Полный текст (10 202 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
تعليق ملصقات شعارها: (أنا أحب الصحابة)
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ١٦/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
هناك ملصقات على شكل قلب مكتوب فيها أنا أحب الصحابة ﵃، وأنا ألصقها على سيارتي، وأنكر علي صاحب لي هذا العمل، وقال: إن الرافضة لما يرون هذا سوف يسبونهم، فأنت تعين على سب الصحابة ﵃ واستشهد بالآية "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" الآية، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ وهل فعلي فيه شيء من الخطأ؟. أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وبعد: الذي أراه أن المجاهرة بحب الصحابة ﵃،والترضي عليهم أمر واجب، وعقيدة أصيلة، لدى أهل السنة لا ينبغي كتمانها خوفاً من لعن الصحابة ﵃ من قبل الرافضة أو غيرهم، فالرافضة اتخذوا سب الصحابة ﵃ ولعنهم وتكفيرهم ديناً لا يتركونه إلا أن تدركهم رحمة الله، ولن يمنعهم من مجاهرتهم بعداوة الصحابة ﵃ وبغضهم إعلان أهل السنة حبهم للصحابة ﵃ وترضيهم عليهم أو كتمانهم لهذه القضية، وأما الآية التي استدل بها صاحبك، فهذه في شأن سب آلهة المشركين وليست في مسألتنا هذه، صحيح أن العلماء استنبطوا من الآية قاعدة سد الذرائع، بيد أن إعمال القاعدة في هذه المسألة لن يؤدي إلى غرض صحيح لما بينته لك.
بقي أخيراً: هل يجوز تعليق هذه الاستكرات (الملصقات) بالصورة التي ذكرت؟ أقول: إنني لا أحبذ ذلك، فحب الصحابة ﵃ الحقيقي يكون باعتناق عقيدتهم، واقتفاء آثارهم، والسير على طريقتهم، وهذا خير لك بحول الله وقوته. والله الموفق.
стр. 1052
هل ورد الأمر بالترضي عن الصحابة
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ١٩/١/١٤٢٥هـ
السؤال
من المتعارف عليه بين المسلمين قول: ﵁ بعد ذكر اسم الصحابي، ولكن هذا الأمر لم يأمر به رسول الله ﷺ ، ولم يفعله الصحابة ﵃ ولا التابعين، وهذا بخلاف الصلاة على النبي ﷺ ، وهذا الأمر إنما أدخل على الإسلام عن طريق بعض الناس في قرون لاحقة للقرون المفضلة بناء على رأي شخصي منهم، ولذلك شعروا بأنهم لا يخالفون أي شعيرة من شعائر الإسلام بل ووجدوه متوافقاً مع مبادئه (حتى لو لم يرد في وقت رسول الله ﷺ فهل ما ذكرت صحيح؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فلا شك أن مما تعارف عليه المسلمون هو الترضي على الصحابة - رضوان الله عليهم- بعد ذكر أحدهم والترحم على من سواهم، وهذا وإن كان ظاهره الخبر إلا أن حقيقته والمراد منه الدعاء بمعنى اللهم ارض عنهم.
وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃، ولكنه اجتهاد مستنبط من الآيات القرآنية التي وصفت الصحابة - برضوان الله عليهم-، كقوله -تعالى-: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه" [التوبة: ١٠٠] ، وقال -تعالى-: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" [الفتح: ١٨] ، وغيرها من الآيات.
стр. 1053
وتمييز الصحابة ﵃ عن غيرهم مطلب شرعي لتمييز الله -تعالى- لهم بصحبة نبيه ﷺ ، وقد ميزهم النبي ﷺ بقوله: "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" رواه البخاري (٣٦٧٣) ، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1054
معنى: (أشد الناس بلاء)
المجيب راشد بن فهد آل حفيظ
القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ٢٧/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
سؤالي يتعلق بالحديث الصحيح"أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"..أو كما قال ﷺ ..، وقد لاحظت وجود أناس من أعظم الناس إيمانا ومع هذا لا يبتلون..، وقد يكون الواحد فيهم في رغد من العيش..ولا يذكر في سيرته مثلا أنه ابتلي قط..رغم ما تواتر عنه من صلاح وجهاد وتقوى..
لقد كان أبو بكر..﵁ خير الرجال بعد النبيين..وأرى أن ابتلاء عمر أو عثمان ﵄ كان أشد.. وهناك مثلا كبار المجاهدين..لا يمسهم أذى كبير..بقدر ما يمس الأفراد الصغار..إلخ فكيف نفهم قاعدة"ثم الأمثل فالأمثل"..على الوجه الأمثل؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فالجواب: إن البلاء يشمل الابتلاء بالسراء والضراء، كما يشمل الابتلاء بالحروب والفتن والاضطرابات، وتسلّط الأعداء على المسلمين بأي وسيلة كانت، كما يشمل الابتلاء بتولي المسؤوليات، ولاسيما العظيمة منها، كما يشمل الابتلاء بكثرة الفرق والبدع والضلالات، وكثرة الشهوات والفجور، وانتشار الفساد في الأرض ونحو ذلك، وهذا أولاً.
стр. 1055
ثانياً: إن الصديق-﵁ وأرضاه- هو أفضل الأمة وأعلمها وأشدها بلاءً بعد رسول الله ﷺ ويكفي من ذلك ما حصل له مع الرسول- ﷺ في أول البعثة، ومن ذلك ما حصل لهما في الغار، ومطاردة المشركين لهما، وهو في ظني أعظم مما حصل لعمر وعثمان وعلي ﵃ من البلاء، ومن ذلك أيضاً موقفه العظيم بعد موت النبي ﷺ فقد صبر واحتسب ثم اتخذ القرار الصحيح كما في خطبته الشهيرة، كما اتخذه مرة أخرى في حروبه مع أهل الردة وموقفه العظيم في هذا الشأن الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن موت النبي ﷺ من أعظم الأسباب التي أفتتن بها خلق كثير من الناس، وارتدوا عن الإسلام، فأقام الله -تعالى- الصديق ﵁ حتى ثبت الله به الإيمان، وأعاد به الأمر إلى ما كان..) ا. هـ الفتاوى (٢٥/٣٠٣) وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1056
التشكيك في أحاديث أبي هريرة
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ١/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
شخص يصف أبا هريرة ﵁ بأنه كذاب؛ لأنه روى كثيراً من الأحاديث من نفسه، ولم يعايش النبي ﷺ لفترة طويلة، كما فعل كثير من الصحابة الآخرين ﵃ فكيف أرد عليه؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أبو هريرة ﵁ هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي على المشهور من أقوال المؤرخين، وكنيته أبو هريرة وهو صاحب رسول الله ﷺ وحافظ الصحابة ﵃، قدم على النبي ﷺ عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وهو أحفظ أصحاب النبي ﷺ في عصره، وقد أثيرت بعض الشبهات حول كثرة حديثه مع تأخر هجرته، حيث لم يصحب النبي ﷺ إلا قرابة أربع سنين، ويجاب عن هذا بما يأتي:
стр. 1057
١- أن أبا هريرة ﵁ منذ هاجر إلى المدينة لازم النبي ﷺ ولم يشغله عن حضور مجالسه شيء من مشاغل الدنيا، يقول أبو هريرة ﵁ عن نفسه كما جاء في الصحيحين البخاري ح (١١٨) ، ومسلم ح (٢٤٩٢) : "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... ) إِلَى قَوْلِهِ: (الرَّحِيمُ) إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ"، وقد شهد له الصحابة –﵃ بتلك الملازمة كما جاء عند الْبُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) ، وَأَبُي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ طَرِيق مَالِك بْن أَبِي عَامِر قَالَ: (كُنْت عِنْد طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه, فَقِيلَ لَهُ: مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيّ – يعني أبا هريرة - أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللَّه مِنْكُمْ, أَوْ هُوَ يَقُول عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ؟ قَالَ: فَقَالَ: وَاَللَّه مَا نَشُكّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَع, وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَم , إِنَّا كُنَّا أَقْوَامًا لَنَا بُيُوتَات وَأَهْلُونَ , وَكُنَّا نَأْتِي النَّبِيّ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَار ثُمَّ نَرْجِع, وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة –﵁ مِسْكِينًا لَا مَال لَهُ وَلَا أَهْل, إِنَّمَا كَانَتْ يَده مَعَ يَد النَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ
стр. 1058
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَكَانَ يَدُور مَعَهُ حَيْثُمَا دَار, فَمَا نَشُكّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَع " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَله مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ قَالَ: " كَانَ أَبُو هُرَيْرَة جَالِسًا , فَمَرَّ رَجُل بِطَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة , فَقَالَ طَلْحَة: قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ , وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا " ينظر فتح الباري.
٢- عُرِفَ عن أبي هريرة ﵁ شدة حرصه على حفظ السنة ورغبته الشديدة في تحصيل العلم، وقد شهد له النبي ﷺ بذلك ففي البخاري ح (٩٩) أن أبا هريرة قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ......"
стр. 1059
٣- تميز أبو هريرة بحفظه لما سمعه من النبي ﷺ حيث كان لا ينسى شيئاً سمعه من النبي ﷺ وقد ناله بركة دعاء النبي ﷺ له كما جاء في صحيح البخاري ح (١١٩) حيث قال أبو هريرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ"، ومما يدل على قوة حفظه ﵁ ما ذكر ابن حجر في " الإصابة "، قال: " قال أبو الزعيزعة - كاتب مروان -: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرني أن أنظر، فما غير حرفاً "وقد عَرَفَ هذه الخاصية لأبي هريرة ﵁ الصحابة – ﵃ ومن جاء بعدهم من التابعين، فهذا ابن عمر ﵁ يقول عنه: " إن كان لألزمنا لرسول الله، وأعرفنا بحديثه "، وقال أيضاً وهو يترحم على جنازته: " كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ "، وقال الإمام الشافعي: " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره ".
٤- أدرك أبو هريرة كبار الصحابة –﵃ وأخذ عنهم ما فاته مما لم يسمعه من النبي ﷺ فربما رواها عنهم، وربما قال فيها: قال رسول الله ﷺ ، وهذا ما يعرف بمراسيل الصحابة –﵃، وكان الصحابة –﵃ بعضهم يروي عن بعض لكمال وثوق بعضهم ببعض.
стр. 1060
قال البراء بن عازب ﵁: " ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب".
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: " ... ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه ولكن كان يحدث بعضناً بعضاً ولا يتهم بعضناً بعضناً"، وفي رواية عن قتادة أن أنساً –﵄ حدث بحديث فقال له رجل: أسمعت هذا من رسول الله – ﷺ ؟، قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب والله ما كنا نكذب (أخرج هذين الأثرين الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) .
٥- بقى أبو هريرة ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ ينشر الحديث بين الناس ويبلغه ولم يشغله عن ذلك ولايات ولا تجارة، ولا غير ذلك، وقد تأخرت وفاته، حيث مات سنة سبع، وقيل ثمان وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
стр. 1061
لهذه الأمور وغيرها كان أبو هريرة أكثر الصحابة –﵃ حديثاً، وقد شاركه الصحابة –﵃ في رواية ما رواه من الحديث حيث يوجد أكثر ما رواه عند غيره من الصحابة –﵃، وقد تلقى عن أبي هريرة-﵁ زهاء ثمانمائة نفس كما ذكر البخاري، ومن بين هؤلاء الرواة أئمة أعلام من أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان وأئمة آل البيت مثل: علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن الحنفية، وغيرهما، وهذا العدد الكبير يدل على حرصهم ورغبتهم في سماع الحديث من أبي هريرة –﵃ لما يعلمون من ضبطه وإتقانه وصدقه، ومن المعلوم أن الصحابة –﵃ كلهم عدول كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد بإجماعهم من الأمة، والطعن في عدالتهم وتنقصهم من سمات أهل الزندقة والضلال، قال أبو زرعة الرازي: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول – ﷺ حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة –﵃، وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى "وقال الخطيب: " عدالة الصحابة –﵃ ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، واخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن فمن ذلك قوله –تعالى-: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [آل عمران:١١٠] وقوله: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" [البقرة:١٤٣] ، وقوله: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً"
стр. 1062
[الفتح:١٨] ، وقوله –تعالى-: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" [التوبة:١٠٠] ، وقوله –تعالى-: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" [الواقعة:١٠-١١] وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [الأنفال:٦٤] ، وقوله –تعالى-: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر:٨-٩] في آيات يكثر إيرادها ويطول تعدادها ... وجميع ذلك يقتضى القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله –تعالى- له إلى تعديل أحدٍ من الخلق له، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيؤن من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء " (الكفاية في علم الرواية (ص: ٤٦-٤٨) ، والإصابة في تميز الصحابة –﵃ (١/ ١١)
стр. 1063
وقال ابن الصلاح: " للصحابة ﵃ بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة". هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1064
ادعاء عصمة فاطمة ﵂ -
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ١٢/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت أتحاور مع أحد الشيعة عن العصمة، وسار بنا الموضوع إلى عصمة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ﵂ قال بأن فاطمة ﵂ معصومة وغضبها من غضب رسول الله ﷺ وغضب رسول الله ﷺ هو غضب الله، فهي معصومة، وذكر حديثاً في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: " فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني"، وكذلك حديث في صحيح البخاري أن عليًّا ﵁ خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة ﵂ فأتت رسول الله ﷺ وقالت إنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول أما بعد: أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها والله لا يجمع بين ابنة رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك علي الخطبة، ومن الحديثين قال يدل على عصمتها؛ لأنها غضبت على شيء ليس لها حق أن تغضب له، وأن رسول الله ﷺ كاد أن يغضب لغضبها لو تم هذا الزواج فما الرد على أدلته؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 1065
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٣١١٠) ، ومسلم (٢٤٤٩) ، من حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ ﵍، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا". ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا".
стр. 1066
من المتقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم- هم المعصومون فيما يبلغونه عن الله تبارك تعالى، ولا يُقَرُّون على خطأ في دين الله، ولا عصمة لأحد بعد أنبياء الله ورسله، وفاطمة، ﵂ وأرضاها، كغيرها من الصحابة، ﵃، ليست معصومة، ولم تدَّع العصمة لنفسها، وليس في هذا الحديث ما يدل على عصمتها، بل هو يدل على أن غضبها ﵂ كان بحق؛ لأن النبي ﷺ أقرها على ذلك وغضب لغضبها، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لا يغضب إلا بحق، ولهذا لما كان عبد الله بن عمرو، ﵄، يكتب كل شيء عن النبي ﷺ نهته قريش، وقالت له: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَك عَنْ الْكِتَابِ، ثم ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: "اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ". أخرجه أبو داود (٣٦٤٦) . ولكن قد يُستشكل في هذه القصة بأن ما أراد أن يفعله علي، ﵁، من الزواج على فاطمة، ﵂، حقٌ له؛ لأنه يجوز للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، وللعلماء توجيهات لما جاء في هذه القصة يتضح من خلالها زوال الإشكال، ومن هذه التوجيهات:
стр. 1067
١- أن هذه القصة تُحمل على أن النبي ﷺ حرَّم على علي، ﵁، أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا ". ومعنى ذلك أن الضرة تكون بمنزلة ضرتها، ولا يليق أن تكون ابنة أبي جهل مع فاطمة في درجة واحدة.
стр. 1068
٢- أنه يفهم من سياق القصة أن النبي ﷺ شَرَط على علي، ﵁، ألا يتزوج على فاطمة، ﵂؛ لأن النبي ﷺ ذكَر صهره الآخر وأنه وفَّى بما قال، ويظهر أنه وفَّى بالشرط وهو ألا يتزوج على ابنته، حيث قال ﷺ عنه: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي". قال الحافظ ابن حجر: قوله: "حدثني فصدقني". لعله كان شرط على نفسه ألا يتزوج على زينب، وكذلك علي، ﵁، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الخطبة، أوْ لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة. [فتح الباري (٧/٨٦) ] . وقال الحافظ ابن القيم: إن الرجل إذا شرط لزوجته ألا يتزوج عليها، لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ، ووجه تضمن الحديث لذلك أنه ﷺ أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ويريبها، وأنه يؤذيه ﷺ ويريبه، ومعلوم قطعًا أنه ﷺ إنما زوجه فاطمة، ﵂، على أن لا يؤذيها ولا يريبها، ولا يؤذي أباها ﷺ ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشترطًا في صلب العقد، فإنه من المعلوم بالضروة أنه إنما دخل عليه، وفي ذكره ﷺ صهره الآخر، وثنائه عليه بأنه حدثه فصدقه، ووعده فوفى له تعريض بعلي، ﵁، وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له كما وفى صهره الآخر. [زاد المعاد (٥/ ١١٧- ١١٨) ] .
стр. 1069
٣- أن مراعاة ذلك في حق فاطمة، ﵂، أنها إذ ذاك فاقدة لمن تركن إليه، ومن يؤنسها ويزيل عنها وحشتها من أم أو أخت، لأنها ﵂ كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة؛ فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه بسرها إذا حصلت لها الغيرة. [ينظر: فتح الباري (٧/٨٦) ] . هذا ملخص توجيهات العلماء لهذا الحديث، وهي توجيهات واضحة يندفع بها الإشكال. والحمد لله..
стр. 1070
والنبي ﷺ لم يُقِرَّ فاطمة، ﵂، حين أرسلها أزواج النبي ﷺ يطلبن منها أن تناشد النبي ﷺ العدل في بنت أبي بكر، كما جاء عن عائشة، ﵂، قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ. وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ". فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ". قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، ﵂: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. أخرجه البخاري (٢٥٨١) ، ومسلم (٢٤٤٢) .
стр. 1071
وخفي على فاطمة، ﵂، أن النبي ﷺ قال: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ....". فطالبت أبا بكر، ﵁، بميراثها من النبي ﷺ ففي صحيح البخاري (٤٢٤١) وصحيح مسلم (١٧٥٩) ، من حديث عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵁، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ". وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ، ﵁، أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ، ﵂، مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ.
ففاطمة، ﵂، وهي سيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين، ليست معصومة، ولم تدع العصمة لنفسها، فمن ادعى لها العصمة فقد أساء وغَلاَ وضل عن الطريق المستقيم. نسأل الله ﵎ أن يهدينا للحق، ويرزقنا اتباعه.
стр. 1072
هل معاذ أعلم الصحابة ؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ٠٧/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
ورد في الحديث أن معاذ بن جبل، ﵁ يتقدم على العلماء بدرجة يوم القيامة، فهل يجوز أن نقول إنه كان أعلم الناس بعد النبي ﷺ ، وإنه كان أعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 1073
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٠/٢٩ (٤٠) ، والحاكم في المستدرك ٣/٣٠١ مرسلاً، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ : " مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ إِمَامُ العُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ يومَ القِيَامَةِ". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣١١: رواه الطبراني مرسلاً، وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاري، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرج الترمذي (٣٧٩١) من حديث أبي قلابة عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ". ولكن الحديث روي عن أبي قلابة مرسلاً، من غير ذكر أنس، قال الحافظ ابن رجب: وهو أصح عند كثير من الحفاظ. وأشار الحافظ ابن حجر إلى أن الصواب عند الحفاظ إرسال الحديث، وأن الموصول منه ما اقتصر عليه البخاري (٣٧٤٤) ومسلم (٢٤١٩) ، وهو قوله: " إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الأمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ". [ينظر: فتح الباري لابن رجب (٤/١١٨) ، وفتح الباري لابن حجر (٧/٩٣) ] .
стр. 1074
وعلى تقدير ثبوت الحديث، فلعل المقصود تقديم معاذ على العلماء الذين يفضلهم من الصحابة ومن بعدهم، والله أعلم، قال المناوي، في توجيهه لقوله في الحديث: "وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ": يعني أنه سيصير كذلك بعد انقراض عظماء الصحابة، ﵃، وأكابرهم، وإلا فأبو بكر وعمر وعلي، ﵃ أعلم منه بالحلال والحرام، وأعلم من زيد بن ثابت، ﵁، في الفرائض، ذكره ابن عبد الهادي، قال: ولم يكن زيد على عهد المصطفى ﷺ مشهورًا بالفرائض أكثر من غيره، ولا أعلم أنه تكلم فيها على عهده، ولا عهد الصديق ﵃ ... [فيض القدير (١/٤٦٠) ] . ومن المعلوم أن الخلفاء الراشدين مقدمون في الفضل والعلم على سائر الصحابة، ﵃ جميعًا، فقد أمر النبي ﷺ -باتباع سنتهم. أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢) والترمذي (٢٦٧٦) . ولم يرد هذا في غيرهم من الصحابة، ﵃، وقال ابن تيمية: أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة وأعظم طاعة. [الفتاوى الكبرى (٤/٢٧٠) ] .
стр. 1075
هل نسخ رضا الله عن الصحابة
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ ١٣/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
ما ردكم حول ما يقول الشيعة من أن رضا الله الذي وقع على الصحابة الكرام ﵃ إنما وقع في لحظة البيعة فقط، مستدلين بوجود النسخ, أرجو أن تكون الإجابة بما أمكن من تفصيل. وشكراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
стр. 1076
فهذا القول من الافتراء المحض الذي لا يسنده دليل من نقل أو عقل، ومنشؤه اعتقاد من يقول بهذا كفر صحابة رسول الله ﷺ إلا نفراً يسيراً اختلفوا في عددهم، وزوروا لهذا الاعتقاد الباطل الروايات في ذكر مثالب أصحاب رسول الله ﷺ والقول بأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ ، وصنفوا في ذلك كتباً ضمنوها أدعية في لعن أصحاب رسول الله ﷺ ومن ذلك الكتاب الذي يسمونه: (مفتاح الجنان) ، ومن المعلوم أن من بلغ به الأمر هذا الحد فقد أسرف على نفسه وعرضها للهلاك، وأصل غرض هؤلاء هدم بنيان الإسلام من أساسه، وتمزيق وحدة المسلمين بانتشار الفتنة والفرقة والخلاف، والذي أصل هذا المذهب - شاء أتباعه أم أبوا- هو عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي أراد هدم الإسلام، كما فعل بولص بن يوشع واسمه الأصلي (شاؤول) بدين النصارى من قبل، ولا أدري عن مدى جدوى الجدل مع من وصل به الأمر إلى هذا الحد، ولكن يقال لهؤلاء: - إن كان يجدي معهم النقاش - ما قولكم في الآيات الأخرى الواردة في بيان فضل صحابة رسول الله ﷺ وعلو منزلتهم؛ كقوله -تعالى-: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" [الفتح:٢٩] . وقوله -تعالى-: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ
стр. 1077
بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة:١٠٠] ، وقوله تعالى: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:٨-١٠] . وما ظنهم بمن جعل في قلبه غلاً على هؤلاء ولم يستغفر لهم.
стр. 1078
قال -تعالى-: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً" [الفتح:١٨] ، مما يستدل بها صراحة على فضل الصحابة ﵃ الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار - إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد" رواه مسلم (٢٤٩٦) ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الرضا المذكور في الآية رضا خاص بسبب البيعة، فلهم به فضل خاص، ﵃ وأرضاهم- وجعلنا ممن يحشر في معيتهم، ونصيحتي لك مع هؤلاء هو الاجتهاد إن استطعت في إنقاذهم من خلل العقيدة وفساد التصور حول قضايا الاعتقاد، وأصول الدين فإن صحة الاعتقاد ينبني عليها فيما بعد صحة العمل وقبوله، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1079
قصة استسقاء النبي بعد موته
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/ التوسل وأنواعه
التاريخ ٧/٧/١٤٢٣هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ذكر لي بعض الأشخاص بعد نقاش طويل عن التوسل والاستغاثة وزيارة القبور وغيرها من مجمل حديثه استدل بقصة من كتاب (البداية والنهاية) وهي قصة صحابي أو أعرابي والأرجح من كلامه أنه صحابي، وهي: أن هذا الرجل أتى إلى قبر النبي ﷺ :"في عهد خلافة عمر ﵁ وقال: استسقِ لأمتك فقد هلكوا ثم نام ورأى في المنام أن رسول الله -صلى الله علية وسلم- أتاه وقال له:"أقرئ عمر السلام ... "القصة، هل القصة صحيحة؟ وهل يمكن أنه تم حذفها من الكتاب بعد تنقيحه ومراجعته أو عبث به شخص ما؟ وما الرد عليه في ادعائه؟ وما الكتب التي تنصح بقراءتها للرد على هؤلاء وشبههم؟ وهل صحيح أنه يجوز دعاء أهل القبور إذا اعتقد أن الصمدية لله ولم يصرفها لهم؟ وهل صحيح أنه ينزل الله الخوارق والكرامات على من زاد إيمانه وتعلق واقترن بالله ؟
الجواب
стр. 1080
ساق الحافظ ابن كثير هذه القصة المذكورة في تاريخه (البداية ٧/٩٠) "أن رجلاً أتى قبر النبي ﷺ ... "إلخ، وهذا الرجل -كما هو ظاهر القصة- مجهول العين والحال، فلا يمكن الالتفات إلى تصرف رجل مجهول العين والحال والإعراض عن النصوص الصريحة الصحيحة الآمرة بدعاء الله وحده والناهية عن دعاء غير الله -تعالى-، وسؤال الموتى الدعاء -كما في تلك القصة- إن لم يكن شركاً فهو وسيلة إلى الشرك وذريعة إلى الاستغاثة بالأموات، وإذا كان ابن كثير قد ساقها في تاريخه فلا يعني صحة القصة فضلاً عن مشروعية ذلك الصنيع، فالعبرة بالدليل والبرهان، وننصح الأخ السائل بقراءة كتاب (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) لابن تيمية و (الصارم المنكي) لابن عبد الهادي، و (التوصل إلى حقيقة التوسل) لمحمد بن نسيب الرفاعي، و (التوسل) للألباني.
ولا يجوز دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، فإن الدعاء حق لله -تعالى- وحده لا شريك له، فمن دعا الأموات فقد أشرك بالله كما قال -تعالى-:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" [فاطر: ١٤] .
ومن دعا الأموات فقد قصدهم وتعلَّق بهم، فلا يتصور أن دعاة الموتى قد حققوا الصمدية لله -تعالى-.
وأما الكرامة فتحصل لأهل الإيمان والولاية، وقد لا تحصل لهم، كما أن الكرامة قد تحصل لضعيف الإيمان حتى يقوى إيمانه، والعبرة بلزوم الاستقامة وتحقيقها، والله أعلم.
стр. 1081
شرك المتوسل بالقبور
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/التوسل وأنواعه
التاريخ ٦/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ما أوجه القول بأن التوسل بقبور الأنبياء والصالحين شركٌ؟ أرجو أن يكون الجواب شافياً، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله.
زيارة قبور الأنبياء والصالحين نوعان: زيارة شرعية، وهي زيارة للسلام عليهم والدعاء لهم، وتذكر الآخرة، لكن لا يجوز السفر لذلك، لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" رواه البخاري (١١٨٩) ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
стр. 1082
وأما زيارة قبورهم للدعاء عندها أو الصلاة عندها، فذلك من البدع في الدين، ومن وسائل الشرك، وكذا التوسل بذواتهم مثل أن يقول: نسألك يا الله بنبيك أو بعبدك الصالح، فذلك بدعة في التوسل؛ لأن التوسل المشروع هو التوسل بدعائهم، وهذا لا يكون إلا في حال حياتهم وحضورهم، وأما قصد القبور للطواف حولها والتقرب إلى أصحابها بالصلاة لهم، وكذلك الاستغاثة بهم عند قبورهم أو بعيداً عنهم؛ فكل هذا من الشرك الأكبر؛ لأن ذلك من عبادتهم مع الله، والله - تعالى - يقول: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم ... " [البقرة:٢١] إلى قوله: "فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون" [البقرة:٢٢] ، قال تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً" [النساء:٣٦] ، وقال: "بل الله فاعبد وكن من الشاكرين"، وقال : "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً" [الجن:١٨] ، فيجب التفريق بين ما هو شرك وما هو من وسائل الشرك، والقبوريون من الصوفية وأشباههم يفعلون عند قبور من يعظمون - سواء كانوا أولياء أو يظنونهم أولياء - كل هذه الأفعال، فإنهم يدعونهم ويدعون الله بهم ويتحرون الصلاة والدعاء عند قبورهم ويستغيثون بهم كذلك ويلجؤون إليهم أعظم من التجائهم إلى الله.
والرافضة الذين يسمون أنفسهم الشيعة هم الأصل في هذا الشرك فهم أمكن فيه؛ فإنهم يحجون إلى المشاهد التي بنوها على قبور الأئمة سواءً كانت حقيقية أو وهمية.
فالواجب الحذر من هذا الشرك وما يقرب إليه؛ فإنه انتشر في الأمة الإسلامية في الطائفتين الرافضة والصوفية، وقد بلغ الرسول ﷺ البلاغ المبين؛ فحذَّر من الشرك كله وسد كل الطرق الموصلة إليه وذلك من كمال نصحه ﷺ ، فأقام الله به الحجة وأوضح المحجة، قال الله تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" [التوبة:١٢٨] . وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1083
التبرك بتراب من قبر المصطفى ﷺ
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/التوسل وأنواعه
التاريخ ١٤/٧/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سمعت من إحدى الأخوات أنها كانت في محاضرة دينية، وجاءت إحداهن بتربة من قبر النبي ﷺ ، قيل إنها بطريق الواسطة استطاعت الحصول على هذه التربة، المهم أنهن وضعن هذا التراب في إناء، وكانت تفوح منه رائحة عطر جميلة، فصببن الماء عليه وشربن من هذا الماء، فهل هذا جائز شرعاً؟ وهل هذا من الكرامات التي يختص بها الله أولياءه الصالحين، بأن يناولهم التراب من عند قبر الرسول ﷺ وهو يفوح منه هذه الرائحة الزكية؟ أم أنه مستحيل وجود مثل هذا الشيء؟ وهل يمكن الدخول إلى حجرة النبي ﷺ وأخذ التراب من على قبره؟ وهل هناك تراب على قبره؟ فقد سمعت أن قبره ﷺ مصبوب حوله الرصاص، فلا يستطيع أحد الوصول إليه؟ أفيدونا؛ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 1084
فالذي يظهر من هذه الأعمال المسؤول عنها أنها من خرافات القبوريين، والقبوريون يصرفون الناس بأفاعيلهم هذه عما ثبت بالسنة التبرك به والاستشفاء به ويصرفونهم إلى القبور والموتى، وهذه من أكبر ذرائع الشرك التي جاء الإسلام بسدها، ومما يدل على أنه لا يجوز التبرك بأتربة القبور ولا الاستشفاء بها أن صحابة رسول الله – ﷺ وتابعيهم -وهم أحرص الناس على السنة وأحبهم لرسول الله – ﷺ وأكثرهم تعظيماً له وأعرفهم بأحكام دينهم- لم يرد عن أحد منهم أنه كان يأخذ شيئاً من تراب قبر النبي – ﷺ ويتبرك به أو يستشفي، مع أن القبر كان تراباً وفي غرفة عائشة –﵂ ومن السهولة بمكان الوصول إليه والأخذ من ترابه، نعم يجوز التبرك والاستشفاء بما ثبت من آثار النبي – ﷺ كعرقه ولعابه وشعره بأبي هو وأمي – ﷺ كما فعلت أم سليم وبقية الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- لكن من المقطوع به أنه لم يبق من أثر النبي – ﷺ شيء البتة، وما زعم أنه من أثر النبي – ﷺ كما يقال عن شعره في الهند أو غير ذلك فهو من الكذب واستعطاف عقول الناس لاستدرار أموالهم، أما إمكانية الدخول إلى قبر النبي – ﷺ الآن فهذا أمر لا دخل للواسطة فيه الآن، والظاهر أنه -كما ذكرت السائلة- مصبوب حوله الرصاص لا يستطيع أن يصل إلى تربته أحد –والله أعلم- وقد قال ابن القيم في نونيته عند حديث: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" رواه أحمد (٧٣١١) ، وغيره عن أبي هريرة-﵁ قال:
فأجاب رب العالمين دعاءه*** وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه*** في عزة وحماية وصيان.
стр. 1085
أما الكرامة فهي ثابتة عند أهل السنة، والله على كل شيء قدير، ولكن ليس كل دعي أو مدلس أو مستعين بالشياطين يعد ما يكون على يديه كرامة، فالكرامة لا تقع إلا من مؤمن تقي لا يدعي الكرامة ولا يبحث عنها، وما أكثر الأدعياء في زماننا. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1086
يا رسول الله..يا حبيب الله
المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/التوسل وأنواعه
التاريخ ٦/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
أحد المشايخ قال: (لا أريد حتى أن أفكر في السفر إلى الغرب) ، ثم يختم كلامه وبقول: يا رسول الله يا حبيب الله، وعندما قلت له: إن مثل هذا الكلام لا يجوز، قال: إنه لا يطلب العون من غير الله. فما الحكم في قوله مع الدليل؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
стр. 1087
لا شك أن جملة: يا رسول الله أو يا حبيب الله ﷺ جملة نداء، والنداء إنما يكون حقيقة لمن هو قادر على السماع ليجيب، والنبي ﷺ ميت لا يسمع نداءنا ولا يجيب مناديه، وما قاله هذا الرجل لا يخلو إما أن يريد به الاستغاثة بالنبي ﷺ وهذا من الشرك الأكبر، لأن الدعاء عبادة وهي لا تصرف إلا لله ، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: ٥٦] ، وقال: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" [الإسراء: ٢٣] ، وإما أنه يتوسل بالنبي ﷺ أي يتوسل بجاهه ﷺ أو بحقه أو بذاته، مثل أن يقول الإنسان: يا رسول الله اشفع لي عند ربك، أو أدعُ الله لي بكذا وكذا فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ولا يجوز فعله معه ﷺ ولا مع غيره؛ لأن النبي ﷺ ميت لا يسمع كلامنا، وفي قصة استسقاء عمر ﵁ بعم النبي ﷺ العباس ﵁ خير دليل على ذلك، إذ لو كان ذلك مشروعاً لتوجه عمر ﵁ إلى قبر النبي ﷺ واستشفع به، ولكنه لم يفعل وأخبر أن الناس كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وبعد مماته ﷺ استسقوا بحي يسمع الكلام، وطلبوا منه أن يدعو الله لهم انظر ما رواه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس ﵁.
وقد تكون هذه الكلمة جارية مجرى العادة ويغلب على المرء قولها دون أن يقصد من ورائها شيئاً، وهذا خطأ ينبغي على المرء تركه وتجنبه؛ لما فيه من التشبه بفعل من يخشى عليه من الشرك أو البدعة، والله أعلم.
стр. 1088
(التوسل بالنبي بعد وفاته)
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/التوسل وأنواعه
التاريخ ٩/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
هل صحيح أن الأئمة (أحمد والشافعي ومالك) أجازوا التوسُّل بالنبي ﷺ بعد وفاته؟ أرجو ذكر آراء الأئمة الثلاثة، أنا أعلم أن التوسُّل بالنبي ﷺ بعد موته لا يجوز، لكنني أريد معرفة آراء هؤلاء الأئمة.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
لا نعرف أن أحداً من الأئمة الأربعة أجاز التوسُّل بالنبي ﷺ ، وقد ورد في صحيح البخاري (١٠١٠) أن عمر ﵁ توسَّل بعد موت النبي ﷺ بعمه العباس ﵁ ولو جاز التوسُّل به بعد موته ﷺ لما عدل عن ذلك عمر ﵁ وبمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد، والتوسُّل المذكور توسُّل بدعاء المتوسل به لا بذاته والصحابة ﵃ أعلم الخلق بأمور الدين. والله أعلم.
стр. 1089
عبارة: (اشفع لي يا رسول الله عند الله)
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/التوسل وأنواعه
التاريخ ١٣/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يرجى بيان مدى جواز سؤال المسلم للرسول ﵊ الشفاعة، كأن يقول: (اشفع لي يا رسول الله عند الله) ، وذلك حين استشعاره بأن الرسول ﵊ يعرض عليه أعمال الأمة من قول أو فعل, مع إيمانه بأن الشفاعة تكون بإذن الله؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الرسول ﷺ هو سيد الشفعاء، وهو أول شافع وأول مشفع يوم القيامة، وكان ﵊ يسأله الصحابة ﵃ الدعاء كما قال عكاشة بن محصن -في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب-: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت منهم".صحيح البخاري (٦٥٤١) ، وصحيح مسلم (٢٢٠) .
وكما كان الصحابة-﵃ إذا أجدبوا سألوه أن يستسقي لهم، كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. صحيح البخاري (١٠١٠) . هذا في حياته ﷺ .
فتبين من هذا الأثر الصحيح أن الصحابة ﵃ كانوا يتوسلون بالنبي- ﷺ يعني يسألونه أن يدعو الله لهم في حياته، ولما مات عدلوا عن ذلك، ولم يأت أحد منهم يسأله الدعاء، بل عدلوا إلى التوسل بدعاء العباس-﵁.
وعلم بذلك أن سؤال النبي ﷺ بعد موته الشفاعة في أمر خاص أو عام غير مشروع، بل هو بدعة في الدين، وهو حرام؛ لأنه وسيلة قريبة إلى الشرك، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن النبي ﷺ يدعو لأحد وهو في قبره.
стр. 1090
لكن يوم القيامة يأتي إليه الناس ويسألونه أن يشفع لهم بعد أن يمروا على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فيعتذرون عن التقدم إلى الله بالشفاعة، فيقوم ﷺ فيقول: أنا لها، فيأتي ربه، فإذا رآه خرَّ ساجدًا، فيفتح الله عليه بمحامد، ثم يقال له: ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع ويشفع في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم، وهذا هو المقام المحمود الذي وعده الله به في قوله: "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" [الإسراء: ٧٩] .
ومن يأتِ إلى قبر الرسول ﷺ أو إلى قبر غيره من الصالحين يسأله الشفاعة في شيء من أمر الدنيا أو الآخرة، فهو مبتدع ضال، أو مشرك، وهو متبع غير سبيل المؤمنين.
فسبيل المؤمنين هو ما كان عليه الصحابة ﵃، وكل ما خالف ما كانوا عليه في أمر الدين فهو بدعة وضلال. نسأل الله أن يبصرنا وأن يعصمنا من الضلالة بمنه وكرمه، والله أعلم.
следующие страницы →