Полный текст (585 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقد يمضي أبعد من هذا كما فعل أبو نواس في بعض أشعاره؛ فيصل إلى حد التقزيز ومثله الهجاء، إذ كان منه هجاء بالأحساب أو بالعيوب النفسية والخلقية، كما كان الحال في الجاهلية، ومنه الهجاء بالعيوب الجسدية، ومنه الهجاء السياسي، وقد بدأ في العصر الأموي، ومنه الهجاء بالكلام البذيء، وهو ما عرفه الشعر العربي في العصر العباسي، وفي ميدان الخمر كان هناك من يجاهر بشربها، وبأنه يجد لذة في ارتكاب معصيتها غير مبال بشيء، ومن كان يلم بالإشارة إليها مكتفيًا بذلك مما يمكن أن يكون معناه أنه لم يكن من شاربيها، بل يجري على تقليد فني لا أكثر ولا أقل، ومن لا يأتي على ذكرها من قريب أو بعيد.
وفي ميدان المديح كان هناك الشعراء المعتدلون، كما كان هناك المغالون الذين قد يخرجون بممدوحيهم من نطاق البشرية؛ فيخلعون عليهم بعض الصفات الإلهية، كما هو الحال في مدائح ابن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي بتأثير من العقيدة الإسماعيلية، التي كان الشاعر وممدوحه يعتنقانها، وإن لم ينتشر هذا اللون الجامح السخيف من المدائح، لكن الغالب في كل ذلك هو التمسك حقيقة أو ادعاء صراحة، أو ضمنًا بقيم الإسلام ومبادئه؛ حتى إننا لا نجد شيئًا من الشعر يعلن فيه الشاعر كفره أو ينال من الإسلام وتاريخه، فضلًا عن أن يصدر منه في حق النبي والصحابة أية إساءة، أما من كان يصر على أن يعرف الناس عنه أنه يشرب الخمر ويتفانى في شربها، فإنه كان يريد استفزاز الناس من حوله لوجدانه لذة في ذلك، لا إعلان تمرده على أحكام الدين ورغبته في التفلت من شرائعه.
على أن الشاعر في هذا كله كان حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم
стр. 72
النظم في لغز تعمدًا، كما قلنا، أما في العصر الحديث فحسبما سبق القول أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية، وتأثرنا نحن بها تلك المذاهب، التي يرجعها المرحوم أنور الجندي إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوب والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير والرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب، التي ينتشر فيها النور والشمس والضوء، وينكشف فيها الأفق تمامًا، ومن ثم عجزت الأساطير والرمزيات وأدب الظلال أن تجد لها مكانًا عندنا طبقًا لما يقول.
أما الفن القصصي وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل، فلم تقم حوله حركة نقدية، كالتي قامت حول الشعر بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونذرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص، كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا ومتنوعًا رائعًا، ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل الإسلام، فضلًا عن أنهم ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته يراعاتهم إبداعًا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن، إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد على العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل.
стр. 73
ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي فطير متسرع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الا جتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفَى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل (رسالة النمر والثعلب) لسهل بن هارون، و (رسالة التوابع والزوابع) لابن شهيد، و (رسالة حي بن يقظان) لكل من ابن سينا وابن الطريد والسهروردي، و (قصص ألف ليلة وليلة)، و (سيرة عنترة)، و (سيرة سيف بن ذي يزن)، ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البيشاوي، ومحمد أحمد جاد المولى، في أربعة مجلدات كبار، بعنوان (قصص العرب) و (كليلة ودمنة) لابن المقفع.
ونحن مع المرحوم أنور الجندي أيضًا في استنكاره الشديد للمحاولات التي يبذلها بعض الكتاب لإحلال العامية محل الفصحى في كتابة الحوار القصصي والمسرحي، وإن زاد بعضهم في الطنبور نغمة فنادوا بأن تشغل العامية موضع الفصحى في كل مجالات الكتابة، إن هؤلاء إنما يتغيون ما يتغياه أولئك المستشرقون الذين كانوا ينادون بنبذ الفصحى واصطناع العامية بدلًا منها؛ كي نتقدم ونساير العصر، وترتقي العلوم في بلاد العرب، مع أن العامية في كل مكان هي مجرد لهجة للاستعمال اليومي ليس غير، فهي من ثم فقيرة فقرًا شنيعًا بحيث لا تستطيع أن تؤدي شيئًا من العلوم أو الآداب التي نعرفها، اللهم إلا الأسجال.
стр. 74
ومعروف أن هذه الدعوة إنما تقصد ضرب الوحدة العربية في الصميم؛ لأنه إذا ما تفرقت الشعوب العربية لغويًّا، وأمسى لكل شعب منها لغته الخاصة به التي لا يفهمها شعب عربي آخر، كان ذلك أول مسمار يندق في نعش العروبة، التي هي محور الإسلام ومادته الصلبة، وحينئذٍ سرعان ما ينهار عمود الإسلام أو على أقل تقدير يتحلحل، ولا يثبت على حاله، ولسوف تقوم حينئذ حواجز سميكة من اللغة بيننا وبين تراثنا وقرآننا، وأحاديث نبينا، فنضطر إلى ترجمتهما بما يجره ذلك من تغيير في النص المترجم كل حين، كما هو الحال مع الكتاب المقدس الذي لا يثبت على حال أبدًا.
ونحن مع أنور الجندي كذلك في وجوب الاهتمام بكتابات ابن حزم والغزالي وابن خلدون وابن تيمية بوصفها إبداعات أدبية، مثلما هي إبداعات فكرية، بل إن كتابات هؤلاء وأمثالهم لتفوق في الجمال والعمق والروعة الفكرية والأسلوبية كثيرًا من النصوص النثرية، التي درجنا على دراستها في كتب الأدب وحصصه ومحاضراته، ولكن لا بد أن نضيف ما هو معلوم من أن قدماء نقادنا هم الذين استنوا سنة استبعاد أمثال الغزالي وابن خلدون من دائرة اهتمامهم، مركزين على ما يسمى بالنثر الفني، وهو النثر المنحصر في الرسائل الديوانية، وما إليها، ذلك أن كلام الجندي يفهم منه أن هذه ثمرة من ثمار تقليد المستشرقين في دراستهم للأدب العربي، وهذا غير صحيح في حدود علمي، فالمستشرقون عادةً ما يوسعون دائرة الأدب، بحيث تشتمل أمثال أولئك الكتاب الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا، إذ الأدب في الغرب لا يقتصر على النثر الفني، بل يشمل كلَّ كتابة تتسم بجمال التعبير ودفئه أيًّا كان موضوعها حتى لو كان تاريخًا أو جغرافية أو فلسفة، بل كثيرًا ما يقصد بهذا المصطلح هناك كل ألوان الكتابة بإطلاق.
стр. 75
وقد درج الكتاب في العقود الأخيرة على ترجمة هذه الكلمة بمعناها الأخير إلى أدبيات، فيقولون: الأدبيات السياسية والأدبيات القانونية، وهلم جرًّا، أما أنا فأترجمها ببساطة إلى كتابة أو كتابات، فأقول: الكتابة السياسية أو القانونية أو الكتابات السياسية أو القانونية.
وعلى نفس المنوال أجدني مع المرحوم الجندي أيضًا في وجوب الاعتزاز بديننا، والحفاظ عليه في كل كتاباتنا وتفكيرنا لا على أساس إلغاء عقولنا، وترديد ما هو موجود في القرآن والسنة دون تفكير، بل على أساس اقتناعنا به وتحققنا أنه من عند الله، ومن ثم لا مكان عندنا لمن يشككون في القرآن أو في ثوابت الإسلام، ولا لمن ينادون باطراح الدين خلف ظهورنا، حين نستقبل البحث العلمي، وكأن الدين الذي أتى به المصطفى ﵇ ضد البحث العلمي، وما فعله للأسف طه حسين حين عاد وهو شاب من أوربا مغترًّا بالقليل الذي حصله هناك، فألف كتابه في (الشعر الجاهلي) في عجلة وتسرع دون أن يمحص ما سجله فيه، مما أظهر العلماء الأثبات رعونته وسطحيته وفساده وتناقضه مع نفسه، ومع وقائع التاريخ وشواهد النصوص على السواء.
كذلك لا مكان في نفس المسلم الحق للشكوك، ومشاعر اليأس المظلم والإحباط الدائم، والقلق المستمر دون سبب تلك الشكوك والمشاعر التي تغذيها الفلسفات الوجودية والاعتقادات الإلحادية، ويعتنقها بعض الببغاوات من بلاد العرب والمسلمين عن غير اقتناع، بل عن تقليد وتصور خاطئ بأن هذا هو ما ينبغي على المثقف أن يعتقده ما دامت هذه البضاعة قد أتتنا من الغرب.
إن للعقلية الإسلامية سماتٍ معينةٍ، وينبغي أن يحافظ المسلمون على هذه السمات المستقاة من دين الله، وأن ينأوا بأنفسهم عن الذوبان في الآخرين،
стр. 76
وبخاصة إذا كان هؤلاء الآخرون لا يؤمنون بدين، ولا يقفون حيث أوجب الله على عباده أن يقفوا، ولا يقول: إن الأدب لا دين له، وأنه ينبغي النأي به عن الدين وقيمه، ذلك أنه لا يمكن أن يعتقد الإنسان عقيدة معينة، ويتمسك بقيم معينة، ثم إذا أبدع أدبًا نسي عقيدته وقيمه بحجة أن الأدب شيء والدين والأخلاق شيء آخر!!
ولقد كان الأدب العربي في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع وتأثير، إذ كان أدبًا قويًّا مفعمًا بالحيوية، مثلما كان العرب والمسلمون آنئذٍ مفعمين بالقوة والحيوية، ومعروف أن الأدب يعكس صورة أصحابه كما أن أصحابه يضفون عليه ما يتمتعون به من أهمية واحترام، ومن إبداعات العرب في ذلك الوقت مما تأثرت به الآداب الأوربية كتاب (كليلة ودمنة)، الذي كان بابًا من أبواب الإلهام للأديب الفرنسي "لافونتين" في خرافاته، تلك القصص التي جعل "لافونتين" أبطالها من عالم الحيوان، وضمنها ما يريد نشره بين الناشئة من قيم ومبادئ ونصائح ومعارف، وكذلك (ألف ليلة وليلة)، التي فتنت أهل الغرب فتنة ما بعدها فتنة، وكانت مهلمة لروائي أمريكا اللاتينية في إبداعاتهم الواقعية السحرية، وأيضًا (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، ورسالة (حي بن يقظان) لابن طفيل، التي يرى بعض الدارسين أن "دانيل ديفو" الصحفي والسياسي الإنجليزي قد استوحاها ضمن ما استوحاه في كتابة روايته المشهورة "روبنسون كروزو"، وهناك أيضًا الموشحات الأندلسية، التي أثرت أقوى تأثير في شعر الشعراء التروبادور، وكذلك المقامات التي استلهمها مبدعو روايات الشطار في الآداب الأوربية إلى آخره.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 77
الدرس: ٤ مباحث ومشكلات في ساحة الأدب المقارن في العالم العربي .
стр. 78
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(مباحث ومشكلات في ساحة الأدب المقارن في العالم العربي)
دراسة كتاب (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي مقدمة وتطبيق)
فنقول: سوف تكون نقطة انطلاقنا الكتاب الذي صدر للدكتور عبد الحميد إبراهيم عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين للميلاد، عن دار الشروق في الأدب المقارن بعنوان: (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي؛ مقدمة وتطبيق)، والذي حاول فيه أن يؤسس لأدب مقارن عربي ينطلق من الأدب العربي، ويعنَى بقضايا الأدب العربي، ويلقي الضوء على تأثير الأدب العربي على الآداب الأخرى، ويناقش أهم القضايا المتعلقة بالأدب المقارن في العالم العربي.
وكانت نقطة انطلاقه في هذا كله بدوره هي كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال في (الأدب المقارن)، الذي انتقده كثيرًا؛ لأنه حسبما يرى قد اهتم بالآداب الأوربية أولًا وأخيرًا، ولم يتسع صدره للأدب العربي إلا على الهامش، بحيث لم يخصص له إن فعل وقليلًا ما يفعل إلا صفحات جد ضئيلة، ولم يصنع شيئًا في ذلك الكتاب تقريبًا أكثر من ترجمة ما كتبه المقارنون الفرنسيون في كتبهم وبحوثهم، ونقل ما أثاروه من قضايا وما عكسوه في دراساتهم من اهتمامات وأصدروه من أحكام، فجاء كتابه وكأنه طبعة عربية من تلك الدراسات.
وهو يرى أن النزعة القومية لا تتعارض مع الاتجاه الإنساني، إذ الأولى خطوة على طريق الأخيرة، كما أن البشر لا يمكنهم أن يتخلوا عن قومياتهم ولا عن مشاعرهم تجاه تلك القوميات، ثم إن النزعة القومية ليست شرًّا في ذاتها، والحق أن كلام الدكتور عبد الحميد إبراهيم هنا لا يمكن المماراة فيه فضلًا عن تخطئته، والعبرة في كل الأحوال بتوخي الباحثين أقصى ما يمكنهم من موضوعية، خشيةَ أن تجرفهم نزعتهم القومية نحو بعض الأحكام غير السديدة، أو تغشي على
стр. 79
عيونهم، فلا يروا الحقيقة في نصوعها، كذلك لا يصح أن نغفل أن الغربيين الذين صدروا إلينا، أو بالأحرى يبدو أنهم صدروا إلينا علم الأدب المقارن، ورغم حديثهم الكثير والمستديم عن العالمية والإنسانية لا يهملون قومياتهم لحظةً من نهار أو ليل، وفضلًا عن ذلك فإننا في بلاد العروبة والإسلام لم نغل في شعورنا القومي كما غلوا، ولم نجحف بحق الآخرين كما أجحفوا، وما زالوا.
وقد عرف المؤلف القومية الثقافية وهي التي تهم الباحثين من أمثالنا بأنها تعني لغة واحدة، وبيئة جغرافية متجاورة وتاريخًا مشتركًا وغير ذلك، مما يشكل في النهاية مجموعة من الملامح الثقافية تميز إنسان المنطقة، وتمثل خلفية فكرية وراء ردود أفعاله، ثم يضيف قائلًا: إن القومية على هذا الوضع لا تتنافَى مع الإسلام في شيء، بل هما كوجهي العملة الواحدة لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهو يؤكد أن الإسلام أو أي دين آخر عندما يظهر، فإنه لا يظهر في الفراغ، بل في بقعة من الأرض معينة، وبين قوم من أقوام الأرض معينين.
وهذا الكلام الأخير كلام صحيح، ولكني أود أن أوضح أن العَلاقة بين العروبة والإسلام ليست كالعلاقة بين وجهي العملة الواحدة، بل الحقيقة هي أن دائرة القومية تنطوي في دائرة الإسلام الأوسع، التي تشتمل على قوميات متعددة بعدد الأمم التي تعتنقه، فهي جزء من الإسلام وليست كيانًا مستقلًّا يواجهه ويكمله، والعبرة بألا تغلو تلك القوميات في إحساسها بنفسها فتطغى على رابطة الإسلام، وإلا كان هناك خطأ غير هين ينبغي تداركه بسرعة والعودة إلى نقطة السلامة.
ثم إن ظهور الإسلام في بلاد العرب، وكذلك عروبة نبيه ولغته نفسها كل ذلك ليس إلا الخطوة الأولى، التي أعقبتها خطوات واسعة انداح معها الإسلام إلى خارج دياره، وصار دينًا عالميًّا، نعم، لا ينبغي أبدأ أن نغفل عن الدور الكريم
стр. 80
الذي قام به العرب في حمل هذا الدين، ونشره في أرجاء الأرض، إلا أن الإسلام في نهاية المطاف هو دين الله سبحانه أرسل به نبيه محمدًا ﷺ إلى الدنيا كله، فهو إذن دين عالمي رغم انطلاقه من بقعة معينة من الأرض، على أيدي قوم معينين من أقوام هذه الأرض.
كذلك أود أن ألفت النظر إلى أن المؤلف يتبنى هو أيضًا وجهة نظر الدكتور محمد غنيمي هلال، إذ لا يستطيع أن يرى الأدب المقارن خارج نطاق النظرة التاريخية التي تحصره في التأثير والتأثر، وهي النظرة التي تقوم عليها المدرسة الفرنسية، تلك التي كان الدكتور هلال أحد تلاميذها المخلصين، رغم ضيق أفقها الواضح، فهو مثلًا عند تفرقته بين الموازنات الأدبية والأدب المقارن، يكتب قائلًا: إن الأدب المقارن يجمع في جعبته بين الوجهين القومي والعالمي معًا، فهو ينطلق من نصوص أدبية كتبت بلغة معينة، وخضعت للمقتضيات البلاغية لهذه اللغة، ثم يبحث عن علاقتها من حيث التأثير والتأثر بنصوص أدبية كتبت في لغة مختلفة، وخضعت بدورها لمقتضيات تلك اللغة، وذلك لكي يثبت أوجه التفرد عند هذا الأديب أو عند غيره.
ومما انتقده المؤلف على الدكتور محمد غنيمي هلال: أنه لدن تأريخه نشأة الأدب المقارن قد أنفق وقته وجهده كله في صبر وأمانة كما يقول في متابعة هذا التاريخ في أوربا وحدها، من أيام اليونان والرومان حتى العصر الحديث، ولم يحاول قط الحديث بشيء عن تاريخ ذلك العلم داخل اللغة العربية والحضارة الإسلامية، صحيح أنه خصص فصلًا كاملًا للحديث عن الوضع الحالي لدراسات الأدب المقارن في جامعات الغرب، وفي الجامعات المصرية، لكنه لم يعط هذا الفصل سوى عشر صفحات، فضلًا عن أنه لم يخصصه كله للجامعات المصرية، بل
стр. 81
جزءًا منه فقط كما نرى، كذلك فإنه قد قصر الكلام فيه على نشأة ذلك العلم في مصر في الربع الأول من القرن العشرين.
وهذا أيضًا صحيح وقد لاحظت ذلك بنفسي قبل أن يقع كتاب الدكتور عبد الحميد إبراهيم في يدي، وسجلت هذه الملاحظة في كتابي (في الأدب المقارن مباحث واجتهادات)، الذي صدر قبل عدة أعوام، إلا أنني لم أكتفِ بتسجيل تلك الملاحظة، بل أفردت فصلًا كاملًا وطويلًا يقع في عشرات الصفحات، عنوانه: المقارنة الأدبية في التراث العربي، أبرزت فيه جهود النقاد العرب القدامى في ميدان الأدب المقارن، وهي جهود عظيمة شديد الأهمية لا يقلل أبدًا من عظمتها وأهميتها أن أسلافنا لم يهتموا بصك المصطلحات الخاصة بها، ولا بإعطاء كتاباتهم اسم الأدب المقارن أو أية تسمية أخرى، بل كانوا يمارسونها والسلام، مخلفين لنا في هذا الصدد تراثًا عظيمًا ألقيت الضوء على عدد كبير من نصوصه، التي لم يكن يلتفت إليها أحد في حدود علمي، اللهم إلا نصين اثنين اهتم بهما ولفت الانتباه إليهما الدكتور الطاهر أحمد مكي في كتابه (الأدب المقارن) على نحو حفزني لأن أتابع الطريق وأمضي قدمًا، وأكتشف نصوصًا أخرى في غاية الأهمية.
وكنت في كتابي المذكور قد أشرت إلى الفصل الذي عقده الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابي (الأدب المقارن) للكلام في تاريخ نشأة الأدب المقارن، وهو الفصل الأول من الباب الأول من ذلك الكتاب، لافتًا النظر إلى أنه يحصر نفسه في الآداب الأوربية، ولا يطرق البتة باب الأدب العربي للبحث عما قد يكون فيه من بذور لذلك النوع من البحث، أو لذلك النوع من الدراسة، وهو ما يشي إن لم يكن يؤكد أنه لا يرى أية إمكانية لوجود مثل تلك البذور، أما الدكتور الطاهر
стр. 82
أحمد مكي في الفصل الأول من كتابه (الأدب المقارن أصوله، وتطوراته، ومناهجه) فهو وإن تطرق للحديث عن الأدب العربي القديم قد قصر كلامه عما كان يسمى في تراثنا النقدي بالموازنات والنقائض والمعارضات والسرقات والتقليد، وما دار حولها من بحوث ودراسات، فلم يحاول هو أيضًا استكشاف تراثنا النقدي والبلاغي؛ ليرى أمن الممكن العثور هناك على أي شيء يمت بصلة لهذا الحقل الجديد من الدراسة الأدبية.
ومن بين ما تحدث به الأستاذ الدكتور عن السرقات كلامه عما اتهم به كل من المازني ومحمد مندور بالأخذ عن الكتاب الأوربيين، واضعًا تحت عين القارئ قصيدة الشاعر الإنجليزي "توماس هوت"، التي قيل: إن المازني قد سطا عليها في قصيدته: فتى في سباق الموت، ومؤكدًا أن مندور قد سرق كل كتابه (نماذج بشرية) ما عدا فصلًا واحدًا هو الفصل الخاص بشخصية إبراهيم الكاتب في رواية المازني المعنونة بنفس العنوان، من كتاب "جان كالفيه" عن النماذج العالمية للأدبين الفرنسي والأوربي، وهو ما أثبت صحة جانب كبير منه بالوثائق التي لا تكذب ولا تتجمل في كتابه الدكتور محمد مندور (بين أوهام ادعاءات العريضة وحقائق الواقع الصلبة).
وعودة إلى ما كنا بصدده أقول: إنني لا أدري لم سكت الأستاذان الفاضلان في كتابيهما هذين، فلم يحاولَا أن ينبشا في تراثنا النقدي علهما يجدان شيئًا يمكن القول بأنه يمثل بذروًا أو أجنة لذلك الحقل الجديد المسمى بالأدب المقارن؟ وقد كانا جديرين بأن يقوما بهذه المهمة خير قيام لو أنهما لم يجريَا في إثر الكتاب الأوربيين، الذين كتبوا في موضوع الأدب المقارن، إذ المسألة أبسط من ذلك كثيرًا لو كانا عقدَا النية، ولم يضعا أعينهما على خطوات الدارسين الغربيين، الذين لا
стр. 83
يشغلهم أدبنا في شيء، ويصيخا بكل سمعهما وانتباهما إلى وقع تلك الخطوات، وكأنها المثال الأعلى.
وإن كان من الممكن في نظر البعض التماس العذر لهما، فنحن قد دخلنا ميدان هذا العلم على أيدي الغربيين، ومن ثم كان الرواد منا في هذا المجال يحسون بوطأة هذه اليد، ولا يفكرون أن يقاوموها، فكانوا يرددون ما يقوله الغربيون، ولا يريدون أن يخرجوا عنه، على أساس أنهم أصحاب الفضل وأنه ليس من المعقول إنكار فضلهم، إذ نحن لا نزيد عن أن نكون مجرد تلامذة تابعين، ولا يليق أن يخرج التلميذ عن طوع أستاذه، رغم أن مثل هذه المحاولة التي كنا ننتظرها منهم لا تدخل في باب التمرد ولا جحد اليد، بل بالأحرى في باب التكامل والتعاون والاستدراك المغني لا الإنكار المجحف.
وإذا كان نَتَفَهَّمُ موقف الدكتور محمد غنيمي هلال؛ لأنه جاء مبكرًا، فكان عليه أن يركز على نقل كل ما عند الغربيين؛ حتى نكون على بينة منه، فإن الأمر يختلف مع الدكتور مكي، الذي أتى بعد أن استتبت الأمور كثيرًا، وخفت تلك اللهفة التي تصيب من يريد متابعة شيء جديد، وأصبح مقدار كبير من الدراسات والبحوث، وعقد كثير من الندوات والمؤتمرات، وتخرجت أجيال بعد أجيال من الطلاب الذين درسوا الأدب المقارن، وتغلغلت جذور ذلك التخصص في تربتنا الجامعية، ولم يكن ثمة إمكانية للتراجع، لقد كتب الدكتور هلال كتابه في أوائل الخمسينيات من القرن الفائت، على حين كتب الدكتور مكي كتابه في النصف الثاني من ثمانينات ذلك القرن أي: أن هناك فاصلًا بين الكتابين يقدر بعشرات السنين، وهي مدة ليست بالهينة.
стр. 84
أقول هذا رغم شمول التغطية في كتاب الدكتور مكي، وتوسعه في عدد من القضايا وجاذبية عرضه وحلاوة أسلوبه، وإن لم تعمنا تلك الفضائل عن عدم مبالاته بذكر مراجعه أولًا بأول في أسفل كل صفحة إلا على سبيل الاستثناء، رغم اتكائه كثيرًا على الكتب المشهورة من ذلك الميدان، كما هو بين من قائمة الكتب الطويلة، التي أثبتها في آخر الكتاب، وكذلك عن بعض الهنات النحوية.
والسؤال الآن هو: هل في كتاباتنا النقدية القديمة ما يمكن أن يمثل بذورًا لذلك اللون من الدراسة الأدبية؟ لقد خصص الدكتور مكي بعد ذلك في كتابه (في الأدب المقارن دراسات نظرية وتطبيقية) فصلًا ممتعًا، وهو في الأصل مقال كان قد نشره قبلًا في إحدى المجلات عنوانه: الجاحظ والأدب المقارن، أورد فيه بعض النصوص الجاحظية التي تدور حول المقارنة بين بعض جوانب الأدب العربي، وما يقابلها في أدب هذه الأمة أو تلك، وهي نصوص مهمة ولا شك. ويحمد الأستاذ الدكتور صنيعه هذا كثيرًا، لكني كنت أحب أن يضم كتابه الضخم الشامل (الأدب المقارن أصوله، وتطوره، ومناهجه) فصلًا كبيرًا في هذا الموضوع يجول فيه جولة أوسع في التراث العربي، يبحث عن نصوص أخرى مشابهة بأقلام كتاب آخرين، لكنه للأسف لم يفعل، وهو ما دفعني إلى محاولة القيام بالأمر بنفسي لأرى أكان الجاحظ بدعًا في ذلك، كما يفهم من كلام الدكتور أم إن المسألة أوسع من هذا.
لقد طفت بخاطري طوفة سريعة في تراثنا النقدي والبلاغي، فاستطعت أن أتذكر كثيرًا من النصوص المقارنة إلى جانب ما عثرت به من نصوص في غاية الأهمية، أثناء كتابتي بذلك الموضوع مما يعد مع ذلك قطعًا متناثرة لا سلسلة متصلة من المؤلفين وكتاباتهم، ومن الأشياء التي استطاع الكتاب العرب القدماء رصد
стр. 85
تسربها إلى الشعر العربي أحيانًا من خارج حدوده، ما جاء في ترجمة أمية بن أبي الصلت من كتاب (طبقات الشعراء) لابن سلام من قوله: وكان أمية بن أبي الصلت كثير العجائب يذكر في شعره خلق السماوات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء وكان قد شام أهل الكتاب.
فابن سلَّام يتنبه إلى ما يسمى في الأدب المقارن بقضية التأثير والتأثر بين ثقافات الأمم المختلفة، إذ يرى ناقدنا القديم أن أمية بن أبي الصلت قد خرج على اهتمامات الشعراء الجاهليين، فأخذ يتكلم عن خلق السماوات والأرض وعن الملائكة وما إلى هذا، ولم يبال بالوقوف على الأطلال ووصف البادية وحيوانها، وأن السبب في ذلك هو مخالطته لأهل الكتاب بخلاف شعراء الجاهلية، الذين كانوا وثنيين ولا يهتمون بالتعرف إلى ثقافات الآخرين؛ ولهذا جاء شعرهم جميعًا ماءً واحدًا، بخلاف شعر أمية بن أبي الصلت على ما وصفه ابن سلام.
وقد مضى كل من ابن قتيبة في (الشعر والشعراء) وأبي الفرج الأصفهاني في (الأغاني) خطوة أبعد في الكلام عن تلك السمات المميزة لشعر ابن أبي الصلت، جاء في (الأغاني): أن أمية كان يستعمل في شعره كلمات غريبة، إذ قال: كان أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله الأول فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب، فمنها قوله: قمر وساهور يسل ويغمد، وسماه في موضع آخر التغرور فقال: وأيده التغرور، وقال ابن قتيبة: وعلماؤنا لا يحتجون بشيء من شعره لهذه العلة، وقد شرح ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) بعض هذه الألفاظ قائلًا: وقد كان قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله -جل وعز- وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب يأخذها من الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب، ومنها قوله: قمر وساهور يسل ويغمد،
стр. 86
والساهور فيما يذكر أهل الكتاب غلاف القمر يدخل فيه إذا كسف، وقوله في الشمس:
ليست بطالعة لهم في رسلها ... إلا معذبة وإلا تُجلد
يقولون: إن الشمس إذا غربت امتنعت من الطلوع وقالت: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله حتى تدفع وتجدل فتطلع، ويسمي السماء في شعره صاقورة وحاقورة وبرقع، ويقول في الله : هو السلطيط فوق الأرض مقتدر، وهذه أشياء منكرة وعلماؤنا لا يرون شعره حجة في اللغة.
ويقابلنا عند الجاحظ أيضًا في (البيان والتبيين) نص على درجة كبيرة من الأهمية يصف فيه ناقدنا وأديبنا القدير تعريفات البلاغة لدى الأمم المختلفة، قال: قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل، وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة، وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة.
ثم قال: ومن البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحًا أبلغ في الدرك وأحق بالظفر، ويلاحَظ أن كل تعريف من تلك التعاريف إنما ينظر إلى الأمر من زاوية خاصة، بحيث نراها في النهاية تتكامل ولا تتناقض، وهو ما يدل على أن البلاغة أكبر من أن تنحصر في ذوق أمة واحدة من الأمم، بل كل يركز عليها من جانب واحد من جوانبها ليس إلا، وهو ما عبر العرب عنه بقولهم: لكل مقام مقال أي: أن على
стр. 87
السياق في الكلام وفي غير الكلام أيضًا، وهو ما يعرف الآن بنظرية السياق معولًا كبيرًا.
بَيْدَ أننا كنا نؤثر لو استطاع الجاحظ أن يورد لنا صاحب كل قول من هذه الأقوال، وموقعه من ثقافة أمته وأدبها، لكنه للأسف لم يفعل، المهم أن النص الذي أمامنا الآن هو من نصوص الدراسة المقارنة المبكرة والهامة في تراثنا النقدي.
طول القصائد وقصرها بين الشعر العربي ونظيره الفارسي
وفي هذا السياق من المقارنة بين الأدب العربي في بعض خصائصه، وبعض الآداب الأجنبية نورد هذا النص المهم من (المثل السائر) لابن الأثير في مسألة طول القصائد وقصرها بين الشعر العربي ونظيره الفارسي، إذ كان ابن الأثير يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد الفروق بينهما إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطول الشاعر قصائده ويشقق المعاني، ويستوفي الكلام فيها مما هو أليق بالنثر، وهنا ينطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة، قائلًا: إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة، أو أكثر من ذلك فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي.
والكاتب لا يؤتى من ذلك -يقصد الناثر- بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاعَ فيه؛ لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه، وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن شعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما
стр. 88
فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف (بشاه نامه)، وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغاتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر.
وكذلك عثرت على النص التالي أثناء تجوالي في تراثنا الأدبي والنقدي للحصول على أكبر قدر من النصوص المقارنة فيه، وهو يتعلق أيضًا بـ (الشاه نامه)، الذي ألفه للرد على بعض ما جاء في كتاب ابن الأثير، وهو يجري على النحو التالي قال -أي: ابن الأثير في تفضيل النثر على النظم في آخر الكتاب-: إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه وقلناه.
وعلى هذا، فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال يكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم كتابه المعروف (شاه نامه)، وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العرب بالنسبة إليها كقطرة من بحر.
أقول -والكلام هنا لصلاح الدين الصفدي-: قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة، التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون ولا ابن غرثيا في رسالته مثل هذا، وقد وجد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضًا، وإن عد هو الفردوسي عددت له مثل ذلك جماعة، منهم من نظم تاريخ المسعودي نظمًا في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب (كليلة ودمنة) في عشرة آلاف بيت، ونظمها أبان اللاحقي أيضًا، وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي أن مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه
стр. 89
الدمشقي عرف بابن الدجاجية، نظم كتاب (المهذب) قصيدة على روي الراء، سماها (البديعة في أحكام الشريعة). انتهى.
قلت: و (المهذب) في أربع مجلدات وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله ﷺ في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت، ولابن الهبارية كتاب (الصادح والباغ) في ألف بيت، كل بيت منها قصر مشيد ونكته ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة، ليس فيها لو ولا ليت، وأما من نظم الألف وما دونه فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر، وأما (الشاطبية) وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر وخلب سحره الألباب وبهر، وأما أراجيز النحو والعروض والفقه كالذي نظم الوجيز ومنظومة الحنفية وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم فكثير جدًّا إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف.
وما سمعنا بمن اشتغل من العجم بالعربية، إلا وفضل اللغة العربية، برهان هذه الدعوة أن أبا علي الفارسي وبندار وأبا حاتم والزمخشري، وغير هؤلاء، لما اشتغلوا بالعربية وذاقوا حلاوتها هاموا بها وكلفوا بمحاسنها، وأفنوا الليالي والأيام في تحصيلها، وأنفقوا مدة العمر في تأليفها وتدوينها، وتتبع محاسنها وقواعد أقيستها وغرائب فنونها، ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القوم اجتهدوا هذا الاجتهاد في العربية، وأفنوا مدة العمر وهي ما لا يخلف في شيء هو دون غيره، والأولى بهم وبكل عاقل الاشتغال بالأحسن والأفصح والأبلغ والأحكم، ولو علم هؤلاء القوم أن اللغة الأعجمية لها أفعل التفضيل ما عرجوا على العربية، إلا ريثما عرفوها ثم عادوا إلى لغتهم.
стр. 90
ومن الكلم النوابغ للزمخشري: فرقك بين الرطب والعجم فرقك بين العرب والعجم، ومنها العرب نبع صلب المعاجم، والغرب مثل للأعاجم، فانظر إلى الزمخشري كيف جعل العرب رطبًا والعجم عجمًا والعجم بتحريك الجيم هو النوى، وكيف جعل العرب مثل شجر النبع وهو صلب تتخذ منه القسي، وجعل العجم مثل شجر الغرب، وهو خوار، فإن قلت: ما كان علماء العربية من العجم عالمين باللغة الأعجمية، كما ينبغي قلت: أليس أنهم كانوا يعرفون العجمية، ثم إنهم تمهروا في العربية، وبالغوا في إتقانها؟ ومن وصل في لغة من اللغات إلى ما وصل إليه أبو علي والزمخشري وغيرهما، من معرفة الاشتقاق الأكبر والأصغر، والأبنية، والتصريف في الاسم، والفعل الماضي والمضارع والأمر، واسم الفاعل والمفعول، وصارت له تلك الملكة كان عنده من الأهلية أن ينظر في كل لغة عرف لسانها، وأن يستخرج قواعدها ويتبع أصولها؛ فيقع على غرائب حكمها ومحاسن قواعدها لاشتباك العلوم بعضها ببعض، واجتماع شملها في الغاية التي أوجبت وضعها، ولا يضع اللغة إلا حكيم.
ألا ترى أن بعض النحاة رتب اللغة التركية على القواعد النحوية، وميز الاسم من الفعل والماضي من المضارع من الأمر، وضمير المتكلم من المخاطب من الغائب، والجمع من الإفراد وعلامة الجمع والمضاف من المضاف إليه إلى غير ذلك، وهذا أمر غير خافٍ.
وأما قوله: إن كتاب (شاه نامه) ستون ألف بيت كلها في غاية الحسن من الفصاحة والبلاغة، وما فيها ما يعاب، فإن هذه الدعوى لا تسمع مجردة عن البرهان الذي يؤيدها، ومن يأتي بستين ألف كلمة أو بستة آلاف كلمة تكون في غاية الفصاحة في الألفاظ والبلاغة في المعنى حتى إنها لا تعاب بوجه، هذا ليس في قوى البشر في لغة من اللغات، سلمنا أن ذلك ما يعاب في تلك اللغة، فمن
стр. 91
أين لك أن جيد شعر العجم في طبقة جودة شعر العرب، كما تقول: القمر أشد نورًا من النجوم، والشمس أشد نورًا من النجوم، فالشمس والقمر اشتركَا في الفضيلة على النجوم، ولكنهما في نفسيهما لا يستويان مثلًا، فهل جيد العجم مثل جيد العرب كوصف امرئ القيس في الخيل والنابغة في الاعتذار وزهير في المدائح، والأعشى في الخمر، أو كجيد جرير والفرزدق والأخطل وبشار بن بُرد ومسلم بن الوليد وأبي نواس، وديك الجن والحسين بن الضحاك والمتنبي وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأبي فراس وغيرهم.
وإلى هذا العصر وما بين ذلك من الشعراء الذين تغرق قطرات العجم في لغتهم، حتى إنه يقول: إن ذلك كله جيد لا يعاب، هل يستويان مثلًا في الجودة من حيث هي؟ وإنما قل الجيد في الشعر؛ لأن البلغاء وعلماء الأدب انتقوا الجيد العالي الذي يكون في الفصاحة والبلاغة، وجعلوه أنموذجًا ومثالًا يحذى على ما قرروه بقوة فكرهم، وصحة انتقادهم، فكان ذلك الجيد في الطبقة العليا، ولا جرم أن الساقط من الشعر أكثر من العالي عند أئمة البلاغة، وإلا فعلى الحقيقة الذي يعده أرباب البلاغة من ساقط الشعر يكون جيدًا عند غيرهم غير معيب، إلا ما هو ساقط إلى الغاية، وهذه النكتة هي العلة في قلة الجيد من الشعر، ومن أين في شعر العجم ما في شعر العرب من المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والتورية، والاستخدام والجناس على اختلاف كل نوع من هذه الأنواع، وتشعب أقسامه إلى غير ذلك من أنواع البديع، وهو ما يقارب المائة نوع ولا هيهات ما بينهما صيغة أفعل.
стр. 92
وذكر الحصري في (زهر الآداب): أن أعرابيًّا قال لشاعر من أهل الفرس: الشعر للعرب وكل من يقول الشعر منكم، فإنما نَزَا على أمه رجل منا. انتهى.
وقد أنصف ابن خلف في قوله:
وللعرب بيت وديوان ... وللعجم قصر وإيوان
وأما دعواه أن الشاعر لا يحسن في الأكثر فالعذر في ذلك ظاهر؛ لأنه في ضائقتين شديدتين إلى الغاية وهما الوزن ولزوم الروي الواحد، والناثر غير مضطر إلى شيء منهما، بل هو مخلى ونفسه إن شاء أتى بسجعتين على حرف واحد، وإن شاء على أكثر وإن شاء أتى بالسجعة على عشرين كلمة، أو على أقل إلى كلمتين، ولو أتى الكاتب برسالة مطولة على حرف واحد في سجي، وعدد مخصوص من كلمات السجع لكان حاله حال الشاعر، بل كان كلامه أسمج وأثقل على الأسماع والقلوب؛ لأن الشعر يروجه الوزن ولا كذلك النثر، فحينئذٍ لا يصلح هذا أن يكون فضيلة في النثر على النظم.
وليكن ها هنا آخر ما أردته من الكلام على (المثل السائر)، وقد سامحته في كثير سقطه فيه ظاهر.
ولا ريب في أن هذا النص يشهد للصفدي، وهذه ميزة في معظم علمائنا القدامى بسعة الاطلاع، وحضور الشواهد على مد ذراعه، رغم أنه كان يعيش في عصر لا يعرف المشباك -أي: الإنترنت- ولا الفهارس، وبالمثل لا بد من التنبيه عنده إلى روح الحب الغلاب للعرب، وكل ما يتصل بهم من لغة وأدب وفكر، لكني لا أستطيع أن أشاركه الزعم بأن الآداب الأخرى تخلو من التشابيه والاستعارات والكنايات، وإن كان كلامه في البديع لا ينطبق عليه هذا، إذ يبدو لي أن لساننا في عصور معينة منه على الأقل قد استعمل المحسنات البديعية أكثر جدًّا مما فعل أي أدب آخر مما نعرف، وعلى كل، فإن هذا النص هو من النصوص الكاشفة في ميدان المقارنات الأدبية في نقلنا القديم.
стр. 93
وفي (زهر الأكم في الأمثال والحكم) يعرض اليوسي لما قاله بعض النقاد العرب القدماء من أن الحكم، التي اشتهر بها أبو الطيب المتنبي، إنما أخذها عن أرسطو، وليس له فيها من فضل وهذا هو النص وقال -أي: المتنبي-:
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
قال صاحب (الرسالة الحكيمة) وهو قول أرسططاليس: أقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه، قلت: وهو غلط إن كانت رواية هذه الحكمة هكذا، فإن أبا الطيب إنما أراد عكسها، وهو أن أقبح الظلم أن يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه، بدليل سياق كلامه:
وقد يترك النفس التي قد لا تهابه ... ويحترم النفس التي تتهيب
وقال أيضًا:
لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع عن جنبه
ينسى بها ما مر من عجبه ... وما أذاق الموت من ركبه
نحن بنو الموت فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمن هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوِّه ... وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
وهو معنى قول أرسططاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهِّد في حقائها، والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق، والذي قبله هو معنى قوله أيضًا: اللطائف سماوية والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول، وقال:
يموت راعي الضأن في جهله ... موت جالينوس في طبه
وقال:
стр. 94
وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه
وهو قريب من قول أرسططاليس: آخر إفراط التوقي أول موارد الحذر.
وهذا كما نرى نوع من المقارنة بين بعض النصوص الأدبية في لغة الضاد، ونظائرها في الأدب أو الفكر الإغريقي، مما لا يحتاج إلى أي مسوغ آخر لتبوئه مكانًا مستحقًّا في الأدب المقارن.
ويجري في نفس المجرى ما كتبه النويري عن ذات المسألة في كتابه (نهاية الأَرَب في فنون العرب)، إذ قال: وقد جُمع من شعر أبي الطيب في ذلك ما وافق كلام أرسططاليس في الحكمة، فمن ذلك قول أرسططاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة، قال المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقال أرسططاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء كالكي والفصل اللذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها، نقله المتنبي إلى شعره فقال:
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
وقال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال
وقال أرسططاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء كالكي والفصد اللذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها، نقله المتنبي إلى شعره فقال:
لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجساد بالعلل
وقال أرسططاليس: الظلم من طبع النفوس وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما علة دينية خوف معاد، أو علة سياسية خوف سيف، قال المتنبي:
стр. 95
والظلم من شيم النفوس فإن ... تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
والواقع أن مرجع كل كلام في مسألة المتنبي وأرسططاليس، والكتاب الذي وضعه في هذا الموضوع محمد بن الحسن الحاتمي بعنوان: (الرسالة الحاتمية في سرقات المتنبي من أرسططاليس)، وقد كانت العرب تدرس هذه المسائل في باب السرقات في كتب البلاغة والنقد، إلا أن العبرة كما هو معلوم بالمضمون لا بالشكل والمصطلح، فالسرقة في داخل الأدب القومي ليست كالسرقة إذا تمت بالسطو على أدب أمة أخرى، وهذا النوع الأخير يدخل في باب الأدب المقارن، وهذا هو الاصطلاح الذي قبلناه، وأدخلنا معه ذلك التخصص في مقررات جامعاتنا، وتبنيناه في دراساتنا وبحوثنا ورسائلنا العلمية.
وفي المقالة الثامنة من (الفهرس) لابن النديم، وتحت عنوان: الفن الأول في أخبار المسامرين والمخرفين، وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار تطالعنا هذه الوثيقة المهمة، التي يتطلع لمثلها الدارس المقارن لما تقدمه له من عون كبير في موضوع تتبع المسارات، التي اتخذتها الأشكال والأجناس الأدبية في انتقالها من ثقافة أمة إلى ثقة أمة أخرى، يقول ابن نديم: أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبًا وأودعها الخزائن، وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرس الأُوَل، ثم أغرق في ذلك ملوك الأشغانية، وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس، ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب (هزار أفسان) ومعناه ألف خرافة.
وكان السبب في ذلك أن ملكًا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة، وبات معها ليلة قتلها من الغدـ فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها:
стр. 96
شهرزاد فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه، وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها، ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث إلى أن أتى عليها ألف ليلة وهو مع ذلك يطأها إلى أن رُزقت منه ولدًا، فأظهرته وأوقفته على حيلته عليها، فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها: دنيا زاد، فكانت موافقة لها على ذلك، وقد قيل: إن هذا الكتاب ألف لحمان بن بهمن وجاءوا فيه بخبر غير هذا، والصحيح إن شاء الله أن أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه لا يريد بذلك اللذة، وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب (هزار أفسان)، ويحتوي على ألف ليلة وعلى دون المائتي سمر؛ لأن السمر ربما حدث به في عدة ليال، وقد رأيته بتمامه دفعات وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث.
وابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشاري صاحب كتاب (الوزراء)، بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه، وكان فاضلًا فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر.
ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخ الشافعي، وكان قبل ذلك يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم جماعة، منهم: عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون وعلي بن داود كاتب زبيدة وغيرهم، وقد استقصينا أخبار هؤلاء وما صنفوه في مواضيع من الكتاب، فأما كتاب (كليلة
стр. 97
ودمنة)، فقد اختلف في أمره فقيل: عملته الهند، وخبر ذلك في صدر الكتاب، وقيل: عملته ملوك الإسكانية ونحلته الهند، وقيل: عملته الفرس ونحلته الهند، وقال قوم: إن الذي عمله بزرجمهر الحكيم وأجزاء، والله أعلم بذلك.
وتعليقي على هذا أنه ما دام الأمر كذلك، فلست أدري وجهًا لقول الدكتور عبد الحميد إبراهيم: إن الأدب المقارن قد جاء إلى العالم العربي من فوق منقولًا من الجامعات الفرنسية على يد الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن)، ذلك أننا قد رأينا بأنفسنا أن تراثنا مفعم بمثل تلك الأبحاث، وإن كان أسلافنا كما قلت: لم يهتموا بصك المصطلحات ولا بتسمية العلم، الذي كانوا يدورون في فلكه بل لم يتنبهوا فيما هو واضح إلى أنهم يكتبون أدبًا مقارنًا، وهذا كل ما هنالك.
وحتى لو غضضنا الطرف عن التراث الأدبي القديم في الدراسات الأدبية المقارنة، فهذا هو رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وروح الخالدي مثلًا، يكتبون أدبًا مقارنًا قبل محمد غنيمي هلال، بل قبل أن نعرف التعليم الجامعي نفسه بزمن طويل.
أما بالنسبة إلى دعوى عبد الحميد إبراهيم بأن الدكتور محمد غنيمي هلال حين تناول الأجناس الأدبية من وجهة نظر الأدب المقارن، إنما حصر نفسه في الملحمة والخرافة والقصة والمسرحية، ولم يتطرق إلى ذكر أي جنس أدبي عربي كالخطابة والشعر والحكمة، فقد فاته أن هلال قد أورد ضمن الأجناس الأدبية التي ذكرها في كتابه المقامة مثلًا، وعرض لتأثيرها في رواية الشطار، التي انتشرت في أوربا في بداية عصر النهضة، كما تحدث عن "دانتي" وتأثره بالأدب العربي الإسلامي في نظمه للكوميديا الإنسانية،
стр. 98
إن الدكتور عبد الحميد إبراهيم يرفض أن يكون الأدب المقارن عندنا نحن العرب في خدمة أفكار الأوربيين، بحيث يقتصر الكلام فيه على تأثير الآداب الأوربية في أدب العرب، دون الاهتمام بالسير في الاتجاه المقابل اتجاه تأثير الأدب العربي في الآداب الغربية، ونحن معه في هذا، إلا أن ما يوحيه كلامه من أن المقارنين العرب كلهم على بكرة أبيهم تقريبًا قد فعلوا ويفعلون هذا، غير صحيح.
بل إن الدكتور غنيمي هلال ذاته قد تكلم في عدة مواضيع من كتابه عن ذلك التأثير، وإن لم يتوسع فيه توسعه في الحديث عن التأثير المضاد، ولدينا مثلًا عبد الرحمن صدقي، الذي أبدع كتابًا عن تأثر الشاعر والفيلسوف الألماني "ولهم بوته" بأشياء كثيرة من الأدب العربي والقرآن والسنة النبوية، ومثله في ذلك عبد المطلب صالح صاحب كتاب (موضوعات عربية في ضوء الأدب المقارن)، وفيه ألقَى أضواءً ساطعةً على ما يدين به الشاعر والقصاص الفرنسي "فيكتور هيجو" في إبداعاته للإسلام، وكذلك الدكتورة مكارم الغامري، إذ لها كتاب هام بعنوان (مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي)، كشفت فيه بالتفصيل تأثر كبار الأدباء الروس بالأدب العربي والإسلام، وهناك الدكتور أحمد محمد البدوي، وكتابه (أوراق شرقية في القيثار الغربي)، الذي كشف الستار فيه عن تأثر الشاعر والقصاص الأمريكي الشهير "إدجار ألن بو" بعناصر إسلامية واضحة.
ولدينا أيضًا الدكتور عبد الله الطيب السوداني، الذي تحدث عن تأثر "تي إس إليوت" بمعلقة لبيد بن ربيعة، وعندنا كذلك الدكتور بديع محمد جمعة الذي له بحث عن "تأثر الأدب الفرنسي بالأدب العربي في فن المقامة"، وهناك كذلك الدكتور مصطفى حجازي السيد والدكتور محمد إبراهيم محمد أبو عجل،
стр. 99
اللذان كتب أولهما كتابًا عن لغة الهوسا وأدبها، وتأثرهما بلغة العرب وآدابها عنوان (أدب الهوسا الإسلامي)، وكتب ثانيهما كتابًا مماثلًا، ولكن عن اللغة السواحلية عنوانه (الأدب السواحلي الإسلامي).
ولدينا من المقارنين العرب من كتب في تأثير قصص الحيوان عند ابن المقفع مثلًا على "لافونتين" في خرافاته، ومن كتب عن تأثير رسالة ابن الطفيل (حي بن يقظان) على الرواية الإنجليزية (روبنسن كروزو)، التي كتبها "دانيال ديفو"، ومن كتب عن تأثير العنصر العجائبي في (ألف وليلة) على روائي أمريكا الجنوبية ذوي اتجاه الواقعية السحرية.
والأمثلة جد كثيرة، لكن هذا يكفي الآن.
التأثر والتأثير الذي تشترطه المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن
وبالنسبة إلى عملية التأثر والتأثير، التي تشترطها المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، هناك مقارنون عرب لا يولون هذه النقطة أية أهمية معلنين أنهم مع المدرسة الأمريكية، التي لا تشترط مثل هذا الشرط، بل إن بعض المقارنين العرب قد طبقوا هذا المبدأ من قبل أن نسمع بالمدرسة الأمريكية، مثلما هو الحال فيما خططوا يراعة رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، من مقارنات بين بعض الأساليب العربية في الشعر والبلاغة في الأدب العربي.
ونظير ذلك في أدب الفرنسيس، وكذلك روح الخالدي السياسي والكاتب الفلسطيني، الذي أصدر في بدايات القرن العشرين كتابًا يحوي بعض مباحث الأدب المقارن، كمبحثه في المقارنة بين رسالة الغفران للمعري، والكوميديا الإلهية لـ"دانتي"، ومبحثه في المقارنة بين أغنية "رولان" وسيرة عنترة بن شداد، وعندنا أيضًا فخري أبو السعود في مقالاته الكثيرة التي نشرها في منتصف
стр. 100
الثلاثينيات من القرن الماضي في مجلة "الرسالة"، وقارن فيها بين الأدبين العربي والإنجليزي في عدد من الأجناس الأدبية وغيرها.
وأنا لا أرى بذلك بأسًا على الإطلاق، إذ إني لا أذهب مذهب من يشترط من دارسي الأدب المقارن أن تكون هناك صلات بين العملين الأدبيين، اللذين نريد المقارنة بينهما، والدكتور محمود مكي كاتب مقدمة الكتاب الذي تضمن مقالات أبي السعود هو من المناصرين لهذا الرأي، إذ يقول: إن المدرسة الفرنسية تنفي هذه المقالات من دنيا الأدب المقارن، إلا أنها بمنطق المدرسة الأمريكية إذا طعمت بالنزعة الإنسانية الحقيقية تكسب مشروعية كاملة في انتمائها للأدب المقارن.
وهنا نجد الدكتور عطية عامر يؤكد ببساطة وثقة وعن حق، أن أبا السعود قد سبق بذلك "أوست ورن" و"رينيه" وليك"، رائدي المدرسة الأمريكية أنفسهما، كما لاحظ الدكتور مكي قد قصر اهتمامه في تلك المقالات على رصد أوجه التشابه والاختلاف مع تغليب الاهتمام بالجانب الأخير، فإن هذا في حد ذاته هدف عظيم، إذ من خلال مثل هذا الرصد نستطيع أن ننظر إلى تراثنا الأدبي والنقدي بعين غير العين التي ألف النظر بها إليه، وحينها تكون لدينا فرصة أفضل من رؤية مزاياه وعيوبه، وحتى لو كانت النتائج التي يتوصل لها أبو السعود وسواه غير دقيقة أو متسرعة أو نيئة، فإنها لكفيلة رغم هذا باستفزاز أذهاننا وعواطفنا، ودفعنا دفعًا للتعمق في دراسة هذا التراث، وإعادة النظر فيه وبلوغ زواياه البعيدة وخفاياه المظلمة المتربة، التي لم ينفض عنها الغبار منذ زمن طويل، ومحاولة الطب لعيوبه والنهوض به، وجعله قادرًا على مساماة أعظم آداب العالم وهكذا.
стр. 101
أما ما يظن الدكتور عبد الحميد إبراهيم من أنه قد أضافه إلى مباحث الأدب المقارن حين قال: إنه ينبغي للمقارن الأدبي العربي أن ينطلق إلى المقارنة بين إبداع أدبي غربي، ونظير له في أدبنا القومي من المنطلق الفني، إذا رأى في العمل الأدبي الغربي ما يذكره بعمل عربي من الناحية التقنية؛ فيدرس العملين عن قرب ويدرس كل ما يتصل بهما مما يمكن أن يوصله إلى التأثير والتأثر بينهما، كما هو الحال مع رواية "كفكا" عن أمريكا، التي ذكر أنه بعد قراءته لها شعر أنها لا تمت من الناحية الفنية إلى أعمال "كفكا" الأخرى، بل تختلف عن الأعمال الروائية الأوربية بوجه عام، وتقترب بالأحرى من جنس المقامات، التي تقوم على وحدات مستقلة ليس من اللازم أن تخضع لخط تطوري يربط فصولها بعضها ببعض؛ ليتبين في النهاية أنها متأثرة بالمقامة العربية، إما مباشرة وإما عن طريق روايات الشطار الأوربية في بدايات عصر النهضة تلك الروايات، التي تأثرت بدورها بفن المقامة.
أقول: إن ما يظن الكاتب أنه قد أتى فيه بالجديد هو في الواقع ليس جديدًا البتة، إذ الأدب المقارن لا يقتصر كما يوحي كلام الدكتور على الصلات الفكرية بين الأعمال الأدبية، بل يشمل كل شيء مما يدخل في الإبداع الأدبي من أسلوب وتصوير وعاطفة وخيال وبِنية، اللهم إلا إذ كان يقصد فقط أن كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال بالذات يفتقر إلى المعالجة الفنية في مقارناته الأدبية، لكن الآن ليس هو كل المقارنين العرب، ولا حتى كل المقارنين المصريين، ومن ثم لا أستطيع أن أرى جديدًا فيما ذكر الدكتور عبد الحميد إبراهيم أنه ينبغي للمقارن الأدبي العربي أن يصنعه في هذا الصدد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 102
الدرس: ٥ الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية .
стр. 103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية)
تعريف الملحمة، وملحمة المهابهاراتا الهندية
وسوف نبدأ اليوم بجنس الملحمة:
والملحمة حسبما تقول "الموسوعة العربية العالمية": هي قصيدة قصصية طويلة تدور حول بطولات فائقة لأشخاص غير عاديين في الحرب، أو في السفر، وفي كثير من الملاحم الشعرية الأسطورية قد يكون البطل حسب اعتقاداتهم الوثنية نصف إله، أي: متولدًا من إله وبشر طبقًا لما يؤمنون به من خرافات، ويتناول كثير من الملاحم نشأة شعب أو نمو أمة من الأمم، وقد ألف الملاحمة أناس مجهولون خلال زمن طويل، وإن كان هناك ملاحم أخرى ألفها مؤلف واحد، وتعود أقدم الملاحم الشعرية إلى فترة ما قبل التاريخ، حيث كان يغنيها في البداية شعراء يقومون في ذات الوقت بالعزف على آلة وترية، وكان المنشد يحفظ أوصافًا وحوادث وعبارات ومشاهد معينة، يمكن استخدامها في تأليف الأبيات.
ومن المادة المخصصة للشعر الملحمي في "موسوعة الويكبيديا"، نعرف أن الملحمة قصيدة قصصية شديدة الطول تعود عادة حول أعمال بطولية، ووقائع ذات دلالة لِأُمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات.
ويفرق كاتب المادة بين نوعين من الملاحم: النوع القديم كـ"ملحمة جلجامش" و"ملحمة "الإلياذة"" لـ"هوميروس" الإغريقي، والنوع الأحدث أو الثانوي مثل "الإنياذة" لـ"فرجيل" الروماني و"الفردوس المفقود" لـ"جون ملتون" الإنجليزي. وهذا الأخير هو من إبداع أدباء كبار معروفين استخدموا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على مِنوال تلك الملاحم القديمة، التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابةً بعد ذلك فوصلت من ثم إلينا.
стр. 104
ويمضي كاتب المادة مسجلًا الخصائص التي تميز الملحمة عن غيرها من الإبداعات الأدبية، وهي أن يكون بطل الملحمة شخصًا جليلًا ذا مكانة كبيرة بين أبناء وطنه، أو في العالم أجمع ويحظى بأهمية تاريخية أو أسطورية، كذلك ينبغي أن يكون ميدان الأحداث شديد الاتساع بحيث يشمل كثيرًا من الأمم والبلاد المختلفة، وأن تتسم تصرفات البطل بالشجاعة الفائقة؛ حتى لتكون خارقة في كثير من الأحيان، فضلًا عن مشاركة الآلهة والملائكة والشياطين فيها، مع حرص المؤلف على فخامة الأسلوب، والموضوعية في رواية الوقائع، ورسم الشخصيات بكل سبيل.
وعلى وجه العموم، نرى البطل يقوم برحلة يلقى فيها خصومًا، يحاولون إنزال الهزيمة به ليعود في نهاية المطاف إلى بلاده، وقد تغير فلم يعد كما كان، وهو في كل ذلك يعكس الملامح القومية والخلقية، التي تميز أمته، ويأتي من الأعمال ما يميز أهمية قصوى لتلك الأمة، وقد قام كاتب الويكيبيديا في نهاية المادة بتزويدنا بقائمة لأهم الملاحم المعروفة في العالم مرتبةً تاريخية بدءًا من القرن العشرين قبل الميلاد، وهي بالعشرات وتكاد ألا تكون هناك أمة من الأمم القديمة، إلا وقد أبدعت الملاحم.
وسر تسمية الشعر الملحمي بهذه التسمية أنه يدور غالبًا حول معارك حربية، وهو ذلك الشعر الذي لا يعبر عن ذات صاحبه، ولكنه يدور حول أحداث أو بطولات وأبطال في فترة محددة من تاريخ الأمة. كما يمزج الحقائق التاريخية بروح الأسطورة والخيال، وتتوارى ذات الشعر في هذا المقام حين يتناول مادته تناولًا موضوعيًّا وليس وجدانيًّا، وهو يصور حياة
стр. 105
الجماعة بانفعالاتها وعواطفها، بعيدًا عن عواطفه وانفعالاته، ولا تظهر شخصيته إلا في أضيق الحدود كما تعنيه عواطف الأبطال وانفعالاتهم أكثر من عواطفه وانفعالاته الخاصة.
وتطول قصائد هذا اللون من الشعر؛ حتى تصل آلاف الأبيات، ولكنها على طولها لا بد لها من وحدة هي حدثها الرئيسي وشخصيتها الرئيسية التي تمضي بالأحداث إلى نهايتها، ثم تتفرع أحداث ثانوية وشخصيات مساعدة.
ومن أقدم ما عرفه تاريخ الأدب العالمي من هذا الجنس الشعري "ملحمة "الإلياذة" و"الأوديسا" لشاعر اليونان "هومر"، وموضوع "الإلياذة" تلك الحرب القاسية بين اليونان ومملكة طروادة، وأما "الأوديسا" فتصور عودةَ اليونانيين إلى بلادهم عقب المعركة، والملحمتان تحكيان ألوانًا من المشاعر المتباينة من الغدر والوفاء والحب والبغض، كما تصور أحداثًا دامية عنيفة، وتحكي أسطورة فتح طروادة بهيكل الجواد الخشبي، كما تحدثنا عن شخصيات الأمراء والقواد مثل: أخيل وأجمنون وأجاكس وهيكتور وغيرهم، وبلغت "الإلياذة" ستة عشر ألف بيت من الشعر على وزن واحد.
وقد عرف الرومان الملاحم على يد شاعرهم جرجيل حين كتب "الإنيادة" مستلهمًا ملحمة "هوميروس" وموضوعها مغامرات البطل "إنياس". وكذلك عرفت الأمم الأوربية عددًا من مطولات الشعر القصصي، جعلته سجلًّا لأحداثها ومواقفَ أبطالها، فأنشودة رونان عند الفرنسيين تصوير لعودة الملك "شارلمان" منهزمًا في إحدى غزواته، ولكنه بالرغم من هزيمته كان مثالًا للبطولة والنبل،
стр. 106
كما عرف الفرس ملحمة "الشاهنامه"، التي تحكي أحداث مملكة الفرس، وكذلك كتب الهنود ملحمة "المهابهاراتا" في مائة ألف بيت، حول صراع أبناء أسرة واحدة على المُلك، مما أدى إلى فنائهم جميعًا.
وقد قل شأن هذا اللون من الشعر في العصر الحديث، إذ لم يعد الإنسان تطربه خوارق الأساطير الممعنة بالخيال بقدر اهتمامه بأحداث الحاضر المعبر عن واقعه وهمومه، وآماله وآلامه، وقد بدأ الشعر الملحمي الغربي بـ"الإلياذة" و"الأوديسا"، ويعتقد الباحثون أن هذين العملين قد كتبهما "هوميروس"، وهو شاعر يوناني أعمى عاش في القرن السابع قبل الميلاد، وبني جزء من كل منهما على التاريخ، والجزء الآخر على الأسطورة المتصلة بحرب طروادة، ووضع النقاد الأدب من الإغريق والرومان قواعد للملاحم الشعرية، مبنية على أسلوب "هوميروس" وأسلوب "فرجيل" أهم تابعيه، وقد نصت هذه القواعد على وجوب بدء الملحمة في منتصف الأحداث، أي: أن تبدأ القصة بعد أن يكون جزء كبير من أحداثها قد وقع، وكان على الشعراء أيضًا أن يكتبوا بأسلوب رفيع، وأن يبدأوا بالابتهال إلى آلهة الإلهام، يطلبون منها الوحي الشعري.
ومع مرور الزمن أُهمِلت قواعد الملاحم الشعرية اليونانية والرومانية، وقام الشعراء خلال العصور الوسطى بكتابة الملاحم الشعرية بأسلوب طبيعي، ومن الملاحم المهمة في العصور الوسطى "الملحمة الإنجليزية" "بيولف" في القرن الثامن الميلادي، والفرنسية "أغنية رولان" في القرن الثاني عشر الميلادي، والأسبانية "قصيدة السِّيد" حوالي عام ألف ومائة وأربعين للميلاد، وفي القرن السابع عشر قام الشاعر الإنجليزي "جون ملتون" بتقليد "هومر" و"فرجيل" في ملحمته الشعرية
стр. 107
"الفردوس المفقود"، ومع بداية القرن الثامن عشر أسهم رواج الأدب النثري الواقعي، وخصوصًا الروايات في تراجع الشعر الملحمي، وكذلك كَتَبَ الهنود ملحمة "المهابهاراتا"، وتعد "المهابهاراتا" أطول قصيدة في العالم، حيث تتكون من مائتين وعشرين ألف بيت مقسمة إلى ثمانية عشر فصلًا، وقد كتبت القصيدة باللغة السنسكريتية، وهي اللغة القديمة المقدسة للهند، وتُرجمت إلى عدد من اللغات الهندية الحديثة؛ لأن القصة التي ترويها ذات شعبية واسعة في الهند كلها، وقد عرضت عدة صيغ للقصة التي ترويها القصيدة في التلفاز الهندي، وفي تلفازات عدد من الأقطار الأخرى.
وتعني كلمة "المهابهاراتا" الملك العظيم باهارتا، وتتحدث القصيدة عن المنافسات والنزاعات والمعارك، التي دارت بين الكوارافاس والبندافاس، وهما فرعان من أسرة بهارتا الحاكمة، وينحدر الكوارافاس من أبيهم الذي عرف باسم دريت رشترا، وكان دريتارشتا أعمى؛ ولذا فشل في أن يكون ملكًا واعتلى العرش بدلًا منه أخوه بندو الذي ينحدر منه البندافاس، وتنازل بندو عن العرش فيما بعد؛ ليصبح راهبًا متدينًا، وتولى دريت رشترا زمام الملك، ونشأ أبناؤه الكوارافاس وأبناء عمهم بندو الخمسة معًا، ولكن المنافسات كانت تحتدم دائمًا بين الأسرتين، وبعد نزاع مرير تم إرسال البندافاس إلى المنفى.
وتواصل القصيدة وصف مغامراتهم الكثيرة، ومن ضمنها إقامتهم في بلاط الملك دوروبادا، وهناك تزوج كل من الأخوين المنفيين ابنة الملك التي كانت تعرف باسم دراوبادي، وخلال فترة المنفى قابل البندافاس كرشنا، واعترفوا به
стр. 108
فيما بعد تجسيدًا لمعبودهم فشنون، الذي ساعد بقوته ونصائحه في تقويتهم في معاركهم التالية ضد الكوارافاس.
وبعد رجوع البندافاس من المنفى اقتسموا المملكة مع أبناء عمهم الكارافاس، ولكن ذلك لم يحقق سلامًا دائمًا، وقد لعب أكبر الأخوين البندافا ويودهشترانرد مع أحد الكورافا، الذي كان يطلق عليه اسم دوريودانا، ولقي دوريودانا عونًا من عمه شاكوني، وكان دائمًا يستعمل الزهر المشحون، وبسبب ذلك فقد يودهشترا كل شيء بما في ذلك زوجته دراوبادي، ومرة أخرى أجبر البندافاس على الذهاب إلى المنفى، وامتدت محنتهم حتى معركة كوركشترا الكبرى، التي نشبت بين عامي ثمانمائة وخمسين وستمائة وخمسين قبل الميلاد على أرجح الظنون بالقرب من عاصمة الهند الحديثة دلهي، وقد قتل كل أمراء الكورافاس في هذه المعركة؛ وبذا أصبح يودهشترا ملكًا، واستمر في حكمه حتى شعر أنه قد أتم مهمته في الحياة، وهنا تنازل عن العرش، وبدأ رحلة الصعود إلى السماء هو وإخوته البندافاس الآخرون وزوجتهم دراوبادي، وقد رافقهم في هذه الرحلة كلب كان يمثل معبودهم دارما، وهو إله الواجب والقانون الأخلاقي في الأساطير الهندية، وبعد مغامرات عديدة اتحد البندافاس مرة أخرى في السماء في خاتمة المطاف.
وتشكل هذه القصة التي تكون الموضوع الرئيسي "للمهابهاراتا" نحو ربع القصيدة فقط، وتتخللها كثير من الحكايات الأخلاقية والأساطير والطرائف، المليئة بالتعاليم الدينية والمبادئ الفلسفية الهندية، كما تشتمل أيضًا على مقاطع على مقاطع عن فن الحكم والحكومة الصالحة، وتحتوي كذلك على عدد من القصص الشعبية الأخرى بما في ذلك (قصة نالاود أمايانتي)، و (قصة سفتري وساتياوال)، و (قصة راما)، و (قصة شاكونتالا)، وتقدم معركة كوركسترا فرصة لدراسة الاستراتيجية
стр. 109
العسكرية، ولكن الفكرة الرئيسية "المهابهاراتا" تتعلق بالواجب الأخلاقي، والسلوك القويم من وجهة النظر الهندية.
وقد أتاح الصراع الطويل والمعقد الذي مزق أسرة بهارتا الملكية الفرصة لبيان الواجبات والسلوك المتوقع للملك، كما أنها أيضًا تبين مثاليات السلوك للرعايا والجند، ورهبان الدين والناس الذين يعانون من المحن والبلايا، وجرى التقليد على اعتبار العالم القديم فياسا هو مؤلف "المهابهاراتا"، ولكن الأرجح أنه جمعها فقط، فالملحمة تبدو كمجموعة كتابات لمؤلفين متعددين، عاشوا في أزمنة مختلفة، إذ الأجزاء القديمة يرجع عمرها في الغالب إلى نحو ألفين وخمسمائة عام، بينما يمكن تتبع بعضها إلى وقت متأخر يرجع إلى عام خمسمائة ميلادية.
وقد تطورت أهمية كرشنا في التفكير الهندوسي بصفته إلهًا رئيسيًّا في هذه الملحمة في الفترة بين مائتين قبل الميلاد ومائتين بعده، ونتيجة لذلك يمكن استخدام "المهابهاراتا" لتتبع انتشار، وتطور الفكر الفشنافي نسبة لإله فشنو في الهندوسية، وقد صار الإله فشنو معبودًا ذاتيًّا لعابديه عبر ظهوره في صورة كرشنا الناصح والصديق للأمير أرجونا في "المهابهاراتا"، وتوجد اليوم نحو ألف وثلاثمائة مسودة "المهابهاراتا" تختلف عن بعضها اختلافًا كبيرًا، وكلها يظهر الملحمة في شكلها المتأخر؛ لأن أقدمها يرجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
وأشهر الإضافات "للمهابهاراتا" هي الباجا فجيتا، الموجودة في الكتاب السادس، وهي الآن أكثر النصوص الهندوسية المقدسة شهرة، وتحكي الباجا فجيتا كيف أن أرجونا الأمير الثالث للبندافا كانت له شكوك وهواجس عما إذا كان يتعين عليه محاربة بني عمومته الكوارافاس أو لا، وقد قام كرشنا متحدثًا
стр. 110
باسم سلطة الإله فشنو في إقناعه أن عمله هذا عادل، وبعد ذلك كانت مهارة أرجون العسكرية عاملًا حاسمًا لانتصار البندافا، وتشكل تعاليم البجافجيتا جوهر الهندوسية الحديثة.
وهناك نسخة لاحقة معروفة "المهابهاراتا" هي الهارفامشا، التي تصف خلق العالم، وتعطي سلسلة نسب لفشنو، وتتحدث عن مغامرات كرشنا في طفولته بصفته مجسدًا لفشنو، وتنتهي الهارفامشا نهاية قاتمة بانحطاط الإنسانية؛ بسبب الطريقة التي يفسد بها الإنسان العالم ويلوثه، ومثلها مثل الجزء الرئيسي من "المهابهاراتا"، فإن الهارفامشا هي مجموعة كتابات لمؤلفين متعددين، وقدمت القصة الرئيسية "للمهابهاراتا" والأساطير المستمدة منها مصدرًا مثمرًا للمسرحية، والفن، والنحت، والشعر، والنثر الهندي، وساهمت الملحمة من عدة أوجه في إغناء الثقافة والعقيدة الهندوسية.
ملحمة "الإلياذة" وملحمة "الأوديسا "
ومن الملاحم القديمة الشهيرة أيضًا ملحمة "الإلياذة"، التي تعد أقدم الملاحم الإغريقية الباقية، ويعتقد أن الذي نظمها هو الشاعر الإغريقي القديم "هومر"، وربما كان ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد.
وتصف "الإلياذة" أحداثًا معينةً في العام الأخير من حرب طروادة، التي نشبت بين بلاد الإغريق وطروادة، وطبقًا للأسطورة فإن حرب طروادة دامت عشر سنوات، حتى تمكن الإغريق أخيرًا من هزيمة طروادة، ويعتقد معظم علماء الآثار أن تلك الحرب نشبت خلال منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذ إن بعد الأحداث في "الإلياذة" قد بنيت على وقائع حدثت خلال تلك الفترة،
следующие страницы →