← Адаб

Адаб · id 8949

الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (585 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[الأدب المقارن]- كود المادة: GARB٥٥٢٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ مفهوم الأدب المقارن من خلال المعالم التاريخية والرؤى النقدية . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (مفهوم الأدب المقارن من خلال المعالم التاريخية والرؤى النقدية) نشأة مفهوم الأدب المقارن، وما يشمله الأدب المقارن: هو فرع من فروع المعرفة يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر، ينتمي كل منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر واحد أو أكثر من عناصر أدب قومي ما ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بُغية الوقوف على مناطق التشابه، ومناطق الاختلاف بين الآداب ومعرفة العوامل المسئولة عن ذلك، كذلك فهذه المقارنة قد يكون هدفها كشف الصلات التي بينها، وإبراز تأثير أحدها في غيره من الآداب، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها معرفة الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى من خلال هدفها، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب إلى آخره. وهذا التعريف قد تمت صياغته وبلورته من خلال التعاريف والمفاهيم المتعددة لهذا الفرع من فروع العلم، تلك المفاهيم والتعريفات التي تتباين حسب تباين المدرسة أو الشخصية، التي تقود هذا التيار أو ذاك من تيارات البحث المختلفة، وهو يختلف قليلًا أو كثيرًا عن التعاريف الموجودة في كتب الأدب المقارن، وقد سرني أن أجد التعريف الذي أورده كل من "ذافري ديكشنري" و"موسوعة الويكيبيديا الحرة" على المشباك متفقًا مع تعريفي هذا.

стр. 3

وميادين الأدب المقارن متعددة، فقد يكون ميدانه المقارنة بين جنس أدبيٍ، كالقصة أو المسرحية أو المقال أو المقامة أو القصيدة أو الملحمة أو الأنقوشة -أي: الإبيجراما- في أدبين مختلفين أو أكثر، وقد يكون ميدانه المقارنة بين الأشكال الفنية داخل جنس أدبي من هذه الأجناس في أدب ما ونظيراتها في أدب آخر، كنظام العروض والقافية أو الموشحات مثلًا. وقد يكون ميدانه الصور الخيالية كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وقد يكون ميدانه النماذج البشرية والشخصيات التاريخية في الأعمال الأدبية، وقد يكون ميدانه التأثير الذي يحدثه كتاب أو كاتب ما في نظيره على الناحية الأخرى، أو مجرد الموازنة بينهما لما يلحظ من تشابههما مثلًا، وقد يكون ميدانه المقارنة بين المذاهب الأدبية كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والرمزية والبرناسية هنا وهناك، وقد يكون ميدانه انعكاس صورة أمة ما في أدب أمة أو أمم أخرى وهكذا. ويحتاج مصطلح الأدب المقارن -وهو في الواقع ترجمة حرفية للمصطلح الفرنسي المعروف " لا ليتارتير كومبري"- بعضًا من التحليل والتوضيح وكذلك التسويغ أيضًا، فالواقع كما هو بين ظاهر أننا هنا لسنا بصدد أدب بل فرع من فروع العلم يدرس الأدب، فكيف إذن حدث هذا، إنه الاختصار أو إذا كان يحلو لك فقل: إنه الخطأ الشائع الذي يقال في مثل هذه الحالة: إنه خير من الصواب، والصواب هو أن هذا العلم يقوم بمقارنة الآداب القومية المختلفة، والموازنة بينها

стр. 4

ومعرفة ما فيها من عناصر مشتركة أو مختلفة والأسباب المسئولة عن ذلك، والتعرف على الصلات التي تربطها بعضها ببعض في حالة وجود مثل تلك الصلات، والمعابر التي انتقل من خلالها عنصر أو أكثر من هذا الأدب أو ذاك إلى غيره من الآداب القومية الأخرى. إذن فنحن لسنا بصدد أدب، بل بصدد علم، اللهم إلا إذا فهمنا كلمة أدب ل،"تيراتير" أو لـ"يترتشر" بمعناها الواسع، أي: الكتابة، أو قلنا: إن ثمة كلمة محذوفة على سبيل الاختصار والتقدير دراسة الأدب المقارن، أو تاريخ الأدب المقارن أو كما في الألمانية علم الأدب المقارن. وهناك تسميات أخرى لم يكتب لها التوفيق والانتشار مثل التاريخ المقارن للآداب أو تاريخ الآداب المقارنة، أو التاريخ الأدبي المقارن، أو تاريخ الآداب المقارن، أو الآداب الحديثة المقارنة، أو الأدب العالمي أو الأدب بالمقارنة أو الأدب بطريق المقارنة، وذلك رغم ما تتمتع به بعض التسميات من اختصار ودقة، كمصطلح مقارنة الأدب، وهي التسمية التي يستعملها الأندونيسيون، أو المقارنة الأدبية الذي عنون به الدكتور أحمد كمال زكي كتابًا له في هذا الموضوع، والمقارنة بين الآداب الذي اتخذه العقاد عنوانًا لأحد مقالاته في مجلة "الكتاب" المصرية، عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين للميلاد، والذي أقترح أن يختصر إلى مقارنة الآداب، طلبًا لمزيد من الخفة على الذهن واللسان، كما تقتضي طبيعة المصطلح، ومن ثم يكون أسهل تداولًا لمن يريد. وهناك خطاب المقارنة الذي اقترحه عز الدين المناصرة في مقاله الرائد التاريخي للأدب المقارن في الوطن العربي، المنشور في كتاب (الفلسطينيون والأدب المقارن) روح الخالدي إدوارد سعيد عز الدين المناصرة حسام الخطيب.

стр. 5

وقد اختصر الدكتور أحمد كمال زكي مصطلح الأدب المقارن إلى كلمة واحدة فقط هي المقارن، مستعملًا النعت وحده دون المنعوت، ومن يدري فقد تشيع مع الأيام هذه التسمية وتحل الكلمة الواحدة محل الكلمتين على عادة الذهن واللسان البشري، اللذين يميلان في أمور الواقع العملي إلى الاختصار عند كثرة التكرار، وبخاصة عن طريق الاستعاضة عن النعت والمنعوت معًا بالنعت قائمًا برأسه. أما المصطلح الإنجليزي فلا يستخدم اسم المفعول "كومبيرد" من الفعل "كومبير" أي: يقارن، كما هو الحال في المصطلح الفرنسي، بل يستخدموا صفة النسب "كومبرتيف"، وهو ما يمكن ترجمته بالأدب المقارن أو الأدب التقارني، أو أدب المقارنة. نخلص من هذا إلى القول: بأن مصطلح الأدب المقارن الذي استعمله خليل هنداوي وفخري أبو السعود على التوالي في مقالاتهما بمجلة "الرسالة" في عام واحد، هو العام ألف وتسعمائة وستة وثلاثون ميلادية، بفارق ثلاثة أشهر تقريبًا كان هو المصطلح الذي قدر له الشيوع، بل الانتشار الكاسح على مدار هذه العقود السبعة حتى الآن على الأقل. وقبل أن أغادر هذه النقطة أود أن أوجه الالتفات إلى أن الدكتور علي شلش، يرى أن صاحب هذا المصطلح في الحالتين هو أحمد حسن الزيات لا هنداوي ولا أبو السعود، وإن لم يقدم دليلًا قاطعًا على ذلك، بل استنتجه مجرد استنتاج قائلًا: إن الزيات قد أضاف إلى العنوان الأصيل كل من الكاتبين مصطلح الأدب المقارن. أما الدكتور حسام الخطيب فقد عزا إلى هنداوي استخدام المصطلح لأول مرة، على حين جرد أبو السعود من قصد استخدامه بعد هذا في مقالاته في نفس

стр. 6

الموضوع، ناسبًا إلى الزيات أنه هو واضع ذلك المصطلح في عناوين المقالات المذكورة. وتشترط المدرسة الفرنسية أن تكون هناك صلات تاريخية بين العملين، أو الظاهرتين أو الأدبين المراد مقارنتهما، بيد أن هذا شرط تحكمي أو قل: إنه شرط غير ملزم ولا لازم، والمهم أن تكون المقارنة بين أدبي أمتين مختلفتين، سواء كتب هذان الأدبان بلغتين مختلفتين كما هو الغالب، أو كانا يصطنعان ذات اللغة كما هو الحال مثلًا بين الأدب الإنجليزي والأدب الهندي المكتوب بلغة "جون بول"، أو بين الأدب الفرنسي والأدب الجزائري المصبوب في قالب لسان الفرنسيس إلى آخره. إن المراد هو تمكين العلاقات الأدبية بين الأمم والشعوب المختلفة، واكتشاف أوجه التشابه والاختلاف لديها في الذوق والإبداع، وتتبع المسارات التي انتقلت عن طريقها التأثيرات الأدبية من أمة إلى أخرى في حالة وجودها وإمكان تتبعها، وإذا كانت المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن تركز بوجه عام على الصلات التي ثبت وجودها فعلًا بين الأمم والشعوب، فهل هناك ما يمنع أن نمد هذا الاهتمام إلى المستقبل، فنستشرف وجود مثل هذه الصلات أو نعمل على خلقها خلقًا؟ بل هل هناك ما يقطع بعدم وجود علاقة بين عملين أو ظاهرتين أو تيارين أدبيين لم يتضح لنا أنه كانت بينهما يومًا هذه العلاقة؟ لا أظن.

стр. 7

ذلك أن من الممكن جدًّا أن يكون "موليير" على سبيل المثال قد سمع ببخلاء الجاحظ بطريقة أو بأخرى، حين ألف مسرحيته الشهيرة "البخيل"، وأن يكون "لامارتين" على علم بطريقة أو بأخرى بقصيدة المتنبي أو البحتري عن البحيرة، كأن يكون قد سمعها أو سمع أبياتًا منها مترجمة إلى الفرنسية ولو شفويًّا، أو على الأقل سمع بموضوعها أو أسلوبها الفني مجرد سماع من أحد المستشرقين أو العرب، وأن هذا أحد البواعث التي دفعته إلى نظم قصيدته فيها، وبخاصة أنه كان مفتونًا بالشرق العربي، وزار سوريا وفلسطين ولبنان وسجل هذه الرحلة في كتاب من أربعة أجزاء هو "فوياج أونريو"، وتمنى لو بقي في بلاد الأرز -أي: لبنان- طول حياته، بل لقد قيل: إنه ذو أصول عربية، وقد يكون تأثر في نظمه تلك القصيدة بشاعر آخر فرنسي، أو غير فرنسي كان قد تأثر بدوره بإحدى القصيدتين العربيتين، أو بهما معًا. ربما كان تأثير المتنبي أو البحتري سلبيًّا بمعنى أن الشاعر الفرنسي لم يستحسن الطريقة التي تناول بها الشاعر العربي موضوعه، أو بعض صوره الخيالية أو السياق الذي نظم فيه عمله، أو الجو النفسي الذي سيطر عليه، أو الغرض الذي نظم قصيدته من أجله إلى آخره. تُرى هل كان هناك قبل "آسيون بلاسيوس"، بل إلى ما بعد وفاة ذلك المستشرق الأسباني بضعة أعوام، مَن كان يعرف أن قصة المعراج قد ترجمت إلى عدة لغات أوروبية منها اللاتينية قبل أن يكتب الدانتي كوميدياه الإلهية؟ لقد تعرض "بلاسيوس" لهجوم شديد ومعارضة عنيفة، عندما طلع على الناس بأن "دانتي" قد تأثر بتلك القصة إلى أن اكتشف أحد المستشرقين بعد رحيله بسنوات خمس لا غير أن تلك القصة قد ترجمت فعلًا قبل وضع "دانتي" عمله المذكور، مما يؤكد أنه قد قرأها قبل إبداعه لذلك العمل، ولنفترض أننا كنا موقنين تمام الإيقان أنه لم تكن هناك قط مثل تلك العلاقة، ولو

стр. 8

على سبيل الاحتمال، أفلا تستحق المقارنة بين الذوقين والأسلوبين، وتقويم العناصر الفنية في الأثرين الأدبيين أن نقوم بمثل تلك المقارنة، على الأقل تنشيطًا لعملية الأخذ والرد بين الأدبين، وتلقيحًا لكل منهما بعناصر القوة والجمال في الآخر، وإغناء لعملية الإبداع والتذوق بهذه الطريقة، ومن ثم قيام صلات أدبية بينهما تخلق خلقًا من هذا السبيل، واستكشافًا للعوامل التي تقف خلف نقاط القوة أو الضعف؟ وهل هي راجعة إلى ظروف المبدع الشخصية أو هي بالأحرى ترجع إلى خصائص البيئة والأمة التي ينتسب إليها؟ أم ترى ينبغي أن ننتظر قيام مثل تلك الصلات أولًا، حتى إذا قامت وتيقنا من قيامها ووقوع التأثير والتأثر بين الطرفين، فعندئذٍ وعندئذٍ فقط يمكننا أن نتقدم ونقوم بعملية المقارنة. أما أنا فأحبذ مبادرة الأمور والعمل على خلق مثل تلك الصلات عن طريق المقارنات الاستباقية هذه، ومن ثم لا أجد أية غضاضة فيما صنعه شفيق جبري مثلًا في مقالاته في مجلة "الثقافة" المصرية، عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ميلادية، من المقارنة النقدية بين بحرية كل من البحتري و"لامرتين" والأخرى، وبين بخلاء الجاحظ وبخيل "موليير"، ولا ما صنعه الدكتور صفاء خلوصي من المقارنة بين البحيرتين العربية والفرنسية، ولا ما صنعه الدكتور عبد الرزاق حميدة في كتابه (الأدب المقارن) حين وازن بين (رسالة الغفران) للمعري و (الكوميديا الإنسانية) لـ"دانتي"، مقارنة جمادية خالصة، فلا حديث عن تأثر أو تأثير بين العملين. ثم ألا يستحق البحث عن السر في وجود تشابه بين عملين أدبيين دون أن يكون بينهما أية صلة عناء المقارنة بينهما، تأكيدًا بأن هناك ضروبًا بين التشابه بين

стр. 9

البشر على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وأجناسهم، لقد كان المرحوم محمد غنيمي هلال وأنور لوقا مثلًا من المتشيعين للمنهج الفرنسي في الأدب المقارن، وما زال هناك من يأخذ بوجهة نظر هذه المدرسة لا يرى مما عداها شيئًا، ومنهم الدكتور محمد سعيد جمال الدين، كما يتبدى ذلك في كتابه الأدب (المقارن دراسة تطبيقية في الأدبين العربي والفرنسي)، وهناك على العكس من هذا من يتشيع للمنهج الأمريكي متمثلًا فيما كتبه "رينيه وليك"، الذي وسع دائرة ذلك الحقل، كما تعكسها الفصول الخاصة بهذا الموضوع في كتابه (مفاهيم نقدية). فلم يقصرها على مجالات التأثير والتأثر، التي تقتضي وجود صلات تاريخية بين طرفي المقاومة، وغالبًا ما يكون التشيع الذي من هذا القبيل مجرد تعصب للمدرسة التي سبقت معرفة الدارس لها أو درس على يد أحد أعلامها مثلًا، والأجدر بنا ألا تكون هجيرانا التعصب لهذا أو لذاك لمجرد التعصب، بل أن نفكر بأنفسنا لأنفسنا مستعينين بما بلغه السابقون من أمتنا، ومن خارج أمتنا، ومجتهدين أن يكون لنا رأينا، وموقفنا المتميز لا لمجرد إثبات الذات، بل لعرض ما نحن مقتنعون به، ومطمئنون إليه مشاركة منا في النشاط الفكري العالمي بحيث لا يكون كل ما نعمله هو ترديدًا لما يقوله الآخرون ونشره. إن ما يقوله هذا أو ذاك من الباحثين الغربيين ليس قرآنًا مقدسًا ينبغي أن نخر عليه صمًّا وعميًا وبكمًا، بل إن القرآن نفسه لا يطالب البشر بأن يخروا عليه مؤمنين دون تفكير أو إعمال عقل، فما بالنا بنظريات في الأدب والنقد هي من نتاج العقل البشري غير المعصوم، وعلى هذا فإني لا أقصر مجال الأدب المقارن على الأدبين اللذين قد ثبت أن بينهما صلات تاريخية، بل أنادي بتمديده ليشمل دراسة أي أدبين بينهما وجه أو أكثر من وجوه الشبه أو الاختلاف؛ لمعرفة

стр. 10

الأسباب التي تكمن وراء هذا التشابه، أو ذلك الاختلاف، أو على الأقل أوافق على مثل هذا التمديد، كما أرى أيضًا توسيع آفاقه؛ ليشمل مثلًا الموازنة الأدبية بين عملين من أعمالهما، وتحليل كل واحد منهما، ومحاولة التعرف على إلى سر ما بينهما من نواحي المشاكلة والمباينة، والاجتهاد في تذوق كل منهما لتوسيع مجال الاستمتاع الأدبي والنقدي عند الدارس، والقارئ جميعًا. ومحاولة تقويم كل منهما فنيًّا ومضمونيًّا، والوصول إلى معرفة أي منهما أجمل وأقوى وأشد تأثيرًا من الآخر، ولماذا؟ وذلك من أجل اكتساب نظرة أكثر رحابة وأوسع إنسانية، وأعمق حكمًا وأحرى أن تكون أقوى انفتاحًا على ما عند الآخرين من آثار الخير والجمال والجلال. ولقد كان المنهج الإيطالي مثلًا في ميدان الأدب المقارن في بداية أمره أواسط القرن التاسع عشر كما يقول الدكتور عطية عامر قائمًا على الموازنات الأدبية، والكشف عن عناصر الاتفاق والاختلاف بين ظواهر الأدب المشتركة، ثم انتهى به التطور إلى أن يكون وسيلة بسيطة من وسائل تاريخ المصادر، أما المدرسة الألمانية فكانت تقصر الأدب المقارن على آداب أوربا الغربية وحدها؛ لبيان الاتفاق والاختلاف في التقاليد الأدبية لأمم ذلك الشطر من العالم، وإن ضم هذا الاتجاه العام عدة أطياف مختلفة، فمن الدارسين من اهتم بدراسة التأثير والتأثر بين هذه الآداب، ومنهم مَن اعتنى ببيان النماذج الأدبية المشتركة بينها، ومنهم مَن قام بدراسة المحتوى الثقافي والعقائدي المتماثل في هذه الآداب، ومنهم من أخذ على عاتقه الكشف عن تناسق الحركة الموسيقية والصوتية في صورها الشعرية إلى آخره.

стр. 11

ثم لدينا المدرسة الأمريكية التي أخذت أولًا بالاتجاه التاريخي، كما هو معروف عند المقارنين الفرنسيين، ثم انتهى به الحال على يد "رينيه وليك" إلى توسيع نظرتها لهذا التخصص، والمناداة بأن يكون الهدف منه إبراز القيم الجمالية وعلاقاتها داخل أدب واحد أو أكثر، والاستعانة في ذلك بالنقد الأدبي أي: أن التركيز هنا على الجانب التذوقي، وبغض النظر عمن هو على صواب أو على خطأ بين أصحاب هذه المناهج، فالمهم الالتفات إلى أنهم في الغرب يجتهدون، ويختلفون ويغيرون مواقفهم وآراءهم، ولا يجدون حرجًا أو غضاضة في هذا، وهو ما نريده لأنفسنا أن نجتهد ولا نظن أن الصواب دائمًا حليف القوم، وأن كل ما ينبغي لنا أن نفعله أو على الأقل أن كل ما يمكننا عمله هو متابعتهم دائمًا على ما يقولون، إذ هم لا يقولون شيئًا واحدًا وللأبد كما رأينا، أنكون ملكيين إذن أشد من الملك نفسه، وأعترف هنا أنني كنت من المرددين لما يقوله جمهور المقارنين الفرنسيين. ولا أستطيع أن أتصور أن هناك صوابًا آخر لا لشيء، إلا لأنني أنا وزملائي في الدراسات العليا حين بدأنا التعرف على الأدب المقارن في السنة التمهيدية للماجستير في آداب القاهرة عام ٧٠، و٧١ مع الدكتور شكري عياد قد اعتمدنا على كتب "فانتين" و"جويار" ومحمد غنيمي هلال، فبدا لنا أن هذا هو المنهج السليم وما عداه مناهج متسيبة غير منضبطة، إلا أن هذا كان منذ خمسة وثلاثين عامًا ويزيد، وقد جرت مياه كثيرة من ذلك الحين في النهر، ولم يعد ماء النهر هو ماءه القديم، ولسوف نرى أن فخري أبا السعود مثلًا في مقالاته التي كتبها في الثلاثينيات من القَرْن المُنصرم عن الأدب المقارن، إنما ينطلق من رؤية أفسح وأرحب وأجلى من الرؤية التي تنطلق منها المدرسة الفرنسية بوجه عام، وأنه كما لاحظ الدكتور

стр. 12

عطية عامر قد سبق بصنيعه هذا "رينيه وليك" الأستاذ السابق بالأدب المقارن بالجامعات الأمريكية، وإن لم يعد دكتور طاهر مكي تلك المقالات من الأدب المقارن في شيء أصلًا، رغم إقراره بأنها تتفق مع المنهج الأمريكي على كل حال. إذ قال: إنها لا تزيد عن أن تكون مجرد ألوان من الموازنات بين موضوعات قد تتشابه أو تختلف عرضًا في الأدبين العربي والإنجليزي، ولعلها جاءت صدى لبعض أفكار المدرسة الأمريكية، التي تجيز شيئًا من هذه الموازنات جاعلًا بهذا للمدرسة الأمريكية السبق على كتبه ناقدنا المصري، على عكس ما يقول الدكتور عطية عامر. وبالمثل نرى العقاد بما كتبه عن المعري في رجعة أبي العلاء قد انطلق من ذات الرؤية، وإن لم يشِر إلى أنه بصدد كتابة بحث في الأدب المقارن على عكس ما هو مثبت في رءوس مقالات أبي السعود، إذ تخيل أن حكيم المعرة عاد إلى الأرض في زماننا هذا، وأنه كان رفيقه في جولته بالعالم الحديث، وبما يضطرب فيه من فكر وفلسفات ومذاهب، فكان كلما رأى شيئًا يظنه رفيقه الأسوني الجديد عليه سارع هو، فقال: إنه قد سلف أن تحدث عنه في شعره حين قال كذا وكذا، وكأن العقاد يريد أن يقول: إن أبا العلاء كان بعيد النظر، واسع مدارك الفكر والفن والخيال، فسبق بذلك عصره، وإن بين الإنسانية الكثير من الموافقات رغم اختلاف أوطانها وعصورها وأوضاعها الثقافية والاجتماعية، كل هذا دون أن يحاول العقاد التدليل على أنه كانت هناك صلات بين فكر المعري وأصحاب هذه الآراء والاتجاهات السياسية والفلسفية من الأوربيين، بل دون أن يفكر مجرد تفكير في ذلك. وكان طه حسين في الفصل الخاص بهميروس من كتابه (قادة الفكر)، الذي صدر في منتصف عشرينيات القرن الماضي قد تحدث عن جاهلية رينيه والجاهلية العربية

стр. 13

حديثَ المقارنة، رغم أنه لم يثبت أن ثمة علاقة تاريخية بين الجاهليتين، ورغم أنه لم يقل أيضًا: إنه إزاء دراسة في الأدب المقارن، وهذا إن كان واعيًا أصلًا بوجود مثل ذلك التخصص في تلك المرحلة المبكرة من حياته الفكرية والنقدية، وعلى نفس هذا المنوال قارن الدكتور إبراهيم سلامة في كتابه (التيارات الأدبية في الشرق والغرب، دراسة في الأدب المقارن) بين الأدبين العربي والإغريقي في كل الفنون تقريبًا، حتى ما لم يكن بين الأدبين فيه صلة أو في أقل تقدير لم يثبت أنه كانت هناك بينهما تلك الصلة، كما في فن الملحمة والشعر التعليمي الحكمي. وعلى نفس المنوال أيضًا ضمن الدكتور جمال الدين الرمادي كتابه (فصول مقارنة بين أدب الشرق والغرب) عددًا من المقالات عن مقارنة هذا الموضوع أو ذاك، بين الأدب العربي وبعض الآداب الأوروبية، فتحدث مثلًا عن فصول السنة الأربعة واحدًا واحدًا، وكذلك عن الليل والقمر والبحر والحرب والموت والظهور والرومانسية وفن القصة والمسرح، في أدبنا وفي أدب الإنجليز وغيره من الآداب الأوروبية أحيانًا، وإمارة الشعر بين شوقي و"دريدن"، وهو من شعراء القرن السابع في بريطانيا، كما قارن بين اللورد "بيرن" وشاعر الغزل الأموي عمر بن أبي ربيعة، سواء في حياتهما الأسرية والشخصية أو في منحاهما الغزلي، وبين خليل مطران و"ألفريد دي موسيه"، وهي فصول شائقة وكاشفة ومثيرة للخيال رغم إيجازها واكتفائها ببعض الخطوط العامة، وعدم وجود صلات معروفة بين الأدبين المذكورين في الموضوعات التي تناولها المؤلف. بل رغم عدم اهتمامه ونفسه في تحري هذه النقطة أصلًا، ومن شأن هذه الفصول وأشباهها أن تدفع إلى مزيد من الدرس والتعمق والانطلاق إلى آفاق أرحب ودراسات أكثر تفصيلًا وإحاطة، أما بالنسبة للقارئ العام، فإنها ذات قيمة

стр. 14

عظيمة؛ لأن مثل هذا القارئ لا يحتاج إلى التعمق والتفصيل، وقد أعدت قراءة بعضها وأنا أكتب هذا الفصل لأجدد عهدي بها ولأكتسب الحساسية المطلوبة الكتابة عنها، إذ لا بد أن يعيش الناقد في الجو الذي يريد أن يتناوله بالكتابة، فوجدتها رغم إيجازها ممتعة مفيدة، فضلًا عما تخلقه في نفس الباحث من الرغبة في متابعة الدرس بغية المزيد من التفصيل والتدقيق والتعمق، ثم إنها فوق هذا كله وقبل هذا كله تساعد على خلق الوعي المقارني بين الجمهور العريض غير المتخصص في الأدب المقارن، وهو هدف جدير بالتنبه له والاجتهاد في توفير العوامل، التي تؤدي إلى بلوغه إذ ليس بالقليل أن نفكر في الارتفاع بالذوق الأدبي، وتوسيع الأفق الثقافي بوجه عام، والمقارنة بين ما عندنا وعند الآخرين لفرز الغث من السمين، والعمل على تنقية ما نملكه، وما نفكر في استعارته أو استلهامه من الأودار والشوائب. مفهوم الأدب المقارن من خلال الرؤى النقدية وهاهو ذا الباحث الكوري "سي ون شانج" يقوم بالمقارنة بين أدبه القومي، وأدبنا العربي، فيقر بأنهما وإن تشابها في بعض النقاط لم تقم بينهما يومًا أية صلات، نظرًا للبعد الجغرافي واختلاف السياق الثقافي هنا وهناك، وعلى هذا فهو يقترح استعمال المنهج الأمريكي في هذه المقارنة بين الأدبين؛ نظرًا لأنه هو المنهج الذي يصلح لهذه المهمة. يقول في مقال له على المشباك عنوانه: إمكانية الدراسة المقارنة في الأدبين العربي والكوري: إن مجال الأدب المقارن أصلًا شاسع وواسع؛ لأنه يمكن أن يتناول أدبين أو أكثر، ولعل مجال الأدب المقارن يتسع أكثر في حالة تناول أدبين ليس

стр. 15

بينهما تأثير وتأثر؛ لذلك فنحن مضطرون في هذا البحث إلى اختيار منهج من مناهج الأدب المقارن نراه مناسبًا للدراسة التي سنقوم بها؛ ولذلك أيضًا تم اختيار نماذج محددة من الأدب العربي والأدب الكوري للتطبيق عليهما، إن موضوع هذا البحث بالتحديد: البحث المقارن في الأدبين العربي والكوري، وستجد المقارنة بين الأدبين بمقابلتهما ببعضهما، واستخراج نطاق التشابه بينهما في الفترة الحديثة ومحاولة إثبات أن هناك شبهًا بين الأدبين في بعض ما يتميزان به من خصائص، مع أن هذا التشابه بين الأدبين قديم، ولا يقتصر وجوده على الفترة الحديثة. وعليه يمكننا مبدئيًّا القول: إن الأدبين العربي والكوري متشابهان على الرغم من أنهما صورة للآداب غير الأوروبية أولًا، وعلى الرغم من بعد الشقة المكانية بينهما التي يكون من المستحيل معها في تلك الفترة تأثير أحد الأدبين في الآخر ثانيًا. ربما يعود ذلك إلى تجربتهما المتشابهة تحت الاستعمار في العصر الحديث، ومنهج البحث المقارن التي تقوم عليه الدراسة يقصد دراسته في المقارنة بين الرواية في الأدبين في العصر الحديث، والمنهج الأمريكي في المقارنة الأدبية لا المنهج الفرنسي، إن المنهج المقارن الفرنسي تجري فيه المقارنة بين الآداب التي يرتبط بعضها ببعض على أساس من العلاقة الإخضاعية، وبعبارة أخرى: يذهب مؤيدو هذا المنهج إلى أنه يجب أن يكون هناك مؤثر ومتأثر، وناقل ومنقول عنه حتى تجري عملية المقارنة بين أدبين. فإذا لم يكن مثل هذه العلاقة أو التأثير موجودًا، فهذا يعني أنه من غير الممكن أن تقام المقابلة بينهما، بينما يدرس المنهج المقارن الأدبي الأمريكي أدبين على الأقل

стр. 16

على أساس من التساوي بينهما، بعيدًا عن علاقة التأثير والتأثر، فيبين نقاط الالتقاء والابتعاد بين المؤلفات، وهذا هو المنهج الذي سنتبعه في الرسالة لعدم وجود علاقات التأثير والتأثر بين الأدبين العربي والكوري، نتيجة عدم وجود اتصال بينهما في تلك الفترة لأسباب جغرافية واجتماعية، على الرغم من تشابههما، ذلك أن الأدب كان في بداية القرن العشرين مهيئًا لوقوع الأدب المحلي الصادق فيه بوصفه أدبًا يحاول الهروب من الغرب وإثبات ذاته. وعلى العموم أصبحت هذه الوجهة هي وجهة التيارات الأدبية المختلفة؛ لذلك ليس من المستغرب أن تتشابه الآداب في العالم في تلك الفترة، ويمكن أن نقول أيضًا: إننا اتبعنا هذا المنهج في الرسالة؛ لأن هذه رسالة تهدف إلى دراسة أبعاد العالم المتساوي. انتهى الكلام. بيد أنني أجد لزامًا علي بعد ذلك كله توضيح بأني لست من أنصار توسيع نطاق الأدب المقارن، بحيث يشمل أيضًا المقارنة بين الأدب وغيره من ألوان الإبداع والمعارف، طبقًا لما ينادي به "رينيه وليك"، وكذلك "إتش إتش رماك"، بل أرى في هذا تمييعًا للأمور، إذ من الواضح أنه لا يوجد في الواقع تجانس بين هذا اللون من الدراسة والمقارنة بين أدبين مختلفين، إننا في الأدب المقارن ندرس وجوه الاختلاف أو الاتفاق أو الصلة بين أدب وأدب، فلنبق داخل دائرة الأدب ولا نوسع الخرق على الراقع، وإلا لم تعد هناك حدود تميز هذا الميدان عن غيره من الميادين، ونحن بطبيعة الحال لا ننكر على أحد أن يدرس ما يشاء، بل كل ما نقوله: هو أننا لا نريد تمييع الحدود، حتى يكون الأدب المقارن شخصيته مثلما لكل علم آخر من العلوم المتصلة الأدب وغير الأدب شخصيته الواضحة المحددة، ولا يتحول لمثل مرقعة الدراويش، التي تتكون من قصاصات قماش متباينة الألوان والأشكال مخيط بعضها إلى بعض.

стр. 17

وعلى هذا، فإن مقارنة العقاد والمازني في شبابهما في عشرينيات القرن البائد مثلًا بين الشعر، وبين الفلسفة والفنون الجميلة على ما فيها من حساسية فنية وعمق في التحليل، وسعة في الأفق لا تعد في رأيي من الأدب المقارن على عكس ما يحاول الدكتور علي شلش أن يصنفها، لقد كان الدكتور شلش بإلماحته إلى العقاد والمازني وغيرهما يرد على كمال أبي ديب في دعواه بأن محاولات تجاوز تحديد الأدب المقارن بدراسة التأثر والتأثير في الغرب غير موجودة في العربية، ومع هذا فقد انتقد الدكتور حسام الخطيب ضآلة الاهتمام بين النقاد العرب بالربط بي الأدب والفنون الأخرى، بما قد يرجح أنه لم يتنبه إليه، ولا ما رد به على بلديه الدكتور كمال أبو ديب. وقد جاء كلام الدكتور الخطيب في سياق الدعوة إلى انفتاح المقارنين على الفنون والمعارف الأخرى، طبقًا لما يدعو به "وليك" و"رماك" في أمريكا، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد يكون من المفيد أن أسجل هنا أنني أصدرت منذ أكثر من سنتين كتابًا بعنوان (التذوق الأدبي)، خصصت فيه فصلًا كاملًا من بضع عشرات من الصفحات للمقابلة بين الأدب والفنون الأخرى من خيانة ونحت وتصوير وكاريكاتير وموسيقى وعمارة، سواء من ناحية الوسائل التي يتذرع بها كل من الطرفين في التعبير عما يريد، أو من ناحية قوة التأثير والإمكانات التعبيرية التي يوفرها، ومع هذا لم يخطر ببالي قط أن أعد ما فعلته من الأدب المقارن في شيء، بل لست أجد في نفسي مطاوعة لهذا التصنيف، وأرى من الأوفق وضعه في خانة التذوق الأدبي كما عنونته، أو ربما يمكن إدخاله باب نظرية الأدب إن كان لا بد من البحث له عن ميدان آخر. وأرى أن الدكتور حسام الخطيب وغيره من المقارنين على الحق في قلقهم على مستقبل الأدب المقارن من هذه الناحية، إذ ينادي في مقال له بالمشباك عنوانه:

стр. 18

الأدب المقارن في عصر العولمة تساؤلات باتجاه المستقبل بوجوب حل مشكلة التسارع في توسع الأدب المقارن من ناحية المقارنة المعرفية، مع مختلف العلوم والفنون إلى درجة اهتزاز بؤرة الارتكاز فيه، وصعوبة حصوله على الاعتراف الفكري، والقوة المؤسسية في الإطار المعرفي العام، وينتج عن ذلك عادة تقذير أقسام أو برامج الأدب المقارن مقابل ما تتمتع به الآداب القومية من قوة ومكانة. هذا، وقد وقف الدكتور طاهر مكي بشيء من الأناة عند مصطلح القومية، الذي يدخل في تعريف الأدب المقارن في قولنا: إن الأدب المقارن يقوم على المقابلة بين الآداب القومية المختلفة محاولًا أن يستكشف أبعاد هذا المصطلح، وما يمكن أن يثيره من مشكلات، وأطال وأجاد لكنه في نهاية المطاف ترك الأمر دون حسم، لقد تساءل قائلًا: ماذا نفهم من مصطلح أدب قومي؟ ما الحدود التي إذا تعديناها جاز لنا أن نتحدث عن أدب أجنبي وعن تأثر به، أو تأثير فيه؟ هل يقوم التحديد على أسس سياسية وتاريخية؟ أو على أسس لُغوية خالصة؟ ليجيب: بأنه بعد تأمل جاد يمكن القول: إن الاحتمال الثاني أقرب قربًا، وأدق منهجيةً، وأسهل تطبيقًا؛ لأن الحدود اللغوية كانت على امتداد التاريخ أكثر ثباتًا، وأقل تقلبًا مدًّا وجذرًا من الحدود السياسية. ثم ضرب مثالًا من ألمانيا التي كان كيانًا سياسيًّا واحدًا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم قسمت إلى دولتين بعدها، لكنهما ظلتَا مع هذا تتكلمان لغة واحدة، ومن ثم لا يمكن أن نقارن بين أدبهما بمفهوم الأدب المقارن. إلا أنه برغم ذلك لم يتوقف عند هذه النتيجة، بل استمر يستعرض أوضاعًا أخرى تختلف عن وضع الألمانتين، منها مثلًا وضع الجزائريين الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية رغم أنهم ليسوا فرنسيين، ومنها وضع الهنود الذين

стр. 19

يكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، ومنها وضع الأدباء الأمريكيين فهم يكتبون أدبهم بالإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، وكذلك معظم أدباء أمريكا اللاتينية فهم يكتبون أدبهم باللغة الإسبانية رغم أنهم ليسوا إسبانًا. ومنها أيضًا وضع الأدباء الكنديين الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية، وهي ليست اللغة الوحيدة التي يتحدثها أو يكتب بها الكنديون، بل تشركها في ذلك اللغة الفرنسية، ومثلهم الأدباء السويسريون الذين لا يكتبون أدبهم بلغة واحدة بل بلغات ثلاث هي: الفرنسية والألمانية والإيطالية وهكذا. وأشير هنا إلى أن عددًا من الباحثين الأمريكيين يرى أن الأدب الأمريكي والأدب الإنجليزي ليسَا أدبًا واحدًا، بل أدبين مختلفين؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين ثقافيًّا ومن ثم أدبيًّا. والدكتور طاهر مكي بهذا، وإن بدأ بجعل اللغة هي الفيصل في تحديد الهوية القومية، وهو ما قاله قبلًا الدكتور محمد غنيمي هلال الذي يؤكد: أن الحدود الأصيلة بين الآداب القومية هي اللغات، فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عَدَدْنَا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري، الذي انحدر منه وما زال يقول به كذلك المقارنون العرب عمومًا، كالدكتور محمد سعيد جمال الدين مثلًا، الذي يقرر ما قرره المرحوم هلال من أن الحدود الأصلية بين الآداب القومية هي اللغات، فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه؛ ولذلك يعد ما كتبه المؤلفون الفرس الذين دونوا مدوناتهم ومؤثراتهم باللغة العربية داخلًا في دائرة الأدب العربي لا الفارسي. أقول: إن الدكتور الطاهر مكي بهذا قد عاد فتركنا في حيرة من أمرنا، بل ربما في عماية منه حين أثار المشكلات السالفة الذكر دون أن يجيب على الأسئلة الشائكة

стр. 20

التي طرحها. إن الأدباء العرب على سبيل المثال الذين يصطنعون في إبداعهم لغة القرآن، لا يمثلون -فيما أتصور- أدنى مشكلة في تطابق اللغة والقومية، فنحن كلنا ندين بدين واحد ونصطنع لغة واحدة في كتابتنا، وفي حياتنا اليومية على السواء، بل إن الأقليات التي لها لغة أخرى إلى جانب العربية تتكلم هي أيضًا لغة يعرب، فضلًا عن أن التاريخ القريب والبعيد واحد أو متشابه على الأقل، وبالمثل فإن العادات والتقاليد هي أيضًا واحدة إن لم يكن من أجل شيء، فمن أجل أنها في معظمها مستمدة من الإسلام، كما أننا نعيش في منطقة واحدة متلاصقين لا متقاربين فقط، إلى جانب أننا جميعًا نتطلع إلى أن تكون بيننا في يوم من الأيام وحدة تجمعنا وتقوينا، وتكفل لنا الاحترام الدولي مثلما كان الحال من قبل، حين كانت هناك دولة واحدة أو عدة دول تخضع ولو خضوعًا اسميًّا لخليفة واحد. وفوق كل ذلك فإن الإسلام الذي ندين به يدعونا، ويلحف في الدعاء إلى أن نعتصم بالتعاون والتساند والتواصل والأخوة الدينية، وأن نبتعد عن أي شيء يمكن أن يهدد هذه الوحدة أو يلحق بها الضرر، ونحن -بحمد الله- ما زلنا نستمسك بديننا رغم وجود أقلية دينية هنا أو جماعة تختلف في اتجاهاتها الفكرية أو السياسية عن التيار العام الهادر هناك، مما لا يمكن أن يخلو منه أي بلد؛ لأن النقاء مستحيل، وبخاصة في هذا العصر الذي زاد فيه تجاور الاتجاهات الثقافية، وتعايش الديانات داخل حدود الوطن الواحد. هذا عن الأدباء العرب الذين يعيشون في الوطن العربي، ويبدعون أدبهم باللغة العربية لكن ماذا عن العرب الذين يعيشون في أمريكا مثلًا، ويكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية؟ أو في فرنسا، ويكتبون أدبهم باللغة الفرنسية؟ وماذا عن الكرد الذين

стр. 21

يعيشون في العراق مثلًا، ويبدعون أدبهم باللغة الكردية؟ أو البربر الذين يعيشون في بلاد المغرب العربي، ويكتبون أدبهم بالأمازيغية؟ وماذا عن الفرس الذين يكتبون أدبهم باللغة العربية؟ إن المسألة في كل حالة من هذه الحالات تحتاج إلى تأن في التحليل ومرونة في التفكير، وربما لم نصل بعد ذلك كله إلى حل مرض، إذ دائمًا ما توجد على الحدود الفاصلة بين المفاهيم والمبادئ حالات تشكل علامة استفهام وقلق، ولا يصل الباحث بشأنها إلى شيء حاسم. فأما في حالة الكرد الذين يكتبون أدبهم باللغة الكردية، فأرى أن يطلق على ما يكتبون الأدب الكردي، حيث تتطابق في حالتهم اللغة والعرق، ومثلهم في ذلك البربر الذين يكتبون أدبهم بالأمازيغية، فيسمى هذا بالأدب الأمازيغي، لكن الأمر يختلف في حالة العرب الذين يعيشون في فرنسا ويصطنعون لآدابهم الفرنسية، ولكنهم لا يكتبون إلا عن بلادهم الأولى، ومشاكل المجتمعات التي وفدوا منها، ولا ينتمون إلى القومية الفرنسية ولا يشعرون من الناحية السياسية أنهم فرنسيون حتى لو تجنسوا بالفرنسية. والدليل على هذا أن أعمالهم إنما تتناول أوطانهم وأوضاع شعوبهم التي نزحوا منها، سواء كان ذلك النزوح نزوحًا أبديًّا أو مؤقتًا، إن العبرة هنا بمضمون الأدب وروحه وطعمه وتوجهاته واهتماماته، وعلى هذا نقول عن ذلك اللون من الكتابة: إنه أدب عربي مكتوب بالفرنسية، وهذا الأدب يمكن أن يكون محل دراسة مقارنة مع الأدب الفرنسي، ولكن من ناحية أخرى هدفها التعرف إلى مدى اختلاف أسلوب الكاتب عن الأسلوب الفرنسي الأصيل، أو اتفاقه معه في نكهته ومفرداته وتراكيبه وعباراته وصوره، ومثله ما يكتبه الأدباء الهنود أو أدباء جنوب أفريقيا في بلادهم بالإنجليزية، إذ إن أعمالهم في هذه الحالة إنما ترتبط

стр. 22

ببلادهم، ومجتمعاتها، وتاريخها، وتطلعاتها ومشاكلها، وعاداتها، وتقاليدها، وأديانها، وحياتها اليومية لا ببلاد "جون بول". ولكن إذا كان الأديب من هذا النوع يعيش في فرنسا مثلًا أو بريطانيا، واندمج اندماجًا تامًّا في الوسط الجديد، وأضحى يعتنق ما يعتنقه أصحاب ذلك الوسط ويردد آراءهم، ويتخذ مواقفهم، وينطلق من رؤيتهم الحضارية والقومية، وينصبغ بصبغتهم الاجتماعية، ونسي وطنه وقوميته القديمة ولم يعد يهتم بمشكلات الأمة، التي كان ينتسب إليها من قبل إلى آخره، فعندئذٍ فالمنطق يقتضي إلحاقه بالأدب الذي يصطنع لغته إذن. أما أمريكا التي يُدرس أدبها عادةً على أنه جزء من الأدب الإنجليزي، فهناك من باحثيها كما رأينا مَن يناضل ضد الفكرة القائلة: بأن ما يكتبه الأمريكان والإنجليز هو أدب واحد؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين سلكتَا منذ القرن التاسع عشر طريقًا ثقافيًّا، وبالتالي أدبيًّا متباعدًا تمامًا، ويرون أن إنتاجهم الأدبي يدخل في مجال الأدب المقارن على الرغم من أنهما مكتوبان باللغة نفسها، ولا شك أن أمامنا في هذه الحالة قوميتين مختلفتين لا تتطلعان إلى قيم واحدة بينهما، إن لم يكن بسبب أي شأن آخر، فبسبب المسافة الشاسعة التي تفصل بين الشعبين، كما أن بينهما تاريخًا من الصراع والحروب فضلًا عن اختلاف مضمون الأدبين وروحيهما، واهتمامات كل منهما، وطعمه مما عليه المعول الأكبر في مثل هذا التمييز كما قلنا من قبل. ومثل أمريكا في ذلك الأمر القارة الأسترالية. باختصار نخرج من هذا: بأنه في حالة تطابق اللغة والقومية أو الوطن، فحينئذٍ فلا مشكلة أما إذا كان ثمة تعارض فالعبرة بالشعور القومي للكاتب، واتجاهاته وهمومه، وبمضمون العمل الإبداعي والروحي، لكن هل تراني قلت الكلمة الفصل في هذا السبيل؟ لا أظن. بل هي مجرد وجهة نظر ينبغي أن تُدرس وتحلل، وتبدى فيها الآراء وهذا كل ما أستطيع أن أقوله ولا أزيد.

стр. 23

هل يعد نشوء علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر مفارقةً ؟ كذلك أثار الدكتور محمد سعيد جمال الدين نقطة جديرة بالتأمل والبحث، إذ يرى أن نشوء علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر يعد مفارقةً تستوقف النظر إذ قال: والحق أننا نعجب لنشأة هذا العلم في أوربا في وقت سادتها روح العصبية القومية، ونشبت الحروب بين دولها، وكان التنازع والتكالب على اكتساب المغانم الاستعمارية على أشده بينها، مما عمق فكرة الأثرة القومية والعصبية المقيتة في نفوس الشعوب الأوروبية، وأخذ كل واحد من هذه الشعوب ينظر إلى الآخر نظرة العداء والازدراء، ووجه العجب هنا أن طبيعة الأدب المقارن لا تتفق مطلقًا مع روح التعصب والأثرة القومية، فهو يقف في الوسط ليرصد التيارات الفكرية المتبادلة بين الآداب المختلفة، ويرقب عوامل التأثير والتأثر فيما بينها. فكيف يتسنى لهذا العلم أن يقوم بمهمته هذه في ظل جو مشبع بعوامل الاستعلاء والتميز القومي؟ كيف يمكن لهذا العلم أن يعنَى بدراسة نقاط الالتقاء بين الآداب والسمات المشتركة بينها في وقت كان هم كل أمة من هذه الأمم الأوروبية منحصرًا في بيان أوجه الاختلاف، والتعارض بين أدبها وآداب غيرها، وفي أن أدبها هو الأكثر كمالًا وفضلًا؟ لقد كان المزاج الأوربي الذي ساد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مشبعًا بأسباب التنافر والتباعد، لا بمظاهر التآزر والتقارب، حقًّا لقد كانت هناك نقط

стр. 24

التقاء توحد بين الأدباء الأوربيين في ذلك الوقت، إذ كانوا يرون في شعراء اليونان واللاتين القدماء مثلهم الأعلى، الذي يتعين عليهم أن يحتذوه إلا أن روح القومية التي سادت في ذلك الوقت كانت تعصف بكل رغبة في التسليم بتبادل التأثير بين الآداب الأوروبية بعضها وبعض. لكن ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر حركة نادت بالأدب المقارن، حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحد، يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي، وقيم إنساني وفنية، وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني "جوته" الذي عد نفسه نموذجًا تتجمع فيه صفة العالمية، فلقد كان مطلعًا على الآداب الأوروبية متمثلًا قيمها واتجاهاتها، ومد بصره إلى خارج الحدود الأوروبية الضيقة المضطربة، فوجد في الآداب الشرقية الإسلامية عاملًا رحبًا لا نهائيًّا من الطهر والطمأنينة، بَدَا له وكأنه قَبَس من نور النبوة، كما وجد منبعًا صافيًا من الإبداع والإلهام المتجدد عبَّر عنه بوضوح في ديوان سماه (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) كتب في مقدمته: هذه باقة من القصائد يرسلها الغرب إلى الشرق. ويتبين من هذا الديوان أن الغرب قد ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة، فتطلع إلى الاقتباس من صدر الشرق، ولقد استطاع "جوته" بثقافته العميقة الواسعة، ومكانته البارزة وقدرته الفذة على الإبداع أن يجعل فكرة التواصل بين الآداب الأوروبية خاصةً والآداب كلها بعامة تستقر في الأذهان، وتصبح من الأمور المسلمة التي لا تقبل الجدل على الرغم من طغيان العصبية القومية في أوربا،

стр. 25

وهكذا بدأت دعوة الأدب العالمي، وكأنها كانت بمثابة تمهيد طبعي لنشوء فكرة الأدب المقارن. انتهى كلام الدكتور محمد سعيد جمال الدين. والواقع أنه لا ينبغي أن يكون ثمة عجب، إذ من قال: إن الأدب المقارن قد نشأ وهدفه التقريب بين الشعوب والأمم على أساس من روح الأخوة، إن هناك فرقًا كبيرًا بين رغبة بعض العلماء والمفكرين في أن يؤدي الأدب المقارن إلى نشوء هذه الروح، وبين استجابة النفوس البشرية التي تمارس وتشتغل به لهذه الروح، ذلك أنه كان هناك دائمًا -وسيظل هناك دائمًا- فجوة بين المثال والواقع كبرت هذه الفجوة أم صغرت، فهذه هي طبيعة الطبيعة البشرية، وعلى أية حال فهناك عوامل أخرى للأدب المقارن كانت وما زالت وراء اهتمامي بهذا الفرع من فروع البحث، منها إرضاء الفضول البشري، الذي يريد أن يعرف إلى ذاك الأدب أو هذا، وإلى أين يمكن أن يذهب بعد ذاك؟ ومنها أيضًا الرغبة الفطرية في المقارنة بين المتشابهات والمتخالفات في أي شيئين من جنس واحد، إن لم يكن من أجل شيء، فمن أجل إرضاء النزعة العقلية المقارنية، التي لا تهدأ عند بعض الناس إلا إذا اشتغلت ولا ترتاح إذا بقيت خاملة لا وظيفة لها، ثم هم بعد هذا كله لا يمكنهم أن ينسوا قوميتهم ولا حبهم لبلادهم وشعوبهم، ولا إيثارهم لحضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأذواقهم وفنونهم وآدابهم، وبخاصة إذا كانوا ينتمون إلى أمور قوية تتطلع إلى جر الأمور الأخرى وراءها، كأنها القاطرة وعرباتها، ولا تريد لأحد أن يخالف عن رأيها، ولا أن يكون له ذوق يتميز عن ذوقها، بل يمتاز عليها، أما الكلام والتشدق به فما أسهله لكن الكلام وحده لا يجعل الأمنيات حقيقة واقعة محترمة من الجميع،

стр. 26

وإذا كانت الطبيعة البشرية لم يستعصِ عليها أن تتلاعب بالدين ذاته، وأن تحوله إلى أداة للتكسب والخداع والقتل والتدمير في كثير من الأحيان، أفنظن أن الأدب المقارن سوف يسهل أمامها، ويكون عندها أقدس وأجل وأكثر تبجيلًا؟ وفي كلام "رينيه وليك" التالي ما يؤكد ما قلته، فقد ذكر أنه إن كان ظهور الأدب المقارن قد جاء رد فعل ضد القومية الضيقة التي ميزت الكثير من بحوث القرن التاسع عشر احتجاجًا ضد الانعزالية لدى الكثير من مؤرخي الآداب الأوروبية، فضلًا عن تصدر التبحر في هذا العلم من بعض العلماء الذين يقعون على مفترق الطرق بين الشعوب، أو على الحدود بين شعبين على الأقل أي: ينتمون مثلًا لأبوين من بلدين أوربيين مختلفين، فإن هذه الرغبة الأصيلة في أن يعمل دارس الأدب المقارن كوسيط بين الشعوب، وكمصلح لذات بينها غالبًا ما طمسته وشهوته المشاعر القومية الملتهبة، التي سادت تلك الفترة وفي ذلك الموقع. وهذا الدافع الوطني في أساسه، الذي يكون خلف العديد من دراسات الأدب المقارن في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها أدى إلى نظام غريب لمسك الدفاتر الثقافية، وإلى الرغبة في تنمية مدخرات أمة الباحث عن طريق إثبات أكبر عدد ممكن من التأثيرات التي أثرتها أمته على الشعوب الأخرى، أو عن طريق إثبات أنه متى الكاتب قد هضمت أعمال أحد العظماء الغرباء، وفهمته أكثر من أي أمة أخرى، ثم مضى "وليك" فأعطانا أمثلةً على هذا التعصب القومي من واقع الدراسات الأدبية المقارنة في فرنسا وأمريكا. خلاصة القول: إن الشعارات واللافتات المرفوعة وحتى العوامل والبواعث التي تكمن وراء نشوء عمل ما شيء، والواقع الذي ينتهي إليه هذا العمل أو يُساق نحوه سوقًا شيء آخر، باختصار:

стр. 27

الطبيعة البشرية هي هي الطبيعة البشرية، ولا أحسبها ستتغير في المستقبل حتى لو دخلت تغيرات جذرية على التكوين البيولوجي للإنسان، كما يلمح بعض العلماء الآن؛ اعتمادًا على ما يظنونه أو يرجونه من إمكانات التماسك البشري، بالتأكيد سوف يساعدنا الأدب المقارن على مزيد من فهم بعضنا بعضًا، لكنه لن ينجح في قلع ما غرس في أغوار نفوسنا العميقة منذ أول الخلق. إن الغربيين بوجه عام بحسب الرطانة الجديدة لا يريدون مثاقفة بينهم وبين الآخرين، بل يريدون في أقل القليل غزوهم الثقافي. والمثاقفة بعكس الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محو الآخر، وإلحاقه وفرض التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية وعدوانية متغطرسة تقوم على الندية والاحترام والتسامح والاعتراف بخصوصية الآخر واختلافه، وفي إطارها تتفاعل الجماعات والشعوب، وتتواصل بهدف الاغتناء المتبادَل؛ لهذا فهي تفترض الثقة والرغبة في التواصل والتقدم والتطور واكتساب العلم والمعرفة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 28

الدرس: ٢ بحوث الأدب المقارن ومجالاته .

стр. 29

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (بحوث الأدب المقارن ومجالاته) بحوث الأدب المقارن فنقول: الأدب المقارن هو -كما وضحنا من قبل- فرع من فروع المعرفة يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر ينتمي كل منهما إلى أمة، أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر واحد أو أكثر من عناصر أدب قومي ما ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بغية الوقوف على مناطق التشابه ومناطق الاختلاف بين الآداب، ومعرفة العوامل المسئولة عن ذلك. كذلك فهذه المقارنة قد يكون هدفها كشف الصلات التي بينها، وإبراز تفسير أحدها في غيره من الآداب، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها معرفة الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى من خلال أدبها، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب إلى آخره. أما تأكيد بعض الدارسين المقارنين أن الأدب المقارن لا يعد الدراسات التي تجري بين نتاجات أديبين من قوميتين مختلفتين، ولكن لا توجب بينهما صلة تاريخية أو ثقافية لا يعدونها دراسة مقارنة، إذ يجب في رأيهم أن يكون ظاهرًا لدى من يقوم

стр. 30

بالمقارنة، أن الأدب القومي واقع تحت تأثير أدب أجنبي، واستفاد منه، وانتهج بعض أساليبه وجوانبه الفنية، وعليه أن يثبت كيفية التقاء هذين الأدبين، وزمن التقائهما ونوعية تأثير أحدهما في الآخر، وأن أهمية الأدب المقارن من ثم لا تقف عند حدود دراسة التيارات الفكرية، والأجناس الأدبية والقضايا الإنسانية في الفن، بل لا بد له أن يكشف عن جوانب تأثر الكتاب في الأدب القومي بالآداب العالمية، فهو تأكيد في غير محله، إذ الأدب المقارن لا ينحصر في دراسة التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، كما وضحنا، وإن كانت بعض مدارسه تشترط ذلك، وهي المدرسة الفرنسية ومَن يلفون لفها. ذلك أن دراسة التأثير والتأثر بين مختلف الآداب إنما تمثل جانبًا واحدًا من جوانب بحوث الأدب المقارن، وفي هذه الحالة فإن الأدب المقارن كما يوضح أولئك المقارنون يدرس مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة في حاضرها، أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أيًّا كانت مظاهر ذلك التأثير أو التأثر، سواء تعلقت بالأصول الفنية العامة للأجناس والمذاهب الأدبية أو التيارات الفكرية، أو اتصلت بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو تحاكى في الأدب، أو كانت تمس مسائل الصياغة الفنية، والأفكار الجزئية في العامل الأدبي، أو كانت خاصة بصور البلاد المختلفة، كما تنعكس في آداب الأمم الأخرى بوصفها صلات فنية تربط ما بين الشعوب والدول بروابط إنسانية تختلف باختلاف الصور والكتاب. ثم ما يمت إلى ذلك بصلة من عوامل التأثير والتأثر في أدب الرحالة من الكتاب. ولعل أقدم ظواهر تبدل التأثير قد تمثلت في دراسة أثر الأدب الإغريقي في نظيره الروماني،

стр. 31

ويقرر بعض دارسي الأدب المقارن أن الانكسار العسكري لحضارة ما يمنحها الطاقة للتأثير الثقافي، كما حصل قبل ذلك في الحضارة السومرية، التي منحت إبداعها الثقافي لغيرها من الحضارات على الرغم مما منيت به من هزيمة عسكرية، وهو ما يذكرنا بما نقرؤه من أن روما مدينة لأثينا في كثير من إبداعاتها، رغم انهيار القوة العسكرية لتلك الأخيرة، وإلى هذا يعزى ظهور نظرية المحاكاة عند النقاد اللاتين في عصر النهضة الأوروبي. ولكن بمجيء عصر النهضة التفت الأوروبيون مجددًا لتراثهم اليوناني اللاتيني بمساعدة الترجمات العربية، فعاد أدب عصر النهضة إلى نظرية المحاكاة، وبالتحديد إلى ما ساد الأدبين اليوناني واللاتيني من عناية بالإنسان ومشكلاته واقعيًّا بديلًا للرؤى الميتافيزيقية لأدب القرون الوسطى، وكان أوضح عمل في بداية القراءات الأولى، التي تدخل في الأدب المقارن قراءة الشاعر الناقد دورًا في القرن السادس عشر من جماعة الثريا الفرنسية، الذي قدم المحاكاة عمليًّا مشيرًا إلى تأثير اليوناني في اللاتين، مثل تأثير الخطيب اليوناني "دي موسيه" في "شيشرون"، وتأثير "هوميروس" في "يورجيل"، وتأثير "بنداروس" في "هوراس". ويشمل التأثير والتأثير كثيرًا من الموضوعات الأدبية، فقد يتعلق بأديب من الأدباء، وقد يتعلق بموضوع أدبي، وقد يتعلق بأسلوب لُغوي، وقد يتعلق بشكل فني، وقد يتعلق باتجاه فكري، وقد يتعلق بجنس من الأجناس الأدبية، وقد يتعلق بقواعد تخص هذا الجنس أو ذاك، وقد يتعلق بنموذج أو شخصية أدبية إلى آخره. ويتناول الباحثون في الأدب المقارن هذا الموضوع الأدبي أو ذاك، فيتابعون انتقاله من أدب إلى آخر محاولين معرفة الطريق التي سلكها في رحلة الانتقال، والعوامل المسئولة عن ذلك الانتقال، ومسجلين ما يطرأ عليه من تحويرات أو تعديلات.

стр. 32

ومع هذا يشير الباحثون في الأدب المقارن إلى أن هناك موضوعات تقليدية غاب أصلها الأدبي في غياهب الزمن، فلم نعد نعلم عن انتقالها من هذا الأدب إلى ذاك شيئًا، وذلك مثل: أسطورة خاتم سليمان، وأسطورة طاقية الإخفاء، وأسطورة الشحاتة الطيبة الجميلة التي تتزوج ملكًا، وفي كل موضوع من تلك الموضوعات نجد تفصيلات يضيفها كل كاتب إليه، فتعطيه نكهته التي يتميز بها عن معالجة مبدع آخر لذات الموضوع. وتقوم المقارنة الأدبية هنا بتبيان الفروق ووجوه الاتفاق والاختلاف بين المعالجات المختلفة لذلك الموضوع، ويؤكد الدارسون المقارنون عن حق أن التأثر بإبداعات الآخرين لا يعد عيبًا، فالحياة قائمة على التعاون والأخذ والعطاء، وليس هناك مبدع يأتي بإبداعاته من الفضاء الخارجي، بل الكل يعتمد على الكل إن صح التعبير، وفي تلك الإضافات والتفصيلات يمكن أن تكمن العبقرية الإبداعية، وفي وسع الدراسات المقارنة أن تتناول مثلًا موضوع الغيرة، أو الانتقام أو التضحية في سبيل الواجب، أو بعض العادات أو السلوكيات أو المعتقدات أو القيم، فتلقي ضوءًا قويًّا كاشفًا على عبقرية الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع. لنأخذ مثلًا مسرحية "فاوس" لـ"جوته"، حيث نرى "فاوس" في أول المسرحية شقيًّا كل الشقاء بعقله ويهم بالانتحار، ثم يتولد فيه الأمل ويأخذ في نشدان السعادة عندما يبدأ في التفكير في المستقبل، ويظل على هذا طوال الجزء الأول من المسرحية، وينتهي هذا الجزء بنجاة "مارجريت" منه ومن روح الشر المسيطرة

стр. 33

عليه، وتفضل البقاء في السجن والبعد عن حبيبها، وفي الجزء الثاني يظل "فاوس" منغمسًا في تجارب الحياة المادية إلى أن يتعرف على "هيلين"، رمز الجمال الخالص فيهتدي عن طريقها إلى الخير والعفة والفضيلة، وهذه القصة نفسها تمثل المحور العام لمسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم، إذ هي أيضًا تعالج قضية الصراع بين العقل والقلب، مما يوضحه تأثر توفيق الحكيم بـ"جوته"، كما لاحظ الدارسون المقارنون الذين عكفوا على دراسة هذين العملين. ونفس الأمر نجده عند اللور "بيرن" في مسرحية "مانفرد"، التي نُشرت عام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين، والتي تأثر فيها الشاعر الإنجليزي من بعض الوجوه بمسرحية نظيره الألماني، إذ يظهر الساحر "مانفرد" فريسة لليأس والندم بسبب حب آثم قضى على محبوبته، فيحاول استدعاء أرواح الأرض والسماء؛ لنجدته، إلا أنها تعجز عن أن تهبه نعمة النسيان، فيحاول الانتحار لكن يتم إنقاذه، ورغم ذلك يأبَى الخضوع للأرواح الشريرة، ثم يظهر شبح المحبوبة التي تأبى أن تغفر له ما صنعه معها، وتتنبأ بموته في الغد، وفي لحظة الموت تظهر أرواح الشر، فيرفض أن يخضع لها كما رفضت "مارجريت" في مسرحية "فاوس" أن تخرج من سجنها جزعًا من روح الشر، ويلعن "مانفرد" الشياطين؛ لأنه لا يصح المعاقبة على الجرائم بجرائم مثلها، فعذاب الضمير أبشع من عذاب الجحيم. وهناك أيضًا مسرحية "أوديب الملك" التي كتبها الشاعر اليوناني "سوفوكليس" في القرن الخامس قبل الميلاد، وموضوعها سلطان القدر الساحق الذي قد يحول انتصارات المرء إلى هزائم، وهزائمه إلى انتصارات، والموضوع الذي تدور عليه مسرحية أوديب عبارة عن أسطورة يونانية شهيرة، وقد تأثر توفيق الحكيم بتلك المسرحية في مسرحية "الملك أوديب" التي نشرها سنة ألف وتسعمائة وتسع وأربعين ميلاديًّا.

стр. 34

ولكن إذا كان "أوديب سوفوكليس" يعاني من مشكلة البحث عن الحقيقة، فإن أوديب توفيق الحكيم كما نبه إلى ذلك الدارسون الذين قاموا بالمقارنة بين المسرحيتين، يعاني من مشكلة الصراع بين الحقيقة والواقع، وقد دخل الأديب الحضرمي المصري علي أحمد باكثير على الخط، فألف هو أيضًا مسرحية بعنوان "أوديب" ذاكرًا أن هدفه من كتابتها هو محاولة تشخيص المشكلة الفلسطينية، وإن حوى العمل إلى جانب هذا هجومًا على البدع التي أخذت تشيع في البيئات الإسلامية منذ العصر الفاطمي، ويقوم على الترويج لها طبقة من المتاجرين باسم الدين. وفي نفس السياق نجد مسرحية "بكماليون" التي نشرها توفيق الحكيم سنة ألف وتسعمائة وثلاث وأربعين ميلادية، وتأثر فيها بمسرحية تحمل ذات الاسم للكاتب الأيرلندي "برناردشو"، وإن أدار توفيق الحكيم عمله حول فكرة التردد بين مثالية الفن وواقع الحياة عكس "برناردشو"، الذي طرح مشكلة الطبقية، وبالمناسبة فمن الممكن أن يدرس الأدب المقارن مثل هذه التأثيرات في أي مجال من مجالات الإبداع الأدبي، علمًا بأن بعض المقارنين الأدبيين قد وصل بنواحي التأثير والتأثر إلى عدد يصعب إحصاؤه. دراسة جوانب التأثر والتأثير في النماذج الاجتماعية والإنسانية وهذه النماذج الأدبية يمكن أن تنقسم إلى نماذج الشعوب المختلفة، كالفرنسي والألماني والمصري والصيني، أو نماذج المهن والوظائف، مثل: الشيخ والكاهن والفلاح والطبيب والمحامي والصيدلي وحفار القبور والجاسوس والبغي، وقاطع الطريق. أو نماذج التشويه البدنية والنفسي كالمخنث والأعمى والمعتوه والأحدب والمقامر والسكير.

стр. 35

ويستطيع المقارن الأدبي أن يدرس تصوير الأدباء لهذه النماذج الاجتماعية والإنسانية عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رأوها في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض، واختلاف بعضهم عن بعض، فمن ذلك مثلًا: شخصية الفلاح التي تناولها عدد كبير من الأدباء، وصوروا حياته وآلامه ومعاناته، وقد لاحظ بعض الدارسين أن عددًا من الأدباء المصريين والعرب قد تأثروا بالأدب الروسي في تصوير الفلاح المصري. كذلك من الممكن أن ندرس جوانب التأثر والتأثير بين الكتاب الذين تناولوا شخصية البغي، فبعضهم عد المومس امرأة فاضلة، بل قدمها في صورة ملاك يساعد ويعطي دون انتظار أية مكافأة، مما لا يفعله كثير ممن يتشدقون بالتدين أو بالأخلاق الفاضلة. ولعل خير مثال على ذلك مسرحية "غادة الكاميليا" لـ"أكسندر دوماس"، وكذلك شخصية نور في رواية نجيب محفوظ (اللص والكلاب)، ولولا في روايته الأخرى (السمان والخريف)، وقد صور بعض الكتاب المومس في صورة ضحية مغلوبة على أمرها، فلا ذنب لها في سقوطها، بل المسئول عن ذلك المجتمع، الذي دفعها إلى الرذيلة دفعًا، وبعض ثالث عدها آفة اجتماعية لا سبيل إلى إصلاحها، وخطرًا داهمًا على المجتمع الذي تعيش فيه، ومما لا شك فيه أن مسرحية "غادة الكاميليا" كان لها أثر كبير على الكتاب العرب، الذين تناولوا شخصية المومس الفاضلة، ويعد نجيب حداد من الكتاب الذين قلدوا غادة الكاميليا في روايته "إيفون منار أو حواء الجديدة"، التي تأخذ على عاتقها رد اعتبار العاهرة، وتأثر بها بأفكار كل من "رومان رولا" و"ألكسندر دوماس" وغيرهما من الأدباء الفرنسيين.

стр. 36

ولعل الحداد كما كتب بعض الدارسين المقارنين هو أول من تطرق لموضوع الدفاع عن البغي في الأدب العربي الحديث. وهناك مثال آخر على الموضوعات أو النماذج التي يتناولها الأدب المقارن، وهو موضوع الحب المحرم في الآداب العالمية، حيث يمكن تتبع رذيلة ارتكاب المحرم عن طريق نشوء عاطفة آثمة داخل الأسرة، بدءًا من مسرحية "هيبوليت" للشاعر المسرحي الإغريقي "يوربجيس" مرروًا بمسرحية "فِدر" في القرن السابع عشر الميلادي، بقلم الكاتب المسرحي "راسين" وصولًا إلى معالجة نفس القضية مع تغير الأدوار في مسرحية "تحت أشجار الدردار"، للكاتب الأمريكي "جين أونيل"، ومسرحية "اللص" لتوفيق الحكيم، ومن النماذج العامة نموذج البخيل، الذي دارت حوله مسرحية الشاعر اليوناني "مناندر"، وإن لم تصل هذه المسرحية إلينا إلا أن الشاعر الروماني "بلوتوس" قام بمحاكاتها في مسرحية عنوانها "ألولاريا" كما جرى تصوير هذا النموذج في مسرحيات أخرى في بعض الآداب الأوروبية، من أشهرها مسرحية "البخيل" للشاعر الإيطالي "كارلو جولدني". ولدينا أيضًا مسرحية "البخيل" للكاتب الفرنسي "موليير"، التي كان لها أثر كبير على المسرحيين العرب. كذلك هناك النماذج الأسطورية الخيالية التي تعود إلى حكايات قديمة، أو موغلة في القدم تحورت أو تشوهت أو فقدت معناها الأصلي، ومن هذه النماذج نموذج الشيطان كما في مسرحية "فاوس" لـ"جوته" ومسرحية "مانفرد" لـ"بايرون" اللتين سبقت الإشارة إليهما، وكذلك نموذج الساحرة الشريرة كما في مسرحية "ماكبث" لـ"شكسبير"، ونموذج الشبح كشبح "هاملت" في مسرحية "شكسبير" المسماة بهذا الاسم، وهناك نماذج أسطورية تحولت إلى رمز فلسفي أو اجتماعي وتناولها كل أديب من وجهة نظره الخاصة، التي تتفق مع عصره وظروفه، ومن هذه النماذج نموذج "بكماليون"، وهو فنان من جزيرة قُبرص هام عشقًا بجمال تمثال صنعه بيده. وهذا الموضوع نفسه نجده في الأدب الروماني القديم في قصة المسخ عند "أوفيد"، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد، وعرض نفس

стр. 37

الفكرة كتاب وشعراء مختلفي الآداب، ومنهم توفيق الحكيم في مسرحيته "بكماليون"، التي نشرها عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين ميلادية، وإن كان الحكيم يطرح فيها مسألة التردد بين مثالية الفن وواقع الحياة، وهو ما سبق الحديث عنه مثلما سبق الحديث عن "برناردشو" ومسرحية "بكماليون"، التي عالج فيها مشكلة الطبقية في المجتمع الإنجليزي، ومما لا شك فيه أن الحكيم قد تأثر بكل المصادر الأدبية التي عالجت تلك الشخصية، وتدور مسرحية توفيق الحكيم المسماة "شمس النهار"، والتي نشرها سنة ألف وتسعمائة وخمس وستين حول الفكرة التي تقول: إننا نقدر ونحب من نصنعه أو نعلمه أكثر مما نقدر ونحب من صنعنا هو أو علمنا، وهي نفس الفكرة التي نجدها في "بكماليون أوفيد الروماني"، وتأثر بها عدد من الفنانين والأدباء والشعراء. ومن تلك النماذج الأسطورية أيضًا نموذج "برومسيوس"، إله النار لدى الإغريق، وقد تناوله العديد من الشعراء في شعرهم، وكذلك بعض كتاب المسرح في مسرحياتهم بدءًا من الشعراء الإغريق، ووصولًا إلى الكتاب الأوربيين في عصر النهضة الأوربية، وكذلك تأثر بهذه الأسطورة الشاعر التونسي المعروف أبو القاسم الشابي في ديوانه (أغاني الحياة)، وكذلك الشاعران المصريان عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد على سبيل المثال، كما يقال لبعض دارسي الأدب المقارن. أما نموذج الشيطان فهو نموذج دخل إلى الأدب، فاتخذه الشاعر الإنجليزي "جون ملتون" الذي عاش بين عامي ألف وستمائة وثمانية، وألف وستمائة وأربعة وسبعين، أساسًا لملحمته

стр. 38

الفردوس المفقود، كذلك يعبر الرومانسيون على لسان الشيطان عن آرائهم فيما ينتابهم من مخاوف وأحزان وشكوك، ويبدو واضحًا جليًّا أثر هذه الشخصية في الأدب الروسي الرومانسي عند "درمن توفن" الروسي، في قصيدته عن الشيطان التي تأثر فيها إلى حد بعيد بالشاعر الإنجليزي "بايرون"، أما "فيكتور هيجو" فقد جعل الشيطان ممثلًا للإنسانية كلها عند ابتعاده عن الله -جل وعلا- ولعباس محمود العقاد قصيدة عنوانها "ترجمة شيطان" تحدث فيها عن شيطان ناشئ سئِمَ حياة الشياطين، وتاب عن صناعة الإغواء، إلا أنه لم يستطع التخلص من طبيعته الإغرائية إلى آخر الشوط، والقصيدة في مجملها تضم الكثير من آراء العقاد وتطلعاته الفلسفية، التي ساقها على لسان الشيطان، وهو فيها متأثر إلى حد كبير بالرومانسيين الأوربيين، حسبما وضح عدد من الدارسين المقارنين ممن تناولوا ذلك العمل. وثم مجال آخر يتعلق بدراسة الشخصيات المتميزة، وتناوله بالبحث الدارسون المقارنون ومنه شخصية جحا، التي تعود إلى المصادر الشعبية، وأصبحت موضوعًا تتناوله الآداب العالمية بمختلف ألوانها، إذ نجده في الأدب الشعبي المصري، وفي الأدب الشعبي التركي، وفي الأدب الشعبي القوقازي، والأدب الشعبي الفارسي، وهو في كل ذلك رمز للإنسان البسيط خفيف الظل، الذي يعبر عن رأيه في شجاعة منتقدًا أوضاع السلطة الحاكمة الفاسدة أو المستبدة، حاملًا ملامح كل أمة ينتمي إليها حسبما لوحظ أي: أنه على الإجمال خير معبر عن الوجدان الشعبي، وموقفه من عصور القهر والظلم. ومن تلك النماذج أيضًا شخصية شهرزاد بطلة قصص ألف ليلة وليلة، التي نقلت إلى الآداب الأوروبية، وأصبحت رمزًا للاهتداء إلى الحقيقة عن طريق القلب والعاطفة، وعن هذه القصص أيضًا انتقل موضوع علاء الدين والمصباح السحري إلى

стр. 39

الآداب المختلفة، ومنها كذلك أخذ توفيق الحكيم مسرحيته "شهرزاد" التي نشرها سنة ألف وتسعمائة وأربع وثلاثين، وطه حسين روايته "أحلام شهرزاد"، التي نشرها سنة ألف وتسعمائة واثنتين وأربعين ميلادية. ومن هذه الشخصيات كذلك شخصية "دنجوان"، التي يصعب الآن معرفة الموطن التي نبتت فيه، وكل ما يعلمه المقارنون أن أقدم مسرحية تناولت هذه الشخصية الأسطورية هي مسرحية "ساحر إشبيلية"، التي ألفها "ترسو دي مولينا" في القرن السادس عشر والسابع عشر للميلاد، وتبعه جمع من كتاب أوربا وشعرائها، منهم "موليير" الفرنسي و"بايرون" الإنجليزي و"بولدون" الإيطالي و"هوفمان" الألماني، ويرمز "دنجوان" إلى الإنسان المستهتر المخادع الذي لا هم له إلا التغرير بالفتيات، وتحطيم قلوبهن، ثم هجرهن دون عودة، وصور بعض الكتاب "دنجوان" بالصورة التائب الذي يلاحقه عذاب الضمير على ما فعل من خطايا، إلى غير ذلك من الصور التي رسمتها أقلام عدد من الكتاب والشعراء لهذه الشخصية، كل طبقًا لرؤيته الخاصة. وقد تعرضت لأسطورة "دنجوان" كثير من الأبحاث، التي تمتاز بالغنى والدقة منها البحث الذي كتبه "جاندورن ديبجون"، وعنوانه "أسطورة دنجوان من أصولها إلى الرومانسية". وبالمثل كان لشخصية كليوباترا حظ موفور في الآداب العالمية، ففي الأدب الفرنسي هناك مسرحية "كليوباترا الأسيرة"، التي كتبها الشاعر الفرنسي "جول" في القرن السادس عشر، وظهر بعدها مسرحية "كليوباترا" للشاعر الإنجليزي "صمويل دانيال" في القرن السادس عشر أيضًا، كما تناولها الشاعر الإنجليزي "وليم شكسبير" في مسرحيته "أنطونيو وكليوباترا"، التي تأثر بها عدد غير قليل من

стр. 40

المبدعين في الآداب المختلفة، إذ تناولها بعد "شكسبير" أدباء فرنسا وإنجلترا وغيرهما من البلاد الأوروبية، وفي مصر نجد مسرحية "مصرع كليوباترا" لأحمد شوقي، الذي دافع دفاعًا مستميتًا عن تلك المرأة، وجعل منها ملكة وطنية تحب مصر، وتعمل على صالحها وتضحي بحبها من أجله. ومن الشخصيات التاريخية في الأدبين العربي والفارسي، يمكن للدارس المقارن أن يذكر على سبيل المثال شخصيتي ليلى العامرية وحبيبها قيس بن الملوح العامري، المعروف بمجنون ليلى، ولقصة حبهما حديث طويل بما نُسب إليهما من أحداث، تعرفها كتب الغزل العفيف وكتب التصوف، والمعروف أن أحمد شوقي له مسرحية عنوانها "مجنون ليلى"، كما أن لصلاح عبد الصبور مسرحية من الشعر الحر هي "ليلى والمجنون". وهذه النماذج والشخصيات وغيرها لا تعدو أن تكون موضوعًا واحدًا من الموضوعات، التي يمكن أن يتناولها الباحث المقارن من زاوية التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة. والواقع -كما سبق أن وضحنا- أنه ليس شرطًا أن يدرس الأدب المقارن التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، فهذا إنما يشكل بعضًا من مهمته، وليس مهمته كلها، وفي هذه الحالة يكشف الأدب المقارن عن مصادر الأصالة في الأدب القومي، وما دخل عليه نتيجة تلاقحه مع الآداب الأخرى، ولا شك أن جوانب التأثر كثيرة ومتعددة، فالأدب كائن حي يؤثر ويتأثر، يأخذ ويعطي، وهذه سنة الوجود الإنساني، وهنا يوضح الأدب المقارن خط سير الآداب في علاقاتها بالآداب الأخرى، ومدى تقاربها في الأفكار مبينًا لنا أهمية التأثير والتأثر في تقوية الأدب القومي، وكذلك في العمل على تقارب الشعوب وخروجها من عُُزلتها، وبذلك يكون للأدب المقارن أهمية كبرى في دراسة المجتمعات وتفهمها.
следующие страницы →