← Джавами‘

Джавами‘ · id 8903

المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

-

Полный текст (317 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعد ذلك إعدادا عاليا في مستواه لكي يصلح لتولي هذه المهمة الخطيرة في أي من أجهزة الإعلام المختلفة. وإن أول صفة ينبغي أن يتحلى بها موظف الإعلام هي الالتزام الخلقي في كل ما يعطيه للمجتمع من غذاء عقلي أو توجيه، وقضية الالتزام الخلقي هذه أو الديني بمعنى أصح لهي الشيء الوحيد الذي ينقص رجال الأمة الإسلامية اليوم في هذا الميدان والشواهد كثيرة جدا على ما أقول: صحيفة تنشر إعلانا واضحا جدا في أبرز مكان في صفحاتها عن نوع من السجائر وتجعل من مدخنيه أنهم في قمة الرجولة وغاية الاستمتاع. فهل هذا منطق؟ وهل هذا صحيح؟ إننا لو بحثنا هذا الأمر من الناحية الصحية على الفرد في استفتاء عام لوجدنا إجابة لا يختلف عليها اثنان أبدا هي أن (التدخين ضار وخبيث) ، ولربما صاحب الجريدة أو كاتب الإعلان ومدبجه لا يدخن، ولربما يعرفون أن مثل هذه الإعلانات أصبحت محرمة في صحف الغرب وفي أمريكا بالذات، بل تكتب على علب السجائر عبارة بشعة تجعل العاقل يفر منها كما يفر من الوحش الكاسر.. هذه العبارة هي: ـ هذا الذي تدخنه يسبب السرطان من هنا يتضح لنا قضية الالتزام الخلقي أو الديني بمفهومنا نحن ومفهومهم هم. تغلبت المادة علينا وأصبحنا ندعو إلى السجائر في صحفنا ومجلاتنا بل وإذاعاتنا أيضا، لماذا؟ لنحصل على فائدة مادية، ونسينا أمرا أهم من ذلك نسينا الحفاظ على صحة أبناء وطننا، فقدم لهم الخبثاء السم في الدسم، وأغووهم تماما كما يغوي الشيطان جنوده بالإثم والمعصية، لقد قدمت السجائر وإعلاناتها كمثال وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمر كالخمر مثلا لا تجد في بلاد الإسلام دعاية مضادة لها كما يوجد في بلاد الغرب فهم يهاجمونها من جميع الجوانب الأخلاقية والصحية والمادية والاجتماعية وغير ذلك بينما نحن نعلن عنها في بعض صحافتنا وأفلامنا وأجهزة إعلامنا الأخرى وشتان بيننا وبينهم. ديننا يأمرنا باجتنابها والبعد عن مجالسها فيقبل عليها المنحلون من أبناء أمتنا. أما هم ـ أعني أبناء الغرب ـ فلا شيء ينهاهم عنها إلا ما رأوه فيها من مضار اكتشفوها بالعقل والتجربة، فأعلنوا عليها حربا لا هوادة فيها

стр. 212

وهكذا يبدو التناقض فينا واضحا. أيها الإخوة: إن قضية الالتزام الديني كما أسميه أو الالتزام الأخلاقي كما يدعوه البعض، إنما هي قضية هامة وفي غاية من الخطورة، وينبغي أن تكون هي الجوهر الذي علينا اكتشافه أولا وقبل كل شيء في رجل الإعلام منا. فلابد وأن تتوفر فيه صفات شتى: ـ منها التفقه في دينه ومعرفة أحكامه ومنها الإخلاص لعقيدته ومنها الإلمام الكامل بثقافة الإسلام من لغة وتاريخ وغير ذلك. ومنها الإطلاع على ثقافة الغرب للاستفادة من الصالح منها. ومنها الإيمان المطلق بأننا نحن المسلمون أصحاب رسالة سامية وحملة أمانة السماء إلى الأرض. وأننا نحن المسلمون ملزمون أيضا دينيا بتبليغها إلى الناس كافة على مختلف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم فإن فعلنا ذلك فقد كنا أوفياء لعقيدتنا وديننا وإلا فنحن مفرطون مضيعون لأمانتنا. إن رجل الإعلام ينبغي أن يمر تحت منظار دقيق جدا لتعرف سجاياه وأهواؤه وطويته فإنه أخطر على الأمة من أي عدو آخر، أخطر عليها من الجهل والمرض والفقر، لأنه يستطيع وبسهولة جدا أن يوجهها إلى الهاوية التي تؤدي بماضيها وحاضرها ومستقبلها والعياذ بالله. لهذا فإنني أكرر مؤكدا ضرورة التدقيق جدا في اختيار رجال الإعلام على أن يكونوا متصفين بكل ما يحض عليه ديننا الحنيف من حسن الخلق والتزام كامل، وفضيلة مستقاة من تعاليم السماء. أما الهدف الذي نرمي إليه من هذه الخطة الإعلامية فهو لب موضوعنا هذا وهو الأساس الذي بنينا عليه هذا البحث. إن الهدف في غاية من الوضوح ويتلخص في النقاط التالية: ـ أولا: نريد من الإعلام الإسلامي أن يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العاملين به فهم الذين يوجهون الأمة وينيرون لها السبيل بل إن أحدهم وهي الصحافة تسمى بلغة العصر، السلطة الرابعة من سلطات الأمة.. على ذلك فإن المسؤولية عظيمة ولابد أن يتولاها قوم عظام أيضا من ذوي الجباه العالية على مستوى من المسؤولية

стр. 213

والخلق وحسن الإدراك والتوجيه والثقافة والإخلاص لعقيدتهم. ومن هذا المنطق لابد وأن تكون الأمة على بينة من أمرها، وينبغي للإعلام حينئذ أن يتحلى بالصدق والأمانة. الصدق في القول والأمانة في التوجيه بحيث لا يؤخد عليه التهويل أو التصغير في الأمور، حتى لا تضطر الأمة لاستقاء أنبائها وأخبارها من مصادر العدو الذي يظللها ويقودها إلى الشك والتفكك كما هو حادث اليوم لشديد الأسف. ثانيا: ينبغي أن يكون الإعلام مرآة لماضينا كما يكون وجها لحاضرنا. ولكن نرى أن الأمر غير ذلك في واقعنا المؤلم اليوم، ونظرة عابرة إلى حافتنا العربية، إلا ما نذر منها، توضح لنا هذا القول. ومثال آخر للإعلام في إذاعتنا المرئية (التليفزيون) . لقد سلط التليفزيون في العالم الإسلامي على واقع الغرب والشرق معا بما فيهما من مرارة مؤلمة، وواقع لا أخلاقي فنقلته لنا كما هو، بل وزينته لشبابنا ليقتدي به.. نرى ذلك في القصص والأفلام والمسلسلات. نرى ذلك حتى في التاريخ القومي للغرب. فقد نقل لنا التليفزيون ـ جزاه الله بما يستحق ـ كل شيء نقل لنا الخبيث قبل الطيب والطالح قبل الصالح والمر قبل الحلو، وأصبح ناقلا مقلدا في غاية من التفاهة والسوء، لا يعبر عن أصول حضارتنا ولا عراقة ديننا وتقاليدنا، ولكنه مسخ سيء، تاما كالغراب الذي تخلص من ريشه ليقلد الطاووس في شكله فأضحى مسخا لا يعبر عن هذا ولا ذلك. هل كان الإعلام أمينا في نقل حضارة الإسلام نقلا صحيحا سويا؟ لا.. وألف مرة لا.. أقولها وأنا حزين وآسف على ذلك. إن جماهيرنا تعرف عن رجال الغرب أكثر مما تعرف عن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم من رجالات الإسلام الأولين.. إن شبابنا يعرف عن الخنفسة بفضل إعلامنا ـ جزاه الله بما يستحق ـ أكثر مما يعرف عن سجايا أسلافنا وأخلاقهم. عن نساءنا يعرفن عن نساء الغرب أكثر مما يعرفن عن أمهات المؤمنين

стр. 214

والبطلات الخالدات في تاريخ الإسلام. لقد قام الإعلام في بلاد الإسلام بدوره الذي رسمه له العدو الغادر فقلب المعايير الخلقية لدى جيلنا المعاصر فأصبحت الرذيلة أوفى بالأداء من الفضيلة. أصبح السفور هو التقدم، والتستر هو الرجعية وصارت الميوعة والتخنث هما علامة على السمو والرجولة هي الجلافة والتوحش.. أجل انقلبت المعايير لأن أعداء الإسلام أرادوا لنا ذلك، فكنا كما أرادوا.. وأضحينا لا نهتم إلا بالسفاسف من الأمور. إن الإعلام الأعمى في بلاد الإسلام صار متخصصا في دراسات وفلسفات الفكر الغربي والشرقي كالديموقراطية والشيوعية. فمثلا نجد المقالات المدبجة هنا وهناك في معظم صحافتنا الإسلامية، هذا يحبذ وذاك يعارض وآخر يواسي بين الفريقين.. وهكذا.. نجد كل ذلك في صحافتنا منشورا لشبابنا، فيقتنع به فريق، ويعارضه فريق آخر.. ثم تدور الرحى حربا بعد ذلك بين الفريقين.. المتخاصمين فينشغل بال القوم بما بينهم وينسوا دنياهم وآخرتهم على حد سواء وتطحنهم الرحى جميعا، وتفنيهم وهم لا يعلمون من أين توالت عليهم المصارع.. ثالثا: والإعلام أيضا ينبغي أن يكون أداة من أدوات توحيد الأمة ودعامة قوية من دعامات بنائها الفكري والروحي فاللغة المكتوبة أو المسموعة ينبغي أن تكون سليمة في مبناها ومعناها على حد سواء، صريحة في مغزاها معبرة بصدق عن رأي قائلها، حتى تولد الثقة في عقل سامعها فتستقر في ذهنه وقلبه ويكون لها فعل السحر فتؤتي الغاية المرجوة منها.. والصراحة حرة ومؤلمة في بعض الأحيان.. لقد عرف شبابنا من الإذاعات المسموعة والمرئية على حد سواء كل شيء عن أوربا وأمريكا والصين وروسيا، وقليلا بل ونادرا ما نسمع عن أرضنا الإسلامية وما كان هذا الموقف الحزين المؤسف إلا لأن المسؤولين في الإعلام لا يدرون بذلك، إما لأنهم لا يشاهدوه أو لا يسمعوه، وإما لا يعرفون مقدار التبعة الملقاة على عاتقهم.. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 215

رابعا: كل مجتمع من المجتمعات به مظاهر حياته كما فيه عوامل موته أيضا، وذلك كما يقول علماء الاجتماع. ونظرة واقعية على مجتمعنا الإسلامي اليوم نرى ذلك بوضوح، نرى العلل تصرعه من كل جانب. وواجب الإعلام الإسلامي أن يقوم بدراسة ميدانية لما بالمجتمع من أمراض ويوجه المسؤولين إليها، ويشخص لها الداء ويصف الدواء.. إن هذه النقطة من أهم النقاط التي ينبغي أن يوجه الإعلام نظره إليها، فإن علاج المجتمع جزء من واجب الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة. خامسا: تقديم الإسلام للمجتمع العالمي في ثوبه الحقيقي وهذا واجب آخر من واجبات الإعلام الإسلامي.. الدعوة إلى الله على بصيرة، وتقديم هذه الدعوة إلى مجتمعات أخرى في ثوب قشيب ناضر بلغات تلك المجتمعات تقديما مناسبا لجلال دين الإسلام وروعته وموضحا لوظيفة الإسلام والمسلمين في المجتمع الإنساني كافة.. ـ هل يستطيع الإعلام الإسلامي القيام بهذا الدور؟ ـ وهل ينجح في أن ينبه أنظار المسلمين إلى واقع دينهم؟ ـ وهل يستطيع أن يلفت أنظار غير المسلمين إلى روعة دين الإسلام؟ ـ وهل يستطيع أن يتحمل الأمانة ويبلغها للناس كافة بجميع الوسائل المسموعة والمرئية؟ ـ هل يستطيع أن يلم شعث المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على كلمة لا إله إلا الله، ويعرفهم أنهم أعضاء في جسد واحد إذا ألم بجزء منه مكروه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟ ـ هل ينجح في أن يقيم واقع المسلمين ويبين ما به من آلام وأمراض خبيثة من شيوعية وبهائية وقديانية وغير ذلك من ملل ونحل تفتك بجسد الأمة الإسلامية؟ ـ وهل يستطيع أن يحارب هذه النحل والملل ويخرجها من دار الإسلام إلى الديار الأخرى التي أنبتتها ثم تخلصت منها بأن صدرتها إلى المسلمين ففككت عرى وحدتهم وسممت أبدانهم، وفرقت كلمتهم وأودت بهم إلى التفرقة ثم إلى العداء والحرب بعد ذلك؟

стр. 216

ـ إننا لو نجحنا في ذلك لاستطعنا أن نخدم عقيدتنا بتسخير وسائل الإعلام كلها لها وهذا واجب ديني يحتم علينا أن ننهج في العمل لديننا وعقيدتنا.. فهل نحن سائرون؟ ـ وهل نحن إلى طريق الخير متوجهون؟ ـ وهل يا ترى سننجح في هذه المهمة العظمى؟ تأكدوا أيها الإخوة أن الأمر من بخطورة بمكان. وأن الإعلام بجميع وسائله المكتوبة والمرئية والمسموعة يتحمل العبء الأكبر. وذلك واجبكم أنتم أيها الدعاة أن تتجهوا إلى هذا الميدان بالإعداد له، وتوجيه شباب الإسلام لساحته وتعريفهم بمدى أهميته، ويوم أن تنجحوا في تقديم داعية مسلم واع.. لهذا الميدان، بقدر ذلك يكون الانحسار في بحار الباطل وستجدوا أنفسكم في النهاية على شاطئ النصر والأمان. فهل أنتم واصلون إليه؟ أرجو ذلك. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ . بإذن الله

стр. 217

الدعوة الإسلامية ووسائل الإعلام للدكتور عبد المنعم محمد حسين مقدمة ... الدعوة الإسلامية ووسائل الإعلام للدكتور عبد المنعم محمد حسين الإستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد.. فإن الدعوة الإسلامية دعوة جامعة لدعوات الرسل جميعا، بها ختمت تلك الدعوات، وبها تم الدين وكمل، كما قال الله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ١ وكما قال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ٢ فالإسلام هو دين الله الذي رضيه لعباده، ليستقيموا به على صراطه المستقيم، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ والإسلام دين الفطرة، فهو يتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو المثل الأعلى للإنسانية، لأنه حرر العقل، وأطلقه من عقاله إطلاقا يعود على الإنسانية بكل خير، ودفع العقل دفعا ليتفكر في الكون ليسمو الجانب الروحي، وليفكر في تسخير الأشياء للإنسان ليرتقي الجانب المادي. والإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي لا يمكن للإنسانية في سعيها لبلوغ الكمال الإنساني أن تجد أرقى منه في جميع مجالات الرقي، عقليا ونفسيا وخلقيا وعاطفيا وروحيا، وماديا وفرديا واجتماعيا. وأساس الدعوة الإسلامية هو الإيمان بالله واحدا لا شريك له، ثم ما يقوم في ظل هذا الإيمان من شريعة شرعها الله تعالى لأمة الإسلام، في تعبدها لله وفي بناء المجتمع الإسلامي المؤمن بالله. ويجب على كل مسلم أن يثبت أركان الإسلام في نفسه، ويحاسبها عليها،

стр. 218

ويقيمها على طريقها إن هي مالت أو انحرفت، فإذا سوى المسلم حسابه مع نفسه، كان عليه أن يدعو الناس جميعا أن يشاركوه في نعمة الإسلام، وأن يهدي إليها الحائرين الضالين، فليس من الإيمان أن يحتجز المؤمن الخير لنفسه وفي الناس من هم في حاجة إليه، ولهذا يجب أن تكون أمة الإسلام أمة داعية إلى هذا الدين الذي أكرمها الله تعالى به، وأن تفتح لغير المسلمين الطريق إليه. يقول الله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ ويقول : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو رسالة أمة الإسلام فيما بينها، ثم هو رسالتها في الناس جميعا، وينبغي على الدعاة أن يدعوا إلى سبيل ربهم بكل وسيلة ممكنة في العصر الحالي، بعد أن كثرت وسائل الإعلام، وتنوعت أساليبها واستغلها أعداء الإسلام، في ترويج الفساد، والتشويش على الدعوة الإسلامية، وأصبح لزاما على المسلمين أن يدافعوا على دينهم، وأن يبينوا حقائقه للناس أجمعين، فلقد أصبح الإسلام ـ في العصر الحديث ـ يواجه غزوا رهيبا محملا بوسائل الفساد للمسلمين من وسائل الإعلام من جرائد ومجلات وكتب ومسرحيات وإذاعة مسموعة ومرئية وأفلام سينمائية. وخطورة هذا الغزو أنه يدخل إلى عقول الشباب وقلوبهم دون أن يلتفت الكثير منهم إلى ما دخل عليه من أفكار مسمومة. إن وسائل الإعلام عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة، وهي أسلحة أشد خطورة من الجيوش الزاحفة بأسلحتها المادية التي يعرف منها وجه العدو الذي يغزوهم. وينبغي أن يوجد إعلام إسلامي يتصدى لهذا الغزو الرهيب من وسائل الإعلام الحالية ويوصل الدعوة الإسلامية إلى عقول الناس وقلوبهم في جميع أنحاء العالم. وقد أصبح وجود الإعلام الإسلامي واجبا ولازما، لا غنى عنه في العصر الحالي، وتستطيع المملكة العربية السعودية ـ بعون الله ـ أن تنهض بهذا الأمر، وهي الأرض الطيبة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية بعد بعثة رسول الإسلام ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ

стр. 219

والتي تهفو إليها قلوب المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهي القطر الذي يحمل لواء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ويبذل غاية الجهد من أجل نصرة الإسلام، وتوحيد كلمة المسلمين، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١. وسأحاول في هذا البحث أن أبين أساس الدعوة الإسلامية ثم أبين خطر وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية، وكيف أنها تتعاون مع أعداء الإسلام في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته، وأن أبين واجب المسلمين في أقطارعم المختلفة نحو وسائل الإعلام وضرورة توجيهها وتحويلها إلى أدوات بناء للمجتمع الإسلامي، بدلا من كونها أدوات هدم وتدمير، ثم أبين ضرورة ايجاد إعلام إسلامي متخصص مع الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة في ايصال الدعوة الإسلامية إلى جميع أنحاء العالم، بمختلف اللغات الرائجة بين الناس وبالله التوفيق..

стр. 220

أولا: أساس الدعوة الإسلامية إن أساس الإسلام هو التوحيد الخالص لله، المصفى من دخائل الشرك كلها، ظاهرها وخفيها، حيث لا يصح إيمان مؤمن إلا إذا أخلص عبادته لله تعالى، مستيقنا أنه لا إله إلا هو بيده كل شيء، وإليه كل شيء، وعنده كل شيء، لا يملك أحدا معه سبحانه ضرا ولا نفعا لنفسه أو لغيره. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً﴾ ٢. فأساس الدعوة الإسلامية هو الإيمان بالله واحدا لا شريك له، ثم ما يقوم في ظل هذا الإيمان من شريعة شرعها الله لعباده في تعبدهم لله، وفي بناء مجتمعهم المؤمن بالله، وينبغي على كل مسلم بعد أن يثبت أركان الإسلام في نفسه أن يدعو الناس جميعا من مسلمين وغير مسلمين إلى الإيمان بالله. واخلاص العبادة له وحده حتى يحييهم الله حياة طيبة ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. لهذا يجب أن تكون أمة الإسلام داعية إلى هذا الدين الذي أكرمها الله به، فينبغي على العلماء أن يبين للناس أمور دينهم، ويقوموا فيه آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فمن

стр. 221

آتاه الله علما يجب أن ينفقه فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، فكما دعا الله إلى طلب الرزق والإنفاق منه، دعا إلى طلب العلم والإنفاق منه، فقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ١. وقال : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢. والقرآن الكريم الذي أقام الرسول به أمة الإسلام، ورفعها به إلى درجة لم تبلغها ولن تبلغها أمة من الأمم، من عظمة النفوس، وسمو الأخلاق، وكمال الفضائل الإنسانية، هذا القرآن هو الذي بأيدينا اليوم، لم يتبدل منه حرف، ولم تتغير منه كلمة، ولكن الذي تغير وتبدل هم أصحاب القرآن والداعون به إلى الله. إن القرآن دواء وشفاء، يداوي يشفي بقدر ما تستجيب له النفوس، وتتقبله العقول، وتتفاعل وتنفعل به المدركات والمشاعر، فإذا لم يجد النفوس الطيبة المستجيبة والعقول السليمة المتقبلة والمدركات والمشاعر المتقبلة المنفعلة فإنه يظل بمعزل عنها أشبه بالنور لا تكتحل به الأبصار المحجبة دونه بحجاب كثيف، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ٣. ولهذا فإن أهم ما ينبغي أن يتصف به الداعي أن يكون على بصيرة ووعي بالطبيعة الإنسانية، وأن يتعرف إلى المسالك الطبيعية التي يسلك بها إلى النفوس حيث يجد لدعوته مكان القبول لها والإنتفاع بها، وذلك بأن يكون الداعي معايشاً للحياة مع الناس، وان يرصد الأحداث التي تعرض لهم، والتي تكون مسرحا لأفكارهم، ومدارا لحديثهم، عندئذ تبدأ مهمة الداعي بعرض هذه الأحداث، ومناقشتها على ضوء الشريعة الإسلامية وما تقدمه من حل لمثل هذه الأحداث العارضة، لأن في هذا ما يشد الناس إلى الدين، ويوثق صلتهم به، فيفزعون إليه كلما عرض لهم أمر بعد هذا، ليجدوا فيه كلمة الفصل فيما يهمهم ويشغل بالهم.

стр. 222

ويجب ألا يطيل الداعي على الناس في موقف وعظه وارشاده بل يأخذهم بالرفق واليسر لأن اليسر سمة الإسلام وطابعه، كما يجب على الداعي ألا يتنقل بين موضوعات كثيرة، وحسبة أن يمسك بموضوع واحد، يكشف حقيقته ويبين حدوده، فذلك أجدى على الناس من موضوعات كثيرة تشتت أفكارهم، وتضعف الأثر المنتظر لما سمعوا، فقد كان رسول الله ﷺ يتعهد أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ بالموعظة، ويتخير لعظاته الأوقات المناسبة ولا يقدم منها إلا تقتضيه داعية الحال منهم، شأن الطبيب الحكيم، يعطي الدواء في جرعات، ولا يعطيه مرة واحدة، ثم هو لا يعطي الدواء إلا حيث يرى الداء ويتعرف إليه. روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا. هذا ورسول الله ﷺ منطق الحكمة، والنظر إليه، والاستماع إلى كلماته مهفى كل قلب، ورغيبة كل نفس، فأين الدعاة في العصر الحديث من أنفس الناس وقلوبهم حتى يثقلوا عليهم، ويتنقلوا بين موضوعات كثيرة دون أن يصيب السامعين الملل والسآمة إذا أطال الدعاة عليهم في مواقف الوعظ والارشاد، وجعلوا أحاديثهم تشمل موضوعات شتى. ثم ينبغي على القائم بالدعوة في الناس أن يعلم أنه يخاطب عقولا متفاوتة في الفطنة مختلفة في المدارك، وهذا يقتضيه أن يسلك طريقا وسطا في عظاته حتى تظل العقول متجهة إليه، والقلوب مقبلة عليه، وهذا موقف يحتاج إلى بصيرة نافذة، وبيان مبين. وعلى الداعي أن يذكر دائما أنه في أكرم موقف يقفه إنسان في الحياة، وأنه في ميدان جهاد في سبيل الله، وهذا من شأنه أن يبعث فيه عزما قوياً صادقاً في الحرص على هداية الناس، وعلى تعهدهم كما يتعهد الأب أبناءه راغبا في ثواب الله، غير ناظر إلى ما قد يفوته من عرض الدنيا، وبذلك يبارك الله دعوته وينفع بها.

стр. 223

الدعوة الإسلامية في العصر الحالي: والدعوة الإسلامية في العصر الحالي تحتاج إلى مزيد من اليقظة، وتكاتف للجهود واستفادة من جميع الوسائل المبلغة لدعوة الحق، فقد كثرت في هذا العصر القوى المعادية للإسلام، لكثرة التيارات الفكرية بسبب تقدم

стр. 224

العلم ومكتشفاته التي غيرت وجه الحياة تغييرا ماديا ونفسيا فقامت مذاهب مادية أثرت في كثير من الناس، فتخففوا من جانب الروح، وأعطوا وجودهم للجسد، واستهلكوا أنفسهم في سبيل إرضاء مطالبه، فكان من نتيجة هذا أن خف ميزان الدين عند كثير من الناس، بل وأخلى الدين مكانه نهائياً من شعوب بأسرها، كما حدث في الشعوب التي خضعت للنظام الشيوعي، أما الشعوب الرأسملي فأصبحت تجري لاهثة وراء جمع المال بكل وسيلة وإرضاء مطالب الجسد. وتولدت عن تلك المذاهب الفاسدة من شيوعية واشتراكية ورأسمالية نزعات فاسدة وفلسفات مريضة كالمادية والوجودية، وتسللت من مهاب تلك المذاهب ريح خبيثة إلى الأقطار الإسلامية أصابت مرضى العقول والقلوب من أبناء المسلمين بعدواها، فظهرت أعراضها على أعداد غير قليلة منهم، وخاصة أولئك الذين سافروا إلى أوربا وأمريكا ورأوا أن الدين لم يعد له سلطان هناك، وهو السلطان الذي يلازم الإنسان في سره وجهره في وحدته ومع الجماعة والذي لا يستريح إلى ظله إلا المؤمنون الذين تمتلئ قلوبهم بجلال الله، وخشيته والطمع في رحمته، والخوف من عذابه. وقد ساعد على انتشار هذه المذاهب الضالة ورواج سوقها في العالم أنها دعوة إلى ما في الإنسان من ضعف إزاء شهواته وأهوائه، وما تلوح به من مغريات تتملق هذه الشهوات وتلك الأهواء من زخارف المدنية وألوان الحضارة، كل ذلك تنقله وسائل الإعلام من صحف ومجلات وكتب وإذاعات ومسرحيات وأفلام تعرض على شاشات السينما والتلفزيون صوراً حية شاخصة أمام الأعين متحركة ناطقة، فما يجري في أوربا وأمريكا على مسرح الحياة من هزل أوجد ينقل إلى العالم كله حتى لكأن ما يعيش في الشرق يعيش بين أمم الغرب، وأكثر ما يعلق بأذهان الشباب ومن هم في حكمهم من الكبار إنما هو الجانب الهازل اللاهي من الحياة دون الجاد منها، فالمسلمون في مختلف أقطارهم يواجهون في العصر الحديث غزواً رهيباً من وسائل الإعلام مجملاً بالدعوات الضالة المضللة، الفاسدة المفسدة، فينبغي أن يأخذوا حذرهم ويواجهوها بإعلام إسلامي، يذكر الغافلين، ويرشد الضالين إلى طريق الحق المبين. والدعوة إلى دين الله ليست مقصورة على علماء الدين وحدهم وإن كان

стр. 225

عليهم العبء الأكبر منها، وإنما هي في الوقت نفسه أمر مطلوب من كل مسلم، وذلك بسيرته المحمودة في الناس، وبخلقه الكريم وبسلوكه الطيب الذي يراه غير المسلمين منه في أقواله وأفعاله فإن الدين بأهله، والناس إنما ينظرون إلى الدين فيما يرونه من آثاره في المتدينين به وهذا أمر يجب أن يكون في حساب كل مسلم، وأن يتنبه إلى أهميته كل من يوفقهم الله للدعوة إلى دين الله، وأن يحرص عليه أولوا الأمر الذين يريدون العزة لدينهم وللمؤمنين. إن الدعوة الإسلامية أمانة ينبغي أن يحملها كل مسلم فعلى المسلمين أن يحملوا أمانة الدعوة إلى دين الله بوعي كامل، وعزم صادق، متذكرين دائماً قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 226

ثانياً: خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية إن كل مسلم مخلص لدينه الذي يتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليه. يدرك خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية على الدعوة الإسلامية، لما تقوم به وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وكتب منشورة، ودور للسينما ومحطات إرسال تلفزيونية لما تقوم به كل هذه الوسائل في العصر الحديث بالصورة التي هي عليها من ترويج لألوان الفساد والإفساد، واستغلال لما في الإنسان من ضعف أمام شهواته وأهوائه، نتيجة لعدم تزود كثير من أبناء المسلمين في الأقطار الإسلامية المختلفة بثقافة إسلامية تمكنهم من معرفة حقائق دينهم وتمنعهم من الإنقياد لشهواتهم، وتعصمهم من الزلل. لقد أصبحت وسائل الإعلام في الأقطار الإسلامية تشن ـ الآن ـ حرباً شعواء على الإسلام، وحقائقه الناصعة، فهي تنشر الإنحراف والتحلل من الأخلاق القويمة على مرأى ومسمع من الناس غير مرتدعة بما يوجه إليها من نقد، ولا متعظة بما يوجه إليها من نصح. ويواصل أعداء الإسلام استغلال وسائل الإعلام ـ في العصر الحديث ـ في إفساد أبناء ألمسلمين بإبعادهم عن هدي دينهم، والحرص على تضليل من يتتلمذون منهم على أيديهم، بينما المسلمون متهاونون في الدفاع عن دينهم

стр. 227

وفي الدعوة إليه، متناسون أن هذا الأمر واجب يفرضه الدين عليهم، وأن الدين دعوة ولا بد لكل دعوة من دعاة يبلغونها، ويكشفون عن الحقائق التي ضمت عليها. إن وسائل الإعلام بصورتها الحالية في الأقطار الإسلامية تتعاون مع أعداء الإسلام في التشويش على الدعوة الإسلامية. فهي عدو خفي يحارب المسلمين بالكلمة والصورة والفكرة وهي أسلحة أشد خطورة من المدافع المنطلقة من الجيوش الزاحفة المعادية التي يعرف المسلمون منها وجه العدو الذي يغزوهم، فوسائل الإعلام المفسدة المضللة غزو رهيب محمل بعوامل الإفساد للمسلمين وتكمن خطورة هذا الغزو في أنه يدخل إلى عقول كثير من المسلمين ما يروجه أعداء الإسلام من مذاهب ضالة مضللة، وأفكار فاسدة مسمومة. إن وسائل الإعلام تنشر في الأقطار الإسلامية كثيراً من ألوان الفساد والإنحلال والإلحاد بما تنقله من صور الحياة في الأقطار الأوربية والأمريكية التي انتشر فيها الإلحاد ـ في العصر الإلحاد ـ نتيجة لاستخفاف الناس بالدين بعد أن كشف الناس عن متناقضات في المسيحية وفي اليهودية لا يقبلها عقل مستنير، ولا يستريح إليها ضمير حي، فأدى انتشار الإلحاد إلى رواج سوق الإنحلال والفساد، في حين أن الإسلام ليس فيه متناقضات، فمن نظر فيه بعقله، وجاء إليه بجميع وسائل العلم وجد أنه الحق الذي يلتقي مع العقل إلتقاء مؤاخياً، وهو يدعو المؤمنين به إلى العزة والجهاد، دفاعاً عن دينهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم الأمر الذي يشكل خطراً على أعداء الإسلام وخططهم ضد العالم الإسلامي، ويجعلهم يستغلون وسائل الإعلام في تصدير عوامل الإفساد للأقطار الإسلامية لصرف المسلمين عن دينهم، والتشويش على الدعوة الإسلامية. والشيء المؤسف حقاً أن المسلمين في سائر أقطارهم لا يتنبهون إلى خطورة وسائل الإعلام بصورتها الحالية تنبهاً يجعلهم يعملون على القضاء على خطر حقيقي قائم في بلادهم، كما أن الدعاة إلى دين الله لا ينبهون إلى خطورة وسائل الإعلام تنبيهاً كافياً، فلا تبذل محاولات جادة صادقة لتحويلها إلى أداوت بناء للمجتمع الإسلامي بدلاً من كونها في صورتها الحالية أدوات هدم وتدمير. لقد أصبح لزاماً على من يحملون أمانة الدعوة الإسلامية أن يبينوا خطر

стр. 228

وسائل الإعلام بصورتها الحالية على عقائد المسلمين وأخلاقهم، وأن يطالبوا بالوقوف في وجه هذا العدو الخطر ودفعه والقضاء عليه، أما تجاهل وجود مثل هذا الخطر فأمر أشد خطورة وأوخم عاقبة. ومن غير المعقول أن يتجاهل المسلمون وسائل الإعلام المختلفة الموجودة في العصر الحديث، وهم لا يستطيعون ـ أيضاً ـ أن ينكروا تأثيرها في الناس، كما لا يستطيعون أن يمنعوا الشباب من الإلمام بما تروجه هذه الوسائل المختلفة للإعلام فينبغي على دعاة المسلمين أن يفكروا في خير الطرق لجعل وسائل الإعلام الحديثة عوامل إصلاح لا وسائل إفساد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيجاد إعلام إسلامي هادف، يمنع شباب المسلمين من التأثر بما تحمله وسائل الإعلام الفاسدة من ألوان الإلحاد والإنحلال. لقد أصبح لزاماً على من يحملون أمانة الدعوة الإسلامية أن يبينوا خطر تجاهل وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية على أخلاق الشباب، وأن يطالبوا بإيجاد إعلام إسلامي يستفيدوا من وسائل الإعلام الحديثة في ترويج الدعوة الإسلامية، وإيصال صوت الإسلام ودعوة الحق إلى كل مكان في العالم، وبالله التوفيق ...

стр. 229

ثالثاً: ضرورة إيجاد إعلام إسلامي إن إيجاد إعلام إسلامي أصبح ضرورة لا غنى عنها في العصر الحالي، ولعل أنسب فرصة للمطالبة بإيجاد هذا الإعلام الإسلامي هي فرصة انعقاد المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بدعوة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لأن هذه المدينة المباركة مهبط الوحي الإلهي، ومشرق نور الله، ومنها انطلقت دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، والمطالبة فيها بإيجاد إعلام إسلامي يصل حاضرها بماضيها في نشر رسالة الإسلام الصافية، والدعوة إلى تحكيم شريعته، والدفاع عنه، ودحر أعدائه الذين يبذلون جهوداً متعددة، ويستعينون بوسائل الإعلام المختلفة في التشويش على الدعوة الإسلامية. إن صوت الإسلام لا بد أن يرتفع حتى تختفي أصوات الشرك والضلال، لأن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. إن صوت الإسلام ينبغي أن يعلو حتى تختنق أصوات الملحدين والضالين،

стр. 230

وتذهب صيحاتهم أدراج الرياح هذه الصيحات المنكرة التي يحاولون بها التشويش على الدعوة الإسلامية. فكيف نوجد إعلاما إسلاميا هادفا متخصصا يبلغ الدعوة الإسلامية إلى أنحاء العالم المختلفة؟.. إن إيجاد إعلام إسلامي ليس أمرا صعبا في العصر الحديث، بعد تقدم العلم بحيث أصبح أهل الشرق يستطيعون أن يلموا بما يحدث في الغرب في الوقت الذي يحدث فيه، أو بعد حدوث يقليل، وفي الوقت الذي ضاقت فيه المسافات بين شعوب الأرض بعد تقدم وسائل المواصلات وتطورها بحيث أصبح الانتقال من قطر إلى قطر بل من قارة إلى قارة يتم في وقت قصير يحسب بالساعات لا بالأيام أو بالشهور. لهذا يمكن إيجاد إعلام إسلامي في أي قطر من أقطار المسلمين كالمملكة العربية السودية عن طريق الإذاعة فتنشأ إذاعة قوية، ليصل صوتها إلى أنحاء العالم المختلفة، وليس هذا بالأمر العسر في هذا الزمان، بعد تقدم صناعة أجهزة الإذاعة والإرسال والاستقبال وتطورها، وهذا من الأمور الملموسة المسلم بها فلا تحتاج إلى دليل أو برهان. وتخصص محطة الإذاعة القوية هذه للإعلام الإسلامي وتذيع على موجات متعددة بلغات مختلفة تختار من بين اللغات التي يعرفها المسلمون كالعربية والفارسية والاردية والتركية واللغات التي يكثر تداولها بين الشعوب كالإنجليزية والفرنسيةأو أية لغة يرى المشرفون على الإعلام الإسلامي ضرورة لاستعمالها. ويمكن أن تعمل هذه الإذاعة ليلا ونهارا لأن اختلاف التوقيت بين الجهات المختلفة في الشرق والغرب قد يدعو إلى هذا حتى يمكن ايصال صوت الإسلام إلى الشعوب المختلفة في سائرأنحاء الأرض في الوقت المناسب وباللغات التي يفهمها الناس ليحسنوا الاستماع له وتفهمه، والاستجابة له، وتبين حقائق الإسلام الناصعة، والانتفاع بهدى الإسلام، لمعرفة طريق الرشاد. وغنى عن البيان أن هذا النوع من الإعلام الإسلامي يحتاج إلى كثير من المال والأجهزة العلمية والمادية اللازمة كما يحتاج إلى هيئة على درجة كبيرة من الكفاءة والتخصص لإدارته وتوجيهه والإشراف عليه، وهو يحتاج كذلك إلى مجموعات

стр. 231

متخصصة يفقه أفرادها أمور دينهم بدرجة كبيرة، ويكونون على درجة عالية من الفطنة والذكاء وتتقن كل مجموعة منها لغة من اللغات الرائجة بين المسلمين وغير المسلمين من شعوب الأرض كالعربية والفارسية والأوردية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، حتى يحقق العاملون في هذا الميدان الغاية المرجوة، ويصلوا إلى الهدف المنشود. إن العلم والفقه في الدين والذكاء والفطنة واتقان اللغات الأجنبية من شرقية وغربية وسائل لا غنى عنها في العصر الحديث في الإعلام الإسلامي حتى يرتفع صوت الإسلام وتصل الدعوة الإسلامية إلى الناس أجمعين فيهتدي بنورها الضالون الحائرون. وإيجاد الإعلام الإسلامي المتخصص عن طريق الإذاعة أمر ممكن بعون الله تعالى، إذا صح العزم، وهو أمر ضروري في العصر الحالي لمواجهة أعداء الإسلام الكثيرين وتبصير المسلمين بحقائق دينهم، وحمايتهم من الانحراف والانزلاق والانخداع بما يروجه أعداء الإسلام من دعايات مغرضة، وما يلفقونه من أباطيل، ويلقون بها في ساحة الشريعة الإسلامية الغراء، للتشويش على الدعوة الإسلامية وصرف المسلمين عن دينهم. وليس معنى إيجاد إعلام إسلامي متخصص إهمال وسائل الإعلام الأخرى إذ ينبغي على أولي الأمر في الأقطار الإسلامية المختلفة أن يضعوا حدا للعبث ومظاهر الفساد البادية في وسائل الإعلام بصورتها الحالية بأن يراقبوها ويمنعوها من اغراء المسلمين بالتيارات الضالة المضللة وإشاعة الفساد والانحلال بينهم، وبخاصة بين الشباب ويجب على أولي الأمر ـ أيضا ـ أن يوجهوا وسائل الإعلام الحالية ـ على اختلاف أنواعها وألوانها ـ الوجهة الصحيحة التي لا تتعارض مع روح الإسلام، ولا تتنكر لأصل من أصوله ولا تتعارض مع ركن من أركانه، فالالتزام بالحق أمر واجب، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله، ونشر رسالة الإسلام، والدفاع عنه، من الأمور الواجبة على المسلمين كافة وعلى أولياء الأمور فيهم بخاصة، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.

стр. 232

واجب الإعلام الإسلامي: إن واجب الإعلام الإسلامي ـ بعد إيجاده ـ أن يعمل في ميدانين في وقت واحد، أحدهما دفاعي والآخر تبليغي. أما الميدان الدفاعي فيرد فيه على حملات أعداء الإسلام ويبين ما في هذه الحملات من زيف وأباطيل تهدف إلى تشكيك

стр. 233

المسلمين في حقائق دينهم حتى ينصرفوا عنه، وحتى يتوقف الذين يبحثون عن الإسلام لاتخاذه دينا يملأ الفراغ الذي خلت نفوسهم منه عن البحث عنه ويستمرون في ضلالهم وحيرتهم. ويجب على العامين في ميدان الدفاع عن دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي أن يفضحوا أكاذيب أعداء الإسلام ومفترياتهم وما يلفقونه من أباطيل يروجونها بواسطة وسائل الإعلام المختلفة للتشويش على الدعوة الإسلامية، حتى يستطيع المدافعون عن الإسلام أن يردوا كيد أعدائه في نحورهم، ويردوهم على أعقابهم مدحورين خائبين. وأما الميدان التبليغي فيقوم العاملون فيه ـ عن طريق الإعلام الإسلامي ـ بالدعوة إلى دين الله في المواطن التي خلت من الدين، وفي المواطن التي خف ميزان الدين بين أهلها، لأن الناس في هذه المواطن في أنحاء العالم المختلفة يبحثون عن دين يجدون فيه الحق الذي يتقي مع الفطرة الكامنة في كل نفس، ويتمنون أن يجدوا دينا يجدون فيه الحق الذي يلتقي مع العقل المتشوق إلى الحق، الباحث عن الحقيقة. ويستطيع الداعون إلى دين الله عن طريق الإعلام الإسلامي ـ أن يبينوا حقائق الإسلام للناس بلغاتهم المختلفة في جميع ربوع العالم، لأن بيان هذه الحقائق كاف في الأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية والرشاد والسعادة في الدنيا والآخرة. ويجب أن يبين الداعون إلى دين الله للناس أن الإسلام دين يتفق مع الفطرة وأنه المثل الأعلى للإنسانية، وأنه حرر العقل وأطلقه ليعود على الإنسانية بكل خير، وأنه حرر الإنسانية من ظلم البشرية وتناقضاتها، ووحد القوى الإنسانية التي تقود العالمين إلى السعادة القصوى، وإن الإسلام هو النظام الإلهي الكامل الذي يسعد الإنسانية في جميع المجالات العقلية والنفسية، والخلقية والعاطفية، والروحية والمادية والفردية والاجتماعية. وينبغي أن يبين الداعون إلى دين الله أن الدين كله لله، وأن دين الله واحد هو الإسلام الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وأن الأنبياء كلهم إخوة، دينهم واحد وأن الواجب الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم جميعاً. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ

стр. 234

مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١. ويجب أن يبينوا للناس أن الله ختم بالإسلام جميع الديانات السماوية، وجعل نبي الإسلام ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ آخر لبنة في بيت النبوة العتيد، فتم بها بناؤه وكمل بها رواؤه، وأن العقيدة الإسلامية تقوم على الإيمان بالله إلها واحداً لا تنبغي الإلهية إلا له، وعلى الإيمان بأن له وحده الأسماء الحسنى والصفات العليا. وينبغي أن يبينوا للناس أن الإيمان باليوم الآخر وبالبعث والجزاء مما يقتضيه العقل، تحقيقاً لقاعدة العدل فلا يعقل أن تكون هذه الحياة القصيرة ـ التي يحياها الناس في الدنيا ـ هي الغاية من خلق هذا العالم الكبير، وأن تكون نهاية المؤمن والكافر سواء، ونهاية الظالم والمظلوم سواء، ونهاية البر والفاجر سواء. قال الله تعالى جلت حكمته: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣. فإذا علم كل إنسان أنه مسؤول عما يعمل ومحاسب على ما يقدم، ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٤. سلك في حياته المسلك الصحيح، وحاسب نفسه بنفسه، وابتعد عن المذاهب الضالة، وأخلص في أداء ما وجب عليه، وبهذا تستقيم الأمور في هذه الحياة وهكذا يحقق الإسلام السعادة الإنسانية، وينقذها من الضلال والفناء. إن الداعين إلى دين الله يستطيعون عن طريق الإعلام الإسلامي أن يبينوا للناس في مختلف أقطارهم وباللغات التي يفهمونها أن العقيدة الإسلامية ترتكز على أسس ثابتة من الفطرة الإنسانية العامة، والمنطق العقلي المستقيم والنصوص

стр. 235

الدينية الصريحة الواضحة، فتتفتح عقول الناس وقلوبهم لدين الله، وتنشرح صدورهم بالإسلام يجدون فيه الهداية والرشاد، وحينذاك تختنق أصوات أعداء الإسلام، وتحبط خططهم؛ لأن الإنسان بفطرته يتجه إلى الحق ويتبعه إذا أدرك أنه الحق. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وبالله التوفيق وهو ـ جل وعلا ـ نصير للمؤمنين.

стр. 236

((خاتمة)) أرجو أن يكون الله تعالى قد وفقني في توضيح فكرة ضرورة إيجاد إعلام إسلامي متخصص عن طريق إذاعة ترفع صوت الإسلام وتبلغ الدعوة الإسلامية للناس في مختلف أنحاء العالم باللغات التي يعرفونها لبيان حقائق الإسلام والدفاع عنه ورد كيد أعدائه وكشف البدع والأباطيل، وفضح دعاوي المارقين الضالين، حتى يتضح الحق، ويكون الدين كله لله والله غالب على أمره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون كما قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . ونسأل الله التوفيق والرشاد، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 237

الأساليب التبشيرية في العصر الحديث للدكتور علي محمد جريشة تمهيد ... الأساليب التبشيرية في العصر الحديث أهدافها إتجهاتها وعلاقتها بالسياسة والتعاون القائم بينهما وأهدافه وأثر هذا التعاون على الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية للدكتور علي محمد جريشة عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (تمهيد) ١ـ التبشير الحديث.. صورة العصر للغزو الفكري.. الذي صار بديلا عن الغزو العسكري، بعد أن فشل الأخير في تحقيق أهدافه خلال الحروب الصليبية. ٢ـ بيد أن الغزو الفكري أخطر من الغزو العسكري..! ـ فلئن كان الأخير يحتل منا الأرض والتراب.. فإن الأول يحتل منا العقل والقلب والروح. وهي لعمري أعز على الله من الأرض والتراب.! ـ كذلك فإن الأخير ينتبه له الغافلون والنوم ويستيقظون، أما الأول فيتدسس ويتدلس فما يحسه النوم والغافلون.. حتى يحتل منهم أعز ما خلق فيهم الله وأكرم! ـ وأخيرا فإن المتعاونين مع الغزو العسكري.. يوصمون بالغدر والخيانة ويلفظهم بنو أوطانهم أما المتعاونون مع الغزو الفكري.. بل الفاعلون الأصليون فيه ـ فإنهم يوصفون بأوصاف أقلها.. الوطنية، والتقدمية والاصلاح وقد يرتفعون في أوطانهم إلى مقام الزعامة.. الفكرية.. أو السياسة وحقيقتهم.. أنهم.. أشد خيانة من الأولين! ٣ـ والتبشير الحديث.. يرتبط بالعمل السياسي إرتباطا لا يقبل التجزئة فالأخير هو الذي يخطط له، ثم هو الذي يتولى الإشراف على تنفيذه، ويحميه بالقوة السياسية والقوة العسكرية إن لزم الأمر.. ثم هو في النهاية الذي يجني ثماره، ويستثمر قطافه.. بما يحقق الغاية المرجوة والهدف المنشود!

стр. 238

٤ـ وأخيرا.. فلم يعد التبشير الحديث قاصرا على ما يصدره الغرب.. لقد أتقن الشرق كذلك الصناعة وصدر كذلك البضاعة.. واختلف مع الغرب أو اتفق. لكنه شاركه الوسيلة والهدف.. وإن غايره في شيء من التخطيط! ٥ـ وهذا البحث جديد بإذن الله.. فيما يحاول أن يكشف من وسائل التبشير الحديثة، وما يكشف عن الغاية منها والباعث من ورائها.. ليعرف المسلمون كيف يحاربون، ومن أين يحاربون.. وليعرفوا بعد ذلك.. إلى أين المفر.. وكيف يكون المستقر..! ليعرف المسلمون.. موقفهم دعوة، وأمة، ودولة..مما يراد لهم، ومما يراد بهم ليحددوا لأنفسهم.. الطريق.. والهدف والوسيلة والغاية والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون! وفي فصل أول نتحدث بمشيئة الله عن: التبشير في الغرب.. وسائله، وأهدافه، وتعاونه مع السياسة. وفي فصل ثان نتحدث بمشيئة الله عن: التبشير في الشرق.. وسائله، وأهدافه، وتعاونه مع السياسة. وفي فصل ثالث نتحدث عن: موقف الإسلام.. دعوة وأمة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

стр. 239

الفصل الأول: التبشير الحديث.. من الغرب مقدمة: ٦ـ لم يعد سرا.. أن التبشير بدأ حيث انتهت الحروب الصليبية ١ بديلا عنها.. فلقد أنفق الغرب من دمه وماله الكثير.. فما أورثه ذلك إلا صحوة المسلمين. من هنا أدرك أن الضربة لا ينبغي أن توجه إلى الجسد.. بل ينبغي أن توجه إلى القلب.. إلى عقيدة المسلمين.. علهم يرتدوا عن دينهم.. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..﴾ ٧ـ بيد أن التبشير بدأ في البداية.. اخراجا للمسلمين من دينهم، وادخالا لهم في دين آخر.. وقد فشلت تلك الوسيلة.. فقد كان عدد المرتدين من يعدون على الأصابع. من هنا كان تفكيرهم.. في أسلوب آخر.. اكتفوا فيه بالشطر الأول دون الشطر الثاني.. اكتفوا فيه باخراج المسلمين من دينهم.. دون ادخالهم في دين آخر.. وهو ما استجابوا فيه لنصيحة كبير من كبرائهم: ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها ليس في ادخال المسلمين في المسيحية فإن في هذا هداية لهم وتكريما١. وإنما مهمتكن أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها٢.

стр. 240

٨ـ وحين انتقلت مدارس التبشير إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. أخذ شيئا من العصرية تغطى ((اخراج المسلمين من دينهم)) وهو ما عالجه الكتاب الأمريكيون تحت عنوان ((التغيير الإجتماعي)) ١. وصاحبه ثقل الولايات المتحدة الأمريكية العصر.. فلم تلجأ للقوة العسكرية الأجنبية إلا في حالات الضرورة القصوى.. وجعلت بديلا عنها.. القوة العسكرية المحلية.. أو القوة العسكرية المحلية ولعبت في هذا المجال لعبة الأمم أو لعبة الشعوب.. متمثلة جلها في الانقلابات العسكرية ٢. وأصبح البحث في التبشير فيما كان يحدث في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر.. ضربا من التخلف لا ينبغي لباحث إسلامي أن يقع فه واقتضت المعاصرة أن تبحث فيما يجري الآن بيننا. تحت إسم التغيير الإجتماعي.. وتحت إسم التغيير السياسي.. لنكشف عن لعبة الجديدة.. لنكشف عن اللعب بمصائر الشعوب.. وبعقائد الشعوب!!!

стр. 241

المطلب الأول: أساليب التبشير الحديث (التغيير الإجتماعي) (أو التغريب) مقدمة: ٩ـ ((إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية)) ١ متى توارى القرآن، ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه)) ٢. ((يجب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها)) ٣. .... هكذا كان الأمر صريحاً في البداية. ثم توارى تحت الاصطلاحات الجديدة.. إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى.. في مصر والسودان والعراق وتركيا

стр. 242

وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعي)) ١. ((تشترك النخبات العسكرية عميقاً في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعي السريع. ((أما الان فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوربا أصلا فقد أصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا)) ٨. ((فبينما ترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين: فهم يطردون الغرب سياسياً، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافياً)) ٨. ١٠ـ إذن فالاستراتيجية الجديدة التي رسمت.. لهذه المنطقة هو تغريبها أو إحداث التغيير الاجتماعي فيها.. والتي تتغير معه القيم والمثل والتقاليد.. من قيم ومثل وتقاليد إسلامية.. إلى قيم ومثل وتقاليد غربية أي غير إسلامية.. وبذا يتم ((إبعاد)) المسملين عن دينهم وهو بديل عن ((إخراج)) المسلمين عن دينهم وبديل.. أكثر نجاحاً! ١١ـ واستراتجيتهم أو خطتهم في إبعاد المسلمين عن دينهم تقوم على ١ـ التدرج ـ وإن كانوا يتعجلون الأمر أحياناً.. فيطلبونه: سريعاً. ٢ـ مخاطبة العقل والقلب.. بوسائل الإقناع المختلفة.

стр. 243

٣ـ أن يقوم على ذلك رجال ((وطنيون)) أو كما قال المبشرون في مؤتمراتهم ((يجب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها. أما تكتيكهم لهذا أو وسيلتهم فهي: أولاً: العلمانية في التعليم والإعلام والقانون ثانياً: القومية: في الجانب السياسي ثالثاً: تحرير المرأة في الجانب الاجتماعي ونشير إلى هذه الوسائل بالتفصيل.. أولاً: العلمانية ١٢ـ ليست العلمانية اشتقاقا من العلم.. كما قد يوهم اللفظ.. لأنه لو كان كذلك لكانت العلمانية اشتقاقا من كلمة SCIENCE وهي التي تعني بالإنجليزية العلم لكنها بكل أسف اشتقاق من SECNIOR وهي في الإنجليزية مرادف لـ: UNRELIGEMS وهي تعني لا ديني.. ومن هنا ندرك.. خبث الترجمة.. إنها قصد إلى تظليل أبناء العربية ليظنوا العلمانية اشتقاقا من العلم! ومن هنا ندرك كثيرا من التصريحات حول انشاء دولة علمانية.. فإنها تعني دولة لا دينية.. أي لا دين لها من الناحية الرسمية! ١. ١٣ـ ولئن حققت العلمانية للغرب كسبا في ابعاد الكنيسة عن التدخل في شؤون الدولة بما وقعت فيه الكنيسة من حجر على العقول ومن قبلها حدر على القلوب فإنها في الشرق الإسلامي تحقق للغرب كسبا أكبر في ابعاد المسلمين عن

стр. 244

مصدر عزتهم ومجدهم ونهضتهم في ابعادهم عن الإسلام! والغرب كما سنشير عند حديثنا عن التغيير السياسي إن شاء الله ـ يهمه كثيرا أمر الإسلام.. بعد تجربته المريرة خلال الحروب الصليبية.. وقبلها حين طرق أبواب فيينا في وسط أوربا! وفي مؤتمر للدعوة والدعاة لا نحسبنا بحاجة إلى بيان كيف نشأ فصل الدين عن الدولة في أوربا، وكيف كان ذلك كسبا لها.. وكيف انتقل الداء إلى الشرق الإسلامي وكيف كان ذلك.. لصالح الغرب المسيحي.. لا الشرق الإسلامي ـ فنحسب أن ذلك من بدهيات علم الدعاة! وهذه العلمانية حرص عليها أعداء الإسلام في مجالات ثلاثة: التعليم.. الإعلام.. القانون.. ونشير إلى كل بكلمة ١ـ علمانية التعليم ١٤ـ كان التعليم أقدم الوسائل للتبشير، ولا يزال أهمها.. ومن هنا كان الحرص على علمنة التعليم.. أي ابعاده عن الدين.. وهو أمر سار في شعبتين: الشعبة الأولى: تضييق مجال التعليم الديني، وتميعه والشعبة الثانية: توسع مجال التعليم عير الديني وتعضده وأعقب ذلك... الاختلاط بين الجنسين في مرحل التعليم. ١٥ـ أما الشعبة الأولى فقد كان الحرص عليها شديدا.. لما كان سائدا في الشرق الإسلامي من انتشار التعليم الديني حتى أعداء الإسلام بخطورته على مخططاتهم فصرح بذلك كرومر المندوب السامي لإنجليزي ابان الاحتلال البريطاني لمصر: ((إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزا في طريق أي اصلاح تعليمي (!!) وكان الطلبة الذين يتخرجون من هذه الجامعة يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب الديني (!!) ولا

стр. 245

يصيبون إلا قدرا ضئيلا من مرونة التفكير والتقدير (!!) فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطورة جليلة الخطر ....)) كذلك فلقد كان أهم ما بحث المؤتمر التبشير المنعقد في القاهرة سنة ١٩٠٦ أمر التعليم في الأزهر فنعى أن باب التعليم فيه مفتوح للجميع، وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجاناً، ودعا في مواجهته إلى انشاء معهد مسيحي لتنصير الممالك الإسلامية ٢. وقد تم التضييق من التعليم الديني بأكثر من وسيلة أولا: بالتفرقة الظالمة بين المناصب والمرتبات بالنسبة لخريجي الأزهر وخريجي الجامعات وذلك حتى عهد قريب بالنسبة للمرتبات وحتى الآن بالنسبة للمناصب٣. ثانيا: بالسخرية المرة اللاذعة بالنسبة للمنتسبين للتعليم الديني في الرسوم وفي النكات وفي التمثيليات والمسرحيات والأفلام السينمائية.. والقصص المكتوبة وذلك بتصوير العالم الديني أو الطالب الديني تصويرا منفرا والازراء به والازدراء من شأنه وشكله! ثالثا: امتد التضيق إلى برامج الدين في المدارس العامة أو التعليم العام.. وذلك بالوسيلة السابقة وهي الازراء بمدرس الدين والازدراء من شأنه وشكله ثم باقلال أهمية حصة الدين وجعله من المواد التي لا يمتحن فيها الطالب أو يمتحن فيها ولا يرسب! ١٦ـ الشعبة الثانية بالنسبة للتعليم غير الديني فقد رسمت برمجه خارج الوطن الإسلامي ثم نفذت فيه وهو ما يصرح به أكثر من واحد:

стр. 246

يقول جب ((وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة لأبعد من ذلك بانماء التعليم العلماني (غير الديني) تحت الاشراف الإنجليزي في مصر والهند ١. ويقول الزعيم المبشر زويمر مخاطبا زملائه في مؤتمر التبشير المنعقد بالقدس الإسلامية ((لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية.. والفضل إليكم أيها الزملاء.. أنكم أعددتم نشأًً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام)) وفي مؤتمر أدنبرج التبشيري الذي عقد عام ١٩١٠ قالت اللجنة الثالثة التي كانت تبحث في الأعمال المدرسية التي يقوم بها المبشرون: ((اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوي التي أسسها الأوربيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية، يرجح على تاثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها.. (!!) ٢. ١٧ـ وساعد على انماء التعليم العلماني وعضد قواه.. تلك البعثات التي كانت ولا تزال ترسل إلى الدول المسيحية الأوربية.. التي تصنع هذه البرامج الكفيلة بزحزحة عقيدة الطالب المسلم وافساده ليعود إلى بلاده بغير دين.. ويحمل علم العلمانية الداعية إلى نبذ الدين! ٣. ونظرة من القديم إلى ما حدث لرفاعة رافع الطهطاوي بعد أن قضى في باريس

стр. 247

خمس سنوات.. ونظرة من الحديث إلى شبابنا الذين نبتعثهم إلى دول الكفر في سن المراهقة أو قريبا منها.. فيصيبهم الانحلال في أخلاقهم والتشويش في عقائدهم وأفكارهم، والتعالي والاستكبار في سلوكهم ومعاملاتهم وتقديس كل ما هو غربي، والاستهزاء بكل ما هو شرقي أو عربي.. ١. ومع البعثات.. كانت مدارس.. وكليات.. وجامعات.. تفتح في بلاد الإسلام لتنفيذ نفس ما تنفذه البعثات.. داخل الأوطان نفسها ٢ وشملت تلك المدارس والكليات والجامعات.. البنين والبنات. الخطو الثالثة: الاختلاط بين الجنسين ١٨ـ أدرك أعداء الإسلام ما يؤدي إليه اختلاط الجنسين في سن الشباب وما قبلها في سن المراهقة.. من انحلال الجنسين.. وانشغالهما بأمور العشق والجنس عن أمور العلم والجد والدراسة.. ورسموا لذلك في الشرق الإسلامي وزينوه. ورفعوا عنه اسم الفسق أو العشق أو الغرام٣.

стр. 248

٢ـ علمانية الإعلام عندما تكون الدولة دولة فكر Etat d’idee تزداد فيها أهمية الإعلام وإذا كانت الدولة الإسلامية هي الصورة المثلى لدولة الفكر والعقيدة.. فقد كان للإعلام فيها شأن كبير.. وكانت معجزة الإسلام ـ القرآن ـ هي قمة الإعلام الإسلامي ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِد..﴾ ١. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ..﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً..﴾ ٣. من هنا كان خلو الإعلام من الجانب الإسلامي.. أمر خطير في ذاته فإذا انصرف الإعلام عن الإسلام.. ليغرس في نفوس الناس قيماً غير إسلامية ومثلاً إلحادية أو إباحية أو لا أخلاقية.. فإن الأمر يغدو جد خطير. ١٩ـ والذين يتولون كبر هذا الأمر.. متخرجون من مدارس غير إسلامية يعرفها الناس ولم يعد سراً أن أكثر المؤسسات الصحفية ـ أقدم وسائل الإعلام ـ أسسها غير المسلمين اسماً وجوهراً.. أو المسلمون اسماً لا وضوعاً. والقائمون على أحدث وسائل الإعلام.. من سينما وتلفزيون وإذاعة هم أحد الصنفين السابقين.. والأمر لا يحتاج غير مراجعة القوائم! ٢٠ـ ولئن تفاوتت درجات الإفساد بين الوسائل المختلفة السابقة فإنها جميعاً تشترك في قدر من الإفساد.. إنها أولاً لا تنشر قيماً إسلامية.. مع أنها أغنى القيم وأسماها. وإنها ثانياً تنشر جميعاً قيماً غير إسلامية.. وتبلغ بها التفاهة منتهاها عندما تستطرد في تقديم ((نجم)) سينما أو ((نجم كرة)) .. وتضفي عليه من الأوصاف ما لا تضفيه على سيد الخلق محمد ﵊.. ثم إنها بعد ذلك تتفاوت في إشاعة الفاحشة، والإغراء

стр. 249

بالجريمة وفي تزيين الخيانة والانحلال للناس!.. فأشدها في ذلك ((السينما)) يليه ((التلفزيون)) و ((الإذاعة)) يليها القصص والصحافة. والأمثلة.. معروضة.. كل يوم.. وفي كل شارع.. وفي كل بيت بغير حاجة إلى سرد أو ضرب! ٢١ـ كذلك تشترك الأوطان الإسلامية جميعاً.. في وجود وسائل الفساد والإفساد هذه في بلادنا.. لكنها تتفاوت على درجات! يقول البعض.. لربما كان الفساد في بلاد لا تجاهر به أشد من بلاد تجاهر به ولقد يضربون على ذلك الأمثلة بانتشار الشذوذ الجنسي بين الرجال والنساء، وبشيوع الربا وشرب الخمر والزنا وراء جدران البيوت. ولقد تكون القضية في موضوعها صحيحة.. لكن النتيجة التي تبنى عليها غير صحيحة إنهم يريدون أن يقولوا أن الحدود لم تمنع تلك المنكرات من وراء الجدران وأن.. منعتها من الشوارع.. أي أنها تخفت ولم تختف! ونحن لا نقر ذلك الوضع.. ومن هنا نادينا وننادي.. شريعة حاكمة ليس بالحدود وحدها.. بل قبلها بالتربية الصحيحة، وبالعلاج الاجتماعي، وبضرب القدوة.. ثم بإقامة الحدود على الشريف قبل الضعيف.. فبهذا.. وبهذا كله ينتهي الفساد.. في الشوراع.. ووراء الجدارن!! لكننا مع ذلك لا نقر الجهر بالفاحشة.. فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة ولا نقر التعالن بالمعصية فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء.. وهو ما يساعد على سرعة الانتشار ويهون على المتردد في الجريمة اقترافها.. ولذا كان لا بد من الحدود ـ يا دعاة الإباحية ـ لا بد منها حتى يرتدع أمثالكم فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن! ١.

стр. 250

٣ـ علمانية القانون ٢٢ـ الإسلام.. مصحف وسيف.. والسيف ينبغي أن يكون في خدمة المصحف.. وبعبارة أخرى.. إنه إذا زعمنا حكم الإسلام.. فلا بد من قانون إسلامي يقوم عليه حكام مسلمون إن ذلك يولد الرغبة والرهبة والرغبة تولدها القدوة.. في الحكام المسلمين والرهبة تولدها السلطة.. التي تحكم بالإسلام..ولم يكن الإسلام عبادة مجردة.. ولا رهبنة تفرض على الناس.. إنه يقام بالشرائع والشعائر معا. وكما يكون إشراك بالله في الشعائر.. يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع!! ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ..﴾ ١. وإذا كان الجانب التشريعي يمثل مساحة في الإسلام أوسع مما تمثله فروع القانون المختلفة. فلقد اهتم أعداء الإسلام بزحزحة الإسلام عن هذا المجال.. ليكون الحكم بغير ما أنزل الله.. من الظالمين والفاسقين والكافرين! ٢٣ـ والأمثلة كذلك كثيرة.. من تركيا ومن مصر ٢. ولم يبق في المجال القانوني بلد لم يطرح الإسلام إلا المملكة العربية السعودية وأفغانستان.. بيد أن الأمانة تقتضي أن نقرر أنه ولئن كان إبعاد الإسلام عن مجال الحكم هو أول خطوة يخطوها أعداء الإسلام في كل بلد يسيطرون عليه.. فقد بدا لهم في
следующие страницы →