ثانيًا: علوم شارحة للمتن:
لا بد للباحث في الحديث الموضوعي من الوقوف على شرح كل حديث، من بيان غريب الحديث، أي ما يتعلق بما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم، وأسباب ورود الحديث، وهو مهم لفهم الحديث، كأهمية معرفة المناسبة التي ذكر فيها الحديث. وعلم مشكل الحديث أو مختلف الحديث، وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلًا، أو تعارض مع نص شرعي آخر، وهو مفيد لإزالة كثير من الشّبَه التي يتعلق بها بعض الواهمين. وأخيرًا فقه الحديث؛ لتتضح له الصورة كاملة حول النص النبوي، فيتمكن من إعطاء فكرة واضحة للمقصد النبوي.
ثالثًا: علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث الأخرى (شواهد الحديث ومتابعاته) فيظهر للباحث النص الأصح أو الأوضح أو الأتم لموضوع بحثه، حيث تروى الأحاديث تارة مختصرة (يذكر موضع الشاهد فقط)، وتارة تامة، وتارة يذكر سبب ورود النص، وهذا كله يفيد الباحث قطعًا في فهم المقصد النبوي.
علم الحديث دراية:
وغايته وهدفه تمييز الصحيح من السقيم، سواء تعلق ذلك بالسند أو بالمتن أو بهما معًا، وهذا في حد ذاته فهم ودراية للحديث فلا يروي إلا ما كان صالحًا.
وَعِلْمُ الْحَدِيثِ الْخَاصُّ بِالدِّرَايَةِ: عِلْمٌ يُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الرِّوَايَةِ؛ وَشُرُوطُهَا، وَأَنْوَاعُهَا، وَأَحْكَامُهَا، وَحَالُ الرُّوَاةِ، وَشُرُوطُهُمْ، وَأَصْنَافُ الْمَرْوِيَّاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (١).
стр. 37
ويمكن للباحث الاستعانة بكتب التخريج المهتمة بالحكم على الحديث، والتي عُرف عن مؤلفيها عدم التساهل في الرواية، سواء كانت الكتب متقدمة أو متأخرة.
لذا يعتبر الحديث الموضوعي ثمرة لجميع الدراسات الحديثية؛ لأنه ذو صلة بشتى فروع علوم السّنة النبوية، يتجاذب معها الأدوار في خدمة سنة المصطفى ﵊، فتارة يدافع عن أحد رجالها، وأخرى يدافع عن أحد مروياتها، وتارة يحل تعارضًا، وأخرى يوضح موضوعًا مبهمًا، وتارة يشرح فريضة، وأخرى يبين سنة، وهكذا.
• علاقة الدراسة الموضوعية بالعلوم الشرعية واللغة والعلوم الأخرى .
الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة شاملة، حوت كل ما يحتاجه المسلم في حياته اليومية بما يحقق له السعادة والأمن، كما نظمت للمسلم ومجتمعه الحياة السياسية والاقتصادية والتربوية … إلخ، والمنبع الأساسي في كل هذا وغيره الوحي بشقيه القرآن والسنة.
وللبحث في أي موضوع من مواضيع الحديث الموضوعي؛ لا بد من طرْق كل ما تحتاجه الدراسة الموضوعية من بيان، فينبغي للباحث الاستفادة من العلوم الشرعية الأخرى؛ بالرجوع إلى كتب الفقه وأصوله لمعرفة آراء الفقهاء في موضوع الحديث، أو العقيدة إذا احتاج البحث في كتب العقيدة، وغيرها من فروع الشريعة مما يحتاجه؛ لإيصال الفكرة بشكل صحيح، وحتى يكتمل فهم الموضوع في ضوء العلوم الشرعية، وليكون مضبوطًا بالقواعد والأصول الشرعية، بعيدًا عن التناقض أو التعارض معها.
وكذلك التفسير وعلوم القرآن، ناهيك إن كان موضوع الدراسة في صلب هذه الفروع من الشريعة.
стр. 38
والباعث وراء التنوع وطرْق فروع الشرع ومرتكز ذلك هو: تحصين المادة المعرفية التي يشتغل بها الباحث في هذا العلم.
إن البحث في العلوم المعاصرة بعد بحثها في العلوم الشرعية التي تتبعها أدعى للوقوف على المقصد النبوي بوجه صحيح؛ كأن يكون الموضوع متعلقًا بالإعجاز الطبي، فلا بد من الرجوع إلى علماء الطب وكتبهم في هذا الشأن لفهم الموضوع المراد بحثه بوجه صحيح ودقيق، ثم البحث في السنة عن ذات الموضوع للوقوع على رأي السنة في ذات الموضوع، وأخيرًا عرضه على الأحكام الشرعية التي تتبعها، وبذلك نأمن السلامة من الخطأ المتعلق بالسنة والطب معًا.
وإذا كان الموضوع متعلقًا بالتربية؛ فيمكن الاستفادة من كتب التربية والأخلاق والسلوكيات … وهكذا، وذلك لتعزيز الموضوع بالمعلومات والثقافة التي تضفي عليه مزيدًا من التوضيح والبيان، أو الاحتجاج، أو إبراز الإعجاز والتقدم في السنة، أو التوافق مع العلوم المعاصرة.
وينطبق أيضًا نفس المنهج على العلوم التطبيقية؛ كالفلك والفيزياء والرياضيات وغيرها.
أما اللغة بفروعها؛ كالبلاغة والنحو وبيان الغريب فإنها من أساسيات البحث الموضوعي، فهي تصب في فهم النص النبوي، وهذا يساعد كثيرًا في الغوص في النص النبوي، والتدبر في معانيه، واستخراج فوائده على الوجه الصحيح.
بل إن البحث اللغوي يعد من الأساسيات التي تقف عليها بعض مناهج البحث الموضوعي؛ كالمصطلح النبوي، كما سيأتي لاحقًا.
стр. 39
القسم الثاني
الدراسة الموضوعية
وطريقة البحث فيها
стр. 40
مراحل الدراسة الموضوعية
على الباحث في الدراسة الموضوعية المعرفة الدقيقة بمنهجية البحث فيها؛ ليكون الموضوع الذي يبحثه مندرجًا ضمن الحديث الموضوعي فعلًا.
والدراسة الموضوعية في كل مناهجها تشترك في مراحل، لا بد للباحث من مراعاتها، ولأهميتها فإن أنظمة الجامعات تنص على شيء منها؛ لذا لا بد من بيان هذه المراحل والتنبيه إليها، وهي على النحو التالي:
• المرحلة الأولى: اختيار موضوع الدراسة .
على الباحث أن يراعي عند اختياره للموضوع ما يلي:
• لا بد من تحديد فكرة تستحق البحث، منشؤها السنة؛ لدراسة موضوعها كما وجهتها السنة، لا أن تكون خارجة عنها. وقد تكون الفكرة حول حكم شرعي يحتاج إلى أدلة مقبولة لإثباته، أو قضية علمية، أو خُلُقية، أو تربوية، أو مصطلح ديني، أو أكاديمي، وغير ذلك مما يشمل شتى مناحي الحياة للفرد والأسرة؛ بل وللمجتمع كله وللأمة بأسرها.
• لا يقبل فيها المواضيع التقليدية، ولا المواضيع العامة والشاملة؛ كالبحث في السيرة النبوية مطلقًا، والسَّبب وراء ذلك أنَّ البحث الموضوعي ينطلق من إشكالية واقعية محددة ضمن اهتمامات العصر ومواضيعه الساخنة، فيدرس فيها الباحث جميع ما أثير عنها، ويستوعب كل ما قيل فيها، ثم يعرض ما
стр. 41
تحصَّل لديه من أفكار على الأحاديث النبوية، وعليه فإن من سيكتب في حق الطفل في التعلم في السُّنة، أو من خلال السيرة النبوية، أو المواطنة في العهد النبوي؛ سيقرأ جميع الوثائق والتشريعات التي سَنتها الأنظمة الوضعية، ويطلع على النظريات والأفكار التي عالجتها، ويتمكّن من تفاصيلها، وجوانبها المضيئة والمظلمة؛ لتكون هذه الدراسة معينًا مهمًا عند عقد الموازنات، ثم يتوجه إلى الأحاديث النبوية، مفتشًا جامعًا لكل ما يتصل بموضوعه وفكرته، وهي المرحلة الثانية.
• أفضل الموضوعات ما تقوم فكرتها على سد حاجة المجتمع المسلم المعاصر، وتلبي رغباته الفكرية، وتسهم في رفعته وتقدمه بين الأمم، فضلًا عن أهميته في التوجه للقرب من رضى الخالق رب العالمين.
• أن يكون موضوع البحث أكثر دقة، ويبتعد عن الموضوعات الشاملة الواسعة؛ حتى لا يضيع الباحث في كثرة التفاصيل. ويلاحظ هنا أنه كُلَّما كان الموضوع دقيقًا محدّدًا فسيسهل التوسع فيه عموديًا في مصادر السنة المتنوعة. فالبحث في "حقوق المرأة المالية في السنة" مثلا أفضل من البحث في "حقوق المرأة عمومًا"، حيث ستكون نتائج البحث الأول أكثر عمقًا وتحديدًا.
• لا بد في أثناء رحلة البحث عن الموضوع من جمع الأدلة من القرآن والسنة، التي تؤكد الأفكار المتعلقة بالموضوع.
وفي الوقت الحاضر تطالب الجامعات طلابها وطالباتها في هذا التخصص -مع خطة البحث- بعددٍ من الأحاديث التي من الممكن الاستدلال بها في البحث، ولا تقبل خطة البحث إلا بإدراج الباحث لهذه الأحاديث مع خطة بحثه.
стр. 42
• المرحلة الثانية: جمع المادة المتعلقة بالسنة .
وذلك من الأحاديث وما حولها من أقوال السلف؛ من خلال استقراء تام لمصادر السُّنة المعتمدة، والتوسُّع في ذلك مع التأني والصبر، والاعتماد على المطبوع والمخطوط، والاستفادة من البرمجيات الإلكترونية ومواقع الشبكة الإلكترونية، ومن سائر أدوات البحث العلمي الحديثة. وفي هذه المرحلة تبرز قدرات الباحثين في تتبع واستقراء الأحاديث المتعلِّقة بالموضوع، مهما خَفِيت أو دَقَّت درجة اتصالها، والصبر على ذلك.
• المرحلة الثالثة: تحديد مشكلة البحث، وأهميته، والدراسات السابقة فيه .
بعد الإلمام بموضوع الدراسة، وتحديد الفكرة المرتبطة بالسنة لا بد من الوقوف على مشكلة البحث، وذلك بطرح أسئلة يمكن للبحث أن يجيب عنها لتحقيق الهدف منه، والغاية التي يريد إثباتها.
وكلما كانت المشكلة التي يناقشها البحث تجمع بين حاجة الناس، وأنها لم تُبحث من قبل، أو أنها بحثت بشكل غير مستوفٍ؛ أعطى ذلك للبحث قيمة أكبر.
ولهذا يُطْلَب من الباحثين في الدراسات العلمية والأكاديمية بخاصة أن يقوموا في خطة البحث بتحديد مشكلة البحث، والأسئلة التي يجيب عنها؛ حيث تتضح بها أهميته.
ثم بعد ذلك يركز الباحث عند بيان الدراسات السابقة في الموضوع على الموضوعات التي لم تبحث من قبل، في حين يشير إشارة فقط إلى ما بُحِث.
• المرحلة الرابعة: كتابة خطة البحث .
يعرض فيها الباحث مشكلة البحث التي سبق أن حدَّدها، والنتيجة المتوقعة، والأحاديث التي سيستعملها في بحثه، ويراعي في الخطة ما يلي:
стр. 43
• أن يكون محورُ الدراسة منبثقًا من السنة والأحاديث التي سبق أن خرجها، غير خارج عنها في كل البحث؛ لأنه إذا لم تكن في السنة النبوية دلالة واضحة، وارتباط قوي بموضوع الدراسة الموضوعية، ولم يثبت دلالة السّنة النبوية إليه؛ فلا يعدّ هذا البحث دراسة موضوعية صالحة للبحث أساسًا، ولا يصنف البحث من ضمن الحديث الموضوعي.
• ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين؛ وفيها بيان مقاصد الشريعة؛ لئلا يكون مجرد دراسة تحليلية للحديث.
• ترتيب المادة العلمية، وتنظيمها في تقسيم معين.
• تطالب الجامعات وأقسام الدراسات الإسلامية عددا من الأحاديث التي يستدل بها الباحث في أثناء كتابة البحث مع الخطة.
• ألا يكون في مفردات الخطة الدراسة التحليلية للحديث، وإن كانت مطلوبٌ أن يستوعبها الباحث، لكن لا يكتب منها شيء لا في البحث ولا الخطة، إلا إن كان البحث لقياس الطالب وقدرته على البحث فمن الممكن أن تكون في ملاحق مستقلة عن البحث.
• المرحلة الخامسة: الأدوات .
وهي مرحلة مهمة جدًا، بل هي في الحقيقة القلب النابض للبحث، وهي في الغالب لا تكتب في البحث إلا كملاحق كما أشرت آنفًا، ويستعين بها الباحث في كتابة بحثه، وهي:
• الدراسة التحليلية للأحاديث التي جمعها الباحث، والبحث في أسانيدها ورجالها من جهة، وفي متونها وألفاظها من جهة ثانية، من حيث الثُّبوتُ والدّلالةُ، ويمحّص الباحث النظر في الأحكام النقدية التي أطلقها رجال الجرح
стр. 44
والتعديل والعلل على الأحاديث، ولا بأس أن يطيل الباحث هنا النَّفَس في قضايا الصحة والضعف والمتابعات، والرفع والوقف، وزيادات الثقات والشذوذ والإدراج، وإزالة الإشكال والتعارض الظاهري في دلالاتها، كل هذا ضمن حدود ما يخدم غاية بحثه، وهو متون ودلالات الأحاديث، بمعنى أن يلجأ الباحث إلى أدوات المحدثين وما تقتضيه أصول الصناعة الحديثية، بحيث يرجِّح من الأسانيد والألفاظ والدلالات بحسب تلك الأدوات، فيكون واضحًا أمامه "القدر المشترك والمتفق" من الروايات والألفاظ التي رجّحها الباحث، بعد أن دفع التعارض والإشكال، وربط الأحكام بعللها، فتكون النتيجةُ حفظَ الوحدة الموضوعية للحديث النبوي.
• بناءُ النظرية الشاملة التي ينتظم عقدها جميع المعاني السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقرأها الباحث واعتمد عليها في المرحلة الثانية والثالثة، فهي المرحلة الختامية، والأهم في العمل الموضوعي، التي سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقه الأول من النظريات النبوية والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليّات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيدًا من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصرُ البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.
ولعلَّ هذه المرحلة هي أمتع المراحل؛ لأنها مرحلة جني الثمار وحصاد الجهود، فيها يتنقل الباحث من النظر إلى التطبيق، ومن القواعد إلى النتائج، لذا فإن الحذر الشديد والتأني في إطلاق الأحكام مطلوب في هذه المرحلة، بأكثر مما هو مطلوب في سائر المراحل؛ لأن الخطأ في القواعد والأصول أخطر من الخطأ في
стр. 45
التفاصيل والجزئيات، ويجب عليه التعمق في مطالعة أدلتهم ومسالك أقوالهم، والعودة إلى أهل العلم واستشارتهم، وقبلها الاتكال على الله، والنية السليمة في خدمة الحق والدين وأهله، فكم ترك الأول للآخر!
كذلك فإن من محاذير العمل الموضوعي أن ينغمس الباحث في الدرس النبوي، بما قد يفقده السياحة في باقي مصادر التشريع الأصلية والتبعية، ويفقده بوصلة البحث العلمي المتزن، فيؤثر سلبًا في نتائج بحثه، ويحمله على التّسرع في قبول أو ورد أقوال من سلفه، فهذا مما يجب أن يتنبه عليه الباحث في مرحلة اختيار الموضوع، بأن يختار من المواضيع ما يتعلَّق بمواقف النّبي ﷺ التشريعية والبيانية، ويتصل بالسنة والسيرة النبوية اتصالًا عميقًا، فتتحقق بذلك الفائدة المرجوّة من البحث الموضوعي في السُّنة النبوية.
أخيرًا لا بأس أن يصوغ الباحث بحثه بأسلوب يجمع بين طرفين، أسلوب يفهمُه المثقفون من غير المختصين من جهة، ويثير التَّفكر والتأمل لدى المختصين من جهة ثانية، وبذلك يحوز الحُسنيات كلها.
ومما يجب التنبيه إليه أن كثيرًا من المعلومات التي توصل لها الباحث في مرحلة الأدوات لا تُكتب في البحث؛ وإنما جمعها الباحث للوصول للفكرة والمعلومة الصحيحة في البحث فهي اليد الخفية للوصول للفكرة المدونة في البحث، لكنها لا تكتب. ويمكن تشبيه هذه المرحلة بالأدوات المستخدمة لإعداد وليمة الطعام من السكين والموقد وباقي الأدوات التي يستخدمها الطاهي في إعداد الوليمة، حيث لا يقدم شيئًا منها مع وليمة الطعام، كما أنه لا يمكن أن يتم إعداد الوليمة إلا بها. وكذلك النجار والخياط فكل منهم لا يُخرج من عمله إلا النتيجة النهائية من عمله.
стр. 46
• المرحلة السادسة: جمع المادة العلمية .
تتفق الأبحاث في أهمية وضرورة جمع المادة العلمية فيما يخص الأحاديث، والقدر المستخدم منها في صلب البحث، أو الهامش، أو الأدوات المعينة على فهم الحديث، وتختلف في طريقة العرض تبعًا للموضوع المراد ربطه بالحديث.
ففي الأبحاث الطبية والعلمية مثلًا: قد تحتاج إلى التجربة على البشر، أو حيوانات التجارب أو غيرها، ولا يكفي فيها المادة النظرية فحسب.
ومثال ذلك: بحث جماعي كلفتُ به الطالبات في مادة الحديث، كان عنوانه: "أثر آية الكرسي في علاج مرض الجاثوم"، وموضوع البحث قائم على الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الحَدِيثَ- إلى أن قال: فَقَالَ أي الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (١).
والبحث قائم على التجربة؛ حيث طلبتُ من كل طالبة أن تطبق قراءة آية الكرسي على خمس حالات أو أكثر تعاني من عارض الجاثوم، من ذويها وأقاربها، ممن يمكنُ مباشرة الحالة معهم، ومتابعتها بالإشراف عليها لمدة شهر، وكتابة تقرير أسبوعي عن كل حالة، ثم كتابة تقرير نهائي بذلك، وعمل ورشة عمل تعرض فيها النتائج، وتقيم.
стр. 47
فكانت النتائج مبهرة، وذات تأثير على الطالبات، وعلى الحالات،
وكانت أهم نتائج البحث ما يلي:
• انتشار المرض بشكل كبير؛ حيث لم يكن صعبًا على الطالبات إيجاد الحالات. ولوحظ انتشاره في المرحلة العمرية ما بين ١٢ سنة و ٢٥ سنة، ويكاد لا يوجد فوق سن الأربعين، إلا في حالات قليلة يعاني منها المرضى من أمراض أخرى كالمرض الروحي، أو الاضطرابات النفسية.
• لوحظ على ٧٠ % من الحالات أنه يختم يومه على رؤية أفلام أو مسلسلات، أو سماع موسيقى، ومعاصٍ أخرى.
• كما لوحظ أن نسبة ٩٠% من الحالات تحسنت كثيرًا حيث انخفض الجاثوم من أربع مرات في الأسبوع وأكثر، إلى أن اختفى، أو بقي مرة واحدة في الأسبوع، بعد المداومة على قراءة آية الكرسي قبل النوم مباشرة.
• وباقي الحالات؛ التي لم تعط النتائج المطلوبة؛ استخدم معها باقي الأذكار مع آية الكرسي، مما ورد في السنة كالمعوذات، وترك العادات السيئة التي كانت سببًا من أسباب المرض؛ كمشاهدة الأفلام والموسيقى ومعاصٍ أخرى.
أما الأبحاث التي تمس الاقتصاد والمعاملات كالربا والبيوع المحرمة: فعلى الباحث الدقة التامة في دراسة المنتج المراد الوقوف على الحكم عليه، من خلال دراسة وافية للأحاديث الواردة حوله ليكوّن قاعدة يحكم من خلالها عليه، ثم التأصيل، وألا يستعجل في إصدار الحكم على المنتج، خصوصًا مع الغموض الذي يكتنف بعض التعاملات الاقتصادية، وبعض المنتجات التجارية، كالبطاقات الائتمانية، والتجارة بالعملة الإلكترونية (البت كوين) وغيرها مثلًا، حتى يعطي حكمًا صحيحًا فيها.
стр. 48
وهكذا في باقي الأبحاث التربوية، وغيرها، بل وفيما يتعلق بالأبحاث الشرعية.
كما أنه على الباحث الالتزام بالأحاديث التي هي موضوع الدراسة، وألا يخرج عن إطارها الموضوعي إلى موضوعات أخرى؛ لأن الهدف من الدراسة هو موضوع الحديث فحسب.
ولا بد من ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين بلغة مفهومة سلسة، وألا يتحول بالبحث إلى الشرح التحليلي، أو تغلب عليه اللغة العاطفية المتجردة من الانضباط العلمي.
وأخيرًا عليه ترتيب المادة العلمية، وتنظيمها في تقسيم معين، حسب الخطة المعدة للبحث.
• المرحلة السابعة: صياغة البحث مع إبراز رأي السنة فيه .
وتعد هذه المرحلة بمثابة بناءِ النظريةِ الشاملةِ، التي تنتظم تحتها جميعُ المراحل السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقرأها الباحث، واعتمد عليها في المراحل السابقة.
فهي المرحلة الختامية، وهي مرحلة مهمة في العمل الموضوعي؛ حيث سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقة الأول من النظريات الحديثة والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيدًا من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصر البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.
стр. 49
• المرحلة الثامنة: الخاتمة .
حيث يعرض فيها الباحث النتائج التي توصل إليها في بحثه، والتوصيات لمن أراد أن يكمل ما بدأه في مجال بحثه إذا كانت الدراسة تحوي أكثر من موضوع، والتوصية بتوجيه الأبحاث الشرعية وغير الشرعية لهذا النوع من الدراسة.
стр. 50
مناهج البحث العلمي
في أبحاث الحديث الموضوعي
منهج البحث العلمي: هو مجموعة الخطوات المعتبرة والمعتمدة علميًّا التي يتّبعها الباحث، ويلتزم بها، بتسلسل منطقي علمي منظم وواضح؛ لكي يتمكن من الوصول لنتيجة مُحكمة ومستندة على البرهان والمنطق، وقواعد وضوابط البحث العلمي المتعارف عليها في البحث العلمي.
ويمكن للباحث عن طريق منهج البحث العلمي والمهارات المتبعة فيه؛ حل مشكلة البحث، وإثباتها عن طريق مجموعة من المهارات العلمية ليصل إلى إثبات وتوثيق النتيجة التي يتوصل إليها الباحث في البحث. ولذلك يُعد من المتطلبات الأساسية في الدراسات العليا وغيرها من الأعمال، وهو أيضًا إحدى أهم وسائل التنمية النظرية والعملية للفرد والمجتمع.
تلك الطرق والمهارات والأشكال والأساليب المختلفة التي يتبعها الباحث يجب أن تكون علميّةً؛ لتتحقق علمية البحث، ولذا كان على الباحث أن ينص في خطة البحث على الطريقة أو المنهجية المزمع اعتمادها في بحثه، بل تطالب الجامعات والمؤسسات العلمية النص عليها في خطة البحث، وهو ما يسمى بمنهج البحث.
وفي العقدين الأخيرين تطور البحث العلمي، وتعددت طرقه ومناهجه بدرجة كبيرة، مما أتاح للباحثين مجالات عديدة يختارون منها ما يناسب أهدافهم
стр. 51
ونوعية أبحاثهم.
إلا أن هذه المهارات والمناهج ما زالت محط جدل في الأوساط العلمية. إذ التأصيل فيها مُخْتَلفٌ فيه بين أهل العلم والتخصصات العلمية، إذ كل علم تتبع أبحاثه منهجية معينة، وتختلف عن أبحاث العلم الآخر. فالأبحاث التجريبية يقوم البحث فيها على التجربة ولا ترى فيها الحاجة إلى الوصف الذي يعتمد عليه البحث النظري وهكذا.
إن الأبحاث في منهجية البحث العلمي ما زالت في حاجة لمزيد من البحث؛ لوضع تأصيل يسير عليه طلبة العلم في أبحاثهم. وفي هذا الباب فإني أحاول بخبرتي المتواضعة في البحث العلمي والمسيرة التعليمية في تدريس الحديث وعلومه؛ أن ألقي الضوء على هذه المناهج بوجه عام مع التركيز وضرب المثال في أبحاث السنة وأبحاث الحديث الموضوعي. مع العلم أن أبحاث الحديث الموضوعي شاملة لكل العلوم، وتختلف طريقة البحث فيها باختلاف العلم المراد البحث فيه، لذا فإن البحث الموضوعي يأخذ طرقًا وأشكالًا وأساليبَ متعدّدةً في القالب النهائي له، باختلاف طبيعة البحث، وإن كانت تتفق في بعضها كما سيأتي لاحقا.
• أنواع مناهج البحث العلمي:
يمكن القول إن هناك توجهين أساسَيْن للبحث هما: البحوث الكمية، والبحوث النوعية، والأبحاث عادة تتوجه إلى أن تكون إما كمية في معظمها، أو نوعية في معظمها، وربما جمعت بين النوعين، حيث ظهر في العقد الأخير نوع من البحوث يجمع بين النوعين، وأصبح يطلق عليه البحوث المختلطة، حيث تُستخدَم في بحث واحد أساليبُ البحث الكمي والبحث النوعي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الباحثين المبتدئين يقعون في حيرة في فهم مناهج البحث، وذلك يؤدي إلى إضعاف البحث؛ نتيجة ضعف الوعي في استخدام
стр. 52
أفضل الطرق البحثية العلمية السليمة، وبالتالي تحدث أخطاء تضعف البحث، ومن ثمَّ رفضه من قبل المحكمين الذين يُعرَض عليهم البحث؛ وذلك لمخالفته المشهور من التوجهات العالمية في طرق البحث. وأغلب الدراسات التي تندرج تحت لواء الحديث الموضوعي تتَّبع طريقة البحوث النوعية، وقليل منها ينتهج الطريقة المختلطة، مثل أن يحوي البحث فصولًا أو مباحث أو مطالب فيها إحصاءات.
لذا كان من المهم التعريف بالمناهج المتبعة في أبحاث الحديث الموضوعي، وكيفية الاستخدام الأفضل للطرق البحثية.
• البحث الكمي:
البحث الكمي هو البحث المنهجي الذي تقوم الدراسة فيه على الأساليب الإحصائية، أو الرياضية، أو الحسابية. والهدف منه تطوير وتوظيف النماذج الرياضية والنظريات والفرضيات المتعلقة بالظواهر في موضوع الدراسة لخدمة أهداف البحث، كما أن عملية القياس هي محور البحث الكمي؛ لأنها تشكل رابطًا فعّالًا بين الملاحظة التجريبية والتعبير الرياضي للعلاقات الكمية.
وعلى هذا فالبحث الكمي يأخذ شكلًا رقميًّا مثل الإحصاءات والنسب المئوية، وما شابه ذلك.
ومجال البحث الكمي العلوم الرياضية؛ مثل: الرياضيات والفيزياء وعلوم الحاسب وبعض مجالات الاقتصاد كالتسويق وغيره، وعلى هذا فالبحث الكمي يتخذ من الأرقام والعمليات الإحصائية أساسًا له، وهو يهتم بالمتغيرات التي تتضمن قياس صفات الأشياء وخصائصها وتأثيرها من خلال الإحصاء.
وهذه الأبحاث بعيدة عن البحث في الحديث الموضوعي، لكن قد يستعين بها الباحث أثناء الدراسة الموضوعية، ولا يمكن أن يقتصر عليها وحدها، وإلا لم يكن
стр. 53
بحثًا موضوعيًّا. مثل بحث الجاثوم الذي أشرت له في مراحل الدراسة الموضوعية عند الحديث عن مرحلة جمع المادة العلمية الآنف الذكر. حيث أجرت الطالبات عمليات إحصائية لإحصاء انتشار المرض، ونسبة الشفاء منه … إلخ.
• البحث النوعي:
البحث النوعي هو ذلك النوع من البحوث التي يعتمد منهج البحث فيه على جمع المعلومات المعتمدة على المعاني والمفاهيم والتعريفات، وكل ما يتبع ذلك من بيان الخصائص والمصطلحات ووصف الأشياء. ويستعمل الباحث عادة فيه مجموعة من المناهج التابعة للمنهج النوعي كالوصف والمسح التاريخي والاستردادي واستقراء المعلومات أو الاستنباط … وغيرها من المناهج المعينة على الوصول إلى مشكلة البحث وحلها، وتحقيق الهدف المطلوب الوصول له.
ويمكن تحديد البحث النوعي في مجموعة من المزايا:
(١) أنه عملية تفاعلية بين الباحث وطبيعة المشكلة أو البحث، كما أن الطريقة فيه تختلف باختلاف الموضوع، ولا توجد طريقة واحدة صالحة لدراسة جميع الموضوعات النوعية، كما سيأتي بيانه.
(٢) المنهج النوعي هو الذي يتعلَّق بالأبحاث التي تعتمد على البيانات النوعية، ويُسمَّى كذلك المنهج الكيفي، والمنهج الوصفي، ويظهر ذلك في شكل مُشاهدات، وآراء مكتوبة، أو مسموعة، أو تعليقات، وتتطلَّب تلك النوعية من مناهج البحث العلمي أن يتوافر لدى الباحث القُدرة على الربط فيما بين جميع وجهات النظر؛ من أجل الخروج بالنتائج التي تساعد في الحصول على البيانات النوعية، كما يتعلق الأمر أيضًا بالتحليل، وبالدراسات الوصفية القائمة على الملاحظة الدقيقة، والمقالات المكتوبة.
стр. 54
(٣) يُقدِّم الباحث في المنهج النوعي التفسير الشامل لموضوع أو مشكلة البحث العلمي، ولا يوجد مجال للنتائج الإحصائية أو الرقمية، بل إن النتائج تتمثَّل في الجُمل التوضيحية.
(٤) يهتم المنهج النوعي بالتفاصيل الدقيقة والشروحات المُستفيضة في إيضاح مشكلة البحث وبيان وجهة النظر، ومن ثمَّ الوضوح والجلاء لكُلِّ معالم البحث.
(٥) يقدم البحث النوعي كل ما هو جديد ولم يدرس من قبل، مما لا تتوافر عنه الكثير من المعلومات، لذا يأتي البحث النوعي بمعلومات حديثة وأصيلة، وقد تكون معلومات البحث في أصلها قديمة لكنها بطريقة عرض حديثة تناسب الفئة المقدم البحث لها. كما يُستخدَم في الحالات المطلوب التعمق فيها بغرض فحصها ودراستها دراسة وافية.
(٦) يحكم على مصداقية البحث النوعي قناعة رأي القارئ في رأي الباحث، وليس من خلال العمليات الإحصائية والمعادلات المستخدمة في البحث الكمي.
(٧) فهم المنهج النوعي يعتمد على رؤيته من خلال المحتوى الذي يبنى فيه مشكلة البحث، ويزداد الفهم بقدر التجربة والتطبيق، وبالتالي فالسياقات التي تكون موضوع البحث ليست مفتعلة، بل هي في سياقها الطبيعي، لذا على الباحث أن يغوص في أعماقها حتى يفهمها بصفةٍ كلية.
(٨) المنهجان النوعي والكمي ليسا متعارضين أو متضادين، فيمكن استخدامهما معًا في نفس البحث، فيستخدم جانبٌ البحثَ النوعي، وجانب آخر يكمله المنهج الكمي، وبذا يحصل الباحث على مميزات المنهجين، من خلال خلط المنهجين وهو ما يسمى بالبحث المختلط.
стр. 55
(٩) مجالات البحث النوعي: الدراسات الإسلامية، والعلوم الطبيّة، والنفسيّة، والاجتماعيّة، والإنسانية.
(١٠) يستخدم في البحث النوعي الجمل الإنشائية والوصفية التي تعبر عن فكرة معيّنة، وقد يلجأ إلى المصطلحات العلمية المعقدة في بعض الأحيان، التي لا يتوافر سواها للتعبير عن حالة معينة، لكنه لا يتوجه إلى الاختبار الإحصائي والأرقام في سرد النتائج وتعزيز الأفكار.
(١١) تعدّ الخطة في البحث النوعي قابلة للتغيير، فلا يتقيد الباحث بها أثناء سيره في بحثه؛ لزخم المعلومات، فكلّ يوم يمكن أن يحْصل الباحث على معلومات جديدة، وأفكار مختلفة عن الخطّة التي وضعها مبدئيًّا.
(١٢) تظهر شخصية الباحث في البحث النوعي بشكل جلي، ويضع رأيه في أغلب الأفكار والمعلومات، لذا فإن قدرة الباحث على إقناع القارئ تحدد بشكل كبير الحكم على البحث بأنه جيد أو سيّئ، من خلال أسلوب الباحث في سرد المعلومات والآراء.
(١٣) تحليل المعلومات في البحث النوعي يأخذ وقتًا طويلًا، ويحتاج لدقة ومهارة من الباحث، لذلك فإنّ البحث النوعي قد يمتدّ لعدّة سنوات لإنجازه.
(١٤) البحث النوعي قد يستعين بطرق مختلفة ومهارات بحثية متنوعة كالوصف، والاستنباط، والاستقراء، والاستنتاج، والاسترداد، وأخيرًا المنهج التاريخي، وبعض الأبحاث تحتاج إلى المنهج الفلسفي لإثبات فكرة البحث. وقد يأخذ البحث أكثر من طريقة للوصول للمطلوب، لذا يطلب من الباحث بيان الطريقة المتبعة في بحثه في خطة البحث وفي المقدمة بالتفصيل.
стр. 56
ومن الطرق والمناهج التي تصب في المنهج النوعي:
(١) المنهج الوصفي:
وهو أسلوب لوصف الموضوع المراد دراسته، عن طريق منهجية علمية صحيحة، للتوصل إلى نتائج تفسيرية بطريقة موضوعية، تنسجم مع المعطيات الصحيحة للبحث، ويقوم المنهج الوصفي على جمع الحقائق والمعلومات، ومقارنتها، وتحليلها، وتفسيرها للوصول إلى تعميمات مقبولة. أو هو دراسة، وتحليل، وتفسير معلومات البحث من خلال تحديد خصائصه، وأبعاده، ووصف العلاقات بين موضوعاته، بهدف الوصول إلى وصف علمي متكامل له (١).
وهذا المنهج تشترك فيه جميع الأبحاث في الدراسة الموضوعية؛ لأن الباحث لا يتم بحثه إلا بدراسة الأحاديث المستدل بها أثناء الدراسة بالتخريج والإلمام بشرح الحديث، ودراسة رأي أهل العلم في الحديث من فقه ومعاني لغوية؛ للوصول إلى النظرية المنبثقة من الحديث. وكذلك هو دراسة وافية، ووصف يتضمن تفسيرًا لموضوع البحث المراد عرضه على السنة بدقة وبطريقة علمية يتضح فيها الموضوع بكل أبعاده حتى يمكن تطبيق السنّة عليه.
كل ما سبق يقدم في قالب وصفي تتضح فيه الفكرة بصورة مختصرة يظهر فيها جانب السنّة بوضوح.
ومن أمثلة ذلك وصف القلب في الإسلام؛ في بحث العبادة القلبية، حيث تم جمع الأحاديث التي ذكر فيها القلب، وجمع كل المعلومات المتعلقة بهذه
стр. 57
الأحاديث؛ عن طريق دراسة وافية لشرح هذه الأحاديث بعد تخريجها وانتقاء المقبول منها، ثم تصنيف ما توصل له من الحقائق والمعلومات الطبية، ومقارنتها، وتحليلها، وتفسيرها للوصول إلى تعميمات مقبولة مقنعة عمادها الحديث المقبول، ثم عرضها على فروع الشريعة كالعقيدة والفقه وغيرهما، إلى أن يكتمل العمل في وصف علمي متكامل (١).
(٢) المنهج الاستنباطي:
هو استدلال من العام إلى الخاص، أو من الكل إلى الجزء، ويبدأ من النظريات أو المسلمات، ويستنبط منه ما يصدق على الكل، وما ينطبق على الجزء المبحوث، ويصدق على الجزء، ويمر بثلاث خطوات؛ المقدمة المنطقية الكبرى، والمقدمة المنطقية الصغرى، والنتيجة.
والمنهج الاستنباطي منهج يربط بين العقل، والمقدمة، والموضوع وعلله، والنتائج، على أساس التأمل والمنطق.
وهذا المنهج أيضًا تشترك فيه جميع الأبحاث في الدراسة الموضوعية؛ لأن قوام الدراسة الموضوعية قائم على استنباط النظريات التي يحويها الحديث، ثم دراستها وتطبيقها فيما يقف الباحث عليه من نظرية منبثقة من الحديث الذي يريد البحث فيه؛ لإثبات نظرية "ما".
فالحديث أو الأحاديث التي يستنبط منها موضوع الدراسة هي المقدمة الكبرى، وموضوع الدراسة المستنبط من الحديث أو المشكلة التي يناقشها البحث من خلال الحديث أو مجموعة من الأحاديث، وما يفترض من أن هذا الحديث أو الأحاديث هي الحل أو البيان لها هي المقدمة الصغرى، وأخيرًا تأتي النتيجة التي
стр. 58
يصل لها الباحث من عملية الربط بين الحديث والمشكلة، والتي يقدم الباحث من خلالها حلًا للمشكلة وهي ثمرة البحث.
المنهج الاستنباطي يعد من الطرق المهمة التي لا بد منها في البحث الموضوعي، ولا يتم البحث إلا بها.
إن التأمل في الحديث عامة والأحاديث الجوامع القائم على الاستقراء، وعمل مسح موسع للدراسات حول الحديث، وجمع أقوال العلماء حول الحديث؛ من شأنه الخروج بكنوز من الحلول لكثير مما يحتاجه المسلم في حياته من خلال البحث الموضوعي.
مثال ذلك بحث خطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع .... »
حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع .... » هو المقدمة الكبرى، استنبط منه الأمور الأربعة وهي: العمر، أي الوقت، والعلم، ومن خلاله ما هو مطلوب من تطوير الذات وتنمية العقل، وتعلم كل ما يحقق الإيمان، ويسهل أمور الحياة، والمال، وطرق اكتسابه وصرفه وفق ما أمر به الدين، وأخيرًا الجسم، وطرق العناية به. هذه العملية هي المقدمة الصغرى لتكون النتيجة وهي أثر هذه الأمور على الإنسان ليحيا حياة سعيدة في الدنيا ويفوز بالجنة في الآخرة. وإثبات ذلك بدراسة كل من الوقت والعلم … ، وذلك باستخدام طرق أخرى كالاستقراء والاستنتاج وغيرها.
فالمقدمة الكبرى وهي محور المنهج الاستقرائي تنطلق من مشكلة يناقشها البحث، وفي الحديث الموضوعي تقوم الفكرة عادة أو تنطلق من حديث أو نص شرعي وهو المقدمة الكبرى؛ لينطلق الباحث مع الأحاديث يستنبط ما يوضح،
стр. 59
ويحل ويفسر ما أُبهم في المقدمة الكبرى، فيقف من خلال البحث على حقائق مذهلة، ويلفت نظر القارئ لكثير ممن خفي فتكون النتيجة إيضاح وتفسير وترتيب للمعلومات، وتقديم الحل المناسب للمشكلة بطريقة عملية.
(٣) المنهج الاستقرائي:
هو عبارةٌ عن عمليةٍ دقيقةٍ تهدفُ إلى جمع البيانات، وملاحظة الظواهر المرتبطة بها من أجل الربط بينها بمجموعةٍ من العلاقات الكلية العامة، وأيضًا يُعرفُ المنهج الاستقرائي بأنه الأسلوبُ البحثيُّ الذي يستخدمهُ الباحث في تعميم دراسته الخاصة على الدراسة العامة المرتبطة بالموضوع الذي يبحثُ فيه، أي يربطُ بين الدّراسةِ التي عمل على تنفيذها بصفتها جُزءًا من كُل، مثل: الربط بين فرعٍ من الفروع الطبية مع علم الطب العام. ويعتمدُ المنهج الاستقرائي على استخدامِ مجموعة من الاستنتاجات القائمة على الملاحظات، والتقديرات، والتجارب.
ويهدف المنهج الاستقرائي إلى جمع البيانات والعلاقات المترابطة بطريقة دقيقة من أجل الربط بينها بمجموعة من العلاقات الكلية العامة.
وفي الحديث الموضوعي: يقوم الباحث بتعميم الحديث وما يحويه من توجيه فقهي أو طبي أو تربوي أو ما يمس الاقتصاد … إلخ؛ على موضوع الدراسة.
أو العكس حيث يقوم الباحث باستقراء الحلول والتوجيه الوارد في السنّة لحل مشكلة البحث بمجموعها للخروج بنتيجة شاملة وافية يُهتدى بها.
ومن خلال المنهج الاستقرائي يقوم الباحث بتعميم الدراسة الخاصة التي قام بها على الدراسة العامة المتعلقة بالموضوع حيث يقوم بتعميم التوجيه الذي استنبطه من الحديث أو مجموعة من الأحاديث على موضوع البحث أيًّا كان موضوعه وفي أي مجال من مجالات الحياة.
стр. 60
ويتميز هذا المنهج بانتقال الباحث فيه من الجزء نحو الكل، أو من الخاص إلى العام، فيقوم الباحث في بداية الأمر بتعميم النتائج بعد أن يتأكد من صحتها على الكل.
فالباحث في الحديث الموضوعي ينقل التوجيه النبوي الذي وقف عليه وأثبته بتطبيقه على الواقع الملموس؛ إلى العموم. ويعمل على وضع هذا التوجيه قيد الاستعمال، والاستفادة من الحديث على أعلى درجات استقصاء الفائدة، وأن تكون قيد التطبيق، ولا يقف العمل عند التنظير فقط.
ومثال ذلك علاج الجاثوم من خلال قراءة آية الكرسي وتطبيق حديث حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الحَدِيثَ- إلى أن قال: فَقَالَ أي الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (١).
فقد تم تطبيق قراءة آية الكرسي على المرضى الذين يعانون من هذا المرض، وكان الربط بين الحديث والمرض أنه جاء في الحديث أن قراءة آية الكرسي شأنها الحفظ حتى يصبح. وتم إثبات ذلك بالتجربة.
• أنواع المنهج الاستقرائي:
(أ) المنهج الاستقرائي الكامل يُطلق عليه أيضًا مُسمّى الاستقراء اليقيني؛ وهو الاستقراء الذي يعتمدُ على الملاحظة بشكلٍ مباشر؛ إذ يهتمُ الباحث بقراءةِ كافة
стр. 61
المعلومات حول جزئيّة البحث قبل إصدار القرار العام حولها. وهو الاستقراء الذي يعتمدُ على دراسةِ بعض الملاحظات المُرتبطة بالموضوع العام للدراسة، وتعدّ هذه الملاحظات ظاهرةً، أي يمكن الحصولُ عليها بسهولة، واستقراؤُها وتحديد طبيعتها بشكل مباشر.
(ب) المنهج الاستقرائي الناقص، ويسمّى الاستقراء غير اليقيني (أو الظني).
حيث الملاحظة فيه لا تكون بشكلٍ مباشر، والملاحظات لا تنطبق تمامًا فيه وإنما تكون قريبة منها، ويمكن قياسها عليها.
ومن أمثلة الاستقراء اليقيني في الدراسة الموضوعية عندما ينطبق الحديث تمامًا على موضوع مشكلة البحث في حكم الأغاني، حيث يكون الاستقراء اليقيني على الأغاني التي يصاحبها المعازف لأن الدليل فيها منطبق تماما. وتتعمق الدراسة على أثر هذا النوع من الأغاني على الإنسان والمجتمع، وهذا وارد في السنّة بشكل صريح لا يقبل الشك أو التردد.
أما الأغاني التي لا يصاحبها معازف فهي من الاستقراء الناقص غير اليقيني، ولهذا كان الخلاف بين أهل العلم فيها، ولأهل العلم تفصيل في المسألة لعدم التطابق التام عليها، والله أعلم.
• خطوات المنهج الاستقرائي:
يعتمدُ تطبيق المنهج الاستقرائي على ثلاث خطواتٍ رئيسية، وهي:
(أ) الملحوظات، أي جمع المعلومات والبيانات، وتحلّيلها، وتصنّيفها، ثم تلخيصها للمساهمةِ في إدراكِ المنهج الاستقرائي المتبع في تطبيق الدراسة، وتقسمُ الملاحظات إلى نوعين؛ هما: الملاحظة المقصودة، التي هي الاهتمامُ بنصٍ، أو معلومةٍ مُعيّنةٍ يرى الباحثُ أنها تُسهِم في توفير بيانات دقيقة تساعدُ على إضافةِ
стр. 62
وصفٍ مناسبٍ لمنهجِ البحث، كجمع الأحاديث التي تبين رأي الشرع فيما يريد بحثه. والملاحظة البسيطة التي يستنتجها الباحث دون التفكير بها، أو التي يحصلُ عليها فجأةً أثناء بحثه عن شيءٍ آخر، أو عند قراءته لموضوعٍ جزئي مرتبطٍ بالموضوع الكلي، وقد تعدّ نوعًا من أنواع الاكتشافات، كالوقوف أثناء البحث في الحديث على لفظ حديث مهم، فيه حل لمشكلة معينة، أو وصف لحدث "ما"، كأشراط الساعة، أو وصف لحال وصفات شعب، أو أهل دين، أو مذهب وكيف التعامل معهم وغيرها، وهذا يعرض كثيرًا للباحثين حتى إن الباحث قد يضطر لإضافة فصل أو مبحث لبيان ما يعرض له من الحديث.
مثال ذلك: أيضًا في بحث خطوات النجاح؛ جمع الملاحظات على فئات المجتمع والشباب بشكل خاص للخروج بالأخطاء التي يقع فيها الشباب في عدم مراعاة الوقت والعلم والمال والجسم، وحصر هذه الأخطاء ثم وضع الفرضيات المتعلقة بهذه الأخطاء لحلها.
(ب) الفرضيات، هي مجموعة الأفكار التي يفرضها ويتوقعها الباحث، للوصولِ إلى تفسيرٍ معينٍ للمنهج الاستقرائي، هذه الفرضيات قد يصدّقها ويطابقها الواقع، وقد يخالفها ويرفضها؛ لذا يحسن أن يضع الباحث عدة فرضيات يسعى لإثباتها لتقوية بحثه. وفي الحديث الموضوعي إثبات الفرضيات عن طريق السنّة لإثبات هذه الفرضيات ووضع حلول لها عن طريق النص الشرعي، ومنه تتم تجربة الحل أو عرضها للقارئ.
(ج) التجارب، وهي عبارةٌ عن اختبارٍ يُجريه الباحث ضمن المنهج الاستقرائي؛ لتحديدِ مدى نجاح تطبيق المنهج في النطاق المخصص له، وقد تكون هذه التجربة علميّةً مرتبطةً بالتفاعلات الكيميائية، أو تعتمدُ على تطبيقاتِ الرياضيات المرتبطة بالأرقام والمعادلات الخاصة بها، أو عملية إحصائية لمعرفة نتائج التجربة،
стр. 63
أو مكتوبةً مخصّصةً بالتعرّف على مدى نجاح النص في توصيل الأفكار الخاصة به.
والاستقراء من المراحل المهمة بكل أشكاله في الدراسة الموضوعية، بل هذه المرحلة من صلب الدراسة الموضوعية، حيث لا بد للباحث من استقراء الأحاديث المرتبطة بالموضوع، للاستدلال بها على ما يريد بيانه من أفكار ومعلومات البحث المختلفة.
ومن المعلوم أن الباحث إذا تعمق في عملية البحث قد يخرج بأفكار تحويها الأحاديث، لم تكن في حسبانه عندما بدأ بحثه، وقد تكون مهمة جدًا.
ولذا تطالب الجامعات بالرجوع إلى عدد معين من الأحاديث مع خطة البحث؛ لأن هذا من شأنه أن يعُطي تصورًا أوسع لخطة البحث.
المنهج الاستقرائي: هو المنهج الذي يقابل المنهج الاستنباطي، حيث إن المنهج الاستقرائي يقوم بإنتاج تعليمات واسعة من مجموعة محددة من الملاحظات، بينما الأمر يكون على الضد في المنهج الاستنباطي.
ومن خلال المنهج الاستقرائي يقوم الباحث بتحويل العديد من الملاحظات إلى قواعد عامة، بينما في المنهج الاستنباطي يكون الأمر على الضد تمامًا حيث تتجزأ القاعدة الكلية إلى مجموعة من الملاحظات، واجتماع هذه الملاحظات مرة أخرى يؤدي إلى إعادة تشكيل القاعدة الكلية.
وللمنهج الاستقرائي مكانة كبيرة لدى العلماء، ولدى المنهج العلمي، حيث إن العلماء يعتمدون عليه بشكل رئيسي من أجل أن يقوموا بتشكيل الفرضيات والنظريات، بينما يلجؤون إلى المنهج الاستنباطي من أجل أن يقوموا بتطبيق هذه النظريات والفرضيات، ويتأكدوا من صحتها، لكن على نظريات وحالات محددة فقط.
стр. 64
• مثال الاستقراء:
يتضح ذلك بشكل واضح في بحث الجاثوم حيث تم استقراء ما يلي:
• المشكلة في المجتمع، وتم تحديد الفئة العمرية التي تعاني منها والفئة التي ستتطبق عليها التجربة.
• العلاج في السنّة من خلال مجموعة من الأحاديث مع التركيز على آية الكرسي لكون العلاج فيها بشكل مباشر.
• التطبيق على المرضى مع المتابعة المباشرة وتقييد النتائج.
• بناء النظرية اعتمادًا على ما سبق.
وفي بحث خطوات النجاح؛ تم استقراء ما جاء في السنّة لكل من النقاط الأربعة التي تم استنباطها من الحديث (الوقت والعلم والمال والجسم) لكن من زاوية الأخطاء التي يقع فيها الشباب، والملموسة في المجتمع بشكل واضح.
• الصعوبات التي تواجه الباحثين عند استخدام الاستقراء:
ولقد تم توجيه العديد من الإشكاليات للمنهج الاستقرائي، وكانت هذه الإشكاليات منطقية فلسفية، ونذكر من أبرز هذه الإشكاليات ما يلي:
(أ) كيف يقوم الباحث بتعميم نتيجة بحثه على كافة أفراد مجتمع الدراسة في حين أنه لم يقم بالدراسة إلا لجزء محدد.
(ب) كيف يقوم الباحث بتعميم نتائج دراسته على الزمن المستقبل مع أنه قام ببحث جزء منها في الوقت الحالي أو في وقت سابق.
إلا أنه في الدراسة الموضوعية تكاد تتلاشى هذه الإشكاليات؛ لأنها باختصار توجيه نبوي جاء به النبي ﷺ ، وذلك التوجيه الصالح لكل زمان ومكان، كإثبات أن السنّة هي قائدة الطب الوقائي، هذا النوع من الطب الذي لم يظهر إلا حديثًا، فيقوم
стр. 65
الباحث بتوجيه دراسات الطب الوقائي إلى السنة.
(٤) المنهج الاستنتاجي:
الاستنتاج هو النشاط العقلي الاستدلالي الذي يبحث عن سبل للتعرف على الأسباب التي تقف وراء حدوث الأشياء، ويسعى لإيجاد تفسيرات علمية ومنطقية واضحة ومقنعة وتحاكي العقل البشري لكافة الظواهر المحيطة به، ليستخلص من خلالها نظرية قابلة للتصديق وتقنع العقل الإنساني حول قضية ما، وتتوافق مع قواعد المنطق.
ويأتي هذا الاستنتاج من خلال دراسة جزيئيات هذه القضية للوصول إلى النتيجة النهائية التي تتمثل في القاعدة العامة أو المسبب الرئيسي للحدث.
الاستنتاج كان منذ القدم عمدة تقوم عليه العلوم الرياضية، كالهندسة والفلك والجبر والمثلثات وغيرها … ولكنه انتقل في العصور الحديثة وأخذ يغزو العلوم الطبيعية. بل لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى مجالات العلوم الحيوية والإنسانية، حينما تبنت هذه العلوم الدراسة الإحصائية منهجًا لها، وانتهت إلى التعبير عن حقائقها بعلاقات عددية.
وفي الدراسات في الحديث الموضوعي يشكل الاستنتاج منهجًا قويّا تعتمد عليه كثير من الأبحاث؛ ذلك لأن الباحث يخرج في بحثه بنظرية قائمة في إثباتها على السنة كالأبحاث الطبية والنفسية والتربوية … وقد تمتد إلى أكثر الأبحاث.
• أنواع من الاستنتاج:
استنتاج قياسي: يقوم على قياس الحديث وما فيه من وصف على موضوع بحثه ليخرج بنظرية قابلة للتنفيذ، والأخذ بالهدي النبوي فيها من خلال حديث أو أكثر؛ كالعلاج بأبوال الإبل وألبانها، والقيام باستنتاج هذا الدواء وإثباته.
стр. 66
استنتاج استقرائي: حيث يقوم الباحث باستقراء السنة للخروج بنتيجة ويثبتها لتكون حلا لمشكلة البحث، مثل الأبحاث التي موضوعها تربوي ونفسي كعلاج الغضب والخلافات الأسرية … حيث يقوم الباحث بجمع الأحاديث التي وجه النبي ﷺ صحابته ﵃ فيها لعلاج الغضب، ودراستها وترتيبها حتى يسهل على القارئ التطبيق.
استنتاج استنباطي: وهي عملية لا بد منها عن طريق استنباط مشكلة البحث من السنة.
ومن المعلوم أنه من الممكن أن يستعمل الباحث في طريقه للاستنتاج الطرق الثلاثة؛ الاستنباط والاستقراء والقياس، أو بعض منها.
(٥) المنهج التاريخي والمنهج الاستردادي:
هو المنهج الذي يصف ويسجل الأحداث التي وقعت في الزمن الماضي، ويقوم بدراستها وتحليلها وفق مجموعة من الأسس المنهجية، وذلك من أجل فهم الواقع بناء على ضوء الماضي.
فالأحداث التي حدثت في الزمن الماضي سوف تتكرر بطريقة مشابهة في عصرنا الحالي مع اختلاف الأدوات، وبالتالي فإن الماضي يعطينا صورة عن الأمور التي من الممكن أن تحدث في عصرنا الحالي أو في المستقبل.
وللمنهج التاريخي أهمية كبيرة في البحث العلمي عامة وفي الحديث الموضوعي بشكل أكبر ويمكن تلخيص أهميته في نقاط منها:
• السنن الكونية التي يسيِّر الله الكون عليها فهي لا تتغير ولا تتبدل من زمن إلى زمن، وعلى هذا يمكن للباحث أن يقوم بإسقاط الحوادث التي تحصل في الحاضر على الماضي، ومن خلالها وعليها سيكون قادرًا على استشراف المستقبل، وتوقع
стр. 67
عدد من الأمور التي من الممكن أن تحدث، وفي القرآن والسنة إشارة لكثير منها.
• يساهم المنهج التاريخي بالتأكيد على أهمية عدد ما من التفاعلات والقيم والأخلاق، بل سلوك البشر كعرق وديانة ومذهب. والتي ذكرتها النصوص، والتاريخ يثبتها، ومدى تأثيرها على الأحداث التاريخية، ومجرى التاريخ كالخيانة والنفاق والسلوك مثل التعامل مع الروافض واليهود والنصارى، وغيرهم.
إن إهمال وتجاهل الدراسات التاريخية وتاريخ الأمم والحضارات وربطها بالدراسات الشرعية والسنن الكونية التي وضعها الله في الكون وبينتها النصوص الشرعية؛ يعد من الأسباب الأولى في الفوضى الكبرى، التي تغلب على أفراد الأمة في مجابهتهم للحياة ومصاعبها، وفي سعيهم لاستئناف الحياة الراشدة، ومحاولة العودة إلى ريادة الأمم، حيث تعاظم الارتجال وغاب التخطيط المبني على الشرع، وسادت عقلية تجاهل السنن الربانية، التي وضعها الله في الكون، حتى صار من المألوف مشاهدة الساعي لرفعة الأمة، يحاول العمل على ذلك دون وعي يبصِّره المعالم الهادية في خط سيره، ودون استرشاد يسدد خططه، وقد تراكم هذا الأمر عبر العقود الماضية، حتى صار الأصل الثابت في واقعنا.
ومما يجب التنبيه عليه أن الغاية القصوى لبناء الأمة تبدأ من بناء الإنسان، الذي يعد الأساس لأي أمة تريد البقاء والاستمرار والسيادة، وهو أمر جلل، وللأسف لم يلق الاهتمام المطلوب حيث إن كثيرًا من الدراسات الشرعية حول هذا الموضوع كتبت بشكل جيد، لكن لم تضع الحلول العملية للتنفيذ؛ لأجل هذا كله كان على المفكرين والمنظرين لإعادة مسيرة الأمة إلى مركز القيادة الحضارية للعالم مراعاة بعض الأمور:
أولًا: التنبيه المستمر على خطورة إضاعة الجهود في خطط غير مدروسة، لا تراعي قوانين التاريخ، ولا تهتم بعوامل بناء وفناء الحضارات، وأسباب النهوض.
стр. 68
ثانيًا: الإصرار على إيجاد العقل المسلم المنهجي في نظراته للأزمات المختلفة، والمنهجي في التعاطي مع رسم الحلول، والمنهجي في وقوفه مع فواعل النهضة، ذلك العقل المبني على الرؤية المؤسسة المتبصرة والبعيدة عن العشوائية.
ويمكن ضرب بعض الأمثلة التي تعد الدراسات التاريخية مع النصوص الشرعية وللأسف تعد سببًا في انحطاط الأمم:
• التعاملُ بالربا وأثره على الاقتصاد؛ فالربا من كبائر الذنوب، وعقوبته عند الله محق ونزع البركة وفناء المال، وهو مال حرام ينبت السحت والعياذ بالله. والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ومعنى المحق الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. ومن الأدلة على تأثير الربا الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني من حديث ابن مسعود «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (١) وفي رواية «الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ». وقد اختصر الإمام السرخسي آفات الربا على الفرد بقوله: [وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمسًا من العقوبات: أحدها: التخبطُ، قال الله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والثاني: المحقُ، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحربُ، قال الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] والرابع: الكفرُ، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا، والخامس: الخلود في النار، قال الله تعالى:
стр. 69
﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١).
ولا شك أن عاقبة المرابين تؤول إلى المحق والخسارة، وهذا واقعٌ مشاهدٌ ومتكررٌ مع المرابين، كما أن الربا من السنن الكونية التي يمكن الوقوف عليها بالدراسات التاريخية.
ومن الأبحاث الجديرة بالتتبع التاريخي لإثباتها ظهورُ الأمراضِ والابتلاءاتِ في الأُمَمِ، وهو نَوعٌ من العُقوبَةِ التي يَضرِبُ اللهُ بها الناسَ إذا كَثُرَ فيهم الفسادُ والمعاصي التي تنتهي إلى انتشار الزنا. وأثره على صحة المجتمع، وقد بينتها السنة؛ ومنها الحديث «يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا … » (٢) وغيرها من السنن الكونية التي بينتها السنة بشكل واضح.
• خطوات إجراء المنهج التاريخي:
• توضيح مشكلة البحث وأبعادها، وصياغتها بطريقة جيدة، على أن تعبر المشكلة عن علاقة بين متحولين أو أكثر، وتحديد البعد الزماني والمكاني لها.
• جمع المادة التاريخية وهنا يجب على الباحث العودة إلى الكتب التاريخية التي تناولت مشكلة بحثه، وعليه البحث في المصادر والمراجع بشكل دقيق لجمع المعلومات المطلوبة حول بحثه. فيقوم الباحث بالرجوع إلى المصادر الأولية من أجل جمع المعلومات منها، كما يلجأ إلى المصادر الثانوية أيضًا التي ستمده بمجموعة من المعلومات حول الحادثة التي يبحث عنها.
стр. 70
• تدوين النتائج التي يصل إليها الباحث من بحثه، وفي هذه المرحلة يجب على الباحث عرض النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه، ومن ثم يقوم بمناقشتها وتفسيرها.
ومثال ذلك:
الوقت في بحث خطوات النجاح حيث تم تحديد المشكلة التي يقع فيها الشباب وهي فهم الساعة البيولوجية داخل الجسم، وعلاقتها بالساعة الكونية المرتبطة بالكون وتعاقب الليل والنهار.
جمع النصوص الشرعية في ذلك وهي أن الليل وقت للراحة والنهار وقت للعمل ووقت القيلولة للراحة في النهار. وتتبع النصوص من القرآن والسنة وعمل السلف وطريقتهم في تربية أبنائهم على مراعاة هذه الساعة.
محاولة الربط بين المشكلة ووضع الحل من السنة، وعرض ذلك بأسلوب خفيف، عبارة عن رسائل قصيرة لنصل إلى الإقناع دون ملل.
• مميزات وعيوب المنهج التاريخي:
شأنه شأن أي منهج في البحث الع فإن له مجموعة من المميزات كما له مجموعة من العيوب، ومن خلال ما يلي سوف نتعرف على مميزات وعيوب المنهج التاريخي.
والمنهج التاريخي مهم في الأبحاث العلمية حيث إنه الأسلوب العلمي في نقده للمصادر والمراجع التي يستخدمها باعتماده على المصادر الأولية والثانوية والتي تشكل عنصر قوة في حال نقدها داخليًّا وخارجيًّا بشكل صحيح. والمطلوب من الباحث عدم استخدام أي نص إلا إذا فحص وتأكد من ثبوته وصحة مطابقته على المشكلة في الحديث النبوي أو من دونه.
стр. 71
من أبرز عيوب المنهج التاريخي أنه لا يقدم صورة كاملة للظاهرة المراد دراستها، بالإضافة إلى احتمال تعرض المصادر التاريخية للتزوير والضياع، وعدم القدرة على إخضاع البيانات التاريخية للتجريب.
ومن صعوبات المنهج التاريخي عدم القدرة على تطبيق الأسلوب العلمي في الظاهرة التي يقوم الباحث بدراستها.
ومن خلال ما سبق نجد أن للمنهج التاريخي دورًا كبيرًا في الكشف عن الحوادث التاريخية والتأكد من صحتها، وبالتالي إمكانية إسقاط هذه الحوادث على أحداث الزمن الحاضر الذي نعيش ونحيا فيه.
• المنهج الاستردادي:
المنهج الاستردادي هو جزء من المنهج التاريخي العام، ويقصد به القيام بوظيفة معرفية أساسية، حيث يسترجع الباحث الأحداث التاريخية بطريقة علمية للكشف عن دقيقها وجليلها بغية التأكد من صحتها وفهم ملابساتها وفقه دلالاتها.
واستعمالنا لمصطلح "جزء" في بداية التعريف للتوضيح على أن البحث الاستردادي ليس هو تمامًا معنى المنهج التاريخي كما هو متعارف عليه عند أهل الاختصاص، وإنما يمكن اعتباره مدخلا إلى المنهج التاريخي. وبهذا فإن مهمته تقتصر على الوصف العلمي الصرف لما جرت عليه الأحداث التاريخية، ومحاولة فهم حقيقة الأحداث التاريخية كما هي في زمانها ومكانها، سواء تعلق الأمر بالأشخاص أو الأفكار أو الحركات أو المدارس أو غير ذلك.
أما ما يصاحب هذه العملية العلمية من تحليل وتفسير ونقد وتركيب فهذه وظيفة منهجية لاحقة تحتاج إلى مستوى معرفي آخر قادر على سبر أغوار المادة
стр. 72
التاريخية رصدًا وتقويمًا وتعليلا. ولا يمكن لهذه العملية أن تقوم إلا بعد الانتهاء تمامًا من الوظيفة الاستردادية التي تعتبر لبنة الأساس، وغير هذا يعد ضربًا من التيه المعرفي، وهو ما أصاب مع الأسف كثيرًا من أحداث تاريخ أمتنا من الاختلاط وعدم وضوح الرؤية .. !
ولعل أحسن من عبر عن هذا التصور المنهجي الأستاذ رشدي فكار الذي قسم المنهج التاريخي إلى قسمين:
أولا: "المنهج التاريخي كطريقة بحث" وهو الذي يعنى بالتأريخ للعلوم جميعها عبر التساؤلات الثلاثة: كيف نشأ؟ وكيف تطور؟ ثم كيف آل؟.
ثانيا: "المنهج التاريخي كقدرة شرح"، وهذا يخص الدراسات التاريخية، وقد ميز فيه بين ثلاثة مستويات:
(أ) منهج المؤرخ: الذي يعتمد على كيفية الاحتفاظ بالتسلسل والاسترسال للأفعال والأفكار عبر التاريخ، فهو منهج رصدي.
(ب) منهج عالم التاريخ: الذي يهدف إلى تصحيح التاريخ وغربلته مما علق به من غمط المؤرخين وتذوقاتهم وانتماءاتهم.
(ج) فلسفة التاريخ: التي تعنى بتعليل الواقع والأحداث الصحيحة.
وبصيغة الأستاذ رشدي فكار يمكن أن نقول إن البحث الاستردادي في حقل العلوم الإسلامية هو طريقة بحث تأريخية لما جاد به الفكر الإسلامي عبر الزمن، وهي وظيفة علمية في غاية الصعوبة، لأنها محاولة جادة لاستعادة حقيقة ما جرى من أحداث تاريخية.
стр. 73
مكانة المنهج التاريخي والاستردادي في الأبحاث الشرعية عامة وفي الحديث الموضوعي خاصة:
المنهج التاريخي والاستردادي لا بد منهما في الدراسات الشرعية والحديث الموضوعي خاصة وذلك لما يلي:
• التوثيق:
فمصادر الأبحاث القرآن والسنة وما يتعلق من أقوال السلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وكل هذه المصادر ما عدا القرآن تحتاج للمسح التاريخي لإثبات صحة الأقوال لأصحابها عن طريق التخريج بمعناه الواسع للخروج بمعلومات دقيقة صحيحة، وكما هو معلوم أنها تشكل القاعدة التي يبني الباحث عليها بحثه.
• موضوع البحث:
تعتمد كثير من الأبحاث في العلوم الشرعية، وفي الحديث الموضوعي خاصة؛ على المسح التاريخي، والبحث الاستردادي، للوقوف على تاريخ مفصل لموضوع البحث، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها:
في الفقه قد يتغير الإفتاء في كثير من المسائل الفقهية تبعًا للحاجة بما يكون في محيط الشرع وتستوعبه النصوص، كرخص الحج وهي كثيرة وخرجت كتب للتفصيل في مسائل الحج، منها رسالة دكتوراه بعنوان (حلول الزحام في المناسك - دراسة فقهية لحلول نظرية وإدارية وفنية وسلوكية) من إعداد د/ خالد السياري.
وفي العقيدة حيث يكون موضوع البحث أساسًا دراسة تاريخية شرعية، ومنها بحث بعنوان (عوامل التحول الزيدي في اليمن دراسة تحليلية) للدكتور عبد الحميد
стр. 74
أحمد. وكذلك كتاب بعنوان (ظاهرة التحول العقدي عند زيدية اليمن - الأسباب، المظاهر، الآثار) لوليد أحمد قاسم راجح. وتعتمد في البحثين على المنهج التاريخي والاستردادي بكل أبعاده.
وفي دراسة المصطلحات؛ في الحديث وعلومه أو الفقه وأصوله يحتاج الباحث للمنهج التاريخي، والمنهج الاستردادي، للوقوف على نشأة المصطلح وتطوره وكيف طبقه العلماء … كعلم الإسناد والحديث الحسن والشذوذ .. ، وغيرها من المصطلحات في الحديث وعلومه.
والهدف العام من استعمال هذا المنهج هو رسم حقائق التراث كما كانت، خاصة في العلوم الشرعية، من أجل فهمها فهمًا سليمًا -أي كما وضعها أصحابها- "سكونيًّا" و"تطوريًّا". فالتأريخ للعلوم الشرعية -متى أمكن ذلك عمليًّا- خطوة ضرورية؛ لأن بها نفهم ذاتنا ونحفظها حقًّا، وبها نبني حاضرنا ونؤسس مستقبلنا.
(٦) المنهج التجريبي:
أسلوب يثبت المتغيرات المؤثرة في مشكلة البحث كافةً عن طريق التجربة، ويسمح هذا المنهج بالمشاهدة العلمية للظواهر التي تمكّن الباحث من جمع المعلومات لفهمها والتنبؤ بها.
خطوات المنهج التجريبي:
صياغة المشكلة، ثم تحديد أبعادها، ثم صياغة الفروض، وتحديد أدوات القياس، وإجراء الاختبارات الأولية، وتحديد مكان التجربة وموعدها، والتأكد من دقة النتائج عن طريق اختبار الدلالة لمدى الثقة، وإعداد التصميم التجريبي، وأخيرًا تحديد العوامل المستقلة التي ستخضع للتجربة. هذا المنهج مطلوب في الأبحاث الموضوعية المتعلقة بالطب، والطب النفسي حيث تقوم التجربة على الدواء النبوي لمرض "ما"، وإثبات نجاح الطب النبوي عن طريق عرض نتائج تلك
стр. 75
التجارب، كما هو ظاهر من خلال بحث الطالبات عن "مرض الجاثوم" على النحو الذي سبق بيانه.
وكذلك بعض الأبحاث التربوية والأبحاث المتعلقة بالكيمياء والفيزياء لإثبات الإعجاز النبوي عن طريق التجربة، ومن أمثلة ذلك الأبحاث على ماء زمزم والتمر والحبة السوداء وألبان الإبل وأبوالها والتلبينة والعصفر والرقية بكل أنواعها، وغيرها.
(٧) المنهج الفلسفي:
منهج يستخدم التحليل التأملي العقلي، عن طريق استخدام طريقة التحليل والشك في كل موضوع، حتى يثبت صدقه.
ومجال هذا المنهج العقيدة، والمذاهب المعاصرة؛ للرد على من يخالف الدين من المنتسبين للإسلام، أو من أهل الكتاب أو الملحدين … إلخ.
ومن الطبيعي أن يجمع الباحث في البحث الموضوعي أكثر من منهج من هذه المناهج حسب ما يحتاجه البحث، لكن على الباحث دراسة هذه المناهج قبل البحث؛ فإن ذلك سيساعده كثيرًا في اختيار المنهج والطرق الأفضل في الدراسة المزمع القيام بها، بل إن ذلك سيختصر عليه الوقت، ويضفي جودة لبحثه