٢) تأويل طمس الوجوه بردها عن الحق:
جاء استعمال الوجه في القرآن بغير مفهومه الحسي كما يلي:
جاء الوجه بمعنى: أول الشيء وبدايته كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالذِي أُنْزِل عَلى الذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (٧٢: آل عمران) .
وفسر الوجه بحقيقة الشيء وكنهه كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلى وَجْهِهَا﴾ (١٠٨: المائدة) .
ومن هذا الوادي فسر بعضهم طمس الوجه بالتحول عن الصراط الحق.
وقد عزا الطبري هذا الرأي إلى المفسر التابعي مجاهد بن جبر بعدد من الأسانيد، وعبارته: ( ﴿َنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً﴾ عن صراط الحق ﴿فنردها على أدبارها﴾ في الضلالة) .
ونسب الطبري هذا الرأي إلى الحسن كذلك، وأخبرنا أن الضحاك فسرها بقوله: "أي أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد ﷺ وما جاء به".
وكان للطبري رده الوجيز البليغ على هذا الرأي حين قال١: "فبين فساد قول من قال ذلك، فما وجه رد من هو في الضلالة فيها؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: نرده فيه".
стр. 37
٣- تأويل الوجوه بالديار والمساكن:
وبعضهم فسر طمس الوجوه بقوله: "من قبل أن نطمس وجوههم التي هم ٢فيها، فنردهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز".
وقد قال الطبري٣ عن هذا الرأي: إنه "مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد".
وذلك أن المعروف من (الوجوه) في كلام العرب التي هي خلاف (الأقفاء) ، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب٤ في كلام من نزل بلسانه، حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه.
стр. 38
٤- تأويل طمس الوجوه بإبطال المؤامرات:
وقال بعضهم المقصود بطمس الوجوه إبطال مؤامراتهم.
وبهذا التأويل قال الشيخ رشيد رضا، وعبارته: "فظاهر معنى العبارة هنا: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من
стр. 39
قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها في كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذي جاء به الأنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسرها به على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين، وبه قال مجاهد، ولكن أوجز" ا?.
стр. 40
٥- تأويل الوجوه بالرؤساء والوجهاء:
وقيل إن المقصود بطمس الوجوه ما ذكره الزمخشري بقوله١: "ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم، أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم".
مختار القول: وبعد استعراض الآراء في تفسير الآية استعراضا وافيا، وإن لم نبلغ به حد الاستقصاء، نرى أن أولى الآراء هو حمل الوجه على حقيقته، وأن الطمس على أصل معناه من المحو والإزالة والإخفاء.
وهذا الترجيح هو الذي ارتضاه الطبري حين قال٢: "وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالةَ..﴾ (٤٤: النساء) ، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا﴾ الآية.. بأسه٣ وسطوته وتعجيل عقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولاشك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا" ا?.
وآثر القاسمي حمل الآية على الحقيقة فقال٤: "ولا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد، فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها، ورد على القائلين بأن قرينة المجاز هي عدم وقوع المتوعد به، بأنه ليس في الآية ما يدل على تحتم وقوع الوعيد إن لم يؤمنوا، ولو فهم
стр. 41
منها هذا فهما أوليا، لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار، وهو ينافي التكليف الشرعي، وذهب إلى أن هذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿وَلوْ نَشَاءُ لطَمَسْنَا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ، وَلوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ عَلى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٣٦: يس) .
ثم قال القاسمي: "فهذه عندي تفسير لتلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وحول تعقيب الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ أي ما يأمر به، ويريد وقوعه، وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته، وله أن يصرفه لما هو أعلم به، إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر.. هكذا ظهر لنا الآن، وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو أنه مشروط بعدم الإيمان إلى غير ذلك" ا?.
стр. 42
تأويلات شتى حول " مادة الحواريين "
...
ثامنا: تأويلات شتى حول (مائدة الحواريين) :
قال الله ﵎: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَليْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٢، ١١٥: المائدة) .
اختلف أهل التأويل حول أمر هذه (المائدة) اختلافا عظيما؛ فمنهم من قال بنزولها وأسهب، ومنهم من جحد نزولها، ومنهم من تأول آيات القرآن ليفسرها بغير الثابت والصحيح من أسفار الإنجيل، ومنهم من فسرها بمائدة المعارف الروحية.
وهاكم بعض التفاصيل:
١- الذين جحدوا نزولها:
حدثنا الطبري١ من أنبائهم، وحكى لنا اختلافهم في مقالة الإنكار، فذكر عن بعضهم أنهم قالوا: (إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه، نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات، ولم ينزل شيء) .
ونسب هذا الرأي إلى مجاهد.
стр. 43
وقال آخرون إن القوم لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ استعفوا منها فلم تنزل.
وعزا الطبري هذا الرأي إلى الحسن.
وقد تعرض ابن كثير١ لرأي المنكرين لنزولها؛ فقال عنه من حيث الإسناد: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن.
ثم ارتأى ابن كثير أن يعرض حجج المنكرين لنزولها والمثبتين؛ فقال محتجا لدعوى الإنكار: وقد يتقوى ذلك (يعني إنكار نزولها) بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس هو في كتابهم٢، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد والله أعلم.
ثم قال عن رأي المثبتين: "إنه هو الذي عليه الجمهور، وهو الذي اختاره ابن جرير، ونقل حجة ابن جرير في الإثبات، ثم بين ابن كثير موقفه هو بقوله: وهذا القول - والله أعلم - الصواب، وكما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف" ا?.
стр. 44
٢- رأي ابن جرير الطبري:
استعرض ابن جرير رأي المثبتين لنزولها والمنكرين، ثم انتهى إلى تقرير موقفه٣ وهو: "والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه؛ وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.
وبعد؛ فإن الله - تعالى ذكره - لا يخلف وعده، ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال - تعالى ذكره - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه - تعالى ذكره - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها عليهم جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ ، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك" ا?.
стр. 45
٣- محتويات المائدة:
أسهب بعض المفسرين في ذكر محتويات المائدة من الأرغفة، ومشوي السمك الدسم، وما نضد حولها من كل البقول، وما وضع عليها من الزيتون، والرمان، والثمرات.
ومن هذا ما فعله القرطبي حين نقل عن غيره - وأنصف فذكر أسانيد نقوله - وكان مما قال عن حديث محتويات المائدة: (في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده) ، وبعد مناقشة الأسانيد والكلام في رفعها أنهى مطافه بهذه العبارة الجامعة: "والمقطوع به أنها أنزلت، وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه"١.
ولقد سبقه إلى هذا المنهج القويم شيخ المفسرين الطبري حين قال٢: "وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجائز أن يكون ثمر من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل" ا?.
стр. 46
٤- المائدة في رواية (إنجيل متى) ٣:
ذكرنا منذ قليل رأي الحافظ ابن كثير الذي يقول فيه: "إن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس في كتابهم"، ولقد حاول الشيخ عبد الوهاب النجار٤ أن يأخذ من كلام ابن كثير ما يوافق هواه، ثم ادعى أن الإشارة إلى المائدة قد وجدت في كتب النصارى؛ مستندا في ذلك إلى قصة وردت في (إنجيل متى) تتفق بعض الاتفاق مع بعض الروايات الواهية والمدخولة في كتب التفسير عن المائدة، وتختلف كل الاختلاف عن ما ذكره العلي الأعلى في القرآن الكريم عن المائدة.
فما هي رواية (متى) في إنجيله؟
ابتدأ (متى) الإصحاح الرابع عشر بذكر قصة قتل يوحنا (يحيى ﵇ على يد الحاكم الروماني هيرودس، ثم انتقل إلى القصة التي توهم الشيخ النجار أنها هي قصة المائدة، ونص عبارات (متى) هو: "ولما صار المساء تقدم إليه تلاميذه قائلين: الموضع خلاء،
стр. 47
والوقت قد مضى، اصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى، ويبتاعوا لهم طعاما، فقال لهم يسوع: لا حاجة لهم أن يمضوا، أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا له: ليس عندنا هاهنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان، فقال: ائتوني بها إلى هنا، فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب، ثم أخذ الأرغفة والسمكتين، ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر، وأعطى الأرغفة للتلاميذ.. والتلاميذ للجموع، فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة، والآكلون كانوا خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد"١.
стр. 48
٥- أ - تأويل صاحب قصص الأنبياء لنزول المائدة:
حينما أصدر الشيخ محمد عبد الوهاب النجار كتابه (قصص الأنبياء) قارن المنصفون كتابه بكتاب قصص الأنبياء للثعلبي المسمى (بعرائس المجالس) ، وهو كتاب قمَّ فيه مؤلفه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، فكانت عقبى المقارنة رجحان كتاب الشيخ النجار، لكن كتابه لم يخل من هفوات تعد عليه، ولا من مآخذ أمرها لم يكن هونا، وقد انتقدتها عليه لجنة من كبار العلماء حين صدور الكتاب.
ومن هذه المآخذ: تأويله لقصة نزول المائدة تأويلا عجيبا، يخضع فيه القرآن لأقاصيص العهد الجديد، وللخرافات الإسرائيلية، ونقل القصة التي نقلناها آنفا عن إنجيل متى، ثم قال: "إن هذه المسألة هي مسألة المائدة السماوية، ومعنى كونها سماوية أن الله تعال بارك في الطعام بطريقة غير معروفة ولا مألوفة، وقد حكيت في القرآن".
وبعد ذكر الشيخ لآيات سورة المائدة، وآراء المفسرين في نزولها، أو عدم نزولها، عاد ليؤكد رأيه بقوله: "وأنا أكرر القول: إن مسألة المائدة هي مسألة الأرغفة الخمسة والسمكتين، والمراد بإنزالها عليهم: أن يرزقهم الله الطعام الكثير من حيث لا يحتسبون".
ثم عاود القول٢: "إنه يمكن حمل إنزال المائدة من السماء على تيسير الطعام لهم بدون الأسباب العادية التي يعرفونها، وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية، وذكر ذلك في كتب الفقهاء كثيرا، وتكثير الطعام القليل إلى أن يعم الآلاف من الناس أمر يعجز البشر بمقتضى بشريتهم عن أن يأتوا بمثله" ا?.
стр. 49
ب- المآخذ على تأويله:
المأخذ الأول: تفسير القرآن بالأعراف، والعرف مختلف باختلاف الناس والزمان والمكان، وذلك كما ترى في قوله: "وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية".
المأخذ الثاني: صرف القرآن عن الظاهر المتبادر، وعن دلالة السياق، ليوافق رواية في الإنجيل لو سلمنا جدلا بصحتها فهي مختلفة عن مائدة الحواريين، ثم دعواه أنه يتحدى لجنة العلماء أن تأتي من ألفاظه ما يبين أنه قال بصحة إنجيل (متى) ، ونقول له لا دليل عليك أقوى ولا أبلغ مما فعلت.
المأخذ الثالث: زعمه أن١ معجزة المائدة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو زعم ما كان لمثله أن ينزل نفسه هذا المنزل الوعر، فآيات سورة المائدة قطعية الثبوت إيمانا يقينا منا ومنه، ودلالتها أيضا كذلك.
المأخذ الرابع: اعترافه صراحة بأنه اتخذ التأويل سلما للإنكار، وذلك حين قال في خاتمة رده٢: "هل يزيد ما قلته على أني أنكر نزول المائدة؟ وهل يعيبني عند ربي أن أنتظم في صف مجاهد والحسن؟ ".
المأخذ الخامس: مع أننا لا نأخذ في هذه المسألة برأي مجاهد والحسن رحمهما الله وغفر لهما، إلا أن تأويل الشيخ النجار يختلف تماما عن صنيعهما.
المأخذ السادس: نقله بعض المسطور في كتب التفسير، دون الإشارة إلى أن أصحاب هذه التفاسير ينقلون ما يوافقهم وما يخالفهم، وقد سبق أن نقلنا لقارئ هذه الأسطر عن الطبري وابن كثير ما يبين إيمانهما بنزول المائدة، ولكن الشيخ كان يوهم القارئ بترجيح المفسرين لما ليس براجح عندهم.
المأخذ السابع: قوله إن كلمة (الإنزال) في القرآن وردت لعديد من المعاني غير معناها الأول، وهو الإنزال من السماء إلى الأرض، ليكون هذا التلبيس عونا له على تأويله.
المأخذ الثامن: يظهر للمتمعن لآراء الشيخ أنه ينكر نزول المائدة؛ اتباعا لمذهب عقلي جامح يحاول أن يخضع الأخبار الغيبية في القرآن للمنطق المادي.
стр. 50
نسج الخيال حول المائدة
...
٦- نسيج الخيال حول المائدة:
لم يقف خيال الروائيين عند محتويات المائدة كما سبق أن أسلفنا، بل امتد ليصور أن واحدا من الحواريين وهو (شمعون) سأل المسيح ﵇ عن طعامها أهو من طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ وأن المسيح ﵇ أجاب: بأنه ليس منهما، وإنما اخترعه الله بقدرته.
ونحن لا نحاكم هذه الرواية إلى العقل لو صحت، وإنما نحاكمها لأنها هجمة على الغيب بالخيال والهوى.
وتصور رواية ثانية: أن الحواريين سألوا المسيح ﵇ أن يحدث لهم من آية المائدة آية أخرى، فنادى سمكة أن تحيا بإذن الله تعالى فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.
وتصور رواية ثالثة: أن المائدة كانت تطير وترتفع، ثم تهبط إليهم، وهكذا استمر أمرها أربعين يوما.
وتصور رواية رابعة: أنه لم يأكل منها فقير إلا ولازمه الغنى طيلة حياته، ولم يطعم منها مريض إلا فارقه المرض، وظل مهاجرا له مادام حيا.
وهكذا سطرت الروايات، واختُلِقَت الأساطير، ومن عجب أن ننقل ما سبق من الروايات عن تفسير الزمخشري١ والبيضاوي، وهما من كتب التفسير بالرأي لا بالرواية، ولو جاءنا النقل الصحيح بهذه الأخبار ما ترددنا في قبولها لحظة نهار.
стр. 51
وذهب القشيري يحمل آيات سورة المائدة أفكاره الصوفية؛ فقال١: "طلب المائدة المسيح ﵇ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة؛ فعذروا وأجيبوا إليها، إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة.
ويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في مائدة من الموارد يردها، وعزيز منهم من يجد الفناء٢ عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.
وشتان بين أمة طلب لهم نبيهم سكونا بإنزال مائدة عليهم، وبين أمة بدأهم الله سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الذِي أَنْزَل السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤: الفتح) ، وفرق بين مَن زيادة إيمانه بآياته التي تتلى عليهم، وبين مَن يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم.
فلما انتهى القشيري إلى قوله جل ذكره: ﴿قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٥: المائدة) : أجابه إلى سؤاله٣ لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده، ليعلم السالكون أن المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت، فالخطر أشد، والحال من الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى، كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلت جلت"٤ ا?.
стр. 52
٨- تعقيب:
تفقد الألفاظ اللغوية دلالتها الحقيقية في الفكر الصوفي، ويخرج بها إلى متاهات لا إلى مجازات؛ فالمائدة هي مائدة المعارف، والحقائق الدينية أسرار محجبة وعلوم (مضنون بها على غير أهلها) ، وإذا انكشفت لذوي الرتب الأدنى ضلوا ضلالا بعيدا.
والمعلوم لكل مسلم أن الحقائق الدينية هي وحي الله إلى رسوله، وكلما ازداد المسلم علما، كان العلم سلما إلى اليقين لا إلى الشك، وكلما انكشف له حكم من أحكام
١ انظر لطائف الإشارات ج ٢ ص ١٥٠- ١٥١ بتحقيق الدكتور إبراهيم بسيوني ط دار الكتاب العربي بالقاهرة واللطائف تفسير صوفي كامل للقرآن الكريم.
٢ الفناء: مصطلح صوفي، ولعله يعني أن العزيز من فني في الله فكان فناؤه مغنيا له عن طلب الدليل والبرهان، وتعالى الله علوا كبيرا عن هذه الشطحات، وقد يتوهم قارئ أن الكلمة هي (الغناء) بالغين، وليس كذلك وربما قصد بقوله: (وعزيز منهم) أي قليل منهم..
٣ أي أجاب الله سبحانه المسيح إلى طلبه المائدة للحواريين.
٤ يعني إذا نزلت بهم المحنة أظهرت حقيقة معدنهم.
стр. 53
الله واستمسك به، كان ذلك معبرا له إلى النجاة، لا (أن يضل ضلالا بعيدا) كما يذكر البيضاوي، أو تصبح (الآفة أخفى) كما قال القشيري، مع أنوار قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢: الأنفال) ، وقفة متجردة لما قال ما قال، ومع هذا فقد أجاد القشيري حين قارن بين من كانت المائدة سكونا لهم، وبين من بدأهم الله بالسكينة.
стр. 54
٩- اختلافات المفسرين حول قوله تعالى: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ .
كان المبادر إلى ذهن القارئ أن تكون هذه هي نقطة البدء، لكننا بدأنا بالحديث عن المائدة؛ إذ هي محور الموضوع، وعنايتنا في هذه المباحث هي بذكر التأويلات، ثم نكرُّ عليها بما يجلِّي الحقيقة.
فأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١١٢: المائدة) فالأقوال في معنى هذه الآية كثيرة.
فبينما نرى مفسرا كالزمخشري يرى أن هذا القول منهم دليل على أن إيمانهم كان دعوى لا حقيقة؛ وذلك إذ يقول متبعا طريقته في الفنقلة١: فإن قلت: كيف قالوا ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم، قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ﴾ ؛ فآذن أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقولهم: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم..
نقول بينما يقول الزمخشري بهذا نجد مفسرا آخر، بينه وبين الزمخشرري اختلافات في العصر والمنهج والمذهب، يقول بمثله، وهذا المفسر هو ابن جرير الطبري؛ فقد أفاض في مناقشة المسألة وانتهى إلى رأي٢ هو: "وخبر الله - تعالى ذكره - عن القوم ينبئ بخلاف ذلك، - أي بخلاف أنهم كانوا في درجة اليقين -، وذلك أنهم قالوا لعيسى إذ قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ؛ فقد أنبأ هذا من قبلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته؛ فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم حرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا" ا?.
стр. 55
١٠- اختيارنا في المسألة:
والحق أن اختيارنا في المسألة لا يخالف في شيء ما اختاره شيخ المفسرين، واستدل له بصريح دلالة ألفاظ القرآن، وبما برهن عليه السياق١، ومع هذا فإن المنهج العلمي يقتضينا أن نذكر الرأي المخالف ليكون القارئ على بينة، وقد وجدنا عند القاسمي جلاء وبينا لهذا الرأي.
стр. 56
١١- رأي القاسمي:
عرض القاسمي للقراءات في الآية ثم للإشكال فيها، فقال٢: "وهاهنا قراءتان: الأولى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا رَبُّكَ﴾ بالياء على أنه فعل وفاعل و ﴿أَنْ يُنَزِّل﴾ المفعول، والثانية بالتاء و ﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب أي سؤال ربك، فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ ﵃، وسعيد بن جبير والكسائي.
قال أكثر المفسرين٣: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز؛ إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي٤، وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل يخف عليك أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية؛ لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله ، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبِي﴾ ، ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب؛ ولهذا السبب قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ .
وحاصله أن ﴿هَل يَسْتَطِيعُ﴾ سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، وهو تعبير عنه بلازمه، أو عن السبب بسببه، وقيل المعنى: هل يستطيع ربك؟ أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع) ، وهما بمعنى واحد والسين زائدة، كاستجاب وأجاب٥، واستجبْ وأجب، و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع.
стр. 57
وذكر أبو شامة: أن النبي ﷺ عاد أبا طالب في مرض، فقال له: يا بن أخي ادع ربك أن يعافيني، فقال: اللهم اشف عمي؛ فقام كأنما نشط من عقال، فقال: يا بن أخي إن ربك الذي تعبده ليطيعك، فقال: يا عم، وأنت لو أطعته لكان يطيعك، أي يجيبك لمقصودك، وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى". ا?.
стр. 58
تاسعا: تأويل الفلاسفة لكيفية الوحي إلى رسول الله ﷺ :
عند تفسير قول الله : ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلاً..﴾ (١: لإسراء) استطرد الفخر الرازي مفندا١ لشبهات منكري المعراج، فاستدل على وقوع المعراج بأن من يؤمن بنزول جبريل ﵇ من الملأ الأعلى - بالوحي، يجب عليه أن يؤمن بصعود الرسول صلوات الله عليه بجسمه وروحه ليلة المعراج؛ لأن معراج الرسول بجسده كنزول الملك وهو جسم.
ثم ذكر تأويل الفلاسفة - الذين يسميهم بالحكماء - لكيفية الوحي وهو: "زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ ، حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل ﵇".
ثم عقب الرازي على هذا التهافت الفلسفي بقوله: "تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل ﵊ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة"٢.
ونحن نعقب: بأن رأي الفلاسفة هذا، اتباع للظن ومصادم لما جاء به القرآن في شأن جبريل ﵇، فالله سبحانه قد وصفه بأنه ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ (٦، ٧: النجم) ، فاستواؤه بالأفق الأعلى كما رآه رسول الله في بدء الوحي "سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" فرآه على صورته الحقيقية٣ التي خلقه الله عليها، وهذا يؤكد الجسمانية والحركة لجبريل ﵇ ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٨، ٩: النجم) ، فالدنو والتدلي والقرب هي حركات جسمانية من جبريل ﵇
стр. 59
والقرآن صريح في نزول جبريل ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٦٤: مريم) ، وقوله سبحانه: ﴿وَلقَدْ رَآهُ نَزْلةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ (١٣، ١٤: النجم) رأى رسول الله جبريل مرة ثانية على صورة الملائكة عند سدرة المنتهى.
ولقد رأى الرسول جبريل متشكلا في صورة بشرية لرجل من العرب هو دحية الكلبي، وفي حديث الصحيحين المروي عن أبي هريرة وعمر ﵄ قال عمر: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات مرة إذ دخل علينا رجل، شديد بياض الوجه، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر.." الخ الحديث، فهذه كلها صفات حسية.
وفي حديث بدء الوحي في الصحيحين ضم جبريل رسول الله ﷺ إلى صدره "..فأخذني فغطني١ - بالتاء أو بالطاء - حتى بلغ مني الجهد مبلغه ثم أرسلني.."٢.
كل هذا وغيره كثير يدحض دعاوى الفلاسفة في كيفية الوحي٣.
على أن تصوير الوحي على أنه مكاشفات ومشاهدات على النحو المذكور، قول على الله بغير علم، وغض من قيمة الوحي، وتشكيك في كيفية تلقي القرآن، خاصة إذا علم القارئ أن هذه الألفاظ (المكاشفة والمشاهدة) انتقلت عند المتصوفة والفلاسفة عن وضعها اللغوي إلى وضع اصطلاحي، وعندهم أن المكاشفة تقع بزعمهم للولي فهي دون الوحي.. وإن زعم بعضهم أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة والرسالة، وعبر عن هذا التلبيس بقوله:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
стр. 60
عاشرا: تأويل الفجر بتفجر الماء:
حول قول الله ﵎: ﴿وَالفَجْرِ وَليَالٍ عَشْرٍ﴾ (١، ٢: الفجر) ، أورد المفسرون أقوالا حول معنى الفجر.
وكان من أغرب هذه الآراء رأي أورده الفخر
стр. 61
الرازي في تفسيره١ وهو: "..أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق"، وقد ذكر الرازي هذا التأويل بين جملة أقوال أخرى في تفسير الآية.
وهذا التأويل يجد له عونا وظهيرا من بعض المعاني اللغوية للكلمة، فابن فارس في معجم المقاييس٢ يقول: "الفاء والجيم والراء: أصل واحد وهو التفتح في الشيء، من ذلك الفجر: انفجار الظلمة من الصبح، ومنه انفجر الماء انفجارا: تفتح، والفجرة موضع تفتح الماء، ثم كثر هذا حتى صار الانبعاث والتفتح في المعاصي فجورا، ثم كثر هذا حتى سمي كل مائل عن الحق فاجرا.. ومن الباب: المفاجر: لانفجار الماء فيها.. ويوم الفجار: يوم للعرب استحلت فيه الحرمة" ا?..
وإلى معنى الشق والتفجر أشار الراغب بقوله٣: (ومنه تفجير الأرض عيونا وأنهارا، ومنه قيل للصبح فجرا لكونه فجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة) .
ومع ما ذكرناه من معاضدة بعض معاني الكلمة لما ذكره الرازي، فهل يعني هذا أن ذلكم التأويل لا يجافي الصواب؟.
الحق أن المراجع التي رجعنا إليها من كتب التفسير ذكرت للفجر معاني هي:
١- الفجر هو "أول أوقات النهار، الذي هو أحد قسمي الزمان"٤، وقريب منه تعريف من عرفه بأنه: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، فيكون المقصود مطلق الفجر، وقد نسب هذا الرأي إلى علي، وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم٥.
٢- إن المقصود بالفجر النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله وعزي كذلك إلى ابن عباس.
٣- فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة، ونسب أيضا إلى ابن عباس وقتادة.
٤- إن المقصود به صلاة الصبح.
стр. 62
١- فجر يوم النحر.
٢- فجر الأول من ذي الحجة؛ لأن (الليالي العشر) هي الليالي العشر من ذي الحجة.
هذه مجموع الآراء التي أحصيناها من كتب التفسير التي رجعنا إليها.
ولم نجد شبيها - في الطرافة - بهذا التأويل الغريب الذي ذكره الرازي إلا إشارة ذكرها القاسمي١ في كتابه محاسن التأويل، وهي: "والفجر أي الصبح كقوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (١٨: التكوير) ؛ أقسم تعالى بآيته، لما يحصل به انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل" ا?.
وهذه الإشارة من القاسمي قد تكون محتملة.
ونعود إلى ذكر الرأي الذي نرجحه وهو أن المقصود بالفجر أول وقت النهار.
والذي يبين أن هذا الرأي هو الأرشد في فهم الآية الدلائل الآتية:
١- إن قرينة السياق تعين عليه، فبعد ذكر الفجر، جاء ذكر الليالي العشر.
٢- إن كلمة الفجر لم تستعمل في القرآن إلا في معنى أول ضوء النهار، كما قال تعالى: ﴿.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١٨٧: البقرة) ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (٧٨: الإسراء) ، ﴿.. مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٥٨: النور) ، ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلعِ الفَجْرِ﴾ (٥: القدر) .
٣- إن أقوال المفسرين قد أجمعت على أن المقصود بالفجر هو أول وقت النهار، وإن اختلفوا في جعل الفجر على إطلاقه، أو تحديد فجر يوم بعينه؛ فإن هذا الاختلاف هو من قبيل اختلاف التنوع.
стр. 63
الحادي عشر: تأويل (الأوتاد) بالأهرامات:
عند قول الله ﵎: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ (١٠: الفجر) قال الشيخ محمد عبده٢: "إن أظهر أقوال المفسرين فيها ملائمةً للحقيقة أنّ الأوتاد هي المباني العظيمة الثابتة.. وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي
стр. 64
الأهرام، ومنظرها في عين الرائي في منظر الوتد المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.. وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين".
هذا ما قاله الشيخ ﵀؛ فلننظر هل أصاب؟
١- وصف الله فرعون بهذه الصفة في سورة الفجر، وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ (١٢: ص) ، ووردت كلمة الأوتاد في وصف الجبال في قوله تعالى: ﴿أَلمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادا وَالجِبَال أَوْتَاداً﴾ (٧: النبأ) ، وإذا كان هذا هو استعمال الكلمة في القرآن فما معناها في اللغة؟
٢- الوتد لغة١: "قطعة من خشب أو حديد تثبت في الأرض أو الجدار؛ يشد بها حبل هو زمام لدابة أو طنب لخيمة.. ويقال: الجبال أوتاد الأرض على التشبيه، لأنها تثبت بها وتحفظها من الميدان والاضطراب". وأما ابن فارس٢ فقال: "الواو والتاء والدال: كلمة واحدة: هي الوتد يقال وتده ووتد الأذن الذي باطنها كأنه وتد" وأضاف الفيروزأبادي٣ "وأوتاد الأرض جبالها، ومن البلاد رؤساؤها، ومن الفم أسنانه، ووتد الوتد يتده وتدا: ثبته"، وجاء من المجازي عند الزمخشري٤ "وتد بالمكان وهو واتد: لا يبرح ثابت".
٣- وأما أقوال المفسرين في معنى الأوتاد فهي٥:
أ - ذو الأوتاد: ذو البناء المحكم، كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا.
ب - ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وقال ابن قتيبة: "العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا"، وقريب من هذا الرأي من فسرها بأنه ذو القوة والبطش، أو لأن كثرة الجنود تقتضي كثرة الخيام والمضارب والأوتاد.
стр. 65
ج- إن المقصود بالأوتاد: أوتاد الحديد التي كان يشد إليها من يعذبهم، فقيل كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة.
١- تأول الشيخ محمد عبده للأوتاد بالأهرامات علاوة على مناقضته لما تقدم؛ فإنه يقتضي قيام دليل تاريخي، على أن فرعون الذي أرسل إليه الكليم ﵇ بنى هرما من هذه الأهرامات، أو دفن في واحد منها حتى تصح نسبتها إليه، وهذا الدليل التاريخي غير قائم ولا ثابت.
٢- يشم من وصف الشيخ للأهرامات بأنها هياكل عظيمة نزعة مفاخرة.. وهذه الأهرامات وإن كانت عظيمة بالمقياس المادي، فهي ليست كذلك في الميزان الإسلامي.
стр. 66
الثاني عشر: الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة:
حول قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢: النمل) ، وجدنا لبعض المفسرين تعسفا في التفسير، ووجدنا عند غيرهم شططا في التأويل، وأخذ كل صاحب هوى يحمل الآية على هواه، أو يحمل ألفاظها مشتهاه، وهاك بسط القول:
стр. 67
١- خروج الدابة وظهور الأرواح:
حاول الشيخ طنطاوي جوهر- جريا على مسلكه في التأويلات، واتباعا لنهجه في تحميل ألفاظ الآيات النظريات المحدثات- عقد الصلة بين خروج الدابة وبين خرافة ظهور الأرواح، فقال١: "يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ أي شارف الوقوع، وهو قرب قيام الساعة، وحقت كلمة العذاب على نوع الإنسان، فجهلوا بالمعنويات، وعكفوا على الماديات، وكذبوا الديانات، وشكوا في الآيات، وأصبحوا لا شرف لهم في حكوماتهم ولا أفرادهم، ومردوا على الكذب والنفاق، وازدادوا بالعلم عمى، وبالفلسفة ظلما، أخرج لهم من الأرض من يطرق الموائد ويحركها، ويمسك الأقلام في أيديهم، ويكتب لهم، ويتراءى لهم في أشكال وأزياء مختلفة، ووجوه نورية، فتراه أبصارهم، ويسمعون كلامه، وطورا يبصرون أشكالا، وتارة يقرؤون خطوطا، وآونة يسمعون صريرا وصوتا شديدا، كالرعد القاصف، وقد يحسون ببرودة تمر عليهم، ثم تتحرك الأيدي بالكتابة٢، فكان في عمله
стр. 68
أشبه بمن يدب على الأرض من الإنسان في تعقله وعمله، وبما يجري فوقها من الدواب في حركاتها وأعمالها الأخرى، فهذا يشير له معنى قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وهذه الدابة تبين للناس حقائق، وتدرس لهم حكمة وتريهم أنهم غافلون جاهلون ضالون، فيجلس أمامها أكبر الضالين، وأعظم الفاسقين وأشد الغافلين، ومن يدعي أنه ملك مقاليد العلم، وبرع في الحكمة الهادية، فيخر ساجدا لربه، خاضعا لخالقه، موقنا أن روحه ستبقى بعد موته، فهذا معنى تكلمهم.. الخ، وقرأ ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) ، وهذا هو الحاصل الآن بعينه، وهذه معجزة القرآن، وحكمة ثابتة للفرقان، فإن الآلاف المؤلفة من البشر اليوم في أنحاء العالم يوقنون إذا تحققوا مذهب الأرواح، وليس الإيمان بكاف، بل اليقين هو أكمل الإيمان، فتعجب من الآية، وانظر كيف كان هذا مظهرها، وهي مسألة ظهور الأرواح والقرآن يشير إليها.." ا?
ولما أحسّ الشيخ أنه أبعد النجعة عن الحقيقة، وسلك التعسف سبيلا إلى فهم الآية، عاد يقول: "إني لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول: إنه رمز له١ وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها ترمز إلى ما ذكرنا، فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى٢، وتكون رمزا لهذا، فهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان٣، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه كما وضحه الإمام الغزالي في قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"؛ فقد جعلهما على حالهما، ورمز بهما إلى الشهوة والغضب٤، فافهم فإذا فهمت هذا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وقطع لسان كل معترض بعدك، فقد سدت في وجهه أبواب الجدال ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَال﴾ "ا?.
стр. 69
٢- أ- خروج الدابة وأبطولة (الرجعة) :
الرجعة من العقائد الأصيلة للشيعة كما هو معروف، ولقد كانت آية الدابة من بين الآيات التي يتخذون منها مستندا يدعمون به معتقدهم في الرجعة، وفي هذا المعنى قال
стр. 70
الطبرسي١ المفسر الشيعي في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ تخرج من بين الصفا والمروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن، والكافر بأنه كافر، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة وهو - يعني خروجها- علم٢ من أعلام الساعة، وقيل لا يبقى مؤمن إلا مسحته، ولا يبقى منافق إلا حطمته، تخرج ليلة جمع٣ والناس يسيرون إلى منى..
ثم روى الطبرسي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: "سئل عليٌّ - صلوات الرحمن عليه - عن الدابة فقال: (أما والله ما لها ذنب، وأن لها لحية".
ثم قال الطبرسي: "وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس".
ثم ذكر أن ابن عباس وحذيفة يقولان: "إنها من دواب الأرض".
ثم قال الطبرسي: وروي عن وهب أنه قال: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها خلق الطير.
ثم عقب الطبرسي على هذه الرواية قائلا: "ومثل هذا لا يعرف إلا من النبوة الإلهية، وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: "إنه صاحب العصا والميسم"٤، وروى علي بن إبراهيم بن هاشم٥ في تفسيره عن أبي عبد الله٦ ﵇ قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان: "آية في كتاب الله أفسدت قلبي"٧ قال عمار: وأية آية هي؟ فذكر له الرجل الآية، وسأله عن دابة الأرض؟ فقال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين، وهو يأكل تمرا وزبدا، فقال: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار، قال الرجل: سبحان الله!! حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينها، قال عمار: أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر ﵀.
ثم ذكر الطبرسي الآية التالية لآية الدابة وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣: النمل) ، ثم قال الطبرسي٨: "واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة، من ذهب إلى ذلك من الإمامية، بأن قال: إن دخول (من) في الكلام يوجب التبعيض، فدل على أن اليوم المشار إليه في الآية
стр. 71
يحشر فيه قوم١ دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول في سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَد﴾ (٤٧: الكهف) ، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي٢ قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور لله تعالى ٣، غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسرناه في موضعه" ا?.
стр. 72
ب- رد الطبرسي على متأولي الرجعة من الشيعة:
أحس بعض عقلاء الشيعة أن القول بالرجعة لا سند له من الحق، فتأولوها على نحو لا يصادم المعقول، وندع الحديث عنهم للطبرسي إذ يقول: "على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكاليف، وليس كذلك؛ لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب، والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا، وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل إليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده"٤.
مناقشتنا للطبرسي:
ونحن نعجب لهذا التناقض من الطبرسي بين قوله: إن جماعة من الإمامية تأولوا الأخبار الواردة في الرجعة.. وقوله: إن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فلماذا يؤولون أخبارا لا يعول عليها.
والحلقة الثانية من حلقات التناقض: اعترافه بأن بعض الشيعة تأولوا (الرجعة) ، ثم دعواه إجماع الشيعة على الرجعة، فأين الإجماع مع أن فريقا من الشيعة يؤولون.
стр. 73
والحلقة الثالثة: بأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار، ثم يدعي أن العبرة بإجماع الشيعة، والرجعة أمر غيب، والأمور الغيبية لا تثبت إلا بالنقل، لا بالإجماع؛ إذ كيف يجمع فريق من الناس على أن أمرا سيقع إلا إذا كان لهم برهان من كتاب من عند الله، أو خبر عن نبي مرسل، أو سولت لهم أنفسهم أنهم يعلمون الغيب!!.
стр. 74
ج- زعم الشيعة أن الرسول ﷺ سمى عليا ﵁ (دابة الأرض) :
ولم يقتصر الشيعة في أمر الدابة على ما سبق ذكره، وإنما ينقل الطباطبائي١ عن القمي تفسير آية النمل المذكورة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ بِعَليّ ﵁ وهو نائم بالمسجد، فحركه برجله ثم قال له: "قم يا دابة الأرض"؛ فقال رجل من أصحاب النبي يا رسول الله: أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا والله، ما هو إلا له خاصة، وهو (الدابة) الذي ذكره الله في كتابه..ثم قال: "يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك".
ثم روى الطباطبائي أن رجلا قال لأبي عبد الله ﵇: "إن هذه الآية إنما هي (تكلمهم) فقال: كَلمَهم الله في نار جهنم، إنما هي تكلمهم من الكلام".
ثم بين الطباطبائي أن الروايات في هذا المعنى من طرق الشيعة كثيرة.
ثم نقل عن القمي ما نقله قبله الطبرسي من أن "قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ إنما هي في الرجعة وليست في القيامة" ا?- بإيجاز.
ويذهب الطباطبائي٢: "إلى أن المقصود بالدابة ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان، وأن المقصود بإخراجه: الإحياء والبعث بعد الموت.. وأن سكوت القرآن عن تفصيل القول في أخبار الدابة دليل القصد إلى الإبهام، ليكو الكلام مرموزا فيه..".
وما ساق الطباطبائي هذه المقدمات إلا ليستدل بها على الرجعة.
стр. 75
د- رأي شيعي معاصر:
وتقتضينا الأمانة العلمية أن نذكر رأيا لأحد الشيعة المعاصرين حول موضوع الدابة، ونصه هو٣: "أما الدابة فقد كثر الكلام فيها، والله سبحانه لم يبين ما هي، والحديث عن