Полный текст (585 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
حين يطلب "أنطونيوس" منه أن يشفيه بضربة سيف أو بطعنة خنجر، فيقتل العدو نفسه على أثر، فيقول أنطونيوس:
أوروس عفوًا قد ذهبت ضحية ... وجنى عليك تردد الممقوت
فعلمت مني كيف يجني قيصر ... وعلمت منك العبد كيف يموت
وفي مسرحية شكسبير حين يدخل "أكتافيوس" على أنطونيوس بعد موته منتحرًا يأسى على أن ألجأه إلى هذا المأزق، ويقول: إن في الجسم بعض آفات تتطلب بعض الجراح. ثم يعبر عن آساه في شبه رثاء لرفيقه قائلًا: لكن دعني أنتحب بدموعي القدسية من كلام القلب أن يا أخي ويا شريكي، ويا ذا المكان الأول في كل ما شرعنا فيه، وندي في الإمبراطورية وصديقي ورفيقي في جبهة الحرب، والذراع لجسمي أنا، والقلب الذي تضيء أفكاره أفكاري.
وصدى هذه الخواطر يتراءى في شعر شوقي حين يودع "أكتافو" رفيقه المنتحر قبل دفنه متوجهًا إلى كليوباترا.
وأخيرًا يطلب "أكتافيوس" في أواخر مسرحية شكسبير فيرى كليوباترا ووصيفتها ميتتين على أثر لدغات الأفاعي التي انتحرتا بها، وكان مما قاله: ما طريقة موتهن، إني لا أراهن يدمين. يدع شوقي "أكتافيوس" يعبر عن نفس المعنى حين دخل حجرة كليوباترا عقب انتحارها متوجهًا إلى الطبيب قوله:
عجيب يا طيب أرى قتيلًا ولكن لا أرى أثر الجراح.
وقد أفاد شوقي من كل مصادره التي قد أشرنا إلى بعضها، وأخرج منها خلقًا فنيًّا مُتّسمًا بطابعه، فأراد أن يصور كليوباترا تصويرًا جديدًا خالف فيه كل من سبقوه؛ ليصحح جناية التاريخ عليها كما قال.
стр. 527
تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة
والنوع الأخير من دراسات المصادر هو ما يكون أدب شعب ما، وبيان وجوه تأثره بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة، كما فعل الباحثان "توكر" و"مجنوس" في شرح علاقات الأدب الإنجليزي بالآداب الأخرى، وكما فعل دو بي في بحثه علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني.
ومِثلُ هذه الدراسات كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: قد تفقد شيئًا من الضبط، والتحديد والدقة، لسعة أطراف البحث فيها، وإلى حاجتها إلى اطلاع وإلى ثقافة قد يعي بهما مجهود باحث بمفرده؛ ولكنها حتى في رسم الخطوط الكبيرة في التأثير بوجه عام ذات أهمية كبيرة للباحثين ودارسي الأدب.
ثم إن الآداب المختلفة لا تتعرض للتأثير بآداب أجنبية بنسبة واحدة في كل العصور، فقد يبقى الأدب القومي لدولة ما مقطوع الصلة بغيره في عصر ما، ثم يجدد صلاته بالآداب المختلفة على حسب أحوال العصر لكل دولة، وتبعًا لنشاط رجالها الفكري والسياسي.
لقد ظل الأدب الفرنسي مثلًا يستمد من الآداب القديمة اللاتينية واليونانية، ومع ذلك طغى عليه في القرن السادس عشر تأثير الأدب الإيطالي حتى غلب على كل تأثير سواه، وقد اتسم القرن السابع عشر في فرنسا بغلبة تأثير الأدب الإسباني عليه، ولما جاء القرن الثامن عشر التجأ أدباؤه وجهة الأدب الإنجليزي أولًا، ثم وجهة الأدب الألماني في النصف الثاني من ذلك القرن وفي أوائل القرن التاسع عشر، أما في أواخره، فقد ظهر تأثير الأدب الروسي والأدب الأمريكي وبخاصة في مؤلفي القصص والمسارح.
стр. 528
ويُجمل الدكتور محمد غنيمي هلال مظاهر التأثر والتأثير العامة المتبادلة بين الأدبين العربي والفارسي، فيقول: إن أول مظهر لهذا التأثير يتمثل في الترجمة؛ سواء من الإيرانية القديمة للعربية منذ العباسيين، أو من العربية الفارسية بعد الفتح الإسلامي، على أن الترجمة من العربية إلى الفارسية كانت أعمق أثرًا في أدب الفرس بعد الفتح، إذ بفضلها وجد النثر الفارسي وتطور، واتبع في تطوره نفس المراحل التي مر بها النثر العربي.
وعلى رغم صعوبة تحديد نشأة النثر الفارسي بعد الإسلام؛ فإن أقدم ما وصل إلينا منه يرجع إلى عصر الدولة السامانية في أواخر القرن التاسع إلى أوائل القرن الحادي عشر، وقد اعتمد في نشأته على أصول عربية، مثل ترجمة (تفسير الطبري)، و (تاريخ الطبري).
ومن المقطوع به أن اللغة الفارسية ظلت حتى بعد الفتح الإسلامي لغة الكلام وكانت تنظم بها الأغاني والأقاصيص الشعبية ولكنها ارتقت إلى المكانة الأدبية بفضل احتذائها اللغة العربية في صورة الترجمة، ولا بد أن تكون هذه الترجمة قد سبقتها جهود عديدة لإغناء تلك اللغة، تمهيدًا لصعودها إلى المكانة الأدبية، ومن هذه الجهود ما اعتمد قطعًا على شروح النصوص القرآنية والدينية أول العهد بالإسلام، وهي نصوص تتناول كثيرًا من شئون الحياة السياسية والمدنية.
وسند ذلك ما يحيكه المؤلف الفارسي أبو جعفر المرشخي في كتابه (تاريخ بُخارى)، عن أهل تلك المدينة من أنهم كانوا في أول العهد بالإسلام يقرؤون القرآن في ترجمته الفارسية، وكانت تلك القراءة تتبع حتمًا شروطًا وتعليقات لفهم معاني النصوص الأصلية، ولا يتأثر ذلك بدون إدخال كثير من الألفاظ العربية والمعاني التجريدية والصور الدينية، مما ترتب عليه حتمًا إغناء تلك المواد في أول عهدها بممارسات مثل تلك الموضوعات.
стр. 529
ويظهر ذلك الجهد واضحًا في ترجمة الوزير الساماني أبي علي محمد البلعمي لتاريخ الطبري في أواخر القرن العاشر الميلادي، متصرفًا على حسب حاجته وما يراه، ولا أدل على ذلك من قول البلعمي في مقدمته لترجمته الكتاب إلى الفارسية، إذ قال: لما وجدت ذلك الكتاب يحتوي على كثير من الحكم والأمثال، وعلى شرح آيات قرآنية وأشعار جميلة، وعلى سير الأنبياء والملوك، اجتهدت في ترجمته إلى اللغة الفارسية طالبًا من الله العون.
وبهذه الترجمة تحقق للغة الفارسية أسلوب الأدب النثري كما قال الدكتور هلال، وأسلوب بلعمي في ترجمته سهل خال من الحلية اللفظية إلا ما ندر من سرش وإلا ما يذكر أحيانًا من جمل أو من مفردات تتوالى على معنًا واحد، محاكاة للأسلوب العربي.
ونسبة الألفاظ العربية في هذه الترجمة ضئيلة تتفاوت ما بين ثلاث في المائة وخمسة وعشرين في المائة، وتكثر في الاصطلاحات والتعبيرات الدينية والكلمات التجريدية، وقلما تكون الألفاظ العربية في هذه الترجمة أسماء لأشياء محسة.
وبالترجمة أيضًا ظهر النثر الفني الفارسي، وذلك بترجمة أبي المعالي نصر الله لـ"كليلة ودمنة" من العربية لابن المقفع إلى الفارسية، حوالي عام خمسمائة وتسعة وثلاثين هجرية، وقد تصرف أبو المعالي في ترجمته تصرفًا خلق في لغته النثر الفني بخصائصه العربية.
وقد وصل هذا التأثير العربي أقصاه في العناية بالحلية اللفظية والسجع، بترجمة "الجربذقاني" كتاب (يمين الدولة) لأبي نصر محمد بن عبد الجبار العتبي إلى الفارسية عام أربعمائة واثنين وثمانين للهجرة.
стр. 530
وزادت نسبة الألفاظ العربية في الأصول فتراوحت في هذه المرحلة ما بين ثمانين وخمسين في المائة، حتى كادت تكون الكلمات عربية مرتبة على حسب قواعد النحو الفارسي، بل إن النحو نفسه لم يسلم من التأثير العربي، ومظهر ذلك حذف الفعل في بعض الجمل الفارسي أو تقديمه أو خلق الفعل المبني للمجهول على غرار ما في العربية وكذلك استعمال الحال كما في النحو العربي. وقد تم ذلك كله بفضل من يجيدون اللسانين العربي والفارسية.
وبفضل الترجمة على اختلاف صورها، تبادلت اللغتان التأثيرات فيما بينهما سواء في الأدب النثري أو التاريخ، أو المقامة، أو القصة على لسان الحيوان كما هو معروف.
ومن ذلك أيضًا أدب الحكمة والسلوك وهي حكم الملوك أو وصايا العظماء، أو حكايات خلقية عامة تمت بصلة إلى السياسة، وقد كثرت الكتب في هذه الموضوعات في الأدب العربي في العصر العباسي ومتأثرة بأدب النصائح الإيرانية، وكان هذا الضرب من الأدب قد لقي رواجًا كبيرًا في اللغة "البهلوية" في آخر العصر "الساساني".
وقد تكون لذلك صلة بنبوغ كثير من مسلمي إيران في القصص والمواعظ العربية ممن كانوا يجيدون اللغتين فيما يروي الجاحظ، مثل: الخطباء القاصين من أسرة الرقاشي، وكانوا خطباء الأكاسرة، ثم نبغوا في العربية نبوغهم في الفارسية، ومثل موسى الأسواري.
ولا شك أن هؤلاء كانوا ينتفعون في قصصهم ومواعظهم بثقافتهم الإيرانية؛ مما سوغ قول بعض متقدمي المسلمين من ذوي الميول الإيرانية فيما يروي الجاحظ: "من احتاج إلى العقل والأدب والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والألفاظ الكريمة
стр. 531
والمعاني الشريفة فلينظر إلى سير الملوك". أي كتب تاريخ الملوك الإيرانية وكتب "الشاهنامه" وهي تفيض بهذه الحكايات والنصائح ذات الطابع التاريخي، مما جعل بلعمي يعتقد أن الأخلاق هي لب التاريخ وجوهره، ومثالها ما كان في كتاب (التاج) لابن المقفع، وهو مفقود الآن، وقد بقيت لنا منه شواهد ساقها ابن قتيبة في عيون الآخبار في مواضع متفرقة كما بقي لنا منه شاهدان آخران في كتاب (تاريخ البيهقي) كما يذكر الأستاذ الدكتور محمد غنيمي هلال.
وكثير من هذه النصائح كان يساق في صورة توقيعات، وهي العبارات والجمل التي كان يُذيل بها الخلفاء والوزراء، ما يرفع إليهم من رقاع، فكانوا يوقعون عليها بإمضائها أو بإهمالها ومن هنا جاءت كلمت توقيع، وهي أن يكتب الشخص منا اسمه تحت الوثيقة أو تحت الرسالة أو ما إلى ذلك. ولكن التوقيعات في العصر العباسي لم تكن تقتصر على أن يكتب الخليفة أو الوزير اسمه أو يضع إمضاءه تحت الرسالة، وإنما يوقعها بمعنى يكتب تحتها عبارة أو جملة تُفيد موقفه مما جاء فيها.
والتوقيعات بهذا النحو من تقاليد الفرس القدماء، ومن ذلك ما يرويه ابن قتيبة من أن "آنوشروان" كان إذا ولَّى رجلًا أمر الكتاب أن يترك في العهد موضع أربعة أسطر؛ ليوقع فيه بخطه، فإذا أوتي بالعهد وقع فيه مثلًا: "أسِسْ خيار الناس بالمحبة، وامزج العامة الرغبة بالرهبة، سُس سفلة الناس بالإخافة". وعلى هذا النحو جرت عادت حكام العرب في توقيعاتهم، وهم متأثرون في ذلك بحكام إيران. ومن حكام العرب من نقل بعض هذه التوقيعات الإيرانية فترجمها كما هي إلى العربية.
وفي الرسالة "المعزولة إلى تنس رئيس الكهنة في عهد "أردشير" طائفة من هذه النصائح تذكر بناظرتها في الأدب العربي مما عزي إلى "بزرج هر"
стр. 532
ومن هذه النصائح الباقية من الأدب الدهلوي النصائح المعزوة إلى "آزرباز مهر سندان" رئيس الكهنة رعاية الشهبور الثاني في القرن الرابع الميلادي، وكذلك نصائح الحكيم "أشنر"، وهو شخصية أسطورية قديمة، ثم نصائح الخسرو الأول.
وكتاب ابن مسكويه في العربية صورة لهذه النصائح والوصايا الإيرانية، ولا شك أن لهذه النصائح صلة بالكتب العربية المؤلفة في المواعظ والآداب والحكم التي أوردها النديم في الفهرست.
وقد أثر الأدب الإيراني القديم والأدب العربي معًا في أدب الحكمة عند الفرس بعد الفتح، مما نراه في بعض أشعار "الشاهنامه" للفردوسي وفي "قابوس نامه" الذي ألفه "كيكاوس بن إسكندر بن وشم كير" المعروف بعنصر المعالي، وسياسة ناما لنظام الملك، وما إليها وإنما راج هذا الجنس الأدبي لدى العرب بتأثير الإيرانيين القدماء ثم لدى الفرس من المسلمين فيما بعد؛ لأن النصائح فيه عملية غير فلسفية ولها مساس بشئون الحياة اليومية، فهي أقرب إلى طبيعة العرب الأولى التي كانت لا تميل فطريًّا إلى التعمق في النظريات.
ثم إن هذه الحكم مسوقة في أصلها مباشرة من غير قرائن مسرحية أو ملحمية طويلة، وهذا طابع شرقي للحكم ومخالف للطابع اليوناني، وهذا مما يضعف احتمال تأثير اليونانيين في هذا الجنس الأدبي.
وأما الرسائل الديوانية والرسائل الإخوانية بأسلوبهما الأدبي وتقاليدهما؛ فتأثير العربية فيهما أوضح وأظهر، كما يتضح ذلك بالنظر إلى الرسائل التي جمعها وألفها بهاء الدين محمد بن مؤيد البغدادي المتوفى أواخر القرن السادس الهجري في كتابه المسمى (التوسل إلى الترسل) تلك هي أهم الأجناس الأدبية النثرية.
стр. 533
أما أجناس الأدب الشعري: فمنها ما يخص الحوار، والوقوف على الأطلال، وكذلك ما يخص أوزان الشعر، ويكتفي الدكتور محمد غنيمي هلال بأن يضيف أن القصيدة الغنائية في الفارسية سارت على نظام تتطورها في العربية؛ فكان الغزل فيها تابعًا للمدح، ثم صار الغزل جنس أدبيًّا مستقلًّا، ثم وُجد الغزل الصوفي.
والشعر القصصي في القصص الطويلة انفردت به الفارسية بوصفه جنسًا أدبيًّا مستقلًا؛ ولكن الأدب العربي أثر فيه في موضوعاته الدينية، كقصة "يوسف وزليخة"، أو موضوعاته الفلسفية الدينية كقصة "ليلى والمجنون"، أو في التيارات الفكرية الفلسفية التي غزته بتأثير الدين الإسلامي.
ومعلوم أن أدبنا الحديث اتصل بالآداب الكبرى العالمية وتأثر بها صنوف من التأثير، وينبغي للباحثين أن يقبلوا على دراسة هذه الألوان، وهو باب يجب على الدراسين المقارنين أن يقتحموه وأن يتخذوا من ميادينه موضوعات لدراساتهم المقارنية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 534
الدرس: ٢١ المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة .
стр. 535
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة)
الكلاسيكية
درسنا المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة.
تدخل المذاهب المذاهب الأدبية في الدراسات المقارنة بوصفها تيارات فكرية وفنية واجتماعية، تعاونت الآداب الكبرى العالمية في نشأتها ونموها، وقد مثل كل مذهب منها روح العصر الذي نشأ فيه خير تمثيل، وقد ازدهرت هذه المذاهب في الآداب الغربية منذ أسفر عصر النهضة الأوروبية عن الاستقرار الكلاسيكي بما ساد فيه من أسس فنية وفكرية، وأهميتها واضحة من ناحية تأثيرها العميق في أدبنا الحديث؛ إذ لا نستطيع أن نفهمه حق الفهم ولا أن نتبع جوانب التجديد فيه بدون القيام بهذه الدراسة.
ومقصدنا هنا بيان سير المذاهب بما يجلو معناها في مفهومها الكامل في الآداب الغربية لنشير بعد ذلك إلى مقدار إفادتنا منها.
وقد سبق الإيطاليون إلى التمهيد لنشأة المذهب الكلاسيكي، فقد كثرت عندهم ترجمات فن الشعر لأرسطو عن الأصل اليوناني في القرن السادس عشر، وكذلك فن الشعر لهوراس، وتوالت شروحهما، ثم ألفت كتب كثيرة أخرى عنوانها (فن الشعر)، وهي تنهج منهج هذين الكتابين، وتتأثر بهما، ولكن مع تأويل تبعد به قليلًا أو كثيرًا على المعنى الدقيق فيهما، كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال.
ومن الناحية الفنية: سارت الكلاسيكية على فصل الأجناس الأدبية بعضها عن بعض، وحافظت بعامة على الوحدات الثلاث في المسرحية، على حسب تأويل الإيطاليين لها عن أرسطو وعلى نظرية "محاكاة الأقدمين".
وتقوم الكلاسيكية على العقلية، والعقلية أساس لفلسفة الجمال في الأدب عند الكلاسيكيين؛ إذ الأدب في نظرهم انعكاس للحقيقة، وهم يرون أن الحقيقة هي
стр. 536
هي في كل زمان ومكان لا تتغير، والعقل هو الذي يحدد رسالة الشاعر الاجتماعية ويعززه القواعد الفنية الأخرى، وهو عماد الخضوع للقواعد عامة، ثم إنه هو الذي يوحد بين المتعة والمنفعة، ولا يصح أن يحاكى الأقدمون إلا بقدر إتباعهم للعقل، والعقل عند الكلاسيكيين يرادف الذوق السليم والحكم السليم، ومن هذه الناحية اتخذوه وسيلة لتثبيت دعائم التقاليد والقواعد المقررة، وهم يعارضونه بالذوق الفردي ويفضلون العقل عليه لأنه ثابت غير متغير؛ إذ أساس الجمال في الأدب أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وهم يترجمون العقل في النقد بخلق الجماهير التي يتوجه إليها الشاعر وبعاداتها، وهذا هو معنى التطابق بين العقل وما سموه الذوق السليم أو مراعاة ما يليق.
وجمهور الكلاسيكيين محدودٌ أرستقراطي، وليس أدب الكلاسيكيين أدبًا شعبيًّا، وحتى في (الملهاة) كان يقصد الكلاسيكيون إلى إرضاء السادة قبل الأرجوازيين وقبل سواد الناس، وهم يصرحون بأنه لا يتوجهون إلا إلى الخبراء بمهنة ربات الفنون، وفي ظل القواعد الكلاسيكية راج الشعر المسرحي وضعف الشعر الغنائي وانمحت الذاتية تحت سلطان المجتمع الإرستقراطي، وقد ساعد أدبهم على دعم القيم والتقاليد السائدة.
الرومانسية
أما الرومانسية: فهي اتجاهٌ في الفنون الجميلة والأدب يركز على العاطفة أكثر من العقل وعلى الخيال والبديهة أكثر من المنطق، ويميل الرومانسيون إلى حرية التعبير عن المشاعر أكثر من التحفظ والترتيب، وقد أظهر الفنانون والكتاب على مر العصور اتجاهات رومانسية، غير أن تعبير الحركة الرومانسية يشير عادة إلى الفترة التي بدأت من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
стр. 537
وتلح الرومانسية على حرية الفرد، ولا تؤيد الأعراف الاجتماعية المقيدة ولا الحكم السياسي المستبد الظالم، وفي مجال الأدب يكون البطل الرومانسي عادة رجلا ثائرا وإذبان الحركة الرومانية لم يكن أغلب الكتاب راضين عن عالمهم؛ حيث كان يبدو لهم عالمًا تجاريًّا جامدًا وغير إنساني، وللهروب من الحياة الحديثة حوّل الرومانسيون اهتمامهم إلى أماكن بعيدة وخيالية، فاتجهوا نحو القرون الوسطى وإلى الفنون الشعبية والأساطير وإلى الطبيعة وعامة الناس، ويظهر في أعمال الشاعر الإنجليزي ويليم ويلز ويرث الكثير من السمات الرومانسية البحتة؛ إذ كان يفضل الذهن الخالي المستغرق في التأمل على البحث الدءوب عن المعرفة العلمية، وكان يرى أن الإنسان يتعلم من اندماجه مع الطبيعة أو الحديث مع أهل الريف أكثر مما يتعلم من قراءة الكتب، وكان يرى أيضًا أن الانسجام مع الطبيعة مصدر الفضيلة والحقيقة.
إن الرومانسية ذلك المذهب الأدبي الذي أخذ يظهر في أوروبا بعد قرن ونصف من ظهور الكلاسيكية، ولم تكن الرومانسية في الواقع ثورة على الآداب الإغريقية واللاتينية والكلاسيكية فحسب، بل كانت كذلك ثورة على جميع القيود الفنية المتوارثة التي حدّت من التطور الأدبي وحيويته، كانت ترمي إلى التخلص من كل الأصول والقيود التي أثقلت الأدب الكلاسيكي؛ لتطلق العبقرية البشرية على سجيتها دون ضابط لها سوى هدي السليقة وإحساس الطبع، وهناك قصيدة للشاعر الفرنسي ألفريد ديموسيه أجمع النفاد على أنها من روائع الرومانسية وعنوانها (ليلة أكتوبر) وتجري على صورة حوار بينها وبين ربة الشعر حول تجربة حقيقية عاشها الشاعر بكل أبعادها في حبه للكاتبة الفرنسية جورج صاند التي سافر معها إلى مدينة البندقية بإيطاليا؛ حيث سقط مريضًا
стр. 538
فعاده طبيب إيطالي وقعت جورج صاند في حبه وهجرت موسيه ليعود وحده إلى باريس كسير القلب، وفي خلال تلك المحنة أتته ربة الشعر فجرى بينهما الحوار التالي الذي أورده الدكتور محمد مندور في كتابه (فن الشعر):
الشاعر: لقد تبدد الألم الذي أضناني كما تتبدد الأحلام حتى لا تشبه ذكراه البعيدة ما يبعث الفجر من ضباب خفيف يتطاير وندى الصباح
ربة الشعر: ما بك إذًا يا شاعري، ما هذا الألم الخفي الذي أقصاك عني حتى ما أزال أشقى به، ما هذا الألم الذي خفي عني وإن طالما أبكاني
الشاعر: كان ألمًا مبتذلا مما يصيب الجميع، ولكننا نحسب دائمًا لخبرنا الجدير بالرحمة أن ما يتسرب إلى قلوبنا من ألم لم يتسرب مثله إلى قلب أحد سوانا
ربة الشعر: لا، ما في الألم من مبتذل إلا ألم نفس مبتذلة، دعْ عزيزي هذا السر ينطلق من فؤادك، افتح لي نفسك، وتكلم واثقًا من أمانتك فإن الصمت أخ للموت، ولكم شكى متألم ألمه فتعزى عنه، ولكم نجى القول قائله من وخزات الضمير.
الشاعر: إذا كان لا بد من الكلام عن ألمي، فو الله لا أدري بأي اسم أسميه، أكان حبًّا أم جنونًا أم كبرياء أم محنة، وما أدري من سيفيد من سماعه وأنا بعد قاصٌّ عليك نبأه، وقد خلونا إلى أنفسنا في جلستنا هذه إلى جوار الموقد، خذي قيصارتكِ وتعالي إلى جانبي ثم أيقظي ذكرياتي بعذب نغماتك.
ولا شك أن ذلك المعاني الذاتية لا تلاءم إلا الشعر الغنائي؛ حيث يجد فيه الشعر المنطلق الرحيب، إلا أن الرومانسيين لا يقتصروا على الشعر الغنائي فحسب، وإنما كانت لهم مشاركات في الأدب الموضوعي، وبخاصة الأدب التمثيلي، وبرزت في هذا الأدب أسماء لامعة وكانت مسرحياتهم روائع خارزة في المذهب
стр. 539
الرومانسي من أمثال ديموسيه وفيكتور هيجو الذي قام بترجمة مسرحية ويليم شكسبير إلى الفرنسية وأخذ في دراستها واستنباط خصائصها ومهاجمة الكلاسيكية خلال تلك الدراسة كما في مقدمة مسرحيات كرومويل التي هاجم فيها وحدة الزمان والمكان في المسرحية عند الكلاسيكيين؛ إذ المقصود من وحدة الزمان جعل المسرحية مشاكلة للحياة وكأنها صورة منها؛ ومن الأجدر إذا كان ذلك كذلك أن تحدد بساعتين أو ثلاث وهو الزمن الذي يستغرقه تمثيل المسرحية لا بأربع وعشرين ساعة، كما هاجم مبدأ فصل الأنواع الذي يقتضي في المسرحية الكلاسيكية عدم اجتماع مشاهد المأساة إلى جوار مشاهد الملهاة في المسرحية متحججًا بأن هذا المبدأ لا وجوه له في واقع الحياة؛ إذ الحياة كثيرًا ما تنقلب من جد إلى هزل ومن هزل إلى جد، وتنقلب معه عواطف الناس ومشاعرهم تبعًا لها الانقلاب.
وكان الأدب العربي الحديث له أيضًا حظه ونصيبه من الرومانسية التي على أساسها قام فيه عدد من المدارس الأدبية كمدرسة الديوان ومدرسة أبولو ومدرسة المهجر، بل إن مدرسة الديوان ممثلة في زعمائها الثلاثة "العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري" قد صدرت في نقدها لمسرحيات شوقي وشعره ونثر المنفلوطي عن الرومانسية ومبادئها وتعاليمها، متأثرة في ذلك بالرومانسية الإنجليزية، وتحت رايات هذه المدارس الأدبية في أدبنا العربي الحديث سطعت نجوم في سماء الشعر الرقيق الحالم من الأستاذ الدكتور إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وأبو القاسم الشابي وعمر أبو ريشة وصالح جودت وميخائيل نعيمة، ومن قبل هؤلاء جميعا خليل مطران، حسبما جاء في مادة الرومانسية في (الموسوعة العربية
стр. 540
العالمية) وفي كتاب (الأدب ومذاهبه في الأدب والنقد) للدكتور محمد مندور وفي كتاب (الرومانتيكية) للدكتور محمد غنيمي هلال.
هذا في الشعر، أما في ميدان القصص فعندنا مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران خليل جبران وإبراهيم المازني وطه حسين وكرم ملحم كرم ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي، وكانت الرومانسية هي صرعة العصر في وقت من الأوقات، قبل أن تترك الساحة للواقعية عند انتشار الفكر اليساري في البلاد العربية، وبخاصة بعد اتخاذ ثورة يوليو المصرية الخط الاشتراكي سياسة لها.
وبرغم خلو آدابنا القديمة من الرومانسية مذهبًا يتخذه الأدباء عن وعي وقصد تبعًا لفلسفة يعتنقونها وظروف تدفع جموعهم إليها كما هو الحال في تاريخ الآداب الأوروبية، فمن السهل على من لديه معرفة بتاريخ الشعر العربي بالقديم أن يمدّ يد إلى أي عصر أدبي بدءً من العصر الجاهلي ذاته، فيقتطف بكل سهولة باقةً من الشعر الفوّاح بعبق الرومانسية.
أليست الرومانسية في جانب من جوانبها ثورة على العقل وسلطانه وعلى الأصول والقواعد السائدة في الكلاسيكية والاجتهاد في تقليدها ومحاكاتها؟
أليس الأدب الكلاسيكي هو أدب العقل والصنعة الماهرة وجمال الشكل والمواضيع الإنسانية العامة واتباع الأصول الفنية القديمة، ثم جاءت الرومانسية لتشيد بأدب العاطفة والحزن والألم والخيال والتمرد الوجداني والفرار من الواقع والتخلص من استعباد الأصول التقليدية للأدب؟
ألم يظهر الفنانون والأدباء على مر العصور اتجاهاتهم الرومانسية رغم أن مصطلح الحركة الرومانسية يشير عادة إلى الفترة التي بدأت في أوروبا من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؟
стр. 541
فلنأخذ مثلًا قصيدة "عبد يغوث" التي نظمها وقد وقع أسيرًا في يد أعداء قبيلته، فقيدوه وشدوا لسانه بنسعة كي لا يقول شعرًا في هجائهم فيفضحهم بين القبائل، وأسروا على أن يقتلوه بفارس من فرسانهم سقط في معركة دارت رحاها بينها وبين قبيلة الشاعر الذي كان قائدًا قومه أو واحدًا من كبار قادتهم، ففي هذه القصيدة يسود جو من الأسى والألم وترفرف راية الموت السوداء وتنثال الذكريات على الشاعر حزينة تلذّع قلبه تلذيعًا، وبخاصة بعدما تبين له أنه لا فائدة ترجى من المفاوضات إلتي حاول أن يديرها بينه وبين آسريه عارضًا فيها دفع ما يريدون من دية حتى لو استغرقت ماله كله وتركته حريبًا -أي فقيرًا فقرًا مدقعًا لا يملك شرو نقير-.
أليس هذه القصيدة تخلو من نهج القصيدة التي ذكر ابن قتيبة أنه واجب الاتباع بحذافيره من بدئها بالوقوف على الأطلال ثم التثنية بركوب البعير والانطلاق في رحلة الصحراء والتثليث بوصف كل ما يمر به الشاعر في رحلته تلك التي أمضى فيها بعيره وأرهق نفسه وصفًا لا بد من التزامه التزامًا صارمًا، دون أي خروج عنه في اشد التفاصيل دقة، تُرى أي فرق بين تلك القصيدة وبين أية قصيدة رومانسية مما نعرف من شعر العصر الحديث، وبحق يكتب أحدهم في بعض المنتديات المشباكية قائلًا:
قريبة إلى نفسي هذه الياء التي اختتمت بها قصيدة عبد يغوث بن وقاص تجربة الشاعر الجاهلي اليمني عبد يغوث كانت عند هزيمة قومه حينما يجره سوء حظه إلى أن يقع أسيرًا في صفوف أعدائه بعد أن كان قائدا لقومه مذحج، ويحاول الأسير أن يفدي نفسه ولكن أني له ذلك وقد تمادت تميم في حرصها عليه بل أبت إلا قتله بالنعمان بن جساس قتيلهم في يوم القلاب الثاني، وهو موضع أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي، ولم يكن عبد يغوث قاتله، ولكن تميمًا تنتهي بالرأي
стр. 542
إلى إجماع الرغبة على قتله كفارس مذكور في قومه وشاعر ذائع الصيت بينهم، وكانوا قد شدوا لسانه لئلا يقدم على هجائهم أو التعريض بهم أو رصد مثالبهم، ولما ذاق الفارس الأسير أنه مقتول لا محالة طلب إليهم أن يطلقوا لسانه لعله يذم أصحابه. ممن تركوه وغدروا به أو لعله يرثي نفسه قبل موته، كما طلب منهم أن يختاروا له قتلة كريمة تليق بمكانته وفروسيته، فأجابوه إلى رغبته وسقوه الخمر وقطعوا له عرقًا يقال له الأكحل، وتركوه ينزف حتى مات، ويقال: أنه نظم يائيته المشهورة وقد جُهّز للقتل، فراح من خلالها يحكي قصة ألمه إزاء ما كان من قومه وقد تركوه حين هزموا ولو شاء الفرار لسهل عليه أمره، ولنجا من مأزق أسره، ولكنه آثر الثبات من أجل حماية قومه، فإذا به في موقف لا يحسد عليه بين مهادنة ومذلة يترجمها موقف نساء تميم منه وهن يهزأن به ويسخرن منه ويراودنه عن نفسه.
وهناك كذلك رثاء الخنساء لصخر أخيها ذلك الرثاء التي وقفت حياتها كلها عليه، لا تريد أن تتوقف أبدًا عنه رغم تمادي الزمن، ومنه كذلك أشعار العذريين وكثير عزى، المفعمة بالحرمان والعذاب والعكوف على المشاعر الباطنية يجترها الشاعر في ألم لا يعدله ألم صارخًا حيث لا يسمع صريخه ولا يمد يده إليه أحد، ولا ننسى مثلا أبيات ابن خفاجة في وصف الجبل المتوحد في قلب الصحراء؛ حيث لجأ إليه ذات ليلة ومد أذنه ليسمع الكثير من أخبار ماضيه وما مر به من أحداث وناس ومفارقات، فسمع حديثًا عجبًا، أو أبيات البحتري في وصف الربيع وهو يستيقظ من رقدته الشتوية مختالًا ضاحكًا ابتهاجًا بما حباه الله به من الحسن والجمال، حتى أوشك أن ينطق من الفرح والابتهاج.
стр. 543
الواقعية
أما بالنسبة للواقعية: فكما يقول الدكتور مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): نشأ هذا المذهب في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تحت تأثير الحركة العلمية والفلسفية؛ ردّ فعل على الإفراط العاطفي الذي اتسمت به الرومانسية، وقد عمد الواقعيون إلى تشخيص الآفات الاجتماعية وتصوير معاناة الطبقة الدنيا، وبالغوا في ذلك حتى اتسم أدبهم بطابع تشاؤمي ومسحة سوداء.
ويعد بلزاك الرائد الأول للواقعية في فرنسا، وقد خلّف أكبر موسعة في الأدب الواقعي تشمل نحو مائة وخمسين قصة أطلق عليها اسم (الكوميديا البشرية)، تمثل قطاعات مختلفة من الحياة، كما نجد عدة أدباء آخرين من فرنسا مثل الجوستاف فلوبير.
ويقول الدكتور مندور: إن الواقعية كمذهب أدبي ليست هي الأخذ عن واقع الحياة وتصويره بخيره وشره كالآلة الفوتوغرافية، كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة لحلها، بل هي فلسفة فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما لها وجهة نظر خاصة ترى الحياة من خلال منظار أسود، وتؤمن بأننا لو نقبنا عن حقيقة الشجاعة والاستهانة بالموت مثلًا لوجدناها يأسا من الحياة أو ضرورة لا مفر منها، مثلما أن الكرم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة والمجد والخلود؛ تكالبٌ على الحياة وإيهام للنفس بدوامها أو استمرارها، وهكذا الأمر في كافة القيم المثالية التي نسميها قيمًا خيرة فهي ليست واقع الحياة الحقيقية. وتمثل الواقعية الجانب الواقعي من المجتمع والحياة إذ ترى أن الحياة كلها شرّ ووبال، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كان ماكرًا مخادعًا.
стр. 544
لكن هناك في ذات الوقت لونا آخر من الواقعية كانت تعرفه الآداب الاشتراكية أيام كانت هناك اشتراكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له جراء ثورة الشعوب على أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا اللون من الواقعية يركز على ما في الحياة من أوضاع تدعو إلى التفاؤل وتؤدي إلى نتائج إيجابية بدلًا من تلك النظرة المتشائمة السوداوية التي تسبق الواقعية الغربية؛ ذلك أن الاشتراكيين كما ذكر الدكتور مندور يؤكدون أن الأدب اختيار وأن الأدباء الذين يختارون الشخصيات الشريرة المؤذية أو السلبية المتخاذلة إنما ينمّون عن ضعف وشيخوخة في رؤيتهم للحياة، ولو كانت رؤيتهم للحياة رؤية متفائلة ما ركّزوا على الجانب الأسود منها، ذلك الجانب الذي من شأنه أن يثبط الهمم ويدعو إلى اليأس وينشر روح الهزيمة والانهيار أمام عوائق الحياة، بخلاف ما لو اجتهدوا في إبراز الطاقات البشرية المذخورة القادرة على صنع الأعاجيب، فعندئذ تسود مشاعر التفاؤل بين أفراد الشعب ويبذلون غاية جهدهم ويستطيعون التغلب على عقبات الحياة، ويحققون نتائج مذهلة.
والواقع، أنه لا هذه النظرة ولا تلك هي النظرة الصحيحة للوجود؛ ففي الوجود ما يدعو إلى التشاؤم وفيه في ذات الوقت ما يدفع إلى الابتهاج والتفتح للحياة والتفاؤل بالمستقبل، بيد أن الظروف تختلف من شخص إلى آخر ومن فترة تاريخية لأخرى ومن مجتمع إلى مجتمع غيره، وهكذا، على انه ينبغي أن لا يستسلم الأدباء لمعوّقات الحياة والمجتمع في الفترات التي تنتشر فيها العيوب والسلبيات، بل عليهم إلى جانب تصوير تلك المعايب والشرور ألا يغفلوا عما في الحياة من جوانب الخير والأمل حتى لا يكونوا بدورهم عبئًا على المجتمع والقوى الناهضة المكافحة، ولكن بشرط ألا يزيفوا الواقع ويقدموا صورة براقة لا تساعد الوقائع اليومية على تصديقها وتقبلها، كما كان يحدث في أحيان غير قليلة في الأدب
стр. 545
الاشتراكي على أيام الاتحاد السوفيتي؛ حين كان الناقد سيمينوف مثلا يعلن أن أدبهم يهدف إلى تغليب عوامل الخير والثقة في الإنسان وقدرته وأن واقعيتهم واقعية متفائلة تؤمن بإيجابية الإنسان وقدرته على الإتيان بالخير والتضحية في سبيله بكل شيء في غير يأس ولا تشاؤم ولا مرارة مسرفة كما يقول الدكتور مندور في كتابه السالف الذكر، وكانت الأعمال القصصية تبالغ في تصوير نفوس الخيرة مبالغة لا يستطاع هضمها.
ورغم أن مصطلح الأدب الواقعي يعني ما قلناه من قبل فليس معنى ذلك أنه لم يكن هناك قط أدب واقعي قبل الفترة التي ظهرت فيها الواقعية بالمعنى السابق إذ هناك فرق بين الواقعية بهذا المفهوم المحدد وبين الواقعية بالمعنى الواسع الذي لا يرتبط بفترة تاريخية ولا بظروف اجتماعية وسياسية معينة، والذي يقوم على ملاحظة الواقع وتسجيله لا على صور الخيال وتأويله، فيكون ذلك معارضًا للرومانسية إذ يستقي الأدب مادته من حياة عامة الشعب ومشاكله، وكل ذلك معارضًا لما يسمى أدب البرج العاجي؛ أي أدب أرستقراطية الفكر والخيال الذي يناقش القضايا الميتافيزيقية أو الموضوعات التاريخية المأخوذة من بطون الكتب لا من قلب الوقائع.
ولا يخلو أدبنا القديم من نصوص ذات عناصر واقعية، وإن لم يكن وراءها تنظيم نقدي كالذي واكب ظهور الواقعية في أوروبا، فلدينا مثلًا شعر عمر بن عبد ربيعة في التعرض للنساء حتى في مواسم الحج وتحمل ما يمكن أن يصيب المتعرض لهن مما يمس الكرامة أحيانًا وعدم المبالاة بأقاويل الناس وكذلك النظر إلى المرأة على أنها شيئًا يُستمتع به دون التقيد بشخص امرأة بعينها؛ بحيث إذا غابت أو هجرت أو غدرت اسودت الدنيا في وجه من يحبها واستحالة حياته جحيمًا لا يمكن احتماله.
стр. 546
وتزداد الأمور إيغالًا في الواقعية على يد شاعر كبشار بن برد الذي لم يكن يرى في المرأة أو يهمه منها إلا جسدها، وما يرويه هذا الجسد من شهوات دون المبالاة بالناحية الروحية فيه على الإطلاق.
ومن الشعر الذي ينحو منحًا واقعيّا ما نظمه أبو نواس مثلا من قصائد تقص مغامراته في عالم الحانات وتصف مجالس الشراب؛ حيث لا يترك تفصيلة من تفاصيل الواقع الحي إلا يسجلها ويبرزها، وكأننا رفقاء له في تلك المغامرة وهذه المجالس؛ يراه ويسمع ويشمه.
وفي ألف ليلة وليلة حكاية تقدم لنا كثيرا من المشاهد الواقعية مصوغة بلغة تخلو تمامًا من أي تأنق أو تكلف؛ لغة بسيطة بساطة اللهجة العامية، وإن اتبعت إلى حد معقول قواعد النحو والصرف، ولكن في أيسر صورها وأقلها مؤنة، كما هو الحال مثلا في حكاية احمد الدنف وحسن شومان مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة، وهي مجرد مثال وإلا فهناك عشرات القصص التي تتسم بالواقعية في التعبير والتصوير معًا.
كما أن هناك أنواع أخرى من القصص الواقعي غير ألف ليلة وليلة على ما هو معروف لمن يتصلون بالأدب العربي ويعرفونه درره ولآلئه.
أما في الأدب العربي الحديث فللواقعية فيه سجل واسع؛ إذ انصرف الأدباء عن الاهتمام بالقصص الغرام المسرفة في المثالية والخيال، وكذلك عن الطبيعة بحقولها وطيورها وجداولها التي يتجاوب معها أبطال الشعر والقصة، إلى درجة الفناء فيها، وتحولوا إلى رصد الواقع البائس للعمال والفلاحين وهتفوا لأوطانهم وثاروا في وجه المحتلين الغاصبين، ومجّدوا بطولات المقاومة، وبدلا من "زينب" لهيكل مثلا و"إبراهيم الكاتب" للمازني و"عودة الروح" و"آل الكهف" للحكيم
стр. 547
و"دعاء الكروان" لطه حسين و"نقطة ضوء"، و"لقيطة" لمحمد عبد الحليم عبد الله، والأشعار الوجدانية المجنحة التي يعكف فيها الأدباء على ذواتهم يجترّون أتراحهم وأفراحهم كما هو الحال بأشعار المازني وشكري وناجي والهمشري مثلا- أصبحنا نقرأ "عاصفة على مصر" لعصام الدين حفني ناصف و"مليم الأكبر" لعادل كامل و"بداية ونهاية" لمحمود محفوظ و"حواء بلا آدم" للاشين و"الشاعر الجديد" للسحّار و"وطني عكا" للشرقاوي، وأشعار فوزي العنتيل وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم، ثم تنامي هذا الاتجاه إلى أقصاه في عهد عبد الناصر حين ولى وجهه نحو الكتلة الاشتراكية، فتحول كل شيء تقريبًا من فن وأدب إلى الشعب وقضاياه، وسار كل من يكتب على الطريقة الحالمة القديمة عُرضة للتهكم ويُسمى أدبه أدب البرج العاجي، وإن انقلبت الأمور بعد ذلك حين ركب الموجة كل من هبّ ودب، فأطلق النقاد على هذا اللون الدعائي الفاقع "الأدب الهاتف" بدلا من "الأدب الهادف" أي أدب الواقعية الذي يهدف إلى إيقاظ المظلومين والمطحونين واستفزازهم للثورة من أجل نيل حقوقهم المهدرة، وهذا في مصر وحدها، وقس عليها ألوانًا أو كثير ًا من الدول العربية الأخرى.
الرمزية
ونص ل ل لرمزية؛ والرمزية حركة أدبية بدأت بمجموعة من الشعراء الفرنسيين، في الفترة من ١٨٨٥ إلى ١٨٩٥ كان قائدها ستيفان مازر ميه، وتتضمن القائمة المنظّرين للرمزية كلٍّ من رينيه جِل وجوستاف كان وجيم موريس وتشارلز موليز، وتبعهم في تبني أسلوب الرمزية بعد ذلك الكثير من الشعراء الأوروبيين في بداية القرن التاسع عشر، واهتمت رمزية الجانب الروحي والأحاسيس المعنوية
стр. 548
الأخرى، وشعراء الرمزية يُعنون بالإيقاع الموسيقي للألفاظ ويعبرون عن أنفسهم بصورة مجازية، وقد رمى بعضٌ من النقاد هذه الحركة بالانحلال والانحطاط؛ نظرًا لتسلط فكرة الموت والتشاؤم بصورة عامة عليها.
والحق أن الأدب الرمزي إنما هو محاولة من الأديب للإفصاح عن العواطف المكبوتة في أعماق النفس البشرية، والإتيان بالصور من العقل الباطن إلى قارئه إلى مستعينا في ذلك بدرس الألفاظ وإيقاع الوزن وتراسل الحواس، وقد قام الشاعر الفرنسي بول فيرلين في سبعينيات القرن التاسع عشر الميلادي بجولة في مناطق متعددة من بريطانيا وهولندا وبلجيكا، بصحبة أرثر رامبو واصفًا المناظر الطبيعية هناك في إطار من التخيلات الواسعة الشبيهة بالأحلام تحت عنوان "أغان بدون كلمات" صدرت عام ألف وثمانمائة وأربعة وسبعين ميلادية، وعكست قصائده الشجية العفوية وما فيها من صور غريبة كالسموات الرمادية والقمر الشاحب والكمال الحزين- نوعًا من السمات الحزينة المتشائمة.
والمبادئ الرمزية: الابتعاد عن عالم الواقع وما فيه من مشكلات اجتماعية وسياسية، والجنوح إلى عالم الخيال؛ بحيث يكون الرمز هو المعبر عن المعاني العقلية والمشاعر العاطفية، والبحث عن عالم مثالي مجهول يسد الفراغ الروحي ويعوضهم عن غياب العقيدة الدينية، وقد وجد الرمزيون ضالتهم في عالم اللاشعور والأشباح والأرواح، واتخاذ أساليب تعبيرية جديدة واستخدام ألفاظ موحية مثل لفظ الغروب الذي يوحي بالزوال والانقباض، وكذلك تعمد الرمزية إلى تقليب الصفات المتباعدة رغبة في الإيحاء، مثل تعبيرات: الكون المقمر والضوء الباكي والشمس المرة المذاق وتحرير الشعر من الأوزان التقليدية.
стр. 549
لقد دعا الرمزيون إلى الشعر الحر التي تساعد الموسيقى في دفقات الشعور غذ كانوا يعتقدون أن اللغة عاجزة عن التعبير عن تجربتهم الشعرية العميقة، فلم يبقَ إلا الرمز ليعبر فيه الأديب عن مكنونات صدره، والواقع أن هذا المذهب نتيجة من نتائج تمزق الإنسان الأوروبي وضياعه بسبب طغيان النزعة المادية وغيبة الحقيقة والتعلق بالعقل البشري وحده للوصول إليها من خلال علومٍ توهم بالخلاص؛ إنه ثمرة من ثمرات لفراغ الروحي والهروب من مواجهة المشكلات باستخدام الرمز في التعبير عنها فضلا عن الضيق من المذهب الواقعي الذي اتجه نحو الواقع المادي الملموس، وكذلك التقدم الذي أحرزه علم النفس على يد فلوريد وأتباعه الذين اتجهوا إلى قرار النفس الإنسانية.
فالرمزية كما نرى مذهب أدبي يعبر عن التجارب الأدبية الفلسفية من خلال الرمز والتلميح؛ نأيًا عن عالم الواقع إلى عالم الخيال، وبحثًا عن مثالية مجهولة تعوّض الشباب عن غياب العقيدة الدينية باستخدام الأساليب التعبيرية الجديدة والألفاظ الموحية وتحرير الشعر من كافة قيود الوزن التقليدية، كذلك لا تسمو الرمزية على الأقل في بعض الحالات بالمبالغة في الأسلوب ولغة الأداء، فتدون عناصرها بألفاظ وصور بعيدة عن المألوف حتى تكاد أن تلحق بالطلاسم.
ونلحظ في كثير من الأعمال الرمزية الغموض والتناقض وإرغام لغة الأديب على التقريب بين الأشياء المتباعدة، يقول ستيفن مازر ماي مثلًا عن الربيع:
لقد طرد الربيع الشاحب في حجر الشتاء الظامئ
وفي الجسمية الذي يسيطر عليه الدم القاتم
يتمطى الفجر في تثاؤب طويل
стр. 550
إن شفقًا أبيض يبرز تحت جمجمتي
التي تعضها حلقة من حديد وكأنها قبر قديم.
وهناك أيضًا تركيز الرمزيين على العنصر الموسيقي في شعرهم؛ إذ عدوه جزءًا من تكوين النص الرمزي فضلا على اعتمادهم إلى حد بعيد على تراسل الحواس في التعبير الأدبي، وإيمانهم الراسخ بمبدأ الفن للفن؛ أي أن يكون الأدب غاية في ذاته لا يوظف من أجل تحسين الواقع.
أما المقصود بتراسل الحواس فهو أن يوصل الشاعر دلالات مبتكرة من خلال تبادل معطيات الحاس؛ كأن يستخدم حاسة اللمس لما يقتضيه السمع، وهو ما يعني أن يشم الشاعر من خلال حاسة السمع أو يتذوق بحاسة البصر، أو يرى بحاسة اللمس؛ أي أن الشاعر يحطم المنطق العلمي المحسوس ويفرض منطق الحلم والوهم، بهدف نقل مشاعره وأحاسيسه إلى المتلقي.
وقيل عن الرمزية: إنها أدب الصفوة؛ فأصحابها لا يحفلون بسواد الشعب، بل يتوجون إلى الصفوة بحيث يغدو فهم الأدب الرمزي مقصورا على الذين تمكنوا من بعض العلوم الإنسانية كعلم النفس الجماعي الذي بيشرحه كل من يونج وأدلر، وعلم التحرير النفسي الذي اكتشفه وعرفه العالم النمساوي فرويد.
ومن مبادئهم أيضًا الإيمان بالصنعة دون الإلهام، وفي تقديري وفي ذلك يقول فاليري: إذا آمن الشاعر بالوحي قَتل الإبداع.
كذلك نراهم يلجئون إلى الأساطير وذلك عندما يصفون موضوعات إنسانية لها علاقة مباشرة بالفلسفة أو الأخلاق.
والرمزيون بالإضافة إلى هذا يمقتون في الصورة الأدبية اللهجة البيانية بأساليبها الواضحة المشرقة ذات المعنى الظاهر؛ لأنهم يريدون الغوص والتعمق في تصوير المعاني المستعصية
стр. 551
على التعبير القابعة في خفايا النفس وأعماق الضمير، ويرون أنه لابد من إضفاء شيء من الغموض والخفاء والإبهام على الصورة الشعرية؛ لتتوافر أمام القارئ فرصة التأمل والتفكير؛ كي تستوحي من الصورة معاني وخواطر جديدة؛ إذ الوضوح لا يترك للقارئ فرصة إعمال الذهن وكد العقل ويثير ما في الصورة من جمال ولذة وفائدة، بالإضافة إلى أن اللغة فيها شيء من القصور عن أن تنقل لنا المعاني المحددة والأجواء النفسية فيما لو أردنا إبرازها والتعبير عنها.
على أنه لا بد أن يكون في هذا الغموض والخفاء شيء من الإيحاء وانسيال الخواطر لا أن يكون من نوع ألأحاجي والألغاز، ولعل هذا ما يعبر عنه الشاعر بول فيرلين بقوله: أحب شيء إلي هو الأغنية السكرى؛ حيث يجتمع المحدد الواضح بالمبهم اللامحدود، ويقول أيضًا تتمة لهذا المعنى: الأهمية الأولى للظلال لا للألوان كما تتراءى العيون السحابة من خلف النقاب، فعبر بالظلال عن الصور الشعرية الغامضة الموحية، وبالألوان عن الصور الشعرية الواضحة.
والملاحظ، أن الرمزيين يحرصون على اختيار الألفاظ المشعة، التي توحي بأجواء النفسية خاصة وانفعالات عاطفية رحيبة؛ مثلا لفظة الربيع توحي بمنظر المياه الدافقة والخضرة اليافعة والأشجار المورقة الباسقة، وتسمعك خرير الماء وزقزقت العصافير وتغريد البلابل وصدح العنادل وتشعرك بالمتعة والانبساط والارتياح وانشراح النفس ونقاوة الضمير؛ ولهذا لا يُسمى الشعر عند الرمزيين شعرًا إلا إذا كان غامضًا موحيًا مهمًّا شافًّا عن أجواء نفسية غريبة متنوعة.
ولعلنا نستطيع أن نلم بمنهج الرمزية إذا رددنا النظر في قصائد الرمزيين، وفيما يلي قصيدة للشاعر ستيفن منرميه سبق أن استشهدنا منها ببعض الأبيات وفيها يقول:
لقد طرد الربيع الشاحب في حزن
стр. 552
الشتاء فصل الفن الهادئ الشتاء الضاحي
وهو في جنبي الذي يسيطر عليه الدم القاتم
يتمطى العجز في تثاؤب طويل
إن شفقًا أبيض يبرز تحت جمجمتي
التي تعصبها حلقة من حديد وكأنها قبر قديم
وأهيم حزينا خلف حلم غامض جميل
خلال الحقول التي يزدهر فيها عصير لا نهاية له
ثم أمرح منهوك العصب بعدة أشجار
وأحفر برأسي قبرًا لحلمي
وأعض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس
ومع ذلك فزقزقت السماء تبتسم فوق سياج الشجر المستيقظ
حيث ترفرف العصافير كالزهر في ضوء الشمس
ومنرميه في هذه القصيدة إنما يعبر عن الحالة النفسية التي يعيشها بسبب ما يرهقه -بل يخنقه- من ملل مقتنصًا من مظاهر الطبيعة صورا مزينة، وفي هذا الشأن شيء من غموض، لكنه الغموض الذي يوحي بإدراك المعنى والجو النفسي للشاعر، وليس بغموض أولئك الشعراء الناشئين المقلدين الذين يتنطعون ويتقعرون كما يقول الدكتور مندور، ويجعلون من ذلك الغموض شيئا أشبه بالألغاز، لا يدركون -حتى هم أنفسهم- معناه، وإنما يقصدونها سترا لعجزهم وإيهامًا للناس بشاعريتهم.
стр. 553
ويوضح مندور قائلًا: إنه قد يتبادر إلى ذهن القارئ: أن الرمزية لم تظهر إلا في الشعر، وأن الشعراء وحدهم هم الذين اهتموا بها نظرًا لما فيه من الغموض الذي بطبعه يناسب الشعر، لكنها في واقع الأمر لم تقتصر على الشعر الغنائي والنسوي، وإنما تعدته للأدب الموضوعي الذي يهتم بمشاكل الإنسانية والأخلاق الاجتماعية العامة تعالجها بوساطة الأخيلة والصور، ولكن يجب ألا يعزب عن البال أن الرمزية لا تأخذ في معالجة هذه المشاكل والأخلاق وتحليلها ونقدها كما في الكلاسيكية مثلًا، بل تأخذ في تقصير الأفكار النظرية المجردة وإلباسها شيئًا من الحوادث والأفعال، وتصبح ديناميكية متحركة، وتلمح من خلالها الحقائق الفلسفية والخفية.
ويضيف قائلا: إن الرمزيين كثيرًا ما يلجئون في علاج هذه الموضوعات إلى الأساطير القديمة، بل إنهم لينحون نحوها في ابتكارهم للحوادث والأعمال عند عرضهم أو مناقشاتهم أية قضية إنسانية، كما هو الملاحظ في القصص والمسرحيات التي ابتكروها من أخيلتهم كمسرحية "الأشباح" لأبسن ومسرحية "صفقة الشيطان" لجيروم، وتعرض المسرحية الأولى من خلال الوقائع مشكلة توارث الخطيئة على نحو يكاد يكون عضويّا لا دخل للوعي ولا للإرادة فيه؛ إذ نرى في هذه المأساة أبا يفسق بخادمته ثم يرث ابنه منه هذه الخطيئة فيهمّ هو الآخر بأن يفسق بخادمته على الرغم من أنه لم يعش في جو أسرته ولم يعش في جو الخطيئة بل أرسلته أمه بعيدًا عن ذلك المحيط الملوث ليتعلم ويتثقف، ولكنه همّ بفعلته تلك بعد عودته، فكأنها غريزة فيه وصفة فطرية ورثها من والده لا يستطيع عنها فكاكًا، وتصور المسرحية الثانية قضية صفقة تجارية يجريها شيخٌ شرير مع شابٍّ خيّر فيتبادل كل من روح صاحبه، ولكن كلا من الروحيين لا يستقر في جسم الآخر، فكأن هناك تلازمًا بين الجسم والروح.
стр. 554
وقد اتصل أدباء العرب المحدَثون بالأدب الرمزي لدى الغربيين، مما أدى إلى تأثرهم بذلك الأدب بدرجات متفاوتة، إلا أن الرمزية لم تشكّل مذهبًا واضح المعالم عندنا، ومن أهم الأدباء الذين نجدُ لديهم سمات رمزية جبران خليل جبران وأمين الريحاني ومي زيادة ومصطفى صادق الرافعي. ويقول بعض الدارسين: إن أديب مظهر المتوفى عام ثمانية وعشرين في السادسة والعشرين من عمره هو أول شاعر عربي أدخل جذوة الرمزية إلى الشعر العربي في قصيدته "نشيد السكون" وكان مقدرا له أن يبرز لولا أن الموت عاجله وهو صغير السن، كما اشتهر في هذا الاتجاه الشاعر اللبناني سعيد عقل الذي كان من أوائل الأدباء العرب نقلا للرمزية الغربية، وكان يرى أن وظيفة الشعر هي أن لا يخبر بل يوحي ويلمِّح، وأصر على الإدراك اللامنطقي والحدسي للعالم، كما اعتبر أن الشعر موسيقى قبل أن يكون فنًّا فكريًّا.
ومن تأثروا بالرمزية أيضًا يوسف غصوب وجورج صيدح وإيليا أبو ماضي وبعد سنة ألف وتسعمائة وخمسين شاعت في الشعر العربي حركة جديدة تتسم ببعض الخصائص الرمزية، من أبرز أعلامها بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعد يوسف ونازك الملائكة وخليل الحاوي ويوسف الخال وصلاح عبد الصبور، وكان للترجمة التي قام بها عدد من الأدباء ولاسيما تلك التي قامت بنشرها مجلات عربية مشهورة مثل المقتطف والمكشوف والرسالة والأديب أثرٌ واضحٌ في نقل الآداب الغربية التي أخذت بأساليب المدرسة الرمزية.
لقد لقيت الرمزية في وقت ما اهتمامًا من الشعراء العرب، وانتشرت على أوسع نطاق
стр. 555
ولم يكن ظهور الرمزية في أدبنا خاضعًا لنفس الظروف التي نشأت في كنفها الرمزية في الأدب الغربي.
ومن مظاهر الرمزية عند جبران خليل جبران قصيدته "المواكب" التي اعتمدتفي بعض صورها على تراسل الحواس كما في قوله:
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمرًا في كؤوس من أثير
وفيه أخذ الحس النفسي للاستحمام مكان الحس الشمي العطر، والحس البصري النور مكان الحس اللمسي التنشف، والحس الذوقي الشرب مكان الحس البصري.
ومن هذا القبيل أيضًا قول الشاعر الجارم:
أسوان تعرف إذا اختلط الدجى
بالنبرة السوداء في أناته
فقد وصف النبرة وهي صوت بالسواد وهو لون. ولا شك أن وصف النبرة بالسواد في هذا المقام أقدر عن الإيحاء بالجو النفسي الذي يحسه الشاعر ويريد أن ينقله إلينا، وفي تبادل الحواس لصفاتها ما قد يساعد كثيرا على نقل أثر نفسي. ومن ذلك أيضًا قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان "حياتنا" يقول فيها:
حياتنا شباب وفكر أخضر
وعواطف من عمل الربيع
وقلوب من ندى الفجر
نجمعها ونغسل بها أرض الأزقة
стр. 556
أو نروي رمال الصحراء
ثم هي ليلة وضحاها
فإذا الزوبعة تذهب بنا
فنأخذ معنا كل أحلامنا وأمانينا
ونحن على قدم من الهاوية أو أقل
ما زلنا نؤسس ونبني ونقيم
فما أسخفنا لا نجعل أيامنا ابتسامة
ونقيم علينا رب
لا يعرف كيف يجعلنا نبتسم حتى لأنفسنا
فنحن هنا أمام شيء فيه شفافية وفيه شيء من غموض ومن إيحاء، وفيه كذلك شيء مما يسمى بتراسل الحواس عند الرمزيين، فقد وصف الفكر بالاخضرار وجعل العواطف من عمل الربيع وصاغ القلوب من ندى الفجر.
السريالية
أما السريالية، فكما جاء في المادة المخصصة لها في الموسوعة العربية العالمية: هي مذهب في الفن والأدب أسسه في باريس عام أربعة وعشرين وتسعمائة وألف الشاعر الفرنسي أندريه بريتو، ويحاول أصحاب ذلك المذهب أن يكشفوا عن واقع جديد يتجاوز الواقع الفعلي، وهذا واضح من مدلول المصطلح ذاته؛ إذ هو كلمة تعني ما فوق الواقعية، وهم يدّعون أنهم يصنعون أشكالًا وصورًا، لا
стр. 557
بوعي وتفكير بل بإحساس فطري خالص وعن طريق المصادفة، وباستخدام هذا المنهج نراهم يزعمون أن بإمكانهم صنع عالم في مجال الفن والأدب أكثر جمالًا من العالم الحقيقي.
ويقول الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى تضافرت الفلسفة الفرويدية مع المحنة الإنسانية العاتية التي أصابت البشر بويلات الحرب، فتصدعت القيم الإنسانية وهانت الحياة على الإنسان بعدما رأى الفساد يتربص به في كل مكان، ونشأت رغبة جارفة للتحلل من الأخلاق وانتهاب اللذات قبل أن تفنى الحياة وتمضي إلى العدم، وسادت نزعة تحرير الغرائز المكبوتة في النفس البشرية والرغبة في إشباعها إشباعًا حرًّا طليقًا لا يخضع لأي قيد ولا تردعه أية مواضعة من مواضعات المجتمع، ولم تقتصر هذه النزعات على الحياة، بل امتدت إلى الفن والأدب اللذين يصدران عن هذا النوع من الحياة؛ مما أدى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية -أي مذهب ما فوق الواقعية- وهو المذهب الذي يريد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية؛ زاعمًا أن فوق واقعنا هذا أو خلفه واقعًا آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعًا وهو واقع اللاوعي واقع المكبوتات في داخل الإنسان.
وإلى تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوتاته وتسجيلها في الأدب والفن وجه السرياليون جهودهم، وإن كان لابد من القول: بأن هذا الواقع الدفين كثيرًا ما ينتهي إلى ما يشبه هذيان الحواس، وبخاصة عندما يلجأ السرياليون إلى الطرق المصطنعة كالأفيون وغيره لإطلاق المكبوتات التي تعشش في أعماق
стр. 558
النفس، ثم عندما يحاولون تسجيل هذه المكبوتات في لوحات أو قصص أو مسرحيات غامضة مضطربة أو هاذية محمومة ربما لا يدركون هم أنفسهم لها معنى أو يحددون لها هدفًا وهي بالرموز والأحاجي أشبه منها بالأدب والفن مهما حاولوا أن يجعلوا من هذه الحمى مذهبًا أدبيّا أو فنيّا ومهما حاولوا تسويغ بعض اتجاهاته مثل تركهم مسرحياتهم أو قصصهم أحيانا بدون خاتمة بدعوى أنهم لا يقصدون غير الإثارة والإيحاء تاركين للقارئ أو المشاهد مهمة تصور الخاتمة التي يريدها حسبما ترسمها قواه النفسية المثارة أو المطلقة من كبتها.
والواقع أن مثل هذه السرياليات قد انتشرت في كثير من نصوص الشعر الذي يكتبه الحداثيون في الفترة الأخيرة، ويشيع فيه الاستغلاق، لقد صار الشعر على أيديهم فاقدًا للمعنى والوزن والقافية، واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات، وهم في هذا إنما يقلدون بعض الشعراء الغربيين كعادتهم فيما يأتون وفيما يدعون، وهو سلوك كثير من المهزومين عسكريّا وسياسيّا واقتصاديّا، والمهزومين قبل هذا هزيمة نفسية وهي الهزيمة الفاصلة والحاسمة، فإذا اعترضت بأن هذا ليس بشعر؟! أجابوك بأن الشعر لم يخلق ليقول شيئًا؛ بل يلعب الشعر بالكلمات وحسب، ومع هذا تراهم مغرمين غرامًا عجيبًا بإذاعة شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرا ما نرى أولئك النقاد الخصوم الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست التوصيل ولا التفصيل وهم يسحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشعر من معنى، وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهم عن فن الشعر.
стр. 559
أما في نصوص هذا الصنف من الشعراء التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا، فقد انحدرت في كثير من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية التي نعتز بها كل الاعتزاز.
وهذا مثال على ما نقول وهو لأدونيس:
كنت في غرفتي البائسة في باريس
أحاول أن أجلس بلادي على ركبتي
لا لكي أعالجها كما فعل رامبو مع الجمال
بل لكي أتنشق رائحة خريف يستسر فيها
ولكي أقارنه بوجه الشاعر
وربما لكي أعلن حقوقا أخرى للإنسان
لا أزال أتردد في الجهل بها
طرق على الباب
لا سلاح لا شيء غير الكتب لا سلاح
من قال الحروف لا تحمل سلاحا
الواقع يشق جدل ماركس
وهي طبقة غيمة ضالة
وها هو الخيال يوشوشنا
أأشك في أننا آخر الأفق النباتي
стр. 560
وظني أنني حجارة تلقى في الماء رجمًا لشياطين التراب
غير أنني لا أزال منذ ما قبل الحادي عشر من أيول سنة ألفين وواحدة قبل الميلاد
أتعلم كيف ألون حبري بالرفت
وكيف أضع حيضي من النبوءات في جمعية الهواة
تحملها يمامة عاشقة
أذكر لم تكن القناديل تغار من الكواكب
كان الضوء صديقا لكل شيء
وكانت الألوهة بشرة الكون
ما أحوج شيخوخة كلامي إلى طفولة الأبجدية
إلى ذلك الوقت يجلس الموت باكيا
يمسح دموعه بأجساد الموتى.
وهنا نأتي إلى نهاية الدرس.
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 561
الدرس: ٢٢ الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى .
стр. 562
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى)
جنس الملحمة
الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى:
وسوف نستعرض هذه الصلات من خلال الأجناس الأدبية المختلفة، ونبدأ بجنس الملحمة، والملحمة كما يعرفها كاتب المادة المخصصة لإبك بُئتري في موسوعة الويكيبيديا: هي قصيدة قصصية شديدة الطول تدور عادة حول أعمال بطولية ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات، ويفرق الكاتب بين نوعين من الملاحم؛ النوع القديم كـ"ملحمة الجامش السومرية" و"ملحمة الإلياذة" لهوميروس الإغريقي، والنوع الأحدث أو الثانوي مثل "الإنيادة" لفريجل الروماني و"الفردوس المفقود" لجون ميلتون الإنجليزي، وهذا الأخير هو من إبداع أدباء كبار معروفين، استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك، ووصلت من ثمّ على هذا النحو إلينا.
والسؤال الآن: هل في أدبنا العربي ملاحم كتلك التي يعرفها كثير من الآداب الأخرى؟
فأما في الأدب الفصيح القديم فلا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه إنه ملحمة أو يشبه الملحمة بالمعنى الذي عرفناه هنا، وقد أشاد ابن الأثير من أهل القرنين السادس والسابع الهجريين في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) بما يوجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ"الشهنامة" وما إلى إليها فكان رد صلاح الدين الصفدي من أهل القرن الثامن الهجري في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) هو التذكير بما في أدبنا من منظومات وقصص طويلة.
ومن الواضح أنه ظن المسألة في الطول وحده، وإلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها من إبداع أدبي جميل ورائع- ليست من سبيل الملحمة في
стр. 563
شيء، وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد الفروق بينهما، إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطوّل الشاعر قصائده ويشقق المعاني ويستوفي الكلام فيها مما هو أليق بالنثر، ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة قائلًا: إن الشاعر إذا أراد أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثة مائة أو أكثر من ذلك- فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهم مجيدٌ في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه، وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن شعارهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ"شاهنامه" وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر.
إذًا ففي أدبنا الفصيح القديم، لا وجود لهذا الفن الشعري، ولكن لدينا مع هذا ما يسمى بالسير الشعبية، كسيرة عنترة وسيرة سيف بن ذي يزن والسيرة الهلالية وسيرة ذات الهمة وسيرة حمزة البهلوان وسيرة فيروز شاه وسيرة علي الزيبق وسيرة أحمد الدنف، وهي تقترب جدا من فن الملحمة، فهي قصص وهي شديدة الطول حتى لتتجاوز السيرة عنترة مثلا ثلاثة آلاف صفحة
стр. 564
وخمسين، إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرا بل هي عمل نثري في المقام الأول تكلله الأشعار على ألسنة بعض أبطالها، وفي خلال السرد مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى، ومع هذا لا يصح أن نغفل أنها مصبوبة في قالب السجع الذي يقترب خطوة من الشعر، كذلك لا يوجد لها مؤلّف معين؛ إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية.
ولعلنا لم ننسَ أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها، بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون هوميروس هو صاحب الإلياذة قائلا: إنها عمل شعبي عام اكتمل على مدار الزمان، ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى؛ إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام، وفوق ذلك ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث والأزمنة التاريخية كما هو الحال مثلا في سيرة عنترة؛ حيث نرى عنترة في اليمن وفارس والشام ومصر وحيث تستغرق الأحداث عدة قرون وكما هو الحال في سيرة الظاهر بيبرس حيث يشتبك العصر العباسي والعصر الأيوبي والعصر المملوكي، ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير، فضلا عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فالجن والسحر والمعجزات والكرامات والرؤى والنبوءات الصادقة موجود في تلك السير وقد أشار إليها روجر ألن في كتابه "انتروداكشان تو أرابيك لترشر" بوصفها ملاحم شعبية، وللدكتور عبد الحميد يونس والدكتورة نبيلة إبراهيم والأستاذ فاروق خورشيد وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال.
стр. 565
أما في العصر الحديث، فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها ملاحم؛ لأن فيها بعض السمات التي تصلها على نحوٍ ما بذلك الجنس الأدبي، فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات، كـ"ملحمة الغدير" لبولس سلامة اللبناني الذي لم تمنعه نصرانيته من الإعجاب ببطولة ختن الرسول الكريم -صلوات الله عليه- والعكوف على سيرته وشخصيته يدرسهما ويستوحيهما، حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميّا يصور بطولاته ﵁ وإنجازاته الخارقة.
على حين يكتفي البعض الآخر بعدة مئات من الأبيات كما هو الحال في "ترجمة شيطان" التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى من شكوك في قدرة البشرية على مصارعة عوامل الشر والتغلب عليها ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه بسبب الأهوال وألوان الدمار والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب بجنس الإنسان، وكانت ترجمة سليمان البستاني الشعرية لـ"إلياذة هوميروس" إلى لسان العرب، ونشره إياها في أول القرن العشرين خير دافع لشعرائنا المحدَثين إلى دخول هذا الميدان الذي كان الشعر العربي يخلو منه قبل، وكان الدكتور يعقوب صروف قد شجع البستاني على ترجمة "الإلياذة" أثناء الأخير لمجلة المقتطب بالقاهرة سنة ألف وثمانمائة وسبع وثمانين ميلادية، وكان البستاني من جانبه مشغوفًا بالشعر القصصي هائمًا بأساطيره وخرافاته، وكان ينظم المقطوعات الشعرية فاختمرت الفكرة من يومها في ذهنه، وأخذ يطلع على ترجمة الإلياذة باللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، فضلا عن قيامه بتعلم اليونانية التي كتب بها ذلك العمل، ثم قام بتعريبها شعرًا مع آلاف الهوامش التي يشرح فيها كل ما يحتاج إلى توضيح، وصدرت الترجمة بالقاهرة سنة ١٩٠٤ فأقام له المفكرون والأدباء في مصر حفلة تكريمية بفندق شبرد ذلك العام، ولم يكتفِ البستاني بترجمة "الإلياذة" وشرح ما يحتاج فيها إلى شرح، بل زاد فوضع
следующие страницы →