← Тафсир

Тафсир · id 8945

المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل

عبد الفتاح إبراهيم سلامة

Полный текст (105 стр.). Показаны 71–105 · переход к 76.

стр. 71

يحشر فيه قوم١ دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول في سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَد﴾ (٤٧: الكهف) ، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي٢ قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور لله تعالى ٣، غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسرناه في موضعه" ا?.

стр. 72

ب- رد الطبرسي على متأولي الرجعة من الشيعة: أحس بعض عقلاء الشيعة أن القول بالرجعة لا سند له من الحق، فتأولوها على نحو لا يصادم المعقول، وندع الحديث عنهم للطبرسي إذ يقول: "على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكاليف، وليس كذلك؛ لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب، والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا، وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل إليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده"٤. مناقشتنا للطبرسي: ونحن نعجب لهذا التناقض من الطبرسي بين قوله: إن جماعة من الإمامية تأولوا الأخبار الواردة في الرجعة.. وقوله: إن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فلماذا يؤولون أخبارا لا يعول عليها. والحلقة الثانية من حلقات التناقض: اعترافه بأن بعض الشيعة تأولوا (الرجعة) ، ثم دعواه إجماع الشيعة على الرجعة، فأين الإجماع مع أن فريقا من الشيعة يؤولون.

стр. 73

والحلقة الثالثة: بأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار، ثم يدعي أن العبرة بإجماع الشيعة، والرجعة أمر غيب، والأمور الغيبية لا تثبت إلا بالنقل، لا بالإجماع؛ إذ كيف يجمع فريق من الناس على أن أمرا سيقع إلا إذا كان لهم برهان من كتاب من عند الله، أو خبر عن نبي مرسل، أو سولت لهم أنفسهم أنهم يعلمون الغيب!!.

стр. 74

ج- زعم الشيعة أن الرسول ﷺ سمى عليا ﵁ (دابة الأرض) : ولم يقتصر الشيعة في أمر الدابة على ما سبق ذكره، وإنما ينقل الطباطبائي١ عن القمي تفسير آية النمل المذكورة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ بِعَليّ ﵁ وهو نائم بالمسجد، فحركه برجله ثم قال له: "قم يا دابة الأرض"؛ فقال رجل من أصحاب النبي يا رسول الله: أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا والله، ما هو إلا له خاصة، وهو (الدابة) الذي ذكره الله في كتابه..ثم قال: "يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك". ثم روى الطباطبائي أن رجلا قال لأبي عبد الله ﵇: "إن هذه الآية إنما هي (تكلمهم) فقال: كَلمَهم الله في نار جهنم، إنما هي تكلمهم من الكلام". ثم بين الطباطبائي أن الروايات في هذا المعنى من طرق الشيعة كثيرة. ثم نقل عن القمي ما نقله قبله الطبرسي من أن "قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ إنما هي في الرجعة وليست في القيامة" ا?- بإيجاز. ويذهب الطباطبائي٢: "إلى أن المقصود بالدابة ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان، وأن المقصود بإخراجه: الإحياء والبعث بعد الموت.. وأن سكوت القرآن عن تفصيل القول في أخبار الدابة دليل القصد إلى الإبهام، ليكو الكلام مرموزا فيه..". وما ساق الطباطبائي هذه المقدمات إلا ليستدل بها على الرجعة.

стр. 75

د- رأي شيعي معاصر: وتقتضينا الأمانة العلمية أن نذكر رأيا لأحد الشيعة المعاصرين حول موضوع الدابة، ونصه هو٣: "أما الدابة فقد كثر الكلام فيها، والله سبحانه لم يبين ما هي، والحديث عن

стр. 76

المعصوم في بيانها لم يثبت، حتى لو صح سنده لم نعمل به لأنه خبر واحد١، وهو حجة في الأحكام الفرعية، لا في السمعيات وأصول العقيدة، والقول بغير علم حرام، فلم يبق إلا الأخذ بظاهر الآية الذي يدل على أن الله سبحانه عندما يحشر الناس للحساب، يخرج من الأرض مخلوقا، يعلن أن الكافرين جحدوا الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته".

стр. 77

تسرب الراوية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية: ... - تسرب الرواية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية: وجدنا الرواية الشيعية القائلة بأن الدابة هي علي ﵁ قد تسربت إلى بعض التفاسير السنية، ومثال ذلك ما أورده البغوي٢ ونصه: "وروي عن علي أنه قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية) ، ثم عقب البغوي بقوله: كأنه يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة". وما أورده البغوي، أورده ابن كثير٣ وكذلك ذكره القرطبي ٤ وغيرهم.

стр. 78

٣- الدابة وعصا موسى ﵇: ذكر الفيروزأبادي٥ في تفسير آية الدابة ما يلي: " ﴿وَإِذَا وَقَعَ﴾ وجب ﴿القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ بالسخط والعذاب، ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ بين الصفا والمروة، وهي عصا٦ موسى، ويقال معها عصا موسى، ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا﴾ بآيات ربنا بمحمد ﷺ وبالقرآن، ويقال بخروج الدابة ﴿لا يُوقِنُونَ﴾ : لا يصدقون، وإن قرأت تَكلِمُهم: بنصب التاء: تضربهم وتجرحهم".

стр. 79

٤- الدابة بين الكَلم والكلام: وردت لقوله تعالى (تكلمهم) من الآية قراءتان: الأولى: (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة، وقد قال القرطبي٧ عنها إنها قراءة العامة، أي جمهور القراء. واستدل لها بقراءة أبي (تنبئهم) . والذي أرجحه أن

стр. 80

قراءة أبي هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التفسير. وقالوا في تفسير القراءة إنها تكلمهم ببطلان الأديان سوى الإسلام، وقيل تكلمهم بما يسوءهم، وقيل تكلمهم بلسان ذلق يسمعه من قرب وبعد ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات. وبعض المفسرين حمل هذه القراءة على أنها تكثير وتضعيف١ من (تكلمهم) . وفي هذا قال الزمخشري٢: "ويجوز أن يكون (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم، أي مجرح، فهي عنده كقراءة (لنحرقنه) - بتشديد الراء - التي فسرت بقراءة علي ﵁ (لنحرقنه) بغير تشديد الراء". والثانية: هي (تكلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام، من الكلم وهو الجرح. وفسر بعضهم (كلمها) بما رواه أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم". وبما روي عن ابن عباس ﵄ وعن علي أيضا من أنها تُكلِّم المؤمن٣ وتَكْلم الكافر، أي تجرحه٤.

стр. 81

تأويل الدابة بدودة القطن ... ٥- تأويل الدابة ودودة القطن: وأما الذين إذا ذكر خبر من أخبار الغيب اشمأزت نفوسهم، وتجهمت وجوههم، فقد كبر عليهم أن يخرج الله دابة من الأرض تكلم الناس، فحاروا وداروا واستبانوا أنهم لا يستطيعون التكذيب، فبحثوا عن مخرج للتأويل، وأعانهم على بحثهم هذا أن أسعفتهم رواية ابن عباس التي يقرأ فيها (تكلمهم) ٥ بفتح التاء وبتخفيف اللام، من الكلم وهو الجرح، وأنه ﵁ لما سئل هل هي تكلِّمهم أو تكلمهم فقال: "كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن، وتكلم الكافر". فارتضى دعاة العقلانية هذه القراءة لأنها أقرب إلى التصورات المادية، ولقد سمعت منذ عشرين عاما محاضرا يقرأ هذه الآية الكريمة ويفسر دابة الأرض بأنها حشرات الزرع، وخص دودة القطن من بين هذه الحشرات؛ لأنها كلمت القوم وآذتهم بإتيانها على محصول القطن، وكانت مصر وقتها تمر بمحنة زراعية من جراء إتلاف هذه الدودة البغيضة للقطن، وما أظن هذا المحاضر بهذا التأويل إلا آثِرا له عن غيره، وليس آتيا به من عند نفسه، وغاب عنه أنها من أمارات الساعة، وأن القطن لا يزرع في كل بلدان العالم.

стр. 82

٦- تأويل الدابة بالمذياع: وجاء مؤول آخر١ آمن بأن الدابة تكلم الناس، ولكن تفسيرها لكلامها كان تفسيرا هازلا كسابقه، فقد قال: إن الدابة هي المذياع، وإن كلامها هو هذه الأصوات التي تتردد عبر الأثير وأجهزة الاستقبال إلى آذان المستمعين.

стр. 83

٧- تأويل الدابة بسفينة الفضاء: وعندما أطلقت أول سفينة فضاء في الجو في خمسينيات هذا لبقرن سمعنا من يقول: إن سفينة الفضاء هذه هي الدابة التي حدثنا الله عنها في سورة النمل، وهو تأويل لا سند له من اللغة، ولا مسوغ له من السياق، وإنما هو تأويل متعسف وممجوج.

стр. 84

٨- الدابة والإسرائيليات: وكما كثرت هذه التأويلات الممجوجة حول الدابة، كذلك كثرت الروايات الإسرائيلية٢ حولها فجاءت روايات تصفها بأن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.. إلى غير ذلك من الأوصاف المتناقضة المتضاربة المتنافرة، التي تضحك الثكالى. وجاءت روايات تصف مكان خروجها من تحت صخرة من صخور مكة. وجاءت روايات تحدثنا عن أفعالها مع المؤمن والكافر، وعن عصا موسى ﵇ التي تحملها.. إلى غير ذلك من الروايات. وأكثرها غير صحيح٣، وفي الصحيح غنية، وفي الزبد ما يغني عن المخيض.

стр. 85

٩- تصورات متوهمة في شأن الدابة: خبر الدابة من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نتلقاها مصدقين مؤمنين، إلا أن نفرا من المفسرين أورد في شأنها ما لا يقبل إلا إذا صحّ سنده عن سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ . فمن هذه الروايات القول بأنها هي فصيل ناقة صالح. وهو قول يصفه القرطبي بأنه أصح الأقوال، ولم يذكر لنا دليله على هذه الدعوى٤. ومن هذه الروايات أيضا القول بأن الدابة هي الثعبان المشرف على بناء الكعبة الذي اقتلعته العقاب حين أرادت قريش بناء

стр. 86

الكعبة١. ولا دليل أيضا على صحة هذه الرواية. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال٢: "ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: "لها ثلاث خرجات من الدهر؛ فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة -، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -".. قال رسول الله ﷺ : "بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام؛ لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى٣ ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله؛ فبدأت بهم فجلت وجوههم، حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول له: يا فلان آلآن تصلي؟! فتقبل عليه فتسمه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطلحون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي".

стр. 87

١٠- أ- هل الدابة داعية يبعث ليقيم الحجة على الكافرين: نقل القرطبي٤ في تفسيره الرواية المنسوبة لعلي ﵁، والقائلة بأن الدابة ما لها ذنب وإنما لها لحية، ثم نقل تعليق الماوردي على هذه الرواية وهو: "وفي هذا القول إشارة منه إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به". ثم بين القرطبي الصلة بين هذه الرواية وبين تأويل من التأويلات الواردة في شأن الدابة وهو قوله: "قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما، يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة" ا?.

стр. 88

تنفيذ القرطبي لهذا التأويل ... ب- تفنيد القرطبي لهذا التأويل: أخذ القرطبي بعد أن ذكر هذا التأويل، يبين رأيه ورأي العلماء فيه فقال: "وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من أمارات الساعة؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا تكون آية خاصة مقترنة بوقوع

стр. 89

القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم، الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان، أو بالعالم أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة؛ فهذا خروج عن عادة الفصحاء وعن تعظيم العلماء.. فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور".

стр. 90

الرأي الذي نرتضيه حول الدابة: بعد استعراض كل هذه الآراء السابقة١ في شأن الدابة، نرى أن المنهج الأرشد في هذه المسألة وما شابهها من المسائل الغيبية، أن نقف أمام ما جاءنا من كتاب الله ساجدين، وأمام ما ورد عن رسول الله مصدقين، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: "أشرف رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم ﵇، والدجال، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم٢ حيث قالوا"٣. وإذا فخبر الدابة من أخبار الغيب، ومن علامات الساعة التي يجب أن نؤمن بها، والمنهج السديد حيالها هو كما عبر عنه الشيخ شلتوت ﵀ بقوله٤: "وماذا علينا لو وقفنا في حديثنا عن الغيبيات عند القدر الذي أخبر به القرآن، ثم تركنا ما وراءه من التفصيل٥ إلى اليوم الذي يأتي فيه تأويله وبيانه، وليس الخبر متعلقا بعمل مطلوب من العباد، وإنما هو إنذار ووعيد وتهديد".

стр. 91

الثالث عشر: تأويلات حول أخبار جهنم: وردت في القرآن الكريم آيات مجيدة، تصف جهنم بأنها تتكلم: ﴿وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، وأنها ترى أصحابها: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ، وأنها ﴿التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَة﴾ ، وأن لها ﴿تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ .. وكانت للمفسرين نظرات إلى هذه الآيات تختلف باختلاف مناهجهم. فلنصطحبهم في تطوافهم.

стр. 92

هل تتكلم جهنم: قال رب العزة ﷻ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣٠: ق) . أفاد ظاهر هذه الآية الكريمة أن جهنم خوطبت وسئلت، وأنها أجابت وقالت: هل من مزيد. فمن المفسرين من آمن بظاهر ما دلت عليه الآية، ووكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، ومنهم من طوحت به طوائح التأويلات فهام معها.. فأما أهل الإثبات فهذه آراؤهم: ١- رأي ابن كثير: قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة١: "يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وذلك لأنه ﵎ وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى٢ وهي تقول هل من مزيد: أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث". ثم ذكر ابن كثير من صحاح الأحاديث ما يؤيد رأيه، ومنها: ما رواه البخاري٣ عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول قط قط"، وما رواه الإمام أحمد عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها؛ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة"، ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، وروى ابن كثير عن مجاهد أنه قال: "لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت، وتقول هل من مزيد"، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا. فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ ؟ إنما هو بعد ما يضع فيها قدمه فتنزوي، وتقول حينئذ هل بقي في مزيد يسع شيئا؟؛ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: "وذلك حين لا يبقى موضع يسع إبرة والله أعلم" ا?. ٢- رأي القرطبي: وأما القرطبي فقد عرض لرأي المثبتين ولمقالة المؤولين، ثم كان للمثبتين ظهيرا. بيان ذلك أنه قال٤: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾ لما سبق من وعده إياها أنه

стр. 93

يملؤها، وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده، وتقول جهنم ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، أي ما بقي فيَّ موضع للزيادة، كقوله ﵇: "هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل" أي ما ترك، فمعنى الكلام الجحد، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة، أي هل من مزيد فأزداد؟ وإنما صلح للوجهين؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، وقيل: ليس ثمَّ قول وإنما هو على طريق المثل، أي أنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك، كما قال الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد١ وغيره، أي هل فيّ من مسلك، قد امتلأت، وقيل: ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح، وهذا أصح على ما بيناه في سورة الفرقان. ثم صنع القرطبي صنيع ابن كثير في الاستظهار لرأي المثبتين بالصحاح من الأحاديث التي ذكرنا بعضها من قبل، ومنها حديث وضع القدم، وإن كان له من المتأولين..٢. ٢- رأي الشوكاني: وأما موقف الشوكاني فكان كما قال٣: "..والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع، قال الواحدي: قال المفسرون أراها الله تصديق قوله: (لأملأن جهنم) فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٤ أي قد امتلأت ولم يبق فيَّ موضع لم يمتلئ، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان، وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة، أي أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها، وقيل المعنى: أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها، والمزيد: إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمنيع، فالأول بمعنى هل من زيادة، والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه.." ا?. ونختار من المؤلين:

стр. 94

٤- الزمخشري: قال الزمخشري١: "..وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها، حتى لا يسعها شيء٢ ولا يزداد على امتلائها لقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ، والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلهامن يدخلها وفيها موضع للمزيد..". ٥- رد ابن المنير٣ على الزمخشري: قال ابن المنير٤: "قد تقدم إنكاري عليه إطلاق (التخييل) في غير موضع، والنكير ههنا أشد عليه، فإن إطلاق (التخييل) قد مضى له في قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (٦٧: الزمر) ، وفي مثل قوله: ﴿بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦٤: المائدة) ، وإنما أراد به حمل الأيدي على نوع من المجاز، فمعنى كلامه صحيح، لأنا نعتقد فيهما المجاز، وندين الله بتقديمه عن المفهوم الحقيقي٥، فلا بأس عليه في معنى إطلاقه، غير أنا مخاطبون باجتناب الألفاظ الموهمة في حق جلال الله تعالى، وإن كانت معانيها صحيحة، وأيُّ إيهام أشد من إيهام لفظ التخييل؟ ألا ترى كيف استعمله الله فيما أخبر أنه سحر وباطل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِليْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٦٦: طه) ، فلا يشك في وجوب اجتنابه، ثم يعود بنا الكلام إلى إطلاقه هنا فنقول: هو منكر لفظا ومعنى، أما اللفظ فقد تقدم، وأما المعنى فلأنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه، وكيف نفرض (التخييل) وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك، منها هذا، ومنها لجاج الجنة والنار، ومنها اشتكاءها إلى ربها فأذن لها في نفَسين، وهذه وإن لم تكن نصوصا فظواهر يجب حملها على حقائقها؛ لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر، ما لم يمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإن القدرة صالحة، والعقل يجوز، والظواهر قاضية بوقوع ما صوره العقل، وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا كتسليم الشجر وتسبيح الحصى في كف النبي صلى

стр. 95

الله عليه وسلم وفي يد أصحابه، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة١ لاتسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق، وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها٢، فإن العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى الحق!! فاشدد يدك بما فصل في هذا الفصل مما أرشدتك به إلى منهج القرب والوصل، والله الموفق" ا?. تعليق وجيز: هذه العبارات الأخيرة تمثل ما تركه المعتزلة من قواعد في تفكير الأشاعرة.

стр. 96

كيفية دعاء النار للكافرين: ومما له عُلقة بما سبق من سؤال النار وجوابها، ما ورد في وصفها من قول الحق جل ذكره: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (١٧، ١٨: المعارج) . وفي معنى (تدعو) كانت للمفسرين هذه التأويلات: ١- الدعاء على ظاهره، بمعنى القول والنداء، فتقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا منافق، أو بتعبير ابن كثير٣: "تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها وكانوا في الدار الدنيا يعملون عملها؛ فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق ... ". وهذا الرأي في تفسير الدعاء ذكره أكثر المفسرين حتى أولئك الذين ينهجون منهج القول بالتمثيل والتخييل، كالزمخشري٤ مثلا؛ فقد كان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها، أما القرطبي٥ فقد قال عنه: "إنه هو الحقيقة التي تدعمها آي القرآن وصحيح الأخبار، ودعاء (لظى) يكون بخلق الحياة فيها حين تدعو وخوارق العادة كثيرة". ٢- الدعاء بمعنى الإهلاك، تقول العرب: دعاك الله، أي أهلكك الله٦. ٣- الدعاء ليس من جهنم وإنما هو من خزنتها، وأسند إليها من قبيل الإسناد المجازي. الدعاء: هو تمكنها من عذابهم، وقد نقل القرطبي٧ في هذا المعنى عن

стр. 97

١- الخليل قوله: "إنه ليس كالدعاء (تعالوا) ، ولكن دعوتها إياهم تمكنها من عذابهم". ٢- إن الدعاء هو من قبيل التمثيل قال الزمخشري١: ﴿تَدْعُو﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم كقول ذي الرمة: "تدعو أنفه الريب..". وكان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها القرطبي٢ أيضا؛ فقال: "وقيل: هو ضرب مثل، أي أن مصير من أدبر وتولى إليها، فإنها الداعية لهم، ومثله قول الشاعر: ولقد هبطنا الواديين فواديا ... يدعو الأنيس به العضيض الأبكم العضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه، فدعا إليه".

стр. 98

دفاع الشيخ المغربي عن المجاز في تفسير الآية: انتهج الشيخ المغربي٣ في تفسير الآية نهج القائلين بالمجاز، وأسرف على نفسه حين أخذ في الرد على القائلين بالحقيقة، وهاك نص رأيه: "..وقوله ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى﴾ أي تنادي وتهتف بالذي أدبر وأعرض عن الإيمان، وقال (تدعو) لأن تهيؤ جهنم، وتبرجها للمعرضين عن الإيمان، وتفتح أبوابها لدخولهم كأنه في المعنى هتاف بهم، ودعاء لهم، وهو ما يسمونه (لسان الحال) كما أن الدعاء بالقول (لسان المقال) ، وهذا الضرب من التعبير كثير الشيوع في كلام العرب وأشعارهم، لا سيما إذا أرادوا الحكاية عن شيء لا يعقل، ووصف أحواله ومنه قوله: يا جملي ليس إلي المشتكى ... شكا إلي جملي السري صبرا جميلا فكلانا مبتلى والجمل لا يمكن أن يشكو بلسان مقاله، وإنما يشكو بلسان حاله، فإن آثار الأين٤ والكلال والحفاء البادية عليه، كأنها ألسنة تنطق بالشكوى إلى صاحبه. وقال أبو النجم - الرجاز المشهور - يصف روضته: "نقول للرائد أَعْشَبت فانزل" أي: أنها لاستجماعها ما يلزم للقوم المسافرين: من مرعى وماء وظل، إذا وصل إليها رائدهم يبتغي لهم مكانا للنزول، استوقفته تلك الروضة، بحيث لا يمكن تجاوزها دون النزول فيها بقومه، فهي كأنها تقول له: (أعشبت) أي أصبت عشبا (فانزل) على الرحب والسعة) ومثله قول الراجز الآخر:

стр. 99

امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني فهذا ما يسمونه (لسان الحال) ، وله شواهد كثيرة جدا في القرآن والحديث، وقد غفل عنه الكثيرون فحملوه على الحقيقة، وجعلوه من الخطاب بلسان المقال، ولا حجة لهم، إلا أن الله تعالى قادر على كل شيء، ومن ذا الذي ينكر قدرته، ولكننا نرى أن حمل هذه الآية ونظائرها على التمثيل كما ذكرنا عن أهل السان في الحكاية عن ما لا يعقل أمثل وأبلغ من حملها على الحقيقة، ولا داعي عقلا أو شرعا للحمل عليها.." ا?.

стр. 100

تعقيب على دعاوى الشيخ المغربي: قال الشيخ: "إنه لا يرى داعية من العقل أو الشرع تدعوه إلى فهم (دعاء النار) على حقيقته". ولست أرى أي قرينة استظهر بها الشيخ ليصرف بها دلالة الدعاء من الحقيقة إلى المجاز، إلا قرينة استبعاد الوقوع، وما نشأ هذا الاستبعاد إلا من تحكيم العقل المتقوقع في آفاقه الضيقة، وجعل قوانين العالم المحسوس المشهود، حكما على أخبار مستكنة في أرحام الغيوب، ولو استشرفنا إلى آفاق أرحب لقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (من ٧: آل عمران) .

стр. 101

هل ترى النار أصحابها حقيقة ؟ قال الحق جل ذكره في وصف جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان) . وكانت اتجاهات المفسرين في فهم الآية كما يلي: ١- حمل الرؤية على حقيقتها، وكذلك التغيّظ والزفير، وليس هناك ما يمنع من أن يجعل الله لها حسا وإدراكا، وقد وصف القرطبي ١ الحمل على الظاهر بأنه هو الأصح، مستدلا بما روي مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا"، قيل يا رسول الله وهل لها عينان؟ قال: "أما سمعتم الله يقول": ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان) ، "يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ناطق، فيقال وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر، فلهو - أي العنق - أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه"٢.

стр. 102

وقيل: ترى النار أصحابها من مسيرة مئة عام١، وقيل: خمسمئة عام٢، وهذا هو معنى ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عند بعض المفسرين، وهذه الروايات غير مرفوعة إلى المعصوم ﷺ ، فهي ليست إلا من باب الحشو والتزيد. ١- فسرت الرؤية بمعنى: إذا رآهم خزنتها، سمع المعذبون تغيظا وزفيرا، وهذا من الآراء المذكورة في تفسير الآية٣، وجوزه الزمخشري بقوله٤: "ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها نغيظوا وزفروا غضبا على الكفار، وشهوة للانتقام منهم" ا?. ٢- حمل الرؤية على المجاز بمعنى: إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر٥ أو بعبارة الزمخشري٦: "..رأتهم.. من قولهم: "دورهم تتراءى وتتناظر، ومن قوله ﷺ : "لا تتراءى نارهما"٧، كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر" ا?.

стр. 103

رد ابن المنير على الزمخشري: وجرى ابن المنير على محمود عادته في الرد على الزمخشري فقال٨: "لا حاجة إلى حمله على المجاز، فإن رؤية جهنم جائزة، وقدرة الله تعالى صالحة٩، وقد تظافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكا حسيا وعقليا، ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً﴾ ؟ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسي؟ ، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها؛ إذ لا محوج إليه، ولو فتح باب التأويل والمجاز في أحوال المعاد، لتطوَّح الذي يسلك ذلك إلى وادي الضلالة والتحيز إلى فرق الفلاسفة١٠، فالحق أنا متعبدون بالظاهر ما لم يمنع مانع، والله أعلم".

стр. 104

كيفية اطلاع النار على الأفئدة: ومما هو متعلق بما سبق وموصول به قول الله جل ذكره: ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ (٦، ٧: الهمزة) . وحول (اطلاع النار على الأفئدة) كانت تأويلات المفسرين كما يلي: ١- الاطلاع بمعنى البلوغ، قال الطبري١: "أي التي يطلع ألمها ووهجها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، حكى عن العرب سماعا: (متى طلعت أرضنا) و (طلعت أرضي) أي بلغتها" ا?. ومن هذا المعنى ما ذكره القرطبي٢: "عن خالد بن أبي عمران عن النبي ﷺ : "إن النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى": ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ . وخص الأفئدة لأن الألم إذا صدر إلى الفؤاد مات صاحبه، أي أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ (١٣: الأعلى) فهم إذا أحياء في معنى الأموات" ا?. ٢- ومما يقرب من سابقه تفسير الاطلاع بما قاله الألوسي٣: "أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها، وتخصيصها بالذكر، لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى أذى يمسه، فهو أنسب بما تقدم من جميع أجزاء الجسد". ٣- أن المقصود بالاطلاع: العلم، قال الزمخشري٤: "ومعنى اطلاع النار عليها أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها" ا?. وقد بسط هذا الرأي الأخير للزمخشري الألوسي٥ حين قال: "..أو أن يراد الاطلاع العلمي - والكلام على سبيل المجاز - وذلك أنه لما كان لكل من المعذبين، عذاب من النار على قدر ذنبه المتولد من صفات قلبه، قيل إنها تطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب، فتعلم ما فيها فتجازى كلا بحسب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب".

стр. 105

١- وجمع الشيخ محمد عبده١ بين قولي الزمخشري آنفي الذكر فقال: "ولا يخفى عليك أن الفؤاد إنما يطلق على القلب، إذا لوحظ أنه بمعنى موضع الوجدان والشعور، فكأنه قال: التي تعلو مشاعرهم، ومداركهم، ومواطن الوجدان من نفوسهم، أي أن سلطان هذه النار على قوى الوجدان والشعور التي هي مواطن النيات والمقاصد، ومساكن الفضائل والرذائل، وقد قيل: إن معنى الاطلاع هنا المعرفة والعلم، أي أن هذه النار تعرف ما في الأفئدة؛ فتأخذ من تعرفهم أهلا لها، من أهل الوجدان الخبيث. والنار التي تعرف٢ من يستحق العذاب بها لا تكون من النيران المعروفة لنا في الدنيا، بالضرورة، وعلى كل لا يخلو الكلام - على هذا التأويل الثاني - من التمثيل والتجوز". ٢- وأما القائلون بالتفسير الإشاري٣ فكان رأيهم الذي ذكره عنهم الألوسي٤ هو "إن ما ذكر إشارة إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد العذاب". ولم يبين لنا أصحاب التفسير الإشاري الفرق بين العذاب الجسماني والعذاب الروحاني!! ولم يبينوا الصلة بين ألفاظ الآية الكريمة وبين هذا العذاب.. هذا مع إيماننا بأن الله سبحانه يجمع على المجرمين أنواعا من العذاب، كما هو مفصل في آي القرآن الكريم. وفي نهاية المطاف: يتبين للقارئ المسلم أن كثيرا من التأويلات كانت ضدا عن الحق الواضح المشرق، وصرفا عن الصراط المستقيم إلى متاهات من الظن، وإلى أودية من الخيال والوهم.. ثم هي هجمات على الغيب المستور بشطحات العقول، وتقول على الله بغير العلم. والطريقة المثلى: هي أن ننقاد لنور القرآن، وأن نعرض عن شطحات الذين يتبعون أهواءهم، وأن نطلب الحق والميزان من سنة خير الأنام صلوات الله وسلامه عليه. آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.