← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 890

أثر عمل القلب على عبادة الحج والعمرة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (162 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي رواية قَالَ ﷺ : " الْإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ" (١). ٣ - وفضائل هذه الكلمة العظيمة قد كُتِبَ فيها الكتب، وتعرضوا لما يتعلق بها من معنى وشروط ولوازم في كتب العقائد. ٤ - وإذا كان الذاكر لله بهذه الكلمة العظيمة حاضر القلب يدرك معاني ما يقوله بلسانه في هذا الموقف العظيم، واتفق القلب مع اللسان، فإن لهذا الدعاء والثناء على الله والذكر بكلمة التوحيد أثره العظيم على صلاح ظاهر الإنسان وباطنه، وبراءته من الشرك، ومن كل تعلقات القلب بغير الله، ولو رسخ في قلب المسلم عظمة هذه الكلمة، وفهم معناها، وعمل بمقتضاها؛ لأدى ذلك إلى قلع وخلع جذور الشرك بالله من القلب. ٥ - ولأن كلمة التوحيد تعني إفراد الله بالعبادة والإقرار بتوحيد الألوهية والربوبية لله تعالى، وماله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولهذا كانت دعوة جميع الأنبياء ﵈ لأممهم الدعوة إلى تحقيق معاني هذه الكلمة في حياتهم، وإفراد الله بجميع العبادة، ولا يصرف منها شيء لغيره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقالها صالح وهود وشعيب وكل نبي لقومه. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقالها النبي ﷺ لقومه حتى إنهم عجبوا من هذه الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهي مقتضى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي بلغها لهم، فقالوا مستعجبين كما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].

стр. 72

وعَنْ رجل من بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ (١) يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. الحديث (٢). وعَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ تُفْلِحُوا»، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا غُلَامُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قُلْتُ: فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ الْعُزَّى أَبُو لَهَبٍ .. الحديث (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٤)، وفسر في الرواية الثانية عبادة الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ

стр. 73

سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ … » الحديث (١). وفي الرواية الثالثة: أن يوحدوا الله، عن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى … » الحديث (٢). قال ابن القيم ﵀: "ولهذا كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣)، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد أول الأمر وآخره" (٤).

стр. 74

المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمزدلفة. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فإذا أفاض الحاج من عرفات ووصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير في أحكام تتعلق بها يرجع فيها إلى كتب المناسك، ونقف هنا مع هذه الآية عدة وقفات: الوقفة الأولى: العبادة الحاضرة في كل منسك من مناسك الحج ذكر الله وسيأتي الكلام عنه. الوقفة الثانية: حين يذكر الإنسان بقلبه عظيم نعمة الله عليه بالهداية بعد الضلال، وعلمه ما لم يكن يعلم، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها، ومقابلة ذلك بذكر المنعم بها بالقلب واللسان (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فحين تتذكر نعمة الهداية من الله، وأنها محض فضل من الله تفضل بها عليك، وأنعم بها عليك، ولولا فضله ومنته ما عرفت هذا الدين وما اهتديت إليه، فكم من البشر على وجه الأرض لا يعرفون هذا الدين، اجتالتهم شياطين الجن والأنس عنه، فلله الفضل والمنة العظيمة علينا نحن أهل الإسلام، قال تعالى ممتناً على عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال تعالى ممتناً كذلك على عباده: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].

стр. 75

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ – ٨]. الوقفة الثالثة: فإذا استحضر العبد بقلبه عظيم منته الله عليه بالهداية شعر بفقره وحاجته الملحة لربه في حفظ هذه النعمة عليه، وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، فيقبل على شكر الله وذكره وهو يشعر بعظيم نعمة الله عليه وجميله الذي يطوقه ولا يستطيع مهما عمل واجتهد في العمل أن يرد شيئاً يسيراً من جميل الله عليه وعظيم منته عليه بالهداية والتوفيق لها. المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة رمي الجمار. وعبادة رمي الجمرات لها علاقة وثيقة بعمل القلب ويتضح ذلك في النقاط الآتية: أولاً: التسليم والانقياد لأمر الله في طاعته والاقتداء برسوله ﷺ في كل مناسك الحج من إحرام وطواف وسعي ووقوف في المشاعر ورمي الجمار والحلق والتقصير، وأنت أيها الحاج عبد لله تنفذ أمره لأجل ذكره والتقرب إليه بهذه العبادات، فقلبك يعظم شعائر الله فلا يكون في النفس أي تبرم أو حرج من أمر الله، بل لا يرى الله من قلبك إلا التسليم والانقياد في حجك وعمرتك، وفي سائر أمرك حيثما كنت لا يرى الله منك إلا الاستسلام والانقياد في صغير الأمر وكبيره، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 76

ثانياً: عبادة رمي الجمرات مرتبطة بالذكر والدعاء، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ " (١). والذكر والدعاء لا يحدث أثره في حياة العبد إلا إذا كان القلب حاضراً مدركاً لمعنى ما يقوله ويفعله، فإذا اتفق القلب واللسان على الذكر والدعاء خشع القلب وخشعت الجوارح لله رب العالمين، ووجد الذاكر لربه طمأنينة القلب وراحة النفس قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. المطلب السابع: أثر عمل القلب على عبادة الحلق أو التقصير. ولعمل القلب أثر على عبادة الحلق أو التقصير من كونها من مناسك الحج والعمرة، ويظهر فيها امتثال أمر الله والاقتداء برسول ﷺ وكل منسك من مناسك الحج والعمرة يربي المسلم على مطلق الامتثال والانقياد لأمر الله دون مدافعة ولا ممانعة بل استسلام تام وانقياد كامل، وقد سبق الكلام في ذلك.

стр. 77

المطلب الثامن: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمنى ليالي أيام التشريق. وكما سبق فأعمال أيام التشريق ولياليه لإقامة ذكر الله وتربية المسلم على أن يكون القلب منقاداً لأمر الله مستسلماً لحكمه حريصاً على الاقتداء بالنبي ﷺ في كل مناسك حجه.

стр. 78

المبحث الخامس: ارتباط عمل القلب بالذكر والدعاء في الحج والعمرة، وفيه مطلبان. المطلب الأول: أثر عمل القلب على الذكر في الحج والعمرة. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على الدعاء في الحج والعمرة.

стр. 79

المبحث الخامس: ارتباط عمل القلب بالذكر والدعاء في الحج والعمرة، وفيه مطلبان. ومن الشعائر الظاهرة جداً في الحج والعمرة وهي أبرز شعائره القولية الأمر بكثرة ذكر الله ودعائه في كل مناسك الحج والعمرة من بادية النسك إلى نهايته: من تلبية، وأذكار وأدعية الطواف والسعي، وأذكار ودعاء يوم عرفة، وذكر الله ودعاؤه عند المشعر الحرام، والذكر الدعاء عند رمي الجمار وأذكار أيام التشريق، ولا شك أن لعمل القلب أثره العظيم على هذه الأذكار والأدعية، إذا جاهد العبد نفسه على حضور القلب وكانت أعمال القلب من محبة وخوف ورجاء حاضرة ومتحققة في القلب ولابد أن يظهر أثرها على جوارح العبد فيكون ذاكراً وداعياً لله بقلبه ولسانه، فحينئذ لا تجد الحاج والمعتمر إلا وهو يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جانبه في حله وترحاله، وفي كل أحواله يلهج لسانه بالذكر والدعاء، ودونك شيء من التفصيل وفق المطلبين الآتيين: المطلب الأول: أثر عمل القلب على الذكر في الحج والعمرة. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على الدعاء في الحج والعمرة. المطلب الأول: أثر عمل القلب على الذكر في الحج والعمرة، وفيه مسائل. توطئة: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]

стр. 80

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧] أما من السنة، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ ". ويقول النبي ﷺ : " خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". وسيكون إن شاء الله تفصيل في هذا المطلب وفق المسائل الآتية: المسألة الأولى: التلبية وأثر عمل القلب عليها. أولاً: النصوص التي جاءت برفع الصوت في التلبية: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «العَجُّ وَالثَّجُّ» (١). و (العج) رفع الصوت بالتلبية و (الثج) نحر الهدي والاضاحي لِيَثُجَّ الدم من المنحر (٢).

стр. 81

وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ، فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ " (١). عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ .. » (٢). عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى تُبَحُّ أَصْوَاتُهُمْ مِنْ شِدَّةِ تَلْبِيَتِهِمْ» (٣). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» (٤). وفي الحديث دليل على رفع الصوت بالتلبية للرجل كهيئة الصراخ وهو أشد ما يمكن رفع الصوت إليه، ولكن هذا بشرط ألا يتسبب في أذية نفسه، والمتفق عليه بين أهل العلم استحباب رفع الصوت بالتلبية، وذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه، وأما المرأة إذا كانت بين النساء فإنها ترفع صوتها بقدر ما تسمع جارتها، وإذا كانت بحضرة رجال فتخفض من صوتها (٥). وعَنْ بَكْرٍ المزني قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ «فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ» (٦). وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى، مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ، مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (٧).

стр. 82

ثانياً: لفظ تلبية النبي ﷺ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ " (١). الأفضل للحاج والمعتمر أن يلتزم بتلبية النبي ﷺ وان زاد عليها فلا بأس لورود الدليل بذلك من فعل النبي ﷺ وإقراره للصحابة على ما زادوا من تلبية. وقال الشيخ الألباني ﵀ في كتابه مناسك الحج والعمرة: " - ويلبي بتلبية النبي ﷺ : أ - "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وكان لا يزيد عليها. ب - وكان من تلبيته ﷺ : "لبيك إله الحق". - والتزام تلبيته ﷺ أفضل وإن كانت الزيادة عليها جائزة لإقرار النبي ﷺ الناس الذين كانوا يزيدون على تلبيته قولهم: "لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل". وكان ابن عمر يزيد فيها: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل"" (٢). ثالثاً: قال ابن تيمية ﵀: "والتلبية هي: إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم ﷺ والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته. والمعنى: أنا مجيبوك لدعوتك؛ مستسلمون لحكمتك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك والتلبية شعار الحج "فأفضل الحج العج والثج"، فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدي.

стр. 83

ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها ويستحب الإكثار منها عند اختلاف الأحوال مثل أدبار الصلوات ومثل ما إذا صعد نشزا أو هبط واديا أو سمع ملبيا أو أقبل الليل والنهار أو التقت الرفاق وكذلك إذا فعل ما نهي عنه" (١). رابعاً: أثر عمل القلب على التلبية، ويكون في النقاط الآتية: ١ - إن مما يبعث على الإكثار من التلبية محبة العبد لربه وشوقه إلى استجابة نداء الحق الذي دعاه إلى حج بيته، فقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. نقل ابن حجر عن ابن عباس ﵄: "لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج قال: رب وما يبلغ صوتي، قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس وفيه: فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ. قال ابن المنير في الحاشية: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه " (٢). ٢ - … إن حضور القلب مع اللسان عند التلبية يحُدِثُ أثرها على القلب والجوارح، فيطمئن بها القلب ويتلذذ بها، وتخشع الجوارح لله تعالى. ٣ - ورفع الصوت للرجال بالتلبية اظهار لهذه الشعيرة العظيمة حتى ترتج بها الأفاق ويشعر المسلم بعزته بإسلامه، ويقوى في قلبه حب الله وحب دينه ويشعر، بعظمة هذا الدين، فيسارع ويسابق إلى مرضاة الله في حجه وعمرته، وفي سائر أحواله.

стр. 84

٤ - وإذا حضر القلب مع اللسان وأدرك الملبي معنى ما يقول رسخت في النفس معاني التوحيد الخالص لله تعالى، وكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه وإيمانه بالله وخوفه ورجاؤه، وزاد في قلبه بغض الشرك كبيره وصغيره. ٥ - وإذا لبى الحاج والمعتمر أدرك عظيم نعمة الله عليه بتوفيقه لهذه العبادة العظيمة، وشعر بمنة الله عليه العظيمة، فلهج في تلبية بالحمد والثناء على ربه، وكان في ذلك أفضل الدعاء قال ﷺ : " .. وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ"، وقد مرت الإشارة إلى ذلك. المسألة الثانية: أذكار دخول المسجد الحرام. ليس لدخول المسجد الحرام ذكر خاص، وإنما يذكر ما ورد من أذكار في دخول أي مسجد، لكنه يجاهد قلبه ليشعر بعظمة الموقف بين يدي الله وهو يدخل المسجد الحرام الذي تعدل الصلاة فيه مائة ألف صلاة فيما سواه، كما صح بذلك الحديث (١). المسألة الثالثة: أذكار الطواف والسعي. ما ثبت من أذكار الطواف والسعي: ١ - يقطع التلبية حين يشرع في الطواف. ٢ - ويقول عند استلام الحجر الأسود (بسم الله، الله أكبر)، وعند محاذاته في كل مرة -في حال الزحام- (الله أكبر) ويشير إليه. ٣ - يحرص الحاج والمعتمر في طوافه أن يتذكر أموراً منها: - يجتهد في حضور القلب في هذا الموقف العظيم وهو يؤدي عبادة الطواف ببيت الله الحرام. - يقبل بقلبه على ربه، ويفرغه من كل تعلق بغير الله. - يستشعر بقلبه أنه يمتثل أمر ربه ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 85

٤ - ليس للطواف ذكر مخصوص، فله أن يقرأ القرآن ويذكر الله بما شاء، قال ﷺ : " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ ". وقال ﷺ : «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ فِيهِ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ» (١). وقال ﷺ : «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ» (٢). ٥ - فعلى الحاج والمعتمر أن يحرص في حال طوافه على الاقبال على الله بقلبه ووجهه، ويستحضر عظمة من يعبده ويطيعه في أداء هذه العبادة ويحرص على الخشوع والبعد عن أذية المسلمين في حال طوافه ويكون عليه سكينة ووقار لأنه في عبادة لله تعالى، ويشغل وقته في طوافه بكثرة ذكر الله والدعاء بما فتح الله عليه، أما ما يحدثه بعض الناس من رفع صوت بالدعاء بطريقة تشوش على الطائفين خشوعهم، ثم يزيد الأمر سوءاً أن بعضهم يرفع صوته ويردد من خلفه ما يقوله من دعاء، وكان الأولى بهم أن يؤمّنوا على دعائه ولا يردده بعده، فليس لهذا أصل والله أعلم، وغالب من يقوم برفع الصوت بالدعاء في الطواف هم من يخصص لكل شوط دعاء، وهذا كما قال أهل العلم من المحدثات، وسيأتي الكلام عنه.

стр. 86

المسألة الرابعة: ذكر يوم عرفة. وقد سبق الكلام عن أذكار يوم عرفة وسيأتي إشارة إلى الدعاء في يوم عرفة. المسألة الخامسة: الذكر عند المشعر الحرام. ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٧]. وفي حديث جابر ﵁ في وصف حجة النبي ﷺ : "حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ .. " (١) الحديث. دل هذا الحديث على وقت الذكر بعد صلاة الفجر لمن سيدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، أما الضعفة ومن في حكمهم فإنهم يذكرون الله قبل مغادرة مزدلفة بعد منتصف الليل، وكَانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ «يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الْجَمْرَةَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ » (٢). وفي مواطن ذكر الله ينبغي على الحاج عدم العجلة في ذكره، وأن يقبل بقلبه على ربه، فيذكره بقلب حاضر يدرك معنى ما يقول، ويستشعر عظيم توفيق الله له حيث أوقفه هذه المواقف الخالدة وتفضل عليه بأداء هذا النسك فيحمد الله ويكبره ويهلله، ويدعو ربه بما شاء من خير الدنيا والآخرة. إن مما يبقى أثر الحج على حياة المسلم سيره في أداء مناسكه على طريقة النبي ﷺ والاقتداء به في حجه وعمرته وتتبع سنته في ذلك والحرص على الإخلاص لله تعالى في هذه المواقف

стр. 87

العظيمة، والحذر من إفساد النية بالتصوير بحجة الذكرى ونحو ذلك من الحجج الشيطانية، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك. المسألة السادسة: الذكر عند رمي الجمار. قال ﷺ : " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ ". وورد أن النبي ﷺ يكبر مع كل حصاة عند رمي الجمار (١)، جمرة العقبة في يوم العيد، وفي حديث جابر الذي سبق في صفة حج النبي ﷺ : "حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي" (٢). وعند رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق (٣). وهنا يتذكر الحاج بقلبه وهو يرمي الجمار ويقول (الله أكبر) مع كل حصاة معنى الله أكبر، وهذا سيكون التفصيل فيه في المسألة الآتية. ورمي الجمار لإقامة ذكر الله، فعلى الحاج أن يحرص على الالتزام بهدي النبي ﷺ في رميه للجمار، فلا يقع في الغلو في الدين الذي هو من أمراض القلب التي تفسد على الإنسان دينه، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٤).

стр. 88

يَقُولُ جابر ﵁: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» (١). وفي الحديث دليل على استحباب أن يكون قدر الحصاة كما ورد في الحديث كحبة الباقلاء (٢) وهو أكبر قليلاً من حبة الحمص كحبة الفول، أو مثل بعرة الغنم (٣). المسألة السابعة: التكبير يوم النحر وفي أيام التشريق. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وذكر ابن كثير في تفسيره: " قال ابن عباس: "الأيام المعدودات" أيام التشريق، و"الأيام المعلومات" أيام العشر. وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر" (٤). وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ " (٥). ومن الذكر في أيام التشريق التكبير المطلق في كل وقت من ليل أو نهار في أيام التشريق إلى مغرب آخر يوم من أيامها، والتكبير المقيد في أدبار الصلوات. والتكبير للحاج يبدأ من رمي حمرة العقبة يوم العيد ويكون المقيد منه في أدبار الصلوات من ظهر يوم العيد إلى فجر اليوم الثالث من أيام التشريق (٦). والتكبير من أكثر الأذكار التي يقولها المسلم في يومه وليلته وفي كل العام يكون في الأذان والإقامة، وفي الصلوات في الانتقال بين أركانها، وبعد الصلوات، وقبل النوم، وفي العيدين، وفي أيام العشر من ذي الحجة، وفي يوم النحر وأيام التشريق، ويقوله المجاهد في سبيل الله في ساحات الوغى، ولهذا ارتباط كبير بعمل القلب يتجلى في النقاط الآتية:

стр. 89

أولاً: معناه: الله أكبر من كل شيء (١). ثانياً: ثمراته وآثاره المباركة على حياة المسلم: ١ - إذا رسخ في قلب العبد اليقين بمعاني التكبير، وكان يقوله بقلب حاضر يدرك ويعلم معاني ما يقول، وجاهد نفسه على الاستمرار والصبر على حضور قلبه؛ ليعقل وليفهم ويعلم ما يقول، أثمر ذلك خشوعه وخضوعه لعظمة الله الكبير. والسؤال المهم: ما أثر قولنا لهذا التكبير كثيراً في حياتنا على خشوع قلوبنا؟ وعلى خوفنا وخشيتنا من الله وتعظيمه حق التعظيم، فزادت خشيتنا له، وزادت هيبتنا منه، وزادت عظمته في قلوبنا فقدّرناه حق قدره وعظّمناه حق التعظيم، وخشعت قلوبنا من هيبته وجلاله وعظمته، إنه الله ﷻ أكبر من كل شيء، كل شيء من دونه أصغر، هو الكبير المتعال الذي خضعت لعظمته جميع المخلوقات طوعاً وكرهاً، قال تعالى عن نفسه عزوجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. هو مالك الملك مدبر الأمر مصرف الكون، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣].

стр. 90

وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ المؤمنون: ٨٨ – ٨٩]. هو وحده الذي يرزق ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، يمسك السموات فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، يرفع السماء بغير عمد نراها، أقرأ هذه الآيات بقلب حاضر متدبر يدرك بقلبه عظمة الله وقوته ويقدره حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ٩ – ١٠]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ لقمان: ٣٠ ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤]. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦]. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ

стр. 91

خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ – ٣]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. ٢ - إذا حضر في القلب محبة الله والشعور بعظمته وأنه أكبر من كل شيء، ازداد العبد شوقاً للقاء ربه وسهلت عليه كل المشاق التي يواجهها في طريقه إلى ربه، بل يترقى في سلم المحبة حتى يصل إلى درجة التلذذ بما يلقاه في سبيل الله وسبيل مرضاته، ولا يبالي بمن يصده عن الطريق عن الله لأنهم في نظره أصغر شيء لا حول لهم ولا قوة إلا ما أقدرهم عليه العلي الكبير، فهم يثبتون على الحق الذي يحبه الله ويرضاه ثبات الجبال الراسيات، ودونك هذه الأمثلة التي تبين هذه الحقيقة: المثال الأول: وهم سحرة فرعون، يعلنون الرضا بما يلقونه في ذات الله، عندما توعدهم فرعون بالعقوبة التي ظن أنها سترهبهم، وتعيدهم إلى ما كانوا عليه من الطاعة والتقرب له، ولكن القوم ذاقوا حلاوة الإيمان، وعرفوا مرارة الكفر والعصيان، فأصبحوا يجدون لذة فيما يصيبهم في ذات الله، وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، يثبت صاحبه على الحق ثبات الجبال الراسخات، فلا تهزه العواصف، ولا يتزحزح عن الحق الذي معه مهما كانت قوة الباطل وصلفه. ولنعش مع أحداث هذه القصة كما يذكرها ربنا في أكثر من سياق، فيقول تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ

стр. 92

الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٤٣ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٦٥ - ٧٦]. المثال الثاني: وهذا نموذج آخر على الرضا بما يلقاه في ذات الله: فعن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ (١) سَرِيَّةً عَيْنًا (٢)، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ

стр. 93

عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالهَدَأَةِ (١) -وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لَحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ (٢) وَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا، قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ، وَابْنُ دَثِنَةَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ (٣) فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ؛ إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً، يُرِيدُ القَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟! مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا

стр. 94

خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا. مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا (١)، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ، وَمَا أُصِيبُوا، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ (٢)، فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا (٣). المطلب الثاني: أثر عمل القلب على الدعاء في الحج والعمرة، وفيه مسائل. توطئة: ومن العبادات الحاضرة في مناسك والعمرة كثرة دعاء الله تعالى، فهناك أدعية خاصة جاءت بها النصوص في مواطن محددة في كل منسك من مناسك الحج والعمرة، وهناك مجال رحب واسع للدعاء بما شاء الإنسان من خير الدنيا والآخرة بدون الالتزام بصيغة محددة للدعاء، بل يدعو بما شاء والأكمل والأفضل أن يحرص على الأدعية التي جاءت في القرآن وصحيح السنة.

стр. 95

تنبيه مهم جداً: وهنا تنبيه مهم جداً في مسألة الدعاء في الحج والعمرة، وهو أن الحج والعمرة عبادة مبنية على التوقيف والاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ الذي قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هذا"، والدعاء في الحج أو العمرة أحد هذه المناسك، فلا يصح لأحد أن يحدث دعاء مخصوصاً في أحد هذه المناسك إلا بدليل منه ﷺ ، وهو القائل ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». وفي الرواية الأخرى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». وعلى هذا فمن خص منسكاً من مناسك الحج أو العمرة بدعاء خاص لهذا المنسك لم يرد عن النبي ﷺ فعمله مردود عليه، لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك، ومثال على ما أحدثه الناس من أدعية مخصوصة لكل شوط من الطواف والسعي لم يذكره النبي ﷺ أنه خاص بهذه الأشواط، فيكون بذلك قد أحدث عملاً لم يأمر به النبي ﷺ ، وإن كانت نيته حسنة يريد بذلك وجه الله تعالى، فقد حقق الشرط الأول من شروط قبول العبادة وهو الإخلاص، ولم يحقق الشرط الثاني وهو الاقتداء بالنبي ﷺ في عبادة الحج والعمرة فقد يرد عمله عليه، لأن هذا العمل الذي عمله هذا الحاج أو المعتمر لم يأمر به النبي ﷺ أو يرشد إليه أو يعمله في الحج أو العمرة، فمن أحدث دعاء مخصوصاً في الطواف أو السعي أو في أي منسك من مناسك الحج أو العمرة فقد وقع في البدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولم يفعله؛ ولهذا كان من لم يلتزم بهدي النبي ﷺ في حجه وعمرته على خطر عظيم، قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». وفي الرواية الأخرى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].

стр. 96

وهذه الأعمال التي يجعلها الله هباء منثوراً في يوم القيامة، فلا ينتفع أصاحبها بها وهم أحوج ما يكونون إليها، لأنها إما ليست خالصة لله تعالى، وإما أنها على غير سنة رسول الله ﷺ (١). أولاً: ما ثبت من أدعية الحج والعمرة: ودونك هذه المسائل حول هذا الموضوع: المسألة الأولى: الدعاء عند الإحرام وبعده. ١ - يقول عند نية الدخول في النسك: اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَةٍ عَلَيْهَا رَحْلٌ رَثٌّ (٢)، وَقَطِيفَةٌ (٣) لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : اللَّهُمَّ هَذِهِ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ». ٢ - الإهلال بالتوحيد، يقول جابر ﵁ في وصفه لحجة النبي ﷺ : "فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، .. فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» ". المسألة الثانية: دعاء دخول المسجد الحرام. يقول العلامة ابن باز ﵀ في منسكه في وصفه لدخول المسجد الحرام: " فإذا وصل إلى المسجد الحرام سن له تقديم رجله اليمنى، ويقول: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك".

стр. 97

ويقول ذلك عند دخول سائر المساجد، وليس لدخول المسجد الحرام ذكر يخصه ثابت عن النبي ﷺ فيما أعلم" (١). المسألة الثالثة: أدعية الطواف. لم يصح عن النبي ﷺ في الطواف دعاء خاص، قال شيخ الإسلام في منسكه: "ويُسْتَحَبُّ له في الطوافِ: أنْ يذكُرَ اللهَ تعالَى ويَدْعُوَهُ بما يُشْرَعُ، وإنْ قرأَ القرآنَ سِرًّا فلا بأسَ، وليسَ فيه ذِكْرٌ محدودٌ عنِ النبيِّ ﷺ ، لا بأَمْرِهِ، ولا بِقَوْلِهِ، ولا بتعلِيمِهِ، بلْ يدعُو فيه بسائرِ الأدعيةِ الشرعيةِ، ومَا يذكُرُهُ كثيرٌ مِنَ الناسِ مِنْ دعاءٍ معيَّنٍ تحتَ الميزابِ ونحوِ ذلِكَ فلَا أصلَ لَهُ، لكن كان يختِمُ طوافَهُ بين الركنينِ بقولِهِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، كمَا كانَ يختِمُ سائِرَ الأدعية بذلِكَ، وليسَ في ذلك ذِكْرٌ وَاجِبٌ باتفاقِ الأئمةِ" (٢)، ولكن ثبت أنه ﷺ يقول: بين الركن اليماني والحجر الأسود (٣)، ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٤). وقال العلامة ابن باز ﵀ في منسكه: "ويستحب له أن يكثر في طوافه من ذكر الله والدعاء وإن قرأ فيه شيئاً من القرآن فحسن.

стр. 98

ولا يجب في هذا الطواف ولا غيره من الأطوفة، ولا في السعي ذكر مخصوص ولا دعاء مخصوص. وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفى، فإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه وقال: " بسم الله والله أكبر " ولا يقبله، فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه ولا يشير إليه ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم، ويستحب له أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبله وقال: " الله أكبر "، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه وكبر" (١). المسألة الرابعة: أدعية السعي. قال جابر ﵁ في وصفه لحجة النبي ﷺ : " .. حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» الحديث. وهذه تنبيهات حول هذا الجزء من الحديث:

стр. 99

١ - وتلاحظ هنا أنه لم يذكر النبي دعاء مخصوصاً عند مقام إبراهيم ﵇ ولا بعد الصلاة خلفه، فعليه فلا يصح إحداث دعاء مخصوص لهذه العبادة، ومن فعل فقد ابتدع في دينه وأحدث مالم يأمر به النبي ﷺ (١). ٢ - وفي الحديث صفة ما قاله النبي ﷺ في السعي بين الصفا والمروة، فيقرأ الآية عند قربه من الصفا فيرقى على الصفا حتى يرى الكعبة فيستقبلها ويقول الذكر: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثلاث مرات وبين كل مرة يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، ولم ينص النبي ﷺ على دعاء مخصوص في هذا الموقع كما يظهر من حديث جابر ﵁. ٣ - وقال العلامة ابن باز في منسكه: " ويستحب أن يستقبل القبلة ويحمد الله ويكبره ويقول: " لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم يدعو بما تيسر رافعاً يديه، ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، ثم ينزل فيمشي إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأول، فيسرع الرجل في المشي إلى أن يصل إلى العلم الثاني، وأما المرأة فلا يشرع لها الإسراع بين العلمين؛ لأنها عورة وإنما المشروع لها المشي في السعي كله، ثم يمشي فيرقى المروة أو يقف عندها والرقي عليها أفضل إن تيسر ذلك، ويقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا، ما عدا قراءة الآية وهي قوله

стр. 100

٤ - تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط؛ تأسياً بالنبي ﷺ " (١). المسألة الخامسة: دعاء يوم عرفة. وقال ابن باز في منسكه: " ثم يقف الناس بعرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرنَةَ، ويستحب استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر ذلك، فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة وإن لم يستقبل الجبل، ويستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في ذكر الله سبحانه ودعائه والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء وإن لبى أو قرأ شيئاً من القرآن فحسن، ويسن أن يكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» وصح عنه ﷺ أنه قال: «أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» فينبغي الإكثار من هذا الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب وينبغي الإكثار أيضاً من الأذكار والأدعية الواردة في الشرع في كل وقت ولا سيما في هذا الموضع في هذا اليوم العظيم ويختار جوامع الذكر والدعاء" (٢). المسألة السادسة: الدعاء عند المشعر الحرام. قال جابر ﵁ في وصفه لحجة النبي ﷺ : "ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ .. ". المسألة السابعة: الدعاء عند رمي الجمار. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في منسكه عن المبيت بمنى ليالي التشريق ورمي الجمار بعد طواف الإفاضة في يوم النحر: " رجع إلى منى فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر والثاني عشر، ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشمس في اليومين والأفضل أن يذهب للرمي ماشياً وإن ركب فلا بأس،

стр. 101

فيرمي الجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم قليلاً ويدعو دعاء طويلاً بما أحب، فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلاً ليحصل السنة. ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال فيقف مستقبلاً القبلة رافعاً يديه ويدعو دعاء طويلاً إن تيسر عليه، وإلا وقف بقدر ما يتيسر، ولا ينبغي أن يترك الوقوف للدعاء لأنه سنة، وكثير من الناس يهمله إما جهلاً أو تهاوناً، وكلما أضيعت السنة كان فعلها ونشرها بين الناس أؤكد لئلا تترك وتموت. ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ثم ينصرف ولا يدعو بعدها. " (١). تنبيه مهم: هذه الأدعية التي مر ذكرها في المناسك تحتاج إلى أن نقف معها بعض الوقفات حول أثر عمل القلب عليها: ١ - الحرص على حضور القلب عند الدعاء مع اليقين بأن الله سيستجيب له، وذلك لأن حضور القلب مع اليقين بالإجابة له أثر كبير في استجابة الدعاء، أما غفلة القلب وعدم حضوره ويقينه يؤثر على قبول الله للدعاء يقول: ﷺ «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (٢). ٢ - الشعور بالافتقار إلى الله في الدعاء، يؤدي إلى انكسار القلب بين يدي الله تعالى، وذلك له أثر عجيب في قرب العبد من ربه وسرعة استجابته لدعوته. ٣ - الإلحاح على الله والتضرع إليه، ومن الأسباب العظيمة لاستجابة الدعوة إلحاح العبد على ربه وشدة طلبه وشدة تضرعه، ولأن ذلك دليل على افتقار العبد واحتياجه إلى ربه، وهذا أدعى للإجابة.

стр. 102

٤ - رفع اليدين في الدعاء وتكرار يا رب يا رب، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم والثناء على الله مع الصلاة والسلام على النبي ﷺ لها أثر في شعور القلب بقرب الله منك ومعيته الخاصة لك، وذلك من أسباب استجابة الله للداعي. - وفي الحديث القدسي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (١)، وكانت أدعية الأنبياء وعباد الله بقولهم: ربنا. - وقال ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٢). - وقال ﷺ : «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (٣). ومعنى " أَلِظُّوا ": أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله في دعائكم، وقيل: هو بمعنى الإلحاح على الله بهذه اللفظة (٤). - يقول فَضَالَةُ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٥).

стр. 103

المبحث السادس: أثر عمل القلب على أخلاق المسلم في الحج، وفيه مطالب. المطلب الأول: مكانة الخلق الحسن في دين الإسلام. المطلب الثاني: مظاهر حسن الخلق في الحج. المطلب الثالث: سوء الخلق وخطره على الحاج.

стр. 104

المبحث السادس: أثر عمل القلب على أخلاق المسلم في الحج، وفيه مطالب. المطلب الأول: مكانة الخلق الحسن في دين الإسلام. ودونك طرفًا من الأحاديث في بيان مكانة الخلق الحسن: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ» (١). وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٢). وفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال النبي ﷺ : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» (٣). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» (٥).

стр. 105

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (١). ومما يدل على مكانة حسن الخلق وأثره العظيم أنه سبب لدخول الجنة مع قلة النوافل، أو العقوبة بالنار لمن ساء خلقه مع كثرة نوافله، لكنها لا تنفعه، بسبب سوء خلقه، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (٢). المطلب الثاني: مظاهر حسن الخلق في الحج، وفيه مسائل. المسألة الأولى: الحج من أعظم المواقف التي يظهر فيها حسن خلق المسلم، أو سوء خلقه، ولذلك عدة أسباب منها: ١ - حصول مشقة السفر، وسمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن الأخلاق (٣). ٢ - التعامل مع طبائع مختلفة من الناس يجمعهم مكان واحد، فيهم المريض، وفيهم الجاهل الذي يعد الخلق الحسن ضعفاً، وفيهم صاحب الخلق السيء الذي تعود على ذلك حتى صار سجية له. ٣ - تغير مواعيد النوم واليقظة، وقضاء الحاجة. ٤ - التعب والارهاق بسبب كثرة المشاق في الحج.

стр. 106

٥ - ضيق المكان وشدة الزحام. ٦ - قلة موارد الماء والطعام في بعض الأزمان. المسألة الثانية: من مظاهر حسن الخلق المرتبطة بعمل القلب. ١ - المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهذا خلق المسلم الحقيقي، قال عنه ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ .. » الحديث. فاذا أراد الحاج أن يقيم نفسه هل هو مسلم حقاً وحقيقة، فلينظر إلى حاله مع إخوانه الحجاج هل سلموا من لسانه ويده؟ ومن أعظم العلامات الدالة على تمكن هذا المعنى في القلب الخُلُق الآتي: ٢ - أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، قال ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١). وهذا المعنى العظيم لا يسكن في قلب العبد ولا يستطيع أن يتخلق به إلا إذا طهر قلبه من الشح والبخل والحسد والأنانية وحرص على سلامة قلبه من الشحناء والبغضاء لإخوانه المسلمين، ومن العلامات الدالة على وجود هذا المعنى في القلب الخُلُق الآتي: ٣ - الرحمة والرفق واللين بإخوانه الحجاج، من مظاهر محبة المسلم لأخيه المسلم أن يرحمه فيرفق به ويلين جانبه له، فيبتعد عن غلظة القلب والقسوة على أخيه الحاج بل يرفق به ويشفق عليه ويرحمه قال تعالى عن رسوله ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى في وصف أصحاب النبي ﷺ : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. ولهذا جاءت الأحاديث مرغبة في الرحمة والرفق واللين ومن ذلك:

стр. 107

ما ورد عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (٣). وعن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (٤). وعَنها ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ»، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟! رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» (٥).

стр. 108

وعَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (١). وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٢). وعَنها ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٣). ومن مظاهر الرحمة والشفقة واللين والرفق بإخوانه الحجاج: أ - المشي مع أخيه الحاج لخدمته في قضاء حاجته له كدلالته على موقع مخيمه. ب - مساعدة الحاج في حمل متاعه. ت - مساعدة الحاج المريض باستدعاء الإسعاف له، أو إيصاله إلى المركز الصحي القريب. ث - الحرص على المشاركة في سقيا الحاج وإطعامه. ج - … الحرص على أخيه الحاج في مواطن الزحام عند الطواف والسعي ورمي الجمار بالتوسعة له ولأهله وعدم مدافعتهم بيده أو أذيتهم بلسانه، وأن يحرص على سلامتهم كما يحرص على نفسه وأهله. ح - … التعاون مع رجال الأمن في تنظيم سير الحجاج وعدم المخالفة لذلك بل الدعاء لهم بالتوفيق والإعانة والثواب والأجر، مع شكرهم على ما يقدمونه وما يتعاملون به من أخلاق عالية مع الحاج، ونصحهم برفق ولين إذا رأى منهم شيء من الغلظة على الحاج.

стр. 109

٤ - الكلمة الطيبة صدقة. من الأخلاق العالية التي ينبغي على الحاج أن يتخلق بها الحرص على الكلمة الطيبة والتي تتمثل في الأمور الآتية: أ - … الموعظة الحسنة لإخوانه الحجاج. فعندما يرى وقوع بعض اخوانه الحجاج في مخالفات شرعية أو بدع محدثة يسارع إلى نصحهم وإرشادهم برفق ولين ووعظهم ونصحهم بالحسنى مع بيان الحق بدليله إذا كان لديه علم في ذلك أو دلالتهم على مواقع التوعية الإسلامية في الحج. ب - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأحببت أن أفرده بالذكر مع أنه يندرج فيما سبقه لأنه من أعظم شعائر التي ينبغي أن يحرص عليها الحاج ولا يمل من تكرار ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق ولين ورحمة وموعظة حسنة كما سبق، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فعلى الحاج ألا يمل من قيامه بهذا الأمر كلما رأى تقصيراً في معروف أو ارتكاباً لمنكر من قبل إخوانه الحجاج، فيسارع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق ولين وموعظة حسنة، وهذا من أعظم الدلائل على إيمان القلب قال ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (١). ت - الرد بأدب وكلمة طيبة عند حصول تعدي من أحد الحجاج عليه. كثير ما يحصل تعدي من بعض الحجاج على إخوانه بلسانه أو بيده في بعض الأحيان، فهنا ينبغي على الحاج المعتدى عليه أن يرد عليه أخيه برفق وشفقة ورحمة به، وأن يتجاوز عنه ويعفو ولا يرد السيئة بمثلها، وإنما يملك نفسه عند الغضب كما سيأتي الكلام على ذلك. ٥ - ما دل عليه حديث ابي ذر ﵁ من أخلاق عظيمة ينبغي على عامة المسلمين أن يتخلقوا بها والحجاج خاصة.

стр. 110

يقول ﷺ : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (١). وهذه الأخلاق العظيمة التي نص عليها هذا الحديث حقيق بكل مسلم يريد الخير لنفسه، وبكل حاج يريد أن يكون حجه مبروراً أن يحرص على امتثال هذه الأخلاق في حجه وعمرته، وكل أحواله وهي عامة للمسلمين في كل مكان وزمان، وبما أن الكلام عن سلوك الحاج مع إخوانه الحجاج فإنه سيكون التركيز على ربط هذه الأخلاق العظيمة بسلوك الحاج، وهي على النحو الآتي: - تبسمك في وجه أخيك الحاج لك صدقة. - امرك بالمعروف لإخوانكم الحجاج ونهيك عن المنكر صدقة. - وأرشادك لأخيك الحاج صدقة. - دلالة الحاج ضعيف البصر أو الأعمى وايصاله إلى مكانه إذا تاه عنهم من جملة الصدقات. - إماطة الأذى من حجر أو عائق من أشواك أو مسامير أو اسياخ حديد أو نحو ذلك مما يعوق الحاج في طريقه، ذلك لك من الصدقات. - مساعدة الحاج في سقيا الماء من الصدقات.
следующие страницы →