← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 893

الحديث الموضوعي المنهج والتأصيل والتمثيل

لطيفة الراشد

Полный текст (256 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الدراسات حول السنة وتنوعها وكثرة فروعها بين الماضي والحاضر له علاقة قوية بتبليغ السنة، طلبًا للأجر والمثوبة، ذلك أنه وردت أحاديث في فضل تبليغ السنة؛ منها الحديث المتواتر عن النبي ﷺ : «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١). لقد وعى المسلمون فضل تبليغ السنة وأهميتها في الدين؛ لذا تنوعت الطرق في تبليغ السنة، واتخذت أشكالا مختلفة، فكانت طريقة التبليغ تبعًا للحاجة المُعتمدة على الحديث المروي. والمتتبع للدراسات حول السنة يلمس هذا التنوع من عصر إلى عصر، وكيف خَدمت هذه الدراسات العصر الذي وجدت فيه. ففي عصر الصحابة والتابعين كان تبليغ الحديث بالوقوف على المتن؛ للحاجة الماسة للفتوى، والدليل عليها من القرآن أو السنة، والوقوف على ما في الحديث من فقه. ومن نهاية القرن الثاني حتى نهاية القرن الرابع كان جمع الحديث بأسانيدها في المصنفات، وذلك صيانة للحديث، مع ما يتبع ذلك من مجالس الحديث للمذاكرة. ومن القرن الخامس حتى عصر الحاسوب تنوعت الدراسات حول السنة تنوعًا عجيبًا بين شرح وتخريج ودراسات حول السند والمتن … إلخ، حتى بلغت

стр. 2

اثنين وخمسين نوعًا عند الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة ٤٠٥ هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديث"، (١) وبلغت خمسةً وستين نوعًا عند الإمام ابن الصلاح (المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) في "مقدِّمته"، (٢) ثم زادها الإمام السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ) إلى ثلاثة وتسعين نوعًا في "تدريب الراوي" (٣). والسبب في هذا التنوع في الدراسات المتعلقة بالحديث الحاجة في الإيضاح؛ لتبليغ السنة على الوجه الصحيح، ومنشأ ذلك طلب الأجر والمثوبة. أما في العصر الحاضر فإن هناك تحديات تواجه طلبة العلم في تبليغ السنة، إذ الحاجة ماسة لها ليس في العلوم الشرعية فحسب بل في كل العلوم؛ ذلك لشمولية السنة، فالسنة منهج حياة تشمل الفرد والمجتمع، يعلم ذلك من قرأ في السنة وتعلمها. إن التبليغ في العصر الحاضر يحتاج لطريقة عرض تجمع بين العمق في معرفة الحديث ودراسته دراسة دقيقة؛ وعرضه بطريقة علمية فنية، وفي موضعه، حتى يفهمها القارئ ويصل له معنى الحديث، وبذلك يسهل تطبيقه. ويتجلى هذا المعنى عندما يكون البحث موجه لغير المتخصص في العلوم الشرعية، أو في الأبحاث البينية. وحتى في العلوم الشرعية؛ أصبح بعض طلبة العلم يفضل الحصول على المعلومة بشكل نهائي تطبيقي، وهذا ما لمسناه في مسيرتنا

стр. 3

التعليمية في تدريس الحديث وعلومه التي دامت -ولله الحمد- سبع وثلاثون سنة، فقد لمسنا الفرق في التفكير وطريقة التلقي بين الطالبات قبل ثلاثين سنة والطالبات قبل عشر سنوات، ولا أقصد بذلك قصورًا في الهمة أو الفهم. وإنما فيما يردن فهمه من السنة، ناهيك عن الحاجة الماسة لعرض السنة في العلوم الأخرى، سواء كانت أبحاث بينية، أو مستقلة. أو عرض السنة كبرامج إلكترونية تتبع العلم الشرعي أو غيره، كبرنامج إلكتروني يعرض الطب النبوي أو الطب الوقائي أو الطب النفسي … إلخ، حتى تتاح الفائدة للجميع، المتخصص وغير المتخصص. وموضوع الكتاب يتمثل في محاولة إيجاد إطار نظري لبوادر علم جديد، والتأصيل فيه؛ قديم في وجوده، تزامنت الكتابة فيه مع التدوين الأول، حيث الحاجة ماسة لوضع أصول وقواعد يسير عليها الباحثون؛ للكتابة فيه، وقد بدأ المتخصصون حديثًا في الكتابة فيه بطرق مختلفة، إلا أنها تحتاج إلى اتفاق بين أهل التخصص في دراسة الحديث للتأصيل فيه. حتى يقتفي أثرهم الباحثون والدارسون ويكون دليلا في بحوثهم. إن الدراسات الموضوعية في الحديث الشريف، التي تتناول موضوعًا معينًا من السنة النبوية بالجمع والتأصيل بطريقة فنية تتناسب مع الموضوع المطروح ظهرت حديثًا. وعليه فقد تنشأ للناس حاجات وعلوم ومعارف، لم تكن معروفة أول الأمر، ثم بعد ذلك تُعرف وتنشر، ويكون فيها الخير الكثير. ويلحظ أن الحديث الموضوعي منهج فتي وحديث، حيث إن العمل به لا زال في مراحله الأولى. رغم أن جذوره قديمة ترجع إلى عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين، فإن ما يمكن أن يعترضه لتأسيس منهجيته من مشاكل أمرٌ طبيعيٌ؛ بالنظر إلى أن كل الجهود المبذولة حتى الآن هي جهود للمؤسِّسين والمكوِّنين الأوائل له، وبالتالي فإن ما سنحدِّده من مناهج وطرق الكتابة فيه ليست كل شيء؛ لأنها نتاج استقراء غير تام، ولربما مع مرور الوقت، وبروز العديد من الدراسات القائمة على

стр. 4

هذا المنهاج، يظهر المزيد من المناهج والطرق، وكذلك يظهر أسلوب الكتابة فيه. ومن خلال الاطلاع على بعض الأبحاث التي كتب في عنوانها أنها من الحديث الموضوعي بشكل صريح أو ضمني في الدراسات الإسلامية وغيرها؛ نجد على بعضها بعض الملاحظات الخاصة بالسنة، أو طريقة العرض، ونتج عنها الخلل الذي قد يصل للخطأ. وإني لأدعو أن تتظافر الجهود لوضع منهج يسير عليه الباحثون في البحث الموضوعي عن طريق ورش عمل ومؤتمرات؛ يتم من خلالها وضع أسس البحث في الحديث الموضوعي، خصوصًا في الأبحاث الأكاديمية للأسباب التالية: • الخلط في البحث الموضوعي بينه وبين البحوث الأخرى المتعلقة بالسنة، كالتخريج والحديث التحليلي وفقه السنة، مع العلم أنه يجب الفصل بينها كما سيأتي لاحقا. • البحث في الحديث قديمًا وحديثًا يعلم كل من يشتغل بالسنة أنه يسبقه بحث طويل وشاق غير ظاهر في البحث، كما أن انتقاء الحديث المستشهد به يسبقه بحث مضنٍ وطويل للوقوف على الحديث الصالح، والأنسب والأتم للمعلومة، وكل ذلك لا يكتبه المؤلف، وإنما يلمسه القارئ ويعرفه المتخصص في عمل المؤلف. ولنا في علمائنا قدوة؛ فهذا البخاري يقول: (صنَّفتُ كتابي "الصَّحيح" لستَّ عشرة سنة، خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى). وهذا مسلم جاء عنه أنه قال: (صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)، وقد مكث في تأليفه قرابة خمس عشرة سنة أو تزيد. أما أصحاب السنن فلهم طريقة في انتقاء الحديث بين درجات قبول الحديث والحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا، وبين المردود، ثم الترجمة لها، والتعليق على المردود، وذكر من أخذ به من أهل العلم بعبارة مختصرة، يسبقها -قطعًا- بحث شاق وطويل، ولو فردنا عملهم لبلغ مجلدات، كل ذلك يفهمه المتبحر في علم

стр. 5

الحديث وعلومه، لكنهم لا يذكرون هذا المجهود؛ بل البراعة في الاختصار. والخلاصة: أن طبيعة البحث في الحديث هكذا؛ عمل طويل ودقيق يحتاج من الباحث التأني والصبر، والعلم والدقة، والقدرة على الاختصار. فلا يكتب منه إلا ما يفيد القارئ، وهذا ليس في الحديث الموضوعي فقط، بل كل البحوث في المتعلقة بالسنة. • البحث في الحديث الموضوعي: علم واسع جدًّا؛ لأنه علم تعرض عن طريقه السنة للأمة الإسلامية، بل ولغير المسلمين. إذ حان الوقت أن نبلغ سنة نبينا ﷺ ، وأن تعرض بطريقة ميسرة، يفهمها من يقرأها، وبطريقة عملية تطبيقية ليسهل العمل بها. ولا بد أن تكون بطريقة علمية دقيقة حتى تظهر تلك الكنوز التي يحويها حديث النبي ﷺ . • وبعد الاطلاع على أبحاث ذكر في عنوانها أنها بحث موضوعي؛ فإنها أقرب للحديث التحليلي والتخريج، حيث يضيع الهدف من البحث وفكرته بين التخريج والتحليل، والمفروض تركيز الجهد لاستنطاق النصوص الكريمة عن طريقة دقة الاستنباط، وصياغة ذلك بأسلوب يشد انتباه القارئ. وعند الحاجة إلى تخريج للحديث أو بيان كلمة غريبة أو توجيه مفيد؛ يجعل ذلك تعليقًا في الحاشية من غير استطراد يخل بتسلسل الأفكار، وتعانق الفقرات، وسلاسة الأسلوب، وإشراقة البيان. • في أبحاث الدراسات العليا التي يفترض فيها تدريب الباحث على ما تعلمه من الدراسات حول الحديث، يرى بعض المشرفين أنه لا بد من إبراز عمل الطالب لتقييم العمل من قبل المناقشين، وهذا لا بأس به؛ ولكن لا بد أن يكون في فصول منفصلة أو ملاحق، إذ لا بد من تدريب الطالب أيضًا على طريقة العرض الموضوعي التي لا يذكر فيه هذا العمل إلا إشارة تفيد القارئ. لا عرض مجهوده فهذا ليس من طريقة علماؤنا رحمة الله عليهم.

стр. 6

موضوع الكتاب: طريقة البحث في الحديث الموضوعي، وبيان جذوره التاريخية، ومناهج طرق البحث فيه، وكيف يُستعمل الحديث الموضوعي في الأبحاث البينية بين السنة والعلوم الأخرى كالطب والفلك وغيرها، وكيف يستعمل الحديث الموضوعي في برامج الحاسوب، ثم عرض أبحاث في الحديث الموضوعي. والكتاب ينقسم إلى أربعة أقسام؛ هي: • القسم الأول: التعريف بالحديث الموضوعي، وأهميته، ونشأته، وتطور الكتابة فيه، والفرق بينه وبين الجمع الموضوعي، والفرق بين الحديث الموضوعي والحديث التحليلي، وبيان صلة الحديث الموضوعي بعلوم السنة النبوية وعلوم الشريعة وعلوم اللغة العربية والعلوم الأخرى. • القسم الثاني: طريقة البحث في الدراسة الموضوعية، وبيان مناهج البحث التي تساعد الباحث في إخراج الموضوع على الوجه المطلوب، والأسلوب والصياغة البحثية في الحديث الموضوعي، ثم مناهج دراسة الحديث الموضوعي، وتوجيه للباحث في الحديث الموضوعي. • القسم الثالث: الدراسة الموضوعية في الأبحاث البينية وبرامج الحاسوب، وطريقة البحث فيها. • القسم الرابع: موضوعات كأمثلة لطريقة البحث، وفي مقدمة كل بحث خطة البحث الخاصة به، وفيها طريقة البحث وكيفية الاستعانة بمناهج البحث المختلفة، مع بيان نوع البحث.

стр. 7

التعريف بمفهوم الحديث الموضوعي، وخصائصه والفرق بينه وبين الحديث التحليلي • تعريف الحديث الموضوعي: قبل بيان التعريف لا بد من بيان أجزاء مسمى هذا العلم حيث إنه مركب وصفي يحتاج لبيان جزأيه، ومنه نقف على تعريف له. الحديث: الرأي الراجح أن تعريف الحديث هو: كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية أو خَلقية. ويضاف إليه ما أضيف إلى الصحابي والتابعي وهذا التعريف قرره السيوطي وغيره من علماء الحديث بأن حديث الرسول يُلحق به أقوال السلف من الصحابة والتابعين (١). الموضوعي: [المَوضُوعُ]: المادَّةُ التي يبني عليها المتكلمُ أو الكاتب كلامَه. كما يقال "مَوْضُوعُ الدَّرْسِ": مَادَّتُهُ ومَدَارُهُ ومَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ومثله "مَوْضُوعُ الكِتَابِ" و"مَوْضُوعُ حَدِيثِهِ" و"تَحَدَّثَ فِي صُلْبِ الْمَوْضُوعِ".

стр. 8

وفي الأبحاث؛ الموضوع: هو المادة التي بيني عليها الباحث بحثه، ويتوقع الباحث من القارئ أن يفهمها عند الانتهاء من قراءة البحث. ولا يقصد -هنا- من لفظ (موضوع): المختلق والمكذوب على رسول الله ﷺ إطلاقًا. • الحديث الموضوعي: الحديث الموضوعي هو علم يبحث في موضوع معين من العلوم المختلفة التي بينتها السنة بمنهجية معينة، والاستعانة بعلوم السنة النبوية جميعها، وأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع، وعلوم الشريعة المختلفة؛ للوقوف على المقصد النبوي، من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر. شرح التعريف: (١) علم معين من العلوم المختلفة: المراد منه كل علم؛ ويشمل ذلك علوم الشريعة وغيرها كعلوم الطب والفلك والتربية وكافة العلوم؛ فالسنة النبوية جامعة لكل علم. (٢) التي بينتها السنة: قيدٌ يُخْرج من التعريف الموضوع الذي لم يرد فيه حديث من السنة، فلا بد أن يكون الموضوع من العلوم التي تحدثت عنها السنة النبوية، وكان فيها توجيه لهذا العلم أو بيان له. (٣) بمنهجية معينة: ذلك أن البحث في الحديث الموضوعي له منهجية خاصة، فالحديث الموضوعي يختلف في منهجه عن الحديث التحليلي، وعن الجمع الموضوعي، كما سيأتي لاحقًا.

стр. 9

(٤) الاستعانة بعلوم السنة النبوية جميعًا: لا بد في هذا النوع من الأبحاث من طرق علوم السنة المختلفة؛ كالتخريج للوقوف على الحديث المقبول واعتماده في البحث واستبعاد المردود، وكذلك الشرح التحليلي للوقوف على المعنى الصحيح للحديث وفقهه وطريقة العمل به، وغيرها من العلوم المختلفة التي تعين الباحث في بيان البحث كعلم مختلف الحديث، والتعارض، وغيرها من علوم السنة الأخرى. (٥) الاستعانة بأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع: فيه تأكيد على الاستعانة في فهم الحديث، وفهم موضوع البحث أيضا بأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن دونهم، مهما كان البحث طبّيًا أو في الفلك أو غيرها من العلوب البعيدة عن الشريعة؛ فإنهم هم من نقلوا الحديث وفهموه من الرسول ﷺ ، وهم أفضل من يبين العمل بالحديث المروي. (٦) علوم الشريعة المختلفة: كالقرآن الكريم وعلومه من التفسير وغيره، وكذلك العقيدة، والفقه وأصوله، وكل علم شرعي فيه بيان للموضوع المراد بحثه، كل ذلك للوقوف على المقصد النبوي. (٧) للوقوف على المقصد النبوي من العلم: لأن الهدف من البحث الوقوف على توجيه الشرع لهذا العلم، أو بيان سبق السنة في اكتشاف علم معين وغيرها، مما قد يقف الباحث عليه، ويجد ضالته في السنة النبوية، وإظهار ذلك بما يبين المقصد النبوي لهذا العلم. (٨) من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر: ذلك أن السنة فيها توجيه للإنسان بما يعود بالنفع له، وللبيئة المحيطة به، وفي اتباعها نجاة وصلاح وخير عظيم.

стр. 10

لقد وضع عددٌ من العلماء المعاصرين المشتغِلين بعلم الحديث تعريفاتٍ مختلفةً للحديث الموضوعي؛ منها: (١) هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد النبوية من خلال موضوع حديث نبوي شريف مقبول أو أكثر. (٢) هو جمع الروايات الحديثية المتفرقة في مصادر السّنّة الأصلية المتعلقة بموضوع واحد لفظًا أو حكمًا، وشرحها حسب المقاصد النبوية الشريفة. (٣) هو بيان موضوع ما في ضوء السّنة النبوية من خلال مصدر حديثي أو عدة مصادر. (٤) هو بيان ما يتعلق بموضوع من موضوعات الحياة الفكرية أو الاجتماعية أو الكونية من زاوية حديثية؛ للخروج بنظرية نبوية بصدده. (٥) هو قضية أو أمر متعلق بجانب من جوانب الحياة في العقيدة أو السلوك الاجتماعي أو مظاهر الكون، تعرضت له الأحاديث النبوية الشريفة. (٦) هو علم مختص بالأحاديث ذات الموضوع المشترك. (٧) هو علم يبحث في الموضوعات التي تناولتها السنة النبوية الشريفة، المتحدة في المعنى أو الغاية، من خلال جمع أحاديث الموضوع من مصدر حديثي أصلي، أو عدة مصادر، أو في ضوء السنة النبوية، بحيث يقوم الباحث بتحليل النصوص الحديثية المقبولة، ومقارنتها ونقدها، ثم محاولة ربطها للوصول إلى روح النص النبوي؛ من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر. وفي ضوء هذه المحاولة للتعريف بالدراسات التي يصدق عليها في عصرنا الحاضر مسمى الدراسة الموضوعية لا بد من التنبيه على عدة مفاهيم

стр. 11

وقواعد وخصائص؛ من أهمها ما يأتي: (١) أن هذا العلم علم اجتهادي يحتاج مناهج معيّنة لتأصيل قواعده، والسير عليها، تكون خاصة به، وتميزه عن غيره من فروع علم الحديث الشريف. (٢) يبحث هذا العلم في الموضوعات التي تناولتها السّنة النبوية الشريفة فقط دون غيرها؛ فيخرج من نطاق الدراسة الموضوعية أي موضوعات لا تتناولها الأحاديث الشريفة. (٣) يمكن للدراسة الموضوعية أن تبحث في موضوع حديث واحد، عن طريق جمع طرقه ومقارنة ألفاظه وتحليل نصه، حيث تبدأ الدراسة بموضوع الحديث، وتنتهي بربط موضوع الحديث في الواقع الحاضر لتحقيق هدف الدراسة الموضوعية. (٤) يمكن حصر الدراسة الموضوعية في مصادر محددة من مصادر السّنة الأصلية، مع أن الأصل فيها الاستقصاء إذا كان موضوع الدراسة يمكن بحثه، والوصول إلى النتائج المرجوة منه من عدد معين من الأحاديث، أو على سبيل التدريب لطلاب الدراسات العليا مثلًا. (٥) الأصل في الدراسات الموضوعية الاعتماد على الأحاديث المقبولة، ولا يقبل الضعيف الشديد الذي لا يحتج به. (٦) تخاطب هذه الدراسات أناسًا في زمن معين، وفئة معينة، ذات ثقافة معينة، وعليه يجب مخاطبة الناس على قدر عقولهم من حيث الفكرة والأسلوب؛ بل بالطريقة التي تجعلهم يطبقون السنة في أقرب ما يكون من الفهم النبوي الشريف.

стр. 12

ومن الكتب التي ألفت في الحديث الموضوعي: • الحديث الموضوعي، دراسة تأصيلية تطبيقية، د/ خالد الشرمان. وهذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراة في الحديث الشريف في جامعة اليرموك في الأردن. • صفحات في معرفة الحديث الموضوعي، تأليف: علي محمد زينو. • الحديث الموضوعي، دراسة نظرية تطبيقية، تأليف: أ. د. فالح الصغير. • الشرح الموضوعي للحديث الشريف (دراسة موضوعية تطبيقية)، تأليف: هيفاء سلطاني الأشرفي. • مدخل لدراسة الحديث الموضوعي، تأليف: محمد عبد الله القناص. • الحديث الموضوعي، تأليف: نور الدين بن يربح. • الفرق بين الحديث الموضوعي والحديث التحليلي: الحديث الموضوعي يختلف عن الحديث التحليلي، فالآخر يتعامل مع حديثٍ واحد يتم فيه تحليل السند والمتن. وتحليل السند: يكون بتخريج الحديث بالرجوع إلى مصادره الأصلية من كتب الحديث، وبيان طرقه ورواياته للخروج بدرجة الحديث صحة وضعفًا، واستيعاب ألفاظه، وذلك بالاستعانة بكتب التخريج، وسبب وروده، ونبذة عن راوي الحديث (الصحابي) ورجال إسناده، وبيان تعدد روايات الحديث واختلاف ألفاظه، وذكر نكت الحديث ولطائفه الإسنادية، وبيان سبب ورود الحديث، وبيان أهمية الحديث وعظم شأنه.

стр. 13

وتحليل المتن: يتضمن بيان غريب ألفاظ الحديث، مع ذكر النكت البلاغية والبيانية والإعرابية، وشرح الحديث شرحًا إجماليًّا، ثم ذكر الأحكام الشرعية المستنبطة من الحديث، وذكر الفوائد واللطائف المستخرجة من الحديث. أمّا الدراسة الموضوعية: فالدراسة التحليلية هي مقدمة للدراسة الموضوعية، حيث يستعين الباحث بها على فهم النص -الحديث-، وما يشتمل عليه من معاني تساعده على كتابة الموضوع، كما أن الدراسة الموضوعية للحديث أعم من الشرح التحليلي. والشرح التحليلي جزء من الدراسة الموضوعية، لكنه يعتمد عليه اعتمادًا كليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكتب الباحث بحثه ويبني النظرية المراد البحث فيها إلا بعد الإلمام بكل ما يحتويه الحديث من معاني وفوائد استنبطها السلف من أهل العلم. وبذلك تعد الدراسة التحليلية من الأدوات التي تساعد الباحث في كتابة بحثه، وقد لا يكتب منها شيئًا.

стр. 14

نشأة الحديث الموضوعي، والفرق بينه وبين الجمع أو التقسيم الموضوعي بدأت ظهور الدراسات الموضوعية بشكلها الحالي -حيث جمع النصوص الحديثية المقبولة المتعلقة بموضوع معين، وتحليلها ونقدها، وربطها بواقع المسلمين- في عصرنا الحاضر. إلا أن هذه الدراسات لا تنفصل عن جذورها الأولى من أول عصر تدوين السّنة النبوية وحتى عصرنا الحاضر؛ لأنها نتاج تطور في الدراسات الحديثية لتلبي حاجات المسلمين في كل عصر. الحديث الموضوعي علمٌ التأصيل فيه جديد، لكنه قديم في وجوده، تزامنت الكتابة فيه مع التدوين الأول، والذي يسمى الجمع الموضوعي. والجمع الموضوعي يختلف عن الحديث الموضوعي، أو ما يسمى الدراسة الموضوعية. • معنى الجمع -التقسيم- الموضوعي للسنة، وتاريخ وجوده: يعتمد مفهوم الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث النبوية الشريفة قديمًا وحديثًا على ترتيب الأحاديث حسب الموضوعات التي يتناولها الحديث تحت عنوان رئيسي، تتفرع تحته عناوين موضوعات جزئية، تمثل فروعًا للعنوان والموضوع الرئيسي، الذي اعتمده واضع التقسيم كموضوع كلي تحته فروع، وهو ما يصطلح عليه (كتب وأبواب)؛ مثل: كتاب الطهارة، وأبواب متفرعة منه متعلقة بالطهارة.

стр. 15

والمؤلفات في هذا المجال هي كتب جمع فيها المؤلف كل ما يصل إليه من حديث رسول الله ﷺ ، في العقائد والعبادات والمعاملات والغزوات والتفسير والفضائل … إلخ، سواء التزم أصحابها بالصحة أم لم يلتزموا، وسواء كانت الكتب سننًا أو جوامع مرتبة الأحاديث، فيها في تقسيم معين (كتب وأبواب) ليسهل الوصول للحديث. هذه الكتب ليس فيها إلا الحديث، وما يدل على الوصول للحديث، من عناوين الكتب والأبواب ترشد الباحث لمكان الحديث. وقد وُضِعَ هذا التقسيم للحاجة لمصنفات حديثية بأسانيد إلى رسول الله ﷺ أو من دونه، مما يسهل على القُراء والباحثين الرجوع إلى الأحاديث المراد الاستشهاد بها، خاصة في الجانب الفقهي؛ لذا غَلَبَ على هذا التقسيم في البداية مصطلح "التصنيف على الأبواب الفقهية"، ثم دعت الحاجة إلى إفراد مصنفات بكاملها لموضوع معين، يجمع كل الأحاديث المتعلقة به، وغلب عليه مصطلح "جزء حديثي". ومن خلال استعراض جهود علماء الحديث الشريف القدامى نجد أن المصنفات التي قامت على أساس التقسيم الموضوعي للأحاديث؛ منها ما اهتم بجمع الأحاديث الشريفة وترتيبها حسب موضوعاتها الكلية تحت مسمى "كتاب"، ثم يفرع عنها أجزاء لكل كتاب سميت "أبوابًا"، حيث أطلق على هذه الطرق: التصنيف على أساس الأبواب الفقهية، في مقابل التصنيف على أساس طريقة المسانيد. ومن الملاحظ أن مجموع هذه المصنفات تتفرع إلى عدة مناهج، حيث الكتب التي جمعت جميع الأحاديث ورتبتها على أبواب الدين سميت "الجوامع"، حيث ترى فيها أبواب: الإيمان، والطهارة، والعبادات، والمعاملات، والأنكحة، والسير، والمناقب والمثالب، والتفسير والتاريخ، والآداب، والرقائق، والفتن، وغير ذلك.

стр. 16

وهناك قسم آخر من الكتب لا يشتمل على جميع أبواب الدين؛ وإنما يشتمل على أكثر الموضوعات، ولا سيما الموضوعات الفقهية، والغالب على ترتيبها أن ترتب على الأبواب الفقهية، فيبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم بقية العبادات، ثم المعاملات، وهكذا سائر الأبواب المتعلقة بالأحكام والفقه، وقد يذكر فيها ما يتعلق بغير ذلك؛ ككتاب الإيمان أو الآداب. وهذه الكتب قد تسمى "سننًا"، وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، وتقتصر على الأحاديث المرفوعة فقط، لتكون مصدرًا للفقهاء في استنباط الأحكام. ومنها ما يسمى "مصنفات"، وهي كتب لا تختلف عن "السنن" إلا في كونها تشتمل على الأحاديث الموقوفة والمقطوعة بالإضافة إلى المرفوع. ومنها ما يسمى "موطآت"، وهي كـ"المصنفات" وإن اختلفت التسمية. وهناك كتب اختصت بجمع أحاديث في موضوع معين. الجمع الموضوعي وجد قديمًا مع جمع السنة في القرون الأولى، وهي الطريقة التأليف التي استعملها أهل العلم في جمعهم للسنة. ويمكن تتبع تاريخ الجمع الموضوعي من خلال التسلسل التاريخي التالي: (١) اعتبر العلماء بداية التدوين الرسمي للسّنة النبوية (الجمع الموضوعي) في عصر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان المنهج في هذه الفترة يقوم على وحدة الموضوع، بحيث يجمعون الأحاديث التي تتصل بموضوع واحد، فيجعلونها في مؤلف خاص، ثم جاء من بعدهم فجمع هذه الكتب في مصنفات. ومن أوائل من صنف: الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀، بحيث جعل لكل موضوع من موضوعات الدين قسمًا خاصًّا يجمع فيها أحاديث النبي ﷺ مع أقوال الصحابة وفتاوى التابعين. مع ملاحظة أن مجرد الجمع للأحاديث في صحف خاصة قد سبق الزهريَّ فيها جماعةٌ من الصحابة؛ مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص،

стр. 17

وجابر بن عبد الله ﵃، والتابعين مثل: عروة بن الزبير بن العوام ﵄، ثم توالت بعده الجهود المباركة لسلفنا الصالح في جمع الأحاديث تحت منهجين كبيرين، كان أحدهما منهج الكتب والأبواب الفقهية، الذي يعتمد على تصنيف الأحاديث حسب موضوعاتها في كتب فقهية، تتفرع عن كل موضوع تحت مسمى "كتاب"، وأفرع تسمى "أبوابًا"، والثاني أجزاء تختص بموضوع واحد كجزء في الحج … (٢) جهود الأئمة المجتهدين الأربعة، فالإمام أبو حنيفة ﵀ جمع المتأخرين بعده روايته مرتبة على الأبواب الفقهية في كتاب سموه "المسند". وهذا صاحبه أبو يوسف له كتاب خاص بعنوان: "الذكر والدعاء". والإمام مالك بن أنس له منهجه المميز في كتابه "الموطأ"، حيث ذكر الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ثم أقوال الصحابي وفتاوى التابعين معقبًا برأيه في المسألة، بل أحيانًا يفرد بابًا لرأيه دون ذكر أحاديث، مما يعد أساسًا للمنهج الموضوعي في العصر الحديث. وهذا الإمام الشافعي يظهر في كتابه "اختلاف الحديث" نوعًا من الدراسة الموضوعية، حيث قام فيه الإمام بجمع مجموعة من الأحاديث المتعارضة في الظاهر، ثم دراستها والخروج بنتائج تزيل توهم التعارض، عن طريق الجمع الذي يؤدي إلى العمل بجمع الأحاديث التي ظاهرها التعارض، أو عن طريق الترجيح بأحد المرجحات التي تؤدي إلى العمل بأحد قسمي الأحاديث، وترك القسم الآخر. ومثال ذلك دراسة أحاديث صلاة المنفرد، أي: المنفرد خلف الصف في صلاة الجماعة. وأما الإمام أحمد ﵀ فله كتاب "الزهد"، وهذا يمثل الجمع الموضوعي المحدد في موضوع واحد. ومن الأئمة المجتهدين كذلك الإمام سفيان الثوري ﵀ الذي له كتاب "الجامع الصغير"، الذي اختصره من كتابه "الجامع الكبير"، وله كتاب "الفرائض"، وهو يتكون من أبواب ذكر في كل باب آراء بعض أصحابه في تلك

стр. 18

المسائل. والإمام عبد الله بن المبارك ﵀ الذي له كتب: "الزهد"، و"الجهاد"، و"الرقائق" وغيرها، مما يمثل في هذه الفترة من القرن الثاني الهجري اتجاهًا عريضًا لتصنيف كتب كاملة في موضوع واحد، وهذا كله يمثل الجمع الموضوعي. كما ظهرت في هذه الفترة كتب سميت بـ"المصنفات"، وهي مثل "الموطآت"، وإن اختلفت التسمية، حيث اختلط فيهما أحاديث النبي ﷺ مع غيره من آثار الصحابة وأخبار التابعين، ومن أشهر هذه المصنفات: "مصنف عبد الرازق"، و"مصنف ابن أبي شيبة"، وكلا الإمامين عبد الرزاق الصنعاني، وأبو بكر بن أبي شيبة من علماء نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري ﵏ جميعًا. (٣) وجاء القرن الثالث الذي يمثل العصر الذهبي لتدوين السّنة النبوية، لتظهر أهم مصادر السّنّة الأصلية، حيث ظهر صحيحا الإمامين البخاري ومسلم، حيث اقتصر جمعها على الحديث الصحيح دون غيره على طريقة الأبواب الفقهية، إلا أنهما استوعبا جميع مواضيع الدين، فسميا بالجوامع، إلا أن الإمام البخاري له كتب خصص فيها موضوعًا معينًا دون غيره؛ وهي: "الأدب المفرد"، وجزء: "رفع اليدين في الصلاة"، و"القراءة خلف الإمام"، و"خلق أفعال العباد"، مما يشكل نقلة نوعية في الجمع الموضوعي المتخصص إلى جانب الجمع الموضوعي العام. ومن الجدير ذكره أن تراجم الأبواب في صحيح البخاري وما فيها من استنباطات دقيقة تدل على سعة فقه الإمام ودقة ملاحظته، حتى إن بعض الأحاديث المذكورة تحت التراجم تكون من الخفاء بحيث لا يظهر علاقتها بالترجمة إلا بعد تفكير عميق، وهذا يمثل جانبًا مهمًّا من جوانب الدراسات الموضوعية الحالية، مما يبرز سبق أئمة أهل الحديث في وضع أصول هذا العلم.

стр. 19

كما ظهر في هذا العصر التصنيف على طريقة السنن، التي اعتمد أصحابها على إفراد الأحاديث المرفوعة للرسول ﷺ ، دون الموقوف والمقطوع، بالإضافة إلى قصد جمع أحاديث الأحكام لتكون زادًا للفقهاء في استنباط الأحكام، وقد تم ترتيبها أيضًا على أساس موضوعي من حيث طريقة الكتب والأبواب الفقهية. وأول من صنف على هذه الطريقة هو الإمام أبو داود السجستاني، ثم توالت جهود العلماء في هذا الميدان؛ مثل: الإمام الترمذي في كتابه السنن أو الجامع، الذي قد يمثل نوعًا من أنواع الدراسة الموضوعية، حيث يقول الإمام الترمذي: "وفي الباب"، يعني به: وفي هذا الموضوع. والإمام النسائي في سننه الكبرى والمجتبى أو الصغرى، والإمام ابن ماجه في سننه، وكذلك الإمام الدارمي في سننه أو مسنده ﵏ جميعًا. ولا بد من ملاحظة أن كلًّا من منهجي الصحاح والسنن قد ظهر فيهما تحت تراجم الأبواب الفقهية تكرار للأحاديث، مما يمثل جمعًا للنصوص النبوية الشريفة في موضوع واحد على سبيل المقارنة في الأسانيد والمتون، مما يشكل أحد جوانب الدراسة الموضوعية بشكلها الحالي. (٤) ثم توالت جهود علماء القرن الرابع ومن بعدهم على تقليد جهود السابقين في مناهج الصحاح والسنن من جانب، والكتب التي تتناول موضوعًا واحدًا من جانب آخر، بالإضافة إلى التصنيف على طرق أخرى غير الطريقة الموضوعية. فمن الكتب التي تابعت منهج الصحاح: صحيح ابن خزيمة للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح ابن حبان للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي. ومن الكتب التي تابعت منهج كتب السنن: سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني. ومن الكتب التي تابعت منهج الجمع بين الأحاديث المتعارضة: "تأويل مختلف الحديث" للإمام ابن قتيبة، واقتفى فيه أثر الإمام الشافعي في كتابه "اختلاف الحديث"؛ ومن الموضوعات التي تناولها: الجمع بين الحديث الدال

стр. 20

على أن صلة الرحم تزيد في العمر، وآية "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". ومن الكتب التي تناولت موضوعًا واحدًا كتب ابن أبي الدنيا؛ مثل "كتاب الشكر". وكتب أخرى على نفس الطريقة؛ مثل كتاب: "أخلاق النبي ﷺ " لأبي الشيخ الأصفهاني، وغيرهم. (٥) وبعد ذلك؛ بدأ عصر الجمع الموضوعي من مصنفات سابقة عن طريق تجريد الأسانيد اعتمادًا على توفير أصل الكتب التي يتم تجريدها بين أيدي الناس، مع الأخذ في الاعتبار على اختيار أجمع الألفاظ، ثم الإشارة إلى الفروق بين الروايات، تحت منهج التقسيم الموضوعي للأحاديث، ومن أمثلة هذه المصنفات: "جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ " لابن الأثير الجزري، "والترغيب والترهيب" للمنذري، و"رياض الصالحين" للنووي، وغيرهم. مع أن منهج الجمع بالأسانيد ظلّ مستمرًا مثل: "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، للإمام ابن حجر العسقلاني. ومنهج الجمع عن طريق الزوائد يعتمد على جمع الأحاديث الزائدة في بعض الكتب عن الأحاديث الموجودة في كتب أخرى، ومن أمثلتها: كتاب "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، للهيثمي. كما ظهرت الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام دون غيرها مثل: "عمدة الأحكام عن سيد الأنام" لعبد الغني المقدسي، ثم جاء بعده ابن دقيق العيد وابن تيمية الجد، وابن حجر العسقلاني وغيرهم. (٦) مما يساعد في الدراسات الموضوعية كتب أسباب ورود الحديث، حيث البحث في قصة الحديث عند روايته للاستفادة منها في فهم النص النبوي؛ مثل: "أسباب ورود الحديث" للحافظ السيوطي. (٧) ظهرت في العصر الحديث كتب جيدة في البحث عن الحديث، وتعد كالفهارس التي تساعد في الدراسات الموضوعية، حيث قام أصحابها بترتيب الموضوعات التفصيلية المتعلقة بالأحاديث النبوية على حروف المعجم؛ مثل:

стр. 21

"مفتاح كنوز السّنة"، للمستشرق الهولندي أرندجان فنسنك، وقد ترجمه إلى العربية مع تصحيح أخطائه ومقابلة نصوصه؛ المرحوم الأستاذ: محمد فؤاد عبد الباقي. وكذلك "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي" الذي قام بجمعه لفيف من المستشرقين، ونشره الدكتور أ. ي. ونسنك أستاذ العربية بجامعة ليدن، ففهرسوا في هذا الكتاب تسعة من أمهات كتب الحديث؛ وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك، ومسند أحمد. (٨) ومما ساعد على الدراسات الموضوعية الجهود المباركة في العصر الحاضر للعاملين في مجال حوسبة الأحاديث في موسوعات إلكترونية، مما يساهم بشكل فاعل في عملية جمع الأحاديث في موضوع الدراسة في زمن قصير جدًّا، وهذا يوفر الوقت لجهود الدراسة الجادة عن طريق التحليل والنقد والربط، بدلًا من تضييع الوقت الطويل في الجمع. ومن الموسوعات التي ساهمت مساهمة فاعلة في هذا المجال: "موسوعة الحديث الشريف" و"الموسوعة الذهبية في الحديث الشريف وعلومه"، التي اشتملت على أكثر من أربعمائة مجلد، وفيها خدمة البحث الموضوعي من خلال البحث في موضوعات كتب الموسوعة، فضلًا عن خدمات البحث الصرفي، ومجموعات المعاجم والفهارس المتنوعة. ثم ظهرت بعدهما "الموسوعة الألفية للسّنة النبوية"، التي اشتملت على أكثر من ألف وثلاثمائة مجلد، وفيها أيضًا خدمة البحث الموضوعي، والصرفي لكل مفردة أو جملة يحتاج الباحث إلى جمع أماكن استخدامها من جميع كتب الموسوعة، ليبدأ دراسته الموضوعية، وقد استقصى كل ما ورد عن موضوعه بيسر وسهولة، وفي سرعة فائقة توفر الوقت الكثير والتحليل والربط والنقد والمقارنة.

стр. 22

ومن أحدث البرامج الإلكترونية برنامج (جامع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للسنة النبوية المطهرة) ولا نظير له في العالم من الناحية العلمية، حيث أعده ونفذه مجموعة من خيرة أساتذة الحديث في الجامعات السعودية، وعضو في هيئة كبار العلماء في جمهورية مصر العربية، جمعوا بين الاختصاص الأصيل بالسنة وعلومها، والخبرة الدقيقة في تقنية البرامج الحاسوبية. وأفاد القائمون على البرنامج أنه استخدم فيه [٥٠ أداة عمل إلكترونية حصلت على براءة اختراع]، ويحتوي على [٣٦٧٨٥٨] صفحة، تنقل [٢٦١٩٤٢] حديثًا نبويًّا من ضمنها [١٨٤٦٦٨] حديثًا موقوفًا، و [٣٤٦٨٦] حديثًا مقطوعًا، و [٥١٦٤] حديثًا له حكم الرفع. وسيكون هناك مرحلة لاحقة تضاف إلى البرنامج لتصل صفحاته إلى أكثر من [٤٥٠] ألف صفحة، وتم تطوير نسخة من البرنامج للعمل بكل خدماته على أجهزة الهواتف الذكية كالأندرويد والآيفون (١). كل ما سبق ذكره يصب في (تدوين السنة وحفظها) حيث وصلت إلينا موسوعات حديثية ضخمة، ولم تكن غاية القائمين عليها وهدفهم الرئيسي "التصنيف الموضوعي". والواجب اليوم: أن نستكمل جهود العلماء في الدراسات الموضوعية للسنة النبوية؛ حتى نقدم للأمة الإسلامية وللبشرية المنهج الرباني للإصلاح التربوي، والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي … ، ونقدم المنهج الرباني في علاج قضايا الشباب والنساء والأطفال، وكافة شرائح المجتمع. (٩) وفي العصور المتأخرة ساهمت الجامعات -وخاصة الإسلامية منها- بدور رائد في تشجيع طلبة العلم الشرعي وغير الشرعي بمظلة الشرع على خوض الدراسة الموضوعية؛ مساهمة منها في دراسة موضوعات السّنّة النبوية من منظور

стр. 23

عصري، يساهم في فهم السّنّة النبوية وتطبيقها، مما أتاح الفرصة لظهور مجموعة كبيرة من الدراسات الموضوعية الجادة، التي تمثل نضوج هذا الفرع من علوم السّنة النبوية. كما تسعى الجامعات إلى وضع منهجية لهذه الأبحاث لتخرج بصورة شرعية تطبيقية. • التصنيف الموضوعي المعاصر: ما سبق استعراضه شيء يسير مما بذله المحدثون من جهود كبيرة في تصنيف الأحاديث على الموضوعات، فقد صنفوا مئات المصنفات التي اشتملت على الأحاديث النبوية، التي نظروا في متونها ومعانيها الظاهرة والخفية، واستنبطوا منها تراجم أبواب كتبهم، ونظموها في كتب حديثية جامعة لأمور الدين والدنيا، فكان جهدًا علميًّا كبيرًا، واجتهادًا عمليًّا مباركًا. والجدير بالمعاصرين اليوم أن يكملوا هذا الجهد، فكان لزاما عرض الأحاديث بما يناسب زماننا، ويلبي احتياجنا، ويناسب عصرنا، ويراعي تطور الثقافة والعلوم في زماننا، وهذا مهم لأسباب؛ منها: (١) برزت علوم جديدة كثيرة ومصطلحات حديثة أصبحت سائدة بين المثقفين والمتخصصين والعامة في كافة مجالات الحياة، ومن الوفاء لسنة نبينا ﷺ أن نبرز سنته، وبيان إعجاز سنته، وبلاغة خطابه، وعظمة وغزارة معانيه التي تفيدنا في عصرنا اليوم. (٢) اتسعت أبواب المعرفة اليوم، والأحاديث اشتملت على جميع أبواب المعرفة، في الاقتصاد، والمال، وإدارة الأعمال، والحكم والسياسة، والزراعة والتجارة والصناعة، والصحة والبيئة، والأخلاق والآداب، والتربية والتعليم، وغير ذلك. والمطلوب فقط إعادة النظر في الأحاديث واعادة عرضها بمنهجية تبرز جواهرها وطريقة العمل بها.

стр. 24

(٣) نحن بحاجة اليوم إلى دليل نبوي مبسط نقتدي به في حياتنا، حيث نستنبط من الأحاديث منهج حياة يتناسب مع عصرنا، فالنبي ﷺ كان نبيًّا ومبلغًا، ورسولًا هاديًا، وقائدًا، ورئيسًا حاكمًا، ومربيًا ومصلحًا … (٤) من الأمانة أن نبرز عالمية الإسلام من خلال رسالة النبي ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وشهودها الحضاري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. • الفرق بين الجمع الموضوعي والدراسة الموضوعية: سبق بيان مفهوم الدراسة الموضوعية، والتعريف المعاصر لها، وقد ظهرت بداياتها منذ عصور ماضية، إلا أن الدراسة الموضوعية المعاصرة تختلف عن التصنيف الموضوعي للحديث؛ وفق الفروق التالية: (١) أن علماء الحديث الشريف من أوائل عصر التصنيف في السنة النبوية الشريفة قد رتب عدد كبير منهم مصنفاتهم على الأبواب الفقهية، مما يجعل الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث النبوية الشريفة قد بدأ مبكرًا جدًا، غير أن الدراسة الموضوعية في بداياتها جاءت متأخرة عن أنواع التصنيف. (٢) أن الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث -في أغلبه- قد مال إلى الجمع الترتيبي للأحاديث المعتمد على فهم الحديث، بينما الدراسة الموضوعية تعتمد أساسًا على بيان روح النص المعتمد على التحليل والنقد والربط مع الواقع. (٣) أن الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث هو الزاد الأول الذي تعتمد عليه الدراسة الموضوعية، لكنها تبدأ منه ثم تتعداه لاستكمال متطلبات الدراسة الموضوعية من أجل تحقيق أهدافها. (٤) أن الدراسة الموضوعية تخاطب عصرًا معينًا أو فئة معينة، فهي تميل إلى

стр. 25

الوضوح وسهولة الأسلوب، بينما الجمع والتقسيم الموضوعي يخاطب الأمة على مر العصور، فهو ييسر طريق الوصول للأحاديث في أقصر وقت ممكن؛ لذا استخدم الحاسب الآلي فيه بشكل فاعل؛ حيث يختصر الكثير من الجهد والوقت. (٥) الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث جاء في سياق الرواية، فهو يقوم على مجرد الرواية والحفظ والتدوين عن طريق الجمع الترتيبي للأحاديث، وتصنيفها على الكتب والأبواب، بينما الحديث الموضوعي يعتمد على إبراز الموضوع بدراسته دراسة شاملة، مستدلًا عليه بالأحاديث، وما تحتاجه الدراسة من علوم اللغة والشرع وغيرها من العلوم المتعلقة بموضوع الدراسة. (٦) الجمع والتقسيم الموضوعي جهد علمي يقوم على فهم الأحاديث واستنباط دلالاتها لترتيبها والترجمة لها بما يناسب فقط، بينما الحديث الموضوعي يقوم على فهم الأحاديث ومقاصدها، والتعرف على المفاهيم والتصورات التي جاء بها النبي ﷺ ، وإبرازها من خلال دراسة موضوعية معاصرة.

стр. 26

أهمية دراسة الحديث الموضوعي البحث في الحديث الموضوعي له أهمية بالغة لعلوم السنة والعلوم الشرعية، بل له أهمية في توجيه البشرية لفهم السنة والاستفادة منها في جميع شؤون الحياة. كما أنها تكشِف لنا عن عَظمة السنة وشمولها وكفايتها مع القرآن الكريم؛ لصُنْع الحياة الفاضِلة في مختلَف المجالات. فالأحاديث الكثيرة في الموضوع الواحد، والتي قيلت في مناسبات متعدِّدة، وظروفٍ مُتنوِّعة، وأوقات مُتفاوِتة، ولأشخاص مختلفين، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، كشَفت عن شمول رسالة الإسلام، وتمام وفائها بحاجة الموضوع. ويمكن بيان أهمية الحديث الموضوعي من خلال المحاور الآتية: • المحور الأول: فائدة البحث الموضوعي للسنة: الدراسات حول السنة النبوية متفرعة إلى علوم عدة، وألف المتقدمون والمتأخرون في علومها المؤلفات الكثيرة، ويمكن القول إن إحصاءها من الأمور الشاقة لكثرتها، والمتخصص في السنة يعي ذلك؛ والبحث الموضوعي يوجب على الباحث طرق كل علم حول الحديث ليقف على النص النبوي المستدل به؛ للبحث في موضوعه على الوجه الصحيح، وهذا يجعل الباحث يقدم الفَهْم الصحيح للسُّنّة. ويمكن عرض فوائد الدراسات في السنة التي يدرسها الباحث قبل أن يعرض الدليل عليها، وذلك كما يلي: • يَلْزم الباحث التخريج الكامل المعتمد على جَمْع روايات كل حديث مع تتبع

стр. 27

اللفظ لكل حديث يستدل به، وهذا له فائدة في تقديم النص الأصح والأتم، فقد يَرِدُ الحديث في كتاب، وتمامُ الغرض منه في كتاب آخر أو رواية أخرى، أو تأتي رواية بحكم، وتمامُ المقصود في رواية أخرى، فلا بد عندئذٍ من جمْع طرق الحديث ورواياته؛ ليَسهُل فَهْمُه ويَصِحّ، وقد يَرِد في الموضوع عدة أحاديث، لا يمكن فَهْم أحدها إلا في ضوء الأحاديث الأخرى، وإلا حصَل الغَلَط وسوء الفَهْم. • البحث الموضوعي يُعين على إزالة ما قد يبدو من تعارُض بين بعض الأحاديث، فيتبيَّن المطلَق من المُقيَّد، والخاص من العام، والناسخ من المنسوخ، وكل ما يعين على الجمع بين ما يبدو من تعارض في الحديث، ويُنَزَّل كلُّ حديث منزلتَهُ اللائقةَ به، ويُفْهَم المقصود منه على الصواب. • جمْع أحاديث الموضوع، واستيفاء تخريجها قد يكشِف سببًا لورود الحديث مما يُساعد على حُسْن الفَهْم، وقد تبين ارتباط الحكم في بعض الأحاديث بعلَّة مُعيَّنة، وربما كان هذا السبب وهذه العِلَّة مُزيلًا لتعارُضٍ يظهَر بين أحاديث الباب. • من مجالات البحث الموضوعي؛ أبحاث في السنة، منها ما يبحث في علل الحديث -كما سيأتي لاحقًا-، وهذا النوع من البحث يُساعِد على كشْف ما قد يكون في بعض الأحاديث أو الطُّرق من عِلل؛ كالإرسال، أو التدليس، أو الشذوذ، أو الإدراج، أو غير ذلك مما يكون له أعظم الأثر في معرفة درجة الحديث، ومن ثَمَّ الاحتجاج أو عدم الاحتجاج به. • أن الدراسة الموضوعية تحقق مطلبًا عظيمًا، ألا وهو تكامل فقه الحديث، الذي هو الثمرة من دراسته، فالبيوع المحرمة مثلًا أنواع تكلمت عنها الأحاديث وعلى رأسها الربا، والبيوع المباحة أنواع أيضًا لها شروط وأركان لا بد من حصولها ليكون البيع مباحًا، والعقود المستجدة كثيرة، ولا بد من دراسة فقه الأحاديث الواردة فيها حتى تُقَيم تلك العقود على أكمل وجه، ولا يتسنى ذلك

стр. 28

إلا بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد من هذه الأنواع، فأحاديث الربا مثلًا: متفاوتة فيما تحمله من أحكام، فبعضها ينص على نوع منها ويقتصر على هذا النوع، وبعضها تذكر شيئًا آخر يبين حكمًا يتعلق بنقض هذا البيع من زاوية أخرى؛ كالبيوع المتعلقة بالنقد أو المتماثلة في النوع وهكذا … وكل ذلك تبينه الدراسة الموضوعية. ما سبق ذكره بعضٌ من الفوائد لدارسي السنة، وللمسلمين عامة من توضيح ما قد يخفى من الدراسات حول الحديث. • المحور الثاني: أن هذا النوع من الدراسات يتَّفِق مع روح العصر الحاضر الذي تتجدَّد فيه حاجات المجتمعات، وتَبرُز فيه أفكار ونظريات جديدة مع التقدم العلمي والتقني، حيث تُعطي هذه الدراسات رؤىً وحلولًا شرعية صحيحة، وتُخْرِج للناس أحكامًا عامة تُغنيهم عن اللجوء إلى القوانين الوضعيَّة، فينشأ عن ذلك علوم في غاية الأهمية في العلم الشرعي والعلوم الأخرى، ويمكن توضيح ذلك كما يلي: • تأصيل العلوم الشرعية الجديدة التي نشأت حديثًا؛ لتلبية حاجات المسلمين العلميَّة في شتى مجالات المعرفة الإنسانية، والإعلام الإسلامي، والاقتِصاد الإسلامي، والطب النفسي، والطب النبوي، والتربية، وغيرها، ومن المهم بيان رأي الشرع فيها. • أن ذلك يُعين على الفَهْم الصحيح للسُّنّة للقضاة والمفتين، ويكون ذلك واضحًا في النوازل والعلوم المستجدة التي يحتاج لها الناس، ويريدون معرفة رأي الشرع فيها. • كما أن هذه الدراسات تُقدِّم الفوائد الجليلة لكلٍّ من الدعاة والباحثين، ولأفراد المجتمع المسلم كله، من إحاطة تامة بيسر وسهولة لكل ما يتعلَّق بموضوع الدراسة في مكان واحد.

стр. 29

• إثراء المعلومات حول قضية معينة، فوقائع الحياة تتكاثر، وتتجدد باستمرار، وتتولد ميادين جديدة وقضايا ونوازل مستجدة على الساحة، وغالبًا ما يُطرح موضوع أو قضية أو مشكلة للبحث، ويبقى أيٌّ من ذلك محتاجًا إلى إشباع البحث ومزيد من الدراسة، ويتم تحقيق ذلك من خلال قواعد شرعية عامة، ورؤى مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة، فيخلصوا بحكم لهذه القضايا والنوازل. • إن تجدد حاجة البشرية، وبروز أفكار جديدة، وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة، لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا بالدراسة الموضوعية للسنّة، إذ عندما نُجَابه بنظرية جديدة أو علم مستحدث فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم وتلك النظرية وحل المشكلة القائمة، وبيان بطلان مذهب إلا عن طريق تتبع نصوص الكتاب والسنة، وبذلك يتمكن الباحث من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى تنظير أصول هذا الموضوع. وعلى ضوء هدايات الكتاب والسنة نستطيع معالجة أي موضوع يجدّ في الساحة العلمية. • المحور الثالث: الدراسة الموضوعيَّة للسنة النبويَّة المطهرة ، وبيان عالمية السنة، وأنها وقائلها رحمة للبشرية، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي: • تكشِف لنا الدراسات الموضوعية للحديث عن عَظمة السنة وشمولها وكفايتها مع القرآن الكريم؛ لصُنْع الحياة الفاضِلة في مختلَف المجالات. • أن هذه الدراسات تُساعِد في إبراز جوانِب متعدِّدة من الإعجاز في السُّنة النبوية الصحيحة، التي تؤكد بوضوح أن السّنة النبوية وحيٌ من عند الله تعالى، وإن كان بالمعنى دون اللفظ؛ لأن مِثلَ هذا الإعجاز لا يتسنَّى لبشرٍ معرفته قبل قرون إلا عن مصدر إلهي.

стр. 30

• في الدراسات الموضوعية للأحاديث تبرز لنا مكانة النبي ﷺ وخصائصه، وما تميّز به من جوامع الكلم، وتتجلى أمامنا هذه الخصيصة والمزية بوضوح. • عند البحث في صفاته ﷺ وخُلقه في موضوعات خاصة بالنبي ﷺ أو في ثنايا أبحاث أخرى؛ تتبين لنا هذه الصفات بكل أبعادها وثمارها، وتعرض بطريقة حتى يقتدي بها المسلم فيسمو في نفسه ومجتمعه، وفي آخرته. • المحور الرابع: أهمية الحديث الموضوعي للحياة والمجتمع: • دارس الحديث الموضوعي لا يبدأ عمله من النص، بل من واقع الحياة فيركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقدية، أو الاجتماعية، أو الفقهية، أو التربوية … وغيرها، ويستوعب جميع ما أثير حول هذا الموضوع من إشكالات، ثم يطرح هذا الموضوع بين يدي النصوص الحديثية، فهو يبدأ عمله من الحياة والواقع، ليستنبط منه القضية، ثم ينتهي إلى الشريعة -من خلال نصوص الكتاب والسنة- في مقام التعرف على حكم هذا الواقع. • هذا اللون من الدراسات الحديثية نافع جدًا، وخاصة في عصرنا الذي أفلست فيه الحضارات المادية، والمذاهب البشرية في حلّ مشكلات البشر، وسد الفراغ الذي تعيشه معظم المجتمعات البشرية؛ لأنها ابتعدت عن هدي القرآن الكريم والسنة النبوية وعدالة الإسلام. • المحور الخامس: أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية: للحديث الموضوعي أهمية بالغة في تصحيح مسار الدراسات الدينية والعربية والعلمية القائمة على الحديث، وإصلاح مسارها وضبطها على معايير علمية جامعة.

стр. 31

لذا عمدت الجامعات إلى وضع الحديث الموضوعي ضمن مناهجها في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، وتسابقت الجامعات في وضع منهجية لدراسة الحديث الموضوعي، بل شجعت الباحثين على الخوض في مضمار هذه الأبحاث التأصيلية والتطبيقية، ويمكن توضيح أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية بما يلي: • ظهرت في العصر الحديث علوم تحتاج إلى تأصيل؛ وإلى ضبط مسارها؛ مثل الإعجاز العلمي في السنة، فقد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة ماسة إلى ضبط قواعده وتصحيح مسار البحث فيه؛ بغرض الاعتدال في توجيه البحث فيه، بعد أن تعرّض لنوع إفراط عند إدخال أحاديث ذات العلاقة إلى مجالات العلوم التجريبية، التي لم تقعّد نظرياتها بعد، فكان هناك أخطاء وتجاوز على السنة من قبل بعض الباحثين غير المتخصصين في السنة، وكان لا بد من ضبط تلك الأبحاث، وهذا يتم عبر الدراسة الموضوعية للأحاديث. • هناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم، لكن المسار الذي تنتهجه هذه العلوم يحتاج إلى تصحيح وتعديل، وإعادة تقويم؛ كعلم التاريخ الذي أخذ منهجًا في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع، وهذه السنن أبرزتها الأحاديث بشكل واضح دقيق. وكذلك الأحاديث الواردة في أشراط الساعة وما تحقق منها. وفي هذه الأزمان الحاجة ماسة لهذه الأبحاث مع قراءة التاريخ خصوصًا إذا كُتب التاريخ من أقلام غير مسلمة. وكذلك علوم اللغة العربية من البلاغة، والغريب، وقواعد النحو، التي تعتمد في تأصيل قواعدها في كثير من الأحيان على الحديث والبلاغة النبوية. • العلوم والمعارف التي بينت السنة المسار الصحيح فيها، فالسنة من خلال الحديث الموضوعي تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع السنة في

стр. 32

اتجاه واحد، وتخدمها؛ فعلم أصول التربية في السنة، وأصول علم الاقتصاد الإسلامي، وأصول الإعلام وغيرها؛ فالسنة تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع الهدي النبوي في اتجاه واحد، وتخدم البشرية كافة أفرادًا ومجتمعات. كل هذه العلوم وغيرها، وما سوف يستحدث منها بحاجة إلى الكتابة فيها من خلال قراءة السنة قراءة علمية صحيحة وقراءة العصر، وليس لغير المنهج المتبع في الحديث الموضوعي القدرة على تلك القراءة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تأصيل هذه العلوم. • ضبط القواعد العلمية من خلال النظرة الكلية الجامعة، وهذا يُؤدي إلى تصحيح كثير من القواعد، والقوانين، والأحكام المختلفة في الدراسات الدينية واللغوية جميعًا، التي قال بها أصحاب الفنون العلمية المختلفة؛ ذلك أننا حين ننظر إلى كثير منها نجد أنها قائمة على غير استقراء كلي، أو إحصاء واستيعاب شامل، ولو رجع واضعوها إلى الحديث الموضوعي لصححوها بأنفسهم، ولحُسمت مادة الخلاف بين العلماء في كثير من القضايا. كما أن لهذه الأبحاث فوائد عديدة للباحثين؛ منها: • من هذه الدراسات أبحاث قصيرة مركزة تصلح لأن يستخدمها أساتذة الجامعات في مجال بحوث الترقيات والنشر في المجلات المحكمة، وهي مثالية لأوراق العمل في المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية، ولا يغيب عن الذهن أن بعض هذه الدراسات قد تأخذ حيّزًا أكبر لعدة مئات من الصفحات، فيمكن حينئذ نشرها في مؤلفات مستقلة، وكتب خاصة بأصحابها. • كما تتميز هذه البحوث في الغالب بالرسم الدقيق لشجرة الإسناد الذي يجمع كافة متابعات الحديث محور الدراسة، بالإضافة إلى شواهده للوقوف على ألفاظ الحديث.

стр. 33

• البحث الموضوعي مثالي في الأبحاث المشتركة والأبحاث البينية بين تخصص الحديث والفقه من جهة؛ وغيره من التخصصات المختلفة كالطب والفلك والتربية ونحوها من جهة أخرى. وهذا النوع من الأبحاث مطلوب في الدراسات الأكاديمية. • المحور السادس: الدفاع عن السنة ودفع الشّبَه عن الإرث النبوي: • هذا النوع من البحث يردّ على أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا الذين يثيرون الطعون والشبهات للقدح في السنة النبوية، وأنها تراث قديم نزل منذ ألف وأربعمائة سنة على أعراب يعيشون في البادية، عملهم الوحيد رعي الغنم، فكيف يصلح هذا الدين لقوم يعيشون في القرن الحادي والعشرين وما بعده؟ كيف وقد صلوا إلى القمر وغزو الفضاء؟ فحينئذٍ لا يمكن أن يُرَدّ عليهم ويُجاب على تساؤلاتهم إلا بطرح علمي موضوعي، عن طريق الحديث الموضوعي، الذي يُبَيِّنْ لنا كيف رسم النبي ﷺ جميع ما يتعلق بمنهجية الحياة والسعادة في الدنيا والآخرة، وأهم من ذلك كيف تجتمع قاعدة ونظرية في حديث واحد؛ مثل أحاديث المسكر وأحاديث الربا، فالسنة كفيلة ببيان الكليات والجزئيات من الدين، وكونه صالحًا لكل زمان ومكان (١). • الإجابة على شبهات المشككين في السنة النبوية ومكانتها وحجيتها، حيث تُفَنَّد تلك الشبهات وتُرَدّ من خلال إبراز هذه الأحاديث في أي مجال من المجالات. • إبراز مكانة النبي ﷺ وخصائصه وما تميز به، بالنظر إلى عمق وسعة المعلومة في الأحاديث، وخصوصًا جوامع الكلم منها، والأمثلة على ذلك كثيرة.

стр. 34

• تقديم السنة النبوية إلى الناس بأسلوب يناسب كل زمن ومستجداته، وتلبي حاجات الناس الثقافية والعلمية وغيرها، وتعطي صورة واضحة جلية عن ثراء السنة بالعلوم المختلفة التي برزت حديثًا، بطابع عصري جديد. وأخيرًا ليس هذا نهاية المطاف في بيان أهمية الحديث الموضوعي؛ ذلك أن معطيات الحديث الموضوعي ذات دلالة واضحة على شمول هذا الدين وسياسته الشرعية في مختلف مجالات الحياة وعلومها، وقد بين سعة الدين لذلك ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" حيث قال: "وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلا ذَكَرَ لِلأُمَّةِ مِنْهُ عِلْمًا، وَعَلَّمَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى آدَابَ التَّخَلِّي، وَآدَابَ الْجِمَاعِ، وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ … " إلى أن قال: "وَبِالْجُمْلَةِ فَجَاءَهُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِرُمَّتِهِ، وَلَمْ يُحْوِجْهُمْ اللَّهُ إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ الَّتِي مَا طَرَقَ الْعَالَمَ شَرِيعَةٌ أَكْمَلُ مِنْهَا نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إلَى سِيَاسَةٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا تُكَمِّلُهَا، أو إلَى قِيَاسٍ أو حَقِيقَةٍ أو مَعْقُولٍ خَارِجٍ عَنْهَا" (١).

стр. 35

الحديث الموضوعي وفروع علوم السنة النبوية وعلوم الشريعة • الحديث الموضوعي وعلوم السنة: إن الدراسة الموضوعية بمفهومها المعاصر الذي يعتمد على الجمع الموضوعي للنصوص الحديثية، ثم دراستها دراسة تحليلية ناقدة مع ربطها بالواقع الحاضر، تستخدم شتى فروع علوم السنة النبوية من أجل الوصول إلى أهدافها، حيث نجدها تستخدم بالإجمال مجموعة العلوم المتعلقة بقسمي علوم الحديث رواية، ودراية؛ على النحو التالي: أما الحاجة لعلم الحديث رواية: حيث اختيار النص النبوي، والعناية والاهتمام باختيار ألفاظه الجامعة المناسبة لموضوع الدراسة من مصادرها الأصلية، والاحتراز في أثناء النقل من الخطأ أو التحريف وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ ألفاظِها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاث مراحل: أولًا: علوم المتن من حيث قائله، فيبدأ بالمرفوع، ويستنير بالموقوف الذي أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم، والمقطوع وهو ما أضيف إلى التابعين، فمن شأنه إيضاح المتن مع العناية كما أسلفنا بدقة الرواية.

стр. 36

ثانيًا: علوم شارحة للمتن: لا بد للباحث في الحديث الموضوعي من الوقوف على شرح كل حديث، من بيان غريب الحديث، أي ما يتعلق بما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم، وأسباب ورود الحديث، وهو مهم لفهم الحديث، كأهمية معرفة المناسبة التي ذكر فيها الحديث. وعلم مشكل الحديث أو مختلف الحديث، وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلًا، أو تعارض مع نص شرعي آخر، وهو مفيد لإزالة كثير من الشّبَه التي يتعلق بها بعض الواهمين. وأخيرًا فقه الحديث؛ لتتضح له الصورة كاملة حول النص النبوي، فيتمكن من إعطاء فكرة واضحة للمقصد النبوي. ثالثًا: علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث الأخرى (شواهد الحديث ومتابعاته) فيظهر للباحث النص الأصح أو الأوضح أو الأتم لموضوع بحثه، حيث تروى الأحاديث تارة مختصرة (يذكر موضع الشاهد فقط)، وتارة تامة، وتارة يذكر سبب ورود النص، وهذا كله يفيد الباحث قطعًا في فهم المقصد النبوي. علم الحديث دراية: وغايته وهدفه تمييز الصحيح من السقيم، سواء تعلق ذلك بالسند أو بالمتن أو بهما معًا، وهذا في حد ذاته فهم ودراية للحديث فلا يروي إلا ما كان صالحًا. وَعِلْمُ الْحَدِيثِ الْخَاصُّ بِالدِّرَايَةِ: عِلْمٌ يُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الرِّوَايَةِ؛ وَشُرُوطُهَا، وَأَنْوَاعُهَا، وَأَحْكَامُهَا، وَحَالُ الرُّوَاةِ، وَشُرُوطُهُمْ، وَأَصْنَافُ الْمَرْوِيَّاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (١).

стр. 37

ويمكن للباحث الاستعانة بكتب التخريج المهتمة بالحكم على الحديث، والتي عُرف عن مؤلفيها عدم التساهل في الرواية، سواء كانت الكتب متقدمة أو متأخرة. لذا يعتبر الحديث الموضوعي ثمرة لجميع الدراسات الحديثية؛ لأنه ذو صلة بشتى فروع علوم السّنة النبوية، يتجاذب معها الأدوار في خدمة سنة المصطفى ﵊، فتارة يدافع عن أحد رجالها، وأخرى يدافع عن أحد مروياتها، وتارة يحل تعارضًا، وأخرى يوضح موضوعًا مبهمًا، وتارة يشرح فريضة، وأخرى يبين سنة، وهكذا. • علاقة الدراسة الموضوعية بالعلوم الشرعية واللغة والعلوم الأخرى . الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة شاملة، حوت كل ما يحتاجه المسلم في حياته اليومية بما يحقق له السعادة والأمن، كما نظمت للمسلم ومجتمعه الحياة السياسية والاقتصادية والتربوية … إلخ، والمنبع الأساسي في كل هذا وغيره الوحي بشقيه القرآن والسنة. وللبحث في أي موضوع من مواضيع الحديث الموضوعي؛ لا بد من طرْق كل ما تحتاجه الدراسة الموضوعية من بيان، فينبغي للباحث الاستفادة من العلوم الشرعية الأخرى؛ بالرجوع إلى كتب الفقه وأصوله لمعرفة آراء الفقهاء في موضوع الحديث، أو العقيدة إذا احتاج البحث في كتب العقيدة، وغيرها من فروع الشريعة مما يحتاجه؛ لإيصال الفكرة بشكل صحيح، وحتى يكتمل فهم الموضوع في ضوء العلوم الشرعية، وليكون مضبوطًا بالقواعد والأصول الشرعية، بعيدًا عن التناقض أو التعارض معها. وكذلك التفسير وعلوم القرآن، ناهيك إن كان موضوع الدراسة في صلب هذه الفروع من الشريعة.

стр. 38

والباعث وراء التنوع وطرْق فروع الشرع ومرتكز ذلك هو: تحصين المادة المعرفية التي يشتغل بها الباحث في هذا العلم. إن البحث في العلوم المعاصرة بعد بحثها في العلوم الشرعية التي تتبعها أدعى للوقوف على المقصد النبوي بوجه صحيح؛ كأن يكون الموضوع متعلقًا بالإعجاز الطبي، فلا بد من الرجوع إلى علماء الطب وكتبهم في هذا الشأن لفهم الموضوع المراد بحثه بوجه صحيح ودقيق، ثم البحث في السنة عن ذات الموضوع للوقوع على رأي السنة في ذات الموضوع، وأخيرًا عرضه على الأحكام الشرعية التي تتبعها، وبذلك نأمن السلامة من الخطأ المتعلق بالسنة والطب معًا. وإذا كان الموضوع متعلقًا بالتربية؛ فيمكن الاستفادة من كتب التربية والأخلاق والسلوكيات … وهكذا، وذلك لتعزيز الموضوع بالمعلومات والثقافة التي تضفي عليه مزيدًا من التوضيح والبيان، أو الاحتجاج، أو إبراز الإعجاز والتقدم في السنة، أو التوافق مع العلوم المعاصرة. وينطبق أيضًا نفس المنهج على العلوم التطبيقية؛ كالفلك والفيزياء والرياضيات وغيرها. أما اللغة بفروعها؛ كالبلاغة والنحو وبيان الغريب فإنها من أساسيات البحث الموضوعي، فهي تصب في فهم النص النبوي، وهذا يساعد كثيرًا في الغوص في النص النبوي، والتدبر في معانيه، واستخراج فوائده على الوجه الصحيح. بل إن البحث اللغوي يعد من الأساسيات التي تقف عليها بعض مناهج البحث الموضوعي؛ كالمصطلح النبوي، كما سيأتي لاحقًا.

стр. 39

القسم الثاني الدراسة الموضوعية وطريقة البحث فيها

стр. 40

مراحل الدراسة الموضوعية على الباحث في الدراسة الموضوعية المعرفة الدقيقة بمنهجية البحث فيها؛ ليكون الموضوع الذي يبحثه مندرجًا ضمن الحديث الموضوعي فعلًا. والدراسة الموضوعية في كل مناهجها تشترك في مراحل، لا بد للباحث من مراعاتها، ولأهميتها فإن أنظمة الجامعات تنص على شيء منها؛ لذا لا بد من بيان هذه المراحل والتنبيه إليها، وهي على النحو التالي: • المرحلة الأولى: اختيار موضوع الدراسة . على الباحث أن يراعي عند اختياره للموضوع ما يلي: • لا بد من تحديد فكرة تستحق البحث، منشؤها السنة؛ لدراسة موضوعها كما وجهتها السنة، لا أن تكون خارجة عنها. وقد تكون الفكرة حول حكم شرعي يحتاج إلى أدلة مقبولة لإثباته، أو قضية علمية، أو خُلُقية، أو تربوية، أو مصطلح ديني، أو أكاديمي، وغير ذلك مما يشمل شتى مناحي الحياة للفرد والأسرة؛ بل وللمجتمع كله وللأمة بأسرها. • لا يقبل فيها المواضيع التقليدية، ولا المواضيع العامة والشاملة؛ كالبحث في السيرة النبوية مطلقًا، والسَّبب وراء ذلك أنَّ البحث الموضوعي ينطلق من إشكالية واقعية محددة ضمن اهتمامات العصر ومواضيعه الساخنة، فيدرس فيها الباحث جميع ما أثير عنها، ويستوعب كل ما قيل فيها، ثم يعرض ما
следующие страницы →