وخلف أباه في أشغال الطلبة بهذه المدرسة وغيرها الافتاء قال الذهبي في معجم شيوخه ناب في مشيخة دار الحديث أشهرا فبهرت معرفته وخضع له الفضلاء ومناقبه يطول شرحها توفي رحمه الله تعالى بالبادرائية في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ودفن عند أبيه وعمه.
قال ابن كثير في سنة خمس وسبعمائة: وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتوليه الفزاري الخطابة عوضا عن عمه شرف الدين المتوفى وخلع عليه بذلك وباشر يوم الجمعة ثالث عشر الشهر وخطب الشيخ برهان الدين خطبة حسنة حضرها القاضي والأعيان ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة وآثر بقاءه على تدريس البادرائية حين بلغه أنها طلبت لتؤخذ منه فبقي منصب الخطابة شاغرا ونائب الخطيب يصلي بالناس ويخطب ودخل عيد الفطر وليس للناس خطيب وقد كاتب نائب السلطنة في ذلك في المرسوم بالزامه بذلك وفيه لعلمنا بأهليته وكفايته واستمراره على ما بيده من تدريس البادرائية فباشرها في صفر كمال الدين ابن الشيرازي وسعى في البادرائية فأخذها وباشرها في صفر من السنة الآتية بتوقيع سلطاني فعزل الفزاري نفسه من الخطابة ولزم بيته فراسل نائب السلطنة في ذلك فصصم على العزل وأنه لا يعود إليها أبدا وذكر أنه عاجز عنها فلما تحقق ذلك نائب السلطنة أعاد إليه مدرسته وكتب له بها توقيعا في العشر الأول من ذي الحجة انتهى.
والشيخ كمال الدين بن الشيرازي الذي درس بها مدة يسيرة هو الصدر الكبير العالم أبو القاسم أحمد ابن الصدر عماد الدين محمد بن محمد بن الشيرازي ولد سنة سبعين بتقديم السين وستمائة وسمع من جماعة وحفظ من مختصر المزني١ وتفقه على الشيخين تاج الدين الفزاري وزين الدين الفارقي وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي ودرس في وقت بالشامية البرانية ثم ولي تدريس الناصرية الجوانية مدة سنين إلى حين وفاته
стр. 177
توفي رحمه الله تعالى ثالث عشر صفر سنة ست وثلاثين وسبعمائة وصلي عليه بالجامع المعروف بتنكز ودفن بتربتهم بسفح قاسيون. قال الذهبي في العبر: عن ست وستين ببستانة بأرض الحميريين وروى عن أبيه [و] ابن البخاري وذكر للقضاء وكان له معرفة وتواضع وصيانة وقال البرزالي: وأثنى علية القاضيان ابن جماعة وابن الحريري وكان يكتب الخط المنسوب وكذا والده انتهى. ثم ولي تدريسها بعد وفاة البرهان الفزاري الشيخ شهاب بن جهبل.
قال ابن كثير في سنة تسع وعشرين: وفي يوم الاثنين منتصف جمادى الآخرة درس القاضي شهاب الدين بن جهبل بالمدرسة البادرائية عوضا عن شيخنا برهان الدين الفزاري توفي إلى رحمة الله تعالى وأخذ مشيخة دار الحديث الظاهرية منه الحافظ شمس الدين الذهبي وحضرها في يوم الأربعاء سبع عشرة ونزل عن خطابة كفر بطنا انتهى وشهاب الدين بن جهبل هذا هو الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن طاهر بن نصر بن جهبل الحلبي الأصل الدمشقي ولد بكرة يوم الخميس الخامس والعشرين من المحرم سنة سبعين وستمائة وسمع من جماعة واشتغل بالعلوم ولزم الشيخ صدر الدين بن المرحل وأخذ عن الشيخ شرف الدين المقدسي وغيره ودرس بالصلاحية بالقدس مدة ثم تركها وتحول إلى دمشق فباشر مشيخة الحديث الظاهرية مدة وولي تدريس البادرائية هذه واستمر فيها إلى أن مات وهو أصغر من أخيه الشيخ محيي الدين إسماعيل المتقدم ذكره في المدرسة الأتابكية ومات قبله أيضا وقال ابن كثير: ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما سمع منه الحافظ علم الدين البرزالي وله رد على ابن تيمية في نحو كراسين توفي بدمشق يوم الخميس بعد العصر تاسع جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر الصوفية قال البرزالي وكان كريم النفس يؤثر الطلبة والأصحاب وحج مرارا وطال مرضه وأيقن بقرب الوفاة ووهب وأحسن ونظر في أمره ومات على أحسن حال انتهى وقال البرزالي وابن كثير في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة: وفي
стр. 178
خامس عشرين شهر رجب درس بالبادرائية القاضي علاء الدين علي بن شريف ويعرف بابن الوحيد الزرعي عوضا عن ابن جهبل توفي في الشهر الماضي وحضر عنده القضاة وجمع من الفقهاء والاعيان انتهى كلامهما ثم ولي تدريسها في سنة إحدى وأربعين الكمال بن الشريشي وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث الناصرية ثم درس بها شيخ الشافعيه ولده شرف الدين ميلاده بحمص سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وسبعمائة أخذ العلم عن والده والشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة وأضرابهما من مشايخ عصره وقرأ في الاصول والنحو والمعاني والبيان وشارك في ذلك كله مشاركة قوية ونشأ في عبادة وتقشف وسكون وأدب وانجماع عن الناس ودرس بالناصرية في شهر ربيع الاول سنة خمسين نزل له والده عنها كما سيأتي فيها وأستمر يدرس بها إلى حين وفاته وناب للقاضي تاج الدين في أخر عمره ومن بعده درس بالرواحية مدة يسيرة ولازم الاشغال والافتاء واشتهر بذلك وصار هو المقصود بالفتاوي من سائر الجهات وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة ونقل عن الشيخ زين الدين القرشي أنه قال يقبح علينا أن نفتي مع وجود ابن الشريشي وتخرج به خلق كثير من فقهاء البادرائيه وغيرهم وكتب بخطه أشياء كثيره وكان محببا إلى الناس ليس فيه شيء من الشر بل كله خير كثير وانتهت إليه وإلى رفيقه الشيخ شهاب الدين الزهري١ رئاسة الشافعية.
قال الحافظ شهاب الدين بن حجي: لازم القاضي تاج الدين وحضر حلقته فاستنابه في الحكم قبل موته بيسير واستمر ينوب عن القضاة التي بعده نحو عشرين سنة وتصدر للاشتغال بالجامع وأفتى وأشتهر بالافتاء وكان ساكنا وقورا قليل الشر ريض الاخلاق ولديه مشاركة حسنة في الاصول والعربيه والادب انتهى توفي رحمه الله تعالى في صفر سنة خمس وتسعين وسبعمائة ودفن بتربتهم في الصالحية مقابل جامع الافرم في السفح ثم درس بها الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الحلبي ثم الدمشقي قاضي كرك نوح على نبينا
стр. 179
وعليه الصلاة والسلام والخطيب بها قال ابن حجي السعدي كان من خيار الفقهاء وقد ولي قضاء القدس وولي تدريس البادرائية بدمشق مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانمائة ثم ولي تدريسها الشيخ شرف الدين موسى بن سعيد المعروف بابن البابا الدمشقي ثم المصري.
قال الاسدي: في شعبان سنة عشر اشتغل بمصر وفضل وكان رفيقا لشيخنا الشيخ جمال الدين الطيماني في الطلب وجاء بعد الفتنة إلى دمشق ونزل في خانقاه خاتون ثم ولي تدريس البادرائية اسما بغير حضور ولا معلوم طائل قال وكان علمه نتفا يسيرة من الفقه وبعض أصول وجملة من النحو والطب من أشهر علومه ويكتب خطا حسنا وكلامه بتقاعد وتمشيخ وكان قد شرع في شرح على التمييز للبارزي فكتب من ذلك يسيرا قيل إنه كان يذكر العبارات من غير تصرف توفي ليلة السبت سابعة ودفن من الغد بالصالحية وحضر جنازته طائفة من الفقهاء وكان أسمر اللون يشبه الزيالع وكان قد شاخ وغلب البياض على شعره وكان بيده تصدير نزل عنه قبل موته لنجم الدين بن حجي ونصف الخطابة بجامع التوبة نزل عنه أيضا لنجم الدين في مرض موته وتدريس البادرائية وليه كاتب السر البصروي انتهى ولم أقف على ترجمة كاتب السر هذا.
ثم درس بها القاضي شمس الدين محمد بن كامل التدمري وناب في الحكم بدمشق وولي قضاء القدس ذكره العثماني في طبقاته بأنه توفي في سنة إحدى وأربعين وآخر من علمنا ولي تدريسها الشيخ الفقيه الصالح الخير شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد الحسيني الشافعي ابن أخي الشيخ تقي الدين الحصني اشتغل في العلم وفضل في النحو وانتفع بعمه ولزم طريقته في العبادة والتجرد ومع ذلك ولي تدريس البادرائية ولم يقبض بها معلوما وقام في عمارة المدرسة المذكورة وكان يذهب إلى اللاذقيه لرفق الحال بها فيقيم هناك مدة ويرجع إلى دمشق وهناك توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الاول سنة أربع وتسعين وثمانمائة وصلى عليه في
стр. 180
الجامع الاموي بعد صلاة يوم الجمعة وكان أشعريا منحرفا على التيمية وأعاد بها جماعة منهم الامام الفقيه علاء الدين علي بن أيوب بن منصور ابن رزين المقدسي [بالسين المهملة] ولد سنة ست وستين وستمائة تقريبا وقرأ على الشيخ تاج الدين الفزاري وولده برهان الدين وبرع في الفقه والعربية سمع منه الذهبي وذكره في المعجم المختص وقال فيه الامام الفقيه البارع المحدث بقية السلف قرأ بنفسه ونسخ أجزاء وأعاد بالبادرائية ثم تحول إلى القدس الشريف ودرس بالصلاحية ثم تغير وجف دماغه وكان إذا سمع عليه في حال تغيره يحضر ذهنه وتقدمت تتمة ترجمته بدار الحديث الحمصية.
ومنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي بكر بن الحسن بن يوسف ابن التميمي الجوهري المقدسي بالسين المعحمة في آخره ويقال له المقدشاوي معيد البادرائية هذه مع الشيخ علاء الدين المقدسي بالسين المهملة المتقدم وهو من الانفاق العجيب بسبب أن الشيخ علاء الدين المقدسي بالمهملة وأبو عبد الله هذا بالمعجمة وهما معيدان في هذه المدرسة في وقت واحد قال الذهبي في المشتبه: حدثنا أبو عبد الله هذا عن ابن الذخميسي قال ابن ناصر الدين في توضيحه: إن نسبته إلى مقدشو بلدة مشهورة من قرى الحبشة مما يلي الزنج ويعرف بابن الكلوي انتهى.
ومنهم الحافظ ابن الخراط قال الذهبي في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة: ومات بدمشق معيد البادرائية المعمر علاء الدين علي بن عثمان الخراط حدث عن ابن البخاري وغيره وعمل خطبا ومقامات انتهى ومنهم الكواكبي وهو الشيخ شمس الدين محمد بن عمر بن عثمان الكواكبي سمع من الحجار وغيره وتفقه وأعاد بالبادرائية ثم أنتقل إلى الكرك وناب في الحكم قال ابن رافع: وكتب بخطه كثيرا من الكتب بلغنا وفاته رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة تسع وستين وسبعمائة انتهى.
стр. 181
٣٦ - المدرسة البهنسية
بجبل الصالحية أنشأها الوزير مجد الدين المعروف بأبي الأشبال الحارث ابن مهلب كان وزير الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. قال ابن كثير في تاريخه في سنة ثمان وعشرين وستمائة: ألمجد البهنسي وزير الملك الأشرف ثم عزله وصادره ولما توفي دفن بتربته التي أنشأها بالسفح وجعل كتبه بها وقفا وأجرى عليها أوقافا جيدة دارة انتهى. قال الأسدي في هذه السنة المذكورة: واقف البهنسية بالسفح الحارث القاضي الجليل مجد الدين أبو الأشبال ابن الرئيس العالم النحوي مهذب الدين أبي المحاسن المهلب بن حسن بن بركات بن علي بن غياث المهلبي المصري الشافعي المعروف بالمجد البهنسي أتصل بالصاحب رضي الدين بن شكر وسافر معه إلى الشام وغيرها وترسل إلى الديوان العزيز وإلى ملوك النواحي ووقف وقفا يحصر على الزاوية التي كان والده يقرئ بها بالجامع العتيق وهو أخو الفقيه [موفق الدين] بن عقيل وكان المجد ذا يد طولي في اللغة وله شعر حسن توفي بدمشق في صفر وقد جاوز السبعين كتب عنه الفرضي وغيره شعرا وقد وزر بالشرق للأشرف. قال السبط: لم يقطع رزق أحد وكان حسن المحاضرة عاقلا لم يكن فيه ما يعاب إلا استهتاره ثم إن الأشرف نكبه وصادره وحبسه مدة انتهى. قال ابن شداد: درس بها القاضي نجم الدين بن سني الدولة ثم من بعده شمس الدين بن خلكان ثم من بعده عادت إلى نجم الدين أيضا ثم أعطاها لولده شمس الدين محمد وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. وقد تقدمت ترجمة ابن سني الدولة وابن خلكان في المدرسة الامينية انتهى.
стр. 182
٣٧ - المدرسة التقوية
هي من أجل مدارس دمشق داخل باب الفراديس شمالي الجامع شرقي الظاهرية والاقباليتين بانيها في سنة أربع وسبعين وخمسمائة الملك المظفر تقي
стр. 183
الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وله بمصر المدرسة المعروفة بمنازل العز بناها للعلامة شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي١ الشافعي قال ابن كثير في تاريخه: وله بحماة مدرسة هائلة وكذلك بدمشق مدرسة مشهورة وعليها أوقاف كثيرة وقال الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام في سنة سبع وثمانين وخمسمائة: وصاحب حماة المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين توفي يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان وكان بطلا شجاعا له مواقف مشهورة انتهى. قال الأسدي في تاريخه في السنة المذكورة: وفيها أنعم السلطان صلاح الدين على ابن أخيه تقي الدين عمر بحماة والمعرة وأفامية ومنبج فتسلمها وبعث نوابه إليها ثم توجه الملك المظفر تقي الدين وترتب في خدمته أميران كبيران شمس الدين بن المقدم٢ وسيف الدين بن المشطوب٣ وكانوا في مقابلة صاحب أنطاكية وترتب بحمص بن شيركوه في مقابلة المقومين وفيها وقف السلطان تقي الدين عمر مدرسة بدمشق انتهى وقال في سنة سبع وثمانين وخمسمائة: السلطان تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين صاحب المدرسة التقوية الأمير نور الدين والدولة شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن مناكرد وصاحب حماة وأبو ملوكها كان بطلا شجاعا له مواقف مشهودة في قتال الفرنج مع عمه صلاح الدين وكان يحبه وهو الذي اعطاه حماة واستنابه بمصر مدة واعطاه المعرة وسلمية وكفر طاب وميافارقين واللاذقية وجبلة ثم اعطاه في العام الماضي حران والرها وأذن له السلطان في السفر إلى تلك البلاد ليقرر قواعدها وسار إليها في سبعمائة فارس وكان علي الهمة فقصد مدينة حاني فحصرها وافتتحها فلما سمع بكتمر٤ صاحب خلاط سار لقتاله في أربعة الآف واربع مائة فارس فالتقوا فلم يثبت عسكر خلاط وانهزموا فسار تقي الدين وراءهم وأخذ قلعة لبكتمر ونازل خلاط وحاصرها فلم ينل غرضا لقلة عسكره ونازل منازكرد مدة
стр. 184
وله افعال بين مصر والفيوم ودمشق وغيرها وسمع بالإسكندرية من السلفي وإسماعيل بن عوف١ وكان فيه عدل وكرم ورئاسة وكان تقي الدين قد حدث نفسه بملك مصر لما مرض عمه فلم يتم له وعوفي عمه صلاح الدين وعزله وطلبه إلى الشام فامتنع وهم بالتوجه إلى بلاد المغرب ثم أن السلطان كتب إليه وثنى عزمه فقدم الشام فأحسن إليه عمه واكرمه وزاده وداراة واعطاه عدة بلاد.
قال ابن واصل٢: كان المظفر عمر شجاعا جوادا شديد البأس عظيم الهيبة وكان من اركان البيت الأيوبي وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن أصيب السلطان صلاح الدين بموته لأنه كان من اعظم اعوانه على الشدائد قال صاحب المرآة وله ديوان شعر وذكره ابن كثير في طبقات الفقهاء الشافعية لبنائه المدرسة المشهورة بدمشق توفي رحمه الله تعالى وهو يحاصر منازكرد من اعمال أرمينية ثم نقل إلى حماة فدفن بها في مدرسة له بنيت بظاهر حماة واستقر بعده في ملك حماة ولده المنصور محمد٣ وأخرجت عنه بقية البلاد ودام ملك حماة في أولاده إلى بعد الاربعين وستمائة ومن شعره رحمه الله تعالى:
دمشق سقاك الله صوب غمامة ... فما غائب عنها لدي رشيد
فز بسعد إلى أن ابيت بأرضها ... الآ أنني لوصح لي لسعيد
وله:
أرى قوما حفظت لهم عهودا ... فخانوني ولم يرعوا حفاظا
لهم عندي محافظة فألفى ... لهم خلقا وأفئدة غلاضا
وله يمدح عمه صلاح الدين:
خير الملوك أبو المظفر يوسف ... ما مثل سيرته الشريفة يعرف
стр. 185
لو سطرت سير الملوك رأيتها ... ديوان شعر وهي فيها مصحف
ملك يبيت الدهر يرعد هيبة ... منه وليس يخافه من ينصف
انتهى. وقال أبو شامة في كتاب الروضتين في سنة سبع وثمانين: قال العماد في شهر ربيع الأول منها تولى القضاء القاضي محيي الدين محمد بن الزكي أي قضاء دمشق. وفيها وفي يوم تاسع عشر شهر رمضان كانت وفاة تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين وهو على محاصرة منازكرد وكان كما تقدم قد توجه إلى بلاده التي زاده إياها السلطان صلاح الدين وراء الفرات فامتدت عينه إلى بلاد غيره واستولى على السويداء وعلى مدينة حاني وعزم على قصد خلاط وكسر صاحبها سيف الدين بكتمر وتملك معظم تلك البلاد ثم أناخ على منازكرد يحاصرها ومعه عساكر كثيرة فأناخت بجسده المنية بسبب مرض اعتراه وزاد إلى أن بلغ منه المراد وأخفى ولده الملك المنصور وفاته ورحل عن البلد المحصور وفاته وعاد به إلى البلاد التي في يد وعجب الناس من حزمه وعزمه وثباته وجلده وجاءت رسله إلى السلطان تخبره بأنه قام مقام والده فيما كان له من البلدان وطلب منه شروطا نسبه بسببها إلى العصيان وكاد أمره يضطرب وقلبه يكتئب وشأنه ينعكس وينقلب حتى احتمى بالملك العادل فنصره واظهره إلى الوجود.
وقال ابن شداد: كانت وفاته في طريق خلاط عائدا إلى ميا فارقين فحمل ميتا حتى وصل به إلى ميافارقين ثم عملت له تربة عليها مدرسة مشهورة وحمل إليها ودفن بها انتهى. وكان مولده في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة كذا قاله شيخنا الأسدي في كواكبه: وقال ابن شداد: أول من ذكر الدرس بها قاضي القضاة محيي الدين محمد بن علي ومن بعده محيي الدين بن زكي الدين ثم انتزعت من يده ووليها فخر الدين ثم عادت إلى محيي الدين ثم تولاها عماد الدين بن الحرستاني قال الأسدي: ودرس بها في سنة ثمان وعشرين وستمائة انتهى. قال ابن شداد: ثم عادت إلى القاضي محيي الدين أبي الفضل يحيى ثم إلى ولده عماد الدين ثم من بعده إلى أخيه علاء الدين أحمد ثم من
стр. 186
بعده إلى زكي الدين الحسن ثم من بعده إلى علاء الدين أحمد وهو مستمر بها إلى الآن انتهى قلت ولعل أول من درس بها أبو المظفر ابن عساكر فإنها وقفت سنة أربع وسبعين وخمسمائة وهو توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ولم أقف على وفاة قاضي القضاة محيي الدين محمد بن الزكي١.
وأبو المظفر هذا قال الأسدي في تاريخه في سنة إحدى وسبعين المذكورة: عبد الله بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله أبو المظفر بن عساكر أخو زين الدين ويقال زين الأمناء بن عساكر الدمشقي الشافعي مولده في شهر رجب سنة تسع وأربعين وخمسمائة وتفقه على القطب النيسابوري وغيره وسمع من عميه الصائن والحافظ وجماعة وقرأ الأدب على محمود بن نعمة بن أرسلان الشيرازي النحوي وخرج أربعين حديثا وحدث بدمشق ومصر والقدس وحماة وشيزر والإسكندرية ودرس بدمشق بالتقوية وكان مجمع الفضائل قتل غيلة بظاهر القاهرة في شهر ربيع الأول انتهى.
ثم درس بها بعد قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي شيخ الشافعية الفخر ابن عساكر وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث العروية ثم بها درس الإمام الفقيه قاضي القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف ابن قاضي القضاة محيي الدين يحيى ابن قاضي القضاة منتجب الدين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة زكي الدين علي ابن قاضي القضاة منتجب الدين محمد بن زكي الدين القرشي الدمشقي ولد سنة أربعين وستمائة وسمع بمصر والشام من جماعة وأخذ عن أبيه وأخذ العلوم العقلية عن القاضي كمال الدين التفليسي٢ وولي القضاء بعد ابن الصائغ سنة اثنتين وثمانين إلى أن توفي وهو أخر من ولي القضاء من هذا البيت وقد جمع أجل مدارس دمشق وهي العزيزية والتقوية والفلكية والعادلية والمجاهدية والكلاسة توفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وستمائة عن خمس وأربعين
стр. 187
سنة ودفن بتربتهم جوار الشيخ العارف محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى.
ثم درس بها القاضي الرئيس إمام الدين عبد العزيز أبو محمد ابن قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن محمد بن الزكي أخو المتقدم قال الصلاح الصفدي درس بالتقوية والعزيزية وهو أحد من ولي نظر الجامع غير مرة وكان صدرا رئيسا محتشما مليح الشكل وعين للقضاء قرأ عليه البرزالي مشيخة أبي شهر بروايته حضورا عن إبراهيم بن خليل١ مولده سنة أربع وخمسين وستمائة وتوفي كهلا سنة تسع وتسعين وستمائة انتهى.
ثم درس بها المعمر الصالح كمال الدين محمد بن القاضي محيي الدين بن الزكي قال الحافظ شمس الدين الحسيني في ذيل العبر سنة أربع وأربعين وسبعمائة ومات الكمال ابن الزكي القرشي الشافعي مدرس التقوية والعزيزية عن سن غالية وسمع من ابن البخاري وغيره ودرس بعده بالتقوية القاضي الإمام تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن السبكي وأخذ في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ انتهى. وفد تقدمت ترجمة القاضي الإمام تاج الدين هذا في دار الحديث الأشرفية الدمشقية.
ثم درس بها الإمام العلامة المصنف الجامع بين أشتات العلوم شمس الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان الصرخدي نيابة لكن لا أعلم عمن ناب أخذ العلوم عن مشايخ ذلك العصر وممن أخذ عنه الشيخ شمس الدين ابن قاضي شهبة والشيخ عماد الدين الحسباني وأبو العباس العنابي وكان أجمع أهل البلد لفنون العلم أفتى ودرس واشتغل وصنف غير أن لسانه كان قاصرا وقلمه أحسن من لسانه وكان حظه من الدنيا قليلا لم يحصل له شيء من المناصب وإنما درس بالتقوية هذه والكلاسة نيابة وله تصدير بالجامع وكان ينصر مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري٢ كثيرا ويعادي الحنابلة وصنف شرح المختصر ثلاثة أجزاء واختصر إعراب السفاقسي واعترض عليه
стр. 188
في مواضع واختصر قواعد العلائي والتمهيد للأسنوي١ واعترض عليهما في مواضع واختصر المهمات وغير ذلك وكتب الكثير بخطه واحترق غالب مصنفاته في الفتنة قبل تبييضها وكان فقيرا وله عائلة توفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة أو ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ودفن بباب الصغير بالقرب من معاوية رضي الله تعالى عنه.
وقال الشيخ تقي الدين الأسدي في الذيل في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة: الفقيه الفاضل بدر الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الله خلف بن كامل التقوي الشافعي مولده سنة أربع وستين وتوفي ليلة الاثنين حادي عشره ببستان بأرض حمام الزمرد وصلي عليه من الغد بعد صلاة الظهر بالجامع المظفري ٢ ودفن عند والده بتربته غربي الجامع المذكور وقد نزل لولده وهو صغير عن نصف وظائفه وهي تدريس التقوية وتدريس القوصية وحصة في نظر وقف التقوية ونزل لي عن النصف الآخر ثم قال في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين: وفي يوم الأربعاء حادي عشريه حضرت الدرس بالمدرسة التقوية وأخذت في أول كتاب الحج من التنبيه ثم قال في يوم الجمعة رابع ذي الحجة سنة خمس وثلاثين: وقد سألني في نيابة القاضي الجديد كمال الدين البارزي فامتنعت عن استنابته فلما كان هذا اليوم سئلت في ذلك وألحوا علي فأجبت استحياء من القاضي والحاضرين وترك لي القاضي نصف تدريس التقوية وكان لي في نفس الأمر ولكن كان القاضي قد تغلب عليه انتهى.
ثم درس بها ولده شيخنا المرحوم العلامة بدر الدين أبو الفضل محمد بن قاضي شهبة ثم نزل عن تدريسها للقاضي محب الدين أبي الفضل محمد ابن شيخنا القاضي برهان الدين بن قاضي عجلون ثم درس بها نيابة عنه في نصف تدريسها واستقلالا في النصف الآخر صهره العلامة كمال الدين ابن القاضي عز الدين بن حمزة الحسيني في شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين
стр. 189
وثمانمائة في أول كتاب صلاة الجماعة وحضره جماعه منهم العلامة زين الدين خطاب١ وآخرون وحضرت معهم وقد تقدمت تراجم هؤلاء في المدرسة الأمجدية.
فائدة: قال الذهبي في عبره في سنة أربع وسبعين وستمائة: وظهير الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله الريحاني الشافعي المفتي أحد مشايخ الصوفية كان إمام التقوية وغالب نهاره بها صحب الشيخ شهاب الدين السهروردي وروي عنه وعن أبي المعالي صاعد رحمه الله تعالى توفي في شهر رمضان وله سبع وسبعون سنة انتهى. هذا آخر ما انتهى إلينا من تدريس التقوية من السادة العلماء الشافعية.
стр. 190
٣٨ - المدرسة الجاروخية
داخل بابي الفرج والفراديس لصيقة الإقبالية الحنفية شمالي الجامع الأموي والظاهرية الجوانية قال ابن شداد: بانيها جاروخ التركماني يلقب بسيف الدين انتهى، وقال في العبر في سنة تسع وثلاثين وستمائة البدر علي بن عبد الصمد بن عبد الجليل الرازي المؤدب بمكتب جاروخ بدمشق روى عن السلفي ثمانين الآجري٢ توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر انتهى. بناها جاروخ برسم المدرس العلامة الإمام أبي القاسم محمود بن المبارك بن علي ابن المبارك المعروف بالمجير الواسطي ثم البغدادي الشافعي أحد العلماء الأذكياء والمحررين في المذهب تفقه بالنظامية على أبي منصور بن الرزاز٣ وغيره وسمع الحديث من جماعة وكان ذكيا فصيحا بليغا أعاد في شبيبته للإمام أبي النجيب السهروردي٤ في مدرسته ثم سار إلى دمشق فدرس بالمدرسة التي بنيت له وهي هذه الجاروخية المذكورة قاله ابن كثير وابن قاضي شهبة في تاريخيهما في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فخرج إلى دمشق
стр. 191
ونشر بها علم الطب واتصل بامرأة من بنات الملوك وبنت له مدرسة جاروخ ثم توجه إلى شيراز وبني له بها مدرسة فلما جاءت دولة ابن القصاب١ أحضره إلى بغداد وولاه تدريس النظامية ويوم ألقى الدرس كان يوما مشهودا فدرس بها اسبوعا وسير في الرسالة إلى همذان وكان أحذق أهل زمانه مع سكون ظاهر وقلة انزعاج روى عنه ابن خليل في معجمه وخرج رسولا إلى خوارزم شاه إلى أصبهان فمات بطريقه بهمدان في ذي القعدة ودفن هناك انتهى. وقال ابن الدبيثي٢ برع في المذهب حتى صار أوحد أهل زمانه وتفرد بمعرفة الأصول والكلام وما رأينا أجمع لفنون العلم منه مع حسن العبارة وكان بينه وبين شيخ الشافعية جمال الدين بن فضلان٣ مناظرات وكان كل منهما يشنع على الآخر وتوفي ابن فضلان بعده في شعبان سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وقال الذهبي في العبر في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: والمجير الإمام محمود ابن المبارك الواسطي البغدادي الفقيه الشافعي أحد الأذكياء والمناظرين تفقه على أبي منصور بن الرزاز وأخذ علم النظر عن أبي الفتوح محمد بن الفضل الأسفرائيني٤ وصار المشار إليه في زمانه والمقدم على أقرانه حدث عن ابن الحصين٥ وجماعة ودرس بالنظامية وكان طويلا جدا غواصا على المعاني قدم دمشق وبنيت له مدرسة جاروخ ثم توجه إلى شيراز وبنى له ملكها مدرسة ثم أحضره ابن القصاب وقدمه انتهى. وابن القصاب المذكور هو الوزير الكبير مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي البغدادي المنشئ البليغ توفي في هذه السنة المذكورة وهي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ثم درس بها الفقيه أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المعروف بالمصيصي الأشعري نسبا ومذهبا سكن دمشق ودرس بهذه المدرسة كما قاله ابن
стр. 192
شداد وبالغزالية كما سيأتي فيها بعد شيخه نصر وله أوقاف على وجوه البر توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ودفن بمقابر باب الصغير ثم درس بها بعده الفقيه قطب الدين وهو النيسابوري صاحب كتاب الهادي في الفقه وقال الأسنوي وهو مختصر قريب من مختصر التبريزي١ في الحجم كانت المتفقهة في بعض النواحي من الأعصار المتقدمة يحفظونه وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث العروية ثم وليها الشيخ شهاب االدين أحمد ابن شيخ الإسلام ويعرف بالأعرج وكان زاهدا عالما فاضلا بارعا وله قدم مع الملوك ناب في ديار العدل بالديار المصرية ثم وليها الشيخ نجم الدين البارزي وتوفي رحمه الله تعالى بها لفالج لحقه ثم وليها تاج الدين أبو بكر بن علي بن أبي طالب الإسكندري ثم وليها الشيخ مجد الدين عبد المجيد الروذراوري وكان عالما أديبا فاضلا في أنواع العلوم وتوفي بها ثم وليها الشيخ كمال الدين محمد بن رضي الدين أحمد بن علي المعروف بابن النجار وكيل بيت المال بدمشق إلى سنة تسع وستين وستمائة ثم وليها عز الدين عمر الأردبيلي ثم وليها نجم الدين الفاروثي ورد من بغداد فولي بها إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة وارتحل عنها إلى الحجاز ثم ردت إلى عز الدين عمر الأردبيلي وهو مستمر بها إلى الآن قال ذلك ابن شداد وهو عجب فان ممن درس بها قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة وقد مات سنة ثمان وخمسين وستمائة ولم يذكره وقد تقدمت ترجمة قاضي القضاة هذا في المدرسة الإقبالية.
ثم ممن درس بها الفقيه الإمام العالم المناظر شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام بتشديد اللام ابن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام الدمشقي الشافعي ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة واشتغل وبرع وحصل وناظر وأفتى. وقال ابن كثير: ودرس بالجاروخية والعذراوية وأعاد بالظاهرية وولي إفتاء دار العدل أيام الأفرم
стр. 193
ومن كلام الكتبي يفهم أنه أول من ولي إفتاء دار العدل وكان واسع الصدر كبير الهمة كريم النفس مشكور السيرة في فهمه وخطه فصاحته ومناظرته. قال الذهبي: وكان من الأذكياء توفي رحمه الله تعالى رابع عشرين شهر رمضان سنة سبع بتقديم السين عشرة وسبعمائة ودفنت بباب الصغير وترك أولادا ودينا كثيرا فوفته عنه زوجته بنت زويزان تقبل الله تعالى منها وسيأتي ذكر والده كمال الدين في الدولعية وقال ابن كثير في هذه السنة المذكورة: وفي سادس عشر شوال درس بالجاروخية القاضي كمال الدين محمد ابن الشيخ كمال الدين بن الشريشي بعد وفاة الشيخ شرف الدين بن سلام وحضر عنده الأعيان والكبار انتهى. وقد تقدمت ترجمة القاضي كمال الدين هذا في دار الحديث الناصرية وقال ابن كثير في سنة ثلاثين وسبعمائة: الشيخ نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن نصر الموصلي المعروف والموصوف بابن الشحام اشتغل ببلده ثم سافر وأقام بمدينة سراي من مملكة أزبك خان ثم قدم دمشق في سنة أربع وعشرين فدرس بالظاهرية البرانية ثم بالجاروخية وأضيف إليه مشيخة رباط القصر ثم نزل عن ذلك لزوج ابنته نور الدين الأردبيلي توفي في شهر ربيع الأول وكان يعرف طرفا من الفقه والطب انتهى.
ثم درس بها بعده الإمام العالم العلامة الفقيه الأصولي نور الدين أبو محمد فرج بن محمد بن أحمد بن أبي الفرج الأردبيلي قرأ المعقولات بتبريز وتخرج بالشيخ فخر الدين الجاربردي١ ثم قدم دمشق واشتغل في الفقه ودرس بالظاهرية البرانية والجاروخية هذه ثم بالناصرية الجوانية قال الحافظ تقي الدين بن رافع: كان دينا خيرا ملازما للاشتغال والجمع بشوش الوجه حسن الملتقي متواضعا انتهى. وقال السيد في ذيل العبر: وشرح منهاجي البيضاوي والنواوي توفي شهيدا في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبعمائة ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى ثم وليها العلامة عماد الدين
стр. 194
الحسباني وقد تقدمت ترجمته في الاقبالية وهذا آخر ما وقفنا عليه من مدرسيها.
تنبيه: قال ابن كثير في سنة ست وتسعين وخمسمائة: الفقيه مجد الدين أبو محمد طاهر بن نصر الله بن جهبل مدرس القدس الشريف اول من درس بالصلاحية وهو والد الفقهاء من بني جهبل كانوا بالمدرسة الجاروخية ثم صاروا إلى العمادية والدماغية في أيامنا هذه ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم انتهى قلت وهو الذي بشر بفتح بيت المقدس للسلطان صلاح الدين حين فتح حلب الشهباء قال ابن كثير في سنة تسع وسبعين وخمسمائة: وقد كان بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب الشهباء وذلك ان الفقيه مجد الدين ابن جهبل الشافعي رأي في تفسير إبي الحكم المغربي١ عند قوله تعالى ﴿ألم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآية البشارة بفتح بيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة واستدل على ذلك بأشياء فكتبه في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى٢ الهكاري ليبشر بها السلطان فلم يتجاسر على ذلك خوفا من عدم المطابقة فأعلم بذلك القاضي محيي الدين بن الزكي فنظم معناها في قصيدة يقول فيها:
وفتحكم حلب الشهباء في صفر ... مبشر بأفتتاح القدس في رجب
وقدمها للسلطان صلاح الدين فتشوقت همة السلطان إلى ذلك فلما افتتحها كما سيأتي أمر القاضي محيي الدين بن الزكي فخطب يومئذ وكان يوم الجمعة ولما بلغه أن ابن جهبل هو الذي اطلع على ذلك اولا امره فدرس على نفس الصخرة درسا عظيما واحسن إليه وأجزل له العطاء وبالغ في الثناء عليه انتهى.
وقال في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة: واستمر القاضي محيي الدين محمد بن علي بن الزكي القرشي يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمعات ثم ق ٤ رر السلطان للقدس خطيبا مستقرا وارسل إلى حلب فاستحضر المنبر الذي كان
стр. 195
الملك العادل نور الدين محمود قد استعمله لبيت المقدس لما كان يؤمله من فتحه في حياته فلما كان إلا على يدي بعض أتباعه بعد وفاته رحمه الله تعالى.
نكته: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين: وقد تكلم عليه شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في تفسيره الأول فقال: وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي يعني ابن برجان في أول سورة الروم إخبار عن فتح بيت المقدس وأنه ينتزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قال السخاوي: ولم أر مأخذ ذلك من علم الحرف وإنما أخذه فيما زعم من قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ الآية فبنى الأمر على التاريخ كما فعله المنجمون ثم ذكر أنهم سيغلبون في سنة كذا على ما يقتضيه دوائر التقدير ثم قال: وهذه نجابة وافقت إصابة إن صح أنه قال: ذلك قبل وقوعه وكان في كتابه قبل حدوثه قال: وليس هذا من قبيل علم الحرف ولا من ناب الكرامات لأنها لا تنال بحساب قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه قلت ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ويقال إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع ان يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين لأن مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة فتهيأ لأسباب ذلك حتى انه أعد منبرا عظيما هائلا لبيت المقدس إذا فتحه الله تعالى على يديه والله أعلم بالصواب انتهى.
стр. 196
٣٩ - المدرسة الحمصية
تجاه الشامية البرانية قال ابن كثير في سنة ست وعشرين وسبعمائة: وفي يوم الأحد رابع عشر ذي القعدة فتحت المدرسة الحمصية تجاه الشامية البرانية ودرس بها العالم العلامة محيي الدين الطرابلسي وكان رحمه الله تعالى قاضي حصن عكار ويلقب بأبي رياح وحضر عنده الشيخ العالم القاضي الشافعي يعني جلال الدين القزويني انتهى.
стр. 197
المجرسة الحلبية
...
٤٠ - المدرسة الحلبية
هي بخط السبعة أقيمت الجمعة فيها سنة ثلاث عشرة وثمانمائة قال ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى في صفر اربع عشرة وثمانمائة ثم قال: وفي رجب سنة خمس عشرة وممن توفي فيها شهاب الدين احمد بن عبد الخالق كان في أول أمره مغنيا يعلم الجواري الغناء ثم تاب عن ذلك وكان ملازما للصلاة ووقف إلى جانب المدرسة الحلبية مسجدا وأصنافه إلى المدرسة المذكورة ووقف عليها وقفا ولم يخلف ولدا ووقف ثلث قاعة على الزيت الذي يوقد في الحجرة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام والثلث على زوجته والثلث الثالث على ابن أخيه ووقف على قراءة البخاري بالحلبية ومآل ذلك إلى الزيت على الحجرة المذكورة توفي يوم الأحد مستهل الشهر المذكور وكان شيخا دينا جدا انتهى. ثم قال في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثمانمائة: في وفاة الأمير سيف الدين زمرة أثر الظاهري الحاجب أصله من مماليك برقوق ولي الحجوبية بدمشق بعد الفتنة وحصل مالا من المغسلين للموتى بدمشق ثم وقع بينه وبين قاضي القضاة علاء الدين بن أبي البقاء وضرب بعض الشهود وترافعوا إلى النائب الشيخ خاصكي١ فعزل بعد ذلك بقليل وتحمل لقلة من بقي من إخوته وشيخه وبقي بطالا مدة طويلة وحصل أملاكا كثيرة توفي ليلة الأحد عاشر الشهر المذكور ودفن بمقبرة الشيخ ارسلان ﵀ ورحمنا به في الدنيا والآخرة وهو في سن السبعين وبنى على قبره قبة ومات رحمه الله تعالى عن غير ولد ووقف املاكه كلها على جهات بر بمكة المكرمة وبالمدينة المنورة على الحال بها افضل الصلاة وأتم السلام ووقف بعض شيء من أملاكه على مدرسة أبي عمر رحمه الله تعالى ورحمنا به في الدارين آمين وجعل بعض شيء للمدرسة الحلبية
стр. 198
وكانت المدرسة المذكورة مقابل بيته وكان مقابل داره سبيلا وجعل شيئا من قراءة الحديث للمدرسة الحلبية المذكورة وقراء البخاري وجهات بر وخير رحمه الله تعالى ونفعه بما فعل وأجزل له العمل آمين انتهى ذلك ملخصا.
стр. 199
٤١ - المدرسة الخبيصية
قبلي الزنجاري قال الأسدي في المحرم سنة أربع عشرة وثمان: مائة أقضى القضاة بدر الدين حسين المعروف بابن قاضي أذرعات اشتغل في النحو على شرف الدين الأنطاكي حتى فضل في ذلك وأخذ الفقه عن نجم الدين ابن الجابي١ وشرف الدين بن الشريشي واشتغل مع الفقهاء أي فقهاء البادرائية وصحب القاضي سري الدين٢ ثم صحب قاضي القضاة علاء الدين٣ واختص به كثيرا وحصل له منه نفع ووظائف وناب بعد الفتنة لقاضي القضاة نجم الدين بن حجي ولقاضي القضاة الأخنائي ولشهاب الدين الباعوني ثم ترك ذلك وأشهد عليه انه تاب من ولاية القضاة وكان يكتب خطا حسنا سريعا نسخ بخطه أشياء كثيرة وكان فصيح العبارة ذكيا ولكنه كان قليل الاستحضار للفقه وله تصدير بالجامع يشتغل فيه وكان قليل الأذى بلسانه وفعاله وكان آخر عمره خيرا من أوله وختم له بالشهادة فتوفي ليلة الأحد وقت المغرب سلخ الشهر بسكنه بأعلى مدرسة الخبيصية ودفن من الغد بتربه الشيخ أرسلان وحضر جنازته خلق كثير وخلف ثلاثة بنين وكتب جهاته وهي التصدير وإعادة العذراوية ومشيخة مدرسة الخبيصية وعمالة السميساطية ونصف خطابة الكرك والفقاهات باسم أولاده ولم يكن بيده تدريس وكان كريم النفس وكان له أربعة عشر من فقهاء الشافعية المشهورين انتهى وقال الأسدي في شهر رمضان سنة ست عشرة وثمانمائة وممن صلى في هذا الشهر بالقرآن الكريم عبد الوهاب ابن
стр. 200
الشيخ بدر الدين ابن قاضي أذرعات بمدرسة الخبيصية وحضر ختمه القاضي تاج الدين الزهري١ وجماعة من الفقهاء وابن القاضي تاج الدين المالكي بالشاغور وابن الأمير محمد بن سعد الدين المنجكي صلى بمكان بني منجك وهو بسويقة ساروحا بناه الزين بن سعد الدين في سنة ثلاث وأربعين وختم بجامع تنكز وخلع عليه الاستدار أرغون شاه خلعة بطراز وركب في ختمه هو والحاجب الثاني شاهين الشبلي انتهى كلامه.
стр. 201
٤٢ - المدرسة الخليلية
بدمشق. قال الشريف الحسيني في ذيل العبر سنة ست وأربعين وسبعمائة: مات بحمص نائبها الأمير سيف الدين بكتمر الخليلي صاحب مدرسة الخليلية بدمشق ونقل إليها في تابوت فدفن بالقبيبات رحمه الله تعالى.
стр. 202
٤٣ - المدرسة الدماغية
داخل باب الفرج غربي الباب الثاني الذي قبلي باب الطاحون وهي قبلي وشرقي الطريق الآخذ إلى باب القلعة الشرقي وهذا الطريق بينها وبين الخندق وهي أيضا شمالي العمادية منتصفة بين الشافعية والحنفية قال ابن شداد المدرسة الدماغية على الفريقين منشئها جده فارس الدين بن الدماغ زوجة شجاع الدين بن الدماغ العادلي ٢ في سنة ثمان وثلاثين وستمائة قال ابن كثير في سنة أربع عشرة وستمائة: الشجاع محمود المعروف بابن الدماغ كان من أصدقاء العادل يضحكه فحصل اموالا جزيلة كانت داره داخل باب الفرج فجعلتها زوجته عائشة مدرسة للشافعية والحنفية ووقفت عليها أوقافا وقال الأسدي في سنة أربع عشرة المذكورة شجاع الدين محمود ابن الدماغ قال أبو شامة: كان من أصدقاء العادل في زمن شبيبته وبقي معه في زمن السلطنة مضحكا له وحصل له ثروة عظيمة توفي بدمشق في ذي
стр. 203
القعدة وداره بدمشق جعلتها زوجته عائشة مدرسة للفريقين الشافعية والحنفية بحضرة باب الفرج انتهى ووقفها بقصر اللباد شرقي مقري ثمانية أسهم من أربعة وعشرين سهما وهي الثلث من المزرعة الدماغية والحصة من رجم الحيات والحصة من حمام إسرائيل خارج دمشق والحصة بدير سلمان من المرج ومزرعة شرخوب عند قصر أم حكيم شرقي قرية عراد وقبلي شقحب وقال الأسدي ومحاكرات وغير ذلك وقال في سنة خمس عشرة وستمائة من تاريخه إن نعل النبي ﷺ اليمنى كانت بهذه المدرسة الدماغية والنعل اليسرى بدار الحديث الأشرفية الدمشقية وإن تمرلنك أخذ الفردتين فاعرفه قال ابن شداد أول من درس بها من الشافعية قاضي القضاة شمس الدين الخويي المشهور ثم موفق الدين الخويي بشرط الموافقة وكان الناظر عليها ثم شهاب الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين الخويي ثم كمال الدين التفليسي ثم عماد الدين بن يونس الموصلي مستمرا بها إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وستمائة ٤ انتهى ثم درس بها وهو شاب قاضي القضاة ذو الفنون شهاب الدين أبو عبد الله محمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس احمد ابن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي قاضي دمشق وابن قاضيها ولد في شوال سنة ست وعشرين وستمائة بدمشق وله ترجمة طويلة توفي في خامس عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة ودفن بتربته بالسفح
وقال ابن كثير في سنة ثلاث وثمانين وستمائة في وفاة عز الدين ابن الصائغ ودرس بعده بالعذراوية الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن المرحل وكيل بيت المال ودرس ابنه محيي الدين أحمد بالعمادية وزاوية الكلاسة في جامع دمشق ثم توفي ابنه احمد بعده في يوم الاربعاء ثامن شهر رجب فدرس بالعمادية والدماغية الشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث نيابة عن أولاد القاضي عز الدين بن الصائغ بدر الدين وعلاء الدين انتهى ثم درس بها الشيخ الإمام الزاهد بدر الدين ابو اليسر محمد ابن قاضي القضاة عز
стр. 204
الدين محمد بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد بن جابر الأنصاري الدمشقي المعروف بابن الصائغ ميلاده في المحرم سنة ست وسبعين بتقديم السين وستمائة وقرأ التنبية ولازم حلقة الشيخ برهان الدين الفزاري زمانا وسمع الكثير وحدث سمع منه البرزالي وخرج له جزءا من حديثه وحدث به ودرس بالعمادية كما سيأتي وبالدماغية هذه وجاءه التقليد بقضاء القضاة في سنة سبع وعشرين فامتنع وأصر على الامتناع فأعفي ثم في سابع عشر شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وولي خطابة القدس الشريف وخطب بها في الثاني والعشرين من شهر رمضان عوضا عن زين الدين بن جماعة بمقتضى تركه واختياره العود إلى القاهرة وطلب بدر الدين أن يكون عوضه في المدرستين الدماغية والعمادية بدر الدين بن غانم فأجيب ووقع المذكور ثم ترك الخطابة المذكورة
وقال الذهبي الإمام القدوة العابد كان مقتصدا في أموره كثير المحاسن حج غير مرة وقال ابن رافع كان على طريقة حميدة وعنده عبادة واجتهاد وملازمة للصلحاء والأخيار وإعراض المناصب عن المنصب وكان معظما مبجلا وقورا توفى رحمه الله تعالى بدمشق في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة ودفن بتربتهم بسفح قاسيون ثم درس بها ولده نور الدين محمد قال السيد في ذيل العبر في سنة أربع وأربعين وسبعمائة وولي قضاء الشافعية بحلب شيخنا الزاهد قاضي القضاة نور الدين محمد بن محمد بن الصائغ ودرس بعده في الدماغية بدمشق القاضي جمال الدين السبكي وأخذ في قوله تعالى ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة﴾ الآية انتهى توفي ﵀ نور الدين المذكور بحلب قاضيا بها في سنة تسع وأربعين وسبعمائه والقاضي جمال الدين الذكور هو الإمام جمال الدين أبو الطيب الحسين ابن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي ولد بمصر في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضره والده على جماعة من المشايخ وسمع البخاري على الحجار لما ورد مصر وتفقه على والده وعلى الشيخ السنكلاني وغيره وأخذ النحو عن أبي حيان
стр. 205
والأصول عن الأصفهاني وقدم دمشق مع والده سنة تسع وثلاثين ثم طلب الحديث بنفسه وقرأ على المزي والذهبي وأخذ الفقه عن الشيخ شمس الدين ابن النقيب ثم رجع إلى مصر ودرس بالهكارية ثم عاد إلى دمشق وأفتى وناظر وناب عن والده في أوائل سنة خمس وأربعين ودرس بالشامية البرانية والعذراوية والدماغية هذه وبعدة مدارس غيرها وكان من أذكياء العالم يحكم جيدا نظيف العرض من قضاة العدل عجبا في استحضار كتاب التسهيل والحاوي الصغير توفي في دمشق في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبعمائة قبل والده بتسعة أشهر ودفن بتربتهم بسفح قاسيون ثم ولي تدريسها قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث الأشرفية الدمشقية ثم درس بها الإمام العلامة صدر المدرسين وأوحد المناظرين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الخطيب شهاب الدين أحمد خطيب يبرود ومدرس الشامية البرانية خمس عشرة سنة كما سيأتي ميلاده سنة إحدى وسبعمائة واشتغل على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة وأخذ عن محيي الدين بن أبي جهل وكمال الدين الزملكاني أيضا وأخذ العربية عن الشيخ نجم الدين القحفازي والأصول عن الشيخ شمس الدين الأصفهاني وبرع في الأصول وشارك في العلوم ودرس وأفتى قديما سنة ست وثلاثين بتربة أم الصالح كما سيأتي وناب في الحكم عن القاضي جلال الدين القزويني في ولايته الثانية ثم توجه إلى الديار المصرية فصادف وفاة الشيخ شمس الدين بن اللبان فاستقر عوضه في تدريس قبة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وتدريس جامع الحاكم فباشرهما مدة سنة ثم نزل عنهما للقاضي بهاء الدين بن السبكي بحكم نزول أخيه القاضي جمال الدين له عن تدريس الشامية البرانية وقدم وباشر التدريس المذكور أزيد من تسع سنين ثم ناقل قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي منه إلى تدريس المسرورية والدماغية وغيرهما ثم نزل عن وظائفة بدمشق وتوجه إلى الحجاز في سنة ستين فجاور بالمدينة المنورة على
стр. 206
الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام مدة ثم ولي القضاء بها ثم قدم إلى القاهرة وولي تدريس الناصرية الجوانية بدمشق بعد وفاة القاضي شمس الدين الغزي الذي نزل عنه تاج الدين بن السبكي وقدم دمشق ودرس بها دون سنة فلما توفي القاضي تاج الدين تركها وولي تدريس الشامية البرانية واستمر بها نحو ست سنين إلى أن توفي في سنة سبع بتقديم السين وسبعين وسبعمائة ودفن بباب الصغير عند الشيخ حماد ثم درس بها العلامة البارع المفتي النظار نجم الدين أبو العباس أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين بن عبد المحسن الياسوفي الأصل الدمشقي المعروف بابن الجابي ميلاده في أواخر سنة ست وثلاثين وسبعمائة سمع الحديث وكتب بخطه طباقا والمشتبه الذهبي وطالع في الحديث وفهم فيه وأخذ الفقه عن المشايخ الثلاثة الغزي والحسباني وابن حجي وغيرهم وأخذ الأصول عن الشيخ بهاء الدين الأخيمي ودرس وأفتى واشتغل واشتهر اسمه وشاع ذكره وكان أولا فقيرا ودرس بالدماغية هذه ثم تحول فورث فورت هو وابنه مالا من جهة زوجته وكثر ماله ونما واتسعت عليه الدنيا وسافر إلى مصر في تجارة وحصل له وجاهة بالقاهرة بكاتب السر الأوحد وولي تدريس الظاهرية أخذها من ابن الشهيد وأعاد بالشامية الجوانية توفي في جمادى الأولى سنة سبع بتقديم السين وثمانين وسبعمائة ودفن بمقبرة الصوفية ثم درس بها الشيخ الإمام العلامة مفتي المسلمين أقضى القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن راشد بن طرخان اللمكاوي الدمشقي أحد الائمة العلماء المعتبرين وأعيان الفقهاء الشافعيين اشتغل في الفقه والحديث والنحو والأصول على مشايخ عصره ونقل عن الشيخ شهاب الدين الزهري أنه قال ما في البلد من أخذ العلوم على وجهها غيره وكان ملازما للاشتغال وتخرج به جماعة وناب في القضاء ودرس في الدماغية هذه وناب في الشامية الجوانية كما سيأتي فيها وكان في آخر عمره قد صار مقصودا بالفتاوى من سائر
стр. 207
الأقطار وكان يكتب عليها كتابة حسنة وخطه جيد قال الشيخ تقي الدين الأسدي وكان في ذهنه وقفة وعبارته ليست كقلمه وكان يرجع إلى دين وملازمة لصلاة الجماعة لكنه يميل إلى ابن تيمية كثيرا ويعتقد رجحان كثير من مسائلة وفي أخلافه حدة وعنده نفرة من الناس وانفصل من الوقعة وهو متألم مع ضعف بدنه السابق وحصل له جوع فمات في شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة وهو في عشر التسعين ظنا ودفن بمقبرة باب الفراديس بطرفها الشمالي من جهة الغرب ثم درس بها شيخنا شيخ الاسلام بدر الدين الأسدي ثم نزل عنها لرفيقنا العلامة مفتي المسلمين بهاء الدين أحمد الحواري الدمشقي ثم نزل عنها للقاضي زين الدين ابن القاضي ولي الدين الشهير بابن قاضي عجلون
стр. 208
٤٤ - المدرسة الدولعية
بحيرون قبلي المدرسة البادرائية بغرب أنشأها العلامة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين بن زيد الخطيب التغلبي الأرقمي الدولعي ثم الدمشقي خطيبها ولد بالدولعية من قرى الموصل كما قاله الصفدي وغيره في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وخمسمائة ورد دمشق شابا فتفقه على عمه الشيخ ضياء الدين عبد الملك الدولعي١ خطيب دمشق وسمع منه ومن جماعة وولي الخطابة بعد عمه وطالت مدته في المنصب قال الذهبي في العبر: ولي بعد عمه سبعا وثلاثين سنة ذكره في ترجمة عمه وقال في ترجمته فيها: وسمع من ابن صدقة الحراني٢ ومن جماعة انتهى. وولي تدريس ذالغزالية مدة وكان له ناموس وسمت حسن يفخم كلامه وقال ابن كثير في تاريخه: وكان مدرسا بالغزالية مع الخطابة وقد منعه المعظم في وقت عن الفتوى فعاتبه السبط في ذلك فاعتذر بأن شيوخ بلدهم أشاروا بذلك لكثرة أخطائه في فتاويه وكان شديد المواظبة على
стр. 209
الوظيفة لا يكاد يفارق بيت الخطابة ولم يحج قط مع انه كانت له أموال كثيرة ووقف مدرسة بجيرون وولي الخطابة بعده أخ له وكان جاهلا فلم يستقر فيها وتولاها الكمال عمر بن أحمد بن هبة الله بن طلحة النصيبي وولي تدريس الغزالية الشيخ عز الدين بن عبد السلام انتهى مات في جمادى الاولى سنة خمس وثلاثين وستمائة ودفن في مدرسته المذكوره وفيه يقول شرف الدين ابن عنين الشاعر:
طولت يا دولعي فقصر ... فأنت في غير ذا مقصر
خطابة كلها خطوب ... وبعضها للورى منفر
تظل تهذي ولست تدري ... كأنك المغربي المفسر
وقال شعرا آخر لا حاجة لنا به وترك هذا هنا أولى لانه غيبة. قال ابن شداد: وهو أول من ذكر بها الدرس ومن بعده أخوه ثم كمال الدين ابن سلام١ وهو مستمر بها إلى الان وقال الذهبي في تاريخه العبر في سنة ثمان وثمانين وستمائة: والكمال بن النجار محمد بن أحمد بن علي الدمشقي الشافعي مدرس الدولعية ووكيل بيت المال روى عن ابن أبي لقمة وجماعة وكان ذا بر وشهامة انتهى وقال تلميذه ابن كثير في سنة إحدى وتسعين وستمائة: وفي يوم الاثنين ثاني جمادى الاولى منها درس بالدولعية كمال الدين ابن الزكي انتهى ثم درس بها الشيخ الامام المفتي الزاهد جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عمر بن عثمان الباجربقي الموصلي أشتغل بالموصل وأعاد ثم قدم دمشق في سنة سبع وسبعين وستمائة فخطب في جامع دمشق نيابة ودرس بالقليجية والدولعية المذكورة وحدث بجامع الاصول لابن الاثير٢ عن والده عن المصنف وترجمته طويلة توفي في شوال سنة تسع بتقديم التاء وتسعين وستمائة وقال ابن كثير في سنة تسع وتسعين: وفي منتصف شوال درس بالدولعية قاضي القضاة جمال الدين الزرعي نائب الحكم
стр. 210
عوضا عن جمال الدين الباجربقي انتهى. وقال ابن كثير في سنة سبعمائة: في جمادى الآخرة وفي أواخر الشهر درس ابن الزكي بالدولعية عوضا عن جمال الدين الزرعي لغيبته يعني خوفا من هجوم التتار انتهى. ثم درس بها الشيخ صفي الدين الهندي وقد تقدمت ترجمته في المدرسة الاتابكية وقال ابن كثير في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة: علاء الدين علي بن محمد بن عثمان بن أحمد بن أبي المهني بن محمد بن محمد بن نحلة الدمشقي الشافعي ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة وقرأ المحرر ولازم الشيخ زين الدين الفارقي ودرس بالدولعية والركنية وكان ناظر بيت المال وابتنى دارا حسنة إلى جانب الركنية ومات وتركها في شهر ربيع الاول ودرس بعده بالدولعية القاضي جمال الدين بن جملة وبالركنية زكي الدين الحرستاني انتهى. وقال في سنة ثلاث وثلاثين: وفي شهر ربيع الاول درس الفخر المصري بالدولعية عوضا عن ابن جملة بحكم ولايته القضاء انتهى. والفخر المصري هذا هو الامام العالم العلامة فقيه الشام وشيخها ومفتيها القاضي فخر الدين أبو الفضائل وأبو المعالي محمد ابن الكاتب تاج الدين علي بن إبراهيم بن عبد الكريم المصري الأصل الدمشقي المعروف بالفخر المصري ولد بالقاهرة سنة اثنتين وقيل إحدى وتسعين وستمائة وأخرج إلى دمشق وهو صغير وسمع الحديث بها وبغيرها وتفقه على المشايخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين ابن قاضي شهبة وصدر الدين بن المرحل وكمال الدين بن الزملكاني وتخرج به في فنون العلم وأذن له بالإفتاء في سنة خمس عشرة وأخذ الأصول عن الصفي الهندي والنحو عن مجد الدين التونسي ونجم الدين القحفازي وأثير الدين أبي حيان وقرأ المنطق على رضي الدين المنطقي١ والشيخ علاء الدين القونوي وكتب كتبا كثيرة وحفظ مختصر ابن الحاجب في نحو سنة وتسعة عشر يوما وكان يحفظ من المنتقى كل يوم خمسمائة سطر وناب في القضاء مدة ثم ترك ذلك وتفرغ للعلم وتصدر للإشتغال والفتوى وصار هو الإمام
стр. 211
المشار إليه والمعول عليه في الفتاوى ودرس بالعادلية والرواحية أيضا كما سيأتي وبالدولعية هذه قال البرزالي في تاريخه سنة ثلاث وثلاثين ومن خطه نقلت وفي يوم الإحد منتصف شهر ربيع الآخر درس القاضي فخر الدين المصري بالدولعية بدمشق وحضر عنده القضاة والاعيان عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين بن جملة الشافعي بمقتضى انتقاله إلى تدريس العادلية والغزالية وتولية القضاء اهـ وحصل له نكبة آخر أيام تنكز وصودر وأخرجت عنه العادلية والدولعية ثم بعد موت تنكز استعادهما انتهى وقال الذهبي: برع واشتهر بمعرفة المذهب وبعد صيته وأفتى وناظر وشغل الناس بالعلم مدة مديدة وكان من أذكياء العالم وقال الصلاح الكتبي أعجوبة الزمان وكان ابن الزملكاني معجبا به وبذهنه الوقاد يشير إليه في المحافل وينوه بذكره ويثني عليه وقال الحافظ شهاب الدين بن حجي السعدي وكان قد صار عين الشافعية بالشام فلما جاء السبكي أطفأه قال وسمعت شيخنا ابن كثير يقول إنه سمعه يقول منذ علقت العلم لم أصل صلاة إلا واطمأننت فيها ولا توضأت وضوءا إلا واستكملت مسح رأسي توفي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ودفن بمقابر الصوفية كذا رأيت وإنما هو في مقابر باب الصغير ظاهرا قبلي قبة القلندرية وقال ابن كثير في تاريخه في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة: وفي يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين بن القطب من كتابة السر وضرب وصودر ونكب بسببه القاضي فخر الدين المصري وعزل عن مدرسة الدولعية وأخذها ابن جملة والعادلية الصغرى وباشرها ابن النقيب ورسم عليه بالعذراوية مائة يوم وأخذ شيئا من ماله انتهى.
وقال الصلاح الصفدي في تاريخه الوافي في المحمدين: محمد بن علي بن عبد الكريم ابن الشيخ الامام الفاضل العلامه ذو الفنون أعجوبة الزمان القاضي فخر الدين أبو عبد الله المقري الشافعي المصري سألته عن مولده فقال سنة إحدى وتسعين وستمائة بظاهر القاهرة في الجنائية ووفاته رحمه الله
стр. 212
تعالى بدمشق في داره بالعادلية الصغيره بعد مرضة طويلة عوفي في أثنائها ثم أنتكس يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وصلي عليه الظهر بالجامع الاموي ودفن في مقابر باب الصغير وكانت جنازته حافلة أخرج من الديار المصرية أول سنة أثنتين وسبعمائة وأقام بدمشق وقرأ القران على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي وقرأ العربيه والفقه أولا على الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين إبن الشيخ تاج الدين الفزاري وقرأ بقية العلوم على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وهو أكثرهم إفادة له وكان معجبا به وبذهنه الوقاد وحفظه المنقاد يشير إليه في المحافل والدروس وينوه بقدره ويثني عليه وقرأ الفقه على الشيخ صدر الدين والنحو على الشيخ مجد الدين التونسي وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي كتاب المعرب في النحو وحفظ الجزولية وبحث منها جانبا على الشيخ نجم الدين الصفدي وقرأ الحساب على النعمان والمنطق على جماعة اشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي وعلى الشيخ علاء الدين القونوي وحفظ المنتخب في أصول الفقه وحفظ مختصر ابن الحاجب في مدة تسعة عشر يوما وهو أمر عجيب إلى الغاية فان الفاظ المختصر قلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ وحفظ المحصول في أصول الدين وهو قريب من ألفاظ المختصر وحفظ المنتقى في أيام عديدة كراسة في كل يوم والكراسة في قطع البلدي تتضمن خمسمائة سطر وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة ولي تدريس العادلية الصغرى وفيها أذن له بالإفتاء وكان له من العمر ثلاث وعشرون سنة ولما توفي شيخه الشيخ برهان الدين ابن االشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي في حلقة الاشتغال بالمذهب وتأدب مع شيخه فأخلى مكانه وجلس دونه وعلق دروسا من التفسير والحديث والفقه مفيدة وسمع الحديث على هدية بنت عسكر١ وأحمد بن مشرف وحج إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة سبع مرات جاور في الأولى بمكة والمدينة ولما
стр. 213
حضر من الحجاز كتب له توقيعا بإعادة تدريس الدولعية ونظرها إليه وهذه نسخته.
"رسم بالأمر العالي لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره ويعيده إلى خير حبر تقتبس العوائد من نوره وتغترف من بحره ويحمد الزمان بولايته من هو علم عصره وفخر مصره أن يعاد المجلس العالي الفخري إلى كذا وكذا وضعا للشيء في محله ورفعا للوابل على طله ودفعا لسيف النظر إلى يد هي تألف هزه وسله ومنعا لشعب مكة أن ينزله غير أهله إذ هو لأصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه حجة ولبحر مذهبه الزاخر لجة ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح بالمسير محجة طالما ٢ ناظر الأقران فعدلهم وجادل الخصوم في حومة البحث فخذلهم وجندلهم كما قطع الشبهات بحجج لا يعرفها السيف وأتى بوجه ما رأى الراؤن أحلى منه في أحلام الطيف ودخل باب علم فتحه القفال لطلب نهاية المطلب التبري وارتوى من معين ورد عين حياته الحضرمي١ وتمسك بفروع صح سبكها فقال ابن الحداد٢ هذا هو الذهب المصري وأوضح المقال بما نسف به جبال النسفي٣ وروى أقوال اصحاب المذاهب بحافظة يتمناها الحافظ السلفي كم جاور بين زمزم والمقام والقى عصا سفره لما رحل عنها الحجيج وأقام وكم طاب له القرار بطيبة وعطر بالأذخر والجلبل رداءه وجيبه وكم استروح بظل نخلها والثمرات وتملى بمشاهدة الحجرة الشريفة وغيره يسفح على قرب تربها العبرات وكم كتب بالوصل له وصلا وبث شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسولا لا جرم أنه عاد وقد زاد وقارا وآب بعدما غاب ليلا فتوضح سبيله نهارا فليباشر ما فوض إليه جريا على ما عهد من إفادته وألف من رئاسته لهذه العصابة وزيادته وعرف من زيادة يومه على أمسه فكان كنيل بلاده ولايتعجب في زيادته حتى بدرسه ما درس وبثمر عود
стр. 214
الفروع فهو الذي أنبته في هذه المدرسة وغرس مجتهدا في نظر وقفها معتمدا على تتبع ورقات حسابها وصحفها عاملا بشروط الواقف فيما شرط قابضا ما قبضه وباسطا ما بسط ويقوى الله تعالى على حبه ليرفع فيها خاطره ويسرح في رياضها الناضرة ناظره ومثله لا ينبه عليها ولا يومي له بالإشارة إليها فلا ينزع ما لبس من حلاها ولا يسيره في مهمة مهم إلا بسناها والله يديم بفوائده لأهل العلم الظل الوريف ويجدد له سعدا يشكر التالد منه والطريف والظرف والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه." وقال السيد في ذيل العبر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة: ومات بدمشق الفخر المصري كهلا حدث عن ابن الجرائدي وغير ابن الجرائدي وناب في الحكم عن القاضي جلال الدين القزويني ودرس بالرواحية والدولعية وغيرها وكان يلقي دروسا حافلة ويورد في دروسه من الأحاديث الطوال حفظا سردا من غير توقف وكان كثير التلاوة مغرما بالتجارة ثم قال: في هذه السنة مات بدمشق ممن درس بها الإمام العالم قاضي القضاة شمس الدين الأخنائي وقد تقدمت ترجمته في المدرسة الأتابكية ثم درس بها العالم العلامة المحدث الفقيه الواعظ أقضى القضاة محيي الدين أبو زكريا يحيى بن أحمد ابن حسن القبابي١ المصري ثم الدمشقي ميلاده في أواخر سنة ستين وأول سنة إحدى وستين واشتغل بالقاهرة وأقام بمدرسة السلطان حسن وحفظ التنبيه ومختصر ابن الحاجب والألفية وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني وابن الملقن والأبناسي٢ وغيرهم من علماء العصر وأخذ الحديث عن الشيخ زين الدين العراقي والأصول عن الشيخ عز الدين بن جماعة والنحو عن الشيخ محب الدين بن هشام٣ وحفظ الحاوي الصغير وتميز وفضل وقدم دمشق في سنة خمس وثمانين وحضر المدارس مع الفقهاء واشتهر فضله وأثنى المشايخ عليه.
стр. 215
قال الشيخ تقي الدين الأسدي: وبلغني أن الشيخ شهاب الدين الزهري قال: ما جاءنا من طلبة مصر أفضل منه ولزم الشيخ شهاب الدين المذكور وقرأنصف المختصر وقرأ النصف الآخر شهاب الدين الغزي١ وأذن لهما بالإفتاء لما ختما الكتاب في سنة إحدى وتسعين مع ولديه وشيخهما شهاب الدين بن نشوان٢ كما تقدم وعمل الشيخ محيي الدين معادا بالجامع قبل الفتنة بشيء يسير وازدحم الناس عليه فلما وقفت الفتنة افتقر واحتاج أن يقيم بقرية في البر فذهب إلى خربة روحا فأقام بها مدة ثم سافر إلى مصر فلم يحصل له بها شيء فعاد ودخل في المواعيد فأقبل عليه الناس لعلمه وفصاحته وانتفع به جماعة من العوام وقرأ صحيح البخاري للأمير نوروز مرتين واستنابه القاضي شهاب الدين بن حجي في سنة إحدى عشرة وباشر لمن بعده من القضاة ولم يجد في ذلك وكان في بصره ضعف ثم إنه تزايد إلى أن أضر قبل الثلاثين وثمانمائة وهو مستمر على مباشرة نيابة القضاء وربما أخذ بيده وعلم وكان يكتب عنه في الفتوى ويكتب هو اسمه ودرس بهذه المدرسة وناب في تدريس الشامية البرانية مرتين وكان فصيحا ذكيا فاضلا في فنون جمة جيد الذهن حسن الظاهر والباطن لين العريكة سهل الانقياد قليل الحسد والغيبة وعنده مروءة وعصبية وفي أواخر عمره بعد موت رفقته دخل الجامع واشتغل وأقرأ التنبيه والمنهاج والحاوي كل واحد في مدة أشهر لكن من غير مطالعة ولا تحرير بل يجري على الظاهر توفي يوم السبت سابع عشر صفر سنة أربعين وثمانمائة ودفن بمقبرة باب الصغير شمالي قبر سيدي بلال رضي الله تعالى عنه قبلي الطريق قال البرزالي والقباب المنسوب إليها قرية من قرى أشموم الرمان من الوجه البحري بجزيرة اليشموم المتصلة بثغر دمياط وكان والده خطيب القرية المذكورة وقباب قرية بالعراق بقرب بعقوبا وقباب محلة بنيسابور وكان تدريسه لهذه المدرسة في شوال سنة ثمان عشرة وثمانمائة في يوم الأربعاء سلخه وحضر عنده قاضي