Полный текст (585 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولعل الحداد كما كتب بعض الدارسين المقارنين هو أول من تطرق لموضوع الدفاع عن البغي في الأدب العربي الحديث.
وهناك مثال آخر على الموضوعات أو النماذج التي يتناولها الأدب المقارن، وهو موضوع الحب المحرم في الآداب العالمية، حيث يمكن تتبع رذيلة ارتكاب المحرم عن طريق نشوء عاطفة آثمة داخل الأسرة، بدءًا من مسرحية "هيبوليت" للشاعر المسرحي الإغريقي "يوربجيس" مرروًا بمسرحية "فِدر" في القرن السابع عشر الميلادي، بقلم الكاتب المسرحي "راسين" وصولًا إلى معالجة نفس القضية مع تغير الأدوار في مسرحية "تحت أشجار الدردار"، للكاتب الأمريكي "جين أونيل"، ومسرحية "اللص" لتوفيق الحكيم، ومن النماذج العامة نموذج البخيل، الذي دارت حوله مسرحية الشاعر اليوناني "مناندر"، وإن لم تصل هذه المسرحية إلينا إلا أن الشاعر الروماني "بلوتوس" قام بمحاكاتها في مسرحية عنوانها "ألولاريا" كما جرى تصوير هذا النموذج في مسرحيات أخرى في بعض الآداب الأوروبية، من أشهرها مسرحية "البخيل" للشاعر الإيطالي "كارلو جولدني". ولدينا أيضًا مسرحية "البخيل" للكاتب الفرنسي "موليير"، التي كان لها أثر كبير على المسرحيين العرب.
كذلك هناك النماذج الأسطورية الخيالية التي تعود إلى حكايات قديمة، أو موغلة في القدم تحورت أو تشوهت أو فقدت معناها الأصلي، ومن هذه النماذج نموذج الشيطان كما في مسرحية "فاوس" لـ"جوته" ومسرحية "مانفرد" لـ"بايرون" اللتين سبقت الإشارة إليهما، وكذلك نموذج الساحرة الشريرة كما في مسرحية "ماكبث" لـ"شكسبير"، ونموذج الشبح كشبح "هاملت" في مسرحية "شكسبير" المسماة بهذا الاسم، وهناك نماذج أسطورية تحولت إلى رمز فلسفي أو اجتماعي وتناولها كل أديب من وجهة نظره الخاصة، التي تتفق مع عصره وظروفه، ومن هذه النماذج نموذج "بكماليون"، وهو فنان من جزيرة قُبرص هام عشقًا بجمال تمثال صنعه بيده.
وهذا الموضوع نفسه نجده في الأدب الروماني القديم في قصة المسخ عند "أوفيد"، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد، وعرض نفس
стр. 37
الفكرة كتاب وشعراء مختلفي الآداب، ومنهم توفيق الحكيم في مسرحيته "بكماليون"، التي نشرها عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين ميلادية، وإن كان الحكيم يطرح فيها مسألة التردد بين مثالية الفن وواقع الحياة، وهو ما سبق الحديث عنه مثلما سبق الحديث عن "برناردشو" ومسرحية "بكماليون"، التي عالج فيها مشكلة الطبقية في المجتمع الإنجليزي، ومما لا شك فيه أن الحكيم قد تأثر بكل المصادر الأدبية التي عالجت تلك الشخصية، وتدور مسرحية توفيق الحكيم المسماة "شمس النهار"، والتي نشرها سنة ألف وتسعمائة وخمس وستين حول الفكرة التي تقول: إننا نقدر ونحب من نصنعه أو نعلمه أكثر مما نقدر ونحب من صنعنا هو أو علمنا، وهي نفس الفكرة التي نجدها في "بكماليون أوفيد الروماني"، وتأثر بها عدد من الفنانين والأدباء والشعراء.
ومن تلك النماذج الأسطورية أيضًا نموذج "برومسيوس"، إله النار لدى الإغريق، وقد تناوله العديد من الشعراء في شعرهم، وكذلك بعض كتاب المسرح في مسرحياتهم بدءًا من الشعراء الإغريق، ووصولًا إلى الكتاب الأوربيين في عصر النهضة الأوربية، وكذلك تأثر بهذه الأسطورة الشاعر التونسي المعروف أبو القاسم الشابي في ديوانه (أغاني الحياة)، وكذلك الشاعران المصريان عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد على سبيل المثال، كما يقال لبعض دارسي الأدب المقارن.
أما نموذج الشيطان فهو نموذج دخل إلى الأدب، فاتخذه الشاعر الإنجليزي "جون ملتون" الذي عاش بين عامي ألف وستمائة وثمانية، وألف وستمائة وأربعة وسبعين، أساسًا لملحمته
стр. 38
الفردوس المفقود، كذلك يعبر الرومانسيون على لسان الشيطان عن آرائهم فيما ينتابهم من مخاوف وأحزان وشكوك، ويبدو واضحًا جليًّا أثر هذه الشخصية في الأدب الروسي الرومانسي عند "درمن توفن" الروسي، في قصيدته عن الشيطان التي تأثر فيها إلى حد بعيد بالشاعر الإنجليزي "بايرون"، أما "فيكتور هيجو" فقد جعل الشيطان ممثلًا للإنسانية كلها عند ابتعاده عن الله -جل وعلا- ولعباس محمود العقاد قصيدة عنوانها "ترجمة شيطان" تحدث فيها عن شيطان ناشئ سئِمَ حياة الشياطين، وتاب عن صناعة الإغواء، إلا أنه لم يستطع التخلص من طبيعته الإغرائية إلى آخر الشوط، والقصيدة في مجملها تضم الكثير من آراء العقاد وتطلعاته الفلسفية، التي ساقها على لسان الشيطان، وهو فيها متأثر إلى حد كبير بالرومانسيين الأوربيين، حسبما وضح عدد من الدارسين المقارنين ممن تناولوا ذلك العمل.
وثم مجال آخر يتعلق بدراسة الشخصيات المتميزة، وتناوله بالبحث الدارسون المقارنون ومنه شخصية جحا، التي تعود إلى المصادر الشعبية، وأصبحت موضوعًا تتناوله الآداب العالمية بمختلف ألوانها، إذ نجده في الأدب الشعبي المصري، وفي الأدب الشعبي التركي، وفي الأدب الشعبي القوقازي، والأدب الشعبي الفارسي، وهو في كل ذلك رمز للإنسان البسيط خفيف الظل، الذي يعبر عن رأيه في شجاعة منتقدًا أوضاع السلطة الحاكمة الفاسدة أو المستبدة، حاملًا ملامح كل أمة ينتمي إليها حسبما لوحظ أي: أنه على الإجمال خير معبر عن الوجدان الشعبي، وموقفه من عصور القهر والظلم.
ومن تلك النماذج أيضًا شخصية شهرزاد بطلة قصص ألف ليلة وليلة، التي نقلت إلى الآداب الأوروبية، وأصبحت رمزًا للاهتداء إلى الحقيقة عن طريق القلب والعاطفة، وعن هذه القصص أيضًا انتقل موضوع علاء الدين والمصباح السحري إلى
стр. 39
الآداب المختلفة، ومنها كذلك أخذ توفيق الحكيم مسرحيته "شهرزاد" التي نشرها سنة ألف وتسعمائة وأربع وثلاثين، وطه حسين روايته "أحلام شهرزاد"، التي نشرها سنة ألف وتسعمائة واثنتين وأربعين ميلادية.
ومن هذه الشخصيات كذلك شخصية "دنجوان"، التي يصعب الآن معرفة الموطن التي نبتت فيه، وكل ما يعلمه المقارنون أن أقدم مسرحية تناولت هذه الشخصية الأسطورية هي مسرحية "ساحر إشبيلية"، التي ألفها "ترسو دي مولينا" في القرن السادس عشر والسابع عشر للميلاد، وتبعه جمع من كتاب أوربا وشعرائها، منهم "موليير" الفرنسي و"بايرون" الإنجليزي و"بولدون" الإيطالي و"هوفمان" الألماني، ويرمز "دنجوان" إلى الإنسان المستهتر المخادع الذي لا هم له إلا التغرير بالفتيات، وتحطيم قلوبهن، ثم هجرهن دون عودة، وصور بعض الكتاب "دنجوان" بالصورة التائب الذي يلاحقه عذاب الضمير على ما فعل من خطايا، إلى غير ذلك من الصور التي رسمتها أقلام عدد من الكتاب والشعراء لهذه الشخصية، كل طبقًا لرؤيته الخاصة.
وقد تعرضت لأسطورة "دنجوان" كثير من الأبحاث، التي تمتاز بالغنى والدقة منها البحث الذي كتبه "جاندورن ديبجون"، وعنوانه "أسطورة دنجوان من أصولها إلى الرومانسية".
وبالمثل كان لشخصية كليوباترا حظ موفور في الآداب العالمية، ففي الأدب الفرنسي هناك مسرحية "كليوباترا الأسيرة"، التي كتبها الشاعر الفرنسي "جول" في القرن السادس عشر، وظهر بعدها مسرحية "كليوباترا" للشاعر الإنجليزي "صمويل دانيال" في القرن السادس عشر أيضًا، كما تناولها الشاعر الإنجليزي "وليم شكسبير" في مسرحيته "أنطونيو وكليوباترا"، التي تأثر بها عدد غير قليل من
стр. 40
المبدعين في الآداب المختلفة، إذ تناولها بعد "شكسبير" أدباء فرنسا وإنجلترا وغيرهما من البلاد الأوروبية، وفي مصر نجد مسرحية "مصرع كليوباترا" لأحمد شوقي، الذي دافع دفاعًا مستميتًا عن تلك المرأة، وجعل منها ملكة وطنية تحب مصر، وتعمل على صالحها وتضحي بحبها من أجله.
ومن الشخصيات التاريخية في الأدبين العربي والفارسي، يمكن للدارس المقارن أن يذكر على سبيل المثال شخصيتي ليلى العامرية وحبيبها قيس بن الملوح العامري، المعروف بمجنون ليلى، ولقصة حبهما حديث طويل بما نُسب إليهما من أحداث، تعرفها كتب الغزل العفيف وكتب التصوف، والمعروف أن أحمد شوقي له مسرحية عنوانها "مجنون ليلى"، كما أن لصلاح عبد الصبور مسرحية من الشعر الحر هي "ليلى والمجنون".
وهذه النماذج والشخصيات وغيرها لا تعدو أن تكون موضوعًا واحدًا من الموضوعات، التي يمكن أن يتناولها الباحث المقارن من زاوية التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة.
والواقع -كما سبق أن وضحنا- أنه ليس شرطًا أن يدرس الأدب المقارن التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، فهذا إنما يشكل بعضًا من مهمته، وليس مهمته كلها، وفي هذه الحالة يكشف الأدب المقارن عن مصادر الأصالة في الأدب القومي، وما دخل عليه نتيجة تلاقحه مع الآداب الأخرى، ولا شك أن جوانب التأثر كثيرة ومتعددة، فالأدب كائن حي يؤثر ويتأثر، يأخذ ويعطي، وهذه سنة الوجود الإنساني، وهنا يوضح الأدب المقارن خط سير الآداب في علاقاتها بالآداب الأخرى، ومدى تقاربها في الأفكار مبينًا لنا أهمية التأثير والتأثر في تقوية الأدب القومي، وكذلك في العمل على تقارب الشعوب وخروجها من عُُزلتها، وبذلك يكون للأدب المقارن أهمية كبرى في دراسة المجتمعات وتفهمها.
стр. 41
الشروط التي يجب توافرها فيمن يبحث في الأدب المقارن
وهناك مجموعة من الشروط يجب توافرها فيمن يبحث في الأدب المقارن، منها أن تتسع معارفه بحيث يكون مطلعًا على جوانب متعددة من الثقافات فيما يتصل بالأدب، وأن يعرف بعض اللغات الأجنبية، إذ لا يستطيع أن يعرف ما تم من تأثير وتأثر في الموضوعات التي يدرسها، إلا بالاطلاع على النصوص والآثار الأدبية في لغاتها الأصلية، فقد ثبت أنه كثيرًا ما يؤدي الاعتماد على الترجمات دون الرجوع إلى الأصول إلى أخطاء في النتائج بسبب سوء الترجمة أو تحويرها، أو سهوها عن أشياء مهمة في اللغات المنقول منها.
ومعنى هذا أن من يريد معرفة تأثير الشاعر الألماني "جوته" في الأدباء الرومانسيين مثلًا لا بد له أن يقرأ "جوته" الألماني في اللغة الألمانية، وليس يكفيه تمامًا اللجوء إلى ما تُرجم من أدبه، كذلك ينبغي للدارس المقارن أن يلم بالمصادر، والأصول الخاصة بموضوع البحث؛ كي يستطيع معرفة عملية التأثير والتأثر، وإذا وقعت له ترجمة لعمل من الأعمال الأدبية، فعليه أن يقارن بين الترجمة والأصل، أو بين الترجمات المتنوعة إذا كان هناك أكثر من ترجمة للعمل المذكور، وبالمثل عليه معرفة ما يختص بدراسة الأجناس أو الأنواع الأدبية، كنشأة قصص الرعاة ومسرحياتهم في الأدب الأوربي، وانتشار القصة التاريخية في أوربا مع أوائل القرن التاسع عشر، ونشوء القصة والمسرحية في الأدب العربي، ثم الحكايات التي كتبت على ألسنة الطير والحيوان، وكيف أدخلها إلى الأدب العربي الكاتب العباسي عبد الله بن المقفع؟ وكيف أثر الأدب العربي في الأدب الفارسي؟ أو كيف أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي إلى آخره؟
стр. 42
وإلى جانب هذا، يجب أن يتتبع الدارس المقارن كل نوع وتطوره في لغتين أو أكثر، وأن يبحث العوامل التي أثرت في كل الآداب التي يراد دراستها، وقد يحاول الباحث المقارن دراسة جنس أدبي في أدبين فقط، وذلك كدراسة القصة الرومانسية الفرنسية، وتأثيرها في القصة العربية أو في أكثر من أدبين كدراسة القصة الرومانسية في الآداب الأوربية، ثم تأثيرها في القصة العربية خلال العصر الحديث، وعليه أن يأتي بالدليل على تأثر ذلك الكاتب، أو أولئك الكتاب بالجنس الأدبي موضوع الدراسة، وقد يصرح الكاتب نفسه بهذا التأثير، وعليه تكون مهمة التدليل، والبرهنة يسيرة على الباحث المقارن، كما هو الحال حين صرح "فيكتور هيجو" مثلًا بمحاكاة مسرح "شكسبير" الإنجليزي، أما إذا لم يصرح الكاتب بذلك، كما في محاكاة أحمد شوقي نفسه لـ"شكسبير" في مسرحيته "مصرع كليوباترا"، أو في تأثره عند إبداعه أشعاره التي ساقها على ألسنة الطير والحيوان بكتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع، ففي مثل هذه الحالات تكون مهمة الباحث المقارن صعبة.
ومما ينبغي معرفته طبقًا لما يقوله أساتذة الأدب المقارن أن يحدد الدارس مدى تأثر الكاتب الجنس الأدبي، وهل كان تأثرًا شاملًا أو جزئيًّا؟ ومن هنا يجب على الباحث المقارن دراسة حياة الكاتب، وظروفه الاجتماعية والنفسية، وكذلك مكوناته الفكرية والثقافية، وبالنسبة لدراسة الموضوعات الأدبية، كدراسة شخصية الملكة كليوباترا في الأدب الإنجليزي والفرنسي والعربي، فهذه الدراسة تحتاج من الباحث المقارن إلى جهد كبير يتطلب سعة في العلم، ومعرفة بخصائص الشعوب ونفسياتها.
ومن أكثر فروع الأدب المقارن انتشارًا دراسة تأثير كاتب معين في أدب أمة أخرى، وهذا التأثير قد يكون شخصيًّا أو فنيًّا أو فكريًّا، ولا مانع من دراسة أثر كاتب أو عمل معين في أمة من الأمم على كاتب أو أعمال إبداعية معينة من أمة أخرى، إذ يمكن مثلًا دراسة أثر "إبسن" أو "برناردشو" أو "برنادلو" أو "بخت" أو
стр. 43
"يوجنسكو" أو الكتاب الأسبان في مسرحية توفيق الحكيم، وقد ندرس رواية مثل (الرباط المقدس) لتوفيق الحكيم، وعلاقتها برواية "تاييس" الكاتب الفرنسي "أناتول فرانس"، وقد ندرس التأثير الفرنسي في أدب دكتور طه حسين، وبالذات في أعماله القصصية مثل (المعذبون في الأرض)، و (شجرة البؤس) وغيرهما، أو ندرس تأثير الكاتب الفرنسي "موباسان" في قصص محمود تيمور إلى آخر هذه الموضوعات التي يمكن للباحث المقارن أن يتناولها.
كذلك ينبغي التنبه إلى أن التأثر بين الآداب المختلفة قد يكون على غير اتجاه الأصل المؤثر، بمعنى أن يفهم الأديب المتأثر الأديب، الذي تأثر به فهمًا مخالفًا لمقصده. ومن ذلك مثلًا أن الكاتب البريطاني "توماس كارليل" قد قرأ الكاتب والشاعر "ماني جوته" على أنه داعية إلى بعض الرؤى الأخلاقية الدينية التي يتفق معه فيها؛ وبهذا يكون "كارليل" كما نبه إلى ذلك بعض الدارسين المقارنين قد أول بهذا الفهم رؤية "جوته"؛ ليذهب التأثير إلى غيره من الكتاب عبر هذا التأويل، وليس عبر العصر.
وهناك التأثر العكسي في فهم رؤى الآخر كأن يقف أديب موقفًا مضادًّا من الرؤية الفنية الفكرية لأديب أو حركة أدبية مختلفة في لغة أو قومية أخرى، ويمكن أن نمثل لذلك بالصورة التي رسمت لكليوباترا في الآداب الغربية، وصورتها عند أحمد شوقي، الذي عمل على رسمها في غير صورة المرأة اللعوب الملتوية؛ لتصبح عنده ملكة وطنية مخلصة.
ومن المسائل التي يتناولها الدارس المقارن أيضًا ما يمكن عقده من موازنات بين طرفين في أدبين مختلفين ليس لهما من علاقة تبادل تأثير، وهو أمر لا يدخله عدد من الباحثين في صلب الأدب المقارن، الذي يرون أنه ينبغي أن نركز فقط على حالة التأثر والتأثير بين طرفين أدبيين، ومنهم الدكتور محمد غنيمي هلال الذي أكد أنه لا يعد من الأدب المقارن في شيء، ما يُعقد من موازنات بين كتاب من آداب مختلفة، لم تقم بينهم
стр. 44
صلات تاريخية حتى يؤثر أحدهم في الآخر نوعًا من التأثير أو يتأثر به، وعلى هذا فالموازنة بين أبي العلاء المعري و"مِلتون" على الرغم من تشابه آرائهما ومكانتهما الاجتماعية، ليست لها في رأي الدكتور هلال قيمة تاريخية؛ لأنها لا تشير إلى أي تأثر أو تأثير بينهما، ولا يجوز في ضوء ذلك أن ندخل في مجال الأدب المقارن أمورًا تخص الأدب ونقده، لمجرد حالة تشابه نرسمها بين أديبين أو عملين إبداعيين، لا نملك دليلًا على وجود أي تفاعل بينهما.
وعلى ذلك، فالأدب المقارن لا يدخل في إطاره تلك الدراسات، التي تبحث عن التشابه أو التقارب الناجم عن مصادفة، وهذا اللون من الأدب المقارن يحافظ بتشدد على موقفه القاضي بإبعاد كل تلك القراءات، التي لا تتناول معالم التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة، ولكن كما قلنا وكررنا: ثمة اتجاهات في الأدب المقارن لا تحصر مَيدانه في التأثير والتأثر فقط، بل توسع دائرة ذلك الميدان بحيث تشمل الموازنات التي تقدم بين الأدب القومي والآداب الأخرى.
موضوع الترجمة والمترجمين وكتب الرحلات في الأدب المقارن
ومن الموضوعات التي يتناولها الأدب المقارن كذلك موضوع الترجمة، ومدى دقتها أو ابتعادها عن الأصل، وأثر ذلك على فهم مرام من يؤلف إلى هذا:
ومعروف أن دور الترجمة في التلاقح الثقافي بين الأمم المختلفة هو في الذروة من الأهمية، ومن ثم كان الاهتمام الشديد من قبل الدارسين المقارنين في مجال الأدب بهذه الوسيلة، التي تصل بين الأمم الثقافية، في ضوء هذا ننظر في النص التالي الذي خلفه لنا سيد البيانيين العرب الجاحظ عمرو بن بحر في كتابه (الحيوان)، والذي لا يمكن أن نتهم بالمغالاة في تقدير قيمته.
يقول: وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونانية وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنًا وبعضها ما انتقص
стр. 45
شيئًا، ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو لمعاشهم وفطرهم وحكمهم، وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان؛ حتى انتهت إلينا وكنا آخر من ورثها ونظر فيها.
فقد صح أن الكتب أبلغ في تقييد المآثر من البنيان والشعر، ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدًا ما قال الحكيم على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجلي، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها، والإخبار عنها على حقها وصدقها إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه، فمتى كان -رحمه الله تعالى- ابن البطريق وابن ناعمة وابن قره وابن فهريز وثيفيل وابن هيلي وابن المقفع مثل "أرسطوطاليس"؟ ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟
ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضًا قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة وإنما له قوة واحدة؟ فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، وعلى حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات، وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل كان أشد على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه، ولن تجد البتة مترجمًا يفي بواحد من هؤلاء العلماء.
стр. 46
إن الجاحظ في النص السابق إنما يمس قضية في منتهى الخطورة في ميداننا، الذي نحن بصدده هنا، وهي قضية الترجمة التي عليها المعول الأول في التواصل والتلاقح الثقافي بين أمم الأرض، وهو يبرز الشروط التي لا بد من توفرها فيمن يريد التصدي لتلك المهمة، إذا أراد أن يجيء عمله سليمًا ويؤتي ثماره على أحسن وجه، وكلنا يحفظ المقولة الشائعة في ذلك المجال، ألا وهي أن المترجم خائن بمعنى: أنه لا يمكن أن ينقل لنا على وجه الدقة، والقطع والتطابق المطلق ما في النص الذي ينقله إلى لغتنا مهما يكن من عبقريته وتفرده، وإنما كل ما يستطيعه أن يقلل إلى أدنى حد ممكن الفجوة القائمة بين اللغتين والعقليتين والذوقين، أو باختصار بين الثقافتين، ومع ذلك فسوف تظل ثمة نصوص تستعصي على الوصول بها إلى هذه الغاية، وهي نصوص الشعر وما إليها.
وقد استطاع الجاحظ أن يضع يده على مكامل المشكلة في طبيعة اللغات، وطبيعة البشر على السواء، رغم أنه قد قال ذلك منذ نحو اثني عشر قرنًا، لكنها العبقرية الجاحظية.
وفوق ذلك قد أمدنا ﵀ بأسماء عدد من مترجمي العرب في عز نهضتهم ومجدهم في دولة بني العباس، وقد أثنى على ما تركه لنا الجاحظ في هذه النقطة في موقع الندوي قائلًا: وعلى الرغم من أن آراء الجاحظ عن الترجمة جاءت في القرن التاسع الميلادي، إلا أنها ما زالت صالحة إلى يومنا الحاضر، فبعد مرور عشرة قرون عليها وضع المفكر الروسي "بليخنوف" في القرن التاسع عشر والقرن العشرين شروطًا للمترجم الجيد، وللترجمة الجيدة تتطابق مع الشروط التي وضعها الجاحظ، كما أكد الدكتور سامي الدروبي في النصف الثاني من القرن العشرين على الشروط ذاتها.
стр. 47
وهناك موضوع آخر هام جدًّا يتصل بتلك النقطة، ألا وهو عدم فهم المترجمين والشراح العرب لما قاله أرسطو في كتابه (الشعر) عن الملهاة والمأساة في عالم الإبداع المسرحي، إذ جاء في شرح ابن سينا لذلك الكتاب عن أنواع الشعر عند الإغريق ما يلي: وكان لكل غرض وزن يختص به، فمنها نوع يسمى طراغوزيا له وزن لذيذ يتضمن ذكر الخير والأخيار والمناقب الإنسانية، ثم يضاف جميع ذلك إلى رئيس يراد مدحه، وكانت الملوك يغنَّى بين أيديهم بهذا الوزن، وربما زادوا فيه نغمات عند موت الملك للنياحة والمرثية، ومنها نوع يسمى دثرمبي وهو كترغوزيا، ما خلا أنه لا يخص به مدحة إنسان واحد، أو أمة معينة، بل الأخيار على الإطلاق، ومنها نوع يسمى قوموزيا، وهو نوع تذكر فيه الشرور والرذائل والأهاجي، وربما زادوا فيه نغمات؛ ليذكروا القبائح التي يشترك فيها الناس وسائر الحيوان.
أما ابن رشد فقد استخدم لهذين المفهومين -أي: مفهومي التراجيديا والكوميديا- مصطلحي مديح وهجاء، مما لبس الأمر على القراء والمثقفين العرب طوال تلك العصور إلى أن أعدنا النظر في العصر الحديث إلى الإبداع المسرحي عند الإغريق، وتنبهنا إلى الغلطة التي وقع فيها هذان المفكران العظيمان؛ لعدم وجود نص مسرحي مترجم يمكن على نوره فهم الكلام النظري، الذي خلفه أرسطو في ذلك الموضوع.
وقد نقل ياقوت الحموي في مقدمة (معجم الأدباء) عن جاحظنا قوله: عيوب المنطق التصحيف وسوء التأويل، والخطأ في الترجمة، فالتصحيف يكون من وجوه من التخفيف والتثقيل، ومن قبل الإعراب ومن تشابه صور الحروف، وسوء التأويل من الأسماء المتباطئة أي: أنك تجد اسمًا لمعاني فتتأول على غير المراد، وكذلك سوء الترجمة.
стр. 48
وأورد أبو حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) حوارًا بين متى بن يونس، المتوفى سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين هجرية، المترجم الذي كان متعصبًا لليونان وثقافتهم، وأبي سعيد السيرافي النحوي المشهور، المتوفى سنة ثلاثمائة وثمان وستين هجرية، ذكر فيه السيرافي على نحو غير مباشر عدة من المحاذير التي يمكن جدًّا أن تقع في الترجمة من لغة إلى أخرى، بل لا تكاد الترجمة تنفك منها، قال متى: يونان وإن بادت مع لغاتها، فإن الترجمة حفظت الأغراض، وأدت المعاني وأخلصت الحقائق.
قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ووزنت وما جزفت، وأنها ما التاثت ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام، وإن كان هذا لا يكون وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني، فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه.
وواضح من هذه النصوص مدى وعي علمائنا القدامى بأن المترجمين لا يمكنهم نقل الأصل على وجهه، الذي أبدعه فيه صاحبه إلى اللغة التي يترجمون إليها، مهما بذلوا وسعهم واستفرغوا كل جهدهم. أي: أنهم كانوا على علم بطبيعة الترجمة وحدودها، وأن ما يؤديه المترجمون لا يمكن أن يجيء مطابقًا للنص الأصلي، وهذا ما يعنيه الأوربيون حين يتحدثون عن صعوبة الترجمة، فيقولون على سبيل المجاز: " the Translator is a traitor " أو " Le Traducteur est un traître " أي: المترجم خائن، بمعنى: أنه من الصعوبة عليه بمكان الخلاص تمامًا من الأخطاء، مهما احترز وبذل من جهد
стр. 49
وفتح عينيه طول الوقت، وقبض على زمام اللغتين اللتين يعمل بينهما، ومهما راجع ونقح، ذلك أن المترجم الأدبي وهو الذي يهمنا هنا، إنما يحاول الدخول إلى عقل إنسان آخر، واقتناص خواطره وانفعالاته وأفكاره ودقائق معانيه، وأنَّى له ذلك، والسياق الذي يعمل هو فيه يختف عن السياق الذي أبدع فيه صاحب النص نصه! والخلفية الثقافية والفنية والأدبية التي ينتمي إليها المبدع تختلف عن خلفيته هو، والظروف الشخصية تختلف في حالته عن حالة من يترجم منه.
كما أن الأديب لا يقول في إبداعه كل شيء، ولا يكون واضحًا في ذهنه كل شيء، بل تظل هناك زوايا وخبايا، ومناطق مظلمة أو معتمة أو مغبشة أو تغشيها الظلال على الأقل، ومعان وأحاسيس رواغة تستعصي على القنص، وأقصى ما يمكنه عمله إزاءها هو أن يشير ويومئ، فإذا أضفنا إلى هذا أن العمل الأدبي ليس كلمات وجملًا ناجزة فحسب، بل ثغرات ومساحات متروكة أيضًا، وأنه يقوم على الإيجاز والتكثيف والتقديم، والتأخير والمجازات والاستعارات والكنايات والتوريات، وأن فيه كثيرًا من العبارات والصور والتراكيب والألفاظ والألوان البديعية، والإيحاءات التي لا تقابلها عبارات وصور وتراكيب وألفاظ، وإيحاءات في اللغة المنقول إليه، أو على الأقل لا تقابلها مقابلة مباشرة، علاوة على أن إشاعات كل لفظة، والتاريخ التي تحمله على ظهرها، والتقاطعات والعلاقات اللفظية التي ترتبط بها تختلف عن إشعاعات اللفظة التي تقابلها على الناحية الأخرى، والتاريخ الذي تحمله على ظهرها والتقاطعات والعلاقات التي تربطها بغيرها من الألفاظ والعبارات.
وإذا عرفنا فوق ذلك أن مبدعه كثيرًا ما يقصد الغموض قصدًا إن لم ينح نحو الاستغلاق نحوًا، تلذذًا منه أو فلسفة أو تفلسفًا، وأن الشعر إلى جانب هذا كله
стр. 50
يقوم ضمن ما يقوم على الوزن والقافية والتقطير الشديد، والتصرف في اللغة تصرفًا واسعًا تحت ضغط المساحة الضيقة التي يتحرك فيها، والقيود الثقيلة التي تطوق قدميه ويديه، تبين لنا أن الترجمة ليست أبدًا بالمسألة الهينة، وهذا كله إن لم يتعمد المترجم الخيانة تعمدًا؛ كي ينقل شيئًا آخر غير ما في النص، وربما عكس ما في النص وكثيرًا ما يحدث هذا لغرض في نفس يعقوب، أو على الأقل قد يقتحم ذلك الميدان اقتحامًا دون أن يكون مؤهلًا له، فلا تكون معرفته باللغة التي يترجم منها كافية لتمكينه من أداء المطلوب، كما هو الحال في كثير ممن يتصدون لتلك المهمة الشاقة، ولا يأخذون في اعتبارهم حجم المشكلة التي يحاولون النهوض بأعبائها، وهذا أيضًا لون من الخيانة، وإن كان أقل في الفداحة من الناحية الخلقية من اللون السابق، ويدخل في الخيانة أيضًا أن يقوم شخص ما بالترجمة دون أن يبذل الجهد المطلوب الذي يستطيعه لو أراد.
ويقول "بروس ميتزجر" في دراسة له بعنوان: " Trials of the Translator": إن المترجم بالغًا ما بلغ الجهد الذي يبذله والتركيز الذي يقوم به، فإن النتيجة لا تأتي أبدًا وفاق المطلوب، ولا يمكن أن تحظى برضى الجميع فضلًا عن أن يكون الراضي هو المترجم ذاته إذا كان ذا حساسية وضمير، ذلك أن النص يحتوي في كثير من الأحيان على عدد من الشيات الدقيقة المتقاربة، وعلى المترجم أن يوازن بين تلك الشيات؛ ليختار منها ما يراه أقرب إلى ما في النص، ومن ثم يصف الساخرون عملية الترجمة بأنها فن القيام بالتضحية المناسبة.
كذلك وقعت على مقال في الترجمة الأدبية بقلم فرانسواز ويلمار ( Françoise Wuilmart) عنوانه: " La traduction littéraire bien comprise، وفيه أن الترجمة نوعان ترجمة
стр. 51
علمية، وتتطلب أقصى قدر من الحيادة والموضوعية، وترجمة أدبية وهنا مكمن الصعوبة، ذلك أن النص الأدبي إنما يعكس نظرة المبدع إلى الحياة والعالم وهي نظرة فردية ملونة تتمحور حول ذات صاحبها، فتعطي النص نكهته وصوته المتفرد، فضلًا عن أن النص في حد ذاته نسيج معقد من الكلمات، والروابط والتراكيب والإيقاعات والأنغام لا يقول كل شيء، بل أترك أشياء كثيرة لا يتحدث عنها حديثًا صريحًا، مكتفيًا بالإيماء والحديث الضمني.
ثم إن هناك عقبتين تواجهان المترجم في النصوص الأدبية هما الإطار الثقافي، الذي ينتمي إليه المبدع، واللغة التي يكتب بها يقصد اختلافهما عن نظيرهما عند المترجم، مما يجعل التقاطه لما في النص من شيات وتلوينات مسألة صعبة.
ومما يتناوله الأدب المقارن أيضًا كتب الرحلات، إذ إن هذا النوع من الكتب إذا كان يدور حول بلد أجنبي، فإنه يقوم بتقديم صورة لذلك البلد وشعبه للقراء المحليين، وهذا ميدان من ميادين الأدب المقارن، ومن ذلك على سبيل المثال صورة مصر في كتابات من زاروها، وكتبوا عنها من الأدباء الأوربيين مثل "جيرار دونلفال" و"فلوبير" من فرنسا، و"ريتشارد بير ستيوارت" من بريطانيا، أو صورة فرنسا في عيون الرحالة العرب، مثل: رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وأحمد زكي شيخ العروبة، ومحمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرزاق وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف فرنسيس، وغيرهم، فمثل هؤلاء الرحالة هم المِرآة التي عن طريقها تعرف أممهم البلاد والشعوب الأخرى، وإلا فمن أين يستمد القراء معلوماتهم وانطباعاتهم، وأحكامهم عن تلك البلاد والشعوب؟
стр. 52
لقد تركت "مدام دستيل" مثلًا بلدها فرنسا إلى ألمانيا أيام نابليون واستبداده، فجاءت كتاباتها عن ألمانيا عاكسة لمشاعرها الخاصة، إذ وجدت فيها جوًّا تتنفس فيه بحرية، فصورته بصورة مثالية وجعلتها جنة الباحثين عن تلك الحرية، وكان لتلك الصورة أثر قوي على قرائها الفرنسيين رغم ما فيها من افتقار إلى الدقة، ورغم ما يوشيها من مبالغة غير قليلة، وبخاصة أن الكاتبة لم تكن تختلط في ألمانيا إلا برجال الأدب ورجال السياسة هنا وهناك، وهؤلاء لا يمثلون الشعب الألماني كله في جميع حالاته، مثلما أن الأماكن التي اختلطت بهم فيها لا تمثل ألمانيا كلها، بل قطاعًا صغيرًا منها فحسب.
ويدرس الأدب المقارن صورة هذا البلد أو ذا في كتابة ذلك الأديب أو هذا، ثم يمضي فيتتبع تأثير تلك الصورة على كتابات الكتاب الآخرين في بلاده بغض النظر عن لون هذه الكتابات قصة كانت، أو رحلة أو شعرًا أو مسرحية مثلًا، وسواء زار أولئك الكتاب المتأثرون ذلك البلد، أو اكتفوا باستقاء صورته مما قرأه الأديب الذي تأثر به، ومن الطبيعي أن تجيء صورة البلد الذي كتب عنه أدباء من بلاد أخرى على غير الحقيقة، أو فلنقل: إن تلك الصورة لا بد أن تختلف من أديب إلى آخر تبعًا لاختلاف ظروف كل منهم عن ظروف الآخرين، إذ الحقيقة الكاملة المطلقة لأي شيء إنما يعلمها الله والله وحده، أما نحن البشر فلا نعرف منها إلا جانبًا واحدًا فقط، وملونًا في الغالب لون نفسياتنا ومواقفنا وثقافتنا وتجاربنا وتطلعاتنا ومخاوفنا إلى آخره، اللهم إلا ما كان متعلقًا بالأرقام الوقائع التي لا يمكن المماراة فيها وما أشبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 53
الدرس: ٣ العلاقات الأدبية العالمية ظاهرة تاريخية .
стр. 54
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(العلاقات الأدبية العالمية ظاهرة تاريخية)
معنى العالمية، وارتباطها بالأدب المقارن
فنقول: العالمية: مصدر صناعي من كلمة عالَم وهي ترجمة لكلمة يونيفرساليزم، المأخوذة من كلمة يونيفرس، ومعناه العالم بمعنى الكون وإن كانت مستعملة هنا بمعنى المجتمع البشري على الأرض من باب إطلاق الجزء على الكل، والمفروض أن هذا المصطلح يومئ إلى الإخوة الإنسانية وما ينبغي أن يسود بين الناس من تفاهم، سبيله الحوار والتبادل الثقافي، وما إلى ذلك على أساس من المساواة بين البشر، ورجوعهم جميعًا إلى أصل واحد، وبخاصة في هذا العصر الذي قصرت فيه المسافات، وتقاربت المتباعدات.
ويقول الدكتور حسام الدين الخطيب في كتابه (الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة): إن فكرة العالمية ليست جديدة في التاريخ الإنساني، بل لعل الإنسان خُلق في الأصل عالميًّا، وهذا كلام لا غبارَ عليه إذا كان المقصود أن الله قد خلق البشر جميعًا من أصل واحد والماء والتراب، وأنهم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء، وأنهم مهما اختلفت بهم الأوطان والأزمان لهم نفس الغرائز، ويتمتعون بنفس المواهب ولهم نفس المطامح والمخاوف، والأفراح والأحزان وأنهم خلقوا بنفس الملامح، لكن لا بد أن نعرف أن هناك دائمًا فرقًا بين الفكرة والواقع، فالأمر هو فعلًا كما قلنا إلا أن هذا لا يعني أن البشر يقبلون فكرة المساواة، ويتواضع بعضهم لبعض أو يسارع بعضهم لنجدة بعض على نحو تلقائي.
بل لا بد لذلك من تربية أخلاقية ومرانة طويلة، ثم إنهم بعد ذلك ورغم ذلك كثيرًا ما يفشلون عند أول منعطف إذ ينبغي حساب الأطماع والتنافسات
стр. 55
والرغبة بالتميز، والتسيد، وإيمان كل فرد أو فريق بأنه أفضل من غيره، كذلك لا ينبغي أن ننسى عامل البطء الشديد في وسائل المواصلات قبل العصر الحديث، مما كان يصعب جدًّا جدًّا قيام إحساس بالعالمية في ظله، ومن هنا فما كان أسهله بل ما أسهل الآن أيضًا أن تنشأ العداوات، وتشتعل الحروب وينسى الناس في غمرة هذا كلهم أصلًا واحدًا، وما يجب أن يسود بينهم من تفاهم وحب ومساواة وتعاون، وشعور بالأصل الواحد والمصير المشترك، رغم اختلاف الأوطان والأعراق والأديان والثقافات.
وعلى هذا، فإنني لا أستطيع أن أشاطر الدكتور الخطيب القول: بأنه على المستوى الديني والثقافي والفلسفي كان العالم القديم وحتى مطالع العصر الحديث عالمي الأفق إنساني الوجدان، ذلك أن الكلام هنا قد انتقل من ميدان الفكرة إلى ميدان الواقع، والواقع لم يكن بهذا الإشراق الذي توحي به العبارة، بل كانت هناك العداوات والحروب الشرسة الفتاكة، التي يجتهد فيها كل طرف لسحق الطرف الآخر، ألا يتذكر الكاتب الحروب الصليبية مثلًا التي أسال فيها الفرنجة دماء عشرات الآلاف من المسلمين، لا لشيء سوى أنهم يدينون بدين غير الدين الذي يدينون هم به؟ ألا يتذكر ما صنعه الإسبان بمسلمي الأندلس من قتل وسجن ونفي وتشريد، وإخراج من الوطن جراء اختلاف الدين؟ بل ألا يتذكر الحروب بين دول أوربا نفسها بسبب اختلاف المذهب الديني رغم اجتماعها على النصرانية دينًا القارة كلها؟
لا، بل إن هذه المشاعر التفريقية لا تزال لها السيادة في العلاقات بين الدول والشعوب، رغم انتشار أفكار العالمية وتزايد الشعور بأن الأرض قد سارت قرية واحدة، بسبب تقدم وسائل المواصلات المادية والفكرية وسرعتها الرهيبة.
стр. 56
وها نحن أولاء المسلمين نصلَى بعدوان الغرب على بلادنا في فلسطين والعراق وأفغانستان مثلًا منذ مدة، وتتهدم البيوت والمساجد والمدارس والجامعات، ويسقط القتلى من إخواننا في تلك البلاد وأمثالها بأعداد مرعبة، ويعتدي جنوده على أعراض نسائنا، بل ورجالنا أيضًا دون أي اعتبار لمفاهيم الإنسانية والعالمية وما إليها.
أما عن ارتباط العالمية بالأدب المقارن، فالآداب جميعها أيًّا كان مستوى مبدعيها من الحضارة والثقافة والإبداع الأدبي، هي نتاج إنساني يرتبط بطريقة أو بأخرى بغيره من الآداب، وعليه فمن المفيد معرفة الصلة التي تربطه بتلك الآداب الأخرى والمقارنة بينه وبينها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك ما يُعرف بعالمية الأدب، وهي شيء قريب مما نحن فيه، فما هي تلك العالمية؟
يقول الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن): إن عالمية الأدب معناها خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أو آداب لغة أخرى، وهذه العالمية ظاهرة عامة بين الآداب في عصور معينة، ويتطلبها الأدب المتأثر في بعض العصور بسبب عوامل خاصة، تدفعه إلى الخروج من حدود قوميته؛ إما للتأثير في الآداب الأخرى، وإما نشدانًا لما به يغنى ويكمل ويساير الركب الأدبي العالمي.
وواضح أن الدكتور هلال يقصد هنا عملية التلاقح بين الآداب، وأخذ بعضها عن بعض بما يغنيها ويكسبها ما لم يكن فيها، وهذا من صميم الأدب المقارن.
على أن هناك معاني أخرى لتلك العالمية، منها ما قاله "جوته" ومَن ساروا على دربه من أن الآداب العالمية حين يتم تجاوبها بعضها مع بعض، لم تلبث أن تتوحد جميعًا في أجناسها الأدبية وأصولها الفنية، وغاياتها الإنسانية، بحيث لا
стр. 57
تبقى من حدود سوى اللغة، وما يمكن أن توحي به البيئة أو الإقليم، وهو ما ينكر الدكتور محمد غنيمي هلال إمكان تحققه في يوم من الأيام؛ لأن الأدب كما قال: هو قبل كل شيء استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقومية، وموضوعه تغطية هذه الحاجات، فهي محلية موضعية أولًا، وإن كان لا يمكن مع ذلك أن تشف هذه الحاجات عن غايات عالمية، ولكن من وراء التعبير عن المسائل والآمال والآلام القومية، وما يتبع ذلك من المواقف النفسية، والخواطر الذاتية التي لا بد أن تدل أولًا على حال المؤلف بوصفه مواطنًا أو فردًا من جماعة كبيرة.
فالآداب قومية وطنية أولًا، وهذا صحيح، فإن الأديب أي أديب لا يستطيع تجاهل ما هو موجود أمامه؛ لكي يسبح في بحار العالمية دفعة واحدة دون المرور بالمحلية التي هي جزء من الإنسانية، ومن ثم فهي العالمية مصبوغة بصبغة محلية، على أن الأديب الكبير لا يفنى في العنصر المحلي جاعلًا إياه كل وقده، بل يتخذه نقطة انطلاق نحو الأشواق والأحزان والأفراح الإنسانية، وتصويرها بعمق من خلال هذا العنصر، كما فعل ويفعل كل أديب عبقري.
ومن العرب يمكن أن نضرب المثل بالروائي الكبير نجيب محفوظ، الذي يرسم من خلال أحياء القاهرة المعزية ما يشغل الإنسان في كل زمان ومكان، بحيث يجد القراء على اختلاف بيئاتهم وأوطانهم ولغاتهم أنفسهم فيه، ويتفاعلون بقوة مع ما يبدع رغم أنه إنما يتحدث بالأساس عن الناس في بعض أحياء القاهرة، ويعترض فيما يبدو الدكتور حسام الدين خطيب على هذا الموقف الذي اتخذه الدكتور محمد غنيمي هلال، إلا أن اعتراضه ليس من الوضوح بحيث يمكن مناقشته، حتى إنه ليبدو لي أن في كلامه بعض التناقض حين يعود، فيورد بعد قليل إيراد الموافق رأي "هنري كبروس" من أن جانبًا كبيرًا من كلام
стр. 58
"جوته" يتحقق في عصرنا الحالي، من خلال الترجمات العالمية إلى اللغة الإنجليزية بوجه خاص، في حين أن جانب انحسار الأدب القومي غير صحيح، فالآداب القومية تبدو مزدهرة اليوم إلى جانب الأدب العالمي.
ويزيد المسألة غموضًا أن ما قاله "بيروس" طبقًا لما نقله عن الدكتور الخطيب ليس هو ما قصده جوته كما هو واضح، إذ إن ترجمة الأعمال الأدبية المختلفة القومية إلى لغة واحدة كالإنجليزية، تحظى بالانتشار الهائل في العصر الحديث مثلًا لا يحقق لتلك الأعمال بالضرورة ما أراده "جوته" من توحد أجناسها الأدبية، وأصولها الفنية وغاياتها الإنسانية، بحيث لا تبقى من حدود سوى حدود اللغة، وما يمكن أن توحي به البيئة والإقليم، ذلك أن ترجمة تلك الأعمال إنما تتيح لها الفرصة نحو قدر أعظم من الانتشار فحسب، ليس ذلك فقط بل إن كلام "جوته" عن أنه لم يبق في هذه الحالة سوى اللغة غير متحقق في الحالة التي نحن بصددها، إذ إن ترجمة الأعمال المذكورة إلى لغة واحدة قد أسدل ستائر النسيان على اللغة القومية بالنسبة إلى القراء الجدد؛ لأن القراء في هذه الحالة سوف يقرءون تلك الأعمال في غير رواتها.
أما الدكتور الطاهر أحمد مكي فيقول: إن "جوته" قد أعاد النظر في معنى عالمية الأدب، إذ رجع فوضح أن الفكرة التي ينادي بها ليست في أن تفكر الأمم بطريقة واحدة، وإنما عليها أن تتعلم كيف تتفاهم فيما بينها، وإذا لم يكن يعنيها الحب المتبادل، فلا أقل من أن تتعلم كيف تتسامح، فالحمد لله الذي جعل الفيلسوف والأديب الجرماني يرجع إلى ما يمكن وقوعه بدلًا من التعلق بأهداب ما يبدو مستحيلًا لا يُستطاع تحقيقه.
وثم معنى ثالث لمفهوم العالمية، ألا وهو بلوغ بعض الأعمال الأدبية مستوى فنيًّا ومضمونيًّا سامقًا بحيث يقبل عليها النقاد والقراء من مختلف دول العالم،
стр. 59
ويجدون فيها المتعة والفائدة ويتفقون على أنها أعمال متميزة على مستوى العالم، لكن كيف تصل تلك الإبداعات إلى أيدي القراء من مختلف دول العالم، ليس هناك من سبيل إلا الترجمة، فهي وسيلة المواصلات التي تنقل تلك الأعمال إلى القراء، لكن من يقوم بهذه الأمة؟ إنهم ناس من الناس يخضعون لما يخضع له الناس عادةً من كسل وهوى وتعصب، واعتبارات سياسية أو دينية أو أدبية، ومن ثم فمن الممكن أن تترجم أعمال لا ترقى إلى المستوى العالمي، وتهمل أعمال أخرى رغم قيمتها الفنية والإنسانية العالية. ومعروف ما تفعله المؤسسات الغربية الثقافية والسياسية مع أدباء العالم الثالث، إذ تقرر من ينخرط في خدمة مخططاتهم، وتغدق عليهم نفحاتها، في الوقت الذي تضرب فيه صفحًا عمن يتأبى منهم على ذلك ويخلص لوطنه ودينه.
وترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغات الواسعة الانتشار والكتابة عنها، والإشادة بها وبأصحابها، وتلميع أسمائهم، هي من باب المكافأة في هذا المضمار، ويتحدث الدكتور حسام الدين الخطيب عن تأثير المركزية الأوربية في ذلك الميدان، إذ ما أسرع أن تترجم وتختار للقراءة في كتب المختارات إبداعات الإغريق والرومان، وسائر الإبداعات الأوروبية المعاصرة، في الوقت الذي يندر فيها ترجمة إبداع لأي عربي أو مسلم.
ونكرر نحن ما قلناه لتونا من أن الأدباء العرب والمسلمين الذين يحتفى بهم عادة هم أولئك الذين يكتبون على هوى الغربيين، فيتناولون موضوعات بعينها كالإباحية الجنسية والشذوذ والتمرد والإلحاد، والتغريب في المجتمعات العربية الإسلامية، ويدعون إلى قيم تتصادم وقيم الإسلام، ويتداعون إلى نصرتها بدعوى حرية الفكر والتعبير، وأن الأدب يعلو ولا يعلَى عليه، فلا ينبغي من ثم أن يخضع لأية قيمة دينية أو أخلاقية وهكذا.
стр. 60
ما ينبغي أن يصنعه المقارن الأدبي في ضوء الاعتبارات
والآن ما الذي ينبغي أن يصنعه المقارن الأدبي في هذا السياق؟
الواقع أن المقارن الغربي ينبغي أن يعلو فوق مثل تلك الاعتبارات لو أراد أن يكون مقارنًا محترمًا، فيبحث عن الإبداعات غير الغربية ويسلط عليها الضوء دون أن يقيم للاعتبارات، التي تناولناها لتونا أية أهمية، بل يعتمد على ما يمليه ضميره المخبي، وذوقه الفني، وميزانه الإنساني المستقيم، وإذا وجد إبداعًا راقيًا أشاد به بغض النظر عن أي شيء آخر، إذ لا ينبغي أن يكون لديه ابتداء أي مانع من أن يكون الإبداع غير الغربي أفضل من نظيره الغربي المشابه له.
ومن جهة أخرى نبه الدكتور محمد غنيمي هلال إلى معنًى مهم حين قال: إن عالمية الأدب في معناها الذي شرحناه، وهو خروج الآداب من حدودها القومية؛ طلبًا لما هو جديد مفيد تخدمه وتتغذى به، واستجابة لضرورة التعاون الفكري والفني بعضها مع بعض، لها أسسها العامة، والتي تحدد سيرها. ثم مضى يذكر أهم تلك الأسس، ومنها أنه ينبغي للأديب المتأثر البحث أثناء عملية الاختيار، التي يقوم بها بُغية النهوض والتقدم عما يساعده في بلوغ هذا الهدف، ويعصبه من التردي فيما يضيره، ومنه الحفاظ على اللغة القومية، والخصائص العبقرية للأدب القومي، فلا يكون نقد الأدب القومي عن الآداب الأخرى تقليدًا أعمى، يمحو أصالته ويربطه برباط التبعية والعبودية لتلك الآداب.
وهو يرى أنه لا بد من التلاقح مع الآداب الأخرى؛ لأن أي أدب قومي لا يمكنه الاستقلال التام عن الآداب الأخرى، بل لا بد له من العطاء والأخذ وإلا أصابه الركود والعطل.
стр. 61
وفي ذات الوقت ينبه الدكتور هلال إلى أنه ينبغي للأدباء والنقاد والقراء، ألا يتطرفوا في أي من الاتجاهين: اتجاه الحرص المبالغ فيه على التقاليد، أو اتجاه التطرف والتمرد على كل قديم، ونحن نوافقه في هذا، وعلى أهل كل أدب أن يزنوا الأمور في هذه الحالة بميزان العقل المستقيم، والذوق السليم متسلحين بالثقة بالنفس وسعة الأفق، والحرص على الذاتية التي تميز الأدب القومي التمييز الذي يفتخر به، دون تعصب مطلق لكل ما فيه حتى لو ثبت ضرره، وكذلك دون التعبد لما عند الآخرين لمجرد أنه غربي؛ حتى لو ثبت أنه خالٍ من القيمة، وهذا يجرنا إلى الحديث عن المثاقفة بين الآداب، أي: أخذ الثقافات والآداب بعضها عن بعض؛ بُغية التجديد والتطوير والتحسين، ومعروف أنه لو بقي الماء في مكانه دون حركة ودون تجدد لصار راكدًا تعافه النفس، بل ضارًّا يؤذي، وهذه المثاقفة من شأنها أن توسع الأفق، إذ ترينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية تختلف من أدب إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء مشتركة كثيرة أيضًا.
وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وفي القرآن الكريم آية تقول عن البشر: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩) وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها، واختلاف الناس بشأنها، من ثم من الممكن الاستشهاد بها هنا، فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق به، إنه سنة بشرية مثلما التشابه في بعض الجوانب سنة بشرية أخرى، ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا، وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا، جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا فنكون أرحب صدرًا، وأقدر على
стр. 62
التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت، وإلا تحول الأدب المقارن نقمة وأذى إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا، والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقف ثابت نابع من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وحقيته.
هذا، ويحرص الغرب على نشر ثقافته وآدابه في العالم على حساب الثقافات والآداب الأخرى، وهو ما يسمى بالاختراق الحضاري، أي: العمل على غزو الشعوب الأخرى غزوًا ثقافيًّا وأدبيًّا لطبعها بطابع غربي؛ كي يسهل انقيادها وشعورها بأنها تابعة للغرب، فلا تبدي مقاومة لمخططاته في إخضاعها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ومن ثم لا يحتاج إلى جيوش يجيشها، وأموال ينفقها وجنود وضباط تزهق أرواحهم في المواجهة بين المقاومة الوطنية وجيوش احتلاله.
يقول الدكتور حسام الدين الخطيب: إنه ينبغي الاعتراف بأن الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام؛ لأن النموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم والإنتاج، والقوة المادية والاتصال وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستلاب؛ ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منهم حذرًا وانتقائيًّا، وغير مبني على الانبهار والتسليم الأعمى، كما أن هناك شيئًا آخر مهمًّا قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في أفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات، ومنها الحضارة العربية الإسلامية من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وهنا أيضًا يقتضي الإنصاف منا الإشارة إلى أن عددًا لا يستهان به من مثقفي الغرب، وعلمائه وأدبائه أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن في بلدان العالم القديم، أو بلدان
стр. 63
الجنوب، وضرورة وضعه في واجهة لائحة التثقيف اليومي للأديان من جهة، والاستعانة به من جهة أخرى؛ لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتلقين في العالم، ومثال ذلك رسالة منظمة اليونسكو، ولا سيما في مجال إحياء الثقافات المستضعفة، وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية بحيث تشمل منجزات العالم القديم الثالث.
وكل هذه التغيرات تصب في صالح المقارنة؛ لتجعل منها رافدًا فعَّالًا من روافد الصبوة العريقة للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها ومثلها، وغير قائمة على التناقضات، والتمييز بين الأنا والآخر، وهذا الكلام مأخوذ من مقال للدكتور الخطيب بعنوان: الأدب المقارن في عصر العولمة تساؤلات لاتجاه المستقبل، وهو منشور على المشباك أي: الإنترنت.
خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن
وبالنسبة إلى خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن، نقول:
إنه لمن الواجب على المقارن العربي المسلم أن يتنبه إلى أن هناك فروقًا بين عاداتنا وتقاليدنا وعقيدتنا وأخلاقنا وأذواقنا، وبين نظيراتها عند الأمم الأخرى، وأن كل ذلك من شأنه على نحو أو على آخر أن يطبع كل أدب بطابعه، وعلى هذا فلا بد عند الأخذ من الآداب الأخرى أو دراسة هذا الأخذ أن نكون على بصيرة ووعي كاملين بها فلا نترامى على آداب الآخرين فرحين بتقليدها، والنقل عنها باعتبار ما ننقله شيئًا جديدًا، وبخاصة إذا كان خاصًّا بأمة من أمم الغرب القوية المتقدمة في عصرنا، ظنًّا منا أننا حين ننقل عن أي من تلك الأمم، فإننا بهذه الطريقة نلحقها ونسايرها في تقدمها وقوتها، إذ ليس كل ما يقدمه الغرب سليمًا دائمًا فضلًا عن أن يكون نافعًا، وبالذات لنا نحن الذين نختلف عنه في أشياء غير
стр. 64
قليلة، رغم ما يوحدنا معه، ومع كل البشر من الملامح الإنسانية المشتركة بين الشعوب والأمم الأخرى.
ذلك أن هذه الاختلافات هي التي تشكل هويتنا وذاتيتنا، ونحن حين نقول ذلك لا نقوله على سبيل الشغب والمكابرة والرغبة في المخالفة، بل نقول ما يعرفه الغرب ذاته، ويحرص عليه أشد الحرص حين يكون الأمر متعلقًا به، وبهويته الحضارية والثقافية، لكنه بالنسبة لنا لا يريدنا أن نتذكره فضلًا عن أن نتمسك به ونناضل من دونه، وثم كتاب للمرحوم أنور الجندي عنوانه (خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث)، عمل فيه كل ما بوسعه؛ كي يستفزنا إلى البحث عما يغني أدبنا، ويحافظ على أصالته وقيمه الخيرة، وينفي عنه أوضار التقليد الضار، الذي يضيع معالمه ويفسدها ويحمله ما لا نرضاه له من مضامين مؤذية، تتنافَى وقيمنا الإسلامية الكريمة.
وهنا يأتي دور التراث إذ هو الخزانة التي نعول عليها في صد ما يتنافى وقيمنا الخيرة، مما يفد علينا من الآداب والثقافات الأخرى، ولكن قبل أن نلجأ إلى مخزوننا التراثي هذا، علينا أيضًا واجب جد هام، ألا وهو النظر في هذا التراث، وموقفنا في هذا السياق هو وجوب وضع هذا التراث في كل عصوره تحت المجهر، فما كان في مضامينه متفقًا مع قيم الخير والجمال والحق قبلناه، وما لم يكن قلنا فيه رأينا بمنتهى الصراحة، واستنكرنا ما تضمنه من قيم الزيف والتشويه والأذى، على أن يكون مرجعنا في هذا هو الإسلام وقيمه ومبادئه، وليس معنى ذلك أننا ننادي بتحويل الأدب العربي إلى مواعظ ونشرات دينية، بل معناه أن نترك للأديب الحرية كاملة داخل ذلك النظام القيمي الإسلامي، فلا يناقضه ولا ينقضه، وهو حر بعد هذا يتناول من الموضوعات ما يشاء على النحو الفني الذي يشاء، أي: أننا في الوقت الذي لا نوجب على الأديب مثلًا أن يأمر الناس
стр. 65
بالصلاة لا نقبل منه أن يكتب قصيدة أو قصة أو غير ذلك من الإبداعات الأدبية، يحرض الناس فيها على ترك الصلاة أو يسخر من المصلين وهكذا.
قد يقال: إن الأدب والفن لا يزدهران إلا في جو الحرية، فنجيب بأن الحرية المطلقة لا وجود لها في أي مكان من العالم، والذين ينادون بهذا إنما يريدون التفلت من قيم الإسلام إلى قيم أخرى يريدون نشرها تحت ستار حرية التعبير، وهذا واضح مفهوم رغم كل الغبار، الذي يثيره هؤلاء في أعيننا؛ كي لا نطلع على ما يخططون له.
ومن الناحية اللغوية فالمعروف أن العربية الفصحى كانت هي أداة الإبداع العربي على مر العصور لا يعرفوا أداة غيرها، اللهم إلا في الزجل الأندلسي تقريبًا، وفي بعض خرجات الموشحات الأندلسية، التي قد تختلط فيها بعض الكلمات الأجنبية بالكلمات العامية، ثم جاء العصر الحديث فأثيرت مسألة الكتابة بالعامية، وتولى كبر الدعوة إليها على حساب الفصحى طائفة من عتاة المستشرقين، الذين لا تهمهم المسألة في ذاتها قليلًا أو كثيرًا، لكنهم إنما كانوا يرمون من وراء ذلك إلى القضاء على لغة القرآن؛ لتمزيق الروابط التي تصلنا بالتراث، وبكتاب الله وأحاديث رسول الله، ومن ثم ننسلخ عن ماضينا وهويتنا، ونضحي أمساخًا مشوهةً، لا هم لها إلا تقليد الغرب في كل شيء، ثم سرعان ما رأينا بعض الكتاب من الأدباء والنقاد يزينون لكتاب القصص والمسرحيات اصطناع العامية في الحوار، بحجة الحفاظ على الواقعية وصدق التصوير.
ثم تتابعت الكتابات التي تصنع ذلك، وكثرت نسبيًّا، وإن كان هناك في ذات الوقت أدباء كثيرون، وبخاصة ذوي المقامات والمواهب العالية لا يزالون يلتزمون
стр. 66
الفصحى في كل شيء سردًا وحوارًا ووصفًا، فهذه سمة من سمات الأدب العربي التي ينبغي الحفاظ عليها، وعدم التهاون فيها وسمة أخرى لذلك الأدب ينبغي الحفاظ عليها، ألا وهي ألا تقوم بين المبدع والقارئ تلك الأسوار العالية الصلبة التي لا يمكن اختراقها، وبالتالي لا يمكن أن يفهم القارئ إبداع المبدعين، لقد كان الشاعر العربي على مر العصور حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم النظم في لغز تعمدًا تسلية للقارئ ليس إلا.
أما في العصر الحديث، فكما سبق القول: أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته؛ وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية، وتأثرنا نحن بها، تلك المذاهب التي يرجعها المرحوم أنور الجندي إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوب والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير والرمزية على عكس طبيعة بلاد العرب، التي ينتشر فيها النور والشمس والضوء، وينكشف فيها الأفق تمامًا، ومن ثَم عجزت الأساطير والرمزيات وأدب الظلال أن تجد لها مكانًا عندنا.
ومن المضحك أن بعض الشعراء والأدباء العرب يزعمون تقليدًا منهم لما يقرأونه في النقد الغربي أن الشعر الواضح لا يمكن أن يكون شعرًا حقيقيًّا، إذ لا بد من المعاناة في قراءة الشعر وفهمه، بل لقد يقولون: إن الشعر لا يكتب ليفهم، بل ليشعر به ليس إلا، وليت شعري!! كيف يستطيع الإنسان أن يتمتع بشعر لا يمكن فهمه؟! إن تلك المزاعم العجيبة تناقض طبيعة العقل البشري، الذي يقول: إنه في مجال الأدب لا يمكن أن يتذوق القارئ أو السامع أي إبداع ما لم يفهمه أولًا ولو على نحو مقارن، أما مع غموضه واستغلاقه، فهذا ما لا يمكن أن يكون،
стр. 67
وهكذا ينبغي أن يكون كل من الأديب الذي يأخذ عن الآداب الأخرى، والدارس المقارن الذي يتناول بالبحث هذا الأخذ عن الآداب الأخرى، على ذكر من هذا كله؛ حتى لا تنجر قدماه إلى الرمال المتحركة المهلكة، وهو يظن أنه سائر في الطريق والاتجاه الصحيحين دون أن يعرف أنه إنما يسيء صنعًا.
الشعر والقصص
وأما من ناحية الأجناس الأدبية فلدينا في تراثنا الشعر والقصة والمقامة والخطبة والرسالة والرحلة إلى آخره، ولسوف نقصر الكلام على الشعر والقصص مجتزئين بهما عن سائر الفنون:
ونبدأ بالكلام عن الشعر الذي كان كله حتى العصر الحديث شعرًا غنائيًّا "لرك" كما هو معروف، وكانت القصيدة في بداية أمرها ولعدة قرون تتكون من أبيات كل منها ينقسم إلى شطرين متساويين، ويختلف عدد أبيات كل قصيدة عن الأخرى بدءًا من سبعة أبيات؛ لأن ما دون ذلك يسمى مقطوعة أو نتفة إلى بضع عشرات منها غالبًا، وإن أطال بعض الشعراء كابن الرومي قصائدهم أحيانًا إلى بضع مئات من الأبيات.
كما كانت القصيدة تجري من أولها إلى آخرها على وزن واحد في شكل واحد من أشكاله، وعلى قافية واحدة مهما طالت أو قصرت، ثم ظهرت الموشحات بعد بضعة قرون، وازدهرت في الأندلس ازدهارًا واسعًا، وظهرت كذلك الرباعيات والمزدوجات والمخمسات، وما إلى ذلك، ولكن الشعر العربي في كل هذا كان يصب في البحور الخليلية، أيًّا كان الشكل الفني الذي يصب فيه، سواء كان قصيدة أو موشحة أو رباعية إلى آخره.
стр. 68
ثم عرفنا في العصر الحديث ما يسمى بالشعر الجديد أو شعر التفعيلة، الذي يقوم على نظام السطور لا الأبيات، حيث يتكون كل سطر من تكرار تفعيلة بعينها تكرارًا اعتباطيًّا، فمرة يكون السطر عبارة عن تفعيلة واحدة، ومرة يكون ستًّا أو سبعًا أو ثلاثًا أو اثنتين حسبما يعن للناظم أن يقف، ويستأنف نظمه في سطر جديد، وأحيانًا ما يكون في القصيدة الواحدة أكثر من تفعيلة، وعلى ذات الشاكلة تفتقر القصيدة التفعيلية إلى نظام قافوي معروف، إذ الشاعر حر في أن يقفي متى شاء، وأن يترك التقفية متى شاء، مثلما يمكنه التنويع في القافية على النحو الذي يشاء.
ومن هنا خفت نغم القصيدة، وظل يخفت رويدًا رويدًا حتى مات في كثير من القصائد، فانتفى عنها الشعر، وأضحينا أمام جثث يزعم أصحابها ومن يرافؤنهم من النقاد على هذا العبث، والإفساد المزاعم الطويلة العريضة التي تصم الآذان، إلا أنها لا تجدي فتيلًا إزاء تلك الجثث التي خلت من الحياة والحيوية، فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبح ملمحًا بارزًا من ملامح كثير من نصوص هذا الشعر في الفترة الأخيرة، وهو الغموض الذي يبلغ حد الاستغلاق تبين لنا حجم الكارثة، التي نزلت بالشعر العربي على أيدي هؤلاء المغرمين بالتدمير والتجريف، في الوقت الذي يملأون الدنيا صياحًا بأنهم إنما يعملون على إنقاذ الشعر العربي من المأزق الذي وقع فيه، على حين هم أنفسهم مأزق هذا الشعر، ومصيبته وبلواه، إذ صار الشعر على أيديهم فاقدًا للمعنى، والوزن والقافية، واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات.
فإذا اعترضت بأن هذا ليس بشعر أجابوك بأن الشعر لم يخلق ليقول شيئًا، بل ليلعب الشعر بالكلمات وحسب، ومع هذا، فلهم مغرمين غرامًا عجيبًا بإذاعة
стр. 69
شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت على النقاد؛ ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرًا ما نرى أولئك النقاد الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست للتوصيل، ولا للتواصل، وهم يجحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشاعر من معنى، وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهم عن فن الشعر.
أما في نصوص هذا الصنف من الشعراء، التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا، فقد انحدرت في كثير من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية، التي نعتز بها كل الاعتزاز، نعم، قد انتهى الشعر العربي أو كاد أن ينتهي في أيدي هؤلاء الشعراء إلى طريق مسدود بعد أن قضوا على كل ما هو نضر فيه، فلم يعد له في معظم ما يكتبون معنًى ولا نغمًا، ولا فيه شعور، وأضحى كنشارة الخشب على القارئ أن يمضغها ويتجرعها، ويعمل المستحيل كي يسيغها. وهيهات ثم هيها!!
وبالنسبة إلى موضوعات القصيدة كان هناك المديح والهجاء والرثاء والخمر والحماسة والغزل والغلمان إلى آخره، ولم تكن كل هذه الموضوعات موجودة منذ البداية، فالمديح مثلًا لم يظهر إلا في أواخر العصر الجاهلي على حين أن شعر الغلمان لم يعرفه العرب، إلا في العصر العباسي بتأثير فارسي حسبما لاحظ الدارسون، كذلك جد في العصور العباسية المتأخرة شعر التصوف والمدائح النبوية، وهو ما لم يكن يعرفه الشعر العربي قبل ذلك تقريبًا.
ولم تعرف القصيدة العربية باختصار على الغزل أو وصف الخمر إلا في العصر الأموي، كما غلب على القصيدة العربية في نصوصها المبكرة تعدد الموضوعات، أما بعد ذلك فما أكثر ما وجدنا القصيدة تنفرد بموضوعها لا يشركه فيها موضوع آخر، لكن ذلك لم يصبح ملمحًا ثابتًا للقصيدة العربية، إلا في العصر الحديث، ومن
стр. 70
ناحية تمييز القصائد بعضها عن بعض لم يكن هناك عناوين للأشعار على خلاف النثر من كتب ورسائل وقصص إلى آخره، وكانوا إذا أرادوا أن يشيروا إلى قصيدة من القصائد المشهورة قالوا: بائية أبي تمام، وسينية البحتري، ونونية ابن زيدون، وميمية المتنبي، على رغم أنه قد يكون للشاعر أكثر من قصيدة على هذا الحرف، ذلك أن شهرتها تدفع الذهن إلى ناحيتها دفعًا، فيعرف السامع أو القارئ أن المقصود بها هو تلك القصيدة لا غيرها من القصائد، التي على نفس رويها، أما في القصائد الأخرى، فكان يقدم لها عادة بعبارة وقال يمدح أو يهجو أو يرثي فلانًا، وهذا كل ما هنالك.
ولكن الأمر اختلف في العصر الحديث بتأثير الشعر الغربي، الذي كانت قصائده تعرف العناوين من قبل اتصالنا به، فعرفت قصائدنا العناوين هي أيضًا، وبخاصة أنها أمست لا تدور حول أكثر من موضوع واحد، كذلك دخل شعرنا ما يسمى بالقصائد والأناشيد الوطنية، وهو موضوع لم يعرفه الشعر العربي إذ لم يكن المسلمون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم شعوبًا وأوطانا متميزة، بل على أنهم جميعًا يمثلون أمة واحدة رغم اختلاف الديار والحكام، وبالمثل استجد شعر التأملات الفكرية والاستبطانات النفسية، والتهاويم الذهنية، وكذلك الاستعانة بالأساطير الوثنية الشرقية والإغريقية، مما لم يكن الشعراء العرب يفكرون فيه.
وفي ميدان الغزل كان هناك الغزل العفيف والغزل المفحش، والغزل المعتاد الذي يتغنى بالمرأة وبجمالها، وما يفعله هذا الجمال بالقلوب واصفًا جسد المرأة دون إفحاش رغم ذلك، وكان هناك كذلك الغزل بالغلمان، الذي قد يكتفي فيه الشاعر بالحديث عن هيامه بغلام من الغلمان، وتصوير سدود الحبيب والعذاب، الذي يصطليه جراء ذلك غير متحرج في تلك الأثناء من وصف جماله ووجه الفتنة فيه.
стр. 71
وقد يمضي أبعد من هذا كما فعل أبو نواس في بعض أشعاره؛ فيصل إلى حد التقزيز ومثله الهجاء، إذ كان منه هجاء بالأحساب أو بالعيوب النفسية والخلقية، كما كان الحال في الجاهلية، ومنه الهجاء بالعيوب الجسدية، ومنه الهجاء السياسي، وقد بدأ في العصر الأموي، ومنه الهجاء بالكلام البذيء، وهو ما عرفه الشعر العربي في العصر العباسي، وفي ميدان الخمر كان هناك من يجاهر بشربها، وبأنه يجد لذة في ارتكاب معصيتها غير مبال بشيء، ومن كان يلم بالإشارة إليها مكتفيًا بذلك مما يمكن أن يكون معناه أنه لم يكن من شاربيها، بل يجري على تقليد فني لا أكثر ولا أقل، ومن لا يأتي على ذكرها من قريب أو بعيد.
وفي ميدان المديح كان هناك الشعراء المعتدلون، كما كان هناك المغالون الذين قد يخرجون بممدوحيهم من نطاق البشرية؛ فيخلعون عليهم بعض الصفات الإلهية، كما هو الحال في مدائح ابن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي بتأثير من العقيدة الإسماعيلية، التي كان الشاعر وممدوحه يعتنقانها، وإن لم ينتشر هذا اللون الجامح السخيف من المدائح، لكن الغالب في كل ذلك هو التمسك حقيقة أو ادعاء صراحة، أو ضمنًا بقيم الإسلام ومبادئه؛ حتى إننا لا نجد شيئًا من الشعر يعلن فيه الشاعر كفره أو ينال من الإسلام وتاريخه، فضلًا عن أن يصدر منه في حق النبي والصحابة أية إساءة، أما من كان يصر على أن يعرف الناس عنه أنه يشرب الخمر ويتفانى في شربها، فإنه كان يريد استفزاز الناس من حوله لوجدانه لذة في ذلك، لا إعلان تمرده على أحكام الدين ورغبته في التفلت من شرائعه.
على أن الشاعر في هذا كله كان حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم
стр. 72
النظم في لغز تعمدًا، كما قلنا، أما في العصر الحديث فحسبما سبق القول أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية، وتأثرنا نحن بها تلك المذاهب، التي يرجعها المرحوم أنور الجندي إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوب والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير والرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب، التي ينتشر فيها النور والشمس والضوء، وينكشف فيها الأفق تمامًا، ومن ثم عجزت الأساطير والرمزيات وأدب الظلال أن تجد لها مكانًا عندنا طبقًا لما يقول.
أما الفن القصصي وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل، فلم تقم حوله حركة نقدية، كالتي قامت حول الشعر بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونذرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص، كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا ومتنوعًا رائعًا، ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل الإسلام، فضلًا عن أنهم ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته يراعاتهم إبداعًا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن، إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد على العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل.
стр. 73
ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي فطير متسرع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الا جتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفَى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل (رسالة النمر والثعلب) لسهل بن هارون، و (رسالة التوابع والزوابع) لابن شهيد، و (رسالة حي بن يقظان) لكل من ابن سينا وابن الطريد والسهروردي، و (قصص ألف ليلة وليلة)، و (سيرة عنترة)، و (سيرة سيف بن ذي يزن)، ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البيشاوي، ومحمد أحمد جاد المولى، في أربعة مجلدات كبار، بعنوان (قصص العرب) و (كليلة ودمنة) لابن المقفع.
ونحن مع المرحوم أنور الجندي أيضًا في استنكاره الشديد للمحاولات التي يبذلها بعض الكتاب لإحلال العامية محل الفصحى في كتابة الحوار القصصي والمسرحي، وإن زاد بعضهم في الطنبور نغمة فنادوا بأن تشغل العامية موضع الفصحى في كل مجالات الكتابة، إن هؤلاء إنما يتغيون ما يتغياه أولئك المستشرقون الذين كانوا ينادون بنبذ الفصحى واصطناع العامية بدلًا منها؛ كي نتقدم ونساير العصر، وترتقي العلوم في بلاد العرب، مع أن العامية في كل مكان هي مجرد لهجة للاستعمال اليومي ليس غير، فهي من ثم فقيرة فقرًا شنيعًا بحيث لا تستطيع أن تؤدي شيئًا من العلوم أو الآداب التي نعرفها، اللهم إلا الأسجال.
стр. 74
ومعروف أن هذه الدعوة إنما تقصد ضرب الوحدة العربية في الصميم؛ لأنه إذا ما تفرقت الشعوب العربية لغويًّا، وأمسى لكل شعب منها لغته الخاصة به التي لا يفهمها شعب عربي آخر، كان ذلك أول مسمار يندق في نعش العروبة، التي هي محور الإسلام ومادته الصلبة، وحينئذٍ سرعان ما ينهار عمود الإسلام أو على أقل تقدير يتحلحل، ولا يثبت على حاله، ولسوف تقوم حينئذ حواجز سميكة من اللغة بيننا وبين تراثنا وقرآننا، وأحاديث نبينا، فنضطر إلى ترجمتهما بما يجره ذلك من تغيير في النص المترجم كل حين، كما هو الحال مع الكتاب المقدس الذي لا يثبت على حال أبدًا.
ونحن مع أنور الجندي كذلك في وجوب الاهتمام بكتابات ابن حزم والغزالي وابن خلدون وابن تيمية بوصفها إبداعات أدبية، مثلما هي إبداعات فكرية، بل إن كتابات هؤلاء وأمثالهم لتفوق في الجمال والعمق والروعة الفكرية والأسلوبية كثيرًا من النصوص النثرية، التي درجنا على دراستها في كتب الأدب وحصصه ومحاضراته، ولكن لا بد أن نضيف ما هو معلوم من أن قدماء نقادنا هم الذين استنوا سنة استبعاد أمثال الغزالي وابن خلدون من دائرة اهتمامهم، مركزين على ما يسمى بالنثر الفني، وهو النثر المنحصر في الرسائل الديوانية، وما إليها، ذلك أن كلام الجندي يفهم منه أن هذه ثمرة من ثمار تقليد المستشرقين في دراستهم للأدب العربي، وهذا غير صحيح في حدود علمي، فالمستشرقون عادةً ما يوسعون دائرة الأدب، بحيث تشتمل أمثال أولئك الكتاب الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا، إذ الأدب في الغرب لا يقتصر على النثر الفني، بل يشمل كلَّ كتابة تتسم بجمال التعبير ودفئه أيًّا كان موضوعها حتى لو كان تاريخًا أو جغرافية أو فلسفة، بل كثيرًا ما يقصد بهذا المصطلح هناك كل ألوان الكتابة بإطلاق.
стр. 75
وقد درج الكتاب في العقود الأخيرة على ترجمة هذه الكلمة بمعناها الأخير إلى أدبيات، فيقولون: الأدبيات السياسية والأدبيات القانونية، وهلم جرًّا، أما أنا فأترجمها ببساطة إلى كتابة أو كتابات، فأقول: الكتابة السياسية أو القانونية أو الكتابات السياسية أو القانونية.
وعلى نفس المنوال أجدني مع المرحوم الجندي أيضًا في وجوب الاعتزاز بديننا، والحفاظ عليه في كل كتاباتنا وتفكيرنا لا على أساس إلغاء عقولنا، وترديد ما هو موجود في القرآن والسنة دون تفكير، بل على أساس اقتناعنا به وتحققنا أنه من عند الله، ومن ثم لا مكان عندنا لمن يشككون في القرآن أو في ثوابت الإسلام، ولا لمن ينادون باطراح الدين خلف ظهورنا، حين نستقبل البحث العلمي، وكأن الدين الذي أتى به المصطفى ﵇ ضد البحث العلمي، وما فعله للأسف طه حسين حين عاد وهو شاب من أوربا مغترًّا بالقليل الذي حصله هناك، فألف كتابه في (الشعر الجاهلي) في عجلة وتسرع دون أن يمحص ما سجله فيه، مما أظهر العلماء الأثبات رعونته وسطحيته وفساده وتناقضه مع نفسه، ومع وقائع التاريخ وشواهد النصوص على السواء.
كذلك لا مكان في نفس المسلم الحق للشكوك، ومشاعر اليأس المظلم والإحباط الدائم، والقلق المستمر دون سبب تلك الشكوك والمشاعر التي تغذيها الفلسفات الوجودية والاعتقادات الإلحادية، ويعتنقها بعض الببغاوات من بلاد العرب والمسلمين عن غير اقتناع، بل عن تقليد وتصور خاطئ بأن هذا هو ما ينبغي على المثقف أن يعتقده ما دامت هذه البضاعة قد أتتنا من الغرب.
إن للعقلية الإسلامية سماتٍ معينةٍ، وينبغي أن يحافظ المسلمون على هذه السمات المستقاة من دين الله، وأن ينأوا بأنفسهم عن الذوبان في الآخرين،
следующие страницы →