← Акыда

Акыда · id 8905

المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (64 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد. فإن الذنوب أشأم شيء على العبد في دنياه وأخراه، فهي سبب فيما يصيب العبد من البلاء والشر في أمور معاشه وحياته الدنيوية، وسبب في النقص الذي يصيبه في دينه بما ينفتح عليه من مداخل الشيطان، وينغلق من عون الرحمن ومدده ودفعه ﵎، كما أنها سبب في غضب الله ومقته وعقوبته الأخروية وهي أشد وأنكى. قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ الشورى٣٠، وقال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور ٦٣، وقال تعالى ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الروم ١٠، وقال ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ الإسراء ٣٨، وقال تعالى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ النساء ١٢٣. وغير ذلك من الآيات والنصوص الكثيرة الواردة في هذه المعاني. والذنوب يترتب عليها عند السلف أحكام عقدية، وغير عقدية في الدنيا والآخرة، فأحببت أن أجمع كلام أهل العلم في الأحكام العقدية المتعلقة بمرتكب الكبائر في الدنيا. وقد سميته (المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا عند أهل

стр. 2

السنة) . وقسمته إلى مقدمة وفصلين وخاتمة على النحو التالي: الفصل الأول: في الكبيرة وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: تعريف الكبيرة. المبحث الثاني: تقسيم الذنوب. المبحث الثالث: في ذكربعض النصوص في الكبائر. المبحث الرابع: عدد الكبائر. المبحث الخامس: بغض الله للذنوب. الفصل الثاني: في مرتكب الكبيرة وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: نقص إيمان مرتكب الذنوب. المبحث الثاني: مسمى مرتكب الكبائر. المبحث الثالث: في كلام أهل العلم في معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة أو تصفه بالكفر أو قال فيه: (ليس منا) ونحوها. المبحث الرابع: لعن مرتكب الكبيرة. المبحث الخامس: هجر أهل المعاصي. المبحث السادس: حكم الخروج على الحاكم الفاسق. المبحث السابع: في التوبة. الخاتمة: وفيها أهم النتائج وقد استخدمت بعض الرموز طلبا للإختصار وهي: خ، للبخاري. م، لمسلم ت، للترمذي. د، لأبي داود. جه، لابن ماجه. ن، للنسائي. حم، للمسند. هذا وأرجو من الله التوفيق والقبول، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3

باب: الفصل الأول: في الكبيرة باب الفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا المبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه ... الفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا لمرتكب الكبيرة مسائل وأحكام تتعلق به، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة. وسنذكر في هذا الفصل ما يتعلق به من الأحكام العقدية الدنيوية عند أهل السنة دون غيرهم من أهل البدع والضلالة وهي: المبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه مما أجمع عليه السلف أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال ابن عبد البر ﵀:“أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فأنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيماناً”١ ويستدل السلف لقولهم هذا بأدلة عديدة من القرآن والسنة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الأنفال ٢. ٣وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الفتح ٤. ومن السنة حديث معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ”من

стр. 4

أعطى لله ومنع لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه” ١ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” ٢ وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال عن النساء: ”ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت امرأة: يا رسول الله: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالى ما تصلى وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين” ٣ فتدل هذه النصوص على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وعلى هذا وردت النصوص عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من السلف. فعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: “الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته، وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه” ٤ وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: “قم بنا نزداد إيماناً”. وروى نحوه عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن رواحه رضي الله عنه٥ وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: “إن من فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم منتقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه” ٦

стр. 5

قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله تعالى: ”أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص”. ١ هذه النصوص تدل على اجماع السلف٢أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته تكون بعمل الصالحات والتقرب بالطاعات، أما نقصانه فيكون بالإخلال بالواجبات أو الوقوع في السيئات والمنكرات. وقد وردت نصوص في الشرع تبين تأثير الذنوب في إيمان العبد بالإنقاص والأضعاف مثل قوله ﵊: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... “. وقوله ﵊: ”والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه” ٣ وهي أدلة صريحة في أن إيمان مرتكب الذنوب لا يتساوى مع إيمان من يتقي الله ويجتنب معاصيه.

стр. 6

المبحث الثاني: مسمى مرتكب الكبائر عند السلف أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يخرج العبد بارتكابه لشيء من الكبائر من الإسلام، واختلفوا في مسمى مرتكب الكبيرة إلى قولين: القول الأول: إن مرتكب الكبيرة لا يستحق اسم مؤمن بإطلاق؛ لأن الإيمان وصف مدح وعد الله عليه الجنة في مثل قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ...﴾ التوبة ٧٢. ومرتكب الكبيرة ليس من أهل هذا الوعد المطلق، وقد نفى عنه الرسول ﷺ الإيمان في أحاديث عديدة كقوله ﷺ : “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...” ١. فهذه الطائفة من السلف يسمونه مؤمناً ناقص الإيمان أو مسلماً ٢. وحكى المروزي عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي ﷺ “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...” فقال:“من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه مؤمناً” ٣. وعند هذه الطائفة من السلف أن بين الإسلام والإيمان في إطلاق الشارع فرقاً، فالإسلام مرتبة دون مرتبة الإيمان، فالمسلم مرتبته دون مرتبة المؤمن، وأن المسلم يستحق وصف الإسلام بمجرد نطقه بالشهادتين، أما وصف مؤمن فهو يستحقه بالإتيان بالطاعات وترك المعاصي. وممن ورد عنه التفريق بين الإسلام والإيمان الزهري ﵀ حيث قال:

стр. 7

“الإسلام الكلمة والإيمان العمل”١ وورد عن حماد بن زيد أنه قال:“الإسلام عام، والإيمان خاص” ٢ وورد عن الإمام أحمد التفريق بينهما، فقد ذكر عنه القاضي أبو يعلى روايات في ذلك منها: أنه قال في رواية حنبل:“الإيمان غير الإسلام” ٣ وقال في رواية صالح:“قال ابن أبي ذئب الإسلام القول، والإيمان العمل، قيل: فما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير الإيمان” ٤

стр. 8

وممن قال بهذا القول وهو التفريق بين الإسلام والإيمان ابن عباس ﵄، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والزهري، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن أبي ذئب، ومالك، وشريك، وحماد بن زيد، والإمام أحمد، وابن جرير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم ١. فهؤلاء يتوجه على قولهم أن الفاسق لا يصح وصفه وتسميته بالإيمان المطلق؛ لأنه أخل بواجباته، واعتبر هؤلاء العلماء وصف الإيمان المطلق وصف مدح لا يستحقه من فسق بارتكابه للمحرمات؛ لهذا كانوا يتحاشون من هذا الوصف عموماً ويرون الاستثناء فيه، فقد قال رجل عند ابن مسعود ﵁: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود:“أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ ” ٢. وفي رواية عنه أن رجلاً قال عنده: أنا مؤمن، فقال عبد الله: فقل:”إني في الجنة، ولكن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله...” ٣.

стр. 9

ونحو هذا ورد عن إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وطاووس وغيرهم ١. القول الثاني: إن مرتكب الكبيرة يسمى مسلماً، ويسمى مؤمناً، وإن كان ذلك ليس على الكمال، لأنه لا يخرج من هذا المسمى بسبب ارتكابه لشيء من الكبائر؛ لأن أصل الإيمان معه فهو بالتالي لا يخرج منه إلا بارتكابه لما يناقض أصل الإيمان، فمن دخل في الإيمان والإسلام استحق هذا المسمى وإن لم يستكمله. قال محمد بن نصر المروزي:“فمن صدق بالله فقد آمن به، ومن آمن بالله فقد خضع لله وقد أسلم لله، ومن صام، وصلى، وقام بفرائض الله، وانتهى عما نهى الله عنه، فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك شيئاً فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام إلا أنه أنقص من غيره في الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله وما قال حق لا باطل، وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم للقدر، خضوع للهيبة والجلال، والطاعة للمصدق به وهو الله ، فمن ذلك يكون النقصان، لا من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق” ٢. وقال في موضع آخر:“إن شاربة الخمر والسارقة مؤمنة في الحكم والاسم، لا مؤمنة مستكملة الإيمان، ومستحقة ثواب المؤمنين” ٣. وقد عزا المروزي هذا القول إلى جمهور أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث ٤. وهذا القول الذي ذكره المروزي ﵀ ونصره من جواز تسمية

стр. 10

مرتكب الكبيرة مؤمناً يلزم كل من لم ير فرقاً بين مسمى الإسلام والإيمان في الشرع، وإنما يرى أن الإسلام والإيمان شيء واحد. وعلى هذا القول البخاري صاحب الصحيح وعزاه في الفتح إلى المزني صاحب الشافعي، وإليه ذهب ابن عبد البر، وعزاه إلى جمهور أهل السنة والحديث١. فهذان القولان مأثوران عن أهل السنة في تسمية مرتكب الكبيرة، وأن منهم من لا يجيز تسميته مؤمناً وإنما يسميه مسلماً. ومنهم من يرى أنه لا يجوز أن ننفي عنه اسم الإيمان؛ لأن الإسلام والإيمان سواء، بل يسمى مؤمناً ومسلماً. والقولان متقاربان جداً؛ لأن من لا يرى جواز إطلاق اسم الإيمان على الفاسق لا يخرجه من الدّين، بل يرى أن معه إيمان به تصح أعماله، وبه تصح نسبته إلى هذا الدّين، إلا أن إيمانه نقص نقصاً لا يستحق معه إطلاق هذا المسمى عليه، ويجوز عنده أن يقال عنه إنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. ومن يرى أنه يجوز إطلاق اسم الإيمان على مرتكب الكبيرة لا يعتقد أنه على إيمان كامل، بل يرى أنه ناقص الإيمان غير مستكمل له، لكن لا يجوز أن نقول إنه غير مؤمن بإطلاق، وإنما يجوز أن نقول هو غير كامل الإيمان. فمن هنا يتبين أن الخلاف بين القولين في المسمى؛ لأن كلاً منهما اعتبر أوجهاً شرعية رأى فيها ما يرى أنه الحق. فأصحاب القول الأول الذين يرون عدم جواز إطلاق اسم الإيمان على مرتكب الكبيرة لاحظوا أن الشرع اعتبر اسم الإيمان اسم تزكية ومدح وثناء، ومرتكب الكبيرة ليس من أهلها.

стр. 11

أما أصحاب القول الثاني فلاحظوا أن الشارع أثبت هذا المسمى لمن وقع في بعض الكبائر كما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ . فسماهم مؤمنين مع وقوع الاقتتال بينهم ١. وقد أجاب عن ذلك أصحاب القول الأول: بأن هذا الإطلاق إنما هو على اعتبار أنهم مؤمنون في الأحكام والمواريث وليس في الإطلاق العام، وهم يقولون إن مرتكب الكبيرة يسمى مؤمناً على هذا الاعتبار. روى الآجري بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: “ الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ولا ندري كيف هم عند الله ونرجو أن نكون كذلك” ٢. وذكر شيخ الإسلام أن الشالنجي قال: سألت الإمام أحمد عمن قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام والمواريث، ولا أعلم ما أنا عند الله، قال: ليس بمرجئ. قال شيخ الإسلام: وبه قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة ٣ قال أبو عبيد معللاً وجه الاستثناء في الإيمان عند السلف: مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعاً مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهادتهم ومناكحتهم وجميع سننهم إنما هي على الإيمان ٤. فمن هذا يتضح أن القولين متقاربان إلا أن القول الأول وهو من يرى عدم جواز إطلاق اسم (مؤمن) على مرتكب الكبيرة أكثر التصاقاً بالنصوص

стр. 12

وإعمالاً لها، فإن الرسول ﷺ قد نفى الإيمان عن طائفة ممن عملوا السيئات وارتكبوا المحرمات كما في الحديث الصحيح “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن” ١. وقوله “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن عهد له” ٢ وقوله “والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه” ٣. فمن نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة إنما وافق هذه النصوص التي لا مدفع لها، ومن المعلوم أن نفي الإيمان عن أصحاب هذه الذنوب لا يعني إخراجهم من الإيمان ولا نفي التصديق الذي بقلوبهم، وإنما يعني نفي كماله الذي به يستحقون هذا الإطلاق وأما ما ورد من النصوص، وقد أطلق على أصحابها وصف الإيمان مع ارتكابهم للذنوب مثل قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ الحجرات ٤٩. ونحوها من النصوص. فوجه هذا أنه سماهم بهذا الاسم الذي يصح إطلاقه عليهم على الاعتبار السابق الذكر عن سفيان والإمام أحمد وغيرهم وهو من طريق الأحكام في الدنيا وأنهم مؤمنون من ناحية المواريث والأحكام لا من ناحية الإطلاق العام، والله أعلم.

стр. 13

المبحث الثالث: في أقوال أهل العلم في بيان معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة أولاً: النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب بعض الذنوب ... المبحث الثالث: في أقوال أهل العلم في بيان معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، أو تصفه بالكفر، أو قال فيه “ليس منا” ونحوها مما يجمع عليه السلف أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بسبب ارتكابه لشيء من الكبائر، وقد وردت نصوص في الشرع قد يفهم منها غير المطلع على كلام أهل العلم خلاف ذلك، فنبين إن شاء الله كلام أهل العلم في معناها. أولاً: النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب بعض الذنوب: وردت نصوص في الشرع نفي فيها الإيمان عن مرتكبي بعض الذنوب. وذلك مثل حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن” ١. وعن شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ”والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه” ٢. وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له” ٣.

стр. 14

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان” ١. وقد اختلف العلماء في معنى هذه الأحاديث إلى أقوال عدة، وذلك بعد أن أجمعوا على أن المعاصي لا يخرج صاحبها من الدين ولا يكون بها كافراً خلافاً للخوارج والمعتزلة ٢. القول الأول: أن المراد بذلك أن الإيمان يرتفع عنه حال المعصية، ثم إذا أقلع وتاب رجع إليه إيمانه، لحديث أبي هريرة ﵁ السابق. وممن قال بهذا ابن عباس. فقد روي عنه أنه كان يقول لغلمانه: ”من أراد منكم الباءة زوجناه لا يزني منكم زان إلا نزع منه نور الإيمان فإن شاء أن يرده عليه رده عليه، وإن شاء أن يمنعه منعه” ٣. وبه قال أبو هريرة أيضاً فقد روي عنه أنه قال: “الإيمان نزه فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان” ٤. وبه قال الإمام أحمد، فقد روي الخلال أن حنبل قال: “قلت لأبي عبد الله: إذا أصاب الرجل ذنباً من زنا أو سرق يزايله إيمانه؟ قال: هو ناقص الإيمان فخلع منه الإيمان كما يخلع الرجل قميصه فإذا تاب وراجع عاد إليه إيمانه” ٥

стр. 15

وبهذا قال عطاء وطاووس والحسن ﵏ ١. ومن قال بهذا القول لا يعني أن إيمان العاصي زال عنه بالكلية بحيث خرج من الدين بالكلية فهذا ليس قولاً لأهل السنة، وإنما هو قول الخوارج والمعتزلة، وإنما المقصود زال عنه نوره الذي يدفعه للخير ويحجزه عن الشّرّ، وبقي له من الإيمان اسم لا يدفع عنه العقوبة يوم القيامة. قال شيخ الإسلام في حديث أبي هريرة: قوله “خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة” دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلة تظل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط - ثم بين ﵀، أن التصديق الذي يفرق بين المسلم والكافر، والذي يمنع الخلود في النار وترجى به الشفاعة والمغفرة ويستحق به المناكحة والموارثة لم ينعدم من مرتكب الكبيرة، إنما زال عنه الإيمان الذي ينال به النجاة من العذاب وتكفير السيئات وكرامة الله ومثوبته ويكون به محموداً مرضياً، وبين أيضاً، أن الزاني ونحوه لفرط شهوته، أو لغفلته عن التحريم، وعظمة الرب، غمر مقتضى إيمانه، ومنعه من التأثير وذلك مثل عقل السكران، فإن عقل السكران مستور بسبب سكره فلو قال قائل: السكران ليس بعاقل، فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقاً، مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة إذ أن عقل السكران مستور وعقل البهيمة معدوم، فكذلك معنى الحديث أصل إيمانه موجود، ولكن الإيمان الذي يمنع ارتكاب المنكرات ويبلغ أعلى الدرجات في الجنة معدوم٢. القول الثاني: إنه بارتكابه للكبائر يخرج من الإيمان إلى الإسلام، وذلك أن الإيمان مرتبة عالية والإسلام دونها، فارتكابه للذنوب ووقوعه في القبائح يتنافى

стр. 16

مع الرتبة العالية في الدين، وهي الإيمان، فيخرج منها إلى المرتبة التي دونها وهي الإسلام، ولا يعني ذلك أنه لم يبق في قلبه شيء من الإيمان، وإنما معه إيمان ينجيه من الخلود في النار، وقد قال بهذا أبو جعفر الباقر وهو قول للإمام أحمد ١. القول الثالث: أن المنفي في هذه الأحاديث هو الكمال الواجب الذي يعاقب تاركه، قال أبو عبيد القاسم بن السلام ﵀: “فكلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت تعبيرها ٢ قيل ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، ولا الأمارات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه”. فإن قال قائل كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً ولا عملت عملاً، وإنما وقع معناها هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم وغير عامل في الإتقان ٣. وهو قول للإمام أحمد، وأخذ به القاضي أبو يعلى، ورجحه بقوة المروزي وقال به النووي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسفاريني ٤.

стр. 17

القول الرابع: إن أحاديث الوعيد كلها تمر كما جاءت ولا تفسر، وأنها على التأكيد والتشديد. وممن روي عنه ذلك الزهري حيث سئل عن قول النبي ﷺ “ليس منا من لطم الخدود” وما أشبهه، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: “من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم”. ١ وهو قول للإمام أحمد، وعزا شيخ الإسلام إلى عامة علماء السلف أنهم يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود الرسول ﷺ ، وكذلك عزا ابن حجر إلى كثير من السلف إطلاق لفظ الأخبار في الوعيد، وعدم التعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر. ٢ القول الخامس: قول من يرى أن أحاديث الوعيد عموماً خرجت مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر عن المعاصي، وعزا هذا القول ابن حجر إلى الطيبي، وقد استنكر هذا القول أبو عبيد وقال عنه: أفظع ما تأول على رسول الله ﷺ وأصحابه، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيداً لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكناً في العقوبات كلها٣. القول السادس: إن الحديث ليس خبراً، وإنما هو نهي فيكون معناه “لا يزني الزاني وهو مؤمن ... “، أي لا ينبغي للمؤمن أن يزني تنزيهاً للإيمان وتعظيماً له، وقال بهذا الضحاك وكذلك الخطابي، وقد رده العلماء: بأن الحديث صريح

стр. 18

في الخبر وليس النهي١. القول السابع: إن المراد به مستحل الزنا وشرب الخمر، وأن المنفي في ذلك هو الإيمان بالكلية ٢. فهذه أشهر الأقوال في معنى هذه الأحاديث، وظاهر منها أن الأقوال الأربعة الأولى متقاربة، وهي تؤكد أن الكبيرة والذنب عموماً يؤثر على الإيمان، إما بنفي كماله، أو نوره وما يكون به خضوع لهيبة الله وجلاله، أو بإخراجه من دائرة أهل الإيمان إلى مرتبة أدنى في الدين وهي الإسلام، وإما أن يترك اللفظ الشرعي كما ورد ولا يؤول ليكون أبلغ في الزجر، مع اعتقاد أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بذلك. وهي فيما أرى أرجح الأقوال في معنى هذه الأحاديث والله أعلم. وبهذا يتبين أن الكبائر قد أزالت عن مرتكبها ذلك المسمى الذي هو الإيمان، وذلك الوصف الذي هو المؤمن، الذي وعد الله أهله بالنجاة من النيران والفوز بالجنان ورضى الرحمن في مثل قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ التوبة٧٢. وتكون الكبائر جالبة للإنسان خسارة عظمى وبلية كبرى نسأل الله العافية.

стр. 19

ثانياً: النصوص التي ورد فيها وصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر: كما وردت أحاديث تنفي عن مرتكب الكبيرة الإيمان، فقد وردت أحاديث تصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر، فمن ذلك حديث ابن عمر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : ” أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” ٣.

стр. 20

وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول لله ﷺ يقول: " لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغي عن أبيه فهو كافر" ١. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” ٢. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت” ٣. وعن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول: ” أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم”. قال منصور: قد والله روى عن النبي ﷺ ، ولكني أكره أن يروى عني هاهنا بالبصرة ٤. فهذه الأحاديث ونحوها عند أهل السنة لا تدل على أن مرتكب ما ذكر فيها من ذنوب يكون كافراً خارجاً من الإسلام، وذلك أن الله ﵎ قد وصف بعض مرتكبي الذنوب بالإيمان، ولم يكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحجرات٩. فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال. وكذلك فإن الله تعالى قد أوجب الجلد على القاذف، والقطع على السارق، وجلد رسول الله ﷺ الزاني البكر وشارب الخمر وغير ذلك، فلو كان

стр. 21

هؤلاء كفاراً بارتكابهم للكبائر لوجب قتلهم لقوله ﷺ “ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ” ١. وأجمع الصحابة على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد روى أبو عبيد عن أبي سفيان أنه قال: “جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا” ٢. فلهذا صرح أصحاب كتب العقائد بذلك في عقائدهم فقال الطحاوي ﵀: ”ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله” ٣. وقال الحكمي ﵀: ولا نكفر بالمعاصي مؤمناً إلا مع استحلاله لما جنى٤. وقد أجاب العلماء عن معنى الكفر الوارد في الأحاديث السابقة وشبهها بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن الفعل الوارد فيه لفظ الكفر إنما ذكر هكذا لأنه يؤول

стр. 22

بفاعله إلى الكفر، وذلك لأن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخشى على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. الجواب الثاني: أنه أطلق عليه ذلك من باب المبالغة في التحذير والزجر عن الفعل١. الجواب الثالث: أنه أطلق عليها ذلك لأنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركين. الجواب الرابع: أنه محمول على المستحل لذلك. الجواب الخامس: أن المراد به الكفر إلا أنه ليس الكفر المخرج من الملة، وإنما هو كفر دون كفر وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام. وهذا الأخير أرجحها، لأن الأدلة قد دلت على أن لفظ الكفر ومثله الظلم والفسق والشرك قد وردت في الشرع على معنيين أكبر وأصغر، فمما ورد في الظلم ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه لما نزل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأنعام ٨٢. شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. فهنا ذكر النبي ﷺ أن للظلم معنيان: ظلم أكبر: وهو الشرك، وظلم أصغر: وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب.

стр. 23

ومما ورد في الشرك ما روى محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء” ١. فهنا بين النبي ﷺ أن من الشرك نوع هو أصغر، أما الشرك الأكبر فهو عبادة غير الله. ومثل ذلك ورد في الكفر أيضاً فقد ورد في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل أيكفرن بالله، قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى أحداهن قالت: ما رأيت منك خيراً قط ” ٢. فهنا بين النبي ﷺ أن الكفر يرد شرعاً على غير الكفر بالله وهو دونه في الحكم. ومثله ما ورد عن ابن عباس ﵁ في قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة (٤٤) .قال:“هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله”. وفي رواية أنه قال:“كفر دون كفر”. ومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره٣. فهذا يدل على أن الشارع أطلق الكفر على ما دون الكفر الأكبر وهو ما يسميه العلماء كفر دون كفر. فيكون المقصود بما ورد في الشرع إطلاق اسم الكفر عليه من المعاصي

стр. 24

هو الكفر العملي، الذي لا يخرج من الملة١، أو كفراً دون كفر. وهذا أرجح الأقوال في ذلك، وهو الذي عليه كثير من العلماء. ٢

стр. 25

ثالثاً: النصوص التي ورد فيها قوله ﵊ “ليس منا ”: وردت نصوص عن النبي ﷺ يصف فيها مرتكب بعض الذنوب: بأنه ليس منه، ومن هذه النصوص: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال، قال النبي ﷺ “ ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ” ٣.

стр. 26

وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ :”من حمل علينا السلام فليس منا، ومن غشنا فليس منا” ١. فهذه النصوص ونحوها للعلماء ﵏ أقوال في معناها. القول الأول: قول من يرى أنها خرجت مخرج التغليظ ٢. القول الثاني: أن المعنى: ليس مثلنا، واستنكر هذا عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم، وقد قيل للإمام أحمد: إن قوماً قالوا: من غشنا فليس مثلنا، فأنكره وقال:“هذا تفسير مسعر، وعبد الكريم بن أبي أُمية، وكلام المرجئة، وقال: بلغ عبد الرحمن بن مهدي فأنكره، وقال: لو أن رجلاً عمل بكل حسنة أكان يكون مثل النبي ﷺ ؟! ” ٣. واستنكر هذا القول أبو عبيد وقال:“فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ لزمه أن يصير من يفعل ذلك مثل النبي ﷺ ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه ٤. القول الثالث: أنه ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، إن كان معه أصله، حكى هذا القول ابن العربي ٥. القول الرابع: أن المراد من ذلك أن من فعل شيئاً من تلك الأفعال فقد تعرض لأن يهجر، ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديباً له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام، وهو قول ابن المنير حكاه ابن حجر ﵀.

стр. 27

القول الخامس: معنى الحديث أن النبي ﷺ بريء من فاعل ذلك، فيكون كأنه توعده بأنه لا يدخل في شفاعته مثلاً، وهذا تفسير ابن حجر حملاً لحديث “ليس منا” على حديث “إن رسول الله ﷺ بريئ من الصالقة والحالقة والشاقة” ١. القول السادس: أن المراد به المستحل للفعل من غير تأويل فإنه يكفر ٢. القول السابع: أن معناه: ليس من أهل الإيمان المستحقين للثواب بلا عقاب، ولهم المولاة المطلقة والمحبة المطلقة وإنما هو بارتكابه لذلك الفعل نقص إيمانه وصار ممن يستحق العقوبة. قال شيخ الإسلام وهذا: كما يقول من استأجر قوماً ليعملوا عملاً، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه ٣. القول الثامن: أن هذا من أحاديث الوعيد التي يجب أن نؤمن بما ورد فيها وتمركما جاءت ولا يتكلم في تأويلها حتى يكون ذلك أبلغ في الزجر، وهذا مروي عن الزهري: قال سفيان قال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ “ليس منا من لطم الخدود” وما أشبه من الحديث؟ قال سفيان فأطرق الزهري ساعة ثم رفع رأسه فقال:“من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم” ٤.

стр. 28

وعلى هذا القول الإمام أحمد، فقد روى الخلال عنه أنه سئل عن قول النبي ﷺ “من غشنا فليس منا ...” قال:“على التأكيد والتشديد، ولا أكفر إلا بترك الصلاة” ١. قال ابن حجر: والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر٢. القول التاسع: أن معناها أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا. وقال بهذا أبو عبيد٣. وفسره عبد الرحمن بن مهدي كما عند الخلال بأن معنى “ليس منا” بأنه يكون مثل الجاهلية وعملهم لأن هذه الأعمال ليست من فعل أهل الإسلام إنما هي فعل الجاهلية ٤. فهذه الأقوال فيها تقارب في بيان معنى الحديث، والمستنكر فيها القول الأول والثاني، ما عداهما فإن معناه وفحواه متقارب جداً، والواجب في ذلك إبطال المعنى الفاسد وهو التكفير، أو الخروج من الدين، ثم إثبات اللفظ أو ما يدل عليه والتشديد فيه، ليكون ذلك أبلغ في زجر الفاعل عن الفعل، ونهيه عنه، فإن من علم من المسلمين أن هذا الفعل على غير هديه ﷺ ، وليس على سبيل طاعته، وأهل ولايته، بل هو على سبيل العصاة المنحرفين عن هديه وشريعته، تيقن أن الفعل محرم، وأن صاحبه معرض للعقوبة، التي يستحقها المخالف لرسول الله ﷺ ، حيث حذر الله من معصية رسوله ومخالفة أمره، والله أعلم.

стр. 29

المبحث الرابع: لعن مرتكب الكبيرة اللعن في اللغة: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء ١. مما يتفق عليه أهل العلم جواز اللعن المطلق لمرتكبي بعض المحرمات التي ورد في الشرع لعن مرتكبيها ٢ مثل قوله ﷺ : “لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده” ٣. وقوله ﵊ “لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض” ٤. وقال جابر بن عبد الله ﵁ “لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء” ٥. ونحو ذلك من الأحاديث. واختلفوا في المعين من مرتكبي الكبائر هل يجوز لعنه أم لا؟ إلى أربعة أقوال: القول الأول: جواز لعن العاصي المعين مطلقاً، وقال بهذا ابن الجوزي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد ٦ والسراج البلقيني ٧.

стр. 30

واحتج من أجاز ذلك بالأحاديث التي ورد فيها لعن النبي ﷺ من فعل بعض المحرمات بالأحاديث السابقة، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح” ١. فقالوا: إن النبي ﷺ لعن وذكر كذلك لعن الملائكة لمن يستحق اللعن فيستوي فيه المعين وغيره ٢. القول الثاني: أنه يجوز لعن المعين ما لم يقم عليه الحد، فإذا أقيم عليه الحد فلا يجوز لعنه، وقال بهذا ابن بطال ٣. وقد استدل من قال ذلك بحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : “ لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله ” ٤. قال الحافظ في الفتح: وفي رواية “فوالله ما علمت أنه ليحب الله ورسوله” وتكون ما زائدة ٥. فقالوا: إن النهي هنا إنما كان بعد إقامة الحد لا قبله. القول الثالث: أن لعن المعين لا يجوز إلا أن يكون مجاهراً، ذكر هذا القول

стр. 31

الحافظ في الفتح ١. القول الرابع: أن لعن المعين لا يجوز مطلقاً، وبه قال النخعي، فقد روى الخلال بسنده عنه أنه سئل: ما ترى في لعن الحجاج وضَرْبهِ من الناس؟ فقال: لا تسمع إلى قوله تعالى ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وبه قال الإمام أحمد، فقد روى ابنه صالح أنه قال له: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه، قال: لا يعجبني لو عبر، فقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . وبه قال الخلال وعزاه إلى الحسن وابن سيرين ٣، وعزاه شيخ الإسلام إلى أبي بكر عبد العزيز من أصحاب الإمام أحمد ٤. وبه قال البخاري حيث بوب (باب لعن السارق إذا لم يسم) ٥، وكذلك القاضي عياض، والنووي، وابن العربي، وحكى فيه الاتفاق ٦، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الصنعاني، والشوكاني ٧. وقد استدل من قال بهذا بالحديث السابق وهو نهيه ﷺ عن لعن الذي حده في شرب الخمر وقال: “لا تلعنوه”، وفي رواية أنه قال ﵊: ”لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم” ٨، مع أنه عليه الصلاة

стр. 32

والسلام قد لعن شارب الخمر، فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “ أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقيها ” ١. فقالوا: إن حديث عمر في نهيه عن لعن شرب الخمر يحمل على المعين، أما حديث ابن عباس فهو في لعن غير المعين ولعن الشارب عموماً ٢. واستدلوا أيضاً بحديث “لعن المؤمن كقتله” ٣. قال النووي ﵀: أن اللعن من المعاصي الشديدة القبح...وقد قال ﷺ “لعن المؤمن كقتله”. واتفق العلماء على تحريم اللعن فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد. وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحدٍ بعينه مسلماً كان أو كافراً أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس ٤. وقد استدل بهذا الحديث الإمام أحمد في إنكاره للعن يزيد بن معاوية، فقد روى الخلال أن أبا طالب قال: سألت أبا عبد الله من قال لعن الله يزيد بن

стр. 33

معاوية؟ قال: لا أتكلم في هذا، قلت: ما تقول فإن الذي تكلم به رجل لا بأس به، وأنا صائر إلى قولك، فقال أبو عبد الله: قال النبي ﷺ : ”لعن المؤمن كقتله” فأرى الإمساك أحب إليَّ ١. وقد أجاب من منع لعن الفاسق المعين عن استدلال المجيزين لذلك بحديث أبي هريرة الذي ورد فيه لعن الملائكة للمرأة التي تأبى على زوجها، بأن ما ورد في الحديث هو الإخبار عن لعن الملائكة، وهو أمر موجه إليهم، وليس إلينا، كما أخبرنا أن الله لعن شارب الخمر إلا أنه لم يأمرنا بلعنه٢. فعليه فالراجح فيما أرى عدم جواز لعن الفاسق المعين، وإنما يلعن الوصف كأن يقال لعنة الله على شارب الخمر وآكل الربا والواصلة ونحو ذلك مما ورد في الأحاديث، وذلك لأن لعن المعين معناه طرده وإبعاده من رحمة الله فيكون بهذا من جنس القطع له بالنار والخلود فيها، وهذا خلاف عقيدة أهل السنة وخلاف الحق الذي دلت عليه النصوص، ثم إنا لا ندري ما يختم للإنسان، فلا نقطع بذلك على مسلم، مع ما ورد من الأحاديث من النهي عن اللعن عموماً كما في حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :“لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار”٣. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :“ليس المؤمن بالطعّان ولا باللعان ولا بالفاحش البذيء” ٤. والله أعلم.

стр. 34

المبحث الخامس: هجر أهل المعاصي والفسق اتفق السلف على أنه لا يجوز هجر المسلم فوق ثلاث لحظ من حظوظ النفس والهوى وذلك لقول الرسول ﷺ : “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” ١. كما اتفق السلف على جواز هجران أهل المعاصي والفسق واستدلوا لذلك بعدة أدلة: منها قوله تعالى ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ هود:١١٣. قال القرطبي ﵀ في بيان المقصود بالذين ظلموا قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة نحو قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية٢. ومنها: قصة كعب ابن مالك ﵁ وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وجاء فيها قول كعب ﵁ “ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة” ٣. قال النووي في بيان فوائد الحديث: استحباب هجران أهل البدع والمعاصي وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيراً لهم وزجراً ٤. قال ابن حجر: قال الطبري: قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل

стр. 35

المعاصي١. قال ابن عبد البر: في شرحه لحديث “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث” ٢ وهذا الحديث وإن كان ظاهره العموم، فهو -عندي- مخصوص بحديث كعب بن مالك، حيث أمر ﷺ أصحابه أن يهجروه ولا يكلموه هو وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع لتخلفهم عن غزوة تبوك، حتى أنزل الله توبتهم وعذرهم، فأمر رسول ﷺ أصحابه أن يراجعوهم الكلام. وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديباً له، وزجراً عنها٣. ومنها ما روى عن عائشة ﵂: "أن صفية بنت حيي ﵂ اعتل جملها وكان عند زينب بنت جحش ﵂ فضل ظهر فقال لها النبي ﷺ : يا زينب افقري أختك صفية جملاً فقالت: أنا أفقر يهوديتك، وفي رواية: أنا أعطي تلك اليهودية فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها” ٤. ومن الأدلة فعل الصحابة ﵃، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه رأى رجلاً يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف ٥ أو كان يكره الخذف وقال: إنه لا يصاد به الصيد،

стр. 36

ولا يُنكأ به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له:“أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف، أو كره الخذف، وأنت تخذف؟ لا أكلمك كذا وكذا”، وفي رواية مسلم “لا أكلمك أبداً” ١. قال ابن حجر:“وفي الحديث جواز هجران من خالف، وترك كلامه”٢. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :“لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد” فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا، قال: فما كلمه عبد الله حتى مات٣. فهذه أدلة صريحة تدل على هجر العاصي زجراً له وتأديباً، لعله يرتدع وينزجر عن فعله. قال القاضي أبو يعلى:“فأمروا بهجر العاصي تنفيراً عنه وإذلالاً له وكسراً لقلبه فربما ارتدع بذلك عن غيه ٤.

стр. 37

أما ما ورد في هجر المبتدعة فهو أمر مشتهر عن السلف أنهم هجروا المبتدعة وأمروا بهجرهم ونهوا عن مجالستهم والسلام عليهم وحضور جنازتهم. أما الفساق فإن الأدلة السابقة صريحة في هجرهم ويخصص بها عموم النصوص الواردة في تحريم هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام، فإن هذا الهجر المحرم هو فيما إذا كان الهجر لحظ النفس وهواها، أما إذا كان الهجر لله فإنه يجوز حتى يتوب المهجور ولو طال ذلك كما كان الأمر بالنسبة لكعب بن مالك ﵁ وصاحبيه، فقد هجرهم المسلمون بأمر النبي ﷺ خمسين ليلة، وهجر النبي ﷺ زوجه زينب ﵂ ثلاثة أشهر تقريباً ومدة الهجر مرتبطة بأن يظهر العاصي توبة صحيحة لما ورد عن الإمام أحمد أنه قال في عاص: يهجر حتى يظهر توبة صحيحة ١. ومما ينبغي التنبه له أن العاصي الذي يهجر هو من أظهر فسقه وجاهر بارتكابه للمحرم، أما المستتر بمعصيته فلا يهجر، وإنما ينصح سراً إذا اطلع إنسان على حاله لعله يتوب، ولا يجوز فضحه. قال الخلال: أبو عبد الله هجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الردية وكاشف بها، أما من سكر أو شرب أو فعل فعلاً من هذه الأشياء المحظورة ولم يكاشف بها فالكف عن أعراضهم ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:“من فعل شيئاً من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة، فإن كان الرجل مستتراً بذلك وليس معلناً له أنكر عليه سراً وستر عليه، إلا أن يتعدى ضرره، والمتعدي لا بد من كف عدوانه، وإذا نهاه المرء سراً فلم ينته فعل ما

стр. 38

ينكف به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين”. وقال أيضاً:“فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة ويهجر ويذم على ذلك، بخلاف من كان مستتراً بذنبه مستخفياً فإن هذا يستر عليه لكن ينصح سراً، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب”١. وقال الذهبي:“فإذا كان الجار صاحب كبيرة فلا يخلو: إما أن يكون مستتراً بها يغلق بابه عليه، فليعرض عنه، ويتغافل عنه، وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه فحسن. وإن كان متظاهراً بفسقه، مثل مكاس أو مرابي فهجره هجراً جميلاً، وكذا إن كان تاركاً للصلاة في كثير من الأوقات فمره بالمعروف وانهه عن المنكر مرة بعد أخرى، وإلا فاهجره في الله تعالى، لعله أن يرعوي ويحصل له انتفاع بالهجرة، من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك، فإن رأيته متمرداً عاتياً بعيداً عن الخير فأعرض عنه” ٢. كما يحسن التنبيه على أمر آخر مهم في هذا: وهو أن الهجر من العقوبات الشرعية التي ثبتت بالشرع، وهي من الزواجر عن ارتكاب الذنوب، إلا أن هذا الزاجر وهذه العقوبة تستخدم حيث تنفع ويتحقق المقصود الشرعي منها، وهو تقليل الشر وتكثير الخير، أما إذا كانت تؤدي إلى خلاف ذلك من تكثير الشر وتقليل الخير فإن الأولى أن يسعى المسلم إلى الوصول إلى المطلب الشرعي بأوصل الطرق إليه. قال ابن عبد البر ﵀:“ولا هجرة إلا لمن ترجو تأديبه بها أو تخاف من شره في بدعة أو غيرها” ٣.

стр. 39

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الهجر:“فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة” ١. وقال أيضاً:“الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى ترك المنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها ـ ثم قال عن الثاني ـ وهو: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كانوا أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدّين وتطهيرهم من الذنوب، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. وجواب الأئمة أحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة

стр. 40

والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه”١. وبه يتبين أهمية أن يستخدم المسلم الحكمة في أمر الهجر، لأن المسلم قد يخالط من هو مرتكب للمنكرات، إلا أنه حاكماً أو سيداً مطاعاً في قومه، أو من يكون تعلقت به مصالح العبد، فإن هجره له لا يؤثر فيه بالارتداع والانزجار بل قد يتمادى تكبراً وغطرسة، وقد يوصل إلى الهاجر الضرر، إما الجسدي، وإما المالي. وكذلك فإن من الأمور التي ابتلي بها أهل زماننا كثرة العصاة وتنوع عصيانهم، وظهور أنواع من المنكرات تواطأ الناس على فعلها فصارت من عادات بعض الناس، وأعرافهم التي لا يستنكرون فعلها كحلق اللحى وشرب الدخان ونحو ذلك، مما لو هجر المسلم بسببه لصرم الناس إلا قليلاً منهم، وفيهم أهله وأقرباؤه وذوي رحمه، وهؤلاء بهجره لهم لا يرتدعون ولا ينزجرون، فمن هنا أرى أن دعوتهم وتذكيرهم ووعظهم والإنكار عليهم بالرفق واللين واستعمال التأليف لهم بالهدية ونحوها مع القصد الصالح في دعوتهم ووعظهم، فلعل هذا يكون من الجنس الذي بين العلماء فيما نقلت عنهم كابن عبد البر، وشيخ الإسلام والذهبي أنه أنفع وأحرى في تحقق المقصود مع أنه في الحقيقة هو الأمر الممكن للإنسان في هذه الأزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أعلم وأحكم.
следующие страницы →