Полный текст (3 586 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وعند العراقي: فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وما أعلم به بأسًا. وزاد السيوطي: صدوق إن شاء اللَّه، وأرجو أن لا بأس به، وصويلح. وزاد السخاوي: يُعتبر حديثه، ويُكتب حديثه، وما أقرب حديثه.
وعند الحافظ ابن حجر: مقبول؛ أي: حيث يُتابع، وإلا فليِّن الحديث. وسوف أتكلم عنها من خلال كلامي عن منهج الحافظ ابن حجر في "التقريب".
ومن ألفاظ هذه المرتبة: فلان يُعتبر به، وفلان شيخ، وفلان حديثه من أقسام الحسن، فلان ليس ببعيد من الصواب، فلان يُستدلُّ به.
ما ينبغي أن يعلم أن بعض الكلمات قد يعتبرها بعض العلماء من مرتبة، والآخر يعتبرها من مرتبة أخرى، فلا يشكلنَّ عليك الأمر، وإنما هو يرجع إلى اختلاف الاعتبار والأنظار.
٢ - ألفاظ التجريح ومراتبها:
وسنرتبها من الأدنى إلى الأعلى.
المرتبة الأولى: عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ليِّن الحديث.
وعند العراقي: ليس بذاك، وليس بذاك القوي، وفيه ضعف، وفي حديثه ضعف، وفيه مقال، وتُعرف وتُنكر، وليس بالمتين، وليس بحجة، وليس بعمدة، وليس بالمرضي، وللضعف ما هو، وسيء الحفظ، وفيه خلاف، وتكلَّموا فيه.
وزاد السيوطي: فيه لين، وضُعِّف. وعند الذهبي: صدوق لكنَّه مبتدع. وعند السيوطي: ما أعلم به بأسًا.
وكثير من ألفاظ هذه المرتبة والتي تليها تحتمل نفي الجلالة، فقط (الضبط)، وإن كان الراوي ثقة في الجملة، لكن الأصل في هذه الألفاظ أنها عبارات تليين، إلا إذا قامت قرينة تفيد نفي الجلالة دون أصل القوة، فيُعمل بها، واللَّه أعلم.
ومن جملة ألفاظ هذه المرتبة: فلان ضُعِّف قليلا، وفلان غير حجة، وليس هو ممَّن يُتَّكل عليه، ويُخالف في بعض حديثه، وليِّن ويلين، وماذا بحجة، وله أفراد وغرائب، وله أوهام، وله أشياء لا يُتابع عليها، ويُعرف بغير حديث لا يرويه غيره، وله مناكير، وإلى التليين ما هو، ويهمز في الشيء بعد الشيء، أو يهم في الشيء بعد الشيء، وليس بالثبت، أو ليس بثبت، فلان في حديثه بعض الإنكار، أو في أحاديثه ما ينكر عليه، يُستضعفُ، ليس بذاك، لم يكن من النقد الجيد، لم يكن بالصافي، وليس كأقوى ما يكون، وليس بأقوى ما يكون، فلان ليس هناك، ليس بالقوي عندهم، أو لم يكن بالأستاذ.
فلان ليس بالحافظ، أو ليس ممن يلزم بزيادة حجة، فلان لم يكن بالماهر، فلان ليس من أهل الحفظ والإتقان، أو ليس بالمتقن، أو ليس ممن يُوصف بالضبط للحديث، أو ليس بذاك الحافظ، فلان لم يكن بالسِّكَّة، فلان لم يبلغ درجة الصحيح، فلان ليس محله محل
стр. 37
المسمّعين، أو المتَّسعين في الحديث، فلان ليس من البابة؛ أي: ليس بذاك، فلان ليس من جمال المحامل، أو ليس من أهل المحامل، أو ليس من الإبل التي تحمل المحامل، أو ليس من أهل القباب، أو ليس من إبل القباب.
فلان ليس من أحلاس الحديث، فلان ليس بمحكم الحديث، فلان ليس ممَّن تريد، أي: ليس بالثبت، فلان ليس من أكابر أصحاب الزهري مثلا، فلان لم يكن بجيد العقدة، فلان لا يُجئ بحديثه كما ينبغي، واللَّه أعلم.
المرتبةُ الثانية: فلان لا يُحتجُّ به، أو ضعفوه، أو منكر الحديث، ونحوها.
عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ليس بقوي. وعند الحافظ ابن حجر: مستور أو مجهول الحال، وهو عنده من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق.
وعند السخاوي: فيه مقال، وأدنى مقال، وضُعِّفَ، وفلان فيه ضعف، وليس من إبل القباب، وليس بمأمون، وليس من إبل المحامل، وليس من جمازات المحامل، وليس يحمدونه، وليس بالحافظ، وغيره أوثق منه، وفي حديثه شيء، وتكلَّموا فيه، وسكتوا عنه، وفيه نظر -إذا كانا من غير الإمام البخاري- ونزكوه، ومجهول عند أبي حاتم إن كان بمعنى: مجهول الحال، وفيه جهالة، ولا أدري ما هو.
وأنت تلاحظ أن أهل هذه المرتبة من جهة سبب الضعف ينقسمون إلى قسميْن: قسم من قَبِل حفظه، وقسم من قبل جهالة حاله، إما في الظاهر والباطن، وإما في الباطن فقط.
ومن ألفاظ هذه المرتبة قولهم: قلَّما يحتاج إلى فلان في الحديث الذي يحتجُّ به، فلان فيه شيء، أو في القلب منه شيء، أو في القلب منه هاجس، فلان رديء الحفظ، أو سيء الحفظ، أو ذو مناكير، أو صاحب مناكير، فلان ليس بمنكر الحديث ولا يُحتج به، ليس بمنكر الحديث يُكتب حديثه، لم يكن البائس ممَّن يكذب، فلان لا يستهويه فلان، أو لا أستحلي حديثه، أو كان فلان قليل الميل إليه، فلان لا ينبسط لحديثه، أو لا أنشط لحديثه، وفلان لا تشبث بحديثه، لم يَشْتَه الناس حديثه، فلان فيه بعض النظر.
فلان حديثه ليس حديث حافظ، وفلان ليس بالحافظ، يغلط على الثقات، فلان ينبغي أن يتثبت في أمره، فلان مجهول في الرواية معروف في النسب، فلان ليس حديثه بالقائم، فلان لا يقوى حديثه، وفلان مُختلف عنه في الأسانيد، فلان لا يقطع به في حديث إذا اختلف أو انفرد، فلان لم نأخذ منه إلا ما لا نجده عند غيره، فلان لم يقوِّ أمرَ فلان، أو ليس لفلان فيه كبير أو رأي، فلان يوصل الحديث؛ أي: يسند المراسيل، أو يرفع الموقوفات، فلان محله محل الأعراب، فلان في حديثه صنعة، يعني: أنه يتصرف فيه ولا يأتي به على وجهه، فلان في حديثه مناكير، ويحيل على ما لا يحتمل.
فلان صبي أو طفل؛ أي: لم ترسخ قدمه في هذا الشأن، فلان لا يضبط الإسناد، أو لا
стр. 38
يقيم الإسناد، فلان لم يكن يحفظ، أو لم يكن له حفظ، فلان مستضعف، أو كان مستضعفًا، سكتوا عنه؛ أي: من لم يتكلَّم فيه بجرح ولا تعديل، خلا كلام البخاري في هذا المصطلح الخاص به، فلان لا يستقيم حديثه ولا يُحتج به، فلان ليس حديثه نيِّرًا ولا يحتج به، ليس حديثه بالمضيء، فلان ليس لحديثه رونق ولا ضوء، فلان ليس ممن يكذَّب بمرة، هو وسط، فلان ليس حديثه بذاك الجائز.
نفق فلان، أو نفق حديث فلان؛ أي: أن الناس أخذوا حديثه وراج بينهم وليس هو بهذه المنزلة، فلان متماسك، أو متماسك الحديث؛ أي: ليس بالقوي ولا بالساقط، بل يُكتب حديثه ولا يُحتج به، فلان ثقة شبه الضعيف، واللَّه أعلم.
المرتبة الثالثة: عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح: ضعيف الحديث. وعند العراقي: ضعيف، ومنكر الحديث، ومضطرب الحديث، وواهٍ، وضعّفوه. وعند الحافظ ابن حجر ضعيف.
وعند السخاوي: منكر الحديث، وحديثه منكر، وله ما ينكر، وله مناكير، وواهٍ، ومضطرب الحديث، وضعفوه. وعند السيوطي مضطرب الحديث ولا يحتجُّ به، ومجهول. وفي كلام السخاوي نظر.
ومن ألفاظ هذه المرتبة قولهم: فلان لا يُترك حديثه، أو لم يهدر، أو لا يستحق الترك، أو ليس حديثه بالمتروك، أو لا أقدم على تركه، أو لا أعلم أحدًا كفَّ عنه، فلان يُكتب حديثه ولا يحتج به، فلان يخبط في الإسناد، فلان ليس بالقوي ولا بالمتروك، أو ليس بالقوي ولا بالساقط، أو ليس بذاك الساقط، وإلى الضعف ما هو، فلان يُحتمل حديثه، أو محتمل حديثه، أو يُحمَل حديثه، أو تحتمل رواياته، أو ما في حديثه إلا ما يحتمل، أو لم أر في حديثه إلا ما يحتمل.
فلان في حديثه خلل كثير، أو كثير الخطأ، أو كثير الوَهْم، فلان قليل الضبط للحديث يَهِمُ وَهْمًا، فلان لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق؛ أي: إذا تُوبع، وإلا فهو ضعيف، فلان منكر الحديث يَهِمُ كثيرًا، أو منكر الحديث مظلم الرواية.
هذا وإن الكثير من أهل العلم على أن من قيل فيه: منكر الحديث، فهو ممَّن يصلح للشواهد والمتابعات، كما في قول الذهبي، والعراقي، والسخاوي، والسيوطي، وقد يطلقون النكارة على مجرَّد التفرد في الأغلب، وهذا عند المتقدمين، وقد تطلق على الجرح، والقرائن هي التي تحدّد قصدهم.
فلان حديثه ليس بالمعروف، فلان في حديثه وهاء، أو في حديثه وهيٌ، فلان لا تقوم بمثله الحجة ولكن يكتب حديثه، فلان ضعيف لا يكذب، وفلان ضعيف أرجو أنه لا يكذب، فلان ضعيف ما أعلم أنه يكذب، فلان يهم ولا يعلم، أو يخطئ ولا يفهم، فلان لا يُعوَّل عليه، أو لا يُعتمد عليه، أو لا يُتكل عليه، أو ممن لا يحتج بنقله، فلان يكتب من حديثه الرقاق، أو
стр. 39
لا بأس به في أحاديث الرقاق، أو يكتب عنه في الفضائل والرقاق، أو ليس بحجة في الأحكام، أو ليس بحجة في الأحكام والسُّنن، أو اسمعوا منه ما كان في ثواب، ولا تسمعوا منه ما كان في سُنَّة.
فلان لم يكن نافقًا، فلان يحدث عنه من لا ينظر في الرجال، أو من لا يبصر في الرجال، فلان ثقيل، وهذا لضعفه، فلان أحاديثه ليست نقية، فلان يكتب حديثه زحفًا، أو لا يكتب حديثه إلا زحفًا، فلان أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس، فلان كأن أحاديثه نسيان؛ أي: لكثرة الوَهْم والمخالفة والاضطراب، فلان لا يحتج بحديثه ولا يتديَّن به، فلان لم يكن من القريتيْن بعظيم؛ أي: ليس بالقوي، فلان ليس حديثه بمستقيم؛ أي: مضطرب، فلان حديثه أو روايته تدلُّ على ضعفه، أو تدلُّ على أنه ضعيف، فلان ضعيف لم يدفع، ليس فلان مثل غيره في الضعف، فلان كان رفاعًا، أو كان من الرفاعين، يعني: يرفع الموقوفات أو يسند المرسلات.
فلان لم يُقنع الناس بحديثه، فلان كتب عنه بعض أصحابنا، فلان يُؤخذ من حديثه المعروف، فلان ليس به بأس إذا جاءك بشيء تعرفه، فلان يحمل أحاديثه بعضها بعضًا، فلان ليس من أهل التثبت في الرواية ولا يحتج به، فلان من حمَّالة الحطب، يعني: ضعيف، فلان يكتب حديثه على المجاز، فلان صحفي، يعني: يأخذ حديثه من الصحف، ونحو ذلك كثير، واللَّه أعلم.
تنبيه: اعلم أن هذه المرتبة آخر مراتب الشواهد والمتابعات.
المرتبة الرابعة: وهي عند الحافظ ابن حجر: مجهول. هناك خلاف حول المجهول، وحُكم العمل بروايته، ومتى ترتفع جهالته.
وعند العراقي: لا شيء، ضعيف جدًا، واهٍ بمرةٍ، لا يُساوي شيئًا، مطرَّح، طرح حديثه، ارمِ به، رُدَّ حديثهُ، رُدُّوا حديثه، مردود الحديث، مطرح الحديث، ليس بشيء.
وزاد السخاوي: واهٍ، تالفٌ، لا يُكتب حديثه، لا تحلُّ الرواية عنه، لا يحلُّ كتابة حديثه، والرواية عنه حرام، لا يساوي فلسًا.
فلان مجهول في النسب والرواية، فلان ليِّن جدًّا، أو ضعيف الأمر جدًّا، أو نكرة، أو لا يُدرَى من هو، أو لا يدرَى من ذا، أو لا يدرَى ما هو، أو لا يعرف ألبتة، أو مجهول جدًّا، فلان لا يُشتغل بحديثه، أو لا يشتغل به، فلان شيخ عامي لا يفهم ولا يقيم الهجاء، فلان لا وجود له، فلان قاص، أو كان قاصًّا، أو كان صاحب قصص، أو صاحب سمر، فلان لم يكن أهلا للحديث، أو للحديث عنه، أو لم يكن في موضع أن يُحدَّث عنه، أو لا نروي عنه شيئًا، أو ما نقدر أن نحدث عنه، أو منعنا أبو زرعة مثلا من قراءة حديثه، أو أهل ألا يروَى عنه، أو ليس ممَّن يروَى عنه، أو نهيَ عن حديثه، أو صاحب سمر ما ظننت أن أحدًا يُحدِّثُ عنه، أو لا ينبغي أن يُروَى عنه، أو لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، أو لا يُروَى عنه.
стр. 40
لكن قد تقال هذه العبارة لغير ذلك: فلان لا يقيم شيئًا من الحديث، ليس له حديث قائم، الغالب على حديثه الوهم، فلان منكر الحديث جدًّا، فلان ينبغي مجانبة حديثه، فلان لا شيء خفيف الدماغ، أو لا يعي ما يخرج من رأسه، فلان كان يلعب به الصبيان، فلان أسانيده مثل الريح، أو هو والريح سواء، فلان لا يُساوي شيئًا، أو فلس خير منه، أو لا يساوي فلسًا، أو لا يساوي بعرة، أو لا يساوي تمرة، أو لا يساوي نواة في الحديث، أو ليس يساوي قليلا ولا كثيرًا، أو لا يساوي دستجة بقل (حزمة بقل)، أو لا يساوي كعبًا.
فلان اختلط لا يكاد يقوم، أو اختلط حتى كان لا يدري ما يقول، فلان دعنا منه، أو دعه دعه، أو دعه؛ أي: ارم به، فلان لا يدري ما الحديث، أو لا يحسن الحديث، فلان لا أعرف له حديثًا مستقيمًا، أو لا أعرف له حديثًا صحيحًا، فلان لا تعجبني الرواية عنه، فلان طير غريب، فلان منكر الحديث شبه المتروك، أو ليس بشيء شبه، أو شبيه بالمتروك، فلان يرفع كثيرًا ممَّا لا يرفعه الناس، ليس بشيء، رأيتهم يهابون حديث فلان.
فلان ليس أحد يروي عن ذاك، فلان لا أرضاه في شيء، فلان يتلقَّن كل حديثه، أو ليس في الحديث شيئًا، أو كتبت عنه وليس أحدِّثُ عنه، جفَا فلان الحديث لاشتغاله بالعبادة، فلان ما له وللحديث، فلان ضعيف الحديث لا يوقف منه على شيء، فلان ليس في وزن من يشتغل بخطئه، فلان مظلم الحديث جدًّا، أو مظلم الرواية بمرة، فلان لم يقبل الناس حديثه، أو غير مقبول الحديث، أو غير مقبول، فلان ما كان يدري ما هذا الشأن، ولا كان شأنه، فلان لا يُتابعه إلا من هو مثله أو دونه، لا يُتابعه إلا من هو مثله، أو قريب منه، فلان إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق، فلان شغله القرآن أو الغزو عن الحديث، أو فلان مسلم صاحب غزو، ولكن لا بد من قرينة توضح مثل هذه العبارة.
فلان أحاديثه تشبه أحاديث القصاص ليس لها أصل، فلان لا يحسن أن يتكلم؛ أي: ليس بشيء، فلان لا يحفظ وليس عنده كُتب، فلان أحاديثه عامتها أو كلها ضعيفة، أو ضعيف في كل ما يرويه، أو كلها أو عامتها فيها نظر، أو مقلوبة، أو لا يتابع عليها، أو مناكير، أو غير محفوظة، ونحو ذلك كثير في كتب الجرح والتعديل، واللَّه أعلم.
المرتبة الخامسة: عند ابن أبي حاتم: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب. وعند العراقي: متَّهم بالكذب وهالك، وليس بثقة، ولا يعتبر به، وفيه نظر، وسكتوا عنه.
للبخاري: ومتروك، وتركوه، وذاهب الحديث، وساقط، ولا يعتبر بحديثه، وليس بالثقة، وليس بثقة ولا مأمون، متهم بالوَضْع. وعند الحافظ ابن حجر: متروك، متروك الحديث، وواهي الحديث، وساقط. وعند السخاوي: يسرق الحديث، ومجمع على تركه، وعلى يدي عدل، أي: قريب من الهلاك.
وقولهم: ليس بثقة، فالمتبادر أنها جرح شديد، لكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت
стр. 41
في المعنى الآخر، حملت عليه.
فلان متروك متروك، أو متهم بوضع الحديث وتوليد الأخبار، أو ليس بثقة في النقل، أو لم يكن يوثق به، أو لم يكن موثوقًا به في الرواية، أو ليس بثقة ولا أمين، أو لم يكن موثوقًا به، فلان هالك من الهلكى، أو هالك من الهالكين، فلان قد تركوا حديثه منذ دهر، أو قد فرغ منه منذ دهر، فلان سيء السيرة بمرةٍ، أو لم تكن سيرته محمودة، فلان أستجير اللَّه أستجير اللَّه اضرب على حديثه، فلان قد تخلَّى اللَّه منه أو برئ اللَّه منه.
فلان ذاهب الحديث، أو ذهب حديثه، أو ضعيف ذاهب، فلان يشبه أن يكون ممن يضع الحديث، لا يشبه حديثه حديث أهل الصدق، فلان سخيف سفلة؛ أي: ساقط، ورجل سخيف نزق خفيف العقل، فلان لا يجوز الاحتجاج به، أو لست أستجيز الرواية عنه، فلان لم يكن له عندي قيمة، فلان لم يقنع الناس بحديثه؛ أي: لم يثقوا به، فلان اتهم في اللقاء؛ أي: حدَّث على أقوام لم يلقهم وادعى السماع منهم، فلان لم تكن له أصول يعوَّل عليها، أو ما رأيت له أصلا يفرح به، فلان كان طفيليًّا.
فلان متَّهم بالكذب في لهجته، فلان يكذب في كلام الناس، أو يكذب في غير الرواية، فلان استقر الإجماع على وَهْنِه، أتى بخبر باطل فاتّهم به، فلان أحاديثه مناكير بأسانيد واضحة، فلان ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، فلان ليس بثقة ولا أمين، أو ولا مأمون، أو ليس عندنا من أهل الثقة، فلان لا يحتج به بحال، أو يجب مجانبة حديثه على الأحوال، فلان ليس بحجة لا في الأحكام ولا في غيرها، فلان نبذوا حديثه، فلان مهجور؛ أي: متروك، فلان يستحق التنكب عن رواياته، أو يستحق الترك، أو سبيله سبيل الترك، فلان الضعف على حديثه بيِّنٌ، أو بيِّنُ الأمر في الضعفاء، أو بيّنُ الأمر بالضعف، أو بيِّنُ جدًّا في الضعف، أو الضعف لائح على حديثه، ضعيف الحديث بيِّنُ الضعف، فلان كان أضعفنَا طلبًا وأكثرنا غرائب.
هذا رجل قد كفانا مؤنته، أو كفانا مؤنته ومؤنة البحث عن حاله، فلان حديثه يدلُّكَ عليه؛ أي: لكثرة تخاليطه ومناكيره، تركَ حديثُ فلان فلا ينبعث، أجر على حديث فلان، أو اضرب على حديث فلان بستة أقلام، فلان ما فيه خير، ونحو ذلك كثير، واللَّه أعلم.
المرتبة السادسة: وهذه المرتبة أردأ مراتب التجريح، وأهلها لا خير فيهم والعياذ باللَّه. فعند الحافظ العراقي: وَضَّاع، ودجال، ويضع. وعند الحافظ ابن حجر: أكذب الناس، وإليه المنتهى في الوضع، وركن من أركان الكذب. وعند السيوطي: يكذب، ووضع حديثًا، ويضع.
وهناك ألفاظ من هذا القبيل: فلان كذَّبه أحمد مثلا فلا يُفرح به، فلان أفاك، فلان من إفكه كذا، فلان وَضَعَ على الأثبات ما لا يُحصى، وفلان كان يضع أحاديث من عند نفسه، وفلان مشهور بالوضع.
وفلان أكذب البرية، فلان كذوب، أو كذاب خبيث، أو كان عامة الليل يضع الحديث، أو
стр. 42
كذَّابو زماننا أربعة مثلا منهم فلان، أو يضرب المثل بكذبه، أو كذاب على رسول اللَّه ﷺ ، أو ما رأيت أكذب من ذي شفتيْن منه، فلان معدن الكذب، أو من معادن الكذب، أو منبع الكذب، أو كذَّاب مكذَبٌ، أو كذاب والع بالوضع، أو كذاب له طامَّات، هذه سلسلة الكذب، أو فلان يركب الأسانيد، أو يقلب الأسانيد عمدًا، أو ملحد كذاب، فلان كذاب عدو للَّه، رجل سوء خبيث. وكل عبارة تدلُّ على الكذب أو الوضع، أو الاختلاق، ونحو ذلك، وهي كثيرة جدًّا، وهذه المرتبة واضحة منضبطة تمامًا، واللَّه أعلم.
ومن روى شيئًا منها من غير بيان، فهو داخل تحت قوله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ".
أيُّ المراتب يُحتَجُّ بهِا؟
أما المرتبة الأولى من مراتب التعديل: فأحاديث أهلها من أعلى درجات الصحيح، والألفاظ الملحقة بها كذلك، وأما الألفاظ المحتملة، والألفاظ التي تدلُّ على الحفظ والفهم، أو الاجتهاد في الطلب، وكثرة الروايات، أو الفقه وتمام العقل، أو العبادة، أو غير ذلك، فتحتاج إلى بيان، ومعرفة المقصود بها، ليصار إلى الحُكم عليها.
وأما المرتبة الثانية: فاحاديث أهلها على الصحَّة أيضًا، لكن إذا خالفوا أهل المرتبة الأولى، فالقول قول أصحاب المرتبة الأولى.
وأما المرتبة الثالثة: فحُكم أهلها أن حديثهم حسن لذاته، يحتجُّ به بمفرده، بلا خلاف.
وأما المرتبة الرابعة: فالراجح عندي أنهم كالثالثة، حديثهم حسن لذاته كذلك، ويحتجُّ بهم، ولكن عند المعارضة بالطبقة التي قبلهم نُرجِّح التي قبلها، وهذا هو الذي جرى عليه العمل عند أئمة الجرح والتعديل.
وأما المرتبة الخامسة: فكذلك يحتجّ بها إذا لم يوجد في الباب ما هو أقوى من حديثهم، أو لم يخالفوا، وسنزيد هذا بحثًا في كلامنا على مصطلحات "التقريب".
قلت: الصحيح أنه يُحتجُّ بكل هذه المراتب، وحديثهم يكون بيْن الصحيح والحسن، وليس ضعيفًا كما يُفهم من قول الكثيرين، وإنما الذي يسبر حديثه من قيل فيه: صدوق يهم، صدوق يخطئ، صدوق اختلط، صدوق سيء الحفظ، ونحوهم؛ حيث نستبعد ما أخطئوا فيه، إذا لم نجد له عاضدًا ليس إلا. والباقي فحديثهم حسن، على الصحيح الذي جرى عليه العمل في علم الجرح والتعديل وتطبيقاته، وسنذكر أدلَّة ذلك عند الكلام عن "التقريب" في المتربة الخامسة والسادسة.
وأما أحاديث المرتبة الأولى، والثانية، والثالثة، من مراتب التجريح: فإنها تصلح للشواهد والمتابعات، ولا يقوم بأهلها حجَّة بمفردهم.
قلتُ: قد احتجَّ كثير من الأئمة بالحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا -في الأحكام-، والذي
стр. 43
لا يوجد في الباب أقوى منه؛ كالحنفية والحنابلة، وقد احتج به جمهور أهل العلم من السلف والخلف، بفضائل الأعمال، والترغيب والترهيب، إذا لم يكن شديد الضعف، ولا يُعارض ما هو أقوى منه، وأن يندرج تحت أصل عام، وقد فصلت القول فيه في كتابي "الخلاصة في أحكام الحديث الضعيف".
مع العلم أن كل مرتبة من هذه المراتب أعلى من أختها، على حسب هذا الترتيب، والفرق يتَّضح عند الترجيح، فيقدَّم قول الأعلى على الأدنى.
وأما المرتبة الرابعة من مراتب التجريح: فحديث أهلها مرود، لا لكذب فيهم، ولكن لكئرة أوهامهم وغفلتهم، وفحش تخليطهم في الروايات.
وأما المستور ففيه خلاف كبير، والراجح قبول خبره بشروط، ذكرتها في بحث المستور عند الحافظ ابن حجر.
وأما المرتبة الخامسة من مراتب التجريح: فحديث أهلها متروك، وَهُم على أقسام، فمنهم من فحش خطؤه، ومنهم من فحشت مقالته وبدعته، وكان من الداعين إليها، ومنهم من عُرف بالفسق والفجور؛ كشرب الخمر، وقتل النفوس، وقذف المحصنات، والكذب فى حديث الناس، ومنهم من اتُّهم بسرقة الحديث النبوي.
وأما المرتبة السادسة: فهي أفحش هذه المراتب جرحًا، وأهلها أهل الكذب، والدجل، والوضع، والافتراء.
стр. 44
التعريف بالإمام المِزِّي
هو يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الدمشقي الشافعي، أبو الحجاج، واشتهر بنسبته: المِزِّي، بكسر الميم، وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى قرية كبيرة من قرى دمشق، وولد سنة (٦٥٤ هـ).
شيوخه وتلاميذه:
من شيوخه: الإمام النووي، والحافظ علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الفخر ابن البخاري - (ت ٦٩٥ هـ) -، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام أبي محمد القاسم بن محمد البِرْزالي- (ت ٧٣٩ هـ) -، والإمام الذهبي، وهؤلاء الثلاثة الأواخر هم من شيوخه وتلاميذه في الوقت نفسه، حيث أخذ عنهم وأخذوا عنه.
ومن تلاميذه: العلامة أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد -صح ثلاث- ابن عبد اللَّه بن محمد الشافعي ابن سَيِّد الناس اليَعْمَري - (ت ٧٣٤ هـ) -، والإمام أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي - (ت ٧٤٤ هـ) -، والعلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السُّبكي المصري - (ت ٧٥٦ هـ) -، والحافظ صلاح الدين خليل بن كَيْكَلْدي العلائي - (ت ٧٦١ هـ) -، والحافظ مُغلطَاي بن قليج الحنفي - (ت ٧٦٢ هـ) -، وصِهره الإمام الحافظ ابن كثير.
منزلته العلمية:
هو الإمام الحافظ السلفي المشهور، تلقَّى العلم النافع من شيخ الإسلام ابن تيمية ونصره، فآذاه أهل البدع أذية شديدة، وقد شهد بإمامته الكثير، يقول السُّبكي: حافظ زماننا، حامل راية السُّنَّة والجماعة. . . .، إمام حافظ.
وقال ابن سَيِّد الناس اليَعْمري: وجدت بدمشق الحافظ المقدَّم، والإمام الذي فاق من تأخَّر وتقدَّم. . . .، بحر العلم الزاخر، القائل من رآه: كم ترك الأوائل للأواخر.
ويقول ابن عبد الهادي: شيخنا الإمام الحافظ، الحجة الناقد، الأوحد البارع، محدث الشام، وكان إمامًا في السنة، ماشيًا على طريقة سلف الأمَّة.
ويقول الذهبي: الإمام العلامة الحافظ، الناقد المحقق المفيد، محدث الشام. . . .، إليه المنتهى في معرفة الرجال وطبقاتهم، وتوفي سنة (٧٤٢ هـ).
стр. 45
كتاب تهذيب الكمال
بما أن هذا الكتاب أشهر الكتب التي جمعت تراجم رجال الكتب الستة، وبما أنه لقي عناية من العلماء لم يلقها غيرُه، من التهذيب والتعليق والاختصار، لذا سأتكلَّم عنه وعن تهذيباته ومختصراته بشيء من التفصيل، وقبل الكلام على الكتاب وتهذيباته ومختصراته، إليك أشهرَ أسماء العلماء الذين هذَّبوا هذا الكتاب، أو استدركوا عليه، أو اختصروه مع أسماء مؤلفاتهم.
والحق يُقال: إن قبل طباعة "تهذيب الكمال" للمزي، كان الباحثون في حيرة شديدة؛ لأنك مثلا إذا أردت البحث في إسناد، يقول البخاري مثلا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر -هو محمد بن جعفر-، حدثنا شعبة مثلا، عن أبي إسحاق، عن عقبة بن عامر مثلا، هذا إسناد. وأنا أريد دراسة الإسناد، الطالب وهو يبحث عن محمد بن بشار، أو يبحث عن محمد بن جعفر. أنت تأتي باسم محمد بن جعفر وترجع إلى الكتاب، كيف تستدل على محمد بن جعفر؟
أنت عندك مثلا ثلاثة أو أربعة في "تهذيب الكمال" اسمهم محمد بن جعفر، فأبحث بالشيخ والتلميذ، يعني: أبحث عمَّن اسمه محمد بن جعفر، أرى في شيوخه شعبة، وفي تلاميذه محمد بن بشار، فالمزي رحمه اللَّه تعالى ابتكر طريقة التصنيف في هذه الكتب، يقول مثلا: محمد بن جعفر، ويذكر بقية الاسم، والنسب، والكنية، والقبيلة، إلى غير ذلك، إلى آخر الاسم، ثم يقول شيوخه، فيأتي بجميع شيوخ الراوي مرتَّبين على حروف (ألف باء) في هذه النقطة، ثم بعد ذلك يقول تلاميذه، فيأتي بجميع تلاميذ الراوي مرتبين على حروف (ألف باء) في هذه النقطة، فأنا وأنا أبحث عن محمد بن جعفر، أنظر في شيوخه في حرف (الشين)، إن وجدت شعبة؛ إذن هذا هو محمد بن جعفر الذي أبحث عنه، أتأكد أكثر حين أجد في التلاميذ محمد بن بشار، هذا كلام أغلبي يمثل ثمانين بالمائة من أحوال التراجم.
قد يأتي لك راوٍ اسمه محمد بن جعفر، وشيخه شعبة، وتلميذه محمد بن بشار، تجد اثنيْن بهذا الوصف، فتحتاج إلى الترجيح بقرائن، لكن ثمانين بالمائة من التراجم، إنما يُبحث عنها بالشيوخ والتلاميذ، فقبل طبع كتاب "تهذيب الكمال" لا يمكن لك الوقوف على حال الراوي، إلا بوجود الشيوخ والتلاميذ معك، فكنا نرجع إلى
стр. 46
المخطوطات، فالآن صار الأمر سهلا.
فـ "تهذيب الكمال" كتابٌ لا يُستغنى عنه أبدًا في مكتبة طالب الحديث، ولا يستطيع الطالب أن يكون طالبَ حديث من غير النظر في "تهذيب الكمال".
فالمزي رحمه اللَّه تعالى، أتى فاختصر "الكمال" لعبد الغني هذَّبه، الكتاب مطبوع في خمسة وثلاثين مجلدًا بتحقيق بشار عواد.
ثم لطول الكتاب وكِبَر حجْمه، جاء حافظان من الحُفاظ الكبار الأسْبق في الزمان، الحافظ المزيّ، ويليه الحافظ الذهبيّ، ويليه في الترتيب الزمانيّ الحافظ ابن حجر.
يقول الإمام الذهبي: الْتَمَسَ مني بعض الأخِلاء اختصارًا لـ "تهذيب الكمال" والإتيان بالأهم فالأهمِّ، وإن كان كلُّه في حُكم المُهم. قلت: لو صنفتُ شرحًا لكان أَوْلَى من أن أوليه تنقيصًا وجرحًا، ثم فكرت، فإذا الأعمار مولية، والهمم قصيرة، وضروريات الكتاب محتاج إليها في الجملة، فاختصرته مثبتًا لذلك، تاركًا التطويل.
ورغم هذا، فإنَّ كتاب "التذهيب" للحافظ الذهبي، جاء مشتملا على إضافات نفيسة، وتعليقات مفيدة، ولطائف من كل فنون علم الحديث المتصلة بدراسة الرجال، فقد عنيَ فيه بإبراز المؤتلف والمختلف من أسماء الرجال، وهو ما يتفق في الخطِّ ويختلف في النطق، وكذلك عنيَ ببيان وفاة كثير من المترجم لهم، وغير ذلك من الإضافات التي الْتَقطها الحافظ ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب"، حيث يقول في مقدمته: وقد ألحقت في هذا المختصر ما الْتَقطته من "تذهيب التهذيب" للحافظ الذهبي.
وعلى كلٍّ، فرغم أن "تذهيب التهذيب" كان اختصارًا لـ "تهذيب الكمال"، إلا أنه بعد إضافات الإمام الذهبي النافعة، والتي ذهبَ بها مختصره، وما بثَّه في ذلك المختصر من روحه العلمية، ما جعل الكتاب يكاد أن يصبح مؤلفًا مستقلا، وإضافة أصيلة في علم الرجال.
ثم اختصر "تذهيب التهذيب" في "الكاشف في أسماء الرجال"، في ثلاثة مجلدات، وهو كتاب نفيس في بابه.
والحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى، اختصر "تهذيب الكمال" في "تهذيب التهذيب" بين التسمية هذه وهذه حرف، هذا "تذهيب" وهذا "تهذيب" اسمه "تهذيب التهذيب"، مطبوع في اثني عشر مجلدًا من غير الفهارس، مطبوع قديمًا.
стр. 47
فالحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى، اقتصر على مشاهير شيوخ الراوي وتلاميذه، يعني: المزي هنا يأتي بكل الرواة الذين رَوَى عنهم الراوي، وكل التلاميذ الذين رَوَوْا عنه.
جاء الحافظ ابن حجر هنا، فاختصر في مسألة الشيوخ والتلاميذ هذه، رفع من كل راوٍ النصف أو الثلثيْن، وأبقى الثلث منه، أو يذكر سبعة ثمانية رواة من الذين تدور عليهم أحاديث الراوي، والمزي رحمه اللَّه تعالى، زاد على "الكمال"، وهو يصنِّف كتابه "التهذيب": أنه بعد ما يُورد ترجمة الراوي يأتي بحديث من مروياته، يقول: حدثنا فلان عن فلان إلى أن يذكر هذا الشيخ الذي يترجم له.
يعني: مثلا يترجم لشعبة، وبعد ما ينتهي من الكلام على ترجمة شعبة، يقول: وقد وقع لي من حديثه عاليًا: حدثنا فلان، عن فلان، عن فلان، إلى أن يأتي على شعبة، ويذكر ما فوق شعبة إلى النبي ﷺ ، ويذكر حديثًا، أو حديثيْن، أو ثلاثة أحيانًا، فزاد حجم الكتاب جدًّا.
ومرويات المزي في "تهذيب الكمال" تُمثّل تقريبًا من ربع إلى ثلث الكتاب، فالحافظ ابن حجر رفع هذا من الكتاب، التي هي مرويات المزي، التي ساقها بأسانيده عَقِبَ ترجمة كل راوٍ أو معظم الرواة؛ لأن هناك رواة لم يُذكر لهم أحاديث.
وزاد الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى، على كلام المزي في "التهذيب"، كلام المغاربة على الرواة، علماء المغرب لهم كتب، وعلماء الأندلس، فجاء بكلام المغاربة كلامٍ في الجرح والتعديل، زيادة على ما أتى به المزي رحمه اللَّه تعالى.
لكن يبقى للمزي مَزِيَّة ليست لغيره، وهي أن المزي رحمه اللَّه تعالى يُورد جميع تلاميذ الراوي وشيوخه، أنا إن لم أنظر في "تهذيب الكمال"، لن أستطيع تعيين الراوي، فقد تجد راويًا اسمه متشابه مع سبعة رواة في اسم الأب والجد؛ فمن الذي يفصل لك في تعيين الراوي أن هذا فلان بعيْنه؟ "تهذيب الكمال"، وليس "تهذيب التهذيب" رغم الاختصار، ورغم الإتيان بكلام هو كلام في الحقيقة لا يَفْصل، لا يُقدم ولا يُؤخر في حال الراوي؛ لأنه كلام متأخرين، والعمدة في الجرح والتعديل على كلام المتقدمين.
جاء الحافظ ابن حجر فاختصر "تهذيب التهذيب" في "تقريب التهذيب". و"تقريب التهذيب" طُبعَ في مجلديْن طبعة قديمة، بعناية الشيخ عبد الوهاب
стр. 48
عبد اللطيف، ثم هناك نسخة لصلاح عبد الموجود، ونسخة لواحد أفغاني أو باكستاني، اسمه: شغيف أحمد، وقدَّم لها الشيخ بكر أبو زيد، وهي تعتبر أتقنَ النُّسخ.
و"تقريب التهذيب" يضع يدك على حال الراوي في جملة واحدة، يعني: بعد أن يذكر اسم الراوي، ومثلا الطبقة، أنه في الطبقة الثانية في التابعين، أم في أتباع التابعين، أم كما سنُبيّن عند الكلام عليه، يقول لفظًا واحدًا: ثقة، صدوق، ضعيف، صدوق يهم، صدوق له أوهام، كذاب. فيأتي في حال الراوي يفصل فيه بكلمة واحدة، وقَلَّ أن تجد راويًا من رواة "التقريب" سكت عنه الحافظ، لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا.
والمزي هو يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي ابن أبي الزهر، الكلبي القضاعي الدمشقي، الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، الحافظ، حامل راية السنَّة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحُفاظ كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدُّونها، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء لكانوا يودُّونها، واحد عصره بالإجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الأسماع، والذي ما جاء بعد ابن عساكر مثله، وإن تكاثرت جيوش هذا العلم فملأت البقاع، جد طول حياته فاستوعب أعوامها، واستغرق بالطلب لياليها وأيامها، وسهر الدياجي في العلم إذا سهرها غيره في الشهوات أو نامها.
ذكره الإمام الذهبي في "تذكرة الحافظ"، وأطنب في مدحه وقال: نظر في اللغة ومهر فيها وفي التصريف، وقرأ العربية، وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله. انتهى.
وذكره في "المعجم المختص" وأطنب، ثم قال: يشارك في الفقه والأصول، ويخوض في مضايق المعقول، فيؤدي الحديث كما في النفس متنًا وإسنادًا، وإليه المنتهى في معرفة الرجال وطبقاتهم. انتهى.
قال الذهبي: ما رأيت أحفظ منه، وأنه بلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية، والمزي؛ وترتيبهم حسبما قدَّمنَاه، وأنا لم أر من هؤلاء الأربعة غير المزي.
وبالجملة كان المزي أعجوبة زمانه، يقرأ عليه القارئ نهارًا كاملا، والطرق تضطرب والأسانيد تختلف، وضبط الأسماء يشكل، وهو لا يسهو ولا يغفل، يُبيِّن وجه الاختلاف، ويُوضِّح ضبط المُشكل ويعيِّن المُبْهم، يَقِظ لا يغفل عند الاحتياج إليه، وقد
стр. 49
شاهدته الطلبة ينعس، فإذا أخطأ القارئ ردَّ عليه، كأنَّ شخصًا أيقظه، وقال له: قال هذا القارئ كيت وكيت، هل هو صحيح؟ وهذا من عجائب الأمور.
وقال الذهبي في "التذكرة": إن المزي كان يقرر طريقة السَّلف في السُّنَّة، فيعضد ذلك بقواعد كلامية ومباحث نظرية، قال: وجرى بيننَا مجادلات ومعارضات في ذلك، تَرْكهَا أَسْلَم. انتهى.
وكان للمزي ديانةٌ متينةٌ، وعبادةٌ، وسكونٌ، وخيرٌ.
مولده في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر، سَنَة أربع وخمسين وست مائة بظاهر حلب، سمع منه ابن تيمية، والبرزالي، والذهبي، وابن سيد الناس، والشيخ الإمام الوالد، وخلق لا يُحصون. وصنَّف "تهذيب الكمال" المجمع على أنه لم يُصنف مثله، وكتاب "الأطراف"، توفِّي في يوم السبت، ثاني عشر صفر، سنة اثنتيْن وأربعين وسبع مائة بدار الحديث الأشرفية، ودُفن بمقابر الصوفية اهـ.
وحيث إن كتاب "الكمال في أسماء الرجال" للمقدسي، عَبْد الغَنِيّ بن عَبْد الوَاحِد بن عَلِيّ المَقْدِسِيّ، الإِمَامُ العَالِمُ، والحَافِظُ الكَبِيْرُ، يحتاج إلى تهذيب وإكمال وتحرير، فقد قام الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزيّ بتهذيبه وإكماله في كتاب سَمَّاه "تهذيب الكمال"، وقد أجاد في هذا الكتاب وأحسن، كما وصفه الحافظ ابن حجر، لكنه أطال فيه أيضًا. ويقول ابن السبكي في وصفه: أُجْمِعَ على أنه لم يُصَنَّف مثله ولا يُستطاع.
وذَيَّل على كتاب المزي وأكمله الحافظ علاء الدين مُغْلطاي، وسَمَّى تذييله هذا "إكمال تهذيب الكمال"، وهو كتاب كبير جليل نافع، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه انتفع بكتاب مغلطاي هذا.
وقد سار المزيّ في كتابه "تهذيب الكمال" على النحو التالي:
أولا: ترجم لرجال الكتب الستة، ولرجال المصنفات التي صَنَّفَهَا أصحاب الكتب الستة، إلا أنه ترك مصنفاتهم المتعلقة بالتواريخ؛ لأن الأحاديث التي تَرِدُ فيها غير مقصودة بالاحتجاج.
ثانيًا: رَمَزَ في كل ترجمة رموزًا، تدلُّ على المُصنَّفات التي روت أحاديث من طريق صاحب الترجمة.
فالمزي رحمه اللَّه تعالى، حين يُورد الترجمة يقول، مثلا: ترجمة الإمام أحمد،
стр. 50
مثلا: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ويسوق طبعًا النسب والمولد ونحو ذلك.
وقَبْل أن يُورد الاسم يقول، مثلا: (ع)؛ إذا قال: (ع)، معناها: أنه أخرج له الجماعة، وإذا قال مثلا: (خ م)، معناه أنه أخرج له البخاري ومسلم. كما صنع تمامًا بتمام في كتاب "تحفة الأشراف"، يقول مثلا إذا ذكر أنه خَرَّجَ له أبو داود والنسائي، فيذكر (د س)، أو يذكر ابن ماجه (هـ) مثلا، و (ت) للترمذي، وهكذا في كل راوٍ مع بداية الكلام على اسم الراوي، يذكر من خَرَّجَ له من أصحاب السُّنَن، إذا كان السُّنَن الأربعة فيذكر رقم أربعة، وهكذا إلى آخر الكتاب، فيذكر أولا من خَرَّجَ له من أصحاب الكتب السِّتة، إما مجتمعين أو متفرقين.
ثالثًا: ذكر في ترجمة كل راوٍ شيوخه وتلاميذه، على الاستيعاب قَدْرَ ما تيسَّر له، وقد حصل من الشيء المبدع أن المزي رحمه اللَّه تعالى، كأنه حاسبٌ آليٌّ، أنه يذكر داخل الشيوخ والتلاميذ، كأنه لا يكتفي بذكر أن هذا الراوي الذي يترجم له مُخَرَّج له في "الصحيحين"، أو في الكتب الستة، أو في السُّنَن الأربعة، أو في بعضها، لا، هو يأتي في الشيوخ ويقول، مثلا: محمد بن جعفر، الذي هو غندر في ترجمة غندر، يقول: خَرَّجَ له شعبة، وبجانب شعبة مثلا، الكُتب التي خَرَّجت لمحمد بن جعفر عن شعبة، ولمحمد بن جعفر روى عن الأعمش، يذكر بجوار الأعمش مُسلمًا مثلا، أو السُّنَن الأربعة، أو غير ذلك.
فيذكر في الشيوخ والتلاميذ أحاديث الراوي المترجم له عن ذلك الشيخ، في أيِّ كتاب، وأحاديث الراوي المترجم له، روى عنه تلميذه في أي كتاب، وهذه عبقرية فذَّة، نعم هو اقتصر على الكتب الستة، وذكر رواة كثيرين ليسوا في الكتب الستة، روى عنهم الشيخ أو رووا عنه، ويمكن الاستدراك بذكر مثلا، أين توجد رواية هذا الراوي عن ذلك الشيخ، إذا كانت خارج الكتب الستة، لكن كونه يذكر أن الراوي روى عن شيخه في أي كتاب، والتلميذ روى عن شيخه في أي كتاب، فهذه تدلُّ على براعة ودقةٍ وإتقان من المزِّي، قَلَّ أن تُوجد في غيره من المصنِّفين، رحمه اللَّه تعالى، ورحم اللَّه جميع علمائنا.
رابعًا: رتَّب كُلا من شيوخ صاحب الترجمة وتلاميذه على حروف المعجم.
خامسًا: ذكر سنة وفاة الرجل، وذكر الخلاف وأقوال العلماء فيها بالتفصيل.
بالنسبة للوفيات في "تهذيب الكمال"، المتفق على سَنَة وفاتهم يذكره، الراوي
стр. 51
المُختَلَف في سَنَة وفاته هو يذكر الخلاف، فيقول مثلا: البخاري قال في "التاريخ الكبير": إنه مات سنة كذا، وذكر الواقديُّ: أنه مات سنة كذا، وذكر ابن سعد وذكر غيره. فيذكر كلام أهل العلم بالأسانيد في الوفيات، وهذا ممَّا يحتاج إلى تحرير أيضًا في "تهذيب الكمال".
سادسًا: ذكر عددًا من التراجم ولم يُعَرِّف بأحوالهم، ولم يزد على قوله: روى عن فلان، أو روى عنه فلان، أخرج له فلان. والظاهر أنه لم يعرف شيئًا من أحوالهم، وليس ذلك بغريب، فالإحاطة بأحوال آلاف من الرواة ليس بالأمر الهيّنِ، ومع ذلك فعدد من لم يُعَرِّف بأحوالهم قليل جدًّا، بالنسبة للأعداد الكثيرة جدًّا في هذا الكتاب.
معنى ذلك: أن الكلام عليه قليلٌ، وأن الراوي هذا مجهول، أو قريب من الجهالة. وأنت إذا وَسَّعْتَ دائرة البحث، لن تجد كلامًا يشفي غليلك؛ لأن المزي إنما صَنَّفَ وهو في أواسط القرن الثامن الهجري، والأمور استوت تمامًا، والمصنفات كثيرة جدًّا، والوقوف على كلام الأئمة كان سهلا ميسورًا، بخلاف أزمنتنا، فالحاصل هو أن الرواة الذين الكلام عليهم قليل في "تهذيب الكمال"، سيكون عليهم قليلا أيضًا في كتب غيره من أئمة الجرح والتعديل، فلن تجد مثلا أن هناك راويًا والمزي أغفل الكلام عليه.
وأنت ذهبت وأتيت بصفحة مليئة بالكلام عليه جرحًا وتعديلا، فهذا لن تراه، إن أتيت بسطريْن من كلام غيره، كالدارقطني، أو غيره من الزوايا المخفية، ولن تجد هذا إلا بصعوبة في البحث.
سابعًا: أطال الكتاب بإيراده كثيرًا من الأحاديث التي يُخَرِّجُهَا من مروياته العالية، من الموافقات والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلوم.
إن المزي إمام بارع واسع الرواية جدًّا، قَلَّ أن يأتي راوٍ من المشاهير أو من الوسط، ويمرر ترجمته من غير أن يستعرض، رحمه اللَّه تعالى، فيقول: وقد وقع لي من حديثه بدلا عاليًا، وقد وافقته في كذا، ويذكر الإسناد طويلا مثلا، يعني: المزي عندما يروي بإسناده وهو في منتصف القرن الثامن، قُلْ مثلا: يعني: الحد الأدنى من الرواة المذكورين إلى النبي ﷺ اثنا عشر راويًا، وهذا من محفوظاته. وَتُقَدَّرُ هذه الأحاديث من حيث الحجم بنحو ثلث حجم الكتاب.
ثامنًا: رَتَّبَ أسماء التراجم على أَحرف المعجم، بما فيها أسماء الصحابة مخلوطةً مع أسماء غيرهم، خلافًا لصاحب "الكمال" الذي ترجم لأسماء الصحابة وحدهم غير
стр. 52
مخلوطين بغيرهم، إلا أنه ابتدأ في حرف "الهمزة" بمن اسمه أحمد، وفي حرف الميم بمن اسمه محمد.
إذن المزي رحمه اللَّه تعالى، حين تبحث عن ترجمة مثلا لعبد اللَّه بن عمرو، أو عبد اللَّه بن عباس، أو حذيفة، أو غيره، تأتي إلى حرف (الحاء) وتجده في ترتيبه الطبيعي، يعني: لم يُصَدِّر حرف (الحاء) بالصحابة، فلما انتهى منهم أتى على غيرهم. حرف الحاء مع الألف، الحاء مع الباء، مع التاء، مع الثاء، إلى أن تصل إلى حرف الحاء مع الذال، فتجد ترجمة حذيفة في موضعها الطبيعي من الكتاب.
تاسعًا: نَسَبَ بعض الأقوال في الجرح والتعديل إلى قائليها من أئمة الجرح والتعديل بالسند، وذَكَرَ بعض تلك الأقوال بدون سند، وقال: وما في كتابنا هذا ممَّا لم نذكر له إسنادًا، فما كان بصيغة الجزم، فهو ممَّا لا نعلم بإسناده إلى قائله المَحْكِيِّ عنه بأسًا، وما كان بصيغة التمريض فربَّما كان في إسناده نظر.
فحينما يذكر كلام أبي حاتم، أو كلام يحيى بن معين، أو كلام يحيى القطان، أو كلام شعبة، أو كلام الطبقة التي أنزل منها، كابن مهدي، وابن المديني، وغيره، يأتي بالإسناد، فيذكر مثلا تواريخ ابن معين كثيرة، يعني: ابن معين روى عنه تلامذته، سألوه كثيرًا مثلا "تاريخ ابن معين" برواية عباس الدوري، أربعة مجلدات بتحقيق الدكتور أحمد سيف؛ رواية الدقاق، رواية ابن طهمان، رواية ابن الجنيد، هذه كلها تلامذة ابن معين، سألوه في رواة فأجاب عنهم. فيقول مثلا يأتي المزي فيقول: وقال ابن معين في رواية الدقاق، أو قال: في رواية ابن طهمان، أو في رواية الدوري؛ أو غيره، فيذكر السؤال بإسناده، وهذا يعتبر وعاءًا كبيرًا لأسانيد كُتب الجرح والتعديل.
فإذا حذف الإسناد وقال: قال أبو حاتم كذا، معناه: أن إسناده صحيح، إذا قال: ويقال: فيه كذا؛ إذًا إسناد كلام أبي حاتم فيه نظر.
عاشرًا: نَبَّهَ على ترتيبات بعض الأسماء المُبْهمة أو المَكْنِيَّة، وما أشبه ذلك، فقال: فإذا كان في أصحاب الكُنى من اسمه معروف من غير خلاف فيه، ذكرناه في الأسماء ثم نبَّهنَا عليه في الكنى، وإن كان فيهم مَنْ لا يُعرف اسمُه، أو اخْتُلِفَ فيه، ذكرناه في الكنى ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف، ثم النساء كذلك.
وقد ترجم لأبي هريرة ﵁ في الكنى، لأنه مُخْتَلَف في اسم أبي هريرة اختلافًا كثيرًا، فيذكره في الكنى، وحين يذكره في الكنى يُنبِّه على الاختلاف الوارد
стр. 53
في الاسم.
وربما كان بعض الأسماء يدخل في ترجمتين فأكثر، فنذكره في أولى التراجم به، ثم ينبه عليه في الترجمة الأخرى، وبعد ذلك فصول فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو جده، أو أمه أو عمه، أو نحو ذلك، وفيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صناعة، وفيمن اشتهر بلقب أو نحوه، وفيمن أُبْهِمَ، مثل: فلان، عن أبيه، أو عن جده، أو أمه، أو عمه، أو خاله، أو عن رجل، أو امرأة، ونحو ذلك، مع التنبيه على اسم من عُرِفَ اسمه منهم، والنساء كذلك.
والخصيصة التي تَمَيَّزَ بها كتاب المزي على غيره، أنه استوعب شيوخ الراوي وتلاميذه. فهذه هي النقطة الأساسية أو المرحلة الأولى عند دراسة الأسانيد، هي تعيين الراوي؛ أي: تمييزه عن غيره، وهي التي تُسمَّى عند علماء الحديث بالترجمة المعرفية.
تراجم الرواة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ترجمة معرفية، وترجمة منقبية، وترجمة نقدية.
الترجمة المعرفية: هي التي تُميز الراوي بذكر اسمه، واسم أبيه، وجده، ونسبه، ولقبه، وكنيته، إلى غير ذلك من الخصائص التي تميز الراوي عن غيره، هذه تسمَّى ترجمة معرفية.
وكلمة ترجمة -على أية حالة- عربية صريحة، وليست منقولة من لغات الأخرى.
ثم هناك ترجمة أخرى، وهي الترجمة المنقبية: هي التي تذكر الصفات الخاصة بالراوي، فيما يتعلق بتزكيته وتعديله.
ثم بعد ذلك هناك تَرْجَمَة تسمَّى الترجمة النقدية: وهي التي تُعنى بكلام أهل العلم في الراوي جرحًا وتعديلا، وتمييزًا لها عن غيرها. وهذه يُستفاد بها عند الترجيح بين الروايات المتعارضة، وهذه يُراعى فيها عدَّةُ أشياء ليس هذا محل الكلام عليها.
فكتاب المزي رحمه اللَّه تعالى، اعتنى بهذه الجوانب الثلاثة في تمييز الراوي من غيره، وذكر كلام أقرانه، وشيوخه وتلاميذه، والطبقات التي بعده في بيان حسناته ومزاياه، ثم بعد ذلك كلام أهل العلم في الجرح والتعديل.
الحادي عشر؛ أي: من خصائص كتاب المزي ﵀، ذكر ثلاثة فصول: أحدها: في شروط الأئمة الستة، والثاني: في الحثِّ على الرواية عن الثقات، والثالث: في الترجمة النبوية.
стр. 54
المزي رحمه اللَّه تعالى، بدأ كتابه أولا بذكر شروط الأئمة؛ البخاري ما شرطه في كتابه؟ مسلم ما شرطه في كتابه؟ أصحاب السُّنَن الأربعة، ما شرط كل واحد في الكتاب؟ منهجه الذي أبان عنه في ذكر رواة الأحاديث، وهم رجال الإسناد، وفي ذكر الأحاديث نفسها.
وصنَّف في شروط الأئمة ابن طاهر المقدسي صاحب كتاب "الجمع بين رجال الصحيحيْن"، الذي هو ابن القيسراني، وصنف فيها أيضًا الإمام الحازميّ، أحدهم ذكر شروط الأئمة الخمسة، والآخر ذكر شروط الأئمة الستة، وكلاهما مفيد لطالب العلم.
ثم بعد أن ذكر المزي شروط الأئمة؛ أي: منهجه في كتابه، ذكر فصلا في الحثِّ على الرواية عن الثقات، وتَرْك الرواية عن الضعفاء والمطروحين.
ثم ذكر فصلا كاملا يزيد عن مائتي صفحة تقريبًا، أو مائة وخمسين صفحة، في الكلام على ترجمة النبي ﷺ ، وذكر مناقبه، وفضائله، ومعجزاته، إلى غير من الأشياء الجيدة الجميلة، التي طَرَّزَ بها المزيّ وزيَّن بها كتابه.
الثاني عشر: حذف عدة تراجم من أصل "الكمال"، ممَّن تَرْجَم لهم صاحب "الكمال"؛ بناءً على أن بعض الستَّة أخرج لهم. لكنَّه لم يقف -هو- على روايتهم في شيء من الكتب الستة. وهذه الرموز التي ذكرها المزيّ في كتابه، وعددها سبعة وعشرون رمزًا: (ع): للستة، و (٤): لأصحاب السُّنَن، و (خ): للبخاري، و (م): لمسلم؛ فلا داعي لذكر الكلام عليها.
كتاب "تذهيب التهذيب" للذهبي
أهم الفوائد التي يقدمها "التذهيب" ما يلي:
١ - زاد الإمام الذهبي في أسماء الأعلام المُترجم لهم أكثر من أربعين عَلَمًا، لا ذكر لهم في "التهذيب".
٢ - كذلك كانت للإمام الذهبي إضافات قيِّمة، في بيان أعمار المُترجم لهم، وسني وفاتهم، وتلك الإضافات من الكثرة، بما لا تحتاج إلى ذكر هنا أو تمثيل، ولا تُخفى فائدة مثل تلك الإضافات في تعيين الرواة، وبيان إمكانية التلاقي بينهم وبين من يروُون عنهم، ممَّا يكشف عن انقطاع السند أو اتصاله.
стр. 55
٣ - كذلك كانت للإمام الذهبي إضافاتٌ بديعة، عند ما رتَّب الرواة -من الشيوخ والتلاميذ- بحسب طبقتهم، بدلا من ترتيبهم أبجديًّا، كما هو الحال في "تهذيب الكمال".
٤ - كذلك أجاد الذهبي عندما ذهَّبَ أكثر تراجم الكتاب بتعليقات، واستدراكات وتنبيهات غاية في الأهمية، ممَّا يؤكد على غزارة عِلْمه، واتساع حافظته، وجودة فكره. ويمكن تقسيم تلك التعليقات بحسب فائدتها إلى ما يلي:
أولا: توضيح مُبْهم:
مثال على ذلك: قال المزي في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن نبيه: حدَّث ببواطيل عن مالك. هكذا دون بيان تلك البواطيل. فقال الذهبي: وممَّا نُقِمَ عليه حديثه عن مالك: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ".
وفي ترجمة بقية بن الوليد بن صائد، نقل المزي عن علماء الجرح والتعديل: أن لبقية روايات منكرة. هكذا دون بيان أو تفصيل. فقال الذهبي: ولبُقية مناكير وغرائب، وله نسخة عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فيها عجائب مرفوعة، منها حديث: "تَرِّبُوا الكِتَابَ أَنْجَحُ لَهُ"، وحديث: "مَنْ أَدْمَنَ عَلَى حَاجِبَيْهِ بِالمُشْطِ، عُوفِيَ مِن الوَبَاءِ"، وحديث: "إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ فَلا يَنْظُر إلَى فَرْجِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ العَمَى". ثم نقل كلام ابن حبان فقال: ثنا بقية، عن ابن جريج، في نسخة كتبناها بهذا الإسناد كلها موضوعة، يشبه أن يكون بقية سمعه من إنسان ضعيف، عن ابن جريج، فدلَّس عليه، فالْتَزَق كل ذلك به.
وفي ترجمة حفص بن عمر ابن أبي العطاف، ذكر المزي أن له رواية عند ابن ماجه. فقال الذهبي: حديثه: "تَعَلَّمُوا الفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا، فَإِنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيءٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِى".
وفي ترجمة الحكم بن مصعب المخزومي، قال المزي: وله رواية عند أبي داود، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وابن ماجه، هكذا بما يُوهم أن له أكثر من حديث، فقال الذهبي: له حديث واحد في الكتب: "مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب".
ثانيًا: تفصيلُ مجملٍ:
قال المزي في ترجمة أحمد بن شعيب النسائي: سمع بخراسان والعراق، والحجاز
стр. 56
ومصر، والشام والجزيرة، من جماعة يطول ذكرهم، قد ذكرنا روايته عنهم في تراجمهم من كتابنا هذا.
وهكذا أجهل المزي شيوخه، فقال الذهبي: ومن كبار شيوخه قتيبة، وابن راهويه، وهشام بن عمار، وعيسى بن حماد زغبة، ومحمد بن النضر المروزي.
ثالثًا: إزالة شكٍّ:
كما في ترجمة أحمد بن صالح البغدادي، قال المزي: روى عن يحيى بن محمد بن قيس، ورى عنه النسائي، كذا وقع، وقيل: إنه محمد بن صالح كليجة. فقال الذهبي: كليجة لم يدرك يحيى بن محمد بن قيس، وأَقْدَم شيخ لَقِيَه عفان.
رابعًا: دفع خطأ:
كما في ترجمة خزيمة بن ثابت بن الفاكه، قال المزي: هو أحد البدرِيِّين. فقال الذهبي: الثبتُ أنه لم يشهدْ بدرًا، وشهدَ أحُدًا.
خامسًا: دفعُ وَهْمٍ:
كما في ترجمة أيوب بن سويد الرملي، قال المزي: قال عبد اللَّه بن أيوب: غرق أيوب بن سويد في البحر سنة ثلاث وتسعين ومائة. فقال الذهبي: هذا وَهْم، والأصحُّ قول ابن أبي عاصم: أنه مات سنة اثنتين ومائتين.
وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب، قال المزي: وروى عبد اللَّه بن المديني، عن أبيه، قال: كان ببغداد، وكأنه ضعَّفه. فقال الذهبي: هذا توهمٌ من عبد اللَّه لا أصل له.
وفي ترجمة حميد بن هلال العدوي، قال المزي: قال ابن المديني: حميد لم يلق أبا رفاعة العدوي. فقال الذهبي: روايته عنه في "مسلم" و"النسائي".
وفي ترجمة زهير بن معاوية بن حديج، قال أبو زرعة: ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. فقال الذهبي: حديثه عن أبي إسحاق في الكتب السِّتَّة.
سادسًا: بيان عقيدة المترجم له:
كما في ترجمة الحسن ابن أبي الحسن يسار أبو سعيد البصري، قال الذهبي: كان من أئمة السُّنَّة والهدَى.
وفي ترجمة أحمد بن شعيب النسائي. ذكر الذهبي أن ابن المبارك كفَّرَ من قال بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ، وأن النسائي صدَّقهُ على ذلك.
стр. 57
سابعًا: بيان صحة حديثه أو ضعفه:
كما في ترجمة جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ذكر المزي في مناقب جعفر حديث: "نَحْنُ وَلَدَ عَبْد المُطَّلِب سَادَةُ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَنَا، وَحَمْزَة، وَعَلِيّ، وَجَعْفَر، وَالحَسَن، وَالحُسَيْن، وَالمَهْدِيّ". فقال الذهبي: هذا حديث منكر، وعبد اللَّه لم أر لهم فيه كلامًا، وفي "الصحيح": أن النبي ﷺ قَالَ لِجَعْفَر: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي".
وفي ترجمة داود بن المحبر، أورد المزي حديث: "سَتُفْتِحُ عَلَيْكُمُ الآفَاقُ، وَسَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا: قَزْوِين، مَنْ رَابَطَ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة، كَانَ لَهُ فِي الجَنَّةِ عَمُودٌ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَيْهِ زَبَزجَدَة خَضْرَاءُ، عَلَيْهَا قُبَّة مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى كُلِّ مِصْرَاعٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ". فقال الذهبي: هذا حديث موضوع.
ثامنًا: زيادة إيضاحٍ لاسم العَلَم المترجم له:
كما في ترجمة بقية بن الوليد بن صائد. قال الذهبي: قال الدارقطني: كنيته أبو محمد.
تاسعًا: زيادة بعض الشيوخ والتلاميذ إلى الترجمة:
كما في ترجمة أحمد بن محمد بن موسى المروزي. زاد الذهبي في شيوخه الذين روى عنهم: النضر بن محمد المروزي، وزاد في تلاميذه الذين رووا عنه: محمد بن عمر الذهلي، وعبد اللَّه بن محمد المروزي.
عاشرًا: ذكر بعض مناقب صاحب الترجمة بما يُدلّل على عدالته في ميزان الجرح والتعديل:
كما في ترجمة أحمد بن بكار ابن أبي ميمونة الأموي. قال الذهبي: كان إمامًا في السُّنَّة والأحكام، لازَمَ مالكًا مُدَّةً.
وفي ترجمة بشر بن منصور أبو محمد السلمي. قال الذهبي: قَالَ غَسَّان الغَلابِيّ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ وَجْهَ بِشْر بن مَنْصُور، ذَكَرتُ الآخِرَة، رَجُلٌ مُنْبَسِطٌ، لَيْسَ بِمُتَمَاوِتٍ، فَقِيْهٌ، ذَكِيٌّ.
وفي ترجمة داود ابن أبي هند. قال الذهبي: كان مُفتي أهل البصرة.
الحادي عشر: فوائد في الجرح والتعديل، والحكم على بعض الرواة:
стр. 58
كما في ترجمة روح بن عبادة. قال الذهبي: تكلَّم فيه القواريري بلا حُجَّة، وقال الخطيب: ثقة. فاعتمد الذهبي توثيق الخطيب، وهو بذلك يقرر تقديم التوثيق على الجرح غير المُعلَّل.
وفي ترجمة أحمد بن منصور بن سيار، قال المزي: قال أبو داود: رأيته يصحب الواقفة -أي: الذين توقَّفوا في مسألة خلق القرآن- فلم أُحدِّثْ عنه. فقال الذهبي: هذا لا يُوجب تَرْك الاحتجاج به، وهو نوع من الوسْوَاس.
وفي ترجمة أسماء بن الحكم الفزاري، قال المزي: قال البخاري: لا يتابع على حديثه. فقال الذهبي: ما ذكره البخاري لا يقدح في صحة الحديث، إذ المتابعة ليست شرطًا في صحة كل حديثٍ؛ لأن في الصحيح عدة أحاديث لا تُعرف إلا من ذلك الوَجْه، كحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ".
وفي ترجمة أزهر بن عبد اللَّه بن جميع، لم يذكر المزي في حاله شيئًا. فقال الذهبي: كان أزهر بن عبد اللَّه ناصبيًّا يسبُّ.
وفي ترجمة أُبَي بن عباس بن سهل، قال المزي: ليس بالقوي، ولم يذكر سوى ذلك من حاله. فقال الذهبي: وضعَّفه ابن معين، وقال أحمد: منكر الحديث.
وقد امتلأ "التذهيب" بالفوائد والتعليقات، القيِّمة والنافعة، والزيادات الهامة، كما سلف بيانه، ممَّا دفع العلماء من بعده إلى الحرص على الانتفاع به، والاستفادة بما زاده الحافظ الذهبي فيه.
وممَّن استفاد به الحافظ ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب"، حيث يقول: وقد أَلْحَقت في هذا المختصر ما الْتَقَطْته من "تذهيب التهذيب" للحافظ الذهبي، فإنه زاد قليلا، فرأيت أن أضمَّ زياداته لكمال الفائدة.
كذلك قام الحافظ تقي الدين محمد بن فهد المكي -صاحب "لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ"- بجمع زيادات الذهبي من "التذهيب"، وأضاف عليها زيادات ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، ودمج بين تلك الزيادات على ما في "التهذيب" في كتاب سماه "نهاية التقريب في تكميل التهذيب".
كما استفاد منه كثير من العلماء، ونقلوا عنه في مؤلفاتهم في علم الرجال، والتاريخ، وغيرها.
стр. 59
ومن هؤلاء: الحافظ العراقي في كتابه "ذيل ميزان الاعتدال"، وسبط ابن العجمي في "التبيين لأسماء المدلِّسين"، و"الكشف الحثيث"، وأبو البركات في "الكواكب النيرات"، وإبراهيم بن محمد الطرابلسي في "مَنْ رُمِيَ بالاختلاط"، والحافظ ولي الدين العراقي في "تحفة التحصيل"، والإمام عمر بن علي الوادياشي في "تحفة المحتاج في أدلة المنهاج"، وابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب"، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"، وغيرهم خلق كثير.
وممَّا سبق يتبيَّن لنا ما بلغه كتاب "التذهيب" من مكانة جليلة بيْن مؤلفات علم الرجال وغيرها، وكيف استطاع الإمام الذهبي أن ينفذ إلينا بشخصيته العلمية الثاقبة، من خلال مساحات ضيقة عبر مختصره "تذهيب التهذيب".
أمثلة من الكتاب:
١ - (د فق): أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي، نزيل بغداد.
عن: إبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وشريك، وعبثر بن القاسم، وأبي الأحوص، وخلق.
وعنه: (د) فرد حديث، وأبو زرعة الرازي، وتمتام، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي، وخلق. وكتب عنه يحيى بن معين وقال: ليس به بأس.
قال موسى بن هارون: مات في ثامن ربيع الأول سنة ست وثلاثين ومائتين.
كتاب "الكاشف" للذهبي
يقول محمد بن أحمد بن الذهبي: هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: "الصحيحيْن" والسُّنَن الأربعة، مقتضب من "تهذيب الكمال"، لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب، دون باقي تلك التواليف التي في "التهذيب"، ودون من ذُكر للتمييز، أو كُرر للتنبيه.
والرموز فوق اسم الرجل: (خ): للبخاري، و (م): لمسلم، و (د): لأبي داود، و (ت): للترمذي، و (س): للنسائي، و (ق): لابن ماجه، فإن اتفقوا فالرمز: (ع)، وإن اتفق أرباب السُّنَن الأربعة فالرمز: (٤). وعلى اللَّه أعتمد، وإليه أنيب اهـ.
١ - إن كتاب "الكاشف" أحد الكتب التي دبجتها براعة الإمام الحافظ الناقد
стр. 60
الذهبي، وكان فراغه من تأليفه في السابع والعشرين من شهر رمضان عام (٧٢٠ هـ)، وذلك بعد حوالي عام من فراغه من "التذهيب"، ويكفي "الكاشف" أنه من مصنفات هذا الإمام، لا سيما أن تأليفه له كان بعد اكتماله في هذا الفن، فقد ألَّفه وله من العمر سبع وأربعون سنة، وسبقه قليلا تأليفه "تذهيب التهذيب" كما تقدم، وألف في العام نفسه "المُغْني في الضعفاء".
ويكفيه أن مصنِّفه الإمام قال عنه في مقدمته: هذا مختصر نافع. . . .
و"الكاشف" هو الكتاب الرابع، المتفرع عن الكتاب الأول "الكمال في أسماء الرجال" للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، المتوفَّى سنة (٦٠٠ هـ)، رحمه اللَّه تعالى.
ويلي كتاب "الكمال": "تهذيب الكمال" للإمام الحافظ أبي الحجاج المزي، المتوفَّى سنة (٧٤٢ هـ)، رحمه اللَّه تعالى، فهو الثاني.
ويليه: "تذهيب تهذيب الكمال" للمصنف الذهبي؛ فهو الثالث.
ويأتي من بعده: "الكاشف"؛ رابع هذه السلسلة.
ويساويه في التسلسل: "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" للخزرجي، المتوفى بعد سنة (٩٢٣ هـ).
كما تفرع عن "تهذيب الكمال" صنو التهذيب، هو "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر، المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، رحمه اللَّه تعالى.
وتفرع عن "تهذيب التهذيب": "تقريب التهذيب" لابن حجر نفسه.
فتكون هذه الكتب الثلاثة بمرتبة واحدة في التسلسل، وهي: "الكاشف"، و"التقريب"، و"الخلاصة".
٢ - مكانة الكتاب:
إن "الكاشف" كتاب تقتحمه العيْن من صغر حجمه، إذا ما قِيس بالكتب الكبيرة في هذا العِلم الشريف، لكنَّه في حقيقته معلِّمٌ مدرَّبٌ، ومحررٌ معتمدٌ.
وللحقيقة والإنصاف أقول: إنه كتاب دربة وتعليم وتأسيس، أكثر من كونه مَرْجِعًا لحُكم نهائي في الجرح والتعديل، وأما "التقريب" فهو على خلاف ذلك، هو مرجع لأخذ خلاصة في الجرح والتعديل، أكثر منه مدربًا معلمًا. ولا ريب أن الرجوع إلى الكتابين معًا، خير ما يسلكه المبتدئ في هذا العلم.
قال تاج الدين السبكي رحمه اللَّه تعالى، وهو يعدد مصنفات شيخه الذهبي:
стр. 61
و"الكاشف"، وهو مجلد نفيس.
وهذا ثناء من تلميذ، لكنه ناقد إمام، وخبير بالكتاب، وسيرى القارئ الكريم في آخر هذه الدراسات، إن شاء اللَّه تعالى، تناول التاج السبكي كتاب "الكاشف" من يد مؤلفه.
وممَّا يدلُّ على نفاسته: اعتناء العلماء بسماعه من مؤلفه، وقراءتهم له عليه، ونسخهم منه نُسخًا، واختصره بعضهم، وذيل عليه آخر، وعمل بعضهم عليه حاشية ونكتا، فهذه خمسة أعمال علمية.
وهو مختصر لكتابه "تذهيب التهذيب"، واقتصر فيه على من له رواية في "الصحيحيْن"، والسُّنَن الأربعة.
وهو مرتب على الأحرف الهجائية، ويذكر اسم صاحب الترجمة، ثم يبيِّن عمَّن روى، ثم من روى عنه، ثم يُبيِّن رأيه فيه بشكل دقيق ومعتدل؛ كقوله في ترجمة أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي: عن شريك، وحماد بن زيد، وطبقتهما. وعنه (د)، والبغوي، وأبو يعلى، وخلق. وُثق، مات (٢٣٦ هـ).
أو كقوله في ترجمة أحمد بن إبراهيم البغدادي الدورقي الحافظ: عن هشيم، ويزيد بن زريع، والناس. وعنه (م د ت ق)، وحاجب بن أركين، وخلق. وله تصانيف، توفِّي (٢٤٦ هـ).
أو كقوله في ترجمة أحمد بن إبراهيم أبو عبد الملك، البُسري الدمشقي: عن أبي الجماهر، ومحمد بن عائذ، وخلق. وعنه (س)، وابن أبي العقب، والطبراني، وطائفة. صدوق، توفي (٢٨٩ هـ).
وقد يذكر رأي أحد علماء الجرح والتعديل فيه ويسكت عليه؛ كقوله في ترجمة أحمد بن بشير الكوفي: عن الأعمش، وهشام بن عروة، وعدة. وعنه ابن عرفة، وأبو سعيد الأشج، وطائفة. قال ابن معين: ليس بحديثه بأس. توفي (١٩٧ هـ) اهـ.
أو كقوله في ترجمة أحمد بن خالد أبو سعيد الوهبي، أخو محمد: عن ابن إسحاق، وجماعة. وعنه الذهلي، والبخاري، ومحمد بن عوف، وطائفة. وثقه ابن معين، مات (٢١٤ هـ) اهـ.
أو كقوله في ترجمة أحمد بن سعيد الهمداني أبو جعفر المصري: عن ابن وهب، وطائفة. وعنه (د)، وابن أبي داود، وعدة. قال (س): ليس بالقوي. مات (٢٥٣ هـ) اهـ.
стр. 62
وقد يُبيِّن أنه مختَلَف فيه:
كقوله في ترجمة أحمد بن بديل أبو جعفر اليمامي، قاضي الكوفة. . . .: قال (س): لا بأس به. وليَّنه ابن عدي والدارقطني، وكان عابدًا، توفي (٢٥٨ هـ).
وكقوله في ترجمة أحمد ابن أبي الطيب سليمان، المروزي البغدادي: وُثق، وضعَّفه أبو حاتم وَحْدَه.
وهناك رواة سكت عنهم:
كقوله في أحمد بن إسحاق السلمي، السرماري البخاري، من يضرب بشجاعته المثل: قتل ألْفًا من التُّرْك، سمع يعلى بن عبيد وطبقته. وعنه (خ)، وأهل بلده. توفي (٢٤٢ هـ) اهـ.
وكقوله في ترجمة أحمد بن ثابت الجحدري: عن ابن عيينة، وغندر. وعنه (ق)، وابن خزيمة، وعدة.
وهذا الكتاب يعتبر أهم كتاب في الجرح والتعديل للإمام الذهبي، وهو معتدل فيه بشكل عام أكثر من كتبه الأخرى. والكتاب مطبوع وعليه حاشية قديمة. وقد قام بتحقيقه للعامة: محمد عوامة، بشكل ممتاز.
كتاب "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هجرية)
جاء الحافظ ابن حجر فعمل على اختصار وتهذيب كتاب "تهذيب الكمال" للمزي، في كتاب سماه "تهذيب التهذيب"، وقد كان اختصاره للكتاب وتهذيبه له على الوجه التالي:
الأول: اقتصر على ما يُفيد الجرح والتعديل.
لأن الحافظ المزيّ رحمه اللَّه تعالى، في "تهذيب الكمال" يُورد في الراوي كلامًا كثيرًا من التراجم المنقبية.
والتراجم منها تراجمُ معرفية تُمَيِّزُ الراوي من غيره، وهناك تراجم منقبية تذكر عبادة الراوي، وحُسن خلقه وتواضعه، وأدبه مع شيوخه ومع تلاميذه، وعبادته وصدقه، وتصدقه وجوده، وجهاده في سبيل اللَّه، إلى غير ذلك من هذه الأشياء التي تُبيِّن مناقب
стр. 63
الراوي؛ ولذلك قلنا ترجمة منقبية.
جاء الحافظ ابن حجر وهو يختصر الكتاب، رفع كل هذا ما يتعلق بأخلاق الراوي وعبادته، والقصص والحكايات التي داخل الترجمة، حذف هذا الكلام، وأبقى الكلام في الجرح والتعديل؛ لأنه المُعَوَّلُ عليه.
الثاني: حذف ما أطال الكتاب من الأحاديث التي يُخرِّجها المزي في مروياته العالية، وهو حوالي ثلث حجم الكتاب.
الثالث: حذف كثيرًا من شيوخ صاحب الترجمة وتلاميذه، الذين قصد المزيّ استيعابهم، واقتصر على الأشهر والأحفظ والمعروف منهم، إذا كان الراوي مُكْثرًا.
الرابع: لم يحذف شيئًا من التراجم القصيرة في الغالب.
الخامس: لم يرتب شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة على الحروف، وإنما رتبهم على التقدم في السِّنِّ، والحفظ، والإسناد، والقرابة، وما إلى ذلك.
فالحافظ ابن حجر لمَّا اختصر لم يرتب، لأنه لم يذكر إلا ستة أو سبعة من الشيوخ، فقراءتهم أمرٌ سهلٌ، فذكر الأحفظ، الأكثر ملازمة للراوي، الأقرب من حيث النسب، وغير ذلك من الاعتبارات.
السادس: حذف كلامًا كثيرًا أثناء بعض التراجم؛ لأنه لا يدلُّ على توثيق ولا تجريح.
السابع: زاد في الترجمة ما ظفر به من أقوال الأئمة في التجريح والتوثيق من خارج الكتاب، ولا سيما عن علماء المغرب والأندلس.
الثامن: أورد في بعض المواطن بعض كلام الأصل بالمعنى مع استيفاء المقاصد، وقد يزيد بعض الألفاظ اليسيرة للمصلحة.
التاسع: حذف كثيرًا من الخلاف في وفاة الرجل، إلا في مواضع تقتضي المصلحة عدمَ حذف ذلك.
العاشر: لم يحذف من تراجم "تهذيب الكمال" أحدًا.
الحادي عشر: زاد بعض التراجم التي رأى أنها على شرطه، وميَّز التراجم التي زادها على الأصل، بأن كتب اسم صاحب الترجمة، واسم أبيه بالأحمر.
الثاني عشر: زاد في أثناء بعض التراجم كلامًا ليس في الأصل، لكن صدَّره بقوله: قلت؛ فليتنبَّه القارئ إلى أنَّ جميعَ ما بعد كلمة (قلت)، فهو من زيادة الحافظ ابن حجر
стр. 64
إلى آخر الترجمة.
الثالث عشر: الْتَزمَ الرموز الذي ذكرها المزي، لكنه حذف منها ثلاثة، وهي: (مق)، و (سي)، و (ص). كما التزم إيراد التراجم في الكتاب على الترتيب ذاته الذي الْتَزَمه المزيّ في "تهذيبه".
الرابع عشر: حذف الفصول الثلاثة التي ذكرها المزيّ في أول كتابه، وهي ما يتعلَّق بشروط الأئمة الستة، والحثّ على الرواية عن الثقات، والترجمة النبوية؛ أي: السيرة النبوية.
الخامس عشر: زاد بعض الزيادات التي الْتَقَطَها من كتاب "تذهيب التهذيب" للذهبي، وكتاب "إكمال تهذيب الكمال" لعلاء الدين مغلطاي.
قال الحافظ ابن حجر ﵀، مبيِّنًا سبب تأليفه للكتاب وطريقته فيه: أما بعد، فإن كتاب "الكمال في أسماء الرجال" الذي أَلَّفَه الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وهذَّبه الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي، من أجَلِّ المصنفات في معرفة حملة الآثار وَضْعًا، وأعظم المؤلفات في بصائر ذوي الألباب وقعًا.
ولا سيما "التهذيب"، فهو الذي وفَّق بين اسم الكتاب ومسمَّاه، وألَّف بين لفظه ومعناه، بيد أنه أطال وأطاب، ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب، ولكن قصرت الهِمَم عن تحصيله لطوله، فاقتصر بعض الناس على الكشف عن "الكاشف"، الذي اختصره منه الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي، ولما نظرت في هذه الكتب، وجدت تراجم "الكاشف" إنما هي كالعنوان، تتشوق النفوس إلى الاطِّلاع على ما وراءه.
ثم رأيت للذهبي كتابًا سماه "تذهيب التهذيب"، أطال فيه العبارة، ولم يعدُ ما في "التهذيب" غالبًا، وإن زاد، ففي بعض الأحايين وفيات بالظنِّ والتخمين، أو مناقب لبعض المترجمين، مع إهمال كثير من التوثيق والتجريح، الذين عليهما مدار التضعيف والتصحيح.
هذا وفي "التهذيب" عدد من الأسماء، لم يعرف الشيخ بشيء من أحوالهم، بل لا يزيد على قوله: روى عن فلان، روى عنه فلان، أخرج له فلان، وهذا لا يروي الغلَّة ولا يشفي العلَّة، فاسْتخَرْتُ اللَّه تعالى في اختصار "التهذيب" على طريقة، أرجو اللَّه أن تكون مستقيمة، وهو أنني أقتصر على ما يفيد الجرح والتعديل خاصَّة، وأحذف منه ما
стр. 65
أطال به الكتاب، من الأحاديث التي يُخرِّجها من مروياته العالية، من الموافقات والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو. فإن ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب، وإن كان لا يلحق المؤلف من ذلك عاب، حاشا وكَلا؛ بل هو واللَّه؛ العديم النظير، المطلع النحرير، لكن العمر يسير والزمان قصير، فحذفت هذا جملة، وهو نحو ثلث الكتاب.
ثم إن الشيخ ﵀، قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة، واستيعاب الرواة عنه، ورتَّب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة، وحصل من ذلك على الأكثر، لكنَّه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره، وسببه انتشار الروايات وكثرتها، وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنِّت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ، بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة، فإن أجلّ فائدة في ذلك هو في شيء واحد، وهو إذا اشتهر أن الرجل لم يرو عنه إلا واحد، فإذا ظفر المفيد له براوٍ آخر، أفاد رفع جهالة عيْن ذلك الرجل برواية راويين عنه، فتتبع مثل ذلك والتنقيب عليه مهمٌّ.
وأما إذا جئنا إلى مثل سفيان الثوري، وأبي داود الطيالسي، ومحمد بن إسماعيل، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن سفيان، وغير هؤلاء، ممَّن زاد عدد شيوخهم على الألف، فأردنا استيعاب ذلك، تعذَّر علينا غاية التعذر، فإن اقتصرنا على الأكثر والأشهر، بَطُل ادِّعاء الاستيعاب، ولا سيما إذا نظرنا إلى ما روى لنا، عن من لا يدفع قوله أن يحيى بن سعيد الأنصاري راوي حديث الأعمال، حدَّث به عنه سبع مائة نفس، وهذه الحكاية ممكنة عقلا ونقلا، لكن لو أردنا أن نتبع من روى عن يحيى بن سعيد فضلا، عن من روى هذا الحديث الخاص عنه، لَمَا وجدنا هذا القدر، ولا ما يقاربه.
فاقتصرت من شيوخ الرجل ومن الرواة عنه، إذا كان مكثرًا على الأشهر والأحفظ والمعروف، فإن كانت الترجمة قصيرة، لم أحذف منها شيئًا في الغالب، وإن كانت متوسطة، اقتصرت على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم رقم في الغالب، وإن كانت طويلة، اقتصرت على من عليه رقم الشيخين مع ذكر جماعة غيرهم، ولا أَعْدل من ذلك إلا لمصلحة، مثل أن يكون الرجل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنني أذكر جميع شيوخه أو أكثرهم؛ كشعبة، ومالك، وغيرهما.
ولم أَلْتَزِم سياق الشيخ والرواة في الترجمة الواحدة على حروف المعجم؛ لأنه لزم من ذلك تقديم الصغير على الكبير، فأحرص على أن أذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ
стр. 66
الرجل، وأسندهم وأحفظهم، إن تيسَّر معرفة ذلك، إلا أن يكون للرجل ابن أو قريب، فإنني أُقدّمه في الذِّكر غالبًا، وأحرص على أن أختم الرواة عنه بمن وصف بأنه آخر من روى عن صاحب الترجمة، وربما صرَّحت بذلك، وأحذف كثيرًا من أثناء الترجمة، إذا كان الكلام المحذوف لا يدلُّ على توثيق ولا تجريح، ومهما ظفرت به بعد ذلك من تجريح وتوثيق أَلْحَقْته.
وفائدة إيراد كل ما قيل في الرجل من جرح وتوثيق، يظهر عند المعارضة، وربما أَوْرَدت بعض كلام الأصل بالمعنى مع استيفاء المقاصد، وربما زدت ألفاظًا يسيرة في أثناء كلامه لمصلحة في ذلك، وأحذف كثيرًا من الخلاف في وفاة الرجل، إلا لمصلحة تقتضي عدم الاختصار.
ولا أحذف من رجال "التهذيب" أحدًا، بل ربما زِدت فيهم من هو على شرطه، فما كان من ترجمة زائدة مستقلة، فإنني أكتب اسم صاحبها واسم أبيه بأحمر، وما زدته في أثناء التراجم قلت في أوَّله: قلت: فجميع ما بعد قلت، فهو من زيادتي إلى آخر الترجمة.
فصل:
وقد ذكر المؤلف الرقوم، فقال: للستة: (ع)، وللأربعة: (٤)، وللبخاري: (خ)، ولمسلم: (م)، ولأبي داود: (د)، وللترمذي: (ت)، وللنسائي (س)، ولابن ماجه: (ق).
وللبخاري في التعاليق (خت)، وفي "الأدب المفرد": (بخ)، وفي (جزء رفع اليديْن): (ي)، وفي (خلق أفعال العباد): (عخ)، وفي (جزء القراءة خلف الإمام): (ز).
ولمسلم في مقدمة كتابه: (مق)، ولأبي داود في "المراسيل": (مد)، وفي "القدر": (قد)، وفي "الناسخ والمنسوخ": (خد)، وفي كتاب "التفرد": (ف)، وفي "فضائل الأنصار": (صد)، وفي "المسائل": (ل)، وفي "مسند مالك": (كد).
وللترمذي في "الشمائل": (تم)، وللنسائي في "اليوم والليلة": (سي)، وفي "مسند مالك": (كن)، وفي "خصائص علي": (ص)، وفي "مسند علي": (عس)، ولابن ماجه في "التفسير": (فق).
هذا الذي ذكره المؤلف من تآليفهم، وذكر أنه ترك تصانيفهم في التواريخ عمْدًا؛ لأن الأحاديث التي تُورد فيها غير مقصودة بالاحتجاج، وبقي عليه من تصانيفهم التي على الأبواب عدة كُتب، منها: "بر الوالدين" للبخاري، وكتاب "الانتفاع بأهب
стр. 67
السباع" لمسلم، وكتاب "الزهد"، و"دلائل النبوة"، و"الدعاء"، و"ابتداء الوحي"، و"أخبار الخوارج" من تصانيف أبي داود، وكأنه لم يقف عليها، واللَّه الموفق.
وأفرد "عمل اليوم والليلة" للنسائي على "السُّنن"، وهو من جملة كتاب "السنن" في رواية بن الأحمر، وابن سيار. وكذلك أفرد "خصائص علي"، وهو من جملة المناقب في رواية بن سيار، ولم يفرد "التفسير" وهو من رواية حمزة وحده، ولا كتاب "الملائكة والاستعاذة"، و"الطب"، وغير ذلك.
وقد تفرَّد بذلك راو دون راو عن النسائي، فما تبيَّن لي وجه إفراده "الخصائص"، و"عمل اليوم والليلة"، واللَّه الموفق.
ثم ذكر المؤلف الفائدة في خلطه الصحابة بمن بعدهم، خلافًا لصاحب "الكمال"، وذلك أن للصحابي رواية عن النبي ﷺ ، وعن غيره، فإذا رأى من لا خبرة له رواية الصحابي عن الصحابي، ظنَّ الأول تابعًا، فيكشفه في التابعين فلا يجده، فكان سياقهم كلهم مساقًا واحدًا على الحروف أولى.
قال: وما في كتابنا هذا ممَّا لم نذكر له إسنادًا، فما كان بصيغة الجزم فهو ممَّا لا نعلم بإسناده إلى قائله المحكي عنه بأسًا، وما كان بصيغة التمريض فربما كان في إسناده نظر.
ثم قال: وابتدأت في حرف الهمزة بمن اسمه أحمد، وفي حرف الميم بمن اسمه محمد، فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير خلاف فيه، ذكرناه في الأسماء ثم نبَّهنَا عليه في الكنى، وإن كان فيهم من لا يُعرف اسمه أو اختُلف فيه، ذكرناه في الكنى ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف، ثم النساء كذلك.
وربما كان بعض الأسماء يدخل في ترجمتيْن فأكثر، فنذكره في أولى التراجم به، ثم نُنبِّه عليه في الترجمة الأخرى، وبعد ذلك فصول فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه، أو جده، أو أمه، أو عمه، ونحو ذلك، وفيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صناعة، وفيمن اشتهر بلقب أو نحوه، وفيمن أُبهم مثل: فلان، عن أبيه، أو عن جده، أو أمه، أو عمه، أو خاله، أو عن رجل، أو امرأة، ونحو ذلك، مع التنبيه على اسم من عرف اسمه منهم، والنساء كذلك. هذا المتعلق بديباجة الكتاب.
ثم ذكر المؤلف بعد ذلك ثلاثة فصول: أحدها: في شروط الأئمة الستة، والتاني: في الحث على الرواية عن الثقات، والثالث: في الترجمة النبوية؛ فأما الفصلان الأوَّلان:
стр. 68
فإن الكلام عليهما مستوفى في علوم الحديث، وأما الترجمة النبوية فلم يعدِ المؤلف ما في "كتاب ابن عبد البر". وقد صنف الأئمة قديمًا وحديثًا في السيرة النبوية عدة مؤلفات مبسوطات ومختصرات، فهي أشهر من أن تُذكر، وأوضح من أن تشهر، ولها محل غير هذا نستوفي الكلام عليها فيه، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد أَلْحَقْتُ في هذا المختصر ما الْتَقَطْته من "تذهيب التهذيب" للحافظ الذهبي، فإنه زاد قليلا، فرأيت أن أَضُمّ زياداته لكمال الفائدة، ثم وجدت صاحب "التهذيب" حذف عِدَّة تراجم من أصل "الكمال" ممَّن ترجم لهم، بناء على أن بعض الستة أخرج لهم، فمن لم يقف المزي على روايته في شيء من هذه الكتب، حذفه، فرأيت أن أثبتهم وأُنبِّه على ما في تراجمهم من عوز، وذكرهم على الاحتمال أَفْيَد من حذفهم، وقد نَبَّهْت على من وقفت على روايته منهم في شيء من الكتب المذكورة، وزدت تراجم كثيرة أيضًا الْتَقَطتها من الكتب الستة، ممَّا ترجم المزي لنظيرهم تكملة للفائدة أيضًا.
وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جَمَعَه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على "تهذيب الكمال"، مع عدم تقليدي له في شيء ممَّا ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابيْن الكبيريْن في حجم لطيف، لكان معنى مقصودًا هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما، والعلم مواهب، واللَّه الموفق.
أمثلة من الكتاب:
ذكر من اسمه أحمد:
١ - (د فق) أبي داود وابن ماجه في "التفسير": أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي نزيل بغداد: روى عن محمد بن ثابت العبدي، وفرج بن فضالة، وحماد بن زيد، وعبد اللَّه بن جعفر المديني، ويزيد بن زريع، وأبي عوانة، وإبراهيم بن سعد، وغيرهم.
روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا، وروى ابن ماجه في "التفسير"، عن ابن أبي الدنيا عنه، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرمي، وموسى بن هارون، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم البغوي، وآخرون.
وكتب عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقال: لا بأس به. وقال
стр. 69
صاحب "تاريخ الموصل": كان ظاهر الصلاح والفضل. قال موسى بن هارون: مات ليلة السبت لثمان مضين من ربيع الأول سنة (٢٣٦ هـ). قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة صدوق.
وفي "تذهيب التهذيب" للذهبي:
١ - (د فق) أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي، نزيل بغداد: عن: إبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وشريك، وعبثر بن القاسم، وأبي الأحوص، وخلق.
وعنه: (د) فرد حديث، وأبو زرعة الرازي، وتمتام، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي، وخلق. وكتب عنه يحيى بن معين، وقال: ليس به بأس.
قال موسى بن هارون: مات في ثامن ربيع الأول سنة ست وثلاثين ومائتين.
وفي "تهذيب التهذيب":
٢ - (كن) مسند مالك: أحمد بن إبراهيم بن فيل الأسدي، أبو الحسن البالسي، نزيل أنطاكية، والد القاضي أبي طاهر:
روى عن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، وأبي جعفر النفيلي، وأبي النضر الفراديسي، ودحيم، وأبي مصعب الزهري في آخرين، وسمع أبا توبة. وعنه النسائي ثلاثة أحاديث من حديث مالك، وأبو عوانة الإسفرائيني، وأبو سعيد ابن الأعرابي، وخيثمة بن سليمان، وأبو القاسم الطبراني، وآخرون.
مات سنة (٢٨٤ هـ). قال ابن عساكر: كان ثقة. وقال في "التاريخ": روى عنه النسائي ولم يذكره في الشيوخ النبل. قلت: وروى عنه محمد بن الحسن الهمداني، وقال: إنه صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال النسائي في "أسامي شيوخه" رواية حمزة: لا بأس به، وذكر من عفّته ووَرَعِه وثِقَته.
وفي "تذهيب التهذيب" للذهبي:
٢ - (كن) أحمد بن إبراهيم بن فيل أبو الحسن، الأسدي البالسي، نزيل أنطاكية:
عن: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، وأبي جعفر النفيلي، وعبد الوهاب بن نجدة، وأبي مصعب، وطبقتهم.
وعنه: (كن)، وأبو عوانة الإسقرائيني، وحفيده أبو بكر محمد ابن أبي الطاهر الحسن بن أحمد، وأبو سعيد ابن الأعرابي، وخيثمة الأطرابلسي، وسليمان الطبراني، وجماعة.
стр. 70
وَثَّقه ابن عساكر، ومات سنة أربع وثمانين ومائتين. وهو والد صاحب حر بن فيل. والصواب: والد أبي الطاهر الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل. ("السير" ١٤/ ٥٣٦ - ٥٢٧).
وتستطيع المقارنة بينهما بسهولة.
ويلاحظ على "تهذيب التهذيب" أنه ينقل كلام علماء الجرح والتعديل، ولكنَّه لا يذكر رأيه فيه بتاتًا، فلا بد من الرجوع لكتابه "التقريب" له، لنعرف رأيه في الراوي، ولا سيما المختلف فيه.
والحقيقة التي لا مِرْيَة فيها، أن كتاب "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر، كتاب قَيِّم مُحَرَّرٌ مفيدٌ، وقد بذل الحافظ ابن حجر فيه جهدًا كبيرًا واضحًا، وقد اختصر ما يستحق الاختصار، وزاد ما يستحق الزيادة، وحَرَّر وهَذَّبَ، واستعان -مع اطلاعه الواسع- بعددٍ من المصنفات في إخراج هذا الكتاب بشكل مرضي، فجزاه اللَّه خيرًا على صنيعه هذا، وأجزل مثوبته.
وهو أجودُ الكتبِ وأدقُّها بين الكتب التي عَملت على اختصار وتهذيب كتاب الحافظ المزي، وعلى وجه الخصوص هو أجود من كتاب "تذهيب التهذيب" للذهبي؛ للميزات الكثيرة التي تُميزه عنه، التي أشار إليها ابن حجر في مقدمة كتابه "تهذيب التهذيب".
وما قاله الحافظ عن كتاب "الكاشف"؛ ففيه نظر، وسوف نقارن بينهما أثناء الكلام على ترتيب "التقريب". وأما ما يقوله البعض في هذه الأيام من أن: الحافظ ابن حجر قد اختصر كتاب المزيِّ، فأخلَّ بكثير من مقاصده. بل ربما بالغ بعضهم؛ فقال: لقد نَسَخَ ابن حجر كتابَ المزيّ وأفسده؛ محتجين بأن الحافظ ابن حجر قد حذف كثيرًا من شيوخ وتلاميذ كثير من المترجَمين، وأنَّ ذِكْرَ هؤلاء الشيوخ والتلاميذ له فائدة كبيرة، لا تخفى على المشتغلين بالحديث وعلم الرجال.
فالجواب: أنَّنَا لا نُنكر فائدة ذكر هؤلاء الشيوخ والتلاميذ، لكن يقال: إن موضوع الاختصار والتهذيب هو هذا، وليس كل مراجع يستفيد من معرفة كل هؤلاء الشيوخ والتلاميذ، ومن أراد التوسع أو احتاج إلى معرفة بعضهم، فليرجع إلى الأصل؛ إذ من المعروف أنه لا تغني المختصرات عن أصولها في كل شيء.
ومن جهة ثانية، فليس في الكتاب ما يُنْتَقد إلا هذا، مع أن في اختصار كثير من
стр. 71
الشيوخ والتلاميذ لبعض المترجمين وجهةَ نظر، وليست خطأ وقع فيه ابن حجر.
وأخيرًا؛ فلو أنصف المرء، فذكر حسنات الكتاب الكثيرة، لا سيما حذفه كثيرًا من الأحاديث العوالي التي أوردها المزي من روايته؛ لأقَرَّ بأن عمل الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب عملٌ نافعٌ مشكورٌ، وأن الكتاب من خيرة الكتب في معرفة تراجم رجال الكتب الستة، واللَّه أعلم.
إن "تهذيب التهذيب" على جلالة قدر مصنفه، وفائدة الكتاب العظيمة في تحرير بعض الوفيات، وزيادات في الجرح والتعديل ونحو ذلك، إلا أن الطالب الذي يبحث عن تعيين راوٍ، لا يمكن له أبدًا استخدام "تهذيب التهذيب"، ولو استخدمه سيضل ولا يصل إلى الحقيقة بحال من الأحوال، فلا بد أن يرجع للأصل وهو "تهذيب الكمال" للمزي، ﵀.
كتاب "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر
هو اختصار لكتابه القيم "تهذيب التهذيب"، وهو بنفس ترتيبه، وفيه اسم صاحب الترجمة، والحكم عليه جرحًا وتعديلا، وذكر طبقته، ومتى توفي.
ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر ﵀، من أهل الاستقراء التامّ في علم الحديث، على وجه الخصوص علم الرجال؛ لأن هذا العلم هو أول العلوم الحديثية التي قرأها ودرسها، إذ عانها وهو لا يزال في المكتب، وعلى وجه التحديد سنة (٧٨٦ هـ)، وعمره لم يتجاوز الثلاثة عشر عامًا.
قال السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر: إنه حُبِّب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس، حتى إنه كان يستأجرها ممَّن هي عنده، فعلق بذهنه الصافي الرائق شيء كثير من أحوال الرواة، وكان ذلك بإشارة من أهل الخير.
ولقد كان لـ "التقريب" مكانة خاصة عند ابن حجر، إذ بقي الكتاب بين يديه طيلة (٢٣) عامًا، يضيف إليه، ويحذف منه، ويعدِّلُ فيه، ويعيد ضبط ما ضبطه قبل، أو بضبط ما لم يضبطه. . . . . .
وهكذا نرى أن "التقريب" هو خلاصة ما توصل إليه الحافظ ابن حجر من أحكام على رواة الكتب الستة وما أُلْحِق بها، وعصارة فكر متواصل البحث والدراسة،
стр. 72
والتحقيق والتحرير، مدة زادت على الستين عامًا من حياة عالم موسوعيّ ويقظٍ ذكيّ.
المطلب الأول: نقل نص المقدمة:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة "التقريب":
الحمد للَّه الذي رفع بعض خلقه على بعض درجات، وميَّز بين الخبيث والطيب بالدلائل المحكمات والسمات، وتفرَّد بالمُلك فإليه منتهى الطلبات والرغبات، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات، الناقد البصير لأخفى الخفيات، الحكم العدل، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يخفى عنه مقدار ذلك في الأرض والسموات.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالآيات البينات، والحجج النيرات، الآمر بتنزيل الناس ما يليق بهم من المنازل والمقامات، صلى اللَّه وسلم عليه، وعلى آله وصحبه، السادة الأنجاب الكرماء الثقات.
أما بعد: فإنني لما فرغت من "تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، الذي جمعت فيه مقصود "التهذيب" لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضممت إليه مقصود "إكماله" للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرًا منه على ما اعتبرته عليه، وصححته من مظانه، من بيان أحوالهم أيضًا، وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يتعجب من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما. وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعًا حسنًا عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل، والثلث كثير.
فالْتَمَسَ مني بعض الإخوان أن أُجرّد له الأسماء خاصة، فلم أُوثر ذلك لقِلَّة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أُجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة، ويتضمَّن الحسنى التي أشار إليها وزيادة.
وهي أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به بأَلْخَص عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يُؤمَن لَبْسه.
стр. 73
وباعتبار ما ذكرت، انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة.
فأما المراتب:
فأولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أُكِّد مدحه، إما بأفعل: كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة لفظًا: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ.
الئالثة: من أفرد بصفة، كثقة، أو متقن، أو ثَبْت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة؛ ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة، كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يُترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فليِّن الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.
الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول.
العاشرة: من لم يوثق ألبتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة: بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب والوضع.
وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة، على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضرمًا صرَّحت بذلك.
стр. 74
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها جُل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى منهم، الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السَّماع من الصحابة، كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.
السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين، كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع، ممن لم يلق التباعين، كأحمد بن حنبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.
الطبقة الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة، الذين تأخرت وفاتهم قليلا، كبعض شيوخ النسائي.
وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية، فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة، فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، ومن ندر عن ذلك بيَّنته.
وقد اكتفيت بالرقم على أول اسم كل راوٍ، إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة.
فالبخاري في "صحيحه": (خ)، فإن كان حديثه عنده معلقًا: (خت)، وللبخاري في "الأدب المفرد": (بخ)، وفي "خلق أفعال العباد": (عخ)، وفي (جزء القراءة): (ر)، وفي (رفع اليدين): (ي). ولمسلم: (م)، ولمقدمة "صحيحه": (مق).
ولأبي داود: (د)، وفي "المراسيل" له: (مد)، وفي "فضائل الأنصار": (صد)، وفي "الناسخ": (خد)، وفي القدر: (قد)، وفي "التفرد": (ف)، وفي "المسائل": (ل).
وفي "مسند مالك": (كد). وللترمذي: (ت)، وفي "الشمائل" له: (تم). وللنسائي: (س)، وفي "مسند علي" له: (عس)، وفي "مسند مالك": (كن)، وفي كتاب "العمل اليوم والليلة": (سي)، وفي "خصائص علي": (ص). ولابن ماجه: (ق)، وفي "التفسير" له: (فق).
стр. 75
فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة، أكتفي برقمه، ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم: (ع)، وأما علامة (٤) فهي لهم سوى الشيخيْن.
ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه: (تمييز)، إشارة إلى أنه ذُكر ليتميَّز عن غيره.
ومن ليست عليه علامة نبّه عليه، وتُرجم قبل أو بعد، وسمَّيته "تقريب التهذيب".
واللَّه أسأل أن ينفع به قارئه، وكاتبه، والناظر فيه، وأن يبلغنا من فضله وإحسانه ما نؤمله ونرتجيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب. اهـ.
والحافظ ابن حجر ﵀ من المعتدلين في الجرح والتعديل بشكل عام، وخاتمة الحفاظ، فغدا كتابه هذا مرجعًا لكلِّ من جاء بعده.
ومعلومٌ أن الجرح والتعديل من أدقِّ علوم الحديث، وهناك اختلاف كبير فيه، وغالبه قائم على الاجتهاد وغلبة الظنِّ، وليس على القطع واليقين. والحافظ ابن حجر ﵀، له باع طويل في الجرح والتعديل، وقد كتب في كل الرجال تقريبًا، كما في التقريب، والتعجيل، واللسان.
ونلاحظ على هذه العبارات الاختصار الشديد، كما أنه لم يذكر شيوخ الراوي أو طلابه، ولكنه استغنى عن ذلك بذكر طبقته، ومع هذا فلا تغني الطبقة عن ذكر أهم مشايخه وطلابه في كثير من الأحيان، بسبب الاشتباه في الأسماء أو الطبقات.
وقد الْتَزَم الحافظ ابن حجر ﵀، بهذه التفاصيل التي ذكرها من حيث المبدأ.
المطلب الثاني: أمثلة من كتاب "التقريب ":
وهذه أمثلة من كتابه "التقريب" حسب ما ورد في ترقيم الكتاب:
١ - أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو علي، نزيل بغداد: صدوق، من العاشرة، مات سنة (٣٦ هـ). اهـ، أي: (٢٣٦ هـ)، (د فق).
٣ - أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد، الدّورقي، النّكري، البغدادي: ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٤٦ هـ)، (م د ت ق).
٥ - أحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر، العبدي النيسابوري: صدوق، كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٦٣ هـ)، (س ق).
следующие страницы →