← Джавами‘

Джавами‘ · id 8903

المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

-

Полный текст (317 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من أين نبدأ: في مطالع البعثة النبوية كان على الداعي الأول ﷺ أن يؤمن بنفسه أولا نبيا مختارا من قبل الله، حتى إذا تضلع من اليقين بهذه الحقيقة جاءه الأمر الأعلى بدعوة الآخرين من عشيرته الأقربين، ومن ثم، وبعد أن أخذ الإيمان مستقره في صدور الصفوة من هؤلاء، استقبلت الدعوة مرحلتها العالمية فراحت تنتشر مع الشمس في كل اتجاه من دنيا الناس، تحملها نفوس صفت التربية الربانية مقوماتها من عوامل الضعف والهبوط، فكانت بنفسها صورة نموذجية للخير الذي تدعوا البشر إليه. تلك حقيقة يعرفها كل واع لتاريخ الدعوة الإسلامية، ولا مندوحة عن اعتبارها المنطلق الأول لكل تحرك في هذه السبيل: وعي الدعاة لما يريدون دعوة الناس إليه، ثم إيمان يسترخص كل شيء دونه وفي سبيله، ثم تميز بصفاته الواضحة عن كل ما عداه من الدعوات والمذاهب، فلا مساومة ولا مشاركة، ولا أنصاف حلول، وإنما هو تصميم قاطع على التحقق بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ..﴾ . وعلى هذا فلا مناص للعاملين فب نطاق الدعوة من تحديد نقطة البدء في منطلقهم، وهي تكوين أنفسهم، وتنظيم طاقاتهم على روح الدعوة التي آمنوا بها، حتى لا يلحظ الآخرون أي تناقض بين ما يقولون وما يفعلون. فإذا كان الداعي فردا من المثقفين كانت عدته الأولى بالحق الذي يريد اشاعته، وإذا كان الداعي دولة أو حاكما فالتبعة أكبر وأثقل، لأنها تقتضيه أن يكون الحارس الأمين لمبادئ دعوته، يستلهم أحكامها في كل صغيرة وكبيرة من عمله، فلا يحيد عنها في قضاء أو تدبير أو تنفيد.. ويكون في سلوكه الشخصي صورة حية من العدالة والنزاهة، اللتين يتميز بهما الحاكم المسلم، فيستحق أن يكون

стр. 177

القدوة الصالحة لمن تحت يده من المؤمنين بهذا الدين والجاهلين له على سواء. أجل.. تلك هي الحقيقة، التي لابد من التزامها لإنجاح العمل، الذي ينعقد هذا المؤتمر المبارك من أجله.. ولذلك كان لزاما على كل مفكر يؤمن بهذه الحقيقة أن يحاول جهده الإرتفاع إلى مستواها أولا، لئلا يندرج تحت قوله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ..﴾

стр. 178

الإسلام والجاهليات منذ انبثق فجر الإسلام بدأت معاركه مع الظلمات الجاهلية، فما تخمد نار احداها حتى تستعر أخرى وقد استطاعت أن تمد ألسنتها في الكثير من الأحايين إلى قلب حصونه، فتدمر وتشوه، وتزلزل أعصاب الكثيرين من ضعفاء الوعي، فتؤلف منهم عصائب وفرقا، ما زالت بهم حتى جعلت منهم أشد أعداء الإسلام نكاية له، وتصميما على استئصاله.. وفي عصرنا الراهن نماذج رهيبة من هذه المعارك، اختلفت أدواتها، وتباينت أساليبها، ولكنها تلتقي جميعها على الغاية الواحدة التي هي تدمير الإسلام. ومعلوم لكل ذي لب أن خصوم الإسلام في هذه المرحلة الرهيبة قد حققوا غير قليل من النجاح في صميم العالم الإسلامي، إذاستطاعوا بوسائلهم المدروسة البالغة الدقة أن يتسللوا إلى كل معقل منه، فيعملوا فيه هدما وافسادا. لقد أخذوا على المسلمين سبل الحياة جميعا، فأفقدوهم الثقة في أنفسهم ومقوماتهم أولا، ثم أقنعوا أولى السلطة منهم ـ إلا من رحم الله ـ ألاّ منفذ إلى أي تقدم إلا عن طريقهم وبتوجيههم.. وهكذا أصبح المسلمون في كل مكان، وبأيحاء هذا الإيهام، رمز الأمة التي قدر لها أن تكون نموذج التخلف في قافلة البشرية، بعد أن كانت رائدة الركب الحضاري، لاعمل لها إلا حراسة الخامات التي أنعم الله بها عليها لتقدمها إلى خصومها بأرخص الأثمان، كي يردوها إليها مصنعة بأضعاف أثمانها. وعلى دأب المستضعفين في الإعجاب بالمستضعفين أقبل المسلمون على تعقب آثار هؤلاء دون تفريق بين الضار والنافع، والصحيح والفاسد، بل لقد أسرفوا في الجانب الادني من شؤنهم، حتى أوشكوا أن يتميزوا به.. فطرز أبنيتهم صورة مكرورة لمنازلهم القائمة على النظام الوثني،

стр. 179

الذي لا يقيم وزنا لفضائل الإسلام، ومناهجهم الدراسية نسخ منسوخة من مقرراتهم التي لا تقبل التعامل مع حقائق الوحي، إلا ما بقي من آثار لا وزن لها في نتائج اإمتحانات وفي الغالب من ديار الإسلام: وقد اكتسحت بيوت المسلمين فنون الكفرة، فهي تغزوهم بالمنظور والمسموع من الملهيات المنافية لكل ما أمرالله به ورسوله ويألفونها شيئا فشيئا حتى تطرد من حياتهم كل ما يعارضها من الأخلاق الإسلامية كما تطرد العملة الزائفة الصحيحة، وكأنهم بذلك إنما يحققون باختيارهم ما حذرهم منه نبيهم المعصوم بقوله الخالد: "لتتبّعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم.. " ١

стр. 180

تصحيح الداخل أولا: هذا الواقع الرهيب هو الذي أطمع بالمسلمين أولئك الأفاكين من أدعياء العلم في الغرب، فراحوا يشنون حروبهم على الإسلام بإسم العلم، فيحرفون الكلم من بعد مواضعه، ويقلبون الحقائق، ليدفعوا تلاميذهم من أبناء المسلمين إلى التنكر لدينهم. ثم أولئك الأفاقين الآخرين من دعاة النصرانية، الذين يئسوا من استبقاء دينهم في الأجيال الغربية، التي كفرت بقداسة الكنيسة فألقوا بثقلهم على الشرق الإسلامي، يستغلون الفراغ الذي تعانيه الكثرة من قلوب أبنائه، ليسلخوهم من بقايا هويتهم، الإسلامية، وليجعلوا منهم عصائب جديدة من الحاقدين على الإسلام، المحاربين له كأسلافهم الأولين من المرتدين. ومن هنا كان تصورنا لهذا الواقع في داخل كياننا حقيقيا بأن يدفعنا دفعا إلى البدء بتصحيحه، قبل أي تحرك إلى الخارج. لا جرم أن من واجب المؤتمر مواجهة كل محاولة تستهدف النيل من الإسلام في كل لغة وكل مكان وذلك هو الطابع الرئيسي الذي يتجلى في كل اجتماع يعقد لخدمة الدعوة، وفي كل بحث يكتبه غيور على حرمتها.. لكن.. أليس من حق الإسلام كذلك أن نوجه بعض هذا الجهد إلى ذلك الواقع الذاتي الذي سيمدنا بكل أسباب الفلاح أو الإخفاق في جهادنا من أجل الدعوة! من أبسط البديهيات أن الجيش المحارب

стр. 181

لا يصلح للعراك إلا بعد التدريب والتنظيم واستيفاء كل الوسائل التي يتطلبها القتال.. فلنبدأ إذن بتنظيم كياننا الأساسي أولا. إن معظم العاملين في نطاق الدعوة يركزون جودهم على جدال الآخرين لإقناعهم بحقائقها.. على حين يغفلون أقرب الناس إليهم فلا يكادون يعرضون هذه الحقائق عليهم.. في إحدى المدن الإسلامية قدم أربعة من الشباب (المتعلمين) إلى القضاء لمحاكمتهم على السكر وإعلان الإفطار في رمضان، أيام كان لرمضان حرمته في ذلك البلد، وشد ما أدهش الناس أن يعلموا أن كل من الأربعة إبن لعالم مشهور في تلك المدينة. وما أكثر النسوة اللاتي يتجردن من كل أثر للحشمة الإسلامية بمشهد من آبائهن أو أزواجهن، الذين يكثرون من الكتابة والخطابة في شئون الإسلام! أفليس مثل هؤلاء الغافلين أحرياء بأن يتذكروا قول الشاعر الحكيم: يأيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم! فيعلموا يقينا أن أول مسؤلياتهم هي تركيز معاني الإسلام في قلوب أوليائهم، حتى كلمتهم ذات وزن في نفوس الآخرين..

стр. 182

هذه التناقضات: هذا من ناحية الأفراد المتطوعين للدعوة، أو الموظفين لها.. فإذا نقلنا النظر إلى الصعيد الرسمي ألفينا التناقض أكبر، والمردود أهول وأثقل. إن غير قليل من حكومات العالم الإسلامي تتنكر للإسلام عملا، وإن شاركت في الإجتماعات المنسوبة إليه كلاما.. إنها بحكم سلطانها على الدولة تهمين على كل مرافق التعليم، وبدلا من أن تقيم مناهجها جميعا على أساس الحقائق الإسلامية، وتحمي الإسلام من كل دعاية مضادة لحقائقه، سواء جاءت من المدرسين المنحرفين، أو من الأعداء التقليدين، نجد واقع الأمر فيها على خلاف ذلك، فالمناهج دخيلة محشوة بما يتنكر لعالم الوحي، والعلوم الإسلامية الحقة إما مطرودة من تلك المناهج نهائيا، وإما معزولة عن التأثير التربوي، بحيث لا يسمح لها بمواجهة أي افتراء يوجه إليها من كتاب مقرر، أو مدرس مضلل، ثم يتم اقصاؤها عن مجال التأثير كليا بإلغائها من مسوغات القبول في الدراسات الجامعية.. ولعل كثيرين حتى من ذوي العلم يجهلون أن بعض الحكومات (التقدمية) قد أغفلت ذكر العلوم

стр. 183

الشرعية من كل خطط التنمية التي تمدها للمستقبل القريب.. ولا معنى لذلك إلا التصميم على الغائها نهائيا. فإذا التفتنا إلى ميدان الإعلام، وجدنا الأبواب مفتحة لكل الأفكار المحاربة للإسلام، ولكل الفنون المدمرة لآدابه وفضائله. وربما عثرنا في بعض الزوايا القصية على بعض الكلمات التي تحاول أن تعرض، في استحياء، بعض معاني الإسلام، ولكن ما يحيط بها من نقائض كافية لأن تجعل منها شيأ غير معقول ولا مقبول.. حتى كتاب الله الذي غير تاريخ البشرية، وعلمها ما لم تكن تعلم من حقوق الإنسان ورسالته العليا، فلما يقدم للناظر أو السامع إلا مصحوبا لسبيل من الأغاني أو المزامير، التي لا داعي لها، سوى اشعار السامع أو المشاهد أن هذا القرآن ليس أكثر من بعض هذه (الألوان) الترفيهية..

стр. 184

تراثنا المهدد: ولا عجب أن تنحدر معاملة المعاني الإسلامية لدى وسائل الإعلام الرسمية في بعض هذه الدول، إلى مثل ذلك الدرك المؤسف، ما دام بعض كبار المسؤلين فيها لا يتحرجون عن الطعن الصريح في عصمة القرآن، والغمز من رسالة محمد (صلوات الله وسلامه عليه) حتى ليتهمونه على رؤوس الأشهاد بالتقول على الله، والدعوة إلى عبادة ذاته، والإستعانة بالأساطير الوهمية للتأثير على الأتباع.. إلى آخرين لا يسترون سخريتهم بالإسلام، حين يعلنون إيمانهم بالماركسية والإسلام جميعا، ولا يكتفون بذلك لأنفسهم بل يفرضون هذا التزوير على شعوبهم المسلمة بقوة الحديد والنار، ثم لا يستنكفون أن يحرقوا منكري هذا الإفك المبين بالنار على ملأ من العالمين.. ومع ذلك لا يرون بأسا من أن يحضروا مؤتمرا الإسلام، وينيبون عنهم من يتحدث بإسمه في كل مناسبة خاصة به.. وقد أعطى هؤلاء أنفسهم حق الإفتاء في كل ما يريدونه من الإسلام، دون ما حاجة سوى أنهم يملكون القوة التي تمكنهم من اذلال شعوبهم، وزج أحرارها في غياهب السجون، والتفنن في ابتداع عجائب التعذيب، يصبونها على كل من يجرؤ على مواجهتهم بكلمة (لا) .. ولعل موقف هؤلاء من المرأة المسلمة يمثل قمة الإستهتار بقداسة الإسلام.. فالسائح في ديارهم أينما اتجه تطالعه اللافتات الصارخة بتحرير المرأة.. وقد أصبح هذا شعار كل حكومة تنعت

стр. 185

نفسها بالتقدمية في بلاد الإسلام. وبقليل من التحقيق يتضح لكل ذي بصيرة أن المراد بهذا التحرير ليس تمكين المرأة من طلب العلم الذي يناسبها ولا رفع المظالم التي ترهقها في بعض الأوساط التي أدارت ظهرها لشريعة الله، بل دفعتها إلى الخروج على كل القيم التي ميزت المسلمة عن سائر النساء، إذ أعطتها من الحقوق ما لم تحلم به امرأة في العالم كله حتى الساعة.. ولا شك أن رافعي شعار (تحرير المرأة) في عالم الإسلام يدركون جيدا أن إفساد المرأة المسلمة باستجرارها إلى التحلل من فضائل الإسلام، إنما هو أقصر طريق إلى تدمير الحصون الداخلية للمجتمع الإسلامي.. لأنه سيجهز على مقومات البيت الذي لم يبق سواه لتربية الأجيال المؤمنة.. ومن أجل ذلك يعبئون كل الطاقات التي يملكونها، لتفريغ المسلمة من كل تقديس لمواريثها الدينية، وفي مقدمة ذلك تشويه القيم الأصلية، وشحن نفسها بالتنفير من كل موحياتها، وأنجح مجال لذلك مؤسسات العلم التي أمكن تجريدها حتى اليوم كل الحصانات الذاتية، ثم مؤسسات الدولة التي ركزت على استخدام المرأة، فأصبحت من أهم العوامل المفتتة لبقايا الأخلاق.. وما أحسبني بمعذور إذا أنا أغفلت بجانب هذه الألغام الناسفة، موضوع الشباب الذي يبتعث لاستجلاب المعرفة من معاقل الكفر، فإذا هو ـ إلا من رحم الله ـ فريسة مكشوفة لكل خبيث النية عليم اللسان.. ثم لا يلبث إلا قليلا حتى يسلخ من الزاد اليسير الذي حمله عن دينه دون تعمق ولا تدبر.. فإذا عاد إلى بلده بعد من الدراسة كان أكبر همه تهديم ما يواجهه من تراث حُشِي صدره بالحقد عليه.. وإني لهذا المسكين، الذي سُيّب دون معين، أن يصمد لألوان المغريات التي أعدت لاصطياده منذ الخطوة الأولى.. إذ كان عليه، من أجل اتقان لغة القوم، أن يتخذ سكنه في أسرة لا يسمع ولا يرى فيها إلا ما يخالف مقومات دينه، ثم تأتي الرحلات والحفلات والشهوات.. فلا تبقى من ميراثه النفسي نقيرا ولا قطميرا.. فكيف إذا تذكرنا أن هذا الشباب هو الذي يتولى وسيتولى مقادة المجتمع وتكييفه على الوجه الذي لا يؤمن بغيره!..

стр. 186

من هنا فابدأوا: تلك صورة مصغرة من وقائع كبيرة لا يجهلها أحد مهتم بشؤن المسلمين، ويعنى بالدعوة إلى الإسلام.. ولابد أن كلا منا قد سأل نفسه بازائها أكثر من مرة: إذا كان هذا هو واقع المسلمين في بلاد الإسلام، فكيف يتاح لداع إلى هذا الدين أن يقنع به الآخرين؟.. إن أولى الحقائق التي يلتزم الداعي إلى الإسلام عرضها لغير المسلم، بعد كلمة التوحيد، هي اقناعه بأن الإسلام هو النظام الكامل الذي اصطفاه الله لعباده من أجل هدايتهم إلى التي هي أقوم في دنياهم وآخرتهم، ففيه أصول الحياة السعيدة لكل ما تتطلبه فطرة الإنسان من الحكم الرشيد، والآداب العاصمة، والقوانين الضابطة لمسيرة البشرية، أفراد وجماعات وحكومات في الطريق الذي لاعوج له. بلى.. ذلك ما يفعله كل داع أوتي العلم والحكمة.. ولكن ما محصول دعوته حين يسمع مدعويه يتحدونها بمثل قولهم: إذا كان هذا هو الإسلام حقا.. فما بال دول المسلمين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيقاطعون تشريعاته القويمة، ليأخذوا بقوانيننا المضطربة، وما بالهم يرفضون أنظمته الإجتماعية، في المرأة والتربية والتعليم، ليلهثوا في أثر مجتمعاتنا، التي فقدت الرؤية السليمة، فراحت تتخبط في المجاهل دون هاد ولا دليل!.. لقد استحكمت مرحلة الضياع في حياة المسلمين منذ رضى مسؤلوهم بالتخلي عن سياسة الإسلام في الأموال والدماء وأساليب الحكم، ولما ألفوا البعد عن مهيع الشريعة الآلهية تقدم بعضهم مرحلة أخرى فأعلنوا الثورة بكل الخصائص التي تميز المجتمعات الإسلامية وها هم أولاء يصرحون في كل مناسبة بأنهم يريدون تفكيك البنية الإجتماعية لشعوبهم وتحويلها إلى أوضاع مغايرة تماما.. أوضاع يستمدون مخططاتها طبقا من كل مكان وكل نظام إلا الإسلام.. هكذا يتحول هذا الإسلام في ظل هذه العقليات الغربية إلى شيء آخر يمكن اعطاؤه أي إسم إلا الإسلام. إن الغاء القوانين الشرعية في معظم العالم الإسلامي قد جرده من كل الحصانات التي تحقق له الأمن، إذ زجه في المتاهات نفسها التي يتخبط فيها العالم الجاهلي من حوله.. وانشاء الفتاة المسلمة على غير الإسلام قد عطل كل الآيات القرآنية والأحاديث

стр. 187

النبوية المحددة لسلوكها، والحافظة لسلامتها وكرامتها، وبهذا وذاك يستحيل كتاب الله بين المسلمين لونا من الصحف الأثرية، إذا قرئت، وقلما تقرأ، فللذكرى أو للتسلي وربما للتبرك على أفضل الإحتمالات.. تماما كما حدث للإنجيل من قبل، إذ أصبح معزولا عن حياة النصارى، حتى لا يكادون يعرفون عنه شيئا، كما يقول المستشرق المبشر بيير ضودج في كتابه (الإسلام بنظر الغرب) ـ ص٤٣ـ. وازاء مثل هذا الوضع لا يستغرب القول بأن كل الدلائل تؤكد أن الإسلام في مناطقه هذه مهدد بالزوال خلال سنين.. إذا لم تقيَّض له قوة ترد عليه اعتباره، وتمكن المسلمين أن يمارسوه في أحكامهم ومعاملاتهم واعلامهم وسلوكهم، في بحبوحة من الحرية لا يهددها عسف ولا ارهاب. وأمام هذا الواقع المنظور الملموس لا يعذر المفكر المسلم إذا لم يقل لدعاة الإسلام: من هنا، من مناطقكم المحسوبة على الإسلام فابدءوا بالدعوة إلى الإسلام.

стр. 188

لابد من حوار: وغأني بهؤلاء الإخوة المعنيين بشؤون الدعوة، وقد ذكرهم حديثي بما لم ينسوه، يتساءلون في أعماقهم: ذلك هو الحق.. ولكن ما السبيل إلى تحقيق واجبنا نحو الدعوة في هذه المناطق المغلقة بوجهها!.. وأقر سلفا بأني لست أقل منهم حيرة بازاء هذه المشكلة.. فأنا أعلم ما يعلمون من الأخطار الهائلة التي تنتظر كل مامر يجرؤ على اقتحام هذا الميدان.. إن هناك القاب الخيانة، واختلاف التهم، وتأليب الغوغاء، وحرب التجويع والحرمان، ثم ألوان التعذيب التي يعجز عن تصورها الشيطان والداعي مهما يبلغ من الإيمان لا يعدو أنه إنسان، يعتريه الخوف، كما اعترى نبي الله موسى أمام ثعابين السحرة، وكما اعترى عمارا تحت سياط الكفرة.. وهو يعلم أن كلمة الحق قد تسوقه إلى الشنق، أو تقوده إلى السجون التي لا مخرج منها، والتي دون أهوالها المنون. فكيف يؤدي هذا الداعي رسالته.. وكيف ينقل خطواته في هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض! مرة ثانية أقر بالحيرة. ومع ذلك فلابد من العمل إعذاراً إلى الله، ولو أن كل شيء هناك يدعو إلى اليأس، فالغيب بيد الله، وهو القائل: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

стр. 189

وقد دلنا على طريق الفرج بقوله سبحانه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً..﴾ . ومن يدري فقد يجعل الله من هذا المؤتمر ذلك الفرج الذي نترقب، إذا أخلص كل من العاملين نيته لله.. وذلك بأن يكون في رأس مقرراته استنهاض همم الحكام المؤمنين بالإسلام لإقامة حوار مع أصدقائهم حكام المناطق المغلقة، يستهدف اقناعهم بالتساهل مع دعاة هذا الدين فلا يمنعوهم دخول بلادهم، والإتصال بإخوانهم من أهل العلم، والتعاون معهم لتبصير الناس بحقائق الإسلام، وابراز فضائله، وتثبيت مقوماته في نفوسهم. على اعتبار أن في هذا الضرب من التبليغ تشديدا للروابط الأخوية بين شعوبهم، وفي ذلك قوة لهم ولأمتهم لاتقوم بها كل فلسفات الدنيا. وسيكون من بوادر التوفيق في هذا الحوار الإفراج عن أولئك الدعاة الذين تتابعت الأعوام على اعتقالهم دونما ذنب سوى أم يقولوا ربنا الله!.. هذه واحدة. ثم أخرى وهي أن يرضى حكام المناطق المغلقة بالدخول في حوار آخر مع رجال الدعوة أنفسهم، فيعرض كل من الفريقين وجهة نظره وما عنده من حجة لنصرتها.. فإذا كان هدف الحكام حقا مصلحة شعوبهم حسب اجتهادهم، لم يكن مستحيلا اقتناعهم بأفضلية الإسلام نظاما وقانونا وسياسة..

стр. 190

لا منقذ إلا الإسلام: إن عقدة النقص في أولئك الحكام عائدة إلى جهلهم المطبق بمعطيات هذا الدين، ولقد رأينا عددا من هؤلاء، الذين سجلوا الرقم القياسي في عدائهم له، لا يكادون فارقون كرسي السلطة، ويجدون الفرصة السانحة للإطلاع على بعض روائعه، حتى ثابوا إلى رشدهم، وأيقنوا الإخلاص وألا عزة ولا قوة إلا في الأخذ به كلا لا يتجزأ.. وفي اعتقادي أن أقصر الطرق إلى نصرة هذا الدين الحق في بلاد الإسلام هو الوصول إلى قلوب وعقول هؤلاء الحكام.. وكل نجاح يمكن تحقيقه معهم إنما هو ربح للإنسانية كلها، التي تتطلع في لهفة لاذعة إلى منفذ للخلاص من ضياعها الرهيب، ولا منفذ لها ولا منقذ إلا بالإسلام، الذي لايخدمه شيء مثل قيام مجتمع نموذجي يطبق أحكامه صحيحة كاملة كما أنزلها الله، في أي بقعة من هذا العالم.. لقد قرأ هؤلاء الكثيرين عن مفتريات الملحدين في تشويه الدين، ولم يكن لديهم من العلم ما يفرقون به بين الإسلام وغيره، فلم يلبثوا أن سحبوا تلك

стр. 191

المفتريات على الإسلام نفسه، ومن ثم أقاموا من أنفسهم مشرعين في أهم قضاياه، وهم الذين ـ ربما ـ لم يلموا بحرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا اجتهاد الأيمة، ومثل هؤلاء لا يبعد أن يتقبلوا تصحيح خطئهم لو أتيح لهم من يدلهم عليه..

стр. 192

وأخيرا: أن أهم ما ينبغي التوكيد عليه في هذا المؤتمر، وكل مؤتمر يعقد لبحث أمور الدعوة، في هذه الأيام يمكن تلخيصه في النقاط العشر التالية: ١ـ الإلمام الدقيق بواقع الفكر البشري وموقفه من التطلعات الروحية في مسيرته الراهنة. ٢ـ دراسة واقع الدعوة الإسلامية ودعاتها في بلاد الإسلام، وبخاصة في الأقطار العربية. ٣ـ إيمان الدعاة بدعوتهم أولا، ثم التزام طريقها في النفس والأهل وكل من يقع تحت مسؤليتهم. ٤ـ التركيز على دعوة الحاكمين في أقطار الدعاة للإستحواذ على تأييدهم، أو مهادنتهم على الأقل. ٥ـ تأمين حق الإسلام في شؤن الإعلام حتى يتاح لعلمائه أن يقدموا حقائقه. ٦ـ السعي لدى المؤمنين من حكام المسلمين للإقلال من الإبتعاث إلى مناطق الكفر ما أمكن. والغاء بعثة كل طالب يثبت إهماله التكاليف الإسلامية، تحت طائلة الحرمان من حق العمل في خدمة الدولة. ٧ـ العمل لإقناع هؤلاء المسؤلين بقصر مناصب الملحقين الثقافيين على رجال الدعوة من ذوي النشاط الإسلامي، المتضلعين بالثقافتين الإسلامية والعالمية. ٨ـ تولية هذه النخبة من الملحقين الدعاة أمر الإشراف على البعثات الطلابية، وتخويلهم كل الصلاحيات المساعدة على انجاح مهمتهم. ٩ـ العمل الجاد لتأمين اذاعة خاصة ـ ولو في نطاق محدود ـ لتبليغ الإسلام في كل دولة إسلامية تشارك في اجتماعات المسلمين. ١٠ـ اعتبار مكتب الدعوة في الجامعة الإسلامية، مكلفا متابعة هذه المقررات، واعداد تقرير دوري صريح عن مدى تطبيقها وأمكنة هذا التطبيق، على أن يذاع وينشر بكل وسائل الإعلام الممكنة. والله قصدنا وإليه المصير..

стр. 193

بين يدي العلاج للدكتور محمد الهراس بين يدي العلاج ... بين يدي العلاج للدكتور عبد السلام الهراس الأستاذ بجامعة محمد بن عبد الله (كلية الآداب) فاس ـ المغرب إن في عالم اليوم تيارات امتاز بعضها بأحكام الفكرة وشموليتها وقد أكسبتها الممارسة والتطبيق بريقا وأي بريق. وهكذا لم تعد أفكارها تتردد في مجال النظر والعقل بما تمخضت عنها دول وكتل متميزة بمعالم وملامح انعكست على حياتها واخلاقها وعلاقاتها فهي مدينة لهذه الإيدلوجية أو تلك ملتحمة بها التحاما شديدا لأنها منذ اعتنقاها لها واتخاذها منطلقا لنهضتها وأسلوبا لحياتها واطارا لتطورها حدث تغيير عظيم في حياتها الحضارية وهكذا ارتبطت النهضة بالفكرة وتلازم ذكر التقدم الروسي بالماركسية، والتقدم الغربي باللبرالية والرأسمالية. وقد كان للصراع الفكري أثر في عدة مجالات حتى في ميدان الرياضة كما تجلى ذلك في مونريال حيث كان التبارى والصراع على أشده بين الفريقين الممثلين للفكرتين للبرهنة على التفوق احدى الإيديولوجيات على الأخرى. ومعنى ذلك أن الفكرة، كأي انتاج يجب أن تتجاوز الدعوة إليها الإكتفاء بالبرهنة على صلاحيتها نظريا إلى تقديمها في صورة حضارية ملموسة يعيشها الإنسان ويسعد بها، لأن الفكرة الأكثر تأثيرا واغراءا أو اطراحا وتنفيرا هي التي يعكسها واقعها الملموس، بقطع النظر بأن يكون هذا الواقع انعكاسا حقيقيا لها أو انعكاسا لاختلال أخلاقي وعقائدي للذين يدعون أنهم أصحابها دون أن تكون هي في الحقيقة مسؤولة عنه، ففرق كبير بين فكرة تقدم وتعرض خلال أمة متماسكة، ودولة أو دول عظيمة ومصانع ضخمة وانجازات مذهلة في مجالات العلوم والإختراعات والتقدم الإجتماعي والحضاري، ومن خلال الحرص على كرامة الإنسان وأمنه وسلامته، وبين فكرة يدعى لها من خلال أمة أو أمم ممزقة ودول ضعيفة أو عجفاء متناحرة ومجتمعات متخلقة راكدة وانجازات جبارة ولكن في ميدان التفقير ومصادرة الكرامة الإنسانية بل البشرية وخنق الفكر السليم وتناقضات بين القول والعمل

стр. 194

وسيطرة جو من سوء الثقة بين الأفراد والجماعات والرعاة والرعية. فالمقياس المتداول أو المستعمل لاختيار صلاحية الفكرة أو عدم صلاحيتها هو مدى ما حققته لأصحابها من حضارة وما أنجزته في ظلها من نهضة أو تقدم أما المقاييس المثالية والتجريدية والمعتمدة على الإستدلال بالماضي والإشادة بعظمته والوعود بمستقبل غامض فأمور أثبتت أنها فاقدة لأهم عناصر التأثير والإلتفات. فالرواج الإيديلوجي هو لمن يملك رصيدا ملموسا يؤيد دعوته وهذا بالضبط ما ساعد أعداء الإسلام على اقتحام عقول شبابه ومجتمعاته. إذن فأول ما تواجه الدعوة الإسلامية هذه الأجهزة الجبارة التي تهاجمنا من كل صوب مدججة بالقوة والحجة والتنظيم مستعينة بوسائل كثيرة فعالة، تؤازرها دول عظمى وأخرى دونها متعاونة ببيادقها والتي تجاور الرقعة الإسلامية لضرب المسلمين والدعوة الإسلامية التي تتزعم دائما العمل التحرري التقدمي. ولأعداء الإسلام زيادة على أجهزتها الصريحة والعلنية منظمات وأندية ذات أهداف دينية أو اجتماعية أو انسانية ولكنها في الحقيقة ذات هدف واحد وهو تهديم القيم الإسلامية وتعويق العمل الإسلامي، فهي إذن نشاط مواز للنشاط الإيديولوجي خادمة لأهدافه، إنه النشاط المستتر والعلني المتخفي وراء عناوين يبدو بعضها بريئا ولكن البعض الآخر مكشوف الأهداف شرس الأطماع مثل البهائية التي أصبح لها دور خطير في بعض البلاد الإسلامية وتتمتع بحماية ودعم يمكنها من التسرب والإشراف والتحرك في أمان وحرية مع وضوح اتصالها بالصهيونية والأجهزة الإمبريالية ومن هذه الأنشطة الأندية الثقافية والتجارية والإجتماعية التي تعمل في كثير من بلاد الإسلام بقيادة جماعة ممن يرتبطون بهذه الأمة إسما ونسبا ولكن باشراف أجنبي مشبوه. ولهذه الأندية فروع ذات أهمية في بعض البلاد الإسلامية وتتمتع بتقدير خاص وبارز حتى أصبح الإنتساب إليها شرفا وقربى، وقد وقع في شراكها بعض ذوي النبات الحسنة الذين لا يعرفون ماذا تدبر هذه الأندية بإسمهم وإسم أمثالهم من شر لأمتهم على المدى البعيد. وفي الحقيقة أنها خطت خطوات هامة وقطعت مراحل ملموسة مما يجعل منها مراكز قوى توجه وتتدخل من بعيد أو قريب في شؤون البلاد الإسلامية. وهناك دعوات وجماعات من

стр. 195

انتاج محلي مهمتها نشر البدع وتعديم السنن وتتمتع بنفوذ قوي أوساط العوام وربما على مستويات أخرى، وهذه الدعوات تنازع العمل الإسلامي وتناوئه وقد استغلها أعداء الإسلام في بعض الفترات ولكن الذي يقع اليوم زيادة على ذلك أن أجهزة الإستشراق تعمل فيها لمحاربة الإسلام على احياء نوع خاص من الترات الصوفي لاستغلاله فب محاربة الإسلام والتشويش عليه. وهكذا تصبح هذه الدعوات والطرق من أشد المعوقات للدعوة الإسلامية الناصعة. وهناك حركات ومنظمات سياسية في بلاد المسلمين لا تعادي الإسلام ولكنها لا تتخذه اطارا وسلوكا ودعوة لها ومها من حاول أن ((يعصر)) الإسلام و ((يعصرنه!)) وجعله مبدأ جزئيا من مبادئ دعوته السياسية. وهنا الخطر إذا أصبح الإسلام صالحا لأن يكون تارة في اليمين وتارة في اليسار حسب الموضة السائدة فهو موضوع استغلال لا موضوع قيادة واتباع. وهناك من جعل الإسلام وسيلة للإحتلال على الضمائر والتمويه والتضليل لغايات مرحلية محددة. وهكذا تشكل هذه الإتجاهات معوقا للإسلام حتى عند أصحاب النيات الحسنة الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا بهذا التلفيق والترقيع! وهناك تعويق مزمن وهو الذي يتجلى في النزاع بين بعض الدعوات الإسلامية وبين سلطات بعض البلاد الإسلامية ولسنا هنا في موقف الادانة أو اللوم وإنما نحب أن نقول إن هذا النزاع لم يستفد منه إلا أعداء الإسلام. ولكن ثمة معوق خطير يجب الإعتراف به والتنبيه إلى خطورته وهو ذلك التطاحن والصراع السلبي بين بعض الجماعات الإسلامية. مما جعلها مشغولة بانشقاقاتها منصرفة عن رسالتها الأصلية ومهمتها التي من أجلها أسست، ومن المؤسف أن تكون بعض الجماعات مصرة على سلوك هذا السبيل لهدم جماعة أخرى باذلة في سبيل ذلك كثيرا من الجهود والوقت والمال غير ملتفتة لما تبدده من طاقات وما تفوته من فرص وما تبثه من شقاق وما تقدمه لأعداء الإسلام من خدمات جلى وما تضيعه على المسلمين من خير كثير، بل أكثر من هذا فقد وقعت اختلافات هدامة بين الجماعة الواحدة وكل طرف فيها كان متمسكا بحجج ومتذرعا بمبررات مستدلا بالقرآن والسنة والأصول الأخلاى وهكذا استخدم الإسلام لهدم الإسلام!! إن هذا الاختلاف لا يقل خطورة ولا صورة عن ذلك الاختلاف الذي وقع بين أبي عبد الله بن الحسن وعمه أبي

стр. 196

عبد الله الزغل لغرناطة بينما كانت هذه المدينة الإسلامية في حالة احتضار ومحاصرة حصارا شديدا من جيوش الملوك الكاثوليك فضاعت الأندلس وضاع الأمراء.. إن هذا الصراع ليس في الحقيقة إلا نوعا من الإنتحار وجريمة من أمهات الكبائر التي لا تغتفر. لقد مرت بالدعوة الإسلامية فترات من المحن القاسية ولكن أعني محنة عانتها هذه الدعوات هو الإنشقاق الداخلي الذي شل نشاطها وأخمد جذوتها وسلب عنها كثيرا من الفاعلية والنجاعة وما زالت مضاعفات هذه المحن الداخلية تلاحق الدعوات وتعرقل سيرها. إن ما بيناه من معوقات الدعوة الإسلامية والحيلولة دون انطلاقها، قبل كل شيء في الداخل أمور مسلمة وهناك معوقات أخرى رئيسية أو ثانوية يدركها كل من زاول الدعوة إلى الإسلام. فما العلاج؟ إنني أستبعد موقف التهرب والإنزواء واليأس، فالداعي إلى الله دائما متفائل حتى لو كان في أحلك الظروف وأشد الأحوال ولذلك لابد من البحث الحثيث والدراسة المستفيضة لوضع خطط واقتراح سبل وأساليب للتغلب على هذه المعوقات والعقبات وتحويل بعضها إلى عوامل دعم وقوة ومساعدة. ومما يزيد في تفاؤلنا هذه التباشير التي تنطوي على ارهاصات بأن المستقبل للإسلام، ومن هذه الارهاصات الخارجية والداخلية. (١) الإفلاس الحضاري الذي يتمثل في الجفاف الروحي والتعفن الخلقي والتمزق الأسري والإضطرابات الإقتصادية والفوضى الفكرية مما أوجد تيها وضياعا بالإضافة إلى اصرار الغرب والشرق معا على ظلم الشعوب واستغلالها والحيلولة دون انعتاقها من ربقة التبعة مما جرد هذه الحضارة بشقيها من أهلية القيادة، ورغم ما يبدو من محاولات جبارة للانقاذ فإن الأمور لا تعدو أن تكون صحوة المحتضر. (٢) أما في الداخل فهناك افلاس شامل ومذهل لما استوردوه من مذاهب وايديولوجيات وما ابتدعوه من ترهات القومية وغيرها فقد تعرت حقائقها وانكشفت أهدافها أمام الشعوب الإسلامية بسرعة كبيرة بما جرته عليها من ويلات وما حققته من خيبات

стр. 197

وما زرعته من سخط وتذمر وليس بينها وبين اقبارها النهائي سوى توفر بعض الظروف المواتية للإعلان عن الإستجابة السليمة لمطامح هذه الشعوب وارادتها. (٣) وقد صاحب هذا الإفلاس المذهبي الداخلي يقظة مفعمة بالوعي والتطلع والقصد الجميل في أوساط الشعوب الإسلاميةولا سيما على مستوى الشباب والأجيال الصاعدة التي عانت خلال عشرين سنة ما عانت من قهر وإذلال وكبت للحريات وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية باسم الحرية الديمقراطية والكفاية والعدل إلى آخر القائمة التهريجية المشؤومة التي لم تكن في الحقيقة إلا إرهاباً وتسلطاً وتثبيطاً للعزائم وتيئيساً من الحياة وتشتيتاً للجهود وتدميراً للمحاولات الطيبة لتقوية هذه الأمة وإرشادها لأحسن السبل وأقومها. كل ذلك كان خدمة للعدو الرابض في القدس وتمديداً لعمر العدوان والظلم وإغاثة للإمبريالية على إبقاء هيمنتها على مصائرنا وثرواتنا وعواطفنا وبالتالي على إبقاء الأمة الإسلامية منتكسة في المؤخرة بعيدة عن الاهتداء لشروط نهضتها وممارسة حياة حرة كريمة كما يأمرها بها دينها. إن الإفلاس الخارجي والإفلاس الإديولوجي الداخلي والوعي الإسلامي الغامر أمور مساعدة للدعوة الإسلامية ومهيئة لها لتنمو بسرعة وثبات وشمول، لذلك فعلى هذه الدعوة أن تتدارك ما فاتها وتسارع إلى تنظيم نفسها تنظيماً مدروساً حتى تتلاءم والأوضاع الجديدة في الداخل والخارج معاً. وأعود للسؤال السابق: فما العلاج؟ أو بعبارة أخرى: كيف نستطيع تجاوز هذه العراقيل والتغلب على المعوقات التي في طريق الدعوة؟ إنه من الصعب جداً أن يزعم الإنسان أنه قادر وحده على الجواب بسهولة وكفاية وصواب وبخاصة خلال كلمة مستعجلة أو مقالة مرتجلة لكن يمكن القول أن علاج الذات وصيانتها وتحصينها هي الشرط الأساسي لمواجهة الأخطار الخارجية، ويقتضي ذلك ترميم الجبهات الداخلية ولم شملها وإحكام أنظمتها وإنعاش مرافقها ومؤسساتها. إن في العالم الإسلامي الآن مؤسسات

стр. 198

وجماعات وأفراداً للدعوة الإسلامية سواء على المستوى الرسمي والمستوى الشعبي وهي في مجموعها ذات إمكانات وطاقات عظيمة تستطيع أن تقوم بأهم مما تقوم به الآن من أداور ومهمات وقد أثبتت كثير من هذه المؤسسات والجماعات قديمها وحديثها فاعليتها في الدعوة بما تركته وتتركه من آثار في المجالات التي تعمل فيها كما أن ثمة أفراداً وأعلاماً يعملون في حقل الدعوة وبث الفكرة الإسلامية بالكتاب والمحاضرة والمقالة والمناظرة وغير ذلك من الوسائل المتاحة، أثبتوا جدارة مما قدموا من نفع عميم في مجال الفكرة والكلمة الإسلامية. ولكي تكون أعمالها أكثر فاعلية وإحكاماً أرى أن يقام جهاز للتنسيق بين هذه المؤسسات والجماعات والمنظمات ذات الأحجام والمواقع المحترمة. وأقترح أن يبادر إلى الدعوة من أجل تنظيم ملتقيات للتوصل إلى أحسن ما يمكن التوصل إليه من صيغة ذات صبغة عملية تنفيذية للتنسيق والتعاون والتكامل. من السهل فيما أحسب أن يتم ذلك بين بعض المؤسسات وبخاصة تلك التي لها إمكانات مهمة، لذلك إذا كان الأمر ينتج بهذه البداية فلنفعل والبقية تأتي. المهم أن يضع المؤتمر الأسس الكفيلة بإرساء قاعدة سليمة لانطلاق هذا التنسيق والتكامل إذ بذلك نكون قد خطونا بالدعوة الإسلامية خطوة محترمة. أما الجماعات الإسلامية فإنها كما، نقرأ، تقوم بمجهودات ملحوظة من أجل اتحاد أو تنسيق لكن رغم ذلك فإن لخلاصنا لهذه الرسالة المقدسة تقتضينا أن نقول بصراحة أن الهدف لا يزال بعيدا إلا أن العزم الأكيد والمبادرة الجادة تؤتي أكلها دائما، لذلك فإن أول واجبتنا الدعوة إلى توحيد الصفوف على الصعيد المحلي بين الجماعات الإسلامية والجمعيات ذات الأهداف المشتركة وتدعيم كل جماعة إسلامية أثبت التاريخ أنها أخلصت لهذه الدعوة وضحت في سبيلها وسارت بها أشواطا كبيرة. وهناك جماعات ناشئة في بعض البلاد الإسلامية لاتزال في مرحلة التكوين والتخلق مجاهدة وحدها، في الميدان تواجه تحديات كثيرة ومتنوعة وليس لها على الحق أعوان كما أنها لا تملك سوى وسائل بسطة وأفراد قلائل لأنها تعتمد على نفسها وامكاناتها الضئيلة، فهي في مسيس الحاجة إلى تشجيع مادي ومعنوي وإلى مؤازرة تشد من أزرها وتنقذها من المصير الذي آلت إليه

стр. 199

أمثالها من الجمعيات ذات الأهداف الإسلامية النبيلة التي أجهضت حركتها وهي بعد في طور التكوين والنشوء. وبعض هذه الجمعيات الإسلامية الصغيرة تقوم بأعمال إذا قيست بما لديها من وسائل وامكانيات لعدت أعمالا كبيرة ولنا أمثلة كثيرة من هذا النوع في البلاد الإسلامية وفي أوربا. وتوجد عبر العالم الإسلامي كفاءات مهمة في مجال الدعوة الإسلامية ولكنها فردية ومشتتة لا تربط بينها رابطة ولا يقيدها التزام جماعة أو جمعية. من هذه الكفاءات من تعمل في الداخل والخارج استجابة لدعوة موجهة إليها من هنا أو من هناك، فإن لم تجد من يحركها ويستفيد من طاقاتها تجمد وتنزوي بما استغلها المستغلون ومنها من هو ساكن قلما ما يتحرك سيما في بعض الظروف الخاصة!! وهناك من تقيده عن العمل ضرورات الحياة المادية فلو وجدت سبيلا إلى التفرغ للدعوة لسارعت للعمل بحماس واخلاص ولأعطت انتاجا وأي انتاج. لذلك يجب أولا القيام بمحاولة لحصر تلك الكفاءات واحصائها ودراسة أحوالها دراسة دقيقة للعمل على استثمار طاقاتها واخراجها من العزلة الإنفرادية إلى العمل الجماعي أو على الأقل العمل المخطط المضبوط المتناسق مع العمل الجماعي القائم على دراسة وشورى. لأننا نواجه عدوا بل أعداء يعملون عملا جماعيا منظما كأعظم ما يكون العمل الجماعي المنظم. وأحب هنا أن أعطي مثالا واحدا عن مدى الربح الذي تجنيه الدعوة الإسلامية إن هي استطاعت أن تستفيد من عمل هؤلاء الدعاة الأفراد. لقد كان مالك بن نبي ﵀ كاتبا كبيرا في بلده وفي فرنسا ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا مناخا متجاوبا إلا في دائرة ضيقة وصغيرة وذلك لأسباب ليس هناك مجال لدراستها، وهكذا ظلت أفكاره مجمدة طيلة ثلاثين سنة وعندما جاء لاجئا للقاهرة سنة ١٩٥٦لم يلتفت إليه أحد وذات يوم وجد بعض الطلاب مقالة منشورة في مجلة روز اليوسف بقلم رئيس تحريرها تحت عنوان ((الإستعمار في نفوسنا)) يتحدث فيها صاحبها عن زيارة لكاتب جزائري له، لا يتقن العربية ويتكلم الفرنسية بطلاقة ولكنه يفكر بعمق ويتناول مشاكل أمته الإسلامية بعقلية جديدة وأسلوب علمي صارم. وأعطى الكاتب الصحفي صورة سليمة عن فكرته التي تتلخص في أن الإستعمار عرض لمرض داخلي وهو القابلية للإستعمار فللقضاء

стр. 200

على العرض لابد من علاج المرض والقضاء عليه وهو القابلية للإستعمار وباختفائها يتخفى الإستعمار منطلقا في فلسفته تلك من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . لقد قرأ هذا المقال كثير من القراء ولكن طالبا واحدا أو طالبين هما اللذان تنبها إلى قيمة الرجل ورأيا أن الشباب الإسلامي في أشد الحاجة إليه، وبذلا جهدهما للإتصال به، وأخيرا إتصل به أحدهما وتلك كانت البداية، وهناك اتصل ببعض الطلاب المسلمين المغاربة واللبنانيين واللبيين والسعوديين والجزائريين وغيرهم من طلاب العالم الإسلامي ونتيجة لهذا الاتصال والإعجاب بالرجل قام بعض الطلاب المغاربة واللبنانيين والمصريين بطبع أول كتاب له بمصر بعد أن ترجموه للعربية وهو)) شروط النهضة ((ومن ثم انطلق نشاط مالك بن نبي ﵀ فكان هذا العطاء المثمر وهذا الإنتاج العضيم الذي نفع الله به المسلمين في هذا الظرف من حياة دعوتهم. وقد كان مالك بن نبي يعيش منذ أن حلّ بالقاهرة في جو الطلبة ويتعامل معهم ويحاورهم ويفيدهم ويستفيد منهم وإن بعض طلابه هم الآن القائمون على جمع آثاره وترجمتها وطبعها ونشرها كما أوصى هو نفسه بذلك. هذا مثال لمدى ما يمكن أن تفيده الدعوة من الكفاءات الفردية لو أحسنا الاتصال بها وتوجهها واتاحة الفرصة لها للعمل. تلك نقطة أولية في سبيل العلاج. والنقطة الأخيرة: هو أن الدعوة الإسلامية يجب أن ترتكز قبل كل شيء على الوسائل العلمية في عملها. فالتحديات الخارجية والداخلية لهذا الدين كثيرة ومتنوعة تستعين علينا بالعلوم والخبرات والأدمغة المفكرة، ولها جامعات وأقسام ومؤسسات متخصصة في دراسة العالم الإسلامي دراسة دقيقة في ماضيه وحاضره وإن مراصدها الثقافية والعلمية تمتاز بالدقة والمرونة وطول النفس، وهو يستخدمون حتى طلابنا وبحاثنا الذين يدرسون عندهم في جامعاتهم لغاياتهم المحددة دون أن نشعر نحن بتلك الغايات ولقد تحولت كثير من الدراسات الجامعية بالغرب والشرق لخدمة الدولة في مختلف علاقاتها مع البلاد الإسلامية زيادة على أجهزة أخرى متخصصة. ونحن نستطيع أن تكون لنا أجهزة ومراصد ومؤسسات تعنى بدراسة هذه التحديات المقتحمة علينا ديارنا من الخارج والأخرى النابتة في أرضنا

стр. 201

وهي أخطر علينا من تلك، ولذلك يجب تكوين جهاز علمي يضم اختصاصين مقيمين ومراسلين وجوالين مهمته دراسة هذه التحديات ووضع ملفات دقيقة عنها وجمع الوثائق المتصلة بها ونشر ما يمكن نشره منها ويجب أن يكون هذا العمل في اطار علمي موضوعي بعيد عن الانفعالات والعواطف، فالمعركة طويلة ومريرة ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ . وبجانب هذا الجهاز ينبغي أن تكون ثمة مؤسسة (معهد أو مركز) أخرى موازية لها مهمتها دراسة تجارب الدعوات الإسلامية في القديم والحديث ونهتم بوجه خاص بالتجارب الحديثة. والدراسة كما في علمكم تعتمد على خطة منهجية موضوعية، يبدأ بتجميع مواد الدراسة من مصادرها ومظانها ثم تصنيف هذه المواد وترتيبها والتنسيق بين أجزائها لوضعها في إطارها الكلي المترابط ثم القيام بدراستها وتحليلها واستخلاص خصائصها ومميزاتها إلى غير ذلك مما يضفي على الدراسة سمة)) العلمية ((بالإضافة إلى ذلك يقوم هذا الجهاز بطبع فهارس للكتب والمقالات والنشرات التي تتصل بالدعوة الإسلامية وتقوم برصد كل ما ينشر أو يطبع في هذا المجال لتزويد مراكزومؤسسات الدعوة بكل جديد. ويمكن نشر ما تراه مفيداً من تلك الكتب أو النشرات وترجمته إلى لغات العالم الإسلامي وينبغي أن يكون لهذا الجهاز مجلة دورية تنشر منها الجديد في الدعوة الإسلامية. والحق أن ثمة محاولات طيبة في مجال الإعلام الإسلامي وفي مجالات ثقافية وصحفية ولكنها محدودة وضعيفة الإمكانيات والوسائل ومتعثرة. وهناك قضايا أخرى على مستوى الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج لا أحب إثارتها هنا ذلك أن الأجهزة التي يجب أن تنبثق عن هذا المؤتمر المبارك هي التي تستطيع أن تقوم بدراسة قضايا الدعوة دراسة مستفيضة معتمدة على الوثائق والمشاهدة والاتصال والاستقصاء والتتبع لذلك يسهل وصف العلاج للتغلب على تلك المعوقات ومثيلاتها من أجل إنطلاقة سليمة وشاملة وثابتة، إذ متى كانت السبيل واضحة كان السير على بصيرة وهدى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

стр. 202

رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية للشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري مدخل ... رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية لفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري مدير الشؤون الدينية بدولة قطر ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . أيها الإخوة: أحييكم بتحية الإسلام، مباركة طيبة من عند الله فسلام ورحمة من الله وبركات. لقد كانت عملية اختيار الموضوع من أشق الأمور على نفسي، فإن الموضوعات كلها إنما هي مشاكل الساعة ـ كما يقولون ـ بالنسبة للمجتمعات الإسلامية ومن الصعب على من ينفعل لدينه ويخدم أمته وعقيدته أن يتخير في هذه الأمور، فجميع الموضوعات هامة وكلها ينبغي أن تكون موضوعات بحث للإخوة المشاركين في هذا المؤتمر. أمام هذه الحيرة استخرت الله في هذا الموضوع (عن الإعلام) رغم أنني لست من فرسان هذا الميدان، إلا أنني قد وجدت صدري منشرحاً له ونفسي مقبلة وراضية عنه فتوكلت على الله واعتمدت على توفيقه.. الإعلام هو نشر الكلمة أو الخير أو الرأي أو الفكر أو الصورة على عامة الناس بإحدى الوسائل الآتية:- أـ الكتابة سواء كانت في كتاب أو في صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو نشرة عامة. ب ـ الإذاعة المرئية (التلفزة) . جـ ـ الإذاعة المسموعة (الراديو) . ومن هنا تبدو أهمية الإعلام في السيطرة على جمهور الناس وتوجيه مشاعرهم الوجهة التي يراها الموجه إن كانت خيراً فخير، وإن كانت غير ذلك فهي لما وجهت إليه. وقد كان الشعراء والخطباء في الزمن السالف هم جهاز الإعلام القوي على ألسنتهم تدور رحى المعارك قبل أن تدور السيوف على الرقاب وبهم يرتفع شأن القبيلة ويعلو ذكرها إلى

стр. 203

السماكين وبهم أيضاً تنحط أسهم قبائل، هاتها في السماء. وقصة بني أنف الناقة معروفة، عندما احتقرتهم قبائل العرب وسبب تسميتهم بهذا الاسم، فإن أباهم كان لديه عدد من النسوة، لكل منهن أولاد منه، فعقر مرة ناقة وقسمها على كل أولاده ولم يبق سوى واحد حضر متأخراً ولم يكن لدى الأب سوى الرأس فأعطاها له فربطها الولد بحبل من أنفها، وجرها إلى بيت أمه، فسماه من رآه من الناس أنف الناقة فصارت هذه التسمية كنية له ثم لأولاده من بعده، إذ دعوا ببني أنف الناقة. وكثيراً ما تجر الأسماء على أصحابها العار بين قبائل العرب كما تعلمون، إلى أن جاءت وسيلة من وسائل الإعلام هي لسان شاعرنا، به قال بيتين في بني أنف الناقة فمحا عنهم العار والشنار وعلا ذكرهم بين الناس إذ قال: سيري أمامي فإن الأكثرين حصى ... والأكرمون إذا ما أنسبوه أبا قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ وكان أهم ما يدور على ألسنة الشعراء والخطباء التغني بأمجاد القبائل وذكر مآثرها في الحروب، وفي صفات الشرف الرفيع، كالكرم والنجدة والشهامة والمروءة والإيثار. وحينما تذم قبيلة فبما هو ضد لهذه الصفات النبيلة الخيرة، من جبن وخداع وخسة إلى غير ذلك من الصفات الرذيلة. واستمر الأمر كذلك حتى شيوع الكتابة فأضيفت إلى ألسنة الشعراء والخطباء أقلام الكتاب وبدأ الناس يستعينون بالكتابة في نقل أفكارهم إلى جمهور الناس للتأثير فيهم وتوجيههم الوجهة التي يرونها.. ثم تأتي بعد ذلك الصحافة لتلعب دورها الفعال وتعمل عملها في عقول الناس خصوصاً وقد أخذت السياسة نصيبها في معركة الإعلام. والصحافة هي لسان حال السياسة ـ كما يقولون ـ تروج لمبادئها وتدعو لها. وتمر الأيام وتأتي في بداية هذا القرن الأعاجيب باختراع التصوير أولاً، ثم الراديو ثانياً ثم في منتصف هذا القرن تقريباً يتم اختراع التلفزيون (التلفرة) كما يسمونه، فتتم بذلك فصول قصة الإعلام حتى عصرنا هذا، والله أعلم بما سيأتي بعد ذلك من أعاجيب. والإعلام في جميع بلاد الدنيا ـ ما عدى غالبية البلاد الإسلامية ـ يسير وفق خط مرسوم ومنهج واضح بين، يخدم عقيدة من يسيره.

стр. 204

فنجده في روسيا مثلاً يحبو على المبادئ الشيوعية ويدعو لها ويذب عنها ويبين محاسنها، ويذكر عورات أعدائها ويجعلها ـ من وجهة نظر الشيوعية ـ أسمى ما تصبوا إليه قلوب الكادحين. وفي الغرب أيضاً نجد الديمقراطية أو الرأسمالية ـ في معركة الإعلام ـ هي الظل الوارف الذي ينبغي أن يتفيأ تحته كل من يصبو إلى الحياة السعيدة في دنياه. أجل نجد الإعلام في جميع بلاد الأرض ـ عدا معظم البلاد الإسلامية ـ يخدم.. المجتمع بحماية فكره وتراثه وعقيدته فيكون موجها الناس إلى حياة أفضل، أما في معظم بلاد الإسلام فنجد النقيض على طول الخط. نجد الإعلام تائهاً أو مضللاً يضرب الأمة في الأعماق، ويخرب أغلى مقوماتها ويعمل على تفككها ويسير بها إلى الهاوية. وإليكم الأمثلة على ذلك وهي للتدليل وليست للحصر: أولاً في ميدان الفكر: نجد رواجا للكتب الشيوعية والالحادية منقطع النظير، فهذا الكتاب يطبع بسهولة ويسر، ولا يقف الرقيب أمامه أبدا بدعوى حرية الفكر، فيتم طبعه في أحسن المطابع على أفخم الورق ويقدم إلى القارئ في ثوب أنيق من دقة الاخراج، وبسعر زهيد جدا لا يمكن أن يكون ثمنا للورق فقط.. ثانيا: في مثل ما نجده في الكتاب نراه أيضا في الصحافة، وهي من الخطورة بمكان، ففي الصحف والمجلات نجد الصور العارية والآراء المتعارضة مع قيمنا وديننا وتقاليدنا وأعرافنا وكل ما يمد إلى مقوماتنا بصلة. نجد كل ذلك في صحافة اليوم ببلادنا ويقرأه ويراه شبابنا وبناتنا، فماذا تكون النتيجة؟ نرى انفصاما تاما بين جيل اليوم وجيل الأمس نرى انحرافا خطرا في شبابنا.. فماذا بالله عليكم العمل؟ وهو يقرأ ويرى عما هو شاذ؟ ـ والممنوع مرغوب (وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا) كما يقولون. هناك مسابقات لملكات الجمال، وأخرى للأزياء.. وثالثة للسباحة إلى غير ذلك من شذوذ عقلي والعياذ بالله.. كل ذلك يقرأه شبابنا، ويراه في الصورة اليوم، وغدا في العيان،

стр. 205

فماذا تريدون منه بعد ذلك، ليس هناك سوى الانحراف والعياذ بالله، وهنا تكون الطامة الكبرى. ثالثا: ويأتي بعد ذلك دور الإذاعة والتليفزيون وفيهما ما فيهما فأهم ما تتميز به الإذاعة أو التليفزيون إنما هو نشر الأغنية العربية. وماذا في أغنية اليوم من معان نبيلة كريمة؟ لقد خلت من كل ما هو نبيل وكريم ولا نسمع إلا نعيقا ونهيقا في الحب وللحب وكأنما اختيرت أمتنا فقط لهذا الذي يسمونه الحب، فهذا يدعو محبوبته، وتلك تنادي حبيبها وكأن أمتنا خلقت لهذه التفاهة فأصبحت لا ترى للحياة طعما إلا بالتغني بهذا الهراء السخيف الذي أودى بها إلى الحضيض وجعل منها إذاعات للمراهقين. رابعا: ويأتي التليفزيون هو الآخر ليلعب دوره في هذا المضمار بالصورة المتحركة المرئية وهو من أهم وأخطر أجهزة الإعلام، إنه سلاح ذو حدين مفيد جدا وضار جدا، مفيد بأنك تشعر أنك ترى جميع الدنيا أمام عينيك فينقل إليك الخبر طازجا تشاهده كأنك تعيش فيه وتلمسه، ترى على شاشته الصغيرة أشياء كثيرة مفيدة كالفروسية والسباق والعلوم والمعارف وغير ذلك هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ترى النقيض أيضا، تشاهد أفلام الحب والغرام، ونرى المسلسلات الأجنبية الخبيثة التي تغذي في أبنائنا غرائز الشر وتنمي فيهم روح التمرد على القيم والأخلاق.. فينفلتوا إلى الهاوية والعياذ بالله. أيها الإخوة: بعد هذا العرض السريع ـ الذي لابد منه ـ عن وضع المجتمع الإسلامي والتوجيه الإعلامي الخاطئ الذي يسيطر عليه، ما هو العلاج؟ وماذا نفعل إن أردنا التوجيه السليم لمجتمعنا. هنا مقدمة لابد منها وسؤال يرد في الحال. ـ من نحن؟ والجواب هو أننا أمة الإسلام.. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ما هي خطة هذه الأمة.. وما هو هدفها الأمر بين في الآيتين.. والمنهج واضح سليم.. الأمر بالمعروف،

стр. 206

والنهي عن المنكر، إقامة حدود الله، السعي في هذه الدنيا إلى إقامة مجتمع فاضل من جميع الوجوه، كما أمر الله ورسوله، يحل فيه الحلال، وتحرم فيه الخبائث، وتدور فيه عجلة الحياة دورانا هينا سليما. لتحقق عبادة الله في الأرض، فله وحده تعنو الجباه وتذل الرقاب. وله وحده الحياة، وإليه الممات وعنده المنتهى.. أمام هذا الوضع لابد من رسم طريق واضح يمشي فيه على هدى ونور. هذا الطريق رسمه لنا القرآن الكريم، وهدى محمد ﷺ ، ولا أستطيع أن أدخل في هذا الموضوع فالخروج منه صعب بعد ذلك، وسيكون استطراد لا محل له هنا وإنما سأتعرض للأمر من ناحية الإعلام فقط. ولندخل في الموضوع بنظام الآن..

стр. 207

نحو خطة إعلامية سليمة: هل لدينا في بلاد الإسلام متخصصون إعلاميون مسلمون مؤمنون برسالتهم؟ أظن أن الإجابة على هذا السؤال واضحة بينة. فإن أهم ما يجب أن يتميز به رجل الإعلام في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة هو واحد من ثلاثة: ـ أـ بالنسبة للكتابة: سواء في ميدان التأليف، أو في الصحافة فالكفاءة التي تظهره فقط هي: عذوبة اللفظ وسهولة العبارة. ب ـ بالنسبة للإذاعة: فإن ما يبرزه هو حسن الصوت والإلقاء فقط. ج ـ بالنسبة للتلفزة: فإن ما يظهره أمران لا ثالث لهما هما: حسن الصوت والصورة معا. ودعنا بعد ذلك من أهم العناصر التي ينبغي أن تكون الرجل الحق في هذا الميدان مثل: الثقافة وسعة الإطلاع، وحسن السمعة والسيرة والإيمان الحق ـ علما وعملا ـ قولا وفعلا ـ بدينه والتفاني في عقيدته.. كل ذلك لا يهم.. طالما كان شكله وصوته رائق.. ودعنا بعد ذلك من الأمور الباقيات... إن الإعلام كله وبجميع مظاهره يجب أن يكون في خدمة العقيدة الإسلامية، قولا وفعلا، وحتى نصل إلى هذه الدرجة من السمو النفسي والشجاعة أدعو إلى وجوب رقابة على جميع أجهزة الإعلام. رقابة جادة وحازمة، لا تأخذها في الله لومة لائم، ولا خشية ظالم، رقابة فعالة ذكية تعرف طعم الحلو

стр. 208

من المر، والحلال الحرام.. رقابة على الصحافة: حتى لا تدعو إلى الإلحاد علنا ولا سرا ولا تنشر الصور الفاجرة على أبنائنا وبناتنا فتغويهم، وحتى لا تحبذ الحرية الفوضوية ولا تدعو إلى السفور والاختلاط، وحتى لا تدعو بصفة عامة إلى الرذيلة بجميع وجوهها وصورها المرئية أو المسموعة. إنني أدعو إلى رقابة دينية على كل ما يقدم للعقل في المجتمع الإسلامي. رقابة على الكتب: ولا أريد بذلك ـ أيها الإخوة ـ فرض حصار على الفكر أو على العقل، كلا ما أريده أن أمنع تسمم الأفكار في المجتمع الإسلامي.. الكتب غذاء العقل، ولا أريد أن يكون هذا الغذاء إلا صالحا مزودا بكل أنواع مقومات الغذاء الصحيح. أما أن يكون هذا الغذاء هو السم في الدسم فهذا ما لا يرضاه أي مصلح لمجتمعه الذي يسعى إلى نموه ومجده وتقدمه.. بالله عليكم دلوني على فائدة واحدة لما حوته مكتبات العالم الإسلامي وبيوته ومحلاته وشوارعه من كتب عن الجنس. هل الجنس ... هل الجنس غذاء للبدن؟ هل الجنس... غذاء للعقل؟ هل الجنس ... غذاء للروح؟ أظن أن الإجابة واضحة عن هذه الأسئلة، وهي أن الجنس بحالته التي يقدم بها إلى أولادنا وبناتنا إنما هو سم زعاف لا يبني أخلاقا، ولا عقولا ولا فكرا ولا أرواحا إنما يهدم كل شيء يأتي في طريقه ويحطمه.. لهذا أرى أن تكون هناك رقابة صارمة على كل ما يقدم للمجتمع في الكتب من مبادئ ومذاهب ونحل وملل.. وأن لا يقدم لهم إلا كل ما هو صالح ومفيد. وأظنكم أيها الإخوة لستم بحاجة إلى تدليل عما قلت، فكلها قضايا طرحتها صحافتنا العربية خاصة وخاضت فيها وقتلتها بحثا وسارت في درب المعصية ولا تزال تسير لا أقول جميعها وإنما أقول معظمها أي إلا من رحم ربك. رقابة على الإذاعات المرئية والمسموعة: كما أدعو إلى رقابة على الإذاعة والتليفزيون.. رقابة حقة وصارمة فهناك من الأفلام والمسلسلات ما يدعو علنا إلى الرذيلة ويحض عليها ويبررها، وهذه الأجهزة لا يسمعها أو يراها إلا العاقلون فقط، كلا وإنما يسمعها

стр. 209

ويراها العامة والخاصة الصغير والكبير الذكر والأنثى.. وماذا فيها؟؟!. هذه أغنية خليعة تدعو إلى الحب!!! والأغنية العربية اليوم ـ أيها الإخوة ـ أصبحت مدعاة للتساؤل، لقد انفصمت عن أخلاقنا وأعرافنا وتقاليدنا وأضحت في طور من الشذوذ يستدعي للعلاج.. فهذا رجل (أو شبه رجل) يتلفظ بألفاظ سخيفة وينادي حبيبته ببكاء وعويل. وذاك آخر يستجدي صاحبته ويسترضيها لتمن عليه باللقاء.. وغير ذاك من التفاهة المضحكة المبكية.. وشبابنا وبناتنا يرددون هذه التفاهات ترديدا أعمى، فماذا تكون النتيجة بعد.. ذلك؟. وماذا ننتظر لهذا الجيل وعلى يديه؟؟!!. إن النتيجة معروفة وظاهرة جداً، وهي خطيرة إن لم نتدارك الأمر من الآن.. إنها انعكاس ذلك على السلوك وظهور جيل مخنث تافه لا هدف له، ولا عقيدة تعصمه ولا إيمان يحميه. وماذا تفعل المدرسة بعد ذلك؟ أو ماذا يفعل التوجيه التربوي؟ إن ما يبنيه المعلم في سنين بعد جهد جهيد وعرق تستطيع أغنية تافهة في الإذاعة أو التليفزيون أن تهدمه في لحظات، والغناء مزمار الشيطان والشيطان لا يدعو إلا إلى الباطل والفساد. ولله در القائل: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم لابد أيها الإخوة من وضع حد لهذا العبث وهذا التخريب.. في من؟ في فلذات أكبادنا، رجال الغد، وعتاد الأمة فما هي الخطة إذن..؟

стр. 210

نحو خطة إعلامية هادفة وتصوري للوضع الإعلامي الصحيح هو أن يكون جهاز الإعلام في كل دولة إسلامية مكونا من شطرين رئيسيين أـ الموظفون. ب ـ وجود هدف إعلامي محدد. ألا وهو بناء صرح أخلاقي متين للأمة. ولنبدأ في تصورنا للعنصر الأول. أـ الموظفون: والموظف في قطاع الإعلام عصب هام جدا لعملية التوجيه في الدولة، لذلك ينبغي أن يعد إعدادا خاصا لهذه المهمة، وأن يكون كفؤا للقيام بأعبائها. إن عملية الإعداد ينبغي أن تبدأ منذ البداية في الحياة التعليمية وأن يعد النابغون

стр. 211

بعد ذلك إعدادا عاليا في مستواه لكي يصلح لتولي هذه المهمة الخطيرة في أي من أجهزة الإعلام المختلفة. وإن أول صفة ينبغي أن يتحلى بها موظف الإعلام هي الالتزام الخلقي في كل ما يعطيه للمجتمع من غذاء عقلي أو توجيه، وقضية الالتزام الخلقي هذه أو الديني بمعنى أصح لهي الشيء الوحيد الذي ينقص رجال الأمة الإسلامية اليوم في هذا الميدان والشواهد كثيرة جدا على ما أقول: صحيفة تنشر إعلانا واضحا جدا في أبرز مكان في صفحاتها عن نوع من السجائر وتجعل من مدخنيه أنهم في قمة الرجولة وغاية الاستمتاع. فهل هذا منطق؟ وهل هذا صحيح؟ إننا لو بحثنا هذا الأمر من الناحية الصحية على الفرد في استفتاء عام لوجدنا إجابة لا يختلف عليها اثنان أبدا هي أن (التدخين ضار وخبيث) ، ولربما صاحب الجريدة أو كاتب الإعلان ومدبجه لا يدخن، ولربما يعرفون أن مثل هذه الإعلانات أصبحت محرمة في صحف الغرب وفي أمريكا بالذات، بل تكتب على علب السجائر عبارة بشعة تجعل العاقل يفر منها كما يفر من الوحش الكاسر.. هذه العبارة هي: ـ هذا الذي تدخنه يسبب السرطان من هنا يتضح لنا قضية الالتزام الخلقي أو الديني بمفهومنا نحن ومفهومهم هم. تغلبت المادة علينا وأصبحنا ندعو إلى السجائر في صحفنا ومجلاتنا بل وإذاعاتنا أيضا، لماذا؟ لنحصل على فائدة مادية، ونسينا أمرا أهم من ذلك نسينا الحفاظ على صحة أبناء وطننا، فقدم لهم الخبثاء السم في الدسم، وأغووهم تماما كما يغوي الشيطان جنوده بالإثم والمعصية، لقد قدمت السجائر وإعلاناتها كمثال وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمر كالخمر مثلا لا تجد في بلاد الإسلام دعاية مضادة لها كما يوجد في بلاد الغرب فهم يهاجمونها من جميع الجوانب الأخلاقية والصحية والمادية والاجتماعية وغير ذلك بينما نحن نعلن عنها في بعض صحافتنا وأفلامنا وأجهزة إعلامنا الأخرى وشتان بيننا وبينهم. ديننا يأمرنا باجتنابها والبعد عن مجالسها فيقبل عليها المنحلون من أبناء أمتنا. أما هم ـ أعني أبناء الغرب ـ فلا شيء ينهاهم عنها إلا ما رأوه فيها من مضار اكتشفوها بالعقل والتجربة، فأعلنوا عليها حربا لا هوادة فيها

стр. 212

وهكذا يبدو التناقض فينا واضحا. أيها الإخوة: إن قضية الالتزام الديني كما أسميه أو الالتزام الأخلاقي كما يدعوه البعض، إنما هي قضية هامة وفي غاية من الخطورة، وينبغي أن تكون هي الجوهر الذي علينا اكتشافه أولا وقبل كل شيء في رجل الإعلام منا. فلابد وأن تتوفر فيه صفات شتى: ـ منها التفقه في دينه ومعرفة أحكامه ومنها الإخلاص لعقيدته ومنها الإلمام الكامل بثقافة الإسلام من لغة وتاريخ وغير ذلك. ومنها الإطلاع على ثقافة الغرب للاستفادة من الصالح منها. ومنها الإيمان المطلق بأننا نحن المسلمون أصحاب رسالة سامية وحملة أمانة السماء إلى الأرض. وأننا نحن المسلمون ملزمون أيضا دينيا بتبليغها إلى الناس كافة على مختلف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم فإن فعلنا ذلك فقد كنا أوفياء لعقيدتنا وديننا وإلا فنحن مفرطون مضيعون لأمانتنا. إن رجل الإعلام ينبغي أن يمر تحت منظار دقيق جدا لتعرف سجاياه وأهواؤه وطويته فإنه أخطر على الأمة من أي عدو آخر، أخطر عليها من الجهل والمرض والفقر، لأنه يستطيع وبسهولة جدا أن يوجهها إلى الهاوية التي تؤدي بماضيها وحاضرها ومستقبلها والعياذ بالله. لهذا فإنني أكرر مؤكدا ضرورة التدقيق جدا في اختيار رجال الإعلام على أن يكونوا متصفين بكل ما يحض عليه ديننا الحنيف من حسن الخلق والتزام كامل، وفضيلة مستقاة من تعاليم السماء. أما الهدف الذي نرمي إليه من هذه الخطة الإعلامية فهو لب موضوعنا هذا وهو الأساس الذي بنينا عليه هذا البحث. إن الهدف في غاية من الوضوح ويتلخص في النقاط التالية: ـ أولا: نريد من الإعلام الإسلامي أن يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العاملين به فهم الذين يوجهون الأمة وينيرون لها السبيل بل إن أحدهم وهي الصحافة تسمى بلغة العصر، السلطة الرابعة من سلطات الأمة.. على ذلك فإن المسؤولية عظيمة ولابد أن يتولاها قوم عظام أيضا من ذوي الجباه العالية على مستوى من المسؤولية

стр. 213

والخلق وحسن الإدراك والتوجيه والثقافة والإخلاص لعقيدتهم. ومن هذا المنطق لابد وأن تكون الأمة على بينة من أمرها، وينبغي للإعلام حينئذ أن يتحلى بالصدق والأمانة. الصدق في القول والأمانة في التوجيه بحيث لا يؤخد عليه التهويل أو التصغير في الأمور، حتى لا تضطر الأمة لاستقاء أنبائها وأخبارها من مصادر العدو الذي يظللها ويقودها إلى الشك والتفكك كما هو حادث اليوم لشديد الأسف. ثانيا: ينبغي أن يكون الإعلام مرآة لماضينا كما يكون وجها لحاضرنا. ولكن نرى أن الأمر غير ذلك في واقعنا المؤلم اليوم، ونظرة عابرة إلى حافتنا العربية، إلا ما نذر منها، توضح لنا هذا القول. ومثال آخر للإعلام في إذاعتنا المرئية (التليفزيون) . لقد سلط التليفزيون في العالم الإسلامي على واقع الغرب والشرق معا بما فيهما من مرارة مؤلمة، وواقع لا أخلاقي فنقلته لنا كما هو، بل وزينته لشبابنا ليقتدي به.. نرى ذلك في القصص والأفلام والمسلسلات. نرى ذلك حتى في التاريخ القومي للغرب. فقد نقل لنا التليفزيون ـ جزاه الله بما يستحق ـ كل شيء نقل لنا الخبيث قبل الطيب والطالح قبل الصالح والمر قبل الحلو، وأصبح ناقلا مقلدا في غاية من التفاهة والسوء، لا يعبر عن أصول حضارتنا ولا عراقة ديننا وتقاليدنا، ولكنه مسخ سيء، تاما كالغراب الذي تخلص من ريشه ليقلد الطاووس في شكله فأضحى مسخا لا يعبر عن هذا ولا ذلك. هل كان الإعلام أمينا في نقل حضارة الإسلام نقلا صحيحا سويا؟ لا.. وألف مرة لا.. أقولها وأنا حزين وآسف على ذلك. إن جماهيرنا تعرف عن رجال الغرب أكثر مما تعرف عن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم من رجالات الإسلام الأولين.. إن شبابنا يعرف عن الخنفسة بفضل إعلامنا ـ جزاه الله بما يستحق ـ أكثر مما يعرف عن سجايا أسلافنا وأخلاقهم. عن نساءنا يعرفن عن نساء الغرب أكثر مما يعرفن عن أمهات المؤمنين

стр. 214

والبطلات الخالدات في تاريخ الإسلام. لقد قام الإعلام في بلاد الإسلام بدوره الذي رسمه له العدو الغادر فقلب المعايير الخلقية لدى جيلنا المعاصر فأصبحت الرذيلة أوفى بالأداء من الفضيلة. أصبح السفور هو التقدم، والتستر هو الرجعية وصارت الميوعة والتخنث هما علامة على السمو والرجولة هي الجلافة والتوحش.. أجل انقلبت المعايير لأن أعداء الإسلام أرادوا لنا ذلك، فكنا كما أرادوا.. وأضحينا لا نهتم إلا بالسفاسف من الأمور. إن الإعلام الأعمى في بلاد الإسلام صار متخصصا في دراسات وفلسفات الفكر الغربي والشرقي كالديموقراطية والشيوعية. فمثلا نجد المقالات المدبجة هنا وهناك في معظم صحافتنا الإسلامية، هذا يحبذ وذاك يعارض وآخر يواسي بين الفريقين.. وهكذا.. نجد كل ذلك في صحافتنا منشورا لشبابنا، فيقتنع به فريق، ويعارضه فريق آخر.. ثم تدور الرحى حربا بعد ذلك بين الفريقين.. المتخاصمين فينشغل بال القوم بما بينهم وينسوا دنياهم وآخرتهم على حد سواء وتطحنهم الرحى جميعا، وتفنيهم وهم لا يعلمون من أين توالت عليهم المصارع.. ثالثا: والإعلام أيضا ينبغي أن يكون أداة من أدوات توحيد الأمة ودعامة قوية من دعامات بنائها الفكري والروحي فاللغة المكتوبة أو المسموعة ينبغي أن تكون سليمة في مبناها ومعناها على حد سواء، صريحة في مغزاها معبرة بصدق عن رأي قائلها، حتى تولد الثقة في عقل سامعها فتستقر في ذهنه وقلبه ويكون لها فعل السحر فتؤتي الغاية المرجوة منها.. والصراحة حرة ومؤلمة في بعض الأحيان.. لقد عرف شبابنا من الإذاعات المسموعة والمرئية على حد سواء كل شيء عن أوربا وأمريكا والصين وروسيا، وقليلا بل ونادرا ما نسمع عن أرضنا الإسلامية وما كان هذا الموقف الحزين المؤسف إلا لأن المسؤولين في الإعلام لا يدرون بذلك، إما لأنهم لا يشاهدوه أو لا يسمعوه، وإما لا يعرفون مقدار التبعة الملقاة على عاتقهم.. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 215

رابعا: كل مجتمع من المجتمعات به مظاهر حياته كما فيه عوامل موته أيضا، وذلك كما يقول علماء الاجتماع. ونظرة واقعية على مجتمعنا الإسلامي اليوم نرى ذلك بوضوح، نرى العلل تصرعه من كل جانب. وواجب الإعلام الإسلامي أن يقوم بدراسة ميدانية لما بالمجتمع من أمراض ويوجه المسؤولين إليها، ويشخص لها الداء ويصف الدواء.. إن هذه النقطة من أهم النقاط التي ينبغي أن يوجه الإعلام نظره إليها، فإن علاج المجتمع جزء من واجب الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة. خامسا: تقديم الإسلام للمجتمع العالمي في ثوبه الحقيقي وهذا واجب آخر من واجبات الإعلام الإسلامي.. الدعوة إلى الله على بصيرة، وتقديم هذه الدعوة إلى مجتمعات أخرى في ثوب قشيب ناضر بلغات تلك المجتمعات تقديما مناسبا لجلال دين الإسلام وروعته وموضحا لوظيفة الإسلام والمسلمين في المجتمع الإنساني كافة.. ـ هل يستطيع الإعلام الإسلامي القيام بهذا الدور؟ ـ وهل ينجح في أن ينبه أنظار المسلمين إلى واقع دينهم؟ ـ وهل يستطيع أن يلفت أنظار غير المسلمين إلى روعة دين الإسلام؟ ـ وهل يستطيع أن يتحمل الأمانة ويبلغها للناس كافة بجميع الوسائل المسموعة والمرئية؟ ـ هل يستطيع أن يلم شعث المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على كلمة لا إله إلا الله، ويعرفهم أنهم أعضاء في جسد واحد إذا ألم بجزء منه مكروه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟ ـ هل ينجح في أن يقيم واقع المسلمين ويبين ما به من آلام وأمراض خبيثة من شيوعية وبهائية وقديانية وغير ذلك من ملل ونحل تفتك بجسد الأمة الإسلامية؟ ـ وهل يستطيع أن يحارب هذه النحل والملل ويخرجها من دار الإسلام إلى الديار الأخرى التي أنبتتها ثم تخلصت منها بأن صدرتها إلى المسلمين ففككت عرى وحدتهم وسممت أبدانهم، وفرقت كلمتهم وأودت بهم إلى التفرقة ثم إلى العداء والحرب بعد ذلك؟
следующие страницы →