Полный текст (585 стр.). Показаны 561–585 · переход к 566.
стр. 561
الدرس: ٢٢ الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى .
стр. 562
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى)
جنس الملحمة
الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى:
وسوف نستعرض هذه الصلات من خلال الأجناس الأدبية المختلفة، ونبدأ بجنس الملحمة، والملحمة كما يعرفها كاتب المادة المخصصة لإبك بُئتري في موسوعة الويكيبيديا: هي قصيدة قصصية شديدة الطول تدور عادة حول أعمال بطولية ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات، ويفرق الكاتب بين نوعين من الملاحم؛ النوع القديم كـ"ملحمة الجامش السومرية" و"ملحمة الإلياذة" لهوميروس الإغريقي، والنوع الأحدث أو الثانوي مثل "الإنيادة" لفريجل الروماني و"الفردوس المفقود" لجون ميلتون الإنجليزي، وهذا الأخير هو من إبداع أدباء كبار معروفين، استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك، ووصلت من ثمّ على هذا النحو إلينا.
والسؤال الآن: هل في أدبنا العربي ملاحم كتلك التي يعرفها كثير من الآداب الأخرى؟
فأما في الأدب الفصيح القديم فلا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه إنه ملحمة أو يشبه الملحمة بالمعنى الذي عرفناه هنا، وقد أشاد ابن الأثير من أهل القرنين السادس والسابع الهجريين في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) بما يوجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ"الشهنامة" وما إلى إليها فكان رد صلاح الدين الصفدي من أهل القرن الثامن الهجري في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) هو التذكير بما في أدبنا من منظومات وقصص طويلة.
ومن الواضح أنه ظن المسألة في الطول وحده، وإلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها من إبداع أدبي جميل ورائع- ليست من سبيل الملحمة في
стр. 563
شيء، وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد الفروق بينهما، إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطوّل الشاعر قصائده ويشقق المعاني ويستوفي الكلام فيها مما هو أليق بالنثر، ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة قائلًا: إن الشاعر إذا أراد أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثة مائة أو أكثر من ذلك- فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهم مجيدٌ في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه، وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن شعارهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ"شاهنامه" وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر.
إذًا ففي أدبنا الفصيح القديم، لا وجود لهذا الفن الشعري، ولكن لدينا مع هذا ما يسمى بالسير الشعبية، كسيرة عنترة وسيرة سيف بن ذي يزن والسيرة الهلالية وسيرة ذات الهمة وسيرة حمزة البهلوان وسيرة فيروز شاه وسيرة علي الزيبق وسيرة أحمد الدنف، وهي تقترب جدا من فن الملحمة، فهي قصص وهي شديدة الطول حتى لتتجاوز السيرة عنترة مثلا ثلاثة آلاف صفحة
стр. 564
وخمسين، إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرا بل هي عمل نثري في المقام الأول تكلله الأشعار على ألسنة بعض أبطالها، وفي خلال السرد مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى، ومع هذا لا يصح أن نغفل أنها مصبوبة في قالب السجع الذي يقترب خطوة من الشعر، كذلك لا يوجد لها مؤلّف معين؛ إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية.
ولعلنا لم ننسَ أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها، بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون هوميروس هو صاحب الإلياذة قائلا: إنها عمل شعبي عام اكتمل على مدار الزمان، ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى؛ إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام، وفوق ذلك ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث والأزمنة التاريخية كما هو الحال مثلا في سيرة عنترة؛ حيث نرى عنترة في اليمن وفارس والشام ومصر وحيث تستغرق الأحداث عدة قرون وكما هو الحال في سيرة الظاهر بيبرس حيث يشتبك العصر العباسي والعصر الأيوبي والعصر المملوكي، ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير، فضلا عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فالجن والسحر والمعجزات والكرامات والرؤى والنبوءات الصادقة موجود في تلك السير وقد أشار إليها روجر ألن في كتابه "انتروداكشان تو أرابيك لترشر" بوصفها ملاحم شعبية، وللدكتور عبد الحميد يونس والدكتورة نبيلة إبراهيم والأستاذ فاروق خورشيد وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال.
стр. 565
أما في العصر الحديث، فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها ملاحم؛ لأن فيها بعض السمات التي تصلها على نحوٍ ما بذلك الجنس الأدبي، فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات، كـ"ملحمة الغدير" لبولس سلامة اللبناني الذي لم تمنعه نصرانيته من الإعجاب ببطولة ختن الرسول الكريم -صلوات الله عليه- والعكوف على سيرته وشخصيته يدرسهما ويستوحيهما، حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميّا يصور بطولاته ﵁ وإنجازاته الخارقة.
على حين يكتفي البعض الآخر بعدة مئات من الأبيات كما هو الحال في "ترجمة شيطان" التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى من شكوك في قدرة البشرية على مصارعة عوامل الشر والتغلب عليها ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه بسبب الأهوال وألوان الدمار والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب بجنس الإنسان، وكانت ترجمة سليمان البستاني الشعرية لـ"إلياذة هوميروس" إلى لسان العرب، ونشره إياها في أول القرن العشرين خير دافع لشعرائنا المحدَثين إلى دخول هذا الميدان الذي كان الشعر العربي يخلو منه قبل، وكان الدكتور يعقوب صروف قد شجع البستاني على ترجمة "الإلياذة" أثناء الأخير لمجلة المقتطب بالقاهرة سنة ألف وثمانمائة وسبع وثمانين ميلادية، وكان البستاني من جانبه مشغوفًا بالشعر القصصي هائمًا بأساطيره وخرافاته، وكان ينظم المقطوعات الشعرية فاختمرت الفكرة من يومها في ذهنه، وأخذ يطلع على ترجمة الإلياذة باللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، فضلا عن قيامه بتعلم اليونانية التي كتب بها ذلك العمل، ثم قام بتعريبها شعرًا مع آلاف الهوامش التي يشرح فيها كل ما يحتاج إلى توضيح، وصدرت الترجمة بالقاهرة سنة ١٩٠٤ فأقام له المفكرون والأدباء في مصر حفلة تكريمية بفندق شبرد ذلك العام، ولم يكتفِ البستاني بترجمة "الإلياذة" وشرح ما يحتاج فيها إلى شرح، بل زاد فوضع
стр. 566
معجمًا ملحقًا بها، كما كتب مقدمة مطورة عرف فيها بفن الملاحم وقام ببعض المقارنات بين الشعر العربي وأشعار الأمم الغربية وغير ذلك من الموضوعات الشديدة الأهمية، وهذه المقدمة هي في واقع الأمر بمثابة كتاب قائم بذاته، ومع هذا كله لا ينبغي أن يفوتنا النص على أن ترجمة البستاني لملحمة هوميروس قد غلب فيها النظم على النفس الشعري.
فن المقامة
أما الصلات بين الأدب العربي وغيره من الآداب في فن المقامة مثلًا، فالمعروف أن المقامة قد عرفت منذ وقت مبكر خارج الأدب العربي؛ ففي الأدب الفارسي مثلًا ألف القاضي حميد الدين أبو بكر بن عمر البلخي ثلاث وعشرين مقامة على نسق مقامات الحريري، وأتمها سنة ٥٥١ هجرية، وكذلك عرفت في الأوساط اليهودية والمسيحية الشرقية فترجموها وصاغوها على مثالها باللغتين العبرية والسريانية، أما في أوروبا فقد عني المستشرقون بمقامات الحريري فتُرجمت إلى اللاتينية والألمانية والإنجليزية، إلا أنه يؤكد أن تأثيرها كان محدودًا وبخاصة إذا قارنا بينها وبين ألف ليلة وليلة في هذا المجال؛ ذلك أن المقامات كما يقول ليس القصة عمادها، بل عمادها الأسلوب وما يحمل من زخارف السجع والبديع.
ويقول الدكتور شوقي ضيف: إننا مع ذلك يمكن أن نرى أثرها في بعض القصص الأسباني الذي يصف لنا حياة المشردين والشحاذين، وإن لهذا القصص عندهم بطل يسمى بـ كارون يشبه بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في "مقامات بديع الزمان" وأبا زيد السروجي في "مقامات الحريري".
стр. 567
وفيما يخص تقليد القاضي المذكور بمقامات الحريري ثمة كتاب للدكتور بديع جمعة عنوانه (دراسات في الأدب المقارن) تناول فصل منه هذه المسألة بشيء من التفصيل، وهو يبدأ بتعريف المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول من ابتدعه من المؤلفين العرب، والمقامة في بداياتها الأولى حسبما يقول: هي فن أدبي يقوم عادة على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء ذات بطل واحد ينتقل من مكان لمكان وموقف إلى آخر مغيّرًا هيئته في كل مرة متخذا الكدية -أي الشحاذة- وسيلة لكسب ما يقيم حياته، إلى أن تنهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله وافتضاح أساليب مكره وخداعه التي يلجأ إليها لتحصيل مطعمه ومشربه، كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهة والتهكم والحرص على متانة الأسلوب، وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سعة المعجم اللفظي وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوريات وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة، ولزوم ما لا يلزم مع حلاوة التصوير وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية، وتدبير المآزق للبطل، ثم إخراجه منها بذكاء ولوذعية، ثم تطور ذلك الفن ودخله التحويل في الموضوعات والأهداف، فاتسع لكل شيء حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية ... إلى آخره.
وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكُتاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تأليفها فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلِّفا، بدءًا من بديع الزمان الهمداني في القرن الرابع الهجري وانتهاء بنصيف اليازجي في القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في الأدب الفارسي فلم يمارسها إلا أديب واحد وهو القاضي حميد الدين من أهل القرن السادس الهجري الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذا من تلامذة بديع الزمان فكفى الباحثين مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان
стр. 568
الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله في هذا الصدد كلٌّ من براون المستشرق الإنجليزي وكريم كشاورزي الباحث الإيراني، وإذا كان البطل في كل من المقامات الهمدانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير هو أبو الفتح الأسكندري عند بديع الزمان وأبو زيد السروجي عند الحريري وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا، هو عيسى بن هشام في الأولى والحارث بن همام في الثانية- فإن البطل لدى القاضي حميد الدين يتغير في كل مقامة، أما الموضوع فيبقى ثابتا دون تغيير كما هو الحال عند الهمداني والحريري؛ حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول وكل مقامات الثاني.
وكما قامت المقامات في الأدب العربي ضمن ما قامت على المحسنات البديعية والإغراق فيها والاستعانة بالألغاز والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ- فكذلك حاول القاضي حميد الدين أيضًا الجري في نفس المضمار، وإن لم يكن للفارسية ذات الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف.
ومن مظاهر تأثر الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك كثرة استخدامه للألفاظ العربية فضلًا عن الجمل والعبارات الكاملة المنقولة من لغة الضاد حتى في المواضع التي لا يكون ثمة داع لذلك من ضرب مثل أو سوق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد الحميدي تركيب الجملة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية، التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلا عن إيراده كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأمثال العربية كما هي، إضافة إلى بعض الأشعار التي نظمها هو
стр. 569
بلغة القرآن، ليس ذلك فقط، بل إنه اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية، مع زيادة بعض الإضافات بغية إظهار تفوقه وبراعته، مثلما هو الحال في المقامة الثقباجية التي تقوم على المقامة المضيرية لدى الحريري، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد إذ تبلغ كل منها أربعًا وعشرين مقامة.
هذه نقاط الاتفاق، أما الاختلافات فتكمن في أن بطل مقامات الحميدي يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها وهو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك ففي الوقت الذي نجد فيه البديع يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان فإن الحميدي لا يصنع شيئا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها، وإلى جانب ذلك فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات، كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي حميد الدين وجدنا الكاتب الفارسي يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية بتعبير المؤلف كما في المقامة الثقباجية؛ إذ يوجد فيها شيخ ومريدون.
هذا وقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جدّ مهمة؛ وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي؛ ذلك أنه لم يكرر محاولة أحد بعد الحميدي، وقد علل الأستاذ الدكتور هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلمات المترادفة والمتساجعة بالقياس إلى لغة الضاد، ومن ثمّ لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات التي تلتزم السجع والمحسنات البديعية.
стр. 570
كذلك ذكر الدكتور زكي مبارك أن فن المقامة قد انتقل أيضًا إلى الأدبين السرياني والعبري؛ وذلك في مقالة له بعنوان "المقامات في الأدب العربي" نشرها في المجلة الجديدة في مارس سنة ١٩٣٤، وهو ما أشار إليه الدكتور شوقي ضيف: ولعل الله يقيض المسألة انتقال هذا الفن من العربية إلى السريانية والعبرية من يدرسها هي كذلك.
ألف ليلة وليلة والموشحات
فإذا انتقلنا إلى ألف ليلة وليلة، والموشحات وتناولنا الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى في هذا المجال، فأول شيء نتحدث عنه هو التعريف بألف ليلة وليلة وهي كما جاء في المادة المخصصة لها في (الموسوعة العربية العالمية): مجموعة من الحكايات التي روتها شخصية تسمى شهرزاد للسلطان شهريار، وشهريار ملكٌ عاين خيانة زوجته فتحوّل إلى سفاح يأخذ بكرًا كل ليلة ويفترعها؛ أي يفض بكارتها، ثم يقتلها من ليلتها، حتى ضج الناس وهربوا ببناتهم، ولم يبقَ في تلك المدينة إلا شهرزاد ابنة الوزير، وشهرزاد حاكية هذه القصص شخصية قرأت الكتب وسير الملوك وأخبار الأمم فقالت لأبيها وزير السلطان زوجني هذا الملك؛ إما أن أعيش وإما أن أكون فداء للبنات وسبب لخلاصهن، وكانت تقص على الملك كل ليلة حكاية ثم تسكت عندما يدركها الصباح عند موقف مشوّق مما جعل السلطان يستبقيها لسماع حكاياتها الباقيات، وبفضل هذه الحكايات التي روتها شهرزاد تحولت شخصية شهريار من شخصية شريرة إلى شخصية خيّرة.
ومع أن المسعودي وابن النديم في القرن الرابع الهجري يشيران إلى كتاب فارسي بعنوان (هازار أفسانه) قريب الشبه في عنوانه وشخصياته الرئيسية بألف ليلة
стр. 571
وليلة، إلا أن ألف ليلة وليلة بتقاليدها القصصية الشفهية التي تناقلتها الأجيال واحتفاظها بصورة مميزة للحياة العربية ورموزها الحضارية عبر العصور خصوصا للعصر المملوكي- تؤكد براعة المخيلة العربية واستمرارية التقليد الشفهي القصصي، إلى أن تم تدوينها.
والملاحظ أن الكلام عن هذا الكتاب في التراث العربي شحيح غاية الشحة؛ حتى إننا لا نجد حديثًا عنه تقريبًا إلا في كتابين اثنين هما (مروج الذهب) للمسعودي و (الفهرس) لابن النديم، والنصان قصيران نسبيّا، وإن كان نص المسعودي أقصر كثيرًا من نص ابن النديم، ولا يشفي غليلًا.
فأما في (مروج الذهب) فيقول المسعودي: إنه قد ذكر كثير من الناس أن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب للملوك بروايتها وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب (هازار أفسانه) وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خرافة، والخرافة بالفارسية يقال لها أفسانه، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها وهما شيرزاد ودنيا زاد ومثل كتاب (فارزه وسيماس) وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب (السندباد) وغيرها من الكتب في هذا المعنى.
وأما في كتاب ابن النديم فنقرأ تحت عنوان "الفن الأول في أخبار المسامرين والمخرفين وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار": أن أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبا وأودعها الخزائن وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرس الأُول، ثم أغرق في ذلك ملوك الأشغانية وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية، ونقلته العرب إلى اللغة العربية،
стр. 572
وتناوله الفصحاء والبلغاء، فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب (هازار أفسان) ومعناه ألف خرافة، وكان السبب في ذلك أن ملكًا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد، فلما حصلت معه ابتدأت تخرّفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة وهو مع ذلك يطؤها، إلى أن رزقت منه ولدها فأظهرته وأوقفته على حيلتها عليه، فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، وكان للملك كهرمانة يقال لها دنيا زاد، فكانت موافقة لها على ذلك، وقيل: إن هذا الكتاب ألف لحمان ابنة بهمن، وجاءوا فيه بخبر غير هذا، والصحيح إن شاء الله أن أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه لا يريد بذلك اللذة، وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب (هازار أفسان) ويحتوي على ألف ليلة وعلى دون المائتي سمر؛ لأن السمر ربما حُدث به في عدة ليال، وقد رأيته بتمامه دفعات، وهو في الحقيقة كتاب غث بارد الحديث.
وابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري صاحب كتاب (الوزراء) بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه، وكان فاضلًا فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة كل ليلة سمرٌ تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر، ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي الشافعي.
стр. 573
الشعر الغنائي
وهنا نصل إلى الشعر الغنائي فلنبحث الآن الصلة بين الأدب العربي وغيره من الأدباء من ناحية التأثير والتأثر في هذا الميدان، فنرى مثلا أن عدد البحور الشعرية التي كان ينظم عليها الإيرانيين القدماء قصائدهم كان محدودًا؛ إذ لم تكن تزيد عن بضعة أبحر تشبه بحور الهزج والرجز والمتقارب والدوبيت العربية، إلا أن الأمر اختلف بعد الإسلام وانتشار لغة القرآن وآدابها في بلادهم، فقد رأيناهم ينقلون جميع الأوزان العربية إلى أشعارهم، مع اختلاف مساحة انتشار كل منها هنا عنها هناك، فعلى حين يشيع في الشعر الفارسي بحور الهزج والرمل والخفيف والمتقارب نرى الطويل والكامل والوافر والسريع والبسيط والمتقارب أشيع البحور في شعر العرب، وهناك القافية أيضًا، وقد أخذها الشعر الفارسي من نظيره العربي، كما أن كثيرا من الألفاظ والصور البيانية قد انتقلت من الشعر العربي إلى الفارسي، وكان هناك رأي يقول بأن الشعراء الفرس القدامى لم يكونوا يعرفون الأوزان في نظم قصائدهم، بل كانوا ينظمونها مطلقة من الأوزان والتفاعيل، ثم نقلوا هذا عن العرب بعد الإسلام، إلا أنه ثبت أن الأمر خلاف ذلك وأنهم كانوا يعرفون بعض الأبحر - حسبما يقول الدكتور محمد غانم هلال في كتابه (الأدب المقارن).
وعلى الناحية الأخرى، فإن بعض الشعراء العرب القدماء يدخلون في أشعارهم ألفاظًا فارسية كقول أحدهم:
وولهني وقع الأسنة والقنا ... وكافر كوبات لها عجر قُفد
بأيدي رجال ما كلامي كلامهم ... يسومونني مردًا وما أنا والمرد
стр. 574
الذي يفسره الدكتور محمد غانم هلال بأنها هناك في الغالب تحريفًا من الناسخ جعله يكتب يسومونني بدلا من يسمونني، ويكون المعنى إذًا هو: أنهم حين رأوه قالوا: هذا رجل؛ لأن مرد معناها عندهم رجل، على حين ظن هو أنهم يظنونه وحيدًا من المرد غلاما أمرد.
ومن شواهد ذلك أيضًا قول العماني الشاعر في مدحه لهارون الرشيد:
لما هوى بين غياض الأسد ... وصار في كف الهزبر للورد
آلى يذوق الدهر أب سرد
أي حلف ألا يذوق الماء البارد أبد الدهر، وهو ما أرجعه الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) إلى أن الأعرابي قد يحب أن يتملح بإيراد شيء من كلام الفارسية في قصائده.
ومن المعروف أن الآداب العالمية لا تعيش منفصلة بعضها عن بعض، بل هناك طول الوقت تأثير وتأثر بينها حتى لو لم يظهر شيء من ذلك للعيان أو نرى نتائجه مباشرة، وأن الأدب العربي شأنه شأن الآداب الأخرى في العالم يتصل بغيره من الآداب ويتفاعل معها ويؤثر فيها ويتأثر بها.
بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى
وسوف نتناول الآن بعض مظاهر التأثير الذي يقع من هذا الأدب على بعض الآداب الأخرى وسنختار ذلك:
أولًا: المقامات:
ففي القرن السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوروبا كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال جنسٌ جديد من القصص، خطا بالقصة خطوات نحو الواقع هو ما نطلق عليه قصص الشطار، ووجد أول ما وجد في أسبانيا وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتسمى في الإسبانية بكاريسكا،
стр. 575
وتختص بأن المؤامرات فيها يحكيها المؤلف على لسانه كأنها حدثت له، وهي ذات صبغة هجائية للمجتمع ومن فيه، ويسافر فيها البطل المؤلف على غير منهج في سفره وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل يتنقل بين طبقاته ليكسب قوته ويحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكمًا تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية، فكل من يعارضه فهو خبيث ومن يمنحه الإحسان خير، وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها "حياة لاسريو دوتورنس وحظوظه ومحنه" وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة، وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقعًا لا مثالية فيه ولا أمل.
ثم ينتقل الأستاذ الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا، ألا وهي قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة فيقول: ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر وبين المقامة العربية كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني ثم الحريري، ولم تبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكن الأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عُرفت في الأدب العربي في أسبانيا، ومن كتاب العرب الأسبانيين يقصد الأندلسيين بطبيعة الحال من ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مثل ابن القصير الفقيه ومثل أبو طاهر محمد بن يوسف السراقوسطي، وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الأسبانيين من أشهرهم عقيل بن عطية المتوفى عامة ١٢١١ ميلادية ثم أبو العباس أحمد الشريشع المتوفى عام ١٢٢٢ ثم إن مقامات الحريري ترجمت إلى اللغة العبرية، ترجمها سالمون بن ساقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحارثي وظهرت ترجمته عام ١٢٠٥ ميلادية، وقد كانت هذه المقامات رائجة كل الرواج
стр. 576
لا بين العرب فحسب بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا؛ ولهذا ترجموها إلى لغتهم.
وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في أدب العرب في الأندلس وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الأسبان وقصاصهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الأندلسي، وقد آثر كتاب الأسبان أن ينحو منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرا في كتاب القصة في الآداب الأوروبية الأخرى.
ولا يكتفي الدكتور هلال بذلك بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه من شواهد قوية مقنعة- إلى خارج الأدب الأسباني فيقول: وممن تأثر بهم -أي بالأدباء الأسبان المتأثرين بالمقامات العربية في الأدب الفارسي- شارل سوريل في قصته "تاريخ فرنسيون الحقيقي الهازل" وقد نشرها في باريس عام ألف وستمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا وهي على لسان شخصية فرانسيون يهجو فيها العادات والتقاليد بواسطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى، وقد كانت هذه القصة وأمثالها أصلا لما سلكه الكاتب الفرنسي لوثاج في قصته "جانبلا" التي ظهرت طبعتها الكاملة بفرنسا عام ١٧٤٧ ميلادية، وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سُميت القصة باسمه، كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر بوتيه في قصته التي عنوانها "موت الحب" "مورد دامور" التي
стр. 577
ظهرت في باريس عام ألف وستمائة وستة عشر للميلاد، وفيها يصور حبّا ماديّا بين راع نفعي غليظ الطبع وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه.
ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه بهذا الجهد المشترك لكُتّاب القصص في الآداب المختلفة قضي على قصص الرعاة كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف واتخذت حوادث الحياة العادية مادة خصبة لموضوعاتها.
وهناك كذلك من الباحثين من يثير تأثير المقامة في "الكوميديا الإلهية" لدانتي إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك، وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الأسباني بلاثليوث في كتابه (المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية) وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا، وازن فيها المؤلف بين قصيدة دانتي من جهة وبين الكتب الإسلامية والعربية كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين ولاسيما كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي و (رسالة الغفران) للمعري وقصص الإسراء والمعراج - وانتهى المؤلف من دراسة كل هذا إلى القول: بأن دانتي كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في الكوميديا الإلهية مما يتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهد الجنة والنار، ونشير إلى أنه وظف هذه المعاني الدينية وفق تصوره؛ إذ يقول الدكتور نذير طعمة: لقد تأثر دانتي بمعمارية المعراج فأفرغها من مضامينها الإسلامية وملأها بمضامين ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده.
стр. 578
وهذا يقودونا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي:
فقد ذكر بير كاكيا أن الفن الروائي لم يجد متنفسًا له سوى في المقامة، وهي كلمة ترجمت إلى الإنجليزية بلفظة as samply وإلى الفرنسية بلفظة seyuns بما يفيد أنه يمكن قراءته في جلسة واحدة، وينقل بهذا الصدد الدكتور محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي أرست رينان إعجابه الشديد بالمقامة التي آثارها على مجموعة بلزاك الأدبية؛ بحيث إن الحريري قاد شحذه في خمسين موقفًا مختلفا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات؛ لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي على فكرة المقامات، وأرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشرية وأشير هنا إلى مجموعة بلزاك المسماة بهذا الاسم، فلم يعرفوا -كما يقول رينان- كيف يجعلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، كأنه يحقر أعمال بلزاك إلى جانب مقامات الحريري. أما بلزاك فقد نقصته شخصية أبي زايد التي لا تكاد تلمسها حتى تفلت.
وننهي حديثنا عن المقامة بالإشارة إلى أن التراث العربي الإسلامي ليس هو الوحيد الذي أثّر في فن السردي بأسبانيا، بل هناك تأثيرات مسيحية لا يمكن القفز عنها وتجاهلها، ويؤكد هذه الحقيقة عبد العزيز الأهواني بقوله: وحين تتجاوز الألفاظ إلى الأخبار والقصص سنجد في كتب التاريخ الأندلسي أمثال قصة "البيت المقفل في طليطلة" وكيف أمر الهزلي آخر ملوك القوط بفتحه، فكان نذيرًا بدخول العرب إلى أسبانيا وقصة "بنت ليان" صاحب سبتة مع ذلك المكان وكيف غرز التاريخ - وكلها قصص أخذت بغير شذا من التاريخ الشعبي المسيحي.
أما بالنسبة إلى المسرح:
فقد عرفته العربية بدءً من دخول الفرنسية مصر في أواخر القرن الثامن عشر؛ إذ أقاموا بعض المسارح الخشبية للترويح عن جنودهم وضباطهم وكان بعض
стр. 579
المصريين يستبقون النظر من خلال الأخصة التي بين الألواح، وإن كان ذلك كله قد انقضى بخروج أولئك المحتلين من مصر أول القرن التاسع عشر، ويقول ماريخول: إن مارون النقاش الشامي هو مؤسس المسرح العربي، وربما سبقه يعقوب صنوع الملقب بأبو نظارة إلى هذا، وكان مارون قد زار إيطاليا واطلع على فن التمثيل هناك، فأعجب به إلى حد بعيد، وفكر في نقله إلى بلاده، ومن بين رواة هذا الفن في مصر سليم النقاش الذي أنشأ مسرحا في الإسكندرية عام ألف وثمانمائة وستة وسبعين، وتلا ذلك ظهور فرق شامية أخرى منها فرقة أبو خليل القباني وفرقة يوسف خياط وفرقة إسكندر فرح ثم ظهرت فرق مصرية صميمة كفرقة سلامة حجازي وفرقة جورج أبيض وفرقة محمود تيمور وفرقة عبد الرحمن رشدي وفرقة نجيب الريحاني وفرقة يوسف وهبي وفرقة فاطمة رشدي، ثم أنشا معهد التمثيل بالقاهرة في أوائل الثلاثينات من ذلك القرن وبعدها بعدة سنوات تكررت الفكرة القومية، ثم تتابع المطر واستمر مريره في أرض الكنانة وفي بلاد العروبة كلها تقريب.
وقد بدأت الكتابة المسرحية أولًا باستيحاء المسرح الفرنسي والإيطالي والأخذ عنهما، مع إجراء بعض التعديلات التي تتقارب وذوق الجمهور وثقافته، كما ظهرت بعض الأعمال المسرحية المؤلفة مع وضوح تأثرها بالأسلوب الأوروبي في رسم الشخصيات وتطور الأحداث وغير ذلك من أساليب الكتابة المسرحية، وقد استمرت هذه البدايات هكذا إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، ومن هذه المسرحيات مسرحية "السِّيد" لكورنيه التي ترجمها محمد عثمان جلال، وقدمها للمسرح تحت عنوان "السِّيد" أو "السَّيِّّد" ثم تناولها شاكر عزار بعنوان "تنازع الشرف والغرام" ثم عالجها نجيب حداد بطريقته وسماها "غرام وانتقام" ثم توالت ترجماتها فيما بعد عشرات المرات، ثم جاء الاقتباس عن اللغة الإنجليزية متأخرًا؛ حيث احتلت مسرحية شكسبير مكان الصدارة في هذا المجال، وكانت
стр. 580
أولى مسرحياته التي قُدمت على خشبة المسرح العربي هي "روميو وجوليت" عام ١٨٩١ ثم "هملت" عام ١٩٠٥ ثم "عطيل" سنة ١٩٠٨ ثم كثر المؤلفون المسرحيون العرب تباعًا.
فإذا قلبنا الصفحة لدراسة تأثير الأدب الغربي على الأدب العربي:
فإننا نقول: ظهر مع النصف الأول من القرن العشرين جيل جديد اتصل بالثقافة الأوروبية والإنجليزية منها بوجه خاص اتصالا أعمق من اتصال الجيل الأول، ومن ثم اختلفت رؤيتهم لمهمة الشعر عن تلك التي كانت الجيل السابق، فعابوا على من سبقهم معالجتهم للموضوعات التقليدية التي لا يتجاوزونها، أما جيلهم فيرى أن الشعر تعبير ورصد لحركة الكون وأثرها في الذات الشاعرة، وهو تعبير عن نفس معناها الإنساني العام وتعبير عن الطبيعة وأسرارها وتصوير للعواطف الإنسانية التي تثور بها نفس الشاعر، التف هذا الجيل حول حركة نقدية عرفت بجماعة "الديوان" وكان أشهر روادها عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وإبراهيم عبد القادر المازني.
وأخذ تأثير الأدب الغربي عن الأدب العربي يزداد وضوحا منذ الثلاثينيات من القرن العشرين حين ظهرت مدرسة نقدية شعرية عرفت باسم جماعة "أبوللو" التي أسسها أحمد زكي أبو شادي، وكان الشاعر علي محمود طه من أبرز أعضائها، هذه الجماعة كانت أكثر مناداة بتطوير القصيدة العربية لمدرسة "الإحياء" ومدرسة "الديوان"، ويُرجع ذلك إلى تأثرها بالمذهب الرومانسي في الشعر الغربي كما تأثروا بشعراء المهجر أمثال إيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة، وقد تركت مدرسة "أبوللو" أثرًا لا يُنكر في عدد من
стр. 581
شعراء العالم العربي، فتأثر بها أبو القاسم الشابي من تونس والتيجاني يوسف بشير من السودان وحسن القرشي من المملكة العربية السعودية وإلياس أبو شبكة من لبنان وغيرهم.
وعلى يد هذه المدرسة أضحت القصيدة العربية تمتاز بسهولة في التعبير وبساطة في اللغة وتدفق في الموسيقى، كما غلب على موضوعاتها التأمل والامتزاج بالطبيعة وشعر الحب والغناء بالمشاعر مع نزعة الألم والشكوى.
ويمثل الشعر العربي في المهجر امتدادًا لهذا الاتجاه الرومانسي في الشعر الحديث؛ فقد قامت في المهجر الأمريكي الشمالي الرابطة القلمية، وفي الجنوبي العصبة الأندلسية، وظل شعرهم مثقلا بهموم الوطن والمناجاة الفكرية والنفسية والتهويمات الصوفية، ومن أشهر شعرائهم إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وإلياس فرحات ورشيد أيوب، أما في الأربعينيات من القرن العشرين فقد أخذت القصيدة العربية شكلها الذي استقرت عليه فيه قوالب الشعر الحر، وكان من فرسان القصيدة الحديثة صلاح عبد الصبور في مصر ونازك الملائكة والسياب والبياتي في العراق ونزار قباني في سوريا ومحمد المهدي المجذوب والفيتوري في السودان ويكتب الشاعران أدونيس ومحمود درويش ألوانًا من الشعر تختلف اختلافًا كبيرًا عمن كانت عليه بدايات تطور القصيدة العربية في العصر الحديث، وإذا بالمسافة تبتعد تمامًا بين البارودي وشوقي وبين بولند الحيدري ويوسف خان ونظير العظمة وأضرابهم.
ونبدأ بمدرسة "الديوان" وهي حركة تجديدية في الشعر العربي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين على يد عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري الذين
стр. 582
كانوا متأثرين بالرومانسية في الأدب الإنجليزي، ولديهم في ذلك الوقت اعتزاز شديد بالثقافة العربية، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى كتب ألفه العقاد والمازني وضعا فيه مبادئ مدرستهم واسمه (الديوان في الأدب والنقد)، وقد نهجت هذه المدرسة النهج الرومانسي في شعرها، ومن أبرز سماتها الدعوة إلى التجديد الشريف الموضوعات ووجوب تعبير الشاعر عن ذاته بعيدًا عن التقاليد الجامدة والاستفادة من الأدب الغربي إلى جانب الشعر العربي القديم والاتجاه إلى الشعر الوجداني والوحدة للموضوعية للقصيدة، وهناك وجه شبه قوي بين مدرسة "الديوان" والرومانسيين الإنجليز فقد تحدث ويلز ورث مثلا عن العملية الشعرية فقال: لقد قلت: إن الشعر انسياب تلقائي للمشاعر القوية، ويؤكد هذا التحليل مبدأين أساسيين في مذهب الرومانسية أولهما: أن الشعر حقّا تعبير عن النفس ومشاعرها، ثانيهما: أن هذا التعبير مطبوع لا تكلف فيه، وهي نفس الرؤية التي يراها شكري تقريبًا في كلامه عن الانفعال العصبي الذي يسبق عملية الشعر، وإن عبارته التي يصف فيها الشعر بأنها تدفق الأساليب كالسيل تدل على أهمية الطبع في التعبير الشعري الرومانسي، وعند جماعة الديوان.
فالعواطف في نظر جماعة الديوان والرومانسيين الإنجليز هي المنفذ الوحيد الذي يطل منه الشعر على العالم الخارجي وشئونه، ولا العقاد أن الشعر يطلعك على ما لم تستطع الوصول إليه من أسرار تكمن وراء مظاهر الأشياء ويتغلغل
стр. 583
بك إلى اللباب ويكشف عن جوهر ما في الحياة، كما أن الشعر لا يعد شعرًا ما لم يعبر عن ذات الإنسان وأدق أحاسيسه ومشاعره تعبيرًا صادقًا لا تكلف فيه ولا تصنع.
وقد عكف أعضاء مدرسة الديوان على الأدب الإنجليزي، فوجدنا في أشعارهم تأثرًا بقصائد متعددة من شيلي وهون وأدسون وكارلايل وغيرهم من شعراء ديوان الذخيرة الذهبية جولدن تريجيري، لقد كان اتصال الغرب بالعرب سببًا من أسباب انتشار موجة الرومانسية في تلك الفترة، وكانت مطالعة كتاب (المختارات الشعرية الإنجليزية) المعروف بجولدن تريجيري والاهتمام بالناقد الإنجليزي ويليام هزلت من المؤثرات الواضحة في شعرائها.
لقد كان شكري الذي يعده بعض مؤرخي الأدب العربي الحديث مؤسس هذا الاتجاه متأثرًا منذ زمن دراسته في إنجلترا ما بين ١٩٠٩ و١٩١٢ وعلى وجه الخصوص شيلي وبايرون وكيلث ويلز ورث، وبعد عودته التقى بالعقاد والمازني وأطلعهما على إبداعات الأدب الإنجليزي؛ مما أثر تأثيرًا شديدًا على التوجه الشعري الجديد عند زميليه، فالتزما مفاهيم الشعر والنقد الإنجليزي ودافعا عنها بشدة، حتى لقد لاحظ بعض النقاد أن المعاني التي صدرت على النقاد والمازني في بعض أشعارهما هي نفس المعاني التي يجدها القارئ في عدد من المختارات الشعرية في كتاب (الذخيرة الذهبية) الذي وضعه مارجريف أستاذ الشعر في جامعة أوكسفورد.
ويرجع تأثر مدرسة الديوان بالرومانسية الغربية إلى إجادتهم اللغة الإنجليزية التي أفادتهم كثيرًا في دراسة الشعر الإنجليزي وخاصة شعر كل من بيرون وشيلي وويلز ويرث، الأمر الذي فتح أمامهم المفهوم الجديد للشعر.
стр. 584
ومن مظاهر تأثر مدرسة الديوان بالرومانسية الإنجليزية: مهاجمتهم لشوقي وحافظ وغيرهما باعتبار أشعارهم ضربًا من التقيد بأغلال الماضي في الفكر والأسلوب والموضوعات، وهناك تعريفهم لفن الشعر إذ هو انعكاس لما في النفس من مشاعر وأحاسيس لا تكلف فيه، علاوة على ما رسموه للشعر من غايات وأهداف، فالرومانسيون يرون أن من أهداف الشعر الكشف عن مظاهر الجمال في الوجود الإنساني وعن الحقيقة في أعمق صورها، وهو ما كانت تقوله مدرسة الديوان، ثم ينتقل الكاتب بنا إلى شعراء المهجر، فيقول: إن جبران خليل جبران كان نزّاعًا إلى الغرب الأوروبي حتى لقد حكى عنه بعض من يعرف أنه كان كلما انتهره وهو صغير يقول له: ما لك وما لي أنا إيطالي، كما كان يقص على أصدقائه أنه بلغ من الهيام بالأدب الإنجليزي أن تكررت رؤيته في المنام لكتث وشيلي وشكسبير، وإلى جانب هذا فقد تأثر بوليم بليك الأمريكاني إلى مدى بعيد، كما كان يحاكي في قصائده النثرية قصائد الشعر الأمريكي ولت ويتمن؛ مبتكرا فنًّا شعريًّا سماه فري فيرث، أما أمين الريحاني فقد عرف كما يقول دكتور المواسي بترجمته عددا من القصائد لشعراء أمريكيين من أبرزهم ولت ويتمن الذي اتخذه رائدًا له في الخروج عن الأساليب المتداولة، فتابعه وأدخلا في اللغة العربية ما اصطلح عليه باسم الشعر المنثور حسبما كتب في مقدمة ديوانه هتاف الأودية.
ومن مظاهر تأثر الأدب العربي بالآداب الأخرى: شعر بدر شاكر السياب الشاعر العراقي المعروف، الذي درس الإنجليزية في بغداد دراسة متخصصة واتسم شعره
стр. 585
في الفترة الأولى بالرومانسية وكان ينظم الشعر مع تنويع القافية، وفي سنة ١٩٤٧ أصدر ديوانه "أعاصير" الذي حافظ فيه على الشكل العمودي مع الاهتمام بالقضايا الإنسانية، ثم ظهر تأثره بالشعر t s إليوت في ديوان "أزهار وأساطير"، وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر وفي بداية الخمسينيات قصر السياب كل شعره على هذا الشكل الجديد، ومن سمات شعره ما نلاحظه من استخدام واسع للأساطير البابلية والإغريقية، وقد ذكر بعضهم أنه عقب الحرب العالمية الثانية تعرفت مجموعة مثقفي العراق على نماذج متنوعة من الشعر الإنجليزي وأساليبه وأبنيته، وخصوصًا شعر تومس إيليوت صاحب قصيدة "أرض الخراب" وإديث ستوِل وجيل أودن روبرت فروست وولت ويتمن صاحب أهم مجموعة في تاريخ الشعر الأمريكي "أوراق العشب"، وقد تركت هذه النماذج الشعرية تأثيرًا عميقًا في نفوس الشعراء الشباب، وجعلتهم ينفتحون على أفق فني لما يعهدوه وهكذا كتب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي قصائدهم بشكل الشعر الحر، الذي انتقل بعدها من العراق إلى مصر فكتب به مجموعة من الشعراء المصريين منهم صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي؛ لذا انتشرت القصيدة الحرة في الوطن العربي وتصير كتابتها أمرًا مألوفًا بين الشعراء.
وإلى هنا نأتي إلى آخر دروس الأدب المقارن لطلاب مرحلة الماجستير، فأستودعكم الله متمنيًا لكم كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.