← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 890

أثر عمل القلب على عبادة الحج والعمرة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار" (١). وقال الحسن أيضًا: "لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم" (٢). وقال أبو سليمان الداراني ﵀: "ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (٤). قال أبو عثمان ﵀: "صِدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا" (٥). ويقول ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (٦).

стр. 37

المطلب السادس: الرجاء. تعريفه: عرفه ابن القيم ﵀ بقوله: "هو النظر إلى سعة رحمة الله" (١). إذن، الرجاء الطمع في رحمة الله والنظر إلى سعتها. من أدلة الكتاب والسنة على الرجاء: • أخبر عن سعة رحمته فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. • وقال مخاطبًا من أسرف على نفسه بالمعاصي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. دلت الآيات على سعة رحمة الله تعالى، مما يفتح باب الرجاء للعبد، ويحدوه إلى التوبة من ذنوبه، وعليه أن يحذر من اليأس والقنوط من رحمة الله. وعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (٢) خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٣).

стр. 38

وعنه ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١). دل الحديثان على رحمة الله الواسعة بعباده المذنبين إذا أقبلوا عليه تائبين مستغفرين. من أقوال العلماء في الرجاء: قال الغزالي ﵀: "الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود" (٢). وقال ابن القيم عليه رحمة الله: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير" (٣). "وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه" (٤). وقال شاه الكرماني ﵀: "علامة صحة الرجاء حسن الطاعة" (٥). وقال أبو علي الروذباري عليه رحمة الله: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت" (٦).

стр. 39

المبحث الثالث: عبادات قلبية لها تعلق بالحج، وفيه مطالب. المطلب الأول: التوبة والاستغفار. المطلب الثاني: الاهتمام بشرط قبول العمل. المطلب الثالث: ارتباط الحج بالتوحيد. المطلب الرابع: ارتباط الحج بالتقوى.

стр. 40

المبحث الثالث: عبادات قلبية لها تعلق بالحج والعمرة، وفيه مطالب. توطئة: عبادة الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام لها أثر عظيم على حياة المسلم وسلوكه ولا شك أن الحج المبرور من أعظم العبادات كما ﷺ : وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَتَانِ أَوِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُكَفَّرُ مَا بَيْنَهُمَا " (١). وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (٣). فالحج من الأعمال التي تحدث أثراً كبيراً على سلوك المسلم وأخلاقه، وذلك يحدث بسبب ارتباط الحج بعبادات كثيرة متى ما وفق الله الحاج لتحقيق هذه العبادات زاد أثر حجه عليه، وإذا حصل النقص في تلك العبادات المرتبطة بالحج وغيره، وضعف تحقيقها في القلب ضعف أثر الحج على العبد وربما يخرج من حجه لا يتغير فيه شيء، ويبقى على غفلته، وهذه العبادات العظيمة التي إذا صدق الحاج في عملها ظهرت الثمار المباركة لحجه عليه منها: التوبة وكثرة الاستغفار، والاهتمام بشرط قبول العمل، وتحقيق التوحيد وتنقيته وتصفيته من الشرك، وظهور آثار التقوى على صلاح الباطن والظاهر، ودونك تفصيلها في المطالب الآتية: المطلب الأول: التوبة والاستغفار. المطلب الثاني: الاهتمام بشرط قبول العمل. المطلب الثالث: ارتباط الحج بالتوحيد. المطلب الرابع: ارتباط الحج بالتقوى.

стр. 41

المطلب الأول: التوبة والاستغفار. لا شك أن للذنوب والمعاصي أثرًا كبيرًا في إفساد القلب، وضررها عظيم عليه، "وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! " (١). والذنوب لها أثرها العظيم على الحاج والمعتمر، فتعوقه عن الانتفاع بحجه وعمرته، وتكون سبباً لتقصيره في المناسك، وهذا الداء الخطير على القلوب قد جعل الله له علاجًا، وهو الاستغفار والتوبة. قال تعالى في بيان أثر الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقال في بيان ثمرات الاستغفار والتوبة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. والذي يظهر من أقوال المفسرين في زيادة القوة أنها قوة حسية ومعنوية، يجدون أثرها في حياتهم (٢). ولا شك أن الحاج بحاجة ماسة لهذه القوة التي يعينه الله بها على أداء مناسك حجه على الوجه الصحيح الذي يحبه الله ويرضاه، وفي الحج من أنواع المشاق والمصاعب ما يحتاج معه العبد إلى إعانة الله ورعايته، وأن يمده الله بقوة من عنده على هذا العمل الشاق الذي يجد فيه الحاج لذة في مشاقه، وذلك كلما صدق في توبته واستغفاره.

стр. 42

ولما كان للتوبة مكانة عظيمة عند الله أمر بها جميع عباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة" (١). وأنظر أخي الحاج إلى حال القدوة ﷺ ، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يبذل جهدًا عظيمًا في كثرة الاستغفار والتوبة، وذلك ما يجعل المؤمن يسابق وينافس في هذا المضمار لينال ثمرة ذلك في حياته وعلى حجه ليكون حجاً مبروراً. يقول أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٢). ويَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ» (٣). ومن رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة، فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٤).

стр. 43

بل الأمر أعظم من ذلك، فالله يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا قرّبه النبي ﷺ بمثال؛ ليظهر منه عظيم فرحة الرب بتوبة عبده. يَقُولُ ﷺ : «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (١). وحتى يحصل من التوبة والاستغفار أثرهما على التائب، فلا بد من مراعاة أمور، وهي: ١ - الندم على ما حصل من الذنوب، وهو من أكثر العلامات الدالة على صدق التوبة، يَقُولُ ﷺ : " النَّدَمُ تَوْبَةٌ " (٢)، فإذا ندم الحاج على ما حصل منه من ذنوب وتقصير في حق الله، فهذه علامة على صدق التوبة. والندم هو الأسف والحسرة التي تكون في القلب على ما حصل من الذنب مما يؤدي إلى بقية شروط التوبة من: ٢ - الإقلاع عن الذنب، وهو دليل على صدق الندم في القلب الذي يثمر إقلاع العبد عن الذنب وعدم إصراره عليه، وقال تعالى في صفات عباده المتقين عند توبتهم من الذنب ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].

стр. 44

وقال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه" (١). ٣ - العزم على عدم العودة للذنب، وهذا من ثمرات التوبة الصادقة. ٤ - وإذا كان الذنب في حقوق الآدميين، فلا بد من إرجاعها لهم أو طلب السماح (٢). ٥ - حضور القلب عند التوبة والاستغفار، فتكون التوبة والاستغفار باللسان والقلب، فيحدث أثر التوبة في القلب، وهذا الأثر يحدث -والله أعلم- مع كثرة الاستغفار والتوبة؛ لأنه مع التكرار يحضر القلب ويحدث الأثر فيه، ولذا جاءت النصوص بالإكثار من التوبة والاستغفار، كما سبق في الأحاديث من فعل النبي ﷺ وحثه لأمته. ٦ - ومن علامات صدق التوبة البحث عن جلساء صالحين يعينونه على الخير والبعد عن جلساء السوء، كما في حديث قاتل المائة، فقد حثه العالم على الذهاب إلى قرية الصالحين حتى يجد من يعينونه على توبته (٣)، فإن من أسباب الانتكاس عن التوبة والرجوع الذنوب الماضية البقاء مع جلسائه السابقين من أهل السوء.

стр. 45

المطلب الثاني: الاهتمام بشرط قبول العمل. ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن أشد الحرص علمه بشرط قبول العمل واجتهاده على تحقيق ذلك في كل عبادته، ومن تلك العبادات عبادة الحج والعمرة، فلا تقبل عبادة الحج والعمرة عند الله إلا بشرطين: أولهما: الإخلاص لله تعالى، وثانيهما: متابعة النبي ﷺ في الاقتداء به في أداء مناسك الحج والعمرة، ودونك تفصيل هذين الشرطين: ١ - الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى في عبادة الحج والعمرة، فيحرص الحاج والمعتمر على سلامة مقصده في عبادته، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ٥﴾ سجحالبَيِّنَة الآية تمجسحج، ويقول ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١)، وعليه أن يجتهد أشد الاجتهاد في الحرص على سلامة نيته لله تعالى في كل عباداته فينتبه لمقاصده، ويحذر أشد الحذر من مفسدات النية من الرياء، والسمعة، وحب ثناء الناس عليه، وغير ذلك من مفسدات الإخلاص، وقال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (٢)، ويقول ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٣)، ويقول ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤). إنه لمن المحزن جداً على أحوال بعض الحجاج والمعتمرين ما أحدثته وسائل التواصل الحديثة من خرق كبير وخلل خطير في المقاصد والنيات حتى تحول الحج والعمرة عند البعض إلى رحلة سياحية

стр. 46

ينقل فيها تحركات الحاج والمعتمر من خلال هذه المواقع ليشاهدها الناس، وهذا يخل كثيراً بالمقاصد والنيات؛ لأنه بهذا العمل يفتح عليه أبواب الرياء والسمعة والعجب بالعمل، فقد يفسد حجه وعمرته أو ينقص أجره بسبب ذلك، وسيأتي مزيد بيان لهذا في ثنايا الكتاب بحول الله وقوته. الشرط الثاني لقبول العمل: متابعة النبي ﷺ والاقتداء به في مناسك الحج والعمرة، والحذر من الوقوع في البدع والمحدثات التي تكون سبباً في رد العمل وعدم قبوله. وعن جابر ﵁ يَقُولُ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (١). وقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: " وأما قوله ﷺ : (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) فهذه اللام لام الأمر ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلموها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي"" (٢). ولهذا يجب على الحاج أن يتعلم مناسك حجه وعمرته قبل الوصول إلى مواقيت الحج حتى يؤدي عبادته كما أمر النبي ﷺ ولا يقع في البدع والمحدثات فيرد عليه عمله، كما قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣). وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٤). وإنك لتحزن كثيراً على ما خالف به الناس أمر رسول الله ﷺ ، واحدثوه من بدع في مناسك الحج والعمرة فهناك بدع في الإحرام، وبدع في الطواف والسعي، والحلق والتقصير، وبدع في الوقوف بعرفة،

стр. 47

وفي المبيت بمزدلفة، وبدع في رمي الجمار وفي غير ذلك (١)، ولذا يجب على المسلم الذي يريد أداء مناسك الحج والعمرة أن يتعلم هذه العبادة قبل المجيء اليها بفترة طويلة، حتى يتقن ذلك وهذا من العلم الفرض على المسلم الذي لا يعذر فيه، قال ﷺ : "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (٢). "وسئل الفضيل بن عياض عن قوله ﷺ : "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"، فقال كل عمل كان عليك فرضاً، فطلب علمه عليك فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضاً، فليس طلب علمه عليك بواجب" (٣). وعلى هذا من العلم الفريضة على المسلم الذي لا يعذره الله بجهله أن يتعلم أحكام حجه وعمرته المفروضة عليه قبل أداء النسك، وأن يسال أهل العلم عما يشكل عليه، حتى يؤدي نسكه على بينة من أمره، فانه يلاحظ تساهل الناس في تعلم فرائض دينهم، مما يوقع المسلم في البدع والمحدثات وهو لا يشعر، فيعرض عبادته للرد وعدم القبول، بسبب تساهله في تعلم عبادته، والله المستعان.

стр. 48

المطلب الثالث: ارتباط الحج بالتوحيد. الحج من أعظم أركان الإسلام ارتباطاً بالتوحيد من بدايته إلى نهايته والعمرة كذلك ومعالم التوحيد ومظاهره هي أبرز ما يكون فيه وسيتضح ذلك جلياً بحول الله قوته في ثنايا الكتاب، ودونك خلاصة في ذلك: ١ - التلبية شعار التوحيد. ٢ - الطواف والسعي وما يفعله الحاج والمعتمر فيهما وما يقوله من الذكر والدعاء كل ذلك مرتبط بالتوحيد. ٣ - دعاء يوم عرفة كله توحيد. ٤ - وذكر الله عند المشعر الحرام وارتباطه بالتوحيد. ٥ - وعبادات يوم النحر كلها توحيد. ٦ - ورمي الجمار مرتبط بالتوحيد. وعلى هذا فإن الحج مدرسة عظيمة تربي المسلم على تجريد التوحيد لله تعالى، والحذر من الشرك بكل أنواعه، والتحرز من السبل الموصلة إليه، وهذه بعض المظاهر الشركية التي يقع فيها بعض الحجاج: ونبدأ أولاً بمسألة تحتاج إلى شيء من التوضيح ويحصل فيها خلط وتلبيس عند أهل البدع وهي مسألة التبرك (١) وهو ينقسم إلى قسمين: تبرك مشروع دلت عليه الأدلة، وتبرك ممنوع يؤدي إلى الشرك والخلل في العقيدة ونفصله في المسائل الآتية: المسألة الأولى: التبرك المشروع: وهو طلب البركة من الله، وذلك أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلباً للأجر من الله تعالى المترتب على العبادة، وله أمثلة كثيرة، منها:

стр. 49

أ - التبرك بذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم، ويكون ذلك على الوجه المشروع، وهو طلب البركة من الله بذكر القلب، واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع؛ لأن من بركات ذلك اطمئنان القلب، وقوة القلب على الطاعة، والشفاء من الآفات، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومغفرة الذنوب، ونزول السكينة، وأن القرآن يكون شفيعاً لأصحابه يوم القيامة، ولا يتبرك بالمصحف كوضعه في البيت أو في السيارة وإنما التبرك يكون بالتلاوة، والعمل به (١). ب - أن يتبرك بالصلاة في المسجد الحرام طلباً للثواب المترتب على ذلك كما صح به الحديث، قال ﷺ : " وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " (٢). ت - أن يتبرك بتقبيل الحجر الأسود أو استلامه أو الإشارة إليه اتباعاً للرسول ﷺ واقتداء به أما الحجر الأسود فليس فيه بركة في ذاته وإنما البركة في الاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ في تقبيله أو استلامه أو الإشارة إليه اقتداء، يقول عمر ﵁: «إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك» (٣). وهكذا استلام الركن اليماني اتباعاً للنبي ﷺ واقتداء به. ث - أن يتبرك بالطواف بالكعبة طاعة لله واستجابة لأمره تعالى، واقتداء بالنبي ﷺ ، قال الله تعالى: تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ سجحالحَج الآية جمحتحجسحج. وقال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» وطاف ﷺ لحجه ولعمرته اذن التبرك المشروع هو بطاعة الله تعالى والاقتداء بنبيه ﷺ في أداء المناسك، أما التبرك بالكعبة بالتمسح بجدرانها لأجل

стр. 50

البركة تنتقل إليه منها فهذا تبرك غير مشروع؛ لأنه لم يرد عليه دليل بأن البركة في ذات حجارة الكعبة أو ستارتها، ونحن عبيد لله مطلوب منا الاقتداء برسوله ﷺ فما فعل في حجه وعمرته نفعل، وما نهى عنه نجتنبه. ج - التبرك بالصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ ركعتين طاعة لله واقتداء برسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ سجحالبَقَرَةِ الآية تمجتحجتحجسحج، وعليه فلا يتمسح بمقام إبراهيم طلباً للبركة لأن ذلك لم يحث عليه النبي ﷺ ولم يفعله، وهذه عبادات مبينة على الدليل فمن أحدث عملاً يريد به التقرب إلى الله والتبرك به ولم يأمر به الله أو نبيه فعمله باطل مردود عليه قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». وفي الرواية الأخرى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». ح - … التبرك بشرب ماء زمزم لورود النص بذلك قال ﷺ : قال: «إنها مباركة، إنها طعام طعم» (١)، وفي الرواية الأخرى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وَهِيَ طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ " (٢). خ - التبرك بالسعي بين الصفا والمروة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ سجحالبَقَرَةِ الآية جمحتمجتحجسحج، وبينّه النبي ﷺ قولاً وفعلاً في سنته. د - التبرك بأداء المناسك في الزمان والمكان الذي حدده الشرع في كتاب الله كما في سورة البقرة وسورة الحج، وبينّه رسوله ﷺ بقوله وفعله في سنته، فقال ﷺ : "يَا

стр. 51

ذ - أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هذا"، فبين ﷺ صفة الحج والعمرة من الإحرام إلى آخر النسك أعظم بيان وأتمه وأكمله، ومن أحدث شيئاً في نسك الحج والعمرة لم يقله النبي ﷺ ولم يفعله، فقد وقع في الضلال والبدع التي حذر منها النبي ﷺ أعظم التحذير كما في حديث العرباض بن سارية ﵁، يقول: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ "، وفي الرواية الأخرى: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ» (١).

стр. 52

المسألة الثانية: التبرك الممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين: ١ - تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به - وهو المخلوق - يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته إستقلالًا، ويعتقد أن موجد البركة هو هذا المخلوق من صاحب قبر أو غار أو نحوه، لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها ولا شريك له في ذلك، وقال النبي ﷺ : "البَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ" (١)، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر. ٢ - تبرك بدعي: وهو أن يتبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة أو يتبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه. وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر. وهذا القسم من التبرك - وهو التبرك البدعي – له أحوال منها (٢): أ - … التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم. وجه سؤال للعلامة ابن باز ﵀ يقول السائل: "هناك من يرى جواز التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم مستدلا بما ثبت من تبرك الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ . فما حكم ذلك؟ ثم أليس فيه تشبيه لغير النبي ﷺ بالنبي ﷺ ؟ وهل يمكن التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته؟ وما حكم التوسل إلى الله تعالى ببركة النبي ﷺ ؟ الجواب: لا يجوز التبرك بأحد غير النبي ﷺ لا بوضوئه ولا بشعره ولا بعرقه ولا بشيء من جسده، بل هذا كله خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة.

стр. 53

ولهذا لم يتبرك الصحابة ﵃ بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص بالنبي ﷺ دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه. وهكذا لا يجوز التوسل إلى الله سبحانه بجاه النبي ﷺ أو ذاته أو صفته أو بركته لعدم الدليل على ذلك؛ ولأن ذلك من وسائل الشرك به والغلو فيه ﵊. ولأن ذلك أيضا لم يفعله أصحابه ﵃ ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية. فقد قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ سجحالأَعْرَاف الآية تجمجمحتحجسحج، ولم يأمر بدعائه سبحانه بجاه أحد أو حق أحد أو بركة أحد. ويلحق بأسمائه سبحانه التوسل بصفاته كعزته، ورحمته، وكلامه وغير ذلك، ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة من التعوذ بكلمات الله التامات، والتعوذ بعزة الله وقدرته. ويلحق بذلك أيضا: التوسل بمحبة الله سبحانه، ومحبة رسوله ﷺ ، وبالإيمان بالله وبرسوله والتوسل بالأعمال الصالحات، كما في قصة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار فدخلوا فيه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فتذاكروا بينهم في وسيلة الخلاص منها. واتفقوا بينهم على أنه لن ينجيهم منها إلا أن يدعوا الله بصالح أعمالهم، فتوسل أحدهم إلى الله سبحانه في ذلك: ببر والديه .. فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه … ثم توسل الثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة عليه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء لكنهم لا يستطيعون الخروج من ذلك … ثم توسل الثالث بأداء الأمانة فانفرجت الصخرة وخرجوا. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ ، من أخبار من قبلنا لما فيه من العظة لنا والتذكير.

стр. 54

وقد صرح العلماء ﵏ بما ذكرته في هذا الجواب … كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد وغيرهم. وأما حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ في حياته ﷺ فشفع فيه النبي ﷺ ودعا له فرد الله عليه بصره … فهذا توسل بدعاء النبي وشفاعته وليس ذلك بجاهه وحقه كما هو واضح في الحديث … وكما يتشفع الناس به يوم القيامة في القضاء بينهم. وكما يتشفع به يوم القيامة أهل الجنة في دخولهم الجنة، وكل هذا توسل به في حياته الدنيوية والأخروية .. وهو توسل بدعائه وشفاعته لا بذاته وحقه كما صرح بذلك أهل العلم، ومنهم من ذكرنا آنفاً" (١). ب - التبرك بالأمكنة والجمادات. - من التبرك الممنوع الذي يؤدي بالحاج إلى الوقوع في البدع والمحدثات الذهاب إلى الجبال مثل جبل حراء المسمى بجبل النور بمكة، لأجل التبرك بالغار الذي نزل فيه الوحي على النبي ﷺ ، أو التبرك بالذهاب إلى جبل ثور الذي اختفى فيه النبي ﷺ في هجرته، أو التبرك بجبل عرفة وبالذات العمود الذي في أعلاه فكل هذا لم يدل عليه دليل فعندما حج النبي ﷺ لم يذهب إلى غراء حراء، ولا جبل ثور، ولم يصعد على جبل عرفات وإنما وقف في أسفله عند الصخرات، وقال ﷺ : «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ (٢) كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (٣).

стр. 55

فلا تشرع زيارة جبل ثور ولا غار حراء ولا يشرع الصعود على جبل عرفات والتمسح بالعمود المبني فوقه في الحج ولا في غيره؛ لأنه لم يفعل ذلك النبي ﷺ ولا صحبه الكرام من بعده، فالبركة في الاتباع والشر في الابتداع. - ومن التبرك الممنوع التبرك بزيارة الأماكن التي لم يرد دليل عليها مثل: مكان المولد النبوي ولم يرد دليل صحيح على إثبات مكان مولد النبي ﷺ ، ولو فرض أنه عرف مكانه، فلا يجوز التبرك بذلك لعدم ورود الدليل، فما دام أن النبي ﷺ لم يفعله أو يحث على فعله فهو من البدع المحدثة. - … ومن المحدثات زيارة مساجد في المدينة النبوية والاعتقاد بفضل الصلاة فيها، مثل المساجد السبعة وغيرها، ممن لم يرد دليل على فضل العبادة فيه، وإنما ورد الدليل بفضل الصلاة في المسجد النبوي ومسجد قباء. ت - التبرك بالمسجد الحرام والكعبة والمقام، والمسجد النبوي. والتبرك بذلك يكون باتباع الشرع والعمل بما جاء في الكتاب والسنة في هذه الأماكن المباركة، أما عمل أمور فيها لم يرد عليه الدليل، فذلك من التبرك الممنوع مثل: - تقبيل أعمدة المسجد الحرام والمسجد النبوي والتمسح بها. - التمسح بجدران الكعبة وستارتها لأنه لم يرد على هذا التمسح دليل وإنما ورد الدليل على مسح الحجر الأسود والركن اليماني كما سبق وكذلك إلزاق الصدر بالملتزم بين باب الكعبة والحجر الأسود فهذا مما دل عليه الدليل أما بقية جدران الكعبة وأركانها فلم يرد دليل على التبرك بذلك، وهكذا ما يسمى بحجر إسماعيل لم يرد دليل على مسحه. - ومن التبرك الممنوع التمسح بمقام إبراهيم ﵇؛ لأنه لم يرد عليه الدليل كما سبق الكلام على ذلك. ث - التبرك بقبر النبي ﷺ .

стр. 56

ومن التبرك الممنوع التبرك بالقبر النبوي والتمسح به وتقبيله، والاعتقاد في القلب أنه ينفع العبد ويدفع عنه الضرر، وهذا الأمر لم يرد عليه دليل بل جاء الدليل بخلاف ذلك، فقد قال ﷺ محذراً لأمته: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (١). وفي الحديث أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (٢). عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (٣). وفي الرواية الأخرى: فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٤).

стр. 57

وكان من دعائه ﷺ الذي أستجابه الله فحمى قبره، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " (١). وأما التبرك المشروع بالنبي ﷺ في حال حياته بريقه وشعره وفضلة وضوئه والتمسح بجسده الشريف؛ فكل ذلك دل عليه الدليل وفعله الصحابة بمحضر النبي ﷺ ولم ينكر عليهم، وكذلك من التبرك المشروع التبرك بآثاره التي بقيت بعد وفاته ﷺ من شعره وملابسه وآنيته فكل من خصائص النبي ﷺ لا يصح لغيره. ج - التبرك بقبور الصحابة والصالحين. فإذا كان قبر النبي ﷺ لا يصح التبرك به ولا يجوز فمن باب أولى قبور الصحابة ومن تبعهم من الصالحين، فما يحدث من تبرك شركي بقبور الصالحين من طلب المدد منهم والطواف بقبورهم والنذر لهم والذبح عند قبورهم والصلاة والدعاء عند قبورهم بحجة أنهم أولياء لله يتوسطون لمن يأتي إليهم عند الله، فكل هذا من الشرك الأكبر الذي يشابه كفار مكة حين قالوا عن معبوداتهم، قال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ سجحالزُّمَر الآية تحمسحج. وتلاحظ انهم يدعون أن هذه المعبودات هم لا يعبدونها في ذاتها بل هي في زعمهم واسطة بينهم وبين الله وأنهم لصلاحهم يقربون إلى الله، وهذا المنهج الضال صار عليه كل من وقع في الشرك بعدهم، تجدهم يقولون نحن نتقرب إلى الله بواسطة هذا الولي ولا نعبده وإننا نعبد الله وهؤلاء لأنهم صالحون يقربونا إلى الله. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فقد قاسوا الخالق العظيم الذي أحاط علماً بكل شيء، على المخلوق الضعيف من الملوك في الدنيا الذين يحتاجون إلى واسطة يبلغونهم حاجات الرعية، لأنهم لا يحيطون علماً بكل شيء، وهذا لا شك من جهل هؤلاء بالله تعالى وعدم تقديرهم له حق قدره،

стр. 58

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٧﴾ سجحالزُّمَر الآية تمختمحسحج. قال الشيخ السعدي في تفسيره: " قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ سجحالزُّمَر الآية تحجسحج، أي: أخلص لله تعالى جميع دينك، من الشرائع الظاهرة والشرائع الباطنة: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرد الله وحده بها، وتقصد به وجهه، لا غير ذلك من المقاصد. ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله لله في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده. وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن الله بريء منه، وليس لله فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، [معتذرين] (١) عن أنفسهم وقائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا. أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن الله تعالى كذلك. وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلاً ونقلاً وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطفهم

стр. 59

عليه [ويسترحمه لهم] ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر. وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط. وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها. فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه. ويعلم أيضا الحكمة في كون الشرك لا يغفره الله تعالى، لأنه يتضمن القدح في الله تعالى، ولهذا قال حاكما بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سد على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟ " (١). وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨﴾ سجحيُونُس الآية جمحتحجسحج

стр. 60

وفي تفسير السعدي: "يقول تعالى: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ أي: المشركون المكذبون لرسول الله ﷺ . ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ قولا خاليا من البرهان: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى -مبطلا لهذا القول-: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم-يا معشر المشركين- تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلاً وشرعاً وفطرة. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ٦٢﴾ سجحالحَج الآية تحجتمحسحج " (١).

стр. 61

المطلب الرابع: ارتباط الحج بالتقوى. إن المتأمل في آيات الحج يجد الارتباط العظيم بين التقوى والحج؛ لأن عبادة الحج من أبرز مقاصدها تحقيق التقوى في حياة المسلم، وهذه بعض التي ربطت بين عبادة الحج والتقوى. ١ - قال تعالى عن المواقيت الزمانية للحج: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ٢ - وقال تعالى في أول آيات الحج من سورة البقرة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ثم ختمها بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٣ - وقال تعالى بعد ذلك في آيات الحج من سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٤ - وقال تعالى عن أحكام الصيد للمحرم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]. ٥ - وقال تعالى في خاتمة آيات الحج في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. ٦ - وقال تعالى عن الأضاحي والهدايا المرتبطة بشعائر الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].

стр. 62

٧ - وقال تعالى عن تعظيم مناسك الحج ومنها الهدي وغيره من المناسك: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (١). وهذه بعض الوقفات تعليقاً على هذه الآيات: الوقفة الأولى: ماهي التقوى؟ التقوى بعبارة موجزة أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بامتثال الأمر واجتناب النهي. الوقفة الثانية: التقوى عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. فتعظيم شعائر الله دليل على تقوى القلوب، وأضاف التقوى في الآية إلى القلب لأن حقيقة التقوى فيه، كما قال ﷺ : «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّات (٢). والمعظم لشعائر الله يبرهن على تقواه وصدق إيمانه (٣)، وهذا يدل على أهمية عمل القلوب وأثره على حياة العبد، فإذا حقق العبد التقوى ظهر عليه تعظيمه لشعائر الله تعالى في سره وجهره، ومن أبرز ما يظهر فيه أثر التقوى على العبد مناسك الحج، كما سياتي في الوقفة الآتية: الوقفة الثالثة: الحج من أعظم العبادات التي تظهر فيها آثار التقوى على سلوك الحاج والمعتمر. وذلك لأن الحج رحلة شاقة فيها مفارقة للأهل والوطن، وفيها جهد بدني، وبذل مالي، ولا يعين على ذلك إلا التقوى، فحين يقبل الحاج والمعتمر على فعل أمر الله واجتناب نهيه، ابتغاء أن يقيه الله عذاب الدنيا والآخرة، فحينئذ تسهل عليه أداء مناسك حجه وعمرته على أحسن حال يحبه الله ويرضاه. الوقفة الرابعة: طرق عملية لتفعيل أثر التقوى على الحاج والمعتمر. وهذه بعض الطرق العملية -على وجه الاختصار- التي تعين الحاج والمعتمر على تحقيق التقوى في حجه وعمرته:

стр. 63

١ - الإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي ﷺ في حجه وعمرته كما سبق الكلام عن ذلك، وسيأتي كذلك مزيد بيان لذلك في ثنايا الكتاب. ٢ - الحرص على أن تكون نفقته في حجه وعمرته من مكسب حلال لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولأن المال الحرام يمنع إجابة الدعاء، قال ﷺ : " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " (١). ٣ - أن يحرص على الرفقة الصالحة في حجه وعمرته التي تعينه على طاعة الله وتذكره بالله إذا غفل. ٤ - أن يحرص الحاج والمعتمر على امتثال الأحاديث الآتية سلوكاً عملياً في حجه وعمرته، وفي وسائر أحواله: - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (٢). - وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (٣). - وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ " (٤).

стр. 64

- يَقُولُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ " (١). - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (٢). - عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٣). ٥ - أن يحرص الحاج والمعتمر على التخلق بالخلق الحسن والبعد عن أخلاق السوء، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ٦ - أن يحفظ جوارحه من الوقوع في الحرام. ٧ - أن يجاهد نفسه على الخشوع في صلاته (٤). ٨ - أن يحرص الحاج والمعتمر على وقته في أثناء أداء المناسك فلا يضيعه فيما لا فائدة منه، بل يعمر أوقاته بالعبادة من تلاوة وذكر واستغفار وتوبة مع الحرص أداء المناسك في أوقاتها المحددة شرعاً.

стр. 65

المبحث الرابع: أثر عمل القلب على مناسك الحج، وفيه مطالب. المطلب الأول: أثر عمل القلب على عبادة الإحرام. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على عبادة الطواف والسعي. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على عبادات يوم التروية. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على عبادة الوقوف بعرفة. المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمزدلفة. المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة رمي الجمار. المطلب السابع: أثر عمل القلب على عبادة الحلق أو التقصير. المطلب الثامن: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.

стр. 66

المبحث الرابع: أثر عمل القلب على مناسك الحج والعمرة، وفيه مطالب. المطلب الأول: أثر عمل القلب على عبادة الإحرام، وفيه مسائل. وحين يصل الحاج والمعتمر إلى المواقيت المكانية أو يحاذيها من الجو أو البحر، فيستعد للدخول في عبادة الإحرام، والتي سيكون الحديث عنها في المسائل الآتية: المسألة الأولى: أن يستحضر بقلبه نية الدخول في عبادة الإحرام. وهنا الحاج والمعتمر عند إحرامه يحرص على سلامة مقصده لله تعالى في هذه العبادة، يتفقد قلبه وهو ينوي الدخول في نسكه، فيحذر المقاصد الفاسدة التي تزينها له نفسه وشيطانه من الرياء والعجب والسمعة، وسيأتي بيان ذلك، وهذا حال القدوة ﷺ عند إحرامه فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَةٍ عَلَيْهَا رَحْلٌ رَثٌّ (١)، وَقَطِيفَةٌ (٢) لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : اللَّهُمَّ هَذِهِ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (٣). وعبادة الحج والعمرة عبادة عظيمة، ووقعها في قلوب الناس عظيم، فلا بد من الانتباه للمقصد والنية ومجاهدة النفس على الإخلاص لله تعالى في هذه العبادة والتجرد من أسباب الرياء والسمعة التي تفسد على الحاج والمعتمر عبادته، وسيأتي مزيد بيان لذلك. المسألة الثانية: التلبية شعار التوحيد، وعلاقتها بعمل القلب. ويبدأ الحاج والمعتمر في التلبية عند استوائه على مركوبه من سيارة ونحوها؛ لورود الأحاديث بذلك، وهنا يحسن التنبيه على بعض الأمور المتعلقة بعمل القلب عند التلبية، ومن ذلك ما يأتي: ١ - رفع الصوت بالتلبية عبادة عظيمة لها أثر كبير في لذة هذه العبادة إذا توافق القلب مع اللسان. ٢ - أن يستحضر الملبي معنى ما يقول.

стр. 67

٣ - المواصلة في هذه العبادة مع رفع الصوت حتى يصل الحاج والمعتمر إلى البيت العتيق. وسيأتي مزيد بيان للتلبية وما يتعلق بها في مبحث قادم. المسألة الثالثة: أن يدرك بقلبه خطر التساهل في محظورات الإحرام. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]. وفي هذه الآية دليل على خطورة التساهل في محظورات الإحرام، فإذا تلبس المسلم بنسك الحج والعمرة حرم عليه ما كان حلالاً قبل ذلك ابتلاءً واختباراً، وهنا يظهر أثر الخوف من الله ذلك العمل القلبي العظيم الذي إذا كان حياً في القلب حجز صاحبه عن الوقوع في محظورات الإحرام وغيرها من المحرمات، ويختبر الله عبده بحصول بعض الأشياء المرغوبة لديه مما يحبه ويرغب قلبه فيه، وذلك يكون في حال خلوته لا يراه أحد فهنا يظهر الصادق في خوفه من الله الذي يخشاه بالغيب وينجح في الاختبار أو يضعف خوفه من الله في حال خلوته فيرتكب ما حرم الله عليه لأن لا يراه أحد فيسقط في الاختبار، ولهذا جاء الوعيد الشديد الذي تنخلع منه القلوب، لمن ينتهك محارم الله في حال خلوته، فقال ﷺ : «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١). واليوم تيسر سماع الحرام والنظر إليه من خلال أجهزة الجوال والقنوات الفضائية ويمر على المسلم ومن ضمنهم الحاج والمعتمر مناظر محرمة يستطيع أن يراها بدون أن يعلم به أحد من الناس؛ ليختبره الله هل يخاف الله بالغيب فيحذر من السقوط في الاختبار، أو أنه لا يبالي بما حرم الله ما دام لا يراه

стр. 68

الناس وينسى أن الله يراه، فتزل قدم بعد ثبوتها، ويسقط في الاختبار ويعرض نفسه لعقوبة الله، ويكون ذلك سبباً لخذلانه، نسأل الله السلامة والعافية. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على عبادة الطواف والسعي. الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة عبادة عظيمة لها ارتباط وثيق بعمل القلب، وذلك أن يستحضر من يقوم بهذه العبادة بقلبه أنه يمتثل أمر الله ويقتدي برسول الله ﷺ ، ولهذا يحرص في طوافه وسعيه على متابعة النبي ﷺ ، فيفعل مثله في طوافه وسعيه، ويحذر من الوقوع في البدع والمحدثات التي أدخلها الناس في هذه العبادة وهي ليست منها، ولم يفعلها النبي ﷺ في طوافه وسعيه، مثل إحداث أدعية خاصة لكل شوط من الطواف والسعي لم ترد في سنة النبي ﷺ ، وكذلك ما أحدثه الناس في طوافهم وسعيهم من أمور تنافي الإخلاص لله تعالى في هذه العبادة مثل تصوير أنفسهم وهم يؤدون هذه العبادة، وهذا الفعل خطير على المقاصد والنيات ويدخل الشيطان من خلال ذلك، فيوقعهم في الرياء والسمعة، وسيأتي حديث مفصل عن هذه الآفات. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على عبادات يوم التروية. يشعر بقلبه أنه يقتدي بنبيه ﷺ في أداء مناسك الحج، ففي اليوم الثامن من ذي الحجة يذهب إلى منى ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والمبيت بها وصلاة الفجر، ثم الانطلاق إلى عرفات بعد شروق الشمس. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على عبادة الوقوف بعرفة. هذا اليوم من أيام الله الخالدة في حياة الحاج خاصة، وله وقعه العظيم في قلبه، هذا يوم عرفة قال عنه المصطفى ﷺ : " الْحَجُّ عَرَفَةُ .. " (١) الحديث، وهذا الموقف بعرفة من أعظم مواقف الدنيا التي يقفها العبد بين يدي الله، وبالأخص وقت العشي منه، قال ﷺ : " إِنَّ اللهَ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا " (٢)، وقال ﷺ : " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ

стр. 69

عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ " (١)، وقال ﷺ : "وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عبادي شعثاً غبراً ضاحين جاؤوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا من النار من يوم عرفة" (٢)، وقال ﷺ كما في مسند البزار: "وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا مِنْ كِلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا، أَوْ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ" (٣). وهنا لا بد أن نقف وقفة مع دعاء يوم عرفة بهذا الذكر المخصوص الذي يقول عنه النبي ﷺ : " خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (٤). وروى البيهقي بسنده: "عن الحسين بن الحسن المروزي، وكان جاور بمكة حتى مات قال: سألت سفيان بن عيينة، عن تفسير قول النبي ﷺ " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" وإنما هو ذكر ليس فيه دعاء. قال سفيان: سمعت حديث منصور عن مالك بن الحارث (٥)؟ قلت: نعم قال: ذاك تفسير هذا، ثم قال: أتدري ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى ابن جدعان يطلب نائله ومعروفه؟ قلت: لا قال: لما أتاه قال:

стр. 70

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حِبَاؤُكَ إن شِيمَتَكَ الْحِبَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمَا … كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضكَ الثَّنَاءُ قال سفيان: فهذا مخلوق حين ينسب إلى الجود، قيل: يكفينا من تعرضك الثناء عليك حتى تأتي على حاجتنا، فكيف بالخالق؟ " (١). وهذه بعض الوقفات مع هذا الدعاء والذكر العظيم: ١ - هذا ذكر وهو في نفس الوقت دعاء، وكما في الحديث يقول ﷺ : " .. وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" الحديث (٢)، وذلك لأن الدعاء ينقسم كما قال أهل العلم إلى نوعين، الأول: دعاء عبادة وثناء وهو ما يقوم به العبد من عبادة وثناء على الله من صلاة وذكر وصدقة ونحو ذلك، وهو لم يطلب ويسال الله لكنه بعبادته وثنائه على الله فهو متعرض إلى دعاء الله والله يعلم ماذا يريد فيعطيه، والنوع الثاني: دعاء مسألة وطلب من الله تعالى، وهذا هو الدعاء المعروف تسأل الله ما تريد من أمور الدنيا والآخرة، ودعاء عرفة يدخل في النوع الأول فهو دعاء عبادة وثناء، وهما متلازمان (٣). ٢ - وهذا الذكر والدعاء العظيم هو أفضل وأعلى وأرفع شعب الإيمان قال ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (٤).

стр. 71

وفي رواية قَالَ ﷺ : " الْإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ" (١). ٣ - وفضائل هذه الكلمة العظيمة قد كُتِبَ فيها الكتب، وتعرضوا لما يتعلق بها من معنى وشروط ولوازم في كتب العقائد. ٤ - وإذا كان الذاكر لله بهذه الكلمة العظيمة حاضر القلب يدرك معاني ما يقوله بلسانه في هذا الموقف العظيم، واتفق القلب مع اللسان، فإن لهذا الدعاء والثناء على الله والذكر بكلمة التوحيد أثره العظيم على صلاح ظاهر الإنسان وباطنه، وبراءته من الشرك، ومن كل تعلقات القلب بغير الله، ولو رسخ في قلب المسلم عظمة هذه الكلمة، وفهم معناها، وعمل بمقتضاها؛ لأدى ذلك إلى قلع وخلع جذور الشرك بالله من القلب. ٥ - ولأن كلمة التوحيد تعني إفراد الله بالعبادة والإقرار بتوحيد الألوهية والربوبية لله تعالى، وماله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولهذا كانت دعوة جميع الأنبياء ﵈ لأممهم الدعوة إلى تحقيق معاني هذه الكلمة في حياتهم، وإفراد الله بجميع العبادة، ولا يصرف منها شيء لغيره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقالها صالح وهود وشعيب وكل نبي لقومه. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقالها النبي ﷺ لقومه حتى إنهم عجبوا من هذه الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهي مقتضى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي بلغها لهم، فقالوا مستعجبين كما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].

стр. 72

وعَنْ رجل من بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ (١) يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. الحديث (٢). وعَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ تُفْلِحُوا»، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا غُلَامُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قُلْتُ: فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ الْعُزَّى أَبُو لَهَبٍ .. الحديث (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٤)، وفسر في الرواية الثانية عبادة الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ

стр. 73

سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ … » الحديث (١). وفي الرواية الثالثة: أن يوحدوا الله، عن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى … » الحديث (٢). قال ابن القيم ﵀: "ولهذا كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣)، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد أول الأمر وآخره" (٤).

стр. 74

المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمزدلفة. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فإذا أفاض الحاج من عرفات ووصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير في أحكام تتعلق بها يرجع فيها إلى كتب المناسك، ونقف هنا مع هذه الآية عدة وقفات: الوقفة الأولى: العبادة الحاضرة في كل منسك من مناسك الحج ذكر الله وسيأتي الكلام عنه. الوقفة الثانية: حين يذكر الإنسان بقلبه عظيم نعمة الله عليه بالهداية بعد الضلال، وعلمه ما لم يكن يعلم، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها، ومقابلة ذلك بذكر المنعم بها بالقلب واللسان (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فحين تتذكر نعمة الهداية من الله، وأنها محض فضل من الله تفضل بها عليك، وأنعم بها عليك، ولولا فضله ومنته ما عرفت هذا الدين وما اهتديت إليه، فكم من البشر على وجه الأرض لا يعرفون هذا الدين، اجتالتهم شياطين الجن والأنس عنه، فلله الفضل والمنة العظيمة علينا نحن أهل الإسلام، قال تعالى ممتناً على عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال تعالى ممتناً كذلك على عباده: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].

стр. 75

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ – ٨]. الوقفة الثالثة: فإذا استحضر العبد بقلبه عظيم منته الله عليه بالهداية شعر بفقره وحاجته الملحة لربه في حفظ هذه النعمة عليه، وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، فيقبل على شكر الله وذكره وهو يشعر بعظيم نعمة الله عليه وجميله الذي يطوقه ولا يستطيع مهما عمل واجتهد في العمل أن يرد شيئاً يسيراً من جميل الله عليه وعظيم منته عليه بالهداية والتوفيق لها. المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة رمي الجمار. وعبادة رمي الجمرات لها علاقة وثيقة بعمل القلب ويتضح ذلك في النقاط الآتية: أولاً: التسليم والانقياد لأمر الله في طاعته والاقتداء برسوله ﷺ في كل مناسك الحج من إحرام وطواف وسعي ووقوف في المشاعر ورمي الجمار والحلق والتقصير، وأنت أيها الحاج عبد لله تنفذ أمره لأجل ذكره والتقرب إليه بهذه العبادات، فقلبك يعظم شعائر الله فلا يكون في النفس أي تبرم أو حرج من أمر الله، بل لا يرى الله من قلبك إلا التسليم والانقياد في حجك وعمرتك، وفي سائر أمرك حيثما كنت لا يرى الله منك إلا الاستسلام والانقياد في صغير الأمر وكبيره، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
следующие страницы →