هذا الفعل من النبي ﷺ كان اجتهادًا منه، حَتَّى أن ربّه جلّ وعلا عاتبه في ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم / ١] .
والرسول ﷺ من منطلق بشريته، وإنسانيته السوية يقع له مع أهل بيته من الخلافات، والمنازعات ما يمكن أن يقع بين أي ربّ أسرة مع أسرته.
وربما نغّص عليه ذلك النزاع، وأغضبه، ودفعه إلى اعتزال نسائه كلهن مدّة شهر من الزمان ١.
ولكنّه في كلّ الأحوال يبقى ذلك الإنسان الكريم، ذا الخلق العظيم. فلا يظلم، ولا يجور، ولا يقول إلا الحق.
وكان ﷺ يحرص على إرضاء أزواجه وفق مفهوم ما شُرِع لهن على أزواجهن من حقوق، يأتي في مقدمتها حسن المعاشرة. بالتلطف إليهن، والعدل والمساواة بينهن، وتجنب ما يكدر عليهن صفو حياتهن.
وذلك ليشرِّع للنّاس ما يتَّبعونه من آداب، وأخلاق فيما بينهم. فتحريمه العسل كان لإرضاء من أثّر في نفسها تأخره عند جارتها وقتًا أطول مما يمكثه عند الأخريات. وحلْفه عليها ألاّ تخبر أحدًا كان مراعاة لشعور زوجاته الأخريات اللاتي لم يطَّلعن على الخبر أساسًا.
فإذا نظرنا إلى نوع الفعل الَّذي وقع منه ﷺ وجدناه فعلاً لا تدخله شبهة
стр. 37
التحريم، ولا حَتَّى الكراهة، فدلّ على أنه كان تنازلاً منه عن شهوة نفس في لذّة طعام يفضّله، وآثر عليه مرضاة أزواجه، ووئام أسرته.
ثمَّ إن قول الرجل: هذا حرامٌ عليَّ. لا يُحرم شيئًا، ويكون يمينًا توجب الكفّارة عند بعضهم. وهذا يؤيده قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم / ٢] .
وهذا النوع من المداراة يقع من الحكيم من النّاس، عند معاملته من هم دونه في المسئولية والقدرة على تحمّل أعباء الحياة، كالزوجات، والأبناء.
(٢) وعن العلاقة بين الرَّجل والمرأة وخاصة الزوجان، نجد من السنّة النبوية ما يرشد، ويُعين على تفهم طبيعتها، ويحقّق لها قدرًا كبيرًا من الوئام.
ذلك أنّ نوعًا من المداراة يجب أن يتسلّح به أحد الطرفين مع الآخر.
قال الرسول ﷺ : " الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ " ١.
قال ابن حجر:
وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب. وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وإن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن. . . مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين
стр. 38
بها على معاشه. فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلاّ بالصبر عليها ١.
(٣) وفي بعض المواطن قد يضطر المسلم فيها إلى إخفاء الحقيقة من باب (المداراة) ، بمجاوزة الصدق طلبًا للسلامة، ودفعًا للضرر عن نفسه، أو أُمَّتِهُ، أو الابقاء على وئام أسرته.
وقد يُعدُّ ذلك كذبًا، ولكن الشارع رخص فيه على سبيل التورية والتعريض في ثلاثة مواطن:
الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين النّاس ٢، وبيان ذلك كما يلي:
أ - القائد في الحرب يوهم سامعه أنه ينوي التوجه إلى الشمال بينما يتّجه إلى الجنوب، حَتَّى يربك عدوه، ويضيِّع عليه فرصة الاستعداد للمواجهة، فيفاجأ بالهجوم، فتضعف عنده الروح المعنوية، فيمنى بالهزيمة، وقد سمّى النبي ﷺ الحرب خَدْعة ٣. قيل: معناها: الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرّة، وإلاّ فقاتل.
وقيل: معناها: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر ٤.
стр. 39
قال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالاً ١.
ب - والأسير من المسلمين عند الأعداء سيستنطقونه بطرق شتى: أخبار قومه، وعددهم، وعدّتهم، وخططهم، وتوجهاتهم. فإن ذهب يخبرهم بالحقيقة هلك، وأهلك قومه، بل عليه مداراتهم بالختل، والحيلة، وقلب الحقائق، وإن تعرض للأذى تحمّل ذلك.
ج- والمرأة الَّتِي لا ترضى إلا بالزيادة، ولا تقنع بما عندها والتي يتقنعها الشك في تصرفات زوجها وتعصف بها الغيرة ينعكس ذلك على تصرفاتها في بيتها مع زوجها، وعيالها: ضجر، وانفعال يؤديان في الغالب إلى تقصير في الواجبات الزوجية، فتنشأ بسبب ذلك الخلافات، وتتكدر النفوس. مما يهدد دعائم الأسرة بالانهيار، والفُرقة.
فدور الرجل في مثل هذه الحالة وغيرها يتمثل في مداراتها، واستمالتها بالحديث الَّلين، والوعود الواسعة، واللطف معها، والإحسان إليها، حَتَّى إذا سكنت نفسها، واطمأنت عادت إلى إحسانها له، مبتهجة، راضية، ووجد هو في قربها السكينة، والمودة.
стр. 40
وجاء في الحديث: " أَلا إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّكَ إِنْ أردت إِقَامَةَ الضِّلْعِ كسرْتها. فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا " ١. وكسرها طلاقها.
فوصف المرأة بالضِلع بجامع الاعوجاج فيهما. ففي الضِلع حقيقة، وفي المرأة مجاز. ووصف للضِلع في خِلْقَتِه، ووصف للمرأة في خُلُقِها.
قال ابن العربي: والغالب من النساء قلّة الرضى، والصبر، فهن يَنْشُزْنَ على الرجال كثيرًا، ويكفرن العشير، فلذلك سمى رسول الله ﷺ المنتزعات أنفسهن من النكاح منافقات ٢.
د - الإصلاح بين النّاس نوع من التعاون على البر والتقوى بين المسلمين، فإذا نزغ الشيطان بين مسلمَيْن، وأدى ذلك إلى نزاع بينهما، وخصومة تجر إلى
стр. 41
هجر، وقطيعة، ثمَّ سعى طرف ثالث بينهما بالصلح، واختلق لذلك كلامًا حسنًا على لسان أحدهما يقوله في الآخر، يثني عليه، ويتمنى زوال أسباب الخلاف بينهما.
فإنّ من شأن ذلك أن يزيل ما علق في نفس كلّ منهما نحو الآخر من كراهية، ويجعله يعيد النظر في موقفه من الآخر، فإذا التقيا تعاتبا، وإذا تعاتبا تصافيا. وقد صحّ عن النبي ﷺ قوله: " لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ويَقُولُ خَيْرًا، وَيَنْمِي خَيْرًا " ١.
(٤) وفي مشهد آخر يستحوذ على اهتمام المسلم في علاقته مع الآخرين، وما يجب عليه من حقّ الضيافة والتكريم، وفق شريعته السمحة، تبرز بعض صور (المداراة) من مجاملة، ولين جانب، واستمالة للقلوب لكسب ودّها.
قالت عائشة ﵂ إنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: " بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ ".
فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ له؟!!
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فاحشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ
стр. 42
اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فحشه " ١،
قال ابن حجر: وهو عند الحارث بن أبي أسامة من حديث صفوان بن عسّال نحو حديث عائشة، وفيه: فقال النبي ﷺ : " إنّه منافق أداريه عن نفاقه، وأخشى أن يُفسد عليَّ غيره " ٢.
أوضحت رواية ابن عسّال المعنى الَّذي من أجله قال الرسول ﷺ ما قال للرجل، ثمَّ الَّذي فعله معه بعد رؤيته من تطلق وجهه، وانبساطٍ له.
فقد عَلِم عن طريق الوحي حقيقته، وكان يعلم ﷺ أنّ له أتباعًا يطيعونه ويُصْغُون لحديثه.
فلو أغلظ له النبي ﷺ ، أو صدَّه عن لقائه، لأوغر صدور أتباعه عليه، وحملهم على العصيان والكفر. ودور الرسول ﷺ يرتكز على دعوة النّاس بالتي هي أحسن. وقد قال الله في حقّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران / ١٥٩] .
فالحديث - كما قال ابن حجر - أَصل في المداراة ٣.
стр. 43
وهو كذلك، فالداعية عليه أن يتحلى بأنواع الصبر، ويداري في دعوته أصناف النّاس، بلطيف الكلام، وحسن التصرف.
قال الخطابي: يجمع هذا الحديث عِلْمًا، وأدبًا، وليس قول رسول الله ﷺ في أمته بالأمور الَّتِي يَسِمُهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غِيبةً وإثمًا، كما يكون ذلك من بعضهم في بعض. بل الواجب عليه أن يبيِّن ذلك، ويفصح به، ويعرِّف النّاس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمّة. ولكنَّه لِمَا جُبِلَ عليه من الكرم، وأُعْطِيَهُ من حسن الخلق، أظهر له من البشاشة ولم يَجْبَهَهُ بالمكروه، لتقتدي به أمّته في اتقاء شر من هذا سبيله، وفي مداراته ليسلموا من شرِّه، وغائلته ١.
وقال القاضي عياض:
وأما إلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التألُّفِ له ولأمثاله على الإسلام ٢.
(٥) وفي إطار المصلحة العامة يستشعر المخلصون شعورًا قويًا بالمسئولية تجاه أمّتهم، وما يعنيها من الإخلاص والأمانة. يدفعهم إلى ذلك إيمان بالله واليوم الآخر. فيساير أحدهم عدوّه - وهو منه على حذر - ليحقق لأمّته ما يحفظ عليها أمْنها، وسلامتها، وكرامتها، دون المساس بأصل المعتقد وجوهره. ظهر شيء من هذا في وثيقة صلح الحديبية الَّتِي كُتبت بين رسول الله ﷺ وبين مشركي مكّة، حين رفض مندوبهم سهيل بن عمرو أن
стр. 44
يُكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وطلب أن يكتب بدلها باسمك اللهم، ووافقه الرسول ﷺ على ما طلب.
واعترض سهيل على الكاتب قوله: ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله قائلاً: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت. ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فوافقه الرسول ﷺ على طلبه.
وطلب سهيل أن يُنَصَّ في الوثيقة على ما يلي:
لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلاّ رددته إلينا. فوافقه الرسول ﷺ على طلبه ١.
قال الخطابي:
في ذلك باب من العلم فيما يجب من استعمال الرفق في الأمور، ومداراة النّاس فيما لا يلحق دين المسلم به ضرر، ولا يبطل معه لله سبحانه حقّ.
وذلك أن معنى: باسمك اللهم، هو معنى: باسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان فيها زيادة ثناء.
وكذلك المعنى في تركه أن يكتب: محمد رسول الله واقتصاره على أن يكتب: محمد بن عبد الله.
لأنّ انتسابه إلى أبيه عبد الله لا ينفي نبوته، ولا يسقط رسالته.
وفي إجابته ﷺ إياهم إلى أن يرد إلى الكفار من جاءه منهم مسلمًا، دليل
стр. 45
على جواز أن يقرَّ الإمام - فيما يصالح عليه العدو - ببعض ما فيه الضَّيم على أهل الدين، إذا كان يرجو لذلك فيما يستقبله عاقبة حميدة، سيما إذا وافق ذلك زمان ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار، وخوفهم الغلبة منهم ١.
(٦) وإِذا تَعرَّض المؤمن إلى ما يهدد وجوده على الأرض بسبب معتقده، ووقع في قبضة عدوّه الَّذي ساومه بين الكفر أو الاستئصال - وهو قادر - فإِنَّ (المداراة) من المؤمن لمثل هذا الطاغية، في مثل هذا الموقف لا تطعن في صحّة إيمانه. . . ذكر أبو عبيدة بن محمّد بن عمَّار بن ياسر قال:
أخذ المشركون عمّار بن ياسر، فلم يَدَعُوه حَتَّى سبَّ رسول الله ﷺ ، وذَكَرَ آلهتهم بخير، ثمَّ تركوه.
فلما أتى النبي ﷺ قال: " ما وراءك؟ " قال: شَرٌّ يا رسول الله، والله ما تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير.
قال: " فكيف تجد قلبك؟ ".
قال: أجده مطمئنًا بالإيمان.
قال: " فإن عادوا فعُدْ " ٢.
وشروط الإكراه أربعة:
стр. 46
١ - أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.
٢ - أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
٣ - أن يكون ما هدّده به فوريًا.
٤ - أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، كمن أكره على الزنا فأولج، وأمكنه أن ينزع ويقول: أنزلت، فيتمادى حَتَّى ينزل.
ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور ويُسْتَثْنَى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حقّ ١.
ولعل ذلك يندرج تحت قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران / ٢٨] .
قال النسفي:
لا يوالي المسلم الكافر. والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان.
﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلاّ أن تخافوا من جهتهم أمرًا يجب اتقاؤه، أي: إلاّ أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك، ومالك فحينئذٍ يجوز لك إظهار الموالاة، وإبطان المعاداة ٢.
стр. 47
وروى الطبري عن ابن عبّاس قوله:
نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفّار أو يتّخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلاّ أن يكون الكفّار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين ١.
(٧) وفيما يتعلّق ببعض أمور العبادة الَّتِي دارى الشارع فيها أحوال أصحابها لتأليف قلوبهم، ما رواه أبو سعيد الخدري قال:
جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ. فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا.
فَقَالَ رسول الله ﷺ : " لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ ".
وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: " لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ".
وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنِّي لا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
قَالَ ﷺ : " فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ " ٢.
стр. 48
معروف أنّ لكلّ صلاة وقتين: وقتًا تبدأ فيه لا تصح قبله. ووقتًا تنتهي فيه لا تجوز بعده إلاّ بعذر، وتكون قضاءً.
فالذي ينام عن صلاة الفجر حَتَّى تطلع الشمس قد فاته وقتها الأصلي، فإن كان فعله هذا بدون تفريط منه، وأمرًا طارئًا، وله عذر، كفَّر عن فعلته بأدئها حين يستيقظ مباشرة. لقوله ﷺ : "إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى " ١.
وحجّة صفوان في تأخيره لصلاة الفجر حَتَّى تطلع الشمس أنها عادة اعتادها هو وقومه، مما يدل على أن أمر تأخير صلاة الفجر قد تكرّر منه وربما ظنّ وأهل بيته أَنَّهم مرغمون بحكم العادة على فعل ذلك.
يقول الخطابي:
وقوله ﷺ : " فإذا استيقظت فَصَلِّ " ثمَّ تَرْكُه التعنيف له في ذلك، أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ومن لطف نبيّه، ورفقه بأمّته.
ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى مَلَكَة الطبع، واستيلاء العادة، فصار كالشيء المعجوز عنه. وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يُغمى عليه، فعُذر فيه، ولم يُؤَنب عليه.
ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض، وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه، ويبعثه من المنام، فيتمادى به النوم حَتَّى
стр. 49
تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأوقات. فإنّه قد يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد يُصلح هذا القدر من شأنه، ولا يراعي مثل هذا من حاله.
ولا يجوز أن يُظن به الامتناع من الصلاة في وقتها. ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه، والإيقاظ ممن يحضره، ويشاهده ١.
وإذا نظرنا إلى المسألة من منظور المداراة فإنّا نصنّفها في دائرة الملاينة، والرفق، والمسايرة من العالم للمتعلّم. لإعادة النظر فيما يأتي به المتعلّم من أمور في العبادة تخالف قواعدها، جهلاً من الفاعل أو تقصيرًا. وحرصًا من العالم على تعليمه إياها ونصحه بالتي هي أحسن، متدرجًا معه من صغار المسائل إلى كبارها حتَّى لا ينفر.
وهذا الموقف يشبه - مع الفارق - الَّذي اعتاد على فعل محرّم كشرب الخمر مثلاً. فليس من حسن التوجيه الطلب منه الكفّ عن ذلك في التوِّ واللَّحظة، ولكن بالتدرج، والمتابعة، والنصيحة، والتذكير بعواقب الأمور.
ونجد بحمد الله في كتاب الله العزيز ما يؤكد صحّة هذا النهج في الإصلاح والتربية.
قال عمر: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ آية الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ آية / ٢١٩، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الآية الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ آية / ٤٣.
стр. 50
فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلاةَ ينادي: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ. فقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .﴾ [المائدة / ٩٠] ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فلمّا بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا ١.
فعادة شرب الخمر كانت متأصلة في مجتمع مكة وغيره بين العرب حينذاك، وعنوان كرم، ودليل إكرام بينهم.
وللخمر تأثير على عقل الإنسان، يفقده التمييز بين الأمور، ويدفعه للخلط فيما يأتي من أفعال، وأقوال لها مساس بالمروءة.
وأمور العبادة الَّتِي نادى بها الإسلام بعد ذلك لا تصحّ من أحد إلاّ وفق قواعد محددة، بأركان، وشروط، وواجبات، تنضبط بانضباط فاعلها، إذا كان سويًا، عاقلاً، مدركًا.
والعقل في ذلك كلّه هو المحور الأساسي الَّذي تدور عليه قابلية التكاليف الشرعية، وهو مناطها.
فإذا كان متوقّدًا، يقظًا استطاع التفريق بين الحلال والحرام، أو انقاد - برضى وقبول - لمن يرشده إلى ذلك، ومن الآفات الَّتِي لها تأثير سلبي مباشر على العقل البشري: الخمر. أو كلّ ما خامر العقل، وستره.
стр. 51
فكيف عالج الشارع الحكيم أمر استئصال عادة شرب الخمر بين المسلمين؟
لقد اتّبع أسلوب التدرج في ذلك، فبدأ بتذكيرهم بأن إثمها أكبر من نفعها.
ثمَّ وصفها بأنها رجس من عمل الشيطان.
وأخيرًا قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة / ٩١] .
قال الفاروق بعد سماعها: انتهينا، انتهينا. وقد قال قبل: ((اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا)) ١.
وفي موقف آخر من مواقف الشارع الحكيم ما يوافق أسلوب الدعوة بالتي هي أحسن، بالرفق، واللين، مع المؤلفة قلوبهم، مارواه النسائي وغيره عن حكيم بن حزام قال: ((بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أَخِرَّ إلاَّ قائمًا)) ٢.
قيل: معناه: أن لا يكون سجوده في الصلاة إلاّ خرورًا من قيامه. أي: لا
стр. 52
يركع؟!! .
والركوع في الصلاة من أركانها!؟ .
وسقوط شيء من الأركان في الصلاة يبطلها!؟ .
والصلاة الباطلة لا تجزيء صاحبها!!؟ .
إنّ معالجة الداعية الحكيم أمر المؤلفة قلوبهم تغلب عليه الدراية، وبعد النظر، والصبر، والروية.
فإنّ الإيمان بعد الكفر مباشرة لا يسلم صاحبه من التردد بين المضي والإحجام، والشك واليقين.
والكافر مادي الأفكار، يأخذ بحساب الربح والخسارة عند كل ما يخصه من أمور الحياة، فيقدم هذا، ويؤخر هذا، فإذا ما وعد بما لم يره من ثواب أو عقاب في عالم الغيب - إن هو أحسن أو أساء - أخذ الأمر مأخذ الاحتمال، فهو بين المتطلع إلى الفوز والنجاح، والنادم على ضياع فرصة اللذات، والشهوات.
ولكن يبقى عامل الخوف في نفسه من المجهول. ويرى ما يتقلّب فيه الإنسان من صحّة وعافية، ثمَّ ما يعقب ذلك من موت، وفناء، حقيقة لا مراء فيها.
فالخوف غريزة في المخلوق تدفعه أو تمنعه من فعل ما يريد أو التصرف حيال ما يشعر خطره على نفسه أو ماله أو أهله.
فمن استطاع من الدعاة أن يستغل آثار هذه الغريزة عند المسيء أو المنحرف، أو الضّال. ويوقظ في أنفسهم الشعور بخطورة أفعالهم، ومغبَّة أعمالهم، ثمَّ يبيِّن لهم محاسن الدين، وما وعد به أتباعه المهتدين. فإنّ النجاح حليفه إن شاء الله.
стр. 53
فالذي اشترط عند بيعته ألاَّ يخرَّ إلاّ قائمًا، علم الرسول ﷺ من لسان حاله أنه بعد أن يدخل في الإسلام، ويتعلّم من أمور الدين ما يفتح الله به عليه فسيعلم أن الركوع ركن في الصلاة، وأن تركه متعمدًا أو ناسيًا يبطلها، وأن الصلاة الباطلة لا تفيد صاحبها، وهي عامود الدين.
وهذا الموقف يشبه موقف وفد ثقيف عندما اشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، وأن رسول الله ﷺ قال: " سيصَّدقون، ويجاهدون إذا أسلموا " ١.
وقد يجد الداعية نفسه أمام موقف يرتكب فيه أحدهم معصية، لا يقدر على دفعها في حينها لتعطل لغة الحوار بين الطرفين، فالآثم في حالة من اللاوعي لا تجعله يدرك حقيقة ما يقول، ولا يقدر أن يميّز بين إنسان وآخر في المعاملة. لتأثر عقله بما تعاطاه من مسكر أو مخدر.
والداعية في حالة أدرك معها حقيقة صاحبه، فتراجع في نفسه عن صياغة ألفاظ النصيحة، أو التنديد بما يراه، فترك المكان، تجنبًا لأي نوع من المهاترات أو المناوشات ليحفظ قدره، وهيبته، ويتجنب الحماقة في الفعل أو القول.
قال عليّ بن أبي طالب ﵁:
وَخَرَجْنَا. وذلك قبل تحريم الخمر ١.
(القهقرى) المشي إلى الخلف.
قال ابن حجر:
وكأنّه فعل ذلك خشية أن يزداد عبث حمزة في حال سكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع من حمزة بمرأى منه ليدفعه إن وقع منه شيء ٢.
وقال الخطابي:
إنّ هذا إنما كان من حمزة قبل تحريم الخمر.
لأنّ حمزة قُتل يوم أُحُدٍ، وكان تحريم الخمر بعد غزوة أُحُد، فكان معذورًا في قوله، غير مؤاخذ به. وكان الحرج عنه زائلاً إذ كان سببه الَّذي دعاه إليه مباحًا، كالنائم، والمغْمَى عليه، يجري على لسانه الطلاق، والقذف، فلا يُؤاخذ بهما ٣.
وهكذا فإنّ العاقل لا ينبغي له أن يخاطب السكران في حال سكره، ولا أن يقيم عليه الحد - إن كان ممن يملك ذلك - إلاّ بعد أن يفيق من سكره، حَتَّى يكون وقع الجَلْد عليه محسوسًا عنده، ورادعًا له بعد ذلك.
стр. 57
وفي حياة المسلم من المواقف ما يستدعي المسايرة، والمجاملة وإن كان فيه ما ينغص عليه، ويظنه ظاهريًا خسارة لا ربحًا، ولكن الإيمان القوي بحكمة المشرِّع وسلامة التشريع، يدفع صاحبه إلى الامتثال، ويسوغ له أمر الطاعة.
قال جابر بن عَتيك: إن رسول الله ﷺ قال: "سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبٌ مُبْغَضُونَ، فَإِنْ جَاءُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ، وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهَا. وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ " ١.
قال الخطابي:
(رُكيب) تصغير (ركب) وهو جمع (راكب) .
وإنما عنى به السعاة إذا أقبلوا يطلبون صدقات الأموال.
فجعلهم مُبغضين لأنّ الغالب في نفوس أرباب الأموال بغضهم، والتكرّه لهم، لما جُبلت عليه القلوب من حبّ المال، وشدّة حلاوته في الصدر، إلاّ من عصمه الله ممن أَخلص النيّة، واحتسب فيها الأجر، والمثوبة ٢. فقد وجَّه إلى مداراتهم، والتلطف إليهم لقيامهم بما أوجب الله من حقّ للفقير على الغني.
ويُشبه هذا قول أحد الصحابة وهو أبو الدرداء: إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ ٣.
стр. 58
و (التكشير) ظهور الأسنان عند الضحك.
فهل يُعدّ هذا نفاقًا؟
فقد ترد الشبهة فيه، ولكنه لا يصدق على من مثل أبي الدرداء ﵁، ومن يشبهه من المؤمنين.
فهو إذًا من المداراة وهي خفض الجناح، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ في القول والرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، والإنكار عليه بلطيف القول، والفعل، ولاسيما إذا اُحتِيج إلى تألُّفه.
روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " إنّ الله أمرني بمداراة النّاس كما أمرني بإقامة الفرائض " ١.
وقد قيل: إنّ من ابتغاء الخير اتقاء الشَرِّ ٢.
فإذا أراد الخير لنفسه جانب فعل الشرور، واتقى الأشرار.
стр. 59
المبحث الرابع
المداراة وأثرها في المجتمع
إن من أهمّ ما يميّز المجتمعات بعضها عن بعض هو الوجود الحقيقي لروح التعاون بين أفرادها، بحيث يكون عمل الفرد لصالح المجموع، كما أَنَّه على الجماعة أن تحتضن الفرد. والعمل معًا في إطار المصلحة العامة، واحترام الأنظمة الَّتي توجّه دفّة الأمور فيها الوجهة السليمة الصحيحة، ويزداد احترام الفرد للأنظمة كلما كان مصدرها موثوقًا محترمًا، وليس من بين بنودها ما يخالف أو يعارض، أو ينفي أمورًا فطرية.
وقد أنار الله للمجتمعات المسلمة سبل هدايتها، وشرع لها من النظام ما يوافق الفطرة، فالأخذ به هو أَخذ لما يوافق تكوين الإنسان حقيقة، وأي انتقاص في هذا الميزان التعادلي ينتهي بالفرد إلى أن يكون متمرّدًا ضدّ أنظمة مجتمعه، أو في صراع معه.
ولا يوجد في المجتمعات مجتمع صغير أو كبير لا يمارس أفراده بشكل أو بآخر أسلوب (المداراة) فيما بينهم بنسب متفاوتة. ذلك لأن العلاقات الاجتماعية، والعلاقات العامة بصورها المختلفة، والمتباينة ذات طابع أخلاقي يمارسه الإنسان مع أخيه على أساس من التعاون، وبفيضٍ من المشاعر، والأحاسيس، والعواطف الَّتِي يحمل منها الشيء الكثير، مما يترك أثرًا محسوسًا على نتائج أفعالهما قوّة وضعفًا، شدّة ولينًا.
وما أَودع الله في البَشَر من اختِلاف، وتفاوتٍ، وتَباينٍ في الفَهْم، والوَعي، والإدراك سهَّل على المتميزِ منهم مداراة من هو دونه، وعلى الأَدْنى مداراة من هو فوقه، لتسهيل سبل العيش بينهما، كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
стр. 60
دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف / ٣٢] . وهذا يظهر جليًا في مجال الرحمة، والشفقة، والتقدير، والاحترام، وتبادل المصالح.
والنَّاس للنَّاسِ مِن بَدْوٍ وحاضِرةٍ ... بَعضهم لبعضٍ وإن لم يَشْعُروا خَدَمُ ١
فالبذل بين المسلمين له سِمة التسامح بينهم، لأنّ الباذل بمحبّةٍ، وطواعيةٍ يرجو الجزاء من خالقه، وقد اجْتَثَّ الإيمانُ من نفسه طابع الأنانية، وشَهوة الاستئثار. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر / ٩] .
فبذلهما جاء على قدر ما أَفرغ الإيمان في قلبيهما من محبّةٍ، والتنكر للذات منهما ارتكز على إقرارهما بالله وملائكتِه وكتبهِ ورسله واليوم الآخر. قال تعالى في الحديث القدسي: " وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ " ٢.
стр. 61
وكلّما تَوسّع الإنسان في رغباته، وشهواته احتاج إلى مزيد من السُّبل والوسائل لتحقيقها.
وتلك السُّبل والوَسائل لا تتأتى إلاَّ بقَدْرٍ كبير من الجَهد، والمشقة، والبذلِ، مادِيًا، ومَعنويًا.
وهنا يخْتلِف النَّاسُ في سَعيهم إليها بَيْنَ مُنْتَقٍ مُتَأَنٍ، وبَيْنَ حاطِبِ لَيْلٍ شَرِهٍ.
فمن كان هَدفُه تَحقيق ما أَراد دُون النَّظَر إلى عَواقِب الأُمور - وكان ذلك مِنه قُصُورًا في التَّفكير، وتقلِيلاً مِن شَأْنِ المروءَات - سَلَّم لنَفْسه الأَخْذَ بالأَسْباب مِن مُختَلفِ مَصادِرها. وأَوجد لها نظريًا مِن المسوِّغات ما يَزيد في تطاولها عَليه، مِما يُشجعها على سَوْقهِ نَحو عَاقبَةٍ وَخِيمَةٍ.
هذا النوع من النَّاس يَتَفتَّق ذِهنه - في الغالب - على نَوعٍ من الحِيَل الكثيرة، المشْتَمِلة في جُمْلتِها على أساليبَ مُخْتلِفة من الخِداعِ، والغِشِّ، والكذب. فَهو لا يَتَورَّعُ بل يَتَسَرَّعُ الأُمور، ويَسْتَثْقِل الانتِظار حِين الوقوفِ في صُفوفِ المنتظرينَ. ويتطلّع بفضولٍ شديدٍ إلى الكَسب السَّريع في وقتٍ سريعٍ، لا يَهمه أن يتخَطَّى من سَبَقه من ذَوي الحاجَاتِ، ولا يَروعُه أَن يَرى مَظْلومًا، حافِيًا، كادِحًا، قد سَبقَه في طلب إِنْجازِ حاجَتِه واقِفًا في الصَّفِ أَمام مَسْئولٍ قليلِ المُروءَة، والشَّهامة، والخَشْية، قدَّم عَليه هَذا المتسَرع الَّذي جَاء مِن الصُّفوفِ الخَلفية، أَو رُبما لَم يَقف في الصَّفِ أَصْلاً، بل جَاءَ حامِلاً تَوصيةً مِن وَجيهٍ، أَو صَاحِب نُفُوذٍ وهو ما تعارَف النّاسُ بتَسْمِيتِه: الواسِطة أو الوَسيط.
فما هِي حُدود ذلك؟ وما هي ضَوابطُه؟
وهَل تَنْدَرج الوَسَاطة في مَفْهوم الشَّفَاعَة العام؟ وهَل هي مِن المُدارَاةِ في شَيءٍ؟
стр. 62
يَقُول اللُّغَوِيُّون ١:
تَوسَّط فُلانٌ: أَخَذَ الوَسَط بَيْنَ الجيِّدِ، والرَّديء.
والواسِطَةُ: ما يُتَوصَّلُ بهِ إلى الشَّيء.
والوَسَطُ: المُعْتَدِل مِن كُلّ شَيء.
والوَسِيطُ: المتَوسط بين المتَخَاصِمَيْنِ.
وشَفَع لفُلانٍ: كَانَ شَفِيعًا لَهُ.
وشَفَع إلى فُلانٍ: تَوسَّلَ إليه بوَسِيلَةٍ.
وشَفَع في الأَمْرِ: كانَ شَفِيعًا فيهِ.
وشَفَّعَ فُلانًا في كَذا: قَبِلَ شَفَاعَتَه فيهِ.
ويُقَال: هُو مُشَفِّعٌ: يَقْبَل الشَّفاعَة.
وهُو مُشَفَّعٌ: مَقْبُولُ الشَّفاعَةِ.
يُقَالُ: تَشَفَّعَ لفُلانٍ وإلى فُلانٍ في الأَمْر.
وتَشَفَّعَ بهِ إليه: تَوسَّل بهِ إِليْهِ.
فعندما يكونُ لإِنسانٍ حاجةٌ، إِتْمَام قَضَائِها يتَطلب المرورَ بمراحِل تنظيميَّة، مُترابِط بَعْضُها بِبَعْضٍ. وتَحتَاجُ كُلُّ مَرْحَلَةٍ إلى نَوعٍ مِن الاخْتِصَاص يَقُومُ به مَسْئولٌ مُستقل في دَائرةٍ ذاتِ أَقسام، وشُعَب. يُديرها مجتمعةً مُديرٌ واحدٌ.
يتقدمُ صاحِب الحاجَة بطلبهِ إلى الإدارة المعْنية باسم مُديرها، الَّذي يُحيلُها
стр. 63
بدوْره إلى القِسم المختص ليُراجع مَسئوله صِيغَةَ الطَّلب.
فإذا وَجَدَه مُسْتَوْفيًا لشُروط وأَنظِمة إدارتهِ صَدَّق عليه وأَعَادَه إلى مَصْدره ليأْخُذ بَعْد ذلك دَورةً أُخرى مَع مُخْتَصٍ آخَر، في قِسْمٍ آخَر.
أما إذا كان شَيءٌ مِن الشُّروطِ غَير تَامٍ، أَو غَيْر مُطابقٍ للأَنظِمة المرْعيَّةِ، طُولِبَ صاحِبُه باستكمالِه، أَو تَعْديله.
هَذه الإجْراءات وغَيرها - مما يُسمى (بالروتين) - مُجتَمِعة أَو مُتفَرِقة تَسْتَغرق وقتًا، وتتطلب جَهدًا. فَمن كان على بيِّنَةٍ من أَمْرِه ثَابَر، وانْتَظَر، وصَبَر، لعِلمِه أَنَّ تَجاوزَه لِغَيرِه في تَحقيقِ غَايتِه نَوعٌ من التَّعَدي.
فَلكَي يَضْمَن صيانَة حُقُوقهِ عند الآخرين، فَعَلَيه أَن يَصون حُقوق الآَخرين عنده.
وأَما مُعْظم ما يَجري في وقْتِنا الحاضِر فيدخُل في مَفْهُوم الغَايةُ تُسَوِّغ الوَسَيلة، وهُو لَيْس مِن المُدارَاة في شَيء. بَل هُو مَفْهُومٌ خَطِيرٌ، ومَرتَعٌ خِصْبٌ للأَنَانية الدَّائِريَّة الَّتِي تُحيط بأَهلِها.
فَمن كان كذلك فَهُو لا يَتَحمل الانتِظار.
فتَجِدهُ كالَّذي يتخبَّطه الشَّيطان مِن المسِّ، لا يَهْدأ ولا يَسْتَقِر. هَمُّه أَن يَحْصُل على بُغْيَتِهِ بما يُحَقِّقُ مَصلحته الذَّاتية، ويُرضي غُرورَه. وذلك في الغَالِب يَكونُ عَلى حِساب المصْلَحة العامَّة.
فالَّذي يُوافق أَن يكون وَسيطًا، أَو شافِعًا لمثْل هذا الإنسان إِنَّما يَقْبلُ في الحَقيقَة أن يكون شَريكًا لَه ومُسَاعِدًا في إِضاعَة كَثير من الحقُوقِ
стр. 64
المُستحقَّة للآخَرين.
((وكُل أَمْرٍ لا يكُونُ مُوافقًا للحَقِّ فَهُو فَاحِشَة)) ١.
والفَاحِشَةُ: القَبيحُ الشَّنِيع مِن قَوْلٍ أَو فِعْل.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النِّساء / ٨٥] .
قال صاحب المنَار:
إِنَّ العُلماء مُتَّفِقُونَ على أَنّ شَفَاعة النّاسِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَدْخُل في عُموم الآية. وأَنّها قِسْمَانِ: حَسَنَة، وسَيِّئَة.
فالحَسَنَة أَن يَشْفَع الشَّافِع لإِزَالَة ضَرَرٍ، ورَفْع مَظلَمةٍ مِن مَظْلُومٍ، أَو جَرِّ مَنْفَعة إلى مُسْتَحِقٍ ليس في جَرِّها إِليه ضَرَرٌ ولا ضِرَارٌ.
والسَّيئة أن يَشْفَعَ في إِسْقَاطِ حدٍّ، أَو هَضْم حَقٍّ، أو إِعْطائِه لِغَير مُسْتَحِقٍ، أو مُحاباةٍ في عَمَلٍ.
والضَّابِط العَام أَنَّ الشَّفَاعة الحَسنة هِي ما كانَت فِيما اسْتَحْسَنه الشَّرعُ، والسَّيئة فيما كَرِهَه أَو حَرَّمَه.
والحاكِم العَادل لا تَنْفع الشَّفَاعة عِنْده إِلاَّ بإِعْلامه ما لَم يَكُن يَعْلم مِن مَظْلَمةِ المشْفُوعِ لَهُ، أَو اسْتِحقَاقِه لما يُطْلَبُ لَهُ.
ولا يَقْبل الشّفاعة لأَجْل إِرْضاء الشَّافِعِ فيما يُخالِف الحَقّ والعَدْل، ويُنَافي المصْلَحة العَامة. ومَا الذِّئابُ الضَّارِية بأَفتك في الغَنَم مِن فَتْكِ الشَّفاعات في
стр. 65
إِفساد الحُكومَات، والدُّول.
فإنَّ الحُكومة الَّتِي تُرَوَّجُ فِيها الشَّفاعات يَعْتَمد التَّابِعون لَها على الشَّفاعَة في كُل ما يَطْلبون منها - لا على الحَقِّ والعَدْلِ - فَتَضيعُ فيها الحُقوق، ويَحِلُّ الظُّلْم مَحِل العَدل. ويَسْري ذَلك من الدَّولَة إلى الأُمَّة فيكونُ الفَسَاد عامًا، ويَعْتَقِد الجماهيرُ أَنَّه لا سَبيلَ إلى قَضَاء مَصْلَحة في الحُكومَة إلاَّ بالشَّفَاعَةِ أَو الرَّشْوَةِ ١. ا.هـ.
وقال الزَّمَخْشَري: الشَّفَاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعي بِها حَق مُسْلِم ودُفِعَ بِها عَنْه شَرٌّ، أَو جُلِبَ إِليه خير.
وابْتَغى بها وَجْه الله، ولم تُؤْخَذ عَليها رَشْوة. وكانت في أَمْرٍ جائزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدود الله ولا في حَقٍّ من الحقُوق.
والسيئة بخلاف ذلك ٢.
وجَاء في الحَديث قَولُه ﷺ : " مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ. وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ.
وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ ٣ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا
стр. 66
قَالَ " ١.
وروى أَبو موسى الأشعري أنّ النبي ﷺ إذا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ على جُلَسَائِه فَقَالَ: " اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ " ٢.
قال ابن حَجر: في الحَديثِ الحَضُّ على الخَير بالفِعْل وبالتَّسبب إِليه بِكُل وَجْهٍ.
والشَّفَاعَة إلى الكَبير في كَشْف كُرْبَةٍ، ومَعُونَةِ ضَعِيفٍ إِذْ لَيْس كُل أَحدٍ يَقْدر عَلى الوُصُولِ إلى الرئيسِ ولا التَّمكُن مِنه لِيَلِج عَليه، أَو يُوَضِّح لَه مُراده لِيعْرِف حَالَه عَلى وَجْهِهِ ٣.
والمتَشَفِّعُ يَكُون لَه - غَالبًا - عند المُشَفِّع مِن الاعتبارات ما يُسَهِّل عَلَيه وِسَاطَته. مِنها ما يكونُ أَدَبِيًا، كالاحْتِرامِ، والتَّقْدير فَيَسْتَحي أَن لا يُحَقِّق لَه رَغبة لِكِبَر سِنٍّ، أَو مَكانَةٍ اجتماعيةٍ، أَو قرابةٍ.
ومِنْها ما يكونُ مُقَايَضَة، إِنْجَاز عَمل بإنجاز عمل.
ومِنْها ما يكونُ وِقَاية من أَذَىً يُمكِن أَن يُلْحِقَه المتشفِّع بالمشفِّع.
ومِنْها ما يكونُ تَزَلُّفًا من المشفِّع ليتَقَرَّبَ إلى المتشفع.
стр. 67
وأَحْسنه ما كانَ لِوَجْه اللهِ لِعاجزٍ، مُستَحِقٍ، مُنْقَطع، يَسْتَحي.
وأَسوؤها ما يُلحِق الضَّرر بالآخرين، ويُميت في نفس الضَّعيف كل أَملٍ في الحُصولِ على حَقِّه، فيُصبح المجتمع بذلك مُجتمعًا طَبَقيًا تنخرهُ المحْسوبيَّة، ويرتَع الظالم فيه مُنْتَصِرًا، مُفَاخِرًا، رافعًا عَقِيرتَه، ويُصبح اليَأْس، والخوفُ من المجهول وعَدم الثِّقَة عِنْدَ المسْتَضَعَفِين عَوامِل قَوية تَدفع بِهم إلى (المداراة) في طَريقٍ خَاطِيءٍ من النِّفاقِ، والكَذِب، والازْدِرَاء. فيَفْقِد الفَردُ مِنْهم حِسَّه المعْنَوي، وشعُوره بالكرامَة. فيخْسَر نَفسه، ويَخْسره المجتمع.
وما المقايضَةُ، والمُسَاومةُ بَيْن صاحِب الحاجةِ، وبَيْن من يَقْضيها لَه إلاَّ نوعٌ مِن الأّذَى، وأَكْلِ أَموالِ النّاسِ بغيرِ وجْهِ حَقٍّ، وقد نَصَّ الله تعالى على تحريم ذلك بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة / ١٨٨] .
أي: لا تُعْطُوها الحكَّام على سَبيل الرِّشَوة ليُغيروا الحكْمَ لكُم ١.
ولعَنَ رسولُ الله ﷺ الراشِي، والمرْتَشِي ٢، والرائش بَيْنَهما.
فالراشي: المُعطي. والمُرتشِي: الآخِذُ. والرائِش: الواسِطة بينهما.
قال الخطابي: إِنَّما تلحَقْهما العُقوبة مَعًا إِذا اسْتَويا في القَصْد والإِرادَة، فَرَشَا المُعْطي لينَال بهِ باطِلاً، ويَتَوصَّل به إلى ظُلْم.
قال: والآخِذُ إِنَّما يَسْتَحِق الوعيد إِذا كان ما يأْخُذه إِما على حَقٍّ يَلزمه
стр. 68
أَداؤه فلا يَفْعَل ذلك حَتَّى يُرْشَي. أو عَمَلُ باطلٍ يَجب عليه تركُه فلا يَتْركُه حَتَّى يُصانِع ويُرْشَى ١.
ويُنْسَب إلى الملكِ عَبدالعزيز بنِ عبد الرحمن - يَرْحمُه الله - قوله: لم يُفسِد المُلك إلاَّ المُلوك وأَحفَادهم، وخُدَّامهم، والعُلماء المحابُون، وأَعوانهم.
ومَتى اتَّفق الأُمراء، والعُلماءُ على المداهَنَةِ، فالأَمير يَمْنَح المِنَح، والعُلَماءُ يُدَلِّسُونَ، ضاعَت حُقوق النّاس. وفَقَدنَا والعِياذُ بالله الآخِرة والأُولى ٢.
ونوعٌ آخرُ مِنَ المُعَامَلَةِ بَيْنَ النَّاسِ يَلْتَبِس على الكثير الوقوفُ على حَقِيقَتهِ، ومعرفة نوعه إن كان من (المداراة) ؟
ذلك هُو (التَّقِيَّة) . قال في الوسِيط:
(التَّقِيَّة) : الخَشْيَة، والخَوْف.
و (التَّقِيَّة) عِند بَعض الفِرق الإِسلامية: إِخْفَاء الحَقِّ، ومُصَانَعَة النَّاسِ في غَيْرِ دَوْلَتِهِم. ا.هـ فهُما قد يَجْتَمعان عِند الخَشْية والخَوف على النَّفس مِن الهَلاكِ على قاعِدَة: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل / ١٠٦] . ولكنَّهما حَتْمًا يفْتَرِقان عِند مُصَانَعَة النَّاسِ بإِخفاءِ الحَقّ، فهذَا بِمَعنى النِّفاق، والتَّزَلف للوصُول إلى تَحْقيق غَاية مادية تُلحِق في الغالب ضَررًا بدينهِ، ومُعْتقدِه.
جاءَ في الحديث الصَّحيح: " إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي
стр. 69
هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ " ١.
فَهو مَع الجميع بِما يُرضي الجميع. تُسيِّره رغباتُه، وشهواتُه. لا يكْتَرِث كَثيرًا لما يَفْقِد مِن مَاءِ وَجْهه مِن الحَياءِ. وغَايتُه الحصُول على ما يُريد حَتَّى ولو أَخْزاه ما أَراد.
وهَذا لَيْس مِن (المداراة) المرْضِيَّةِ في شيء. إنما هو خليطٌ مِن الكَذِبِ، والنِّفاقِ، والتَّزلُّف والرِّياء، يأْباهُ كلُّ ذِي مُروءَةٍ.
وهو دِعامَةٌ قَويّةٌ لعناصِر الشرِّ في المجتمع، يرتكز عليها الفَساد النَاشيء عَن تقْسيم المجتَمع إلى طبقاتٍ متفاوتةٍ، يَسودها مَنْطق:
البَقاءُ للأَقوى، والحَسْرة للضَّعِيفِ.!!
والمحْسُوبية أَن تحسِب لغيرِك حِسابًا فيما تأْتي بهِ من عَمَلٍ ينتُج عَنْه الخَشْية عِنْدك عَلى مَصَالِحك الخاصَّة عِنده أَو عِند غَيْره مِن أَن تَتَعَطَّل، ممّا يَدْفعُك إلى مُدارَأَتِهِ.
أو أن تَتَطلَّع إلى تبادُل المنافِع بيْنكُما فيما يخْدِم مَصْلَحَتَيْكُما. مما يَدفَعك إلى التَّنازُل عَن بعضِ مُقومات السُّلوك القويم.
وهذا يكونُ - في الغالب - مِن الَّذِين يقْفِزون على الأَنْظِمة، والشَّرائِع. ويتَّخِذُون سَبيل الحِيلَةِ، والمراوغَةِ والخَديعَة، والكَذِب سَبيلاً
стр. 70
لتحقيق مآرِبهم، ومكاسِبهم غير المشْروعَة ١.
ومن هُنا يَبْرز دَور الوَسيط، ويُصْبح للوَسَاطة سُوقٌ رائِجَةٌ تعْمل على بَسْط النُّفوذِ من قِبَل فِئَةٍ مِن النَّاسِ على الفِئات الأُخرى. وتُرسِّخُ في أَذهان العَامَّة أَهميَّة الوَسَاطة باعتبارِها المحرك الأَقوى، ورُبما الأَسَاسي لكُلِّ مَسألة يُرادُ إِنْجازها.
والَّذِين أَوْكَل إليهم وَليُّ الأَمْر تَسْهيل أُمور النَّاس، وقضاءَ حَوائِجهم في إِطار المصْلَحة العامة، وخَصَّصَ لهم مِن الرِّزْق ما يَكْفي حاجتَهم، وحاجَة مَن يَعُولون، يجب عَليهم الإِخلاص في العَمل.
جَاء في الحديثِ: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ" ٢.
والغُلول: الخِيانَة.
стр. 71
وقَد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال / ٢٧] .
فَمن ضَيَّع شَيئًا ممَّا أَمر الله، أَو رَكِب شيئًا ممَّا نَهاه الله عنْه فلَيْس بِعَدْلٍ لأَنَّه لزِمَه اسْم الخِيانَة.
وفي مثل هَذِه الحالات يبْرز دَور المسئول الأَوّل في حُسْنِ الاخْتِيار للعَامِلين مَعَهُ. ومِن ثَمَّ مُتَابعة أَعمالِهم ومُحاسَبتِهم عَليها.
وعَليه أَن يُطبِّق مَفهوم، ومَدلول القَول المشْهور: الرجُل المناسِب في المكانِ المنَاسِب.
قال ﷺ لأَعرابي سَألَه عن مَوعد قيام السَّاعة: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ ﷺ : "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " ١.
وإذا ما اجتَهد وَليُّ الأَمْرِ عِند اختيارِ عُمَّالِه بانتقاءِ الصَّالح مِنهم ثمَّ تَبيَّن أن مِن بَيْنهم من لا يَصْلح للعَمل - بأن ظَهرت مِنه خِيانَة - فلا يَتردَّد في عَزْله ومُعاقبتِه وحِسَابِه ليكونَ عِبْرة لِغيره. وما ترْكُ المذْنِب بلا عِقابٍ ولا حِسابٍ إلاَّ نوعٌ مِن الاسْتِفْزازِ للمخْلِصين، وتثْبيطًا لهِمَمِهم.
وعليه تَفقّد أَحوالهم، ومُراقبه أَعمالهم، لا يَسْقط ذلك عنه بدعوى الثِّقة فِيهم، ولا بالانشِغَال عَنْهم.
فإن هُو عَلِم بالتَّقصير فجَامَل أَو تَجمَّل، أَو تغابا، فتلك مُصيبة. وإن كان
стр. 72
جاهِلاً بهِ فالمُصيبة أَعظم. لأَنَّه المسئول الأوّل عَن كلِّ مَظْلمة أَو خَطأ يَقَع مِنهم عَلى الرَّعيّةِ.
كان عُمر بن الخطّاب ﵁ يتفقَّدُ بَعض أَحياء المدينة إِذْ مَرَّ بعجوزٍ وحولَها صِبية يَبْكون وهي تَقول: اللهُ بيْنَنا وبَيْن عُمر.
فاسْتوقفه ذلك وسألها: وما يُدْري عُمر بِكُم؟! ردَّت عَليه - وهي لا تَعْرِفه -: يَتَولَّى أَمرنا ثُمَّ يَغْفُل عَنَّا.؟!
فأمدَّها بزادٍ وقَام عليه حَتَّى نَضج، فأكل الصِّبية وناموا. فالتَفَتَتْ إِليه العجوز وقالت: إنك أَولى بالأَمْر مِن عُمر ١.
الشاهد في ذلك قَولها: يَتَولى أَمرنا ثمَّ يغفل عنَّا! .
وإقرار عُمر لَها بعَدمِ تعْنِيفِها، تَصْويبٌ لرأَيها. مِمَّا يؤكِّد مَسئولية الوالي على كلِّ ما يَجْري في وِلايتهِ.
وفي بَعْض الأَقطار - غَير المسْلِمة - إذا جُرِّمَ موظف في وزارة فإنَّ الوَزير يَفقِد منْصِبه. وإذا كانَ وزَيرًا اسْتَقالت الحُكومة بِرُمَّتها!! .
فكيفَ بِنا ونَحن مُسلِمون نغفل عن مثل هذا، وإِذا سَرَق فينا الضَّعيفُ أَقمنا عليه الحدّ، وإذا سَرق فينا الشَّريفُ تركْنَاه. ورَسُولُنَا وقُدْوَتُنا أَقْسَم بأَيْم الله لو أَنَّ فَاطِمة بنت مُحمّد سَرَقت لَقَطَعْتُ يدها ٢.
стр. 73
فَهل مِثل هَذا التَّصرف من بَعْضِنا دافِعه المجامَلة أَم التَّجملِ؟ وهل هما مِن أنواع المدارة في شيءٍ؟
قالوا: المجامَلَة هي المعامَلة بالجميلِ، قَولاً، وفِعْلاً، ومن المعامَلة بالجميل إِعْطاءُ كلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، والأَخذ بالأَسباب المشْروعة عند كلّ إنْجازٍ لَهُ. والعَمل بقول الرَّسول ﷺ : " إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذا عَمِل أَحدكم عَمَلاً أَن يُتْقِنَهُ " ١.
وأما التَّجمل فهو أَن يكونَ عَمَلُ الجميلِ مِنه تكلُفًا. فيَقْضِي حَوائج النَّاسِ حَسَب مقاماتِهم، ودَرَجاتِ نفُوذهم في المجتمع، وبقدْر ما يأْمل مِن كَسْبٍ مادِي مِنهم فيُخِلَّ بحقوق الآخرين من عامةِ النَّاس، ويُضَيِّع عليهم أَوقاتَهم، ويُلوِّحُ لَهم بقبولِ الرِشْوَة.
والإِنْسان المضْطر لقضاء حوائِجه تلْمس عندَه الاستعدادَ للبذْلِ، والتَّخلُّقِ باللِّين، والمدارة.
فَخَوْفُه من المجْهولِ، وعَدم ثِقَتِه بالمسْتَقْبل يُوصِلانِه إلى الشُّعور باليأْس، فيُحاول التَّقليل مِن هَذا الشُّعور بالضَّغْطِ على نَفْسه والتَّحلي بالصَّبْر، والتَّسَلُّح بأَنواعٍ مِن المداراةِ، كالمُسايَرة، والملايَنة، والمداجاةِ، والمصَانعة. فَيَسْتَغِل مثل هذه
стр. 74
الحَالة مَن لا خلاقَ له، فيَبْسُط نُفُوذَه، ويُمْلي شُروطَه، ويُساوِم، فإن أُعطي رَضي، وإِن لم يُعطَ يتعنَّت، ويُماطِل صَاحِبَ الحاجَةِ في إِنْجازِها. ولسانُ حالِه يَقول:
لَقد قرَّرْتُ فَلا تُحاوِل تَضْلِيلِي بالحقَائِقِ!! .
ولعلّ من أبرز المجالات الإنسانية في الحياة الدنيا استعمالاً لأكثر أنواع المداراة هو مجال السياسة.
لأن الساسة يكون لهم أهداف لتحقيق مصالحهم. وتكون تلك المصالح في الغالب مع الأجنبي الَّذي يختلف في أحكامه، وأعرافه، وشرائعه عن بلد السياسي. فتجده يبذل جهدًا موصولاً بعيدًا عن العنف. يلفُّه الحذر الشديد لئلا يَسمع منه الآخر ما يثير ضغينته، فتراه يستخدم من الألفاظ، ويأتي من الأفعال ما يداري به صاحبه، وبما يعجبه ليصل بذلك إلى ما يريد منه.
ولعل من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه السياسي من خُلُقٍ هو لجوؤه إلى الكذب المبطّن، أو الخداع المدسوس، في القول أو الفعل.
فهو يحرص ألاّ يكشِف أوراقه لمنازعه، في الوقت الَّذي يُبقي فيه على شعرة معاوية ١ بينهما.
ولكن هل من سبيل إلى تجنّب قول الحقيقة دون الوقوع في الكذب؟
يبدو أن المسألة تجمع بَيْنَ ضِدَّين، الأمر الَّذي يصعب على العقل إدراكه، ولكن لعلّ في المعاريض مندوحة عن الكذب.
стр. 75
والوطن يدافع عنه رجلان: أحدهما بالسِّنان، والآخر بالبيان، فهما في حرب مع العدو، وقد أباح الشارع اللجوء إلى الكذب في الحرب، ومن أجل الصلح بَيْنَ اثنين أو أكثر ١.
فهذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول، ومجاوزة الصدق طلبًا للسلامة، ودفعًا للضرر عن نفسه.
وقد رُخِّص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يُؤمَّل بعده من الصلاح.