Полный текст (3 586 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال
تأليف
الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي
المتوفى سنة ٧٦٢ هـ
تحقيق
محمد عثمان
الجزء الأول
[المحتوى: أ - ب]
стр. 2
الكتاب: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال
التصنيف: علم رجال الحديث
المؤلف: الحافظ علاء الدين مغلطاي
المحقق: محمد عثمان
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: ٣٦١٦ (٦ أجزاء)
قياس الصفحات: ٢٤ × ١٧
سنة الطباعة: ٢٠١١ م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
стр. 3
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرّحِيَمِ
مقدمة
إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، اللهم لك الحمد كما هديتنا للإسلام، ومننت علينا ببعثة خير الأنام، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، نصب على ربوبيته أعظم الدلائل، وأقام على ألوهيته الآيات الجلائل، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد اللَّه ورسوله سيد الأواخر والأوائل، المبعوث بأكرم السجايا وأشرف الشمائل، صلى اللَّه عليه وعلى آله أولي المكرمات والفضائل، وصحبه الذين أحبوه محبة تفوق محبة النفس والمال والولد والحلائل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وفي نصرة الحق يُجاهد ويناضل، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فدراسة الأسانيد علمٌ مهمٌّ من علوم السُّنَّة المُشرَّفة، وهو في الحقيقة الثمرة التي من أتقن مقدماتها وما قبلها، فقد وصل إليها وحقق ما يريده من دراسة علوم السُّنَّة، وهو تمييز المقبول من المردود ممَّا ينسب ويُضاف إلى النبي ﷺ ، وإلى صحابته، والتابعين كذلك.
وقد لقيت الكُتب السِّتة من العلماء عناية في أطرافها ورجالها، وأحسن ما أُلِّف في أطرافها كتاب أبي الحجاج المزي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"، وقد رتَّبه على أسماء الصحابة ﵃، وعند كل صحابي يذكر الأسانيد من الأئمة أصحاب الكتب الستة إلى التابعين، وهذا الكتاب العظيم يعتبر بالنسبة للأسانيد بمثابة نُسخ أُخرى لتلك الكتب الستة.
وأحسن ما ألف في رجالها، بل في رجال مؤلفات أصحابها، كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لأبي الحجاج المزي، فإنه مشتمل على أسماء رجال الكتب الستة، ورجال مؤلفات أخرى لأصحاب الكتب الستة، مثل "رجال الأدب المفرد"،
стр. 4
و"جزء القراءة خلف الإمام"، و"خلق أفعال العباد" للبخاري، وغيرها.
وقد اعتنى الحافظ أبو الحجاج المزي عند ترجمة كل راوٍ بذكر شيوخه وتلاميذه، مرتبين على ترتيب حروف الهجاء، ثم يذكر ما قيل في صاحب الترجمة من جرح وتعديل، ويختم الترجمة بذكر أسماء الذين خرَّجوا أحاديثه من الأئمة الستة في كتبهم، وفي أول الترجمة يثبت الرموز لهم، فيُبيِّن لك من أخرج لهذا الشيخ، ممَّا يحصر لك الاحتمال في تحديد الراوي، وقد حاول المزي في "تهذيب الكمال" الاستقصاء في ذكر الشيوخ والتلاميذ، لكن الاستقصاء التام ليس من قدرة البشر، لكنَّه غالبًا استقصى الكتب الستة؛ أي: الموجود فيها، مضيفًا إضافات كثيرة جدًّا من خارج الكتب الستة، فهو أوسع كتاب مفيد في هذه الناحية.
ولأهمية هذا الكتاب فقد اعتنى به كثير من العلماء، فهناك من قام بتهذيبه كالإمام الذهبي في كتابه "تذهيب تهذيب الكمال" والحافظ ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب"، وهناك من لخَّصه كالإمام الخزرجي في "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال".
وهناك من جاء وتمَّم هذا العمل الضخم، وأضاف إضافات في الشيوخ والتلاميذ، وهو الحافظ مغلطاي بن قليج الحنفي الذي أَلَّفَ الكتاب الذي بين أيدينا "إكمال تهذيب الكمال"، فاعتنى بتعقُّب المزي، وبالزيادة في هذا الكتاب في نواحٍ متعددة، في رواةٍ على شرطه لم يذكرهم، وفي زيادة تلاميذ وشيوخ لم يُوردهم، وفي إضافة ألفاظ جرح وتعديل فاتَت المزي أن يذكرها في الرواة الذين ذَكَرهم.
ومن يطلع على كتاب "إكمال تهذيب الكمال" يتأكد أنه لا تتم الفائدة من "تهذيب الكمال" إلا بهذا الكتاب، فهو بحق تكملة له من عالم جليل استدرك الكثير والكثير على علم من أعلام الجرح والتعديل الإمام المزي.
وقد وفقنا اللَّه لهذا الكتاب القيم والهام لطلبة العلم، وقد بذلنا كل الجهد والطاقة لإخراجه بالشكل الذي يرضي اللَّه عنا، ونحمد اللَّه تعالى أن وفقنا لإتمامه (١).
وفي الختام أسأل اللَّه أن يُوفِّقنا جميعًا لما فيه رضاه، وأن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به، إنه جوَّاد كريم، وصلى اللَّه وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمد، ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________
(١) نشير إلى أن الأحرف (غ، ف، ق، ك، ل) وما يتبع "يحيى" من حرف الياء، مفقودة من جميع المخطوطات التي استطعنا الحصول عليها.
стр. 5
مقدمة في علم الجرح والتعديل
المبحث الاول التعريف بعلم الجرح والتعديل وأهميته
أولا: تعريف الجرح والتعديل:
تعريفُ الجرح:
الجرح في اللغة: مُشتق من جَرَحه يجْرحه جرحًا، بمعنى: أثر فيه بالسلاح، والجراحة: اسم الضربة أو الطعنة، ويقال: جرح الحاكم الشاهد: إذا عثر منه على ما تسقط به عدالته، من كذبٍ وغيره.
وهو في اصطلاح المحدثين: الطعن في رواة الحديث بما يسلب عدالتهم أو ضبطهم. وقيل: هو وصف متى التحق بالراوي، والشاهد سقط الاعتبار بقوله وبطل العمل به.
تعريف التعديل:
التعديل: مصدر عدل، فهو عدل، قال في اللسان: العدالة: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور، والعدل من الناس: المرضي.
والعدالة في اصطلاح المحدثين: وصف متى التحق بالراوي، والشاهد اعتبر قولهما وأخذ به.
وهي عبارة عن خمسة أمور، واعتبرها البعض شروطًا، متى تحققت في الرجل كان عدلا، أو يقال: لا بدّ من تحققها في العدل، وهي:
١ - الإسلام.
٢ - البلوغ.
٣ - العقل.
٤ - التقوى: وهي اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر.
٥ - الاتِّصاف بالمروءة.
قال الحاكم: أصل عدالة المُحدِّث أن يكون مسلمًا، لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط عدالته، فإن كان مع ذلك حافظًا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدِّثين.
وقال الغزالي: العدالة في الرواية والشهادة، عبارة عن استقامة السيرة في الدِّين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.
أما علم الجرح والتعديل: فهو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ
стр. 6
مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ.
ثانيًا: أهمية علم الجرح والتعديل
علم الجرح والتعديل هو أحد أنواع العلوم المتعلقة بالرواة، وهذا العلم يُعدُّ من الأهمية بمكان؛ ذلك أن الغرض من معرفته حفظُ سُنَّة الرسول ﷺ .
فمن أهميته: إجماع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تُقبل إلا شهادة العدل؛ لذلك كان السؤال عن المخبِر من أهل العلم والمعرفة واجبًا محتمًا.
وإذا كان معرفة أحوال الرواة من أوجب الواجبات لحفظ سُنَّة النبي ﷺ ، فإن بيان حال من عُرف بالضعف أو الكذب، وكذا من عُرف الضبط والعدالة من ذلك الواجب أيضًا؛ ليُعرّف الناس حقيقة أمر من نقل حديث النبي ﷺ إلى الأمَّة.
وهذا الاهتمام بالرواة، وهو ما يعرف بالاهتمام بالإسناد، وهو ما يتردَّد على أَلْسِنَة كثير من المحدِّثين بقولهم: الإسناد، وفضائل الإسناد، وأهمية الإسناد، والإسناد من خصائص الأمَّة المحمَّدية، ونحو ذلك.
والإسناد من خصائص هذه الأمة، ليست لغيرها من الأمم. قال ابن حزم: نَقْلُ الثقة عن الثقة، يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال، خصَّ اللَّه به المسلمين دون سائر المِلَل. وأما مع الإرسال والإعضال، فيُوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قُرْبنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.
قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب، أو مجهول العين، فكثير في نقل اليهود والنصارى.
قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين، فلا يمكن لليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن للنصارى أن يَصِلُوا إلى أعلى من شمعون وبولص.
من دلائل اهتمام هذه الأمة بالإسناد، ورجال الإسناد، ما يلي:
قال عبد اللَّه بن المبارك: الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
وقال عبدان، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بن المُبَارَك يَقُولُ: الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: فَلَوْلا الإسْنَادُ، وَطَلَبُ هَذِهِ الطَّائِفَة لَهُ، وَكَثْرَةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى حِفْظِهِ، لَدَرَسَ مَنَارُ الإسْلامِ، وَلَتَمَكَّنَ أَهْلُ الإلْحَاد وَالْبِدَع فِيهِ بِوَضْعِ الأحَادِيثِ وَقَلْبِ الأسَانِيدِ، فَإِنَّ الأخْبَارَ إِذَا تَعَرَّتْ عَنْ وُجُودِ الأسَانِيد فِيهَا، كَانَت بُترًا.
وقال عبدان، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه، يَعْنِي: ابن المُبَارَك، يَقُولُ: الإسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
وقَالَ ابن المُبَارَك: مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ أَمْرَ دِينه بِلا إِسْنَادٍ، كَمَثَلِ الَّذِي يَرْتَقي السَّطْحَ
стр. 7
بِلا سُلَّمٍ.
وقال مُحَمَّد بن شَاذَان الجَوْهَري: سَأَلْتُ عَلِي بن المَدِيِني عَن إِسْنَادِ حَدِيثٍ سَقَطَ عَلَيَّ. فَقَالَ: تَدْرِي مَا قَالَ أَبُو سَعِيد الحَدَّادُ؟ قَالَ: الإسْنَادُ مِثْلُ الدَّرَجِ وَمِثْلُ المَرَاقِي، فَإِذَا زَلَّتْ رِجْلُكَ عَن المَرْقَاةِ سَقَطَتْ، وَالرَّأْيُ مِثْلُ المَرْجِ.
روى مسلم أيضًا عَنْ مُحَمَّد بن سِيرين، قَالَ: إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
وعَن ابن سِيرين، قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَن الإسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَت الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثهُمْ.
وعَن ابن أبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُم الحَدِيث يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
وعن عبد اللَّه بن المبارك، قالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْم القَوَائِم. يَعْنِي: الإسْنَاد.
وقَالَ عَبْد الصَّمَد بن حسان: سَمِعْتُ سفيان الثَّوْرِيّ يَقُولُ: الإسْنَادُ سِلاحُ المُؤْمِن، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ.
وقال القَاسِم بن بندار: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِم الرَّازِيّ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الأمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّه آدَم، أُمَنَاء يَحْفَظُونَ آثَارَ الرُّسُل إِلا فِي هَذِهِ الأمَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَجُل: يَا أَبَا حَاتِم، رُبَّمَا رَوَوْا حَدِيثًا لا أَصْلَ لَهُ وَلا يَصِحُّ؟ فَقَالَ: عُلَمَاؤُهُمْ يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ، فَرِوَايتُهُمْ ذَلِكَ لِلمَعْرِفَةِ، لِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ بَعْدِهِنم أنَّهُمْ مَيَّزُوا الآثَارَ وَحَفظُوهَا. ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّه أَبَا زرْعَة، كَانَ وَاللَّه مُجْتَهِدًا فِي حِفْظِ آثَارِ رَسُول اللَّه ﷺ .
وقال صَالِح بن أَحْمَد الحَافِظ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْر مُحَمَّد بن أَحْمَد يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّه، خَصَّ هَذِهِ الأمَّة بِثَلاثَةِ أَشْيَاء، لَمْ يُعْطِهَا مَنْ قَبْلَهَا: الإسْنَاد، وَالأنْسَاب، وَالإعْرَاب. وعن شعبة بن الحجاج، قال: كل حديث ليس فيه (حَدَّثَنَا)، أو (أَخْبَرَنَا)، فهو مثل الرجل بفلاة، معه البعير ليس لها خطام.
ثالثًا: الجرح والتعديل من الدِّين
قال الترمذي: فصل في الجرح والتعديل، والتفتيش عن الأسانيد، وأن ذلك من الدِّين.
ثم قال: وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لا يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الكَلامَ فِي الرِّجَالِ، وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، مِنْهُم: الحَسَن البَصْرِيّ وَطَاوس، تَكَلَّمَا فِي معْبَد الجُهَنِيّ، وَتَكَلَّمَ سَعِيد بن جُبَير فِي طَلق بن حَبِيب، وَتَكَلَّم إِبْرَاهِيم النّخَعِي وَعَامِر الشَّعْبِيّ فِي الحَارِث الأعْوَر.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَعَبْد اللَّه بن عَوْن، وَسُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَشُعْبَة بن الحَجَّاج، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَمَالِك بن أَنَس، والأوْزَاعِيّ، وَعَبْد اللَّه بن المُبَارَك، وَيَحْيَى بن
стр. 8
سَعِيد القَطَّان، وَوَكِيع بن الجَرَّاح، وَعَبْد الرَّحْمَن بن مَهْدِي، وَغَيْرهم مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّهُم تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا.
وِإنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا، واللَّه أَعْلَمِ، النَّصيحَة لِلمُسْلِمِينَ، لا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُم أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ أو الغيبَة، إِنَّمَا أَرَادُوا عِنْدَنَا أنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلاءِ، لِكَي يُعْرَفُوا؛ لأنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِب بِدْعَة، وَبَعْضهُم كَانَ مُتَّهمًا فِي الحَدِيثِ، وَبَعْضهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَة وَكَثْرَة خَطَأ، فَأَرَادَ هَؤُلاءِ الأئِمَّة أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُم، شَفَقَة عَلَى الدِّينِ وَتَثَبُّتًا؛ لأنَّ الشَّهَادَة فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ وَالأمْوَالِ.
قال ابن رجب في شرحه على كلام الترمذي هذا: مقصود الترمذي، ﵀، أن يُبيِّن أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أَجْمَعَ عليه سلف الأمَّة وأئمَّتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السُّنن، ممَّا لا يجوز قبوله.
وفي "الموطأ": وَحَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ رَبِيعَة بن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأشْعَرِيّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَر بن الخَطَّاب، فَاسْتَأذَنَ ثَلاثًا ثُمَّ رَجعَ، فَأَرْسَلَ عُمَر بن الخَطَّاب فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُولُ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وِإلا فَارْجِعْ"، فَقَالَ عُمَر: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا، لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لأفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي المَسْجِدِ، يُقَالُ لَهُ: مَجْلِسُ الأنْصَارِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَر بن الخَطَّاب أَنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُولُ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإلا فَارْجِعْ"، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لأفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَقُمْ مَعِي. فَقَالُوا لأبِي سَعِيد الخُدرِيّ: قُمْ مَعَهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيد أَصْغَرَهُمْ، فَقَامَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَر بن الخَطَّاب، فَقَالَ عُمَر بن الخَطَّاب لأبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ .
وعَنْ طَاوس، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابن عَبَّاس -يَعْنِي: بُشَيْر بن كَعْب- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرفْتَ حَدِيثِي كُلّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلّهُ، وَعَرفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ الناس الصَّعْب والذلول، تَرَكْنَا الحَدِيث عَنْهُ.
فهذا الاهتمام البالغ من هؤلاء الصحابة، لم يكن ذلك منهم طعنًا في الصحابيَيْن الكريميْن، المغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، ولم يكن موقف ابن عباس من بشير بن كعب طعنًا فيه واتهامًا له، وإنما كان الغرض تعليم الناس الاحتياط، لحديث رسول اللَّه ﷺ ؛ لذلك جاءت رواية أُخرى صحيحة عن عمر بن الخطاب لأبي موسى:
стр. 9
أما إني لم أتَّهمك.
ثم جاء عصر أتباع التابعين فمَنْ بعدهم، فكثر الضعفاء، والمغفلون، والكذابون، والزنادقة، فكثر اهتمامهم، وأشد في تتبُّع الكذابين والضعفاء، وذلك بحسب الحاجة.
فلما رأى أهل العلم ذلك، نهضوا لتبيين أحوال الرجال، والذَّب عن حديث رسول اللَّه ﷺ ، فما من مصر من الأمصار إلا وفيه جماعة يمتحنون الرواة، ويعرفون أحوالهم، ويقارنون مرويَّاتهم، ويتحقَّقون من سماعاتهم.
قال الخطيب: قَالَ مَحْمُد بن غَيْلان: سَمِعْتُ المُؤَمل، ذُكِرَ عِنْدَهُ الحَدِيث الَّذِي يُرْوَى عَنْ أُبَيّ، عَنِ النَّبِي ﷺ فِي فَضْلِ القُرْآن، قَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ، سَمَّاهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ، سَمَّاهُ، قَالَ: أَتَيْتُ المَدَائِن فَلَقِيتُ الرَّجُلَ الَّذِي يَرْوِي هَذَا الحَدِيث، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِي البَصْرَة، فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، هُوَ بِوَاسِط فِي أَصْحَابِ القَصَب. قَالَ: فَأَتَيْتُ وَاسِطًا فَلَقِيتُ الشَّيْخَ، فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ بِالمَدَائِنِ فَدَلَّنِي عَلَيْكَ الشَّيْخ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ البَصْرَة. قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ هُوَ بِالكَلاء، فَأَتَيْتُ البَصْرَةَ، فَلَقِيتُ الشَّيْخ بِالكَلاء، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي، فَإِنِي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ عَبَّادَانَ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْخ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ هُوَ بِعَبَّادَانَ. فَأَتَيْتُ عَبَّادَانَ فَلَقِيتُ الشَّيْخَ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّه، مَا حَالُ هَذَا الحَدِيث؟ أَتَيْتُ المَدَائِن فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَاسِطًا، ثُمَّ البَصْرَة، فَدُلِلتُ عَلَيْكَ، وَمَا ظَنَنْتُ إِلا أَنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهُمْ قَدْ مَاتُوا، فَأَخْبِرْنِي بِقِصَّةِ هَذَا الحَدِيثِ. ففَالَ: أَنَّا اجْتَمَعْنَا هُنَا، فَرَأَيْنَا النَّاسَ قَدْ رَغِبُوا عَن القُرْآنِ وَزَهدُوا فِيهِ، وَأَخَذوا فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ، فَقَعَدْنَا فَوَضَعْنَا لَهُمْ هَذِهِ الفَضَائِلَ حَتَّى يَرْغَبُوا فِيهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ قبُول المَرَاسِيل وَالعَمَل بِهَا، بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فِيهَا، لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَتِهَا وَجْهٌ. وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ، لأنَّهُ قَدْ يُرْوَى مِن الأخْبَارِ، وَيُسْمَعُ مَا قَدْ لا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَمَاءِ، وَيُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ، ويُكتبُ أَيْضًا مَا العَمَلُ عِنْدَ الكُلِّ عَلَى خِلافِهِ لِلمَعْرِفَةِ بِهِ، وَقَدْ يُرْوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالمَتْرُوكِين الَّذِينَ لا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ بِأَحَادِيثِهِمْ، فَالتَّعَلُّقُ بِمَا ذَكَرَ المُخَالِفُ لا وَجْهَ لَهُ.
وقد استعملوا عدة طُرق للتحقق من حفظ الراوي، وصدقه، وأهليَّته، ومن ذلك:
- النظر في حال الراوي في المحافظة على الطاعة، واجتناب المعاصي، وسؤال أهل العلم به.
قَالَ شَاذَان: سَمِعْتُ الحَسَن بن صَالِح يَقُولُ: كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نكتُبَ عَن الرَّجُلِ، سَأَلْنَا عَنْهُ، حَتَّى يُقَالَ لَنَا: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوه.
وعَنْ يَحْيَى بن مَعِين، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الأنْصَارِيّ يَلِيقُ بِهِ القَضَاء، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ فَالحَدِيثُ؟ فَقَالَ:
لِلحَرْبِ أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا ... وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ
стр. 10
قُلْتُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ صِفَة المُحَدِّث العَدْل الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
فَضَرْبٌ مِنْهُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الخَاصَّةُ والعَامَّةُ، وَهُوَ: الصِّحَّة فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَرَدّ الوَدَائِعِ، وإِقَامَة الفَرَائِضِ، وَتَجَنُّب المَآثِمِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ.
وَالضَّرْبُ الآخَر: هُوَ العِلْمُ بِمَا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّبْطِ وَالتَّيَقُّظِ، والمَعْرِفَة بِأَدَاءِ الحَدِيثِ وَشَرَائِطِهِ، وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أنْ يُدْخِلَ عَلَيهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ، وَوُجُوه التَّحَرُّزِ فِي الرِّوَايَةِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لا يَعْرِفُهُ إِلا أَهْلُ العِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَلا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ العَامَّةِ، بَلِ التَّعْوِيل فِيهِ عَلَى مَذَاهِبِ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ، فَمَنْ عَدَّلُوهُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَرْوِيهِ، جَازَ حَدِيثُهُ، وَمَنْ قَالُوا فِيهِ خافَ ذَلِكَ، وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ.
- عرض حديث الراوي الذي حدَّث به عن شيخه على حديث الثقات الآخرين عن ذلك الشيخ.
وبناء على ذلك يصدر أحكامًا حول هذا الراوي، فيقول مثلا: ينفرد عن الثقات، في حديثه نكارة، يُخطئ ويخالف، ونحو ذلك، وقد يقول: أثبت الناس في فلان، أو أكثر الناس عنه.
اختبار حديث الراوي؛ عَنْ سَعِيد بن أَبِي الحَسَن، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ أَكْثَر حَدِيثًا عَنْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، وَأَنَّ مَروَان بَعَثَهُ عَلَى المَدِينَة وَأَرَادَ حَدِيثهُ، فَقَالَ: ارْوِ كَمَا رَوينَا، فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ تَغَفَّلَهُ، فَأَقْعَدَ لَهُ كَاتِبًا، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَيَكْتُبُ الكَاتِبُ حَتَّى اسْتَفْرَغَ حَدِيثَهُ أَجْمَع، فَقَالَ مَروَان: تَعْلَمُ أَنَّا قَدْ كَتَبْنَا حَدِيثَكَ أَجْمَع؟ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعنِي تَمْحُهُ؟ قَالَ: فَمَحَاهُ.
وعَن ابن عُمَر ﵄، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَة ﵁، وَهُوَ يُحَدِّث عَن النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ تَبعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ". فَقَالَ ابن عُمَر: يَا أَبَا هُرَيْرَة، انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى انْطَلَقَ إِلَى عَائِشَة ﵂، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِين؛ أَنْشُدُك اللَّه، أَسَمِعْت رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَبعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قيرَاطَان"؟ فَقَالَت: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ عُرْسٌ، ولا صَفْقٌ بِالأسْوَاقِ، إِنَّمَا كنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ كَلِمَة يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ أَكْلَةً يُطْعِمُنِيهَا. فَقَالَ ابن عُمَر: يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.
وقد تصدَّى لهذا العلم جَمْع من أهل الحديث، وبرزوا في ذلك، حتى كأنهم خلقوا له، منهم:
شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد اللَّه بن المبارك، ويحيى بن
стр. 11
سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمار الموصلي، وغيرهم، ﵏.
وقد تناول المحدِّثون هذا النوع من العلوم بالبيان والشرح والتأليف، واختلفت مقاصدهم في ذلك:
فألَّف البعض في الثقات، وألف بعضهم في الضعاف، وألف بعضهم في الثقات والضعفاء معًا.
كما أن بعضهم اهتمَّ بطبقات الرواة، وأنسابهم، وأوطانهم، ووفياتهم، واهتم البعض بنوع خاص من الثقات، واهتم البعض بنوع خاص من الضعفاء، واللَّه أعلم.
رابعًا: مشروعية الجرح والتعديل
الكلام في الرجال من أجل الاحتياط للدِّين مشروع بالكِتاب والسُّنَّة. قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
ففي الآية الأولى يأمر اللَّه تعالى بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب اللَّه تعالى العدل والرضى في الشهود.
ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تُنقل عن اللَّه ورسوله تدخل فيها دخولا أوليًّا.
وطلب الرضى والعدل في حديث النبي ﷺ ، الذي هو دِين للأمَّة وتشريع لها، وهو المصدر الثاني في التشريع، أَوْلَى من أن يُطلب في الشهادة.
وقيل: إن النبي ﷺ هو أول من جرح وعدل. روى الخطيب البغدادي، عَن ابن المُنْكَدِر: سَمِعَ عُرْوَة بن الزُّبَير يَقُولُ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَة ﵂: أَنَّ رَجُلا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ رَجُلُ العَشِيرِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْلَ، قَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللَّه؛ قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْتَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ القَوْلَ. قَالَ: يَا عَائِشَة؛ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ".
فَفِي قَوْلِ النَّبِيّ ﷺ لِلرَّجُلِ: "بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ"، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِخْبَارَ المُخْبِر بِمَا يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مِنَ العَيْب، عَلَى مَا يُوجِبُهُ العِلْمُ وَالدِّينُ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلسَّائِلِ، لَيْسَ بِغيبَةٍ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ غيبَة لَمَا أَطْلَقَهُ النَّبِيّ ﷺ ، وَإنَّمَا أَرَادَ ﷺ بِمَا ذَكَرَ فِيهِ، واللَّه أعلم.
стр. 12
أن يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الحَالَة المَذمُومَة مِنْهُ، وَهِيَ الفُحْشُ فَيَجْتَنِبُوهَا، لا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ والثَّلب لَهُ، وَكَذَلِكَ أَئِمَّتُنَا فِي العِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، إِنَّمَا أَطْلَقُوا الجَرْحَ فِيمَن لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ لِئَلا يَتَغَطَّى أَمْرُهُ عَلَى مَنْ لا يخبره، فَيَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ العَدَالَةِ فَيَحْتَجُّ بِخَبَرِهِ، وَالإخْبَارُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ إِذَا كَانَ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لا يَكُونُ غيبَة.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَة بِنْت قَيْس، الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بن عُبَيْد اللَّه الحربي، أنَّا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الشَّافِعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بن الحَسَن الحربي، ثنا عَبْد اللَّه بن مَسْلَمَة القَعْنَبِيّ، عَن مَالِك. ح، وَأَخْبَرَنَاهُ الحَسَن بن أَبِي إِسْحَاق القَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَب، ثنا مَالِك بن أَنَس، عَنْ عَبْد اللَّه بن يَزِيد مَوْلَى الأسْوَد بن سفيان، عَن أَبِي سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس: أَنَّ أَبَا عَمْرو بن حَفْص طَلَّقَهَا ألبَتَّة وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّه مَا لَكِ عَلَينَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُول اللَّه ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيك، ثُمَّ قَالَ: تلك امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابن أُمِّ مَكْتُوم، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوَية بن أَبِي سفيان وَأَبَا جَهْمِ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْم فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد. قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد". فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
فِي هَذَا الخَبَر دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الجَرْحِ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّصِيحَةِ، لِتُجْتَنَبَ الرِّوَايَة عَنْهُمْ، وَلِيُعْدَلَ عَن الاحْتِجَاجِ بِأَخْبَارِهِمْ، لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا ذَكَرَ فِي أَبِي جَهْم: "أَنَّهُ لا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ"، وَأَخْبَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: "أَنَّهُ صُعْلُوك لا مَالَ لَهُ"؛ عِنْدَ مَشُورَةٍ اسْتُشِيرَ فِيهَا، لا تَتَعَدَّى المُسْتَشِيرَ.
كَانَ ذِكْر العُيُوب الكَامِنَةِ فِي بَعْضِ نَقَلَةِ السُّنَنِ، الَّتِي يُؤَدِّي السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا عَنْهُمْ وَكَشْفِهَا عَلَيْهِمْ، إِلَى تَحْرِيمِ الحَلالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ، وَإِلَى الفَسَادِ فِي شَرِيعَةِ الإسْلامِ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَأَحَقَّ بِالإظْهَارِ.
وَأَمَّا الغيبَة الَّتِي نَهَى اللَّه تَعَالَى عَنْهَا بِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وَزَجَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخلِ الإيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ". فَهِيَ ذِكْرُ الرَّجُل عُيُوبَ أَخِيهِ، يَقْصدُ بِهَا الوَضْعَ مِنْهُ وَالتَّنْقِيصَ لَهُ، وَالإزْرَاءَ بِهِ فِيمَا لا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ النَّصِيحَةِ، وإِيجَاب الدِّيَانَة مِنَ التَّحْذِيرِ عَن ائْتِمَانِ الخَائِنِ، وَقَبُول خَبَر الفَاسِقِ، وَاسْتِمَاع شَهَادَة الكاذِبِ.
قال ابن رجب: وكذلك يجوز ذكر العيب، إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير في نكاح أو معاملة.
стр. 13
ووجه الدلالة من الحديث؛ أن رسول اللَّه ﷺ نصح لفاطمة، فأعلمها بعيب أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وعيب معاوية أنه صعلوك لا مال له، وذلك لِمَا فيه من المصلحة الخاصة، فمصلحة الدِّين أَوْلَى.
وقد فهم أهل العلم من النصوص المتقدمة، أنه لا حرج عليهم أن يتكلَّموا في شخص، جارحين أو ناهين عن الرواية عنه، لما رأوا فيه من عدم الأهلية، وحثّ الناس على الرواية عن فلان، لما رأوا من الأهليَّة عنده ما يُوجب قبولهم لروايته.
قَالَ يَعْقُوب بن سفيان: سَمِعْتُ الحَسَن بن الرَّبِيع، قَالَ: قَالَ ابن المُبَارَك: المُعَلى بن هِلال هُوَ، إِلا أَنَّهُ إِذَا جَاءَ الحَدِيث يَكْذِب. قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّة: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن؛ تَغْتَابُ. قَالَ: اسْكُتْ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ، كَيْفَ يُعْرَفُ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ؟ أَوْ نَحْو هَذَا مِن الكَلامِ.
عَنْ عَمْرو بن عَلِيّ، ثنا عَفَّان، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيل ابن عُلَيَّة جُلُوسًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبتٍ.
وقال مسلم في مقدمة "صحيحه"، (بَابُ الكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الأخْبَارِ، وَقَوْلُ الأئِمَّةِ فِي ذَلِكَ)، ثم نقل كلامًا كثيرًا، وختمه بقوله: وإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُم الكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الخَطَرِ؛ إِذِ الأخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرفَهُ، وَلَم يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتهُ، كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأخْبَار أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ القَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بثِقَةٍ وَلا مقنعٍ، وَلا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالأسَانِيدِ المَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلأنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ العَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ.
وقال أبو حاتم ابن حبان: فهؤلاء الأئمة المسلمون، وأهل الورع في الدِّين، أباحوا القدح في المحدِّثين، وبيَّنوا الضعفاء والمتروكين، وبينوا أن السكوت عنه ليس ممَّا يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقدَّمهم فيه أئمة قبلهم، ذكروا بعضه وحثُّوا على أخذ العلم من أهله.
خامسًا: متى تُباح الغيبة
الأصْل فِي الغيبَةِ التَّحْرِيمُ، لِلأدِلَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيّ وَغَيرُهُ مِنَ
стр. 14
العُلَمَاءِ أُمُورًا سِتَّة، تُبَاحُ فِيهَا الغيبَة لِمَا فِيهَا مِن المَصْلَحَةِ؛ ولأنَّ المُجَوِّزَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، لا يُمْكِنُ الوُصُول إِلَيْهِ إِلا بِهَا، وَتِلْكَ الأمُورُ هِيَ:
الأوَّل: التَّظَلُّمُ. يَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ، أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فَيَذْكُرُ أَنَّ فُلانًا ظَلَمَنِي، وَفَعَل بِي كَذَا، وَأَخَذَ لِي كَذَا، وَنَحْو ذَلِكَ.
الثَّانِي: الاسْتِعَانَة عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوَابِ. وبيانهُ أَنْ يَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ إِزَالَة المُنْكَر، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا.
الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ. وَبيانهُ أَنْ يَقُول لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبِي، أَوْ أَخِي، أَوْ فُلانٌ بِكَذَا. فَهَل لَهُ ذَلِكَ أَمْ لا؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الخَلاصِ مِنْهُ، وَتَحْصِيل حَقِّي، وَدَفْع الظُّلْمِ عَنِّي؟ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلحَاجَةِ. وَلَكِنَّ الأحْوَطَ أَنْ يَقُول: مَا تَقُول فِي رَجُلٍ كَانَ مِنْ أمْرِهِ كَذَا، أَوْ فِي زَوْجٍ، أَوْ زَوْجَةٍ تَفْعَل كَذَا، وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْصل لَهُ الغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَة ﵂: قَالَتْ هِنْد أمُّ معَاوِية لِرَسُولِ اللَّه ﷺ : إِنَّ أَبَا سفيان رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: "خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ"، وَلَمْ ينْههَا رَسُول اللَّه ﷺ .
الرَّابعُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ:
أَوَّلا: جَرْحُ المَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالإجْمَاعِ، بَل وَاجِبٌ؛ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ.
ثَانِيًا: الإخْبَارُ بِغيبَةٍ عِنْدَ المُشَاوَرَةِ فِي مُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِهَا.
ثَالِثًا: إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، تَذْكُرُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ؛ نَصِيحَة لَهُ، لا لِقَصْدِ الإيذَاءِ والإفْسَادِ.
رَابِعًا: إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ، أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا. وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْك نَصِيحَتُهُ بِبيان حَالِهِ قَاصدًا النَّصِيحَةَ.
خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلايَةٌ لا يَقُومُ لَهَا عَلَى وَجْهِهَا، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ، فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلايَة؛ لِيَسْتَبْدِل بِهِ غَيْرَهُ أَوْ يَعْرف، فَلا يَغْتَرَّ بِهِ وَيُلْزِمُهُ الاسْتِقَامَةَ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ. فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلا أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَر.
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ. فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ؛ كَالأَعْمَش وَالأعْرَج، وَالأزْرَق وَالْقَصِير، وَالأعْمَى وَالأقْطَع، وَنَحْوهَا، جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى.
стр. 15
سادسًا: نشأة علم الجرح والتعديل
نشأ علم الجرح والتعديل مع نشأة الرواية، وبناءًا على الحديث السابق، فإن النبي ﷺ هو أول من جرح وعدل، وعلى ذلك المنهج سار المحدثون، فطلبوا الإسناد، وقوَّموا الرواة، وعدَّلوا في ذلك كل العدل، فأعطوا كل راوٍ ما يستحقّه من أوصاف الضبط والعدالة دون محاباة، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة في الاحتساب والتجرُّد.
فقد أثنى بعض الصحابة على بعض التابعين، وورد آثار عنهم في ذمِّ بعضهم أيضًا، فقد يكون أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه، هو أول من تثبت في الأخبار، فقد ثبت عَنْ قَبِيصَة بن ذُؤَيْب، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّة إِلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا؟ فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّه تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيّ اللَّه ﷺ شَيئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَة بن شُعْبَة: "حَضَرْتُ رَسُول اللَّه ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ"، فَقَالَ أَبُو بَكْر: هَلْ مَعَكَ غَيرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّد بن مَسْلَمَة، فَقَالَ مِثْلَمَا قَالَ المُغِيرَة بن شُعْبَة، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْر، ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأخْرَى إِلَى عُمَر بن الخَطَّاب ﵁، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّه تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُس، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا.
والغرض من هذا الحديث، هو الدلالة على التثبت من قِبَل أبي بكر ﵁ في الأخبار، ولم يكتفي براوٍ واحد.
وكذلك فعل عمر ﵁، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدرِيّ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأنْصَارِ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَر ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثًا فَلَئم يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ". فَقَالَ: وَاللَّه لَتُقِيمَنَّ عَلَيهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيّ ﷺ ؟ فَقَالَ أُبَيّ بن كَعْب: واللَّه لا يَقُومُ مَعَكَ إِلا أَصغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَر القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَخْبَرْتُ عُمَر أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِكَ.
قال ابن حبان: وتَبعَ عمر على ذلك التثبت علي ﵁، باستحلاف من يحدثه عن رسول اللَّه ﷺ ، وإن كانوا ثقات مأمونين؛ ليعلمهم تَوَقِّي الكذب على رسول اللَّه ﷺ .
ثم قال: وأخرج مسلم في مقدمة "صحيحه": عَنْ طَاوس، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابن عَبَّاس - يَعْنِي: بُشَيْر بن كَعْب- فَجَعَلَ يُحَدِّثهُ، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ. فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ،
стр. 16
وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ.
وعَنْ مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَ بُشَيْر العَدَوِيّ إِلَى ابن عَبَّاس، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَجَعَلَ ابن عَبَّاس لا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابن عَبَّاس؛ مَا لِي لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَلا تَسْمَعُ، فَقَالَ ابن عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً، إِذَا سَمِعْنَا رَجُلا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ؛ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُول، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلا مَا نَعْرِفُ.
وهذا الذي ذكر من احتياط بعض الصحابة في حديث رسول اللَّه ﷺ ، وتثبتهم من الرواة، لم يكن كثيرًا، ولا صريحًا بالاتهام؛ لعدم كثرة دواعيه، ولما سبق من قول عمر لأبي موسى: أما إني لم أتَّهمك.
ثم تكلَّم التابعون في الجرح، وكان كلامهم في ذلك قليلا أيضًا؛ لقرب العهد بمنبع الوحي، رسول اللَّه ﷺ ، وعامة من تكلم فيه آنذاك إنما كان للمذهب، كالخوارج، أو لسوء الحفظ، أو الجهالة؛ فإنهم لم يكونوا يعرفوا الكذب.
قال علي بن المديني: محمد بن سيرين أوَّل من فتَّش عن الإسناد، لا نعلم أحدًا أوَّل منه.
وروى الأعمش، عن إبراهيم النخعي، قال: إنما سُئل عن الإسناد أيام المختار.
أخرج مسلم بسنده عَن ابن سِيرِين، قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ.
وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى خالد بن نزار، قال: سمعت مالكًا يقول: أول من أسند الحديث ابن شهاب الزهري.
وقال يحيى بن سعيد القطان: الشعبي أول من فتش عن الإسناد.
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممَّن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحدًا أول منه، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
قال يعقوب: قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال.
قال الذهبي: فأول من زكى وجرح عند انقضاء عصر الصحابة: الشعبي، وابن سيرين، ونحوهما، وحفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين. . . .، فلما كان عند انقراض عامة
стр. 17
التابعين في حدود الخمسين ومائة، تكلَّم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، كالأعمش، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس.
سابعًا: أنواع المصنفات في الجرح والتعديل
بما أن الحُكم على الحديث صحَّة وضعفًا مبنيٌّ على أمور، منها: عدالة الرواة وضبطهم، أو الطعن في عدالتهم وضبطهم؛ لذلك قام العلماء بتصنيف الكُتب التي فيها بيان عدالة الرواة وضبطهم، منقولة عن الأئمة المُعَدِّلين الموثوقين، وهذا ما يُسمى بـ (التعديل)، كما أن في تلك الكُتب بيان الطعون المُوجَّهة إلى عدالة بعض الرواة، أو إلى ضبطهم وحفظهم كذلك، منقولة عن الأئمة غير المتعصبين، وهذا ما يُسمُّى بـ (الجَرْح)، ومن هنا أُطلق على تلك الكتب: كتب الجرح والتعديل.
وهذه الكُتب كثيرة ومتنوعة، فمنها المُفْرَدَة لبجان الرواة الثقات، ومنها المفردة لبيان الضعفاء والمجروحين، ومنها كتب لبيان الرواة الثقات والضعفاء. ومن جهة أخرى فإن بعض هذه الكتب عامّ لذكر رواة الحديث، بغض النظر عن رجال كِتاب أو كُتب خاصة من كتب الحديث، ومنها ما هو خاص بتراجم رواة كتاب خاص أو كتب معينة من كتب الحديث.
هذا ويعتبر عمل علماء الجرح والتعديل في تصنيف هذه الكتب، عملا رائعًا مُهمًّا جبارًا، إذ قاموا بمسح دقيق لتراجم جميع رواة الحديث، وبيان الجرح أو التعديل الموجَّه إليهم أولا، ثم بيان من أخذوا عنه ومن أخذ عنهم، وأين رحلوا، ومتى الْتَقُوا ببعض الشيوخ، وما إلى ذلك من تحديد زمنهم الذي عاشوا فيه، بشكل لم يُسْبَقوا إليه، بل ولم تصل الأمم المتحضرة في هذا العصر إلى القريب ممَّا صنَّفه علماء الحديث، من وَضْع هذه الموسوعات الضخمة في تراجم الرجال ورواة الحديث، فحفظوا على مدى الأيام التعريف الكامل برواة الحديث ونقلته، فجزاهم اللَّه عنَّا خيرًا، وحتى لا تتشتَّت الأذهان في معرفة هذا النوع من علم الحديث الشريف، قسَّمْته إلى خمسة فصول:
الفصل الأول: مصنفات خاصة بالرواة الثقات.
الفصل الثاني: مصنفات خاصة بالرواة الضعفاء.
الفصل الثالث: مصنفات خاصة بكل من الثقات والضعفاء.
الفصل الرابع: مصنفات خاصة برواة كتب معينة، كالكتب الستة، وما شابهها.
الفصل الخامس: مصنفات خاصة بمعاجم الشيوخ.
الفصل الأول: في ذكر أسماء المصنفات الخاصة بالرواة الثقات:
١ - كتاب "تاريخ الثقات"، للإمام أحمد بن عبد اللَّه بن صالح العجلي، المتوفى عام (٢٦١ هـ)، مطبوع في مجلد.
٢ - كتاب "الثقات" للإمام محمد بن حبان البستي، المتوفى عام (٣٥٤ هـ)، مطبوع في
стр. 18
تسعة مجلدات، وهو متساهل جدًّا في توثيق الرواة، على ما سنُبيِّن ذلك فى دروسنا الخاصة بمناهج الأئمة في مصنفاتهم الحديثية، إن شاء اللَّه تعالى.
٣ - كتاب "مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان أيضًا، مطبوع في مجلد، وهو خاص بمشاهير الرواة الثقات، فبدأ بذكر الصحابة ﵃ أجمعين، ثم تلاهم بمشاهير الرواة من التابعين، ثم أتباع التابعين فقط، وقسَّم كل طبقة على البلدان، مرتبًا إياهم على حروف الهجاء.
٤ - كتاب "تاريخ أسماء الثقات ممَّن نُقل عنهم العلم" للإمام أبي حفص عمر بن أحمد، المعروف بـ (ابن شاهين)، المتوفى عام (٣٨٥ هـ)، وهو في كتابه هذا يكثر نقل أقوال الأئمة في توثيقهم للرواة، ولا سيما عن الإمام ابن معين، رحمه اللَّه تعالى.
٥ - كتاب "رجال صحيح مسلم" للإمام أحمد بن علي المشهور بـ (ابن منجويه)، المتوفى عام (٤٢٨ هـ)، وسأعيد ذكر هذا الكتاب في النوع الرابع، إن شاء اللَّه تعالى، حيث إنه خاص به، ولكنِّي ذكرته هاهنا، من أجل احتوائه رجال مسلم الغالب عليهم التوثيق، وكذلك الحال في الكتاب الآتي ذكره.
٦ - كتاب "أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه الصحيح" للإمام أبي أحمد عبد اللَّه بن عدي الجرجاني، المتوفى عام (٣٦٥ هـ).
الفصل الثاني: في ذكر أسماء المصنفات الخاصة بالرواة الضعفاء:
١ - كتاب "الضعفاء والمتروكين" للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، صاحب "السنن"، المتوفى عام (٣٠٣ هـ)، وهو مطبوع في مجلد.
٢ - "الضعفاء" للحافظ أبي زرعة الرازي، رواية البوذعي عنه.
٣ - "الكامل في ضعفاء الرجال" للإمام أبي أحمد عبد اللَّه بن عدي الجرجاني، المتوفى عام (٣٦٥ هـ)، وهو من أفضل المصنفات في هذا الشأن، وهو مطبوع في ثمان مجلدات.
٤ - "الضعفاء والمتروكون" للإمام أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، المتوفى عام (٣٨٥ هـ)، وهو مطبوع في مجلد.
٥ - "الضعفاء الكبير" للإمام أبي جعفر عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، المتوفى عام (٣٢٢ هـ)، وهو مطبوع في أربع مجلدات.
٦ - "المجروحين" للإمام ابن حبان البستي، وهو مطبوع في ثلاث مجلدات.
٧ - "تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان البستي"، وهو عبارة عن استدراكات للإمام الدارقطني على شيخه ابن حبان، وهو مطبوع في مجلد.
٨ - "الضعفاء والمنسوبون إلى البدعة من المحدثين والعلل" للإمام أبي يحيى زكريا بن
стр. 19
يحيى بن عبد الرحمن الساجي، المتوفى عام (٣٠٧ هـ)، إلا أن هذا الكتاب مفقود، ولكن توجد منه بعض النقولات الهامة، وهي ملحقة بكتاب "تعليقات الدارقطني" المذكور آنفًا.
٩ - "الضعفاء" للإمام أبي الفرج ابن الجوزي، المتوفى عام (٥٩٧ هـ).
١٠ - "ميزان الاعتدال" للإمام شمس الدين الذهبي، المتوفى عام (٧٤٨ هـ).
١١ - "المُغني في الضعفاء" للذهبي، وهو مطبوع في مجلديْن.
١٢ - "ديوان الضعفاء" للذهبي، وهو مطبوع في مجلد، وهو يُعد اختصارًا لـ "المغني".
١٣ - "ذيل ديوان الضعفاء" للذهبي.
١٤ - "ذيل على ميزان الاعتدال" للحافظ العراقي، المتوفى عام (٨٠٤ هـ).
١٥ - "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى عام (٨٥٢ هـ)، وهو كتاب استدرك فيه الحافظ ابن حجر ما فات الحافظان: الذهبي والعراقي في كتابيهما، إلا أن الحافظ ابن حجر اقتصر فيه على الرواة الضعفاء غير المذكورين في "التهذيب"، يعني: الذين ليس لهم رواية في الكتب الستة، فلا يليق بالباحث أن يبحث عن راوٍ ما من رواة الكتب الستة في كتاب "لسان الميزان".
الفصل الثالث: المصنفات الخاصة بالرواة الثقات والضعفاء:
١ - " التاريخ الكبير" للإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى، وهو أصل كتب الجرح والتعديل التي صُنفت بعده، حيث أن كل من صنف بعده في هذا الفن، أو غيره من الفنون كالكُنَى وما شابه ذلك، فإن كتاب التاريخ الكبير هو الأصل المُعتمد عليه، ومن أمثلة ذلك: كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"الكنى" لكل من الإمام مسلم، وأبي أحمد الحاكم، والدولابي، وغيرهم. ويمتاز كتاب "التاريخ الكبير" بكثير من الإشارات الحديثية الغامضة، والتي لا يستطيع الاستفادة منها إلا المتمرس لهذا العلم الشريف.
٢ - "التاريخ الأوسط" للإمام البخاري، وهو يُعد بمثابة اختصار لـ "تاريخه الكبير".
٣ - "الجرح والتعديل" للإمام أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم محمد بن إديس بن المنذر الحنظلي الرازي، المتوفى عام (٣٢٧ هـ)، وهو من أشمل الكتب وأنفعها في هذا الفن الشريف، من حيث كثرة عدد الرواة المترجمين فيه، وأغلبهم متكلَّم فيهم بما يليق بحالهم من الجرح والتعديل، وأَكْثَر ابن أبي حاتم رحمه اللَّه تعالى، نقل أقوال كبار أئمة هذا الشأن، كأمثال: والده أبي حاتم، وخاله أبي زرعة، الرازييْن، حيث كان يسألهما عن كل راوٍ راوٍ مشافهة، وما رواه بإسناده عن الكبار، مثل: الإمام أحمد، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم الكثير.
٤ - "التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم" لأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي، المتوفى عام (٣٠١ هـ).
стр. 20
٥ - "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" للحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد اللَّه الخليلي القزويني، المتوفى عام (٤٤٦ هـ).
٦ - "السؤالات الواردة عن الإمام أحمد بن حنبل" رحمه اللَّه تعالى، من رواية كل من: ابنه عبد اللَّه، المسماه بـ "العلل ومعرفة الرجال"، وكذلك من رواية المروذي المسماه بـ "العلل ومعرفة الرجال" أيضًا، وكذلك "سؤالات أبى داود" عنه.
٧ - "السؤالات الواردة عن الإمام يحيى بن معين" رحمه اللَّه تعالى، وذلك برواية كل من: عباس الدوري، وابن الجنيد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي خالد الدقاق يزيد بن الهيثم، وابن محرز، وغيرها الكثير.
٨ - "سؤالات محمد ابن أبي شيبة عن علي بن المديني".
٩ - "السؤالات الواردة عن الإمام الدارقطني" رحمه اللَّه تعالى، ومنها: سؤالات الحاكم أبي عبد اللَّه صاحب "المستدرك"، وحمزة بن يوسف السهمي، وعبد الرحمن السلمي الصوفي المتكلم، وأبي بكر البرقاني، وأبي عبد اللَّه بن بكير، وغيرهم.
١٠ - "سؤالات مسعود بن علي السجزي" عن الحافظ أبي عبد اللَّه بن البيع النيسابوري صاحب "المستدرك".
الفصل الرابع: مصنفات خاصة برواة كُتب مُعيّنة:
اعتنى كثير من الأئمة بتأليف مصنفات خاصة تهتم برواة مشاهير دواوين الإسلام، كالكتب الستة، و"موطأ الإمام مالك"، و"مسند الإمام أحمد"، و"مسند الإمام الشافعي"، والمسند الذي خرَّجه الحسين بن محمد بن خسرو، المتوفى عام (٥٢٢ هـ) من حديث الإمام أبي حنيفة النعمان، وغير ذلك الكثير.
ونُبيِّن في هذا الفصل -إن شاء اللَّه تعالى- أهم هذه المصنفات، وقد قسَّمته إلى مبحثيْن:
المبحث الأول: في ذكر المصنفات التي اهتمت بكتب الأئمة الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
المبحث الثاني: في ذكر المصنفات التي اهتمت بكتب الأئمة الأربعة، ﵃ أجمعين.
المبحث الأول: في ذكر المصنفات التي اهتمت برواة الأئمة الستة:
ولما كانت الكتب الستة هي أشهر هذه الدواوين على الإطلاق، كان من نتيجته أن حازت على أكبر قدر من المصنفات المهتمة بتراجم رواتها.
فبدأت العناية تتَّجه -أولا- إلى "الصحيحيْن"، حيث جمع أبو عبد اللَّه النيسابوري، ومن بعده أبو الفضل ابن طاهر، رجال "الصحيحين". ثم جمع أبو نصر الكلاباذي، وأبو
стр. 21
الوليد الباجي، رجال البخاري. وأما أبو بكر ابن منجويه فقد أفرد رجال مسلم في تصنيف خاص، ثم تلاهم بعض المغاربة بجمع رجال "الصحيحين"، وأبي داود، والترمذي، في مُصنَّف مستقلّ سماه "الزهرة"، ولم أر من ذكر اسم هذا المؤلف، ولا سيما الأئمة الذين يكثرون النقل عنه، كالعلامة مغلطاي في كتابه "الإكمال"، والحافظ ابن حجر في "التهذيب"، وغيره. ثم أخذت التصانيف تتوالى حول هذه الكتب الستة، ويمكن لنا أن نلخصها بالترتيب فيما يأتي:
١ - كتاب "المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل"، تأليف الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه الشافعي، المعروف بـ (ابن عساكر)، المتوفى عام (٥٧١ هـ)، وهو جزأ واحد مطبوع، وكان من منهج الحافظ ابن عساكر في كتابه هذا ما يلي:
أ - اقتصر فيه مؤلفه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين.
ب - رتب كتابه على الحروف المشرقية، وابتدأ كتابه بمن اسمه أحمد.
ت- أورد التراجم على سبيل الاختصار، حيث ذكر اسم المترجم ونسبته، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم يتكلم على كثير منهم بما يليق بحالهم من العدالة، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له. وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقة، أو ما شابه ذلك من رتب العلو في الرواية.
ث- ثم استعمل لأصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ): للبخاري، (م): لمسلم، (د): لأبي داود، (ت): للترمذي، (ن): للنسائي، (ق): لابن ماجه.
٢ - كتاب "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي الحنبلي، المتوفى عام (٦٠٠ هـ)، وتناول فيه جُلّ رواة الكتب الستة.
وإذا كان الحافظ ابن عساكر هو من أَلَّف في شيوخ أصحاب الكتب الستة، فإن الحافظ عبد الغني هو أول من ألف في رواة الكتب الستة، حيث لم يقتصر على شيوخهم، بل تناول جميع الرواة المذكورين في هذه الكتب، من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، إلى أصحاب الكتب الستة نفسها. ولما كان كتابه هذا هو النواة الأولى لِمَا تلاه من كتب اهتمت بهذا الشأن، حيث لم يسبقه غيره في هذا المضمار، وقعت فيه بعض الأوهام والاستدراكات، ويمكن لنا أن نلخصها فيما يأتي:
أ - عدم استقصائه لجميع رواة الكتب الستة.
ب - عدم استيفائه لأقوال أئمة الجرح والتعديل في الراوي المترجم له.
ت- أوهامه في إيراده لتراجم من ليس على شرط الكتب الستة، فيترجم لهم على أنهم من رواه الكتب الستة.
٣ - كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للإمام الحافظ جمال الدين أبي الحجاج
стр. 22
يوسف المزي، المتوفى عام (٧٤٢ هـ). ولما جاء الحافظ المزي رحمه اللَّه تعالى، ودرس كتاب "الكمال"، فوجد فيه هذا النقص والإخلال، وإغفال لكثير من الأسماء التي هي من شرطه، بلغت مئات عديدة، قرَّر تأليف كتاب جديد يستند في أُسسه على كتاب "الكمال" وسماه: "تهذيب الكمال"، وبلغت مُدة تصنيفه لهذا الكتاب ثلاثين عامًا تقريبًا.
وقد يظن البعض أن كتاب "تهذيب الكمال" هو اختصار لكتاب "الكمال"، وكأنهم ربطوا بين كلمتي الاختصار والتهذيب، مع أن الأخيرة تدل في الأغلب على التنقية والإصلاح.
والحق أن الإمام المزي قد تجاوز كتاب "الكمال" في كتابه هذا تجاوزًا، أصبح معه التناسب بينهما أمرًا بعيدًا، سواء أكان ذلك في المحتوى، أم التنظيم، أم الحجم، وإليك بيان ذلك على وجه الاختصار:
تفضيل كتاب "تهذيب الكمال" للمزي على كتاب "الكمال" لعبد الغني، وقد استفدت في معظم المادة العلمية حول كتاب "التهذيب" وما تفرع عنه من مصنفات، من الدكتور/ بشار عواد في مقدمته لكتاب "تهذيب الكمال":
ومن خلال هذا التفضيل سيَتبيَّن لك منهج الإمام المزي في كتابه "تهذيب الكمال":
أولا: اقتصر كتاب "الكمال" على رواة الكتب الستة، فاستدرك المزي ما فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولا، وهم كثرة، ودقَّق في الذين ذكرهم، فحذف بعض من هو ليس من شرطه، وهم قلة، ثم أضاف إلى كتابه الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، وهي:
للبخاريّ:
١ - (كتاب القراءة خلف الإمام).
٢ - (كتاب رفع اليدين في الصلاة).
٣ - كتاب "الأدب المفرد".
٤ - كتاب "خلق أفعال العباد".
٥ - ما استشهد به في "الصحيح" تعليقًا.
ولمسلم:
٦ - مقدمة كتابه "الصحيح".
ولأبي داود:
٧ - كتاب "المراسيل".
٨ - كتاب "الرد على أهل القدر".
٩ - كتاب "الناسخ والمنسوخ".
стр. 23
١٠ - كتاب "التفرد"، وهو ما تفرد به أهل الأمصار من السُّنن.
١١ - كتاب "فضائل الأنصار".
١٢ - كتاب "مسائل الإمام أحمد".
١٣ - "كتاب "مسند حديث مالك بن أنس".
وللترمذي:
١٤ - كتاب "الشمائل".
وللنسائي:
١٥ - كتاب "عمل يوم وليلة".
١٦ - كتاب "خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁".
١٧ - كتاب "مسند علي ﵁".
١٨ - كتاب "مسند حديث مالك بن أنس".
ولابن ماجه:
١٩ - كتاب "التفسير".
وبذلك زاد في تراجم الأصل أكثر من ألف وسبع مائة ترجمة.
ثانيًا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتَّفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رواة الكتب الستة أو غيرها، ممَّا أضافه الإمام المزي من المصنفات سالفة الذكر.
ثالثًا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الأصل مادة تاريخية جديدة، في شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنهم، ورتبهم على حروف الهجاء، وما قيل في صاحب الترجمة من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، ممَّا أغفله صاحب "الكمال"، فتوسَّعت معظم التراجم توسعًا كبيرًا.
رابعًا: وأضاف المزي بعد كل هذا، أربعة فصول مهمة في آخر كتابه، لم يذكر صاحب "الكمال" منها شيئًا، وهي:
١ - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه، أو جده، أو أمه، أو عمه، أو نحو ذلك.
٢ - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صناعة، أو نحو ذلك.
٣ - فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه.
٤ - فصل في المُبْهَمات.
وهذه الفصول تيسَّر الانتفاع بالكتاب تيسيرًا كبيرًا في تسهيل الكشف على التراجم الأصلية، فضلا عن إيراد بعضهم مفردًا في هذه الفصول.
خامسًا: رجع المزي إلى كثير من الموارد الأصلية التي لم يرجع إليها صاحب "الكمال"،
стр. 24
سواء كانت هذه الموارد التي استمدَّ منها المزي التراجم الأصلية للكتاب، أو ما نقل منها أقوال الجرح والتعديل وما شابه ذلك.
سادسًا: زيادة التدقيق والتحقيق، وبيان الأوهام ومواطن الخلل، في كل المادة التاريخية التي ذكرها عبد الغني في "الكمال"، فوضَّح سقيمها، ووثق ما اطمأن إليه، فأورده في كتابه الجديد.
سابعًا: جعل المزي لكل مصنف علامة مختصرة تدل عليه، وهي سبع وعشرون علامة، منها ست علامات للأصول الستة، وعلامة لما اتفق عليه الستة، وعلامة لما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة، وتسع عشرة علامة لمؤلفات أصحاب الستة الأخرى، ونوضِّحها كما يلي في الجدول الآتي:
علامته اسم الكتاب (ف) أبو داود في كتاب "التفرد". (عخ) البخاري في "أفعال العباد". (ع) الكتب الستة. (صد) أبو داود في "فضائل الأنصار". (م) مسلم في "صحيحه". (٤) السنن الأربعة. (ل) أبو داود في "مسائل أحمد". (مق) مسلم في مقدمة "صحيحه". (خ) البخاري في "صحيحه". (كد) أبو داود في "مسند مالك بن أنس". (د) أبو داود في كتاب "السنن". (خت) ما استشهد به البخاري في "الصحيح" تعليقًا. (ت) الترمذي في "سننه". (مد) أبو داود في كتاب "المراسيل". (ز) البخاري في (جزء القراءة خلف الإمام). (تم) الترمذي في "الشمائل". (قد) أبو داود في كتاب "الرد على أهل القدر". (ي) البخاري في (كتاب رفع اليدين في الصلاة). (س) النسائي في "سننه". (خد) أبو داود في "الناسخ والمنسوخ".
стр. 25
(بخ) البخاري في "الأدب المفرد". (عس) النسائي في "مسند علي ﵁". (ص) النسائي في "خصائص علي ﵁". (سي) النسائي في "اليوم والليلة". (فق) ابن ماجه في "التفسير". (ق) ابن ماجه في "سننه". (كن) النسائي في "مسند مالك بن أنس".
فكل راوٍ ترجم له المزي في كتابه "تهذيب الكمال"، وضع أمامه علامة من أخرج له من الأئمة الستة، ثم أعاد بذكر أحد هذه العلامات أو بعضها، في صلب ترجمة الراوي عند ذكر شيوخه وتلاميذه؛ ليعرف الناظر إليها في أيّ كتاب من تلك الكتب وقعت روايته عن ذلك الراوي المترجم له.
هذا وممَّا ينبغي التنبيه له أن الإمام المزي رحمه اللَّه تعالى، لم يقف على كل مصنفات الأئمة الستة، بل فاته جملة من بعض مصنفاتهم، ككتب: "الزهد"، و"دلائل النبوة"، و"الدعاء"، و"ابتداء الوحي"، و"أخبار الخوارج"، كلهم من تصنيف الإمام أبي داود. نصَّ على ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه "التهذيب" (١/ ٦).
وأيضًا توجد لهؤلاء الأئمة مصنفات أخرى لم يوردهم الإمام المزي في كتابه "تهذيب الكمال"، بالرغم من وقوفه عليهم، وذلك للأسباب الآتية:
١ - لكونها ليس من غرض الكتاب.
٢ - أو لكونه ليس فيه إسناد.
ومن هذه الكتب: "التاريخ الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، كلهم للإمام البخاري، وكذلك كتابي "الضعفاء" له. وكتب: "الكنى"، و"التمييز"، و"الوحدان"، و"الإخوة"، كلهم لمسلم. وكتب: "الإخوة"، و"معرفة الأوقات" لأبي داود. وغير ذلك الكثير ممَّن نصَّ عليهم الإمام المزي في مقدمة كتابه "التهذيب" (١/ ١٥١).
وأصبح كتاب الإمام المزي رحمه اللَّه تعالى، بما ذكرنا من بعض مميزاته، أعظم كتاب في موضوعه غير مدافع، وحاز على إعجاب ومدح مَن جاء من بعده من الأئمة، ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال:
١ - العلامة صلاح الدين الصفدي، حيث قال في كتابه "أعيان العصر": وصنف كتاب "تهذيب الكمال" في أربعة عشر مجلدًا، كشف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته.
٢ - تاج الدين السبكي، حيث قال في كتابه "طبقات الشافعية": وصنف "تهذيب
стр. 26
الكمال" المجمع على أنه لم يصنف مثله.
٣ - علاء الدين مغلطاي، قال: كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله. . . .؛ لأن مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجًا لم يشرع. وقال أيضًا: وقد صار كتاب "التهذيب" حَكمًا بين طائفتي المحدِّثين والفقهاء، إذا اختلفوا قالوا: بيننا وبينكم كتاب المزي.
ومن أجل هذه المنزلة العظيمة التي تبوأها كتاب "تهذيب الكمال"، عكف عليه أئمة الحديث ممَّن عاصره كالذهبي، أو ممن جاء بعده بالاختصار، أو التهذيب، أو الاستدراك، وهي كما يلي:
١ - "الكنى المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للحافظ جمال الدين أبي محمد رافع بن هجرس السلامي، المتوفى عام (٧١٨ هـ)، وهو من تلامذة الإمام المزي، وممن قرأ عليه كتابه "تهذيب الكمال"، اختصر فيه مؤلفه القسم الأخير من "تهذيب الكمال" الخاص بالكنى، وتوجد منه نسخة مخطوطة مكتوبة بخطه، وهي من محفوظات مكتبة آيا صوفيا بتركيا.
٢ - "تذهيب التهذيب" للإمام شمس الدين الذهبي، اختصر فيه مؤلفه كتاب: "تهذيب الكمال"، وأضاف إليه ما رآه حريًّا بالإضافة، وعلق على كثير من تراجم الأصل من حيث الرواية، وضبط الأسماء والوفيات، وبعض أقوال العلماء في المترجمين. وهذا الكتاب هو الذي قام صفي الدين الخزرجي بتلخيصه في كتابه المعروف "خلاصة تذهيب الكمال".
٣ - "الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة" للإمام شمس الدين الذهبي أيضًا، اقتصر فيه الذهبي على رواة الكتب الستة فقط، حيث قال في مقدمته: هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: "الصحيحين"، والسنن الأربعة. مقتضب من "تهذيب الكمال" لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب، دون باقي تلك التواليف التي في "التهذيب"، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه.
٤ - "التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر اليشهور بـ (ابن كثير)، المتوفى عام (٧٧٤ هـ)، جمع فيه بين "تهذيب الكمال" للمزي، و"ميزان الاعتدال" لشيخه الذهبي، مع زيادات وتحرير عليهما في الجرح والتعديل، وهو مازال مخطوط، وقد وقفت على نسخة خطية منه.
٥ - "التذكرة في رجال العشرة" للحافظ شمس الدين الحسيني، المتوفى عام (٦٧٥ هـ)، وقد اختصر فيه مؤلفه كتاب شيخه المزي، وحذف منه من ليس في الكتب الستة، وأضاف إليهم رجال أربعة كتب، هي: "الموطأ" للإمام مالك بن أنس، و"المسند" للإمام أحمد بن حنبل، و"مسند الإمام الشافعي"، و"مسند الإمام أبي حنيفة" الذي جمعه ابن خسرو
стр. 27
الحارثي. ولنا وقفة أخرى مع كتاب "التذكرة" عند حديثنا على كتاب "تعجيل المنفعة" للحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى.
٦ - "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للحافظ علاء الدين مغلطاي، المتوفى عام (٧٦٢ هـ)، وكتابه هذا يُعد من أفضل الكتب المصنفة على كتاب "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وقد اعتنى فيه مؤلفه في تدقيق معظم النصوص التي أوردها المزي في كتابه، وتكلم على أدنى اختلاف فيما نقله، مع الاستدراك على المزي فيما فاته من أقوال أئمة الجرح والتعديل، فيمن ترجم لهم في "تهذيب الكمال"، وغير ذلك الكثير ممَّا يعرفه المطَّلع على كتابه هذا، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
٧ - "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى عام (٨٥٢ هـ)، اختصر في مؤلفه كتاب "تهذيب الكمال" إلى نحو الثلث، مع إدخال بعض التعديلات في صلب الكتاب، وأضاف إليه كثير ممَّا استدركه العلامة مغلطاي في كتابه "الأكمال" على كتاب "تهذيب الكمال"، وإن كان هذا الكتاب يُعد أشهر المصنفات الحديثية المعنية برواة الأئمة الستة؛ إلا أن عليه كثير من المؤاخذات الحديثية، ليس هذا محل ذكرها هاهنا، ولعلِّي أذكرها إن شاء اللَّه تعالى في كتابي "مناهج الأئمة في مصنفاتهم الحديثية" يسَّر اللَّه تعالى إتمامه وإخراجه إلى النور.
٨ - "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر أيضًا، اختصر في مؤلفه كتابه سابق الذكر "تهذيب التهذيب"، اقتصر فيه إلى اسم المترجم على وجه الاختصار، مع ذكر درجته من الجرح والتعديل، وطبقته، والعلامة التي ذكرها له المزي.
وبهذا نكون قد ذكرنا -في هذا المبحث- أكثر وأشهر المصنفات الحديثية المعنية برواة الأئمة الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ﵃ أجمعين.
المبحث الثاني: في ذكر المصنفات التي اهتمت برواة مصنفات الأئمة الأربعة وغيرهم ﵃:
١ - " تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة" للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللَّه تعالى، اختصر في مؤلفه كتاب "التذكرة برجال العشرة" للحافظ الحسيني، والذي ذكرناه آنفًا في المبحث الأول، وبيَّن الحافظ ابن حجر موضوع كتابه هذا في المقدمة، حيث قال: فقد وقفت على مصنف للحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي سماه: "التذكرة برجال العشرة"، ضم إليه كما في "تهذيب الكمال" لشيخه المزي من في الكتب الأربعة، وهي: "الموطأ"، و"مسند الشافعي"، و"مسند أحمد"، والمسند الذي خرجه
стр. 28
الحسين بن محمد بن خسرو من حديث الإمام أبي حنيفة. . . .
فالتقطت الآن من كتاب الحسيني من لم يترجم له المزي في "التهذيب". . .، ثم عثرت في أثناء كلامه -يعني: الحسيني- على أوهام صعبة فتعقبتها، ثم وقفت على تصنيف له أفرد فيه رجال أحمد، سماه: "الأكمال بمن في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال"، فتتبعت ما فيه فائدة زائدة على التذكرة. . .، إلى نهاية خطبته، والتي بيَّن فيها ﵀، منهجه في كتابه هذا.
٢ - "الإكمال بمن في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال" للحافظ الحسيني، وقد تقدَّمت الإشارة عليه في كلامنا على كتاب "تعجيل المنفعة" للحافظ ابن حجر.
٣ - "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" للحافظ ابن حجر، ذكر فيه رواة كتاب "الآثار" للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن الحسن الشيباني، التي رواها عن الإمام أبي حنيفة، سواء كانوا مترجمين في "التهذيب" أم لا، إلا أنه لم يتكلم على رواة "التهذيب" بشيء، إلا بذكر أسمائهم فقط، وأما من كان من غير رواة "التهذيب"، فهو يسهب في الكلام عليهم.
٤ - "رجال مستدرك الحاكم ممن لم يترجم لهم في التهذيب" للعلامة محدث اليمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه اللَّه تعالى.
٥ - "رجال سنن الدارقطني ممَّن لم يترجم لهم في التهذيب ولا رجال مستدرك الحاكم" للعلامة مقبل بن هادي الوادعي أيضًا.
الفصل الخامس: المصنفات الخاصة بمعاجم الشيوخ:
والمراد بالمعجم: هو أن يأتي أحد الأئمة في ذكر تراجم شيوخه الذين الْتَقَاهم وأخذ عنهم العلم، في مصنف خاص به، ذاكرًا إيَّاهم على حروف المعجم، ومن أشهر هذه المعاجم:
١ - "الغنية" للقاضي عياض، المتوفى عام (٥٤٤ هـ).
٢ - "معجم شيوخ ابن الجوزي".
٣ - "التحبير في المعجم الكبير" للإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني، المتوفى عام (٥٦٢ هـ)، وهو مطبوع في مجلديْن كبيرين.
٤ - "معجم الشيوخ" للإمام شمس الدين الذهبي، وهو مطبوع في مجلدين.
٥ - "المعجم المختص" للإمام الذهبي أيضًا.
٦ - "المجمع المؤسس للمعجم المفهرس" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
٧ - "المنجم في المعجم" للحافظ السيوطي.
стр. 29
ثامنًا: صفة من يُقبل منه الجرح والتعديل
- أن يكون المتكلم عارفًا بمراتب الرجال، وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال.
- أن يكون من أهل الورع والتقوى:
ذلك أن الورع والتقوى يمنعانه من القول في الرجال بغير علم، ويمنعه الورع والتقوى من الجور، والحيف في القول فيمن يتكلم فيه، فلا يقول فيه إلا الحق والصدق. كما أن الورع والتقوى يجعله لا يخاف في اللَّه لومة لائم، ويحمله على أن لا يحابي أحدًا في هذا المجال، بل يقدِّم الاحتياط لسُنَّة رسول اللَّه ﷺ على من يحبُّه أو يقرِّبه.
- أن يكون مجانبًا للعصبية والهوى:
إن صاحب الهوى يحمله هواه أن يجرح الثقة، أو يوثق الضعيف، وصاحب الهوى غالبًا ما يسوقه هواه إلى الضلال. قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]؛ أي: لا أحد أضلَّ ممَّن اتَّبع هواه لغير هدى.
ومن الهوى الذي يمكن أن يسوق الإنسان إلى أن يقول في أخيه ما لا يقتضيه حاله، ما يقع بين الفِرَق من اتِّهام كل منها الفِرقة الأخرى.
- أن يكون المعدِّلُ والمجرِّحُ خاليًا من التساهل والتشدُّدِ:
ذلك أن تساهل المجرِّح يقتضي أن يوثق الضعيف، وقد يؤدِّي به تساهله إلى أن يحسن الظنّ بكل أحد، ومن ثَمَّ يوثقه، وهذا ينافي كمال الاحتياط لسُنَّة رسول اللَّه ﷺ .
وكذلك فإن التشدد في جرح الرواة يؤدِّي إلى إهدار كثير من السُّنَّة النبوية، كما فعله الكثيرون اليوم، فردُّوا كثيرًا من الأحاديث المقبولة، لاتِّباعهم منهج المتشدِّدين في الجرح والتعديل.
- أن يكون عاريًا عن غرض النفس بالتحامل:
وهذا التحامل للغرض النفسي، يحصل غالبًا بين الأقران من العلماء، وليس كل العلماء بل بعضهم، ذلك أن العصمة للَّه ثم لرسله عليهم الصلاة والسلام.
- أن يكون المجرِّح أو المعدِّل عدلا في نفسه:
فإن المجروح في نفسه لا يقوِّم غيره، وقد يكون أوثق منه، وهذا عابه المحدثون على أبي الفتح الأزدي، لما كَثُر طعنه في الرواة، وعابوا على أُناس آخرين لكونهم ضعفاء، فضعَّفوا غيرهم أو وثَّقوهم، وفاقدُ الشيء لا يُعطيه كما قالوا.
قال ابن حجر في ترجمة خثيم بن عراك بن مالك الغفاري: وَثَّقَهُ النسائي، وابن حبان،
стр. 30
والعقيلي، وشذَّ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم، فاتبع الأزدي وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يُقبل منه تضعيف الثقات.
- أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بهذا الشأن:
أي: يكون من يتصدَّى للتضعيف والتوثيق من أهل الحديث البارعين فيه، العارفين بمخارج الحديث، وطرق الرواية، وأنواع التحمل، وكيفية الأداء، ونحو ذلك، ولو كان غير متخصص في هذا العلم، فإنه لا يمكنه الطعن في الرواة، أو توثيقهم بما لا يقتضيه حالهم.
- أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بالأسباب التي يُجرّح من أجلها الإنسان:
إذا كان المجرِّح أو المعدِّل لا يعرف أسباب الجرح والتعديل، فإنه قد يُجرّح أو يُعدِّل بغير أسبابهما، فهناك أمور لا يستدلُّ بها على التعديل، كما توجد أسباب لا يُجرّح بها.
قال أحمد بن يونس، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص العمري: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة. قال أهل العلم عن قوله: هذا لا عبرة به؛ لأنه استدلَّ بهيئة عبد اللَّه على توثيقه، والهيئة لا يستدلُّ بها على التوثيق.
فقد يأتي العامِّي في لباس العلماء وهيئتهم، وهو عامي لا يعرف من العِلْم شيئًا، كما أن أكثر العلماء يتحلُّون بالزهد والورع، فيلبسون الثياب الرَّثة البالية، حتى لا يخطر في البال أنه من العلماء، فإذا تكلَّم عرف علمه وفقهه.
المبحث الثاني مراتب الجرح والتعديل
لقد عني العلماءُ وأئمة الجرح والتعديل بذكر ألفاظ الجرح والتعديل، وبيان مراتبها ودرجاتها، وقد رتَّبها ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل"، فجعلها أربع مراتب، فأحسن وأجاد. وتَبِعَه في ذلك الإمامان: ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث"، والنووي في مختصره المُسمَّى بـ "التقريب"، والذي شرحه الإمام السيوطي بكتابه الجامع "تدريب الراوي"، ثم جعلها الإمامان الذهبي والعراقي خمس مراتب. ثم جاء الحافظ ابن حجر فجعلها ست مراتب.
١ - ألفاظ التعديل:
المرتبة الأولى: الوصفُ بما يدلُّ على المبالغة، وهو الوصف بأفعل، مثل: فلان أوثق الناس، وأعدل الناس، وإليه المنتهى في التثبت. ومثله قول الشافعي في ابن مهدي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا. ومثله أيضًا قول هشام بن حسان في ابن سيرين: حَدَّثَنِي أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكتُ مِن البَشَرِ مُحَمَّد بن سِيرِين.
ومنه: لا أحد أثبت منه، ومَنْ مثل فُلان، وفُلان لا يُسأل عنه، ولم أر من ذكر هذه الثلاثة، وهي في ألفاظهم.
стр. 31
ويُضاف لهذه المرتبة: ثقة ما أثبت حديثه، أو ما أقول إن أحدًا أثبت منه في الحديث، أو ما خلفت ببغداد مثل فلانًا، فلان رُكن من أركان الحديث، فلان مُجْمع على ثقته في الحديث، مُتَّفق على ثقته وأمانته والاحتجاج به، حدثنا فلان وهو التثبت كالأسطوانة، فلان أَوْثَق من أساطين مسجد الجامع، فلان ثقة مسند عديمُ النظير، ثقة كبير الشأن، ثقة عدل، ثقة نظيف الإسناد، ثقة حلو الحديث، إليه المنتهى في الثقة، إذا وافقني فلان فلا أُبالي مَن خالفني، لو خالفني فلان وأنا أحفظ سماعي لتركت حفظي لحفظه، إذا خالفني صرت إليه، فلان أحد الأعلام الأثبات، فلان ثقة وزيادة، فلان ثقة من أهل المعرفة.
فلان حجة، فلان حجة بلا نزاع، حجة وفاقًا، حجة فيما يرويه محصل لما يمليه، حجة اللَّه على عباده، حجة بين اللَّه وبين عباده في الأرض، حديثه حجة أحج ما يكون، من حجج اللَّه تعالى على خلقه بعد التابعين، فلان رجل صالح يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص، فلان قنطرة، بل قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي، هو ثقة الحديث جدًّا، فلان ريحانة المحدِّثين، أو سيد المحدثين، فلان متين.
فلان فوق الثقة جبل، فلان جبل من الجبال، أو من الجبال الرواسي، فلان ثقة يفصل بالألفاظ، ثقة يفصل بين الواو والفاء، أو بين الياء والتاء، ما بين لابتيها أوثق من فلان، أوثق من برأ اللَّه في الحديث هو فلان، ليس على بسيط الأرض أوثق من فلان، ما رأيت أسود الرأس أوثق من فلان، أوثق من بال على التراب، فلان أجلّ من أن يقال فيه: ثقة، ما إذا سُئل أحدهم عن راوٍ: أهو ثقة؟ فقال: وزاد، ثقة كفاية، فلان شكّه يقين، فلان شكه كيقين غيره، شكه أحسن، أو أحبُّ إليَّ من يقين غيره، هو ممَّن حفظ العلم على أُمَّة محمد ﷺ ، فلان مصحَفٌ، كان أُمَّة وحده في هذا الشأن، هو فارس في الحديث خذوا عنه، أمير المؤمنين في الحديث، ما جعلت بينك وبين الرجال مثل فلان، قبان المحدثين، فلان ثقة مبرِّزٌ، فلان صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث، ما كتبنا عن أحد أجلَّ من فلان، لم أرو عن أجلِّ منه في عيني، فلان أمثل من يكتبون عنه، فلان ثبَّتوه جدًّا، فلان ميزان لا يرد على مثله، فلان لا يختلف في حديثه، فلان هو الطبيب.
كأن اللَّه خلف فلانًا لهذا الشأن، كأنه لم يُخلق إلا للحديث، فلان صدوق صدوق، صدوق مأمون، كان فلان ثقة من أهل العلم بالحديث، إذا اختلف الناس في شيء فزعوا إلى فلان، حدثنا فلان الأسد، فلان بصير بالحديث متقن يشبه الناس، فلان هو الإمام المقبول عند الكلِّ، فلان مُثِّلَ بجبل نُفخ فيه الروح، اسمعوا من فلان فإنه الأمين المأمون، فلان هو العقدة، فلان ممَّن انتهى الإسناد إليهم، ممَّن دار الإسناد عليهم، أو ممن دار حديث الثقات عليهم.
حدثنا فلان الكبش النطاح، هذا الغلام يناطح الكباش، فلان هو التقي النقي الذي لم أر مثله، لو كتب فلان عن مالك مثلا لأثبته في الطبقة الأولى من أصحابه، فلان من الطبقة العليا،
стр. 32
فلان الثقة الحافظ الناقد، فلان درة في الحديث، أو ريحانة في الحديث، أو ياقوتة في الحديث، فلان يملأ حديثه الصدر والنحر، فلان قرة عين في الحديث، فلان ثقة ثقة لو رأيته لقرت عينك به، إذا حدثك فلان فاختم عليه، إذا جاءك الحديث عنه فاستمسك به.
فلان كبير من أهل الصناعة، العرض على فلان أحبُّ إليِّ من السماع من غيره، فلان كبير المتثبتين، ما عندي آمن على الحديث من فلان، ما خلفت بعدي آمن على الحديث من فلان، أحاديث فلان كأنها الدنانير، إذا جاءت المذاكرة جئنا بكلّ وإذا جاء التحصيل جئنا بفلان، إذا حدثك عن فلان ثقة فقد ملأت يديك ولا تريد غيره، كأن حديثه القدح لا يختلف فيه أحد، فلان العدل، الرضى الأمين عدل نفسي عندي، هو أوثق عندي من نفسي، فلان إمام الجرح والتعديل، أو ما خلق اللَّه تعالى أحدًا أعرف بالحديث منه، فلان أس المحدثين في الصدق وكان ثبتًا.
فلان من ثقات الثقات، كان فلان مليًّا، فلان ثقة صاحب حديث، فلان ثقة صاحب حديث ومعرفة، فلان من البزَّل الكمَّل في هذا الشأن، فلان أهل ألا ندع له شيئًا، فلان ينبغي أن تكتبوا حديثه كله، خذوا من حديثه ما استطعتم، فلان محدِّثُ العرب، فلان غاية في الإسناد ليس بعده شيء، فلان حديثه كالأخذ باليد، حدثنا فلان وكان فلان دعامة، هو كثير العلم صحيح الحديث، إن حدثكم فلان فلا عليكم ألا تكتبوا عن غيره، فلان فطن صحيح كيِّسٌ، فلان من حكماء أصحاب الحديث، فلان ثقة نقيُّ الحديث، فلان صحيح الدِّين صحيح الرواية، فلان مقدَّمٌ في الصنعة.
فلان ثقة مأمون، ثقة من أهل الأمانة، فلان ثقة فوق الثقة بدرجة، فلان الحافظ الصدوق، كان فلان ينظِّر بفلان الإمام، كان فلان في مسلاخ شعبة، فلان ثقة يصلح للحديث، ما ينبغي لأحد أن يفوق فلانًا في الحديث أو يفضله في الحديث، فلان عزيز العلم ثقة عالم، فلان لا يختلف فيه أحد، وغير ذلك من عبارات كثيرة استخدمت للدلالة على هذه المرتبة.
وفائدة هذه الرتبة أن حديثهم في أعلى درجات الصحة، وكذلك إذا حدث تعارض أو اختلاف في الرواية، رجحت طبقة هؤلاء.
المرتبة الثانية: ثقة، أو ثبْت، أو حجة، أو إمام، أو حافظ، أو متقن، أو عدل، إلى نحو ذلك.
وأما قولهم: (ثقة)، فمعناه أنه عدل ضابط، ولا يلزم من هذا أنه لا يخطئ، فما من ثقة، بل وما من إمام مشهور إلا وقد أخطأ، لكن الراوي إذا كان صدوقًا في دِينه، وكان خطؤه قليلا نادرًا، ينغمر في سعة ما روى، أو لم يظهر ذلك في حديثه، فهو ثقة يعمل بروايته، إلا أن يتَّضح لنا أنه أخطأ في حديث بعيْنه، فيترك خطؤه ويقبل صوابه، والرجل إذا كثرت حسناته على سيئاته، وصوابه على خطئه، نَجَا وسَلَم، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، كما قال
стр. 33
الحافظ الذهبي ﵀.
وليس من شرط الثقة أن يُتابع في كل ما يقول، بل من شرطه ألا ينفرد بالمناكير عن المشاهير، ويكثر منه ذلك.
فها هو حماد بن زيد، والإمام مالك، وسفيان الثوري، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم من سادات الحُفاظ الذين بلغوا في الحفظ غاية كبيرة، قد ثبت أنهم أخطئوا في بعض الأحاديث، وهذا لا يعني إذا أخطأ الراوي في حديثٍ ما، أن نبطل جميع أحاديثه، أو أن نقضي عليه بأنه ضعيف، ولكن يريدون أن الراوي إذا كانت غالب أحاديثه صحيحه مستقيمة، فإنهم يحكمون عليه بأنه ضابط، وأن حديثه الأصل فيه إذا ورد أن يكون صحيحًا، والموضع الذي أخطأ فيه يكون حديثه فيه ضعيفًا.
قولهم: (فلان ثقة له أوهام، أو له أفراد، أو يغرب). فهذا اللفظ وإن كان دون قولهم ثقة، إلا أنه لا ينزل عن هذه المرتبة، وحديث من هذا حاله، محمول على الصحة، حتى يثبت أن هذا الحديث من أوهامه أو أخطائه، فيترك. نعم، إذا عارضه ثقة، فحديث الثقة مقدَّمٌ عليه.
وقال ابن حبان في ترجمة أبي بكر ابن عياش:
كان أبو بكر ابن عياش من الحُفاظ المتقنين، يروي عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد روى عنه ابن المبارك وأهل العراق. وكان يحيى القطان، وعلي بن المديني، يُسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سِنُّه، ساء حفظه، فكان يَهِمُ إذا رَوَى، والخطأ والوَهْم شيئان لا ينفكُّ عنهما البشر، فلو كثر خطؤه حتى كان الغالبَ على صوابه، يستحق مجانبة رواياته، فأما عند الوَهْم يهم، أو الخطأ يخطئ، لا يستحقُّ ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه. . . . والصواب في أمره: مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخل في جملة أهل العدالة، ومن صحَّت عدالته لم يستحقَّ القدح ولا الجرح، إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حُكم كل محدِّث ثقة صحَّت عدالته وتبيَّن خطؤه.
وقال في ترجمة داود بن أبي هند:
وكان داود من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِمُ إذا حدَّث من حِفظه، ولا يستحقُّ الإنسان التركَ بالخطأ اليسير يخطئ، والوهم القليل يهم، حتى يفحش ذلك منه؛ لأن هذا ممَّا لا ينفكُّ منه البشر، ولو كُنَّا سلكناه المسلك، للزمنا ترك جماعة من الثقات الأئمة؛ لأنهم لم يكونوا معصومين من الخطأ، بل الصواب في هذا ترك من فحش ذلك منه، والاحتجاج بمن كان منه ما لا ينفكُ منه البشر.
وقال في ترجمة عبد الملك ابن أبي سليمان ميسرة العرزمي:
كان عبد الملك من خيار أهل الكوفة وحُفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث من
стр. 34
حفظه أنه يهم، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحة عدالته، بأوهام يهم في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك، للزمنا ترك حديث الزهري، وابن جريج، والثوري، وشعبة؛ لأنهم أهل حفظ وإتقان، وكانوا يحدِّثون من حفظهم ولم يكونوا معصومين، حتى لا يَهِمُوا في الروايات، بل الاحتياط والأوْلَى في مثل هذا، قبول ما يروي الثبتُ من الروايات، وترك ما صحَّ أنه وهمَ فيها، ما لم يفحش ذلك منه حتى يغلب على صوابه، فإن كان كذلك استحقَّ الترك حينئذ.
ومن العبارات التي ترادف هذه المرتبة: فلان صدوق صاحب حديث، اكتبوا عن فلان، اكتب عن فلان حتى تجف يدك، فلان مستقيم الحديث، أو مستقيم الأمر بالحديث، أو في الرواية، فلان ثقة وليس بمحل أن يقال له: حجة، أو ليس بالحجة، فلان إذا روى عن ثقة أو روى عنه ثقة فهو صحيح الحديث، أو مستقيم الحديث، فلان ممَّن يُرضى به في الحديث، فلان صحيح الكتاب، فلان صدوق صاحب كتاب، فلان أكثر الناس عنه، أكثر عنه الأئمة، فلان أحاديثه يحتجُّ بها، أو فلان يحتجُّ به، فلان عمدة، أو معتمد، أو يعتمد عليه.
فلان ثقة لم يُذكر إلا بخير، فلان كان معتبرًا، فلان مقبول القول، وقد يطلقون المقبول على من يُقبل حديثه ولا يحرك، فيدخل في ذلك من يصلح في الشواهد والمتابعات، وإن لم يحتجَّ به بمفرده، والعبرةُ حينئذ بالقرينة.
فلان ثقة يُخطئ كما يخطئ الناس، فلان القلب إلى أنه ثقة أميلُ، فلان مضبوط الحديث، فلان صدوق له حفظ، أو يصدق ويحفظ، فلان صدوق نقيُّ الحديث، ثقة لو قيل له: اكذب؛ لم يحسن، أو لم يعرف أن يكذب، فلان كان معدلا عند أهل بلده، هو ممن تقوم به الحجة إذا روى عنه الثقات، ثقة فيما تفرَّد به وشُورك فيه، كان جميل الأمر في الحديث، ثقة ثقة ورأيت أحمد يكتب حديثه، أو أحاديثه بنزول.
فلان صحيح الحديث وقوي الحديث، فلان مستوي الحديث، كان فلان مكينًا عند فلان، فلان ثقة لا شك فيه، فلان استقامته في الحديث استقامة الأثبات، فلان أحدُ منْ ثبت حديثه، أو من ثقات المسلمين، أو ثقة بلا ثنيا، أو ثقة بلا تردد، فلان يُجزئ، وقد يعني: لا بأس به، واللَّه أعلم.
المرتبة الثالثة: من قصر عن درجة الثانية قليلا، وإليه الإشارة بقولهم: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به. قال ابن أبي حاتم: فهو ممَّن يُكتب حديثه، ويُنظر فيه، وهي المنزلة الثانية -يعني: على حسب تقسيمه-، وزاد الحافظ العراقيّ: أو مأمون، أو خيار، أو ليس به بأس؛ ولكنها قد تدلُّ على أن المقصود بها ثقة، كما هي عند ابن معين وبعض أهل العلم، ولكن لا تُعرف إلا بالقرينة، فالأصل أنها في هذه المرتبة.
ومن العلماء مَنْ فرَّق بين صدوقٍ وبين محلَّه الصدق، وهو الذهبي، وتَبِعَه العراقيّ فجعل
стр. 35
صدوق من هذه، ومحله الصدق ما بعدها؛ لأن صدوقًا صيغة مبالغة، بخلاف محلُّه الصدق، فإنه دالٌّ على أن صاحبها محلَّه، ومرتبته مطلق الصدق.
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده، عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا أَبُو خَلْدَة، قَالَ. فَقَالَ لَهُ رَجُل: يَا أَبَا سَعِيد؛ أَكَانَ ثِقَة؟ . قَالَ: كَانَ صَدُوقًا، وَكَانَ مَأْمُونًا، وَكَانَ خَيِّرًا -وَقَالَ القَاسِمُ: وَكَانَ خِيَارًا-، الثِّقَة: شُعْبَة وَسفيان.
وهذا يدلُّ على تفرقتهم بين ثقة، وبين صدوق ونحوه.
ومن ألفاظ هذه المرتبة: فلان صادق، ما به بأس، المسكين ليس له بخت، ما هو من أهل الكذب ولكن ليس له بخت، فلان ممَّن يصدق في الروايات، فلان ثقة إن شاء اللَّه، لم أر في حديث فلان ما في القلب منه، لم أر في حديث فلان مكروهًا، فلان لم يكذب في الحديث، فلان ما أصلح حديثه، فلان ثقة ولكن ليس ممَّن يُوصف بالضبط، فلان عدلٌ في الشهادة أو مقبولُ الشهادة عند الحُكام، فلان ما أقرب حديثه، فلان صدوقٌ مسلمٌ، واللَّه أعلم.
المرتبة الرابعة: من قصُر عن درجة الثالثة قليلا، وقد مثَّل لها ابن أبي حاتم بقوله: شيخ، وقال: يُكتب حديثه ويُنظر فيه، إلا أنه دون الثانية -يعني: على حسب تقسيمه-. وزاد العراقيُّ في هذه المرتبة مع قولهم: محله الصدق، إلى الصدق ما هو، شيخ، وسط، جيد الحديث، حسن الحديث. وزاد الحافظ ابن حجر قولهم: صدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو صدوق يخطئ، أو تغيَّر بأخَرَةٍ.
واعلم أن هذه المرتبة والتي تليها، يجد الباحث أكثر ألفاظهما تتداخل، ولذا نجد بعض هذه الألفاظ ذكرها بعض الأئمة هنا، وذكرها بعضهم في المرتبة الخامسة، وهما متقاربان، والأمر سهل، فإنهما من مراتب الشواهد.
ويلحق بها من العبارات: فلان إلى الصدق ما هو، فلان جيد الحديث، فلان لا بأس به إن شاء اللَّه، أو صدوق إن شاء اللَّه، حمل الناس عنه، هو بصورة أهل الصدق، فلان متوسط الحال، أو متوسط الأمر، أو كأنه صدوق، فلان محله العدالة، أو محله الصدق والستر، فلان ثقة وليس كل أحد يحتجُّ به، فلان سداد من عيش، فلان يقع في قلبي أنه صدوق، أرجو أن يكون صدوقًا، فلان حديثه يشبه حديث الثقات، أو حديث الأثبات، فلان مقارب الحال، أو حاله مقارب، أو لم يزل حديثه مقاربًا، أو قريب الأمر، فلان صدوق في حفظه ضعف، فلان عندي في جملة من يُنسب إلى الصدق، رجلٌ صالح الحديث يغلبه، واللَّه أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: ويلحق بذلك من رُمي بنوع بدعة: كالتَّشيع، والقَدَر، والنَّصْب، والإرْجَاء، والتجهُّم، مع بيان الداعية من غيره.
المرتبة الخامسة: صالح الحديث ونحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: من قيل فيه: ذلك يُكتب حديثه، وينظر فيه، يعني: يُكتب حديثه للاعتبار.
стр. 36
وعند العراقي: فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وما أعلم به بأسًا. وزاد السيوطي: صدوق إن شاء اللَّه، وأرجو أن لا بأس به، وصويلح. وزاد السخاوي: يُعتبر حديثه، ويُكتب حديثه، وما أقرب حديثه.
وعند الحافظ ابن حجر: مقبول؛ أي: حيث يُتابع، وإلا فليِّن الحديث. وسوف أتكلم عنها من خلال كلامي عن منهج الحافظ ابن حجر في "التقريب".
ومن ألفاظ هذه المرتبة: فلان يُعتبر به، وفلان شيخ، وفلان حديثه من أقسام الحسن، فلان ليس ببعيد من الصواب، فلان يُستدلُّ به.
ما ينبغي أن يعلم أن بعض الكلمات قد يعتبرها بعض العلماء من مرتبة، والآخر يعتبرها من مرتبة أخرى، فلا يشكلنَّ عليك الأمر، وإنما هو يرجع إلى اختلاف الاعتبار والأنظار.
٢ - ألفاظ التجريح ومراتبها:
وسنرتبها من الأدنى إلى الأعلى.
المرتبة الأولى: عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ليِّن الحديث.
وعند العراقي: ليس بذاك، وليس بذاك القوي، وفيه ضعف، وفي حديثه ضعف، وفيه مقال، وتُعرف وتُنكر، وليس بالمتين، وليس بحجة، وليس بعمدة، وليس بالمرضي، وللضعف ما هو، وسيء الحفظ، وفيه خلاف، وتكلَّموا فيه.
وزاد السيوطي: فيه لين، وضُعِّف. وعند الذهبي: صدوق لكنَّه مبتدع. وعند السيوطي: ما أعلم به بأسًا.
وكثير من ألفاظ هذه المرتبة والتي تليها تحتمل نفي الجلالة، فقط (الضبط)، وإن كان الراوي ثقة في الجملة، لكن الأصل في هذه الألفاظ أنها عبارات تليين، إلا إذا قامت قرينة تفيد نفي الجلالة دون أصل القوة، فيُعمل بها، واللَّه أعلم.
ومن جملة ألفاظ هذه المرتبة: فلان ضُعِّف قليلا، وفلان غير حجة، وليس هو ممَّن يُتَّكل عليه، ويُخالف في بعض حديثه، وليِّن ويلين، وماذا بحجة، وله أفراد وغرائب، وله أوهام، وله أشياء لا يُتابع عليها، ويُعرف بغير حديث لا يرويه غيره، وله مناكير، وإلى التليين ما هو، ويهمز في الشيء بعد الشيء، أو يهم في الشيء بعد الشيء، وليس بالثبت، أو ليس بثبت، فلان في حديثه بعض الإنكار، أو في أحاديثه ما ينكر عليه، يُستضعفُ، ليس بذاك، لم يكن من النقد الجيد، لم يكن بالصافي، وليس كأقوى ما يكون، وليس بأقوى ما يكون، فلان ليس هناك، ليس بالقوي عندهم، أو لم يكن بالأستاذ.
فلان ليس بالحافظ، أو ليس ممن يلزم بزيادة حجة، فلان لم يكن بالماهر، فلان ليس من أهل الحفظ والإتقان، أو ليس بالمتقن، أو ليس ممن يُوصف بالضبط للحديث، أو ليس بذاك الحافظ، فلان لم يكن بالسِّكَّة، فلان لم يبلغ درجة الصحيح، فلان ليس محله محل
стр. 37
المسمّعين، أو المتَّسعين في الحديث، فلان ليس من البابة؛ أي: ليس بذاك، فلان ليس من جمال المحامل، أو ليس من أهل المحامل، أو ليس من الإبل التي تحمل المحامل، أو ليس من أهل القباب، أو ليس من إبل القباب.
فلان ليس من أحلاس الحديث، فلان ليس بمحكم الحديث، فلان ليس ممَّن تريد، أي: ليس بالثبت، فلان ليس من أكابر أصحاب الزهري مثلا، فلان لم يكن بجيد العقدة، فلان لا يُجئ بحديثه كما ينبغي، واللَّه أعلم.
المرتبةُ الثانية: فلان لا يُحتجُّ به، أو ضعفوه، أو منكر الحديث، ونحوها.
عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ليس بقوي. وعند الحافظ ابن حجر: مستور أو مجهول الحال، وهو عنده من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق.
وعند السخاوي: فيه مقال، وأدنى مقال، وضُعِّفَ، وفلان فيه ضعف، وليس من إبل القباب، وليس بمأمون، وليس من إبل المحامل، وليس من جمازات المحامل، وليس يحمدونه، وليس بالحافظ، وغيره أوثق منه، وفي حديثه شيء، وتكلَّموا فيه، وسكتوا عنه، وفيه نظر -إذا كانا من غير الإمام البخاري- ونزكوه، ومجهول عند أبي حاتم إن كان بمعنى: مجهول الحال، وفيه جهالة، ولا أدري ما هو.
وأنت تلاحظ أن أهل هذه المرتبة من جهة سبب الضعف ينقسمون إلى قسميْن: قسم من قَبِل حفظه، وقسم من قبل جهالة حاله، إما في الظاهر والباطن، وإما في الباطن فقط.
ومن ألفاظ هذه المرتبة قولهم: قلَّما يحتاج إلى فلان في الحديث الذي يحتجُّ به، فلان فيه شيء، أو في القلب منه شيء، أو في القلب منه هاجس، فلان رديء الحفظ، أو سيء الحفظ، أو ذو مناكير، أو صاحب مناكير، فلان ليس بمنكر الحديث ولا يُحتج به، ليس بمنكر الحديث يُكتب حديثه، لم يكن البائس ممَّن يكذب، فلان لا يستهويه فلان، أو لا أستحلي حديثه، أو كان فلان قليل الميل إليه، فلان لا ينبسط لحديثه، أو لا أنشط لحديثه، وفلان لا تشبث بحديثه، لم يَشْتَه الناس حديثه، فلان فيه بعض النظر.
فلان حديثه ليس حديث حافظ، وفلان ليس بالحافظ، يغلط على الثقات، فلان ينبغي أن يتثبت في أمره، فلان مجهول في الرواية معروف في النسب، فلان ليس حديثه بالقائم، فلان لا يقوى حديثه، وفلان مُختلف عنه في الأسانيد، فلان لا يقطع به في حديث إذا اختلف أو انفرد، فلان لم نأخذ منه إلا ما لا نجده عند غيره، فلان لم يقوِّ أمرَ فلان، أو ليس لفلان فيه كبير أو رأي، فلان يوصل الحديث؛ أي: يسند المراسيل، أو يرفع الموقوفات، فلان محله محل الأعراب، فلان في حديثه صنعة، يعني: أنه يتصرف فيه ولا يأتي به على وجهه، فلان في حديثه مناكير، ويحيل على ما لا يحتمل.
فلان صبي أو طفل؛ أي: لم ترسخ قدمه في هذا الشأن، فلان لا يضبط الإسناد، أو لا
стр. 38
يقيم الإسناد، فلان لم يكن يحفظ، أو لم يكن له حفظ، فلان مستضعف، أو كان مستضعفًا، سكتوا عنه؛ أي: من لم يتكلَّم فيه بجرح ولا تعديل، خلا كلام البخاري في هذا المصطلح الخاص به، فلان لا يستقيم حديثه ولا يُحتج به، فلان ليس حديثه نيِّرًا ولا يحتج به، ليس حديثه بالمضيء، فلان ليس لحديثه رونق ولا ضوء، فلان ليس ممن يكذَّب بمرة، هو وسط، فلان ليس حديثه بذاك الجائز.
نفق فلان، أو نفق حديث فلان؛ أي: أن الناس أخذوا حديثه وراج بينهم وليس هو بهذه المنزلة، فلان متماسك، أو متماسك الحديث؛ أي: ليس بالقوي ولا بالساقط، بل يُكتب حديثه ولا يُحتج به، فلان ثقة شبه الضعيف، واللَّه أعلم.
المرتبة الثالثة: عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ضعيف الحديث. وعند العراقي: ضعيف، ومنكر الحديث، ومضطرب الحديث، وواهٍ، وضعّفوه. وعند الحافظ ابن حجر ضعيف.
وعند السخاوي: منكر الحديث، وحديثه منكر، وله ما ينكر، وله مناكير، وواهٍ، ومضطرب الحديث، وضعفوه. وعند السيوطي مضطرب الحديث ولا يحتجُّ به، ومجهول. وفي كلام السخاوي نظر.
ومن ألفاظ هذه المرتبة قولهم: فلان لا يُترك حديثه، أو لم يهدر، أو لا يستحق الترك، أو ليس حديثه بالمتروك، أو لا أقدم على تركه، أو لا أعلم أحدًا كفَّ عنه، فلان يُكتب حديثه ولا يحتج به، فلان يخبط في الإسناد، فلان ليس بالقوي ولا بالمتروك، أو ليس بالقوي ولا بالساقط، أو ليس بذاك الساقط، وإلى الضعف ما هو، فلان يُحتمل حديثه، أو محتمل حديثه، أو يُحمَل حديثه، أو تحتمل رواياته، أو ما في حديثه إلا ما يحتمل، أو لم أر في حديثه إلا ما يحتمل.
فلان في حديثه خلل كثير، أو كثير الخطأ، أو كثير الوَهْم، فلان قليل الضبط للحديث يَهِمُ وَهْمًا، فلان لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق؛ أي: إذا تُوبع، وإلا فهو ضعيف، فلان منكر الحديث يَهِمُ كثيرًا، أو منكر الحديث مظلم الرواية.
هذا وإن الكثير من أهل العلم على أن من قيل فيه: منكر الحديث، فهو ممَّن يصلح للشواهد والمتابعات، كما في قول الذهبي، والعراقي، والسخاوي، والسيوطي، وقد يطلقون النكارة على مجرَّد التفرد في الأغلب، وهذا عند المتقدمين، وقد تطلق على الجرح، والقرائن هي التي تحدّد قصدهم.
فلان حديثه ليس بالمعروف، فلان في حديثه وهاء، أو في حديثه وهيٌ، فلان لا تقوم بمثله الحجة ولكن يكتب حديثه، فلان ضعيف لا يكذب، وفلان ضعيف أرجو أنه لا يكذب، فلان ضعيف ما أعلم أنه يكذب، فلان يهم ولا يعلم، أو يخطئ ولا يفهم، فلان لا يُعوَّل عليه، أو لا يُعتمد عليه، أو لا يُتكل عليه، أو ممن لا يحتج بنقله، فلان يكتب من حديثه الرقاق، أو
стр. 39
لا بأس به في أحاديث الرقاق، أو يكتب عنه في الفضائل والرقاق، أو ليس بحجة في الأحكام، أو ليس بحجة في الأحكام والسُّنن، أو اسمعوا منه ما كان في ثواب، ولا تسمعوا منه ما كان في سُنَّة.
فلان لم يكن نافقًا، فلان يحدث عنه من لا ينظر في الرجال، أو من لا يبصر في الرجال، فلان ثقيل، وهذا لضعفه، فلان أحاديثه ليست نقية، فلان يكتب حديثه زحفًا، أو لا يكتب حديثه إلا زحفًا، فلان أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس، فلان كأن أحاديثه نسيان؛ أي: لكثرة الوَهْم والمخالفة والاضطراب، فلان لا يحتج بحديثه ولا يتديَّن به، فلان لم يكن من القريتيْن بعظيم؛ أي: ليس بالقوي، فلان ليس حديثه بمستقيم؛ أي: مضطرب، فلان حديثه أو روايته تدلُّ على ضعفه، أو تدلُّ على أنه ضعيف، فلان ضعيف لم يدفع، ليس فلان مثل غيره في الضعف، فلان كان رفاعًا، أو كان من الرفاعين، يعني: يرفع الموقوفات أو يسند المرسلات.
فلان لم يُقنع الناس بحديثه، فلان كتب عنه بعض أصحابنا، فلان يُؤخذ من حديثه المعروف، فلان ليس به بأس إذا جاءك بشيء تعرفه، فلان يحمل أحاديثه بعضها بعضًا، فلان ليس من أهل التثبت في الرواية ولا يحتج به، فلان من حمَّالة الحطب، يعني: ضعيف، فلان يكتب حديثه على المجاز، فلان صحفي، يعني: يأخذ حديثه من الصحف، ونحو ذلك كثير، واللَّه أعلم.
تنبيه: اعلم أن هذه المرتبة آخر مراتب الشواهد والمتابعات.
المرتبة الرابعة: وهي عند الحافظ ابن حجر: مجهول. هناك خلاف حول المجهول، وحُكم العمل بروايته، ومتى ترتفع جهالته.
وعند العراقي: لا شيء، ضعيف جدًا، واهٍ بمرةٍ، لا يُساوي شيئًا، مطرَّح، طرح حديثه، ارمِ به، رُدَّ حديثهُ، رُدُّوا حديثه، مردود الحديث، مطرح الحديث، ليس بشيء.
وزاد السخاوي: واهٍ، تالفٌ، لا يُكتب حديثه، لا تحلُّ الرواية عنه، لا يحلُّ كتابة حديثه، والرواية عنه حرام، لا يساوي فلسًا.
فلان مجهول في النسب والرواية، فلان ليِّن جدًّا، أو ضعيف الأمر جدًّا، أو نكرة، أو لا يُدرَى من هو، أو لا يدرَى من ذا، أو لا يدرَى ما هو، أو لا يعرف ألبتة، أو مجهول جدًّا، فلان لا يُشتغل بحديثه، أو لا يشتغل به، فلان شيخ عامي لا يفهم ولا يقيم الهجاء، فلان لا وجود له، فلان قاص، أو كان قاصًّا، أو كان صاحب قصص، أو صاحب سمر، فلان لم يكن أهلا للحديث، أو للحديث عنه، أو لم يكن في موضع أن يُحدَّث عنه، أو لا نروي عنه شيئًا، أو ما نقدر أن نحدث عنه، أو منعنا أبو زرعة مثلا من قراءة حديثه، أو أهل ألا يروَى عنه، أو ليس ممَّن يروَى عنه، أو نهيَ عن حديثه، أو صاحب سمر ما ظننت أن أحدًا يُحدِّثُ عنه، أو لا ينبغي أن يُروَى عنه، أو لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، أو لا يُروَى عنه.
стр. 40
لكن قد تقال هذه العبارة لغير ذلك: فلان لا يقيم شيئًا من الحديث، ليس له حديث قائم، الغالب على حديثه الوهم، فلان منكر الحديث جدًّا، فلان ينبغي مجانبة حديثه، فلان لا شيء خفيف الدماغ، أو لا يعي ما يخرج من رأسه، فلان كان يلعب به الصبيان، فلان أسانيده مثل الريح، أو هو والريح سواء، فلان لا يُساوي شيئًا، أو فلس خير منه، أو لا يساوي فلسًا، أو لا يساوي بعرة، أو لا يساوي تمرة، أو لا يساوي نواة في الحديث، أو ليس يساوي قليلا ولا كثيرًا، أو لا يساوي دستجة بقل (حزمة بقل)، أو لا يساوي كعبًا.
فلان اختلط لا يكاد يقوم، أو اختلط حتى كان لا يدري ما يقول، فلان دعنا منه، أو دعه دعه، أو دعه؛ أي: ارم به، فلان لا يدري ما الحديث، أو لا يحسن الحديث، فلان لا أعرف له حديثًا مستقيمًا، أو لا أعرف له حديثًا صحيحًا، فلان لا تعجبني الرواية عنه، فلان طير غريب، فلان منكر الحديث شبه المتروك، أو ليس بشيء شبه، أو شبيه بالمتروك، فلان يرفع كثيرًا ممَّا لا يرفعه الناس، ليس بشيء، رأيتهم يهابون حديث فلان.
فلان ليس أحد يروي عن ذاك، فلان لا أرضاه في شيء، فلان يتلقَّن كل حديثه، أو ليس في الحديث شيئًا، أو كتبت عنه وليس أحدِّثُ عنه، جفَا فلان الحديث لاشتغاله بالعبادة، فلان ما له وللحديث، فلان ضعيف الحديث لا يوقف منه على شيء، فلان ليس في وزن من يشتغل بخطئه، فلان مظلم الحديث جدًّا، أو مظلم الرواية بمرة، فلان لم يقبل الناس حديثه، أو غير مقبول الحديث، أو غير مقبول، فلان ما كان يدري ما هذا الشأن، ولا كان شأنه، فلان لا يُتابعه إلا من هو مثله أو دونه، لا يُتابعه إلا من هو مثله، أو قريب منه، فلان إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق، فلان شغله القرآن أو الغزو عن الحديث، أو فلان مسلم صاحب غزو، ولكن لا بد من قرينة توضح مثل هذه العبارة.
فلان أحاديثه تشبه أحاديث القصاص ليس لها أصل، فلان لا يحسن أن يتكلم؛ أي: ليس بشيء، فلان لا يحفظ وليس عنده كُتب، فلان أحاديثه عامتها أو كلها ضعيفة، أو ضعيف في كل ما يرويه، أو كلها أو عامتها فيها نظر، أو مقلوبة، أو لا يتابع عليها، أو مناكير، أو غير محفوظة، ونحو ذلك كثير في كتب الجرح والتعديل، واللَّه أعلم.
المرتبة الخامسة: عند ابن أبي حاتم: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب. وعند العراقي: متَّهم بالكذب وهالك، وليس بثقة، ولا يعتبر به، وفيه نظر، وسكتوا عنه.
للبخاري: ومتروك، وتركوه، وذاهب الحديث، وساقط، ولا يعتبر بحديثه، وليس بالثقة، وليس بثقة ولا مأمون، متهم بالوَضْع. وعند الحافظ ابن حجر: متروك، متروك الحديث، وواهي الحديث، وساقط. وعند السخاوي: يسرق الحديث، ومجمع على تركه، وعلى يدي عدل، أي: قريب من الهلاك.
وقولهم: ليس بثقة، فالمتبادر أنها جرح شديد، لكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت
следующие страницы →