رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا لقنني الله حجتي وأقالني عثرتي ورحم غربتي ثم قال: وعليكم السلام فعلمت أنه قد حضرته الملائكة ثم انقلب على قفاه ميتا رحمه الله تعالى ودفن بمقابر الصوفية بطرفها الشرقي
стр. 70
جوار تربة شيخه القطب وكان الجمع لا ينحصر من الكثرة انتهى كلام الأسدي ثم وليها بعده الحافظ زكي الدين البرزالي.
قال الصفدي في الوافي: محمد بن يوسف بن محمد بن يداس بالياء التحتية والدال المهملة المشددة والسين المهملة بعد الألف الحافظ الرحال زكي الدين أبو عبد الله البرزالي ذكر ان مولده تقريبا سنة سبع وسبعين وخمسمائة قدم دمشق سنة خمس وستمائة ثم رجع إلى مصر ثم رد إلى دمشق ورحل إلى خرسان وبلاد الجبل وسمع بأصبهان ونيسابور ومرو وهراة وهمذان وبغداد والري والموصل وتكريت وإربل وحلب وحران وعاد إلى دمشق بعد خمس سنين واستوطنها وكتب بخطه عن دير ودرج وأم بمسجد فلوس طرف ميدان الحصى وولي مشيخة مشهد عروة ولم يفتر عن السماع حدث بالكثير وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وستمائة انتهى.
قال ابن كثير في سنة ست وثلاثين المذكورة: الحافظ الكبير زكي الدين أبو عبد الله احد من اعتنى بصناعة الحديث وبرز فيه وأفاد الطلبة وكان شيخ الحديث بمشهد عروة ثم سافر إلى حلب فتوفي بحماة في رابع عشر شهر رمضان من هذه السنة وهو والد شيخنا علم الدين القاسم بن محمد البرزالي مؤرخ دمشق الذي ذيل على الشيخ شهاب الدين أبي شامة وقد ذيلت انا على تاريخه بعون الله تعالى وقدرته انتهى. ثم وليها بعده العلامة الفخري الحنبلي.
قال ابن كثير في تاريخه سنة ثمان وثمانين وستمائة: الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة وشيخ الصدرية وكان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وعبادة وزهادة ولد سنة إحدى عشرة وستمائة وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب فيها انتهى وهذا آخر ما انتهى عمن ولي مشيختها وأما مشيخة الحديث بالجامع الأموي فالظاهر انها غير مشيخة عروة هذا وهي التي وليها الشيخ المقري شمس الدين محمد بن سلام الشافعي.
стр. 71
قال تقي الدين الأسدي في ذيله في صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة عنه: قرأ القرآن على الشيخ نجم الدين العجمي وكان له دكان يتسبب فيها ويحيى في شهر رمضان بمحراب الصحابة ﵃ ثم بعد الفتنة قرأ صحيح البخاري على الشيخ جمال الدين بن الشرايحي وأذن له في قراءته وصحب الشيخ محمد بن قديدار١ ولازمه فصار من خواصه الملازمين له وعرفه الناس بواسطة الشيخ وحصل له وظائف جيدة مشيخة الحديث بالجامع الأموي وأذان وقراءة حديث وجلس بالجامع يقرأ عليه القرآن والبخاري ويشتغل مع ذلك بالعلم مع الطلبة وعنده سكون ويقرأ الحديث بفصاحة طعن يوم الاثنين خامس عشرة وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس تاسع عشرة وصلى عليه بالجامع الأموي الشيخ محمد بن قديدار وقاضي القضاة وخلق كثير مع أنه كان يوما مطيرا ودفن بمقبرة باب الصغير وهو في عشر الخمسين وعمل له الؤذنون من الغد بعد الصلاة ختمة في المقصورة انتهى واستقر في مشيخة إسماع الحديث بالجامع الأموي عوضه الشيخ العلامة شمس الدين البرماوي وجرى بسبب ولايته فتنة كانت هي أول أسباب محنة القاضي نجم الدين ابن حجي٢ الشافعي وقد قرأ البخاري بالجامع المذكور خلق كثير منهم ما قاله الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة في شوال سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وممن توفي الخطيب الخير الفاضل زين الدين بن طلحة بن السلف ربي بأرض المصلى وقرأ التنبيه أو بعضه واشتغل بالفرائض والحساب وفضل فيهما واشتغل بالنحو وقرأ البخاري بالجامع الأموي عدة سنين ولازمني في الفقه في التنبيه وشرحه مدة ومع ذلك فلم ينجب لوقوف ذهنه وكان في آخر عمره يكتب على فتاوى الفرائض والحساب ويأخذ الأجرة على ذلك كغيره من أصحاب هذا الفن وخطب بالمصلى مدة طويلة وبيده أذان بالجامع وهو أخو الرئيس فخر الدين وبيده فقاهات وكان ضغيف البنية منقبضا عن الناس،
стр. 72
سليم الباطن وكان الشيخ تقي الدين الحصني١ يقصد أن يصلي خلفه الجمعة توفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء رابع عشرة وصلي عليه بالمصلى ودفن بالباب الصغير عن نحو ستين سنة انتهى.
وقوله ويأخذ الأجرة على ذلك إلى آخره، قال الصفدي في تاريخه في ترجمة محمد بن موهوب بن الحسن الفرضي الضرير: إنه كان أوحد أهل وقته في علم الفرائض والحساب وله مصنفات حسنة في ذلك قرأ عليه جماعة وتخرجوا به إلى أن قال: وكان لا يأخذ أجرة على تعليمه الفرائض والحساب ولكن يأخذ الأجرة على الجبر والمقابلة ويقول الفرائض مهمة وهذا من الفضل انتهى ولم يذكر له وقت وفاة ولا ميلاد.
стр. 73
١٧ - دار الحديث الفاضلية
بالكلاسة كذا رأيته بخط الشيخ تقي الدين الأسدي ورأيت في كتاب ابن شداد٢ قال زكرياء: في الجامع من حلق الحديث ميعاد بالكلاسة للقاضي الفاضل انتهى. وقال أبو شامة في كلامه على وفاة صلاح الدين٣: إن تربته جوار المكان الذي زاده الفاضل في المسجد انتهى قلت والفاضل هو عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسين بن أحمد ابن الفرج بن احمد القاضي محيي الدين٤ وقيل مجير الدين أبو علي ابن القاضي الأشرف ابي الحسن اللخمي البيساني العسقلاني المولد المصري المنشأ صاحب العبارة والفصاحة والبلاغة والبراعة ولد في جمادى الأولى سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وخمسمائة.
وقال الأسدي في تاريخه سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة: انتهت إليه براعة الإنشاء وبلاغة الترسل وله في ذلك معان مبتكرة لم يسبق إليها مع كثرتها اشتغل بصناعة الترسل على الموفق يوسف بن الخلال٥ شيخ الإنشاء
стр. 74
للمتأخرين ثم إنه دخل ثغر الإسكندرية في سفينة وأقام بها مدة.
قال عمارة١ الفقيه اليمني: ومن محاسن العادل بن الصالح بن رزيك خروج امره إلى والي الإسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه في ديوان الجيوش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء أصلها ثابت وفرعها في السماء وقد سمع أبا طاهر السلفي٢ وأبا محمد العثماني وأبا طاهر ابن عوف وأبا القاسم ابن عساكر الحافظ وعثمان بن سعيد بن فرج العبدي وكان كثير الصدقات والصوم والصلاة ورده في كل يوم وليلة ختمة كاملة.
قال المنذري: ركن السلطان صلاح الدين إليه ركونا تاما وتقدم عنده كثيرا وله آثار جميلة ظاهرة مع ما كان عليه من الإغضاء ولاحتمال وقال الموفق عبد اللطيف٣: كان له غرام بالكتابة وتحصيل الكتب وكان له العفاف والدين والتقى مواظب على اوراده ولما ملك أسد الدين شيركوه احتاج إلى كاتب فأحضره فأعجبه سمته وتصوره فلما ملك صلاح الدين استخلصه لنفسه وحسن اعتقاده فيه وكان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد مشتغلا بالأدب وكان قليل النحو لكن له دربة قوية توجب قلة اللحن وكتب في الإنشاء ما لم يكتبه أحد وكان متقللا في مطعمه ومنكحه ولباسه يلبس البياض ولا يبلغ جميع ما عليه من ثياب دينارين ويركب معه غلام وركابي ولا يمكن أحدا أن يصحبه ويكثر لقي الجنائز وعيادة المرضى وزيارة القبور وله معروف في السر والعلانية وكان ضعيف البنية رقيق الصورة له حدبة يغطيها الطيلسان وكان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه ولا يضر أحدا به ولأصحاب الفضائل عنده نفاق يحسن إليهم ولا يمن عليهم ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم والإعراض عنهم وكان دخله ومعلومه في السنة نحو خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند
стр. 75
والمغرب وغيرهما وأحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال وإقبال الإدبار وهذا يدل على أن الله تعالى به عناية.
وقال ابن خلكان: نقل عنه أنه قال أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا اجتمعت ما تقصر عن مائة مجلدة وله نظم كثير وقيل أن كتبه التي ملكها تكون مائة ألف مجلدة. وقد اثنى عليه العماد الكاتب١ اثناء عظيما في الخريدة وغيرها توفي فجأة في سابع شهر ربيع الآخر يوم دخول العادل إلى قصر مصر واحتفل الناس في جنازته وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل وتأسف عليه ويقال أنه لما سمع أن الملك العادل لما أخذ الديار المصرية دعا على نفسه بالموت خشية أن يستدعيه وزيره صفي الدين بن شكر٢ أو يجري في حقه إهانة فأصبح ميتا رحمه الله تعالى وكان له معاملة حسنة مع الله تعالى وتهجد بالليل وله مدرسة بالقاهرة على الشافعية والمالكية ومكتب للأيتام وترجمه الذهبي في تاريخه في ورقتين ونصف وقال: إنه كتب في ديوان الإنشاء في الدولة الفاطمية ولما صار أسد الدين شيركوه وزيرا في الديار المصرية جعله كاتبا ومشيرا وقال ابن كثير: والعجب أن القاضي الفاضل مع براعته وفصاحته التي لا يداني فيهما ولا يجارى لا يعرف له قصيده طويلة طنانة له ما بين البيت والبيتين والثلاثة في أثناء الرسائل وغيرها انتهى كلام الأسدي. قال بعضهم: بل له قصيدة طويلة مطلعها:
لله روض بالحدائق محدق ... وبكل ما تهوى النواظر مونق
وهي فوق الثلاثين بيتا وغيرها أطول منها انتهى. قلت والوقف على دار الحديث هذه مزرعة برتايا لصيق أرض حمورية يفصل بينهما نهر كذا أخبرني المحب بن سالم وغيره وهي بيد الزيني عبد الغني بن السراج ابن الخواجا شمس الدين بن المزلق ثم صارت للمحب ناظر الجيش بدمشق في سنة خمس عشرة وتسعمائة ولعل أول من درس بها التقي اليلداني انتهى قال ابن كثير في سنة خمس وخمسين وستمائة: وبها توفي الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي