أما الأول: فمع أن النصيريين يعدّون ديانتهم ومذهبهم سراً من الأسرار العميقة كما ورد في كتابهم: (الهفت الشريف) : (يا مفضل: لقد أعطيت فضلاً كثيراً، وتعلمت علماً باطناً فعليك بكتمان سر الله ولا تطلع عليه إلا ولياً مخلصاً) ، وقصة سليمان الأذني وهو من أبناء مشايخ النصيريين لما ألَّف كتابه "الباكورة السليمانية"، وكشف فيه الكثير من أسرار العقائد النصيرية فأحرقوه حياً، وقصته مشهورة، أقول ومع ذلك الحرص تسربت بعض العقائد النصيرية إلى الضوء، فاطلع عليها الدارسون والباحثون وقالوا كلمتهم في الطائفة ومعتقداتها.. فمن معتقدات النصيرية (الحلول والاتحاد) ، فيرون أن الألوهية حلت في علي بن أبي طالب ﵁! بل الإله في المذهب النصيري حل في البشرية منذ بدء الخليقة، ففي كتاب: (تعاليم الديانة النصرانية) ، وهو مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم (٦١٨٢) جاء فيه أن هناك سبعة أدوار للظهورات الإلهية اتخذت في كل دور وظهور رسولاً ناطقاً، فالظهور الأول كان في (شيث) وكان (آدم) هو الرسول الناطق، ثم انتقلت الألوهية إلى (سام) ، والنبوة إلى (نوح) وبعدها انتقلت إلى (إسماعيل) ، والنبوة إلى (إبراهيم) ، ثم انتقلت الألوهية إلى (هارون) والنبوة إلى (موسى) ، ثم انتقلت الألوهية إلى (شمعون الصفا) المعروف عند النصارى بـ (بطرس) ، والنبوة إلى (عيسى) ، وظهرت للمرة الأخيرة في (علي بن أبي طالب ﵁) والنبوة في (محمد ﷺ ) ، وقد ذكر هذه العقيدة الإسماعيلي مصطفى غالب في مقدمته لكتاب (الهفت) للجعفي.
وبناءً على ذلك يكون علي إلهًا في الباطن وإماماً في الظاهر، وهذا ما ورد في كتاب (المجموع) صراحة السورة (٨-٩-١٠) ، (يا علي بن أبي طالب أنت إلهنا باطناً وإماماً ظاهراً) ، و (أشهد بأن الصورة المرئية التي ظهرت في البشرية هي الغاية الكلية، وهي الظاهرة بالنورانية، وليس إله سواها، وهي علي بن أبي طالب) .
стр. 1262
ومن معتقدات النصيرية القول بالتناسخ كما في كتابهم (الهفت ص٢١-٢٢ وص ١٢١ وص ١٤٦ وص ١٦٢ وص ١٩٠) ، وبناء على قراءة هذه النصوص من كتابهم الشهير أو كتاب (الباكورة السليمانية) لسليمان أفندي الأذني الذي كان من شيوخهم ثم تنصر، أقول بناء على ذلك يظهر أن القول بالتناسخ من الدعائم الرئيسية والأركان الهامة في المذهب النصيري، وهو عندهم بديل البعث والقيامة والحساب والجزاء، والثواب والعقاب ليس في الجنة أو النار في الآخرة، وإنما هو في هذه الدنيا حسب التراكيب والتقمصات الناسوتية والمسخوية التي تصيب الروح.
وإذا تجاوزنا العقائد إلى العبادات، فالعبادات عندهم لها معنى آخر غير المعنى الظاهر الذي أراده الله –تعالى- منها: جاء في كتابهم (الهفت ص ٦٤) : (قلت: يا مولاي: أما كان أهله من أهل الصلاة؟ قال: ويحك أتدري ما معنى قوله تعالى: "وكان يأمر أهله بالصلاة؟ " قلت: يعني أهله المؤمنين من شيعته الذين يخفون إيمانهم وهي الدرجة العالية والمعرفة، والإقرار والتوحيد، وأنه العلي الأعلى ... أي الإمام علي، فأما معنى قوله تعالى: "وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة": فالصلاة أمير المؤمنين، والزكاة معرفته، أما إقامة الصلاة: فهي معرفتنا وإقامتنا..) ا. هـ.
стр. 1263
هذه بعض معتقدات النصيرية ومقالاتهم، وعندما نعرضها على الوحيين الشريفين، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نجدها تخالف ما جاء في الوحيين جملة وتفصيلاً يعرف ذلك من له إلمام بشريعة الإسلام؛ ولذا كفّر علماء الملة هذه الطائفة لكفرها بالله، وإشراكها بعبوديته وإبطالها لشريعته، واستحلالها لما حرمه الله تحريماً جلياً واضحاً، وتأويلها لأركان الإسلام العظام!. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هؤلاء القوم الموصوفون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والإفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب، ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ولا بملة من الملل السابقة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه بينهم على أمور يقرونها بينهم ويدعون بأنها علم الباطنية ... إلخ..) ﵀ في الفتاوى [ (٣٥/١٤٩) ] .
وممن حكم بكفرهم ابن القيم في (إغاثة اللهفان، ٢/٢٤٧-٢٤٩) ، وابن حزم في (المحلى، ١٣/١٣٩) ، والديلمي في (بيان مذهب الباطنية وبطلانه، ص٧١) ، والغزالي في كتابه (فضائح الباطنية، ص٣٧) .
وإني لأنصح الأخ السائل بالاطلاع على الكتب التي تكلمت عن هذه الطائفة بالتفصيل مثل كتاب (الإسماعيلية) لإحسان إلهي ظهير، و (أصول الإسماعيلية) للدكتور سليمان السلومي، و (طائفة النصيرية) للدكتور سليمان الحلبي وغيرهم. والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1264
يجادله بأقوال معزوة إلى عيسى ﵇ -
المجيب عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
عضوهيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ١٤/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
صديق لي نصراني، يجادلني كثيرًا بقول لعيسى ﵇، في الإنجيل: (أنا نور وأنا الحقيقة ومن يتبعني يدخل الجنة) . هل هذا القول من عيسى ﵇، فيه ادعاء غير مباشر للألوهية؟ وكيف نرد على هذا القول؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
على صديقك النصراني أن يثبت أن هذا قول عيسى فهذا قول محرف؛ ولا يمكن لعيسى ﵇، أن يقول: (أنا نور) . فعيسى ﵇، مخلوق، خلقه الله بكلمة كُن، فليس نورًا، وإنما هو مخلوق من لحم ودم، فمن أين لك بأن هذا قول عيسى ﵇، والإنجيل الموجود محرف، فلا يمكن أن يقول عيسى ﵇،: (أنا نور) . فهو بشر كسائر البشر، والبشر ليسوا نورًا، فالله خلق آدم من تراب، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى بكلمة كن، وخلق سائر الناس من ماء الرجل وماء المرأة، وليس هناك أحد نورًا، ومن قال إنه نور أو إنه جزء من الله، فهذا كفر وردة عن الإسلام، فالنصارى يدّعون أن عيسى ابن الله، أو أنه جزء من الله، أو أنه نور، وهذا كفر وردة، كما أن بعض الناس يدعون أن النبي محمدًا ﷺ نور، وهذا باطل، فهو ﷺ مخلوق من أبويه، وعيسى ﵇، لا يقول الكفر، ولما قال الله له: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. . .) [المائدة: من الآية١١٦] . والله أعلم.
стр. 1265
منهج التعامل عند أهل السنة
المجيب د. محمد بن علي السماحي
أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة القاهرة
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ١٣/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
ما هو الضابط لطعن أهل السنة الذي به يلحق الرجل بالبدعة، لأنني أسمع أن من طعن في فلان فاتهمه على الإسلام، وقولهم علامة المبتدعة الطعن في أهل السنة كما هي مقولات السلف، لأنني أرى خطأ من البعض فينزلها على الدعاة، وعليه عندي هذه الأسئلة؛ ما هو ضابط هذا الطعن؟ وهل ينزل على من طعن في أهل السنة جميعهم أم في أحاد أهل السنة؟ وهل ينظر لموجبات الطعن أنني أرى بعض من أهل السنة يطعن في بعض كما هو مشهور، ورأيت بعض الشباب ينزل هذه المقالات السلفية على المخالف لشيخه أو طائفته. وعليه أريد تفصيلاً لهذا حتى يستنير الشباب. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
بداية فتعريف العلماء لمصطلح (أهل السنة) هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وهم سلف الأمة الذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع في كل مكان وزمان، وظهر مصطلح (أهل السنة) في القرن الثاني لما كثرت الأهواء والفرق، فتميزوا عن غيرهم بهذه التسمية" أ. هـ.
وسأحيلك ـ أخي عبد الرحمن ـ على رسالة الشيخ سفر الحوالي لأهل اليمن، وهي بعنوان (منهج التعامل عند أهل السنة) ؛ ففيها فوائد عديدة، كما أنها تحدد أصول أهل السنة وقواعدهم في التعامل مع إخوانهم من أهل القبلة وهي:
стр. 1266
١- إن سبيل السنة والاتباع؛ كما هو أهدى السبل وأقومها هو كذلك أوسعها وأرحمها، وقد وسع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومسلمي الأعراب، وبين هاتين المرتبتين من مقامات الإيمان مالا يعلمه إلا الله (كما بيَّن تعالى في سورة التوبة) وأهل هذا السبيل السالكون له داخلون دخولاً أولياً في الأمة المصطفاة: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ " [فاطر:٣٢] ... إلخ.
فلا يشقى ظالمهم بالسير مع سابقهم وإن تأخر، بل يحمل بعضهم بعضاً، ويجبر بعضهم كسر بعض، وكلهم صائرون إلى حسن العاقبة؛ منهم من يدخل من أبواب الجنة الثمانية، ومنهم من يلازم باباً واحداً، ومنهم بين ذلك.
ومنهم من يدخلها بالقيام مقام الأنبياء، ومنهم من يدخلها بتهليلة في ساعة صفاء، أو دمعة في جوف الليل، أو درهم وضعه في يد مسكين، أو غصن من الشوك أزاحه عن طريق المسلمين.
٢- وهم متنوعون في مواهبهم ومقاماتهم، متحدون في منهجهم وغاياتهم: منهم المجاهد، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والمفسر والمحدث واللغوي والشاعر، ومنهم العامة المطيعون لله ورسوله ولو لم يحملوا من العلم شيئاً.
فكل من لم يُفسد عليه أهل البدع فطرته فهو منهم على فطرة السنة، كالمولود على فطرة الإسلام الذي لم يهوده أبواه ولم ينصراه أو يمجساه.
стр. 1267
وأهل السنة والاتباع يؤدون حقوق الأمة كما أمر بها الشرع، فإن الشرع في مقام المعاملة مع الله وأداء حقه علق دخول الجنة والفوز باسم (الإيمان) كما في آيٍ كثيرة جداً من كتاب الله، ولكنه في مقام التعامل مع الناس علق حقوق صيانة الدم والمال والعرض باسم (الإسلام) ، فقال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم (٢٥٦٤) وقال: "حق المسلم على المسلم خمس" أخرجه البخاري (١٢٤٠) ، ومسلم (٢١٦٢) ، وقال: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" أخرجه البخاري (١٠) ، ومسلم (٤٢) ، فمن ثبت له اسم الإسلام ثبتت له هذه الحقوق، ولا تسقط إلا بيقين ولمصلحة الدين، بل إن الله تعالى سمى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين تنبيهاً لثبوت حقهما على سائر المسلمين، فقال تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ" [الحجرات:١٠] .
٣- وهم لا يهدرون الأحكام الثابتة والأصول الكلية لأجل الأحكام العارضة والوقائع العينية؛ فمن الأصول الكلية الثابتة بصريح الآيات والأحاديث الصحيحة: (وجوب اجتماع كلمة المسلمين) ومن الأحكام العارضة: (هجر المبتدع أو الفاسق) فما لم تكن المصلحة في ذلك راجحة فلا يصار إليه، وهو مما تتغير فيه الأحوال ويقبل تعدد الاجتهاد.
٤- ومن صلَّى صلاتهم، واستقبل قبلتهم، وأكل ذبيحتهم فهو منهم؛ له ما لهم، وعليه ما عليهم، وحسابه على الله وسريرته إليه، لا تنقيب عن القلوب، ولا شق عن السرائر، ولا إساءة ظن، ولا غلّ على سابق بالإيمان، ولا تفريق للمسلمين بالألقاب والأسماء وإن كانت أشرف الأسماء، مثل (المهاجرين والأنصار) ؛ لأنها إنما تقال على سبيل الثناء والتأليف أو التمييز والتعريف، فما أغنى عن المعتزلة تسميتهم أنفسهم بـ (أهل التوحيد والعدل) ولا أغنى عن الصوفية دعواهم أنهم (أهل الولاية والقرب) وقبلهم قالت اليهود والنصارى: "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ" [المائدة:١٨] .
стр. 1268
٥- وهم يعدون امتحان الناس بالولاء والبراء لطائفة أو معين من المحدثات التي زجر عنها السلف؛ فإن الموالاة والمعاداة تكون على الحقائق لا على الدعاوى والأسماء، وفي جماعتهم الصغرى قدوة لجماعتهم الكبرى؛ فكما أن الواجب هو أن يصلوا كما صلى رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وأن يكون إمامهم من أهل الاتباع؛ دون أن يمنعوا دخول أهل النفاق والمعاصي إلى المسجد وصلاتهم بصلاة أهل السنة، فكذلك يجب أن يكون اجتماعهم العام على السنة بمفهومها الواسع والعميق، ولا يمنع ذلك أن ينضم إليهم في نصرة الإسلام ومعاداة أعدائه من هو متلبس ببدعة أو مقيم على معصية، لكنهم يجتهدون في دعوة هؤلاء إلى الاستقامة مثلما يُعلّم الإمام جماعة المسجد كيف يؤدون الصلاة صحيحة، وهذا خير من أن يستقل أهل المعصية بمسجد وإمام، ويكون بين المسجدين عداوة وخصام.
٦- وهم أقوياء في الحق من غير غلو، ورحماء بالخلق من غير عسف ولا جور، يأمرون بالمعروف بمعروف، وينهون عن المنكر بلا منكر.
стр. 1269
٧- وهم يوفون الكيل والميزان بالقسط ولا يبخسون الناس أشياءهم، ويزنون الأمور بالعدل والحكمة، ويرتكبون أخف الضررين، ويجتنبون أكبر المفسدتين، ويصبرون على أهون الشرين، ويسلكون أقرب الطريقين، ويختارون أيسر الأمرين، يأوي إلى عدلهم المظلوم من كل أمة وطائفة، ويثق في علمهم طالب الحق من كل ملة ونحلة، فالعدل عندهم قيمة مطلقة؛ فإن الله تعالى جعله واجباً على كل أحد لكل أحد في كل حال؛ فهو قيمة مطلقة لا يحدها اختلاف الدين فضلاً عما هو أدنى من ذلك، قال تعالى: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا" [المائدة:٢] ، ومن لم يميز بين وجوب معاداة الكافرين والظالمين ووجوب العدل معهم، ويقيم الواجبين معاً فليس من أهل الفقه في الدين والاتباع لسيد المرسلين الذي أوحى إليه ربه أن يقول: "وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ" [الشورى:١٥] .
٨- ومن حكمتهم في الدعوة: أن يظهروا محاسن الأئمة المتبوعين من أئمة العلم أو السلوك أو الدعوة، ويبينوا أن ما أوتوه من تعظيم وثناء إنما هو بسبب ما لديهم من اتباع للحق وجهاد من أجله، وأن ما نالهم من توفيق في دعوتهم فهو بسبب ما اتبعوا من السنة، ويجعلوا ذلك وسيلة لدعوة أتباعهم والمنتسبين إليهم إلى السنة والاتباع، ونبذ التعصب للمتبوعين، والعمل لنصرة الدين كما نصر أولئك الأئمة، وبذلك يجمعون بين العدل مع المتبوعين والدعوة الحكيمة للتابعين، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلامه عن الأئمة الأربعة وغيرهم كالأشعري، وعدي بن مسافر.
٩- هم أكثر الناس ازدراءً للنفس في ذات الله، وأبعدهم عن ادعاء الكمال، لا يزكون أنفسهم بالشعارات وبالألقاب، ولا يستغنون عن الاتباع بالانتساب، بل يعلمون أن ليس بأمانيهم ولا أماني أهل الكتاب.
стр. 1270
وهم في جهادهم، ودعوتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتغليظهم على أهل البدع وسائر أمورهم يتقدمون ويتأخرون بمقتضى الدليل الشرعي، والمصلحة الدينية، ودافع النصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وليس بدافع الانتقام أو التشفي أو التشهير، يعاقبون أحب صديق لهم، ويعفون عن أعدى عدو لهم إذا اقتضى أمر الله ورسوله- ﷺ ومصلحة الإسلام ذلك.
وهم يفرحون بتوبة التائب، ويقبلون عذر المعتذر، ويدعون بالهداية للعاصي؛ لأنه لا حظ لأنفسهم في شيء من ذلك، بل إنما يريدون وجه الله، ويحرصون على هداية خلق الله، ولا يحبون أن يعثروا على بدعة أو معصية ممن يخالفهم؛ لأن من فرح بذلك فقد أحب أن يُعصى الله، ومن أحب أن يُعصى الله فليس من الله في شيء.
ويسترون عيوب المسلمين، ولا يتتبعون عوراتهم، ولا يذكرون أخطاء أهل العلم إلا لبيان الحق، وعلى سبيل الترجيح لا التجريح، ويلتمسون لهم العذر ما أمكن.
وقد كان بعض السلف يوصون الوعاظ والخطباء ألا يُفصِّلوا ذنوب المسلمين ويشهروا عيوبهم على المنابر؛ حتى لا يشمت بهم أهل الكتاب والمشركون. ويدخل في ذلك التشهير بالجماعات الإسلامية في أوساط أهل الإلحاد والبدع.
وكثير من الناس يحصرون (السني) في المتمحض للسنة؛ الذي لم يقع منه خطأ ولا تأويل ولا جهل، ويقابلهم آخرون يظنون أن (المبتدع) هو من اجتمعت فيه أصول البدع، أو انتسب إلى ما اجتمعت فيه أصول البدع، أو انتسب إلى ما أجمعت الأمة على أنها من فرق الضلال.
والحق أن البدع كسائر الذنوب: منها الكبير والصغير، والصريح والمشتبه، والعصمة من التلبس بها نادرة أو قليلة.
والمخالفة بالتأويل والخطأ والجهل سمة أكثر الخلق، ويجتمع في الواحد المعيَّن والطائفة الحرص الشديد على السنة مع الوقوع الصريح في البدعة، كما يتفق للكثير من أهل البدع إصابة السنة في بعض الأحوال والمقامات؛ وإنما العبرة بالأصول والمنهج في الجملة والعموم، والموفق من وفقه الله.
стр. 1271
وعلى كل أحد اتهام نفسه، والتفتيش عن عيوبه، وتجديد إيمانه، وعلى الكافة التناصح في غير جفاء، وقبول الحق من أي مصدر جاء.
١٠- وهم لا يمنعهم طلب الكمال عن الحكمة في التعامل مع واقع الحال، فيدعون إلى الحق كاملاً غير منقوص، وإلى الاتباع المطلق للرسول ﷺ ، ويقبلون من الناس التدرج في الأخذ بذلك والتفاوت فيه، وسيرته ﷺ ، هي منهاجهم وقدوتهم في هذا وغيره.
١١- ومن ضاق علمه وقصر نظره عن الجمع بين التمسك بأصول السنة وبين التعامل الشرعي مع الأمة ولا سيما المخالفون منها؛ فقد قصَّر في اتباع الرسول ﷺ والاقتداء بسنته، كمن يظن أن المخالفين تسقط كل حقوقهم الشرعية، أو أن العدل معهم ضعف وتهاون، أو أن نصرة الدين لا تكون إلا من أهل الطاعة الثابتة والاتباع الكامل. فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، ولا سيما في حال المعارك؛ قتالية كانت أو عقدية أو سياسية.
ولهذا كان من أصول السنة: (الجهاد مع كل بر وفاجر) وهذا الجهاد يشمل الجهاد الميداني، والجهاد السياسي، والجهاد العلمي والدعوي؛ ما دام المقصود منه النكاية في عدو الدين المستبين الذي لو تسلط لكان ضرره أعظم من تسلُّط من تَنْقُصه شروط العدالة والاستقامة.
стр. 1272
وقد جاهد كثير من علماء السلف مع جيوش الحجاج بن يوسف وكلهم لا يشك في طغيانه وظلمه، كما فرح أهل السنة بما فعل بعض الخلفاء والولاة بالمبتدعة، وإن كانوا في أنفسهم ليسوا على السنة المحضة؛ مثل المتوكل، وخالد بن عبد الله القسري؛ فالعبرة في هذا كله بنصرة الدين وإقامة الشريعة، وأخيرا ـ أخي السائل ـ فإن العلم والعدل هما ضابط الحكم على الناس ـ كما قرره العلماء ـ، وإن اعتمادهما ـ أي شَرطي العلم والعدل في الكلام على الناس عمومًا، وفي الحكم على أقوال المخالفين وأعمالهم خصوصًا.. لا يعني المداهنة مع المبتدعة، ولا الدفاع عن باطلهم، ولا تذويب العقيدة أو إضعاف جانبها أمام الضلالة، أو التقصير نحو إظهارها أو إعلائها على غيرها من الأقوال والآراء المخالفة، لكنه المنهج الحق الذي شرعه الله لأنبيائه وعباده، وارتضاه لهم في كتبه، واتبعه رسوله ﷺ ، وسار عليه سلف الأمة وعلماؤها.. يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بعد تقريره: (ولما كان أَتْبَاعُ الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسنة، مع الكفار وأهل البدع، بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس) ، وفي النهاية أسوق هذا المثل: خرج رجل أعجمي مسلم لا يحسن اللغة العربية جيدًا لقضاء بعض حوائجه، وفي الطريق استرعى انتباهه رجلين عربيين مسلمين كانا يتحادثان، ثم اشتد نقاشهما واحتد إلى درجة السباب والشتائم والبذاءة، فرجع الرجل الأعجمي المسلم إلى أهله وعلى وجهه علامات الضيق والاستغراب فسأله أولاده ماذا جرى فأجابهم بالقصة ثم علق قائلاً:
ما كنت أظن أن اللغة العربية التي نزل بها القرآن العزيز يمكن أن تستخدم في العراك والسباب.
стр. 1273
عقيدة الشوكاني وآخرين
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ٠٨/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
ما عقيدة هؤلاء العلماء: أبو قتيبة الدينوري، الشوكاني، الخلال، اللالكائي، الأمير الصنعاني؟ وما أفضل كتب الفقه وأيسرها؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
هؤلاء العلماء الذين ذكرت هم من أهل السنة والجماعة، ومن المعدودين في أتباع السلف- رحمهم الله تعالى جميعًا- ولهم جميعًا كتب تشهد بذلك، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، إلا أن هناك بعض المآخذ أخذت على العالمين الجليلين الشوكاني والصنعاني- رحمهما الله تعالى.
أما الشوكاني فقد وقع في كتابه (فتح القدير) ، بعض التأويلات في أبواب الصفات، نبَّه عليها د. محمد الخميّس في كتابه (التنبيهات السنية على الهفوات العقدية في بعض الكتب العلمية- الفصل الثاني) ، فراجعه.
стр. 1274
وأما العلامة الصنعاني- ﵀ فإنه تبنّى بعض المسائل التي لا يوافَق عليها- وهي نادرة- بينّها وجلاّها- بعدل وإنصاف- د. عبد الرزاق البدر في مقدمة تحقيقه لكتاب الصنعاني (الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف) ، فيمكنك أن تراجعه، وينبغي أن تعلم أخي السائل أن وجود بعض الأخطاء العلمية في كلام أحد من أهل العلم المعروفين بنصرة الدليل، واتباع منهج السلف- ﵏ لا يجوز أن يكون سببًا في الطعن عليه أو النيل منه، بل الواجب أن يبين الخطأ، وتحفظ له سابقته ومكانته في العلم، والدعاء له جزاء ما قدم ونفع، مع الاعتذار لهم ما أمكن، وذلك بدراسة الوضع الاجتماعي والسياسي، والبيئة العلمية التي نشأ فيها العالم، وغير ذلك من المؤثرات التي تلقي بظلالها على الشخص مهما كان علمه، وقل أن ينفك عنها بشر، فإن ذلك معين على فتح أبواب من العذر لذلك العالم- الذي أخطأ- لم تكن لتقال لولا دراسة تلك الأسباب التي أشرت إليها.
وأما أفضل الكتب في الفقه وأيسرها، فالواقع أن اختيار كتاب معين في أي فن من الفنون، سالم من الملاحظات لا يكاد يوجد، خاصة إذا كانت حالة السائل غير معلومة للمسؤول؛ لأن الكتاب الذي يصلح للمبتدئ غير الكتاب الذي ينصح به المتوسط، والمتقدم في الطلب، لذا أحيل السائل على أقرب شيخ أو طالب علم يعرفه، ويعرف إمكانيته؛ حتى يرشده إلى الكتاب الذي يناسب حاله. والله أعلم.
стр. 1275
نشأة الشيعة
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ٠٥/٠٥/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم
كيف بدأت طائفة الشيعة، وكيف أصبحت صلاتهم تختلف عن صلاتنا؟ وكيف بدأت هذه الفجوة، وكيف تبلورت كفرقة مستقلة؟
الجواب
بدأت الشيعة في الظهور في عهد علي بن أبي طالب ﵁ عندما خرج عليه فرقة الخوارج التي كانت تكفره ﵁ وحاشاه-، وكان بعضهم يفضله على عثمان على خلاف أكثرية الصحابة، وقد تظاهر شخص يهودي بالإسلام اسمه: "عبد الله بن سبأ" وأخذ يتظاهر بنصرة علي ﵁ ويزعم أنه وصي رسول الله ﷺ وقصده إفساد الدين.
ومن ذلك التاريخ والتآمر لم يتوقف، ودسوا أحاديث عن النبي ﷺ تزعم أن علياً ﵁ هو وصي رسول الله ﷺ وأن الصحابة منعوه الوصية، وتعلَّق بهذه الدعوى قوم من الفرس، واستمر الكيد، والسذج من المسلمين يصدقون، إلى أن جاءت الدولة الصفوية في إيران والعراق، فأجبرت الناس على التشيع، وكثرت الأحاديث المكذوبة، واغتر بها من كان في قلبه كره للصحابة الذين أزالوا دولة الفرس والروم، وحرصوا على أن يخالفوا المسلمين في كل شيء، ومن ذلك الصلاة.
стр. 1276
دخول الكنائس
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ٢٢/٠٩/١٤٢٦هـ
السؤال
هل يجوز دخول المسلم معابد النصارى واليهود من كنائس وغيرها؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالصحيح من مذهب الإمام أحمد ﵀ جواز دخول معابد النصارى واليهود والصلاة فيها، وفي مذهب أحمد عدة روايات، فقد جاء في الإنصاف للمرداوي ﵀ ما نصه: "وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما من غير كراهة على الصحيح من المذهب، وعنه تكره مع صور، وظاهر كلام جماعة ويحرم دخولها معها". انتهى.
وفي مجموع الفتاوى لابن تيمية ﵀ (٢٢/١٦٢) أنه سئل عن الصلاة في البيع والكنائس مع وجود الصور، فأجاب ﵀ بقوله: "وأما الصلاة فيها، ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: المنع مطلقاً، وهو قول مالك، والإذن مطلقاً، وهو قول بعض أصحاب أحمد، والثالث، وهو الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره، وهو منصوص عن أحمد وغيره، أنه إن كان فيها صور لم يصل فيها؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ... وكذا قال عمر: "إنا كنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها" انتهى.
قلت: ومما يدل على جواز الدخول لتلك المعابد دون الصلاة فيها إذا كان فيها صور ما جاء في الصحيحين أن أم حبيبة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ... الحديث [صحيح البخاري (٤٢٧) ، وصحيح مسلم (٥٢٨) ] . ووجه الدلالة أن أم حبيبة دخلت الكنيسة ولم ينكر عليها النبي ﷺ فدل ذلك على جواز ذلك، والله أعلم.
стр. 1277
الفرقة الكُلاَّبية
المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ٠٢/١١/١٤٢٦هـ
السؤال
أريد أن توضّحوا لي معتقدات ابن كُلاَّب.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن عبد الله بن سعيد بن كُلاّب من أشهر من اشتغل بعلم الكلام في البصرة في زمانه، وله مناظرات مع المعتزلة في أيام المأمون مشهورة، بين فيها بطلان مذهبهم كما ذكر ذلك ابن النديم في "الفهرست" وغيره، مع أن ابن كُلاّب كتب بعضاً من المؤلفات في العقائد، إلا أن هذه الكتب لا زالت في عداد المفقودات، ويمكن أخذ آرائه ومعتقداته مما كتبه كُتَّاب المقالات والمهتمين بهذا الشأن.
أما في مسائل الأسماء والصفات فمجمل قوله هو: إثباتها، وخصوصاً الصفات الخبرية منها كاليد والعين والوجه وغيرها، وأما الصفات الفعلية كالنزول والمجيء وغيرها مما يتعلق بمشيئة الله وإرادته فقد نفاها ابن كُلاّب بناء على نفي حلول الحوادث، وهو أن من قامت به الحوادث لا يخو منها، ومن قامت به الحوادث فهو حادث بناء على أن الصفات الفعلية حوادث، وقد التزم ابن كُلاّب في هذه الأصل شبهة حلول الحوادث التي قال بها المعتزلة، مع أنه ممن قام في وجه المعتزلة إبطالاً ورداً.
وقول ابن كُلاّب في الأسماء والصفات فيه قصور عن الحق، وهو خلاف ما يعتقده السلف من إثبات الأسماء والصفات كلها، سواء منها الخبرية أو الفعلية كما جاء به الكتاب والسنة من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف إثباتاً يليق بجلال الله وعظمته.
أما ما يعتقده ابن كُلاّب في القرآن الكريم فهو مبني على قوله في الصفات الفعلية،
حيث إن الكلام صفة فعل وهو ينفيها عن الله، ولذلك قال بأزلية الكلام، وأنه معنى
стр. 1278
قائم بالله كالعلم والقدرة، وأنه ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعّض، وأنه معنى واحد، وأن القرآن الذي يتلى هو حكاية عن كلام الله، مع التزام ابن كُلاّب بقوله بأن القرآن غير مخلوق.
وهذا القول من ابن كُلاّب مخالف لقول السلف من أن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة بصوت وحرف مسموع وهو غير مخلوق. أما في موضوع رؤية الله ﵎؛ فقد أثبتها ابن كُلاّب كما أثبتها أهل السنة، وأما في موضوع القضاء والقدر فهو في الجملة يقول فيه بقول أهل السنة، وهو إثبات القدر من الله تعالى.
وقد كان لطريقة ابن كُلاّب في الاعتقاد أثر بارز في المدرسة الأشعرية التي جاءت بعده، وخصوصاً في نفيه لصفات الأفعال بناء على قوله بحلول الحوادث. هذا مجمل وأهم ما يُذكر في معتقد ابن كُلاّب. والله أعلم.
стр. 1279
ما هي الليبرالية ؟
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ ١٩/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
ما هي الليبرالية، وهل هي كفر؟! ولكم جزيل الشكر.
الجواب
اتجاهات الليبرالية عديدة ومتنوعة، تجتمع تحت عنوان (التحرر من الضوابط والمعايير عموما، والدينية على وجه الخصوص) .
١. أنواع الليبرالية:
١.١ فكري,
١.١.١ قناعات فكرية بالمناهج والمذاهب التغريبية وبالمسالك العملية مثل:
* البنيوية.
* التمركز حول الأنثى.
* الحداثة.
* العلمانية (وهي أعم وأشمل وتشكل المعتقدالأصولي لليبرالية)
* العصرانية.
٢ عضوي.
انتماء إلى حركة معينة أو إلى مذهب له أعضاء أو إلى دولة غربية سراً أو علانية.
* حركة مثل:
* الماسونية.
* حركة الاستنارة.
* الفرنكفونية.
* الأندية المشبوهة (روتاري--ليونز--)
* مذهب مثل:
* الماركسية.
* الوجودية.
* دولة والارتباط بها يكون:
* سراً مثل:
* المخابرات.
* قد يظهر الارتباط بواجهة تعاون ثقافي مع السفارات أو البعثات.
* علناً مثل الشخصيات التي تعلن عن ذلك مثل:
* علي آل حمد.
* شاكر النابلسي.
* مأمون فندي.
* عبد الرحمن الراشد.
* أحمد الربعي.
٣ سلوكي.
١.٣.١ وفق القناعات الفكرية.
١.٣.٢ وفق الإنتماء العضوي.
١.٣.٣ تقليد ومحاكاة.
٢. مجالات الليبرالية.
٢.١ الفكر.
٢.١.١ منظومة من الأفكار أو المناهج أو المذاهب تشكل قناعات فعلية توجه أصحابها وتسيطر على نظراتهم ومعاييرهم.
٢.٢ المشاعر.
٢.٢.١ مجموعة من المقاصد والمشاعر والولاءات والعداءات, تظهر من خلال الميول والحب والرغبة والاعتزاز والانتماء.
٢.٣ الأعمال والممارسات.
٢.٣.١ مسيرة مسلكية علمية يسير صاحبها وفق القناعات الفكرية والميولات القلبية أو بسبب التقليد والمحاكاة.
المعالم الرئيسية لما يريد أصحاب الليبرالية تثبيته:
١. الغرب مصدر وأصل.
стр. 1280
١.١ تسويق المبادئ والأفكار الغربية.
١.٢ تحسين كل ما يأتي من عنده.
١.٣ الدفاع عن مواقفه في القضايا المختلفة-تبرير المنطلقات والمقاصد.
١.٤ تشجيع الدول والأفراد للحاق بالغرب.
١.٥ الحضارة الغربية الليبرالية سائرة نحو تعميم نفسها على مختلف مناطق العالم.
٢. المجتمع.
٢.١ بث المذاهب الفكرية.
٢.٢ لا يوجد شيء اسمه غزو فكري.
٢.٣ كسر جوزة المسكوت عنه وتحليل مابداخلها.
٣. السياسة.
٣.١ المصلحة هي الأساس-البراجماتية-.
٣.٢ الدولة المدنية هي البعيدة عن أي تأثير ديني.
٣.٣ عدم الحرج من الاستعانة بالقوى الخارجية لدحر الدكتاتورية العاتية واستئصال جرثومة الاستبداد وتطبيق الديموقراطية الغربية، في ظل عجز النخب الداخلية والأحزاب الهشة..وهذه ليست سوابق تاريخية، فقد استعانت أوروبا بأمريكا لدحر النازية والفاشية.. وقامت أمريكا بتحرير أوروبا كما قامت بتحرير الكويت والعراق.
٣.٤ لا حرج في أن يأتي الإصلاح من الخارج..سواء أتى على ظهر جمل عربي أو على دبابة بريطانية أو بارجة أمريكية أوغواصة فرنسية.
٣.٥ لا حل للصراع العربي مع الآخرين في فلسطين وغيرها إلا بالحوار والمفاوضات والحل السلمي.
٣.٦ الإيمان بالتطبيع السياسي والثقافي مع الأعداء.
٣.٧ الاعتراف بالواقعية السياسية مثل:
٣.٧.١ اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٩.
٣.٧.٢ اتفاقية أوسلو١٩٩٢.
٣.٧.٣ اتفاقية وادي عربة ١٩٩٤.
٣.٧.٤ يجب أن تصبح اتفاقات شعبية.
٤. الدين.
٤.١ التدين تحجر وقسوة وظلام وتكفير.
٤.٢ الدين علاقة بين الفرد وربه لا غير.
٥. المرأة.
٥.١ مساواة المرأة مع الرجل مساواة تامة في الحقوق والواجبات والإرث والشهادة وتبني مجلة الأحوال الشخصية التونسية ١٩٥٧ وهي نموذج أمثل لتحرير المرأة كتاب الليبراليون الجدد، النابلسي-ص٢٥.
٦. مفاهيم.
٦.١ حتمية الليبرالية والديموقراطية لأنها حركة تاريخية شاملة جارفة كاسحة.
стр. 1281
٦.٢ الليبرالية الجديدة مع: القيم الإنسانية الكونية ومع التعددية الفكرية والعقائدية، ومع حرية الضمير، ومع التفاعل الحضاري والإنساني.
٦.٣ مبادئ الليبرالية الجديدة: حرية الفكر المطلقة-حرية التدين المطلقة-التعددية السياسية-المطالبة بإصلاح الدين-فصل الدين عن الدولة-إخضاع المقدس والتراث للنقد العلمي- تطبيق الاستحقاقات الديموقراطية.
٦.٤ من مطالب الليبراليين الجدد:
٦.٤.١ المطالبة بإصلاح التعليم العربي الظلامي (الديني) .
٦.٤.٢ إخضاع المقدسات والقيم الأخلاقية والتشريعات للنقد العلمي باستخدام الجينالوجيا القائمة على (من؟ ولماذا؟) .
٦.٤.٣ يجب عدم الاستعانة مطلقاً بالمواقف الدينية التي جاءت في الكتاب المقدس (القرآن) تجاه الآخرين قبل ١٥ قرناً.
٦.٤.٤ الأحكام الشرعية وضعت لزمانها ومكانها، وليست عابرة للتاريخ.
٦.٥ تبني الحداثة الغربية تبنياً كاملاً، باعتبارها تقود للحرية.
٦.٦ الوقوف إلى جانب العولمة وتأييدها باعتبارها أحد الطرق الموصلة إلى الحداثة الاقتصادية والسياسية والثقافية.
٧. المرجعية.
٧.١ تقديس العقل والتشكيك في الغيب.
٧.٢ تثبيت فكرة المرجعية الإنسانية ومركزية العقل الإنساني.
٧.٣ تثبيت أن الطبيعة كل مادي ثابت له غرض وهدف وهي مستودع القوانين المعرفية والأخلاقية والجمالية ومنها يستمد الإنسان معياريته.
٧.٤:نظرية المعرفة تقوم على العقل والحس فقط.
٧.٥ الإله: معزول وبعيد (مقدس بشكل إقصائي) , وسواء أكان موجوداً أو غير موجود فهذا أمر هامشي لا علاقة له بمناشط الإنسان العملية والاجتماعية.
المعالم الرئيسية لما يريد أصحاب الليبرالية نفيه وإزالته:
١. فيما يتعلق بالغرب.
١.١- عدم الالتفات لعيوب الغرب وممارساته الاستبدادية الظالمة.
٢. المجتمع.
٢.١ جحد الدور الحضاري للأمة.
٢.٢ الاستخفاف باللغة العربية.
٣. السياسة.
٣.١ محاربة الحكم الإسلامي باسم محاربة الإسلام السياسي.
٤. الدين.
стр. 1282
٤.١ إسقاط التاريخ الإسلامي وتشويهه.
٤.٢ تدنيس المقدسات.
٤.٣ الإعراض والتشكيك في كون الوحي مصدراً للمعرفة.
٤.٤ الزعم أن علماء الإسلام والوعاظ كما يسمونهم منغلقون عن العلم الحديث.
٤.٥ التيار الإسلامي ومشجعوه تيار غوغائي ديماغوجي.
٤.٦ التيار الإسلامي ضد القيم الإنسانية وضد التعددية الفكرية والعقائدية وضد حرية الضمير وضد التفاعل الحضاري والإنساني.
٤.٧ التعليم الديني ظلامي.
٤.٨ الأحكام الشرعية محصورة بزمانها.
٤.٩ الفكر الديني الذي جاء به علماء الدين وفقهاؤه ورجاله هو حجر عثرة.
٤.١٠ أعداء العقل ابن تيمية والسيوطي وابن القيم.
٤.١١ استبدلوا العلوم المعاصرة بالطب النبوي، حتى أصبح النبي أحذق من أبي الطب أبو قراط.
٥. المرأة.
٥.١ الاعتداء على حصانة المرأة باسم الحرية والتحرر.
٦. مفاهيم.
٦.١ محاربة نظرية المؤامرة.
٦.٢ لا يمكن إنتاج الحاضر بتاريخ الماضي.
٦.٣ الاتجاه للماضي للاستعانة به لبناء الحاضر هو أسوأ الخيارات.
٦.٤ على العرب التخلي عن المثل الأعلى الموهوم.
٦.٥ تحرير النفس العربية من ماضيها ومن حكم الأسلاف الذين مازالوا يحكموننا من قبورهم.
٧. المرجعية لا وجود لعلم مطلق.. ولا مرجعية للمقدس إلا ما يتوافق مع العقل.
هذه جملة من المفاهيم والمعتقدات الليبرالية والمتفحص لها يجد أنها لا تخالف الإسلام فقط بل تقف ضده بشراسة وتعتبره وأهله والداعين إليه والمدافعين عنه عناصر ظلم وظلام وتخلف ورجعية، وتصور هذا كاف في معرفة حكم الليبرالية، ألم يستحق أبليس وصف الكفر ونار الخلد برده على الله أمرا واحدا فكيف بمن يرد جملة ضخمة من أحكام الدين بل من نصوص القرآن العظيم؟
стр. 1283
تكفير المعين المستهزئ بالدين
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/ التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
من المعلوم أن الاستهزاء بالدين أحد نواقض الإسلام، وكفر مخرج من الملة، ولكن هل يقال بأن هذا المستهزئ -بعد إقامة الحجة عليه وإصراره على ذلك- كافر؟ أي هل يكفر بعينه؟ أفيدونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله، من استهزأ بشيء مما جاء به الرسول ﷺ من القرآن ومن السنة الصحيحة أو شرائع الإسلام، كالصلاة والصيام والحج فإنه يكفر بذلك بعينه، ومثل هذا لا يجهل تحريمه وقبحه من كان عائشاً بين المسلمين، فإن الله تعالى قال في المنافقين الذين سخروا من النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فأنزل الله فيهم:"قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"
[التوبة: ٦٥-٦٦] ، فحكم عليهم بالكفر بأعيانهم، فمن استهزأ بالله أو بالرسول ﷺ أو بالقرآن أو بشرائع الإسلام عالماً عامداً مختاراً فإنه كافر بعينه، فنقول هو كافر، يعني أنه يصير مرتداً عن الإسلام، تجب استتابته، فإن تاب وإلا قتل؛ لقوله ﷺ :"من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس ﵄ نعوذ بالله من زيغ القلوب، والله أعلم.
стр. 1284
حكم من يقع في الشركيات عن جهل
المجيب د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ٣٠/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو موقف الإسلام ممن يمارسون أعمال شركية كبرى بسبب الجهل؟ هل يخرجون بذلك من ملة الإسلام؟ أرجو تقديم جواب مفصل بأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃ والعلماء.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فإن توحيد الله تعالى هو مفتاح دعوة الرسل جميعا- على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- ولذلك يجب الاهتمام بالتوحيد والحذر من الوقوع في أي لون من ألوان الشرك أو الكفر، كما يجب على المسلم أن يتثبت ولا يسارع إلى الحكم على مؤمن بالكفر أو الشرك إلا بعد تحقق شروط التكفير وانتفاء الموانع التي قد تمنع الحكم على معين بالكفر، إذ قد يقوم الكفر بشخص ولا نحكم عليه بذلك، فنقول: هذا القول أو هذا العمل كفر أو شرك، ولكن الحكم على القائل أو الفاعل بالكفر لا يكون إلا إذا توفرت شروطه - كما تقدم -.
والذي يمارس أعمالاً شركية كبرى بسبب الجهل؛ لأنه يعيش في بلاد غير المسلمين أو في بلاد يغلب عليها الجهل بالدين ولا يوجد فيها من يعلم الناس أمور دينهم ويقيم عليهم الحجة، ولم يبلغه ما يدل على كون هذه الأعمال شركاً؛ فإنه يكون في هذه الحال معذورًا، لقوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" [الإسراء:١٥] .
стр. 1285
وقد أخبر النبي ﷺ : "أن رجلا لم يعمل خيرا قط قال لأهله: إذا مات أن يحرّقوه ثم يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر. فوالله لئن قدر الله عليه ليعذِّبنَّه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات أمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خشيتك يا ربِّ وأنت أعلم فغفر له" رواه البخاري (٧٥٠٦) ومسلم (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁. فهذا كان جاهلا، كما أن بعض المسائل قد تكون مسائل دقيقة خفية، فلهذا ينبغي عدم الإسراع في التكفير والحكم على الشخص بالشرك إلا بعد إقامة الحجة والبيان؛ فإن أصرَّ بعد ذلك وعاند فهو مشرك مرتد إن كانت الأعمال من الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر المخرج من الملة. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
стр. 1286
الكفر الظاهر والخفي
المجيب د. عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
عضو الإفتاء سابقاً
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ٠٣/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
هل يحكم بالكفر على من لم نتمكن من إقامة الحجة عليه؛ لمنعته أو لبعده، وهل نحكم عليه بالنار.
الجواب
الأخ السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
стр. 1287
لا شك أن الإسلام في هذه الأزمنة قد انتشر وظهر، وأمكن كل إنسان عاقل أن يبحث ويعرف ما يجب عليه، حتى يعلم الإسلام الصحيح والكفر الصريح، ولكن الكثير من أهل الكفر والبدع قد اقتصروا على أديانهم، وأقنعهم أكابرهم بصحة ما هم عليه، فأضلوهم عن سواء السبيل، وأوقعوهم في الكفر الصريح، وظنوا أنهم على حق وصواب، حيث اتبعوا رؤساءهم، وهم الذين يقولون: "ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا" [الأحزاب:٦٧] وقال تعالى: "يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين" [سبأ: ٣١] ، وفي يوم القيامة يتحمل الرؤساء مثل آثام الأتباع، لقوله تعالى: " وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم" [العنكبوت: ١٣] ، وقال تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" [النحل: ٢٥] ، ومن وقع في الكفر الظاهر كالشرك والتكذيب بالرسل والتكذيب بالبعث فإنه يعتبر كافراً لأنه أعرض عن القرآن والسنة وصد عن سبيل الله، وأطاع رؤساءه وأكابر قومه، فالحجة قائمة عليه، والحكم أنه يرفع اسم الإسلام عنه، وأمره إلى الله، فلا يدعى له ولا يستغفر له، ويكون في يوم القيامة مع رؤسائه، ويتبرأ كل منهم من الآخر، كما قال تعالى: "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب" [البقرة: ١٦٦] ، ومع ذلك يحرص أهل السنة على إقامة الحجة على الأتباع والمتبوعين، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن لم تبلغه الحجة ولم يتمكن من معرفة الحق والدين، فحكمه حكم أهل الفترات، الذين يختبرون في الآخرة، والله أعلم بما كانوا عاملين.
стр. 1288
المسائل التي يُعذر فيها بالجهل ؟
المجيب أ. د. عبد الله بن محمد الطيار
أستاذ جامعي في جامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ١١/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يعذر الإنسان بجهله أو لا؟ وهل يعذر في ما علم من الدين بالضرورة؟ وما حدود الضرورة التي يجب على الإنسان أن يعرفها من الدين؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالعذر بالجهل مسألة من المسائل التي خاض فيها كثير من الناس ما بين غال وجاف، فهناك من يجعل الجهل عذراً بإطلاق، وهناك من يمنعه بإطلاق، والحق وسط بينهما، وفي هذه الكلمات سنبين -إن شاء الله- تبسيطاً لهذه المسألة، فأقول وبالله التوفيق:
المقصود بالجهل: خلو النفس من العلم، أو عدم العلم بما من شأنه العلم به، والجهل ابتداء أمر أصلي ينبغي رفعه -حسب الاستطاعة- قال تعالى: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا" [النحل:٧٨] ، وروى مسلم (١٥٧٩) من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال النبي ﷺ : "هل علمت أن الله قد حرمها؟ ". قال: "لا".
ففي هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم، قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" [الإسراء:١٥] . ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم.
والقاعدة الشرعية دلت على: أن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله صلوات الله وسلامه عليهم إلى خلقه برسالاته وأوجب عليهم كافة أن يعلموها، ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل واجبان، ولا خلاف في أن المرء لو أسلم ولم يعلم شرائع الإسلام فاعتقد أن ليس على الإنسان صلاة، أو أن الخمر حلال، وهو لم يبلغه حكم الله، لم يكن كافراً بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ فهو بإجماع الأمة كافر.
стр. 1289
قال ابن تيمية –﵀: "من الناس من يكون جاهلاً ببعض هذه الأحكام جهلاً يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة إبلاغ الرسالة، كما قال تعالى: "لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:١٦٥] . ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أولم يعلم أن الخمر حرام، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا، وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية".
ويقول ﵀ في مقام آخر: "إن تكفير المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئاً من الدين يكفر".
ولعل من أظهر الأدلة في اعتبار الجهل عذراً ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل لم يعمل خيراً قط لأهله -وفي رواية: أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه- إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له" صحيح البخاري (٧٥٠٦) ، وصحيح مسلم (٢٧٥٦) .
قال ابن تيمية ﵁ تعليقاً على هذا الحديث: "فإن هذا الرجل جهل قدرة الله على إعادته، ورجا أن لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة، ومع هذا لما كان مؤمناً بالله وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، خائفاً من عذابه، وكان جهله بذلك جهلاً لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله، غفر الله له".
стр. 1290
ومما تجدر الإشارة إليه أننا الآن في زمان قد تهيأت فيه الأسباب لتبليغ ونشر دعوة النبي ﷺ في البلدان عن طريق الوسائل المختلفة التي جعلت سائر أقطار العالم كالبلد الواحد، إلا أن العذر بالجهل لا يزال ظاهراً في عصرنا، حيث قلَّ أهل العلم العاملون، وكثر الأدعياء الذين يزينون الكفر والباطل للعامة ويلبسون عليهم، وقد أشار ابن تيمية ﵁ إلى أهل زمانه وما كان عليه الكثير من الوقوع في أنواع الكفر، ومع ذلك عذرهم بهذا الجهل قائلاً: "وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم يقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صياماً، ولا حجاً، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله. فقيل لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار". أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (٧٨) .
وعندما نقرر أن للعذر بالجهل اعتباراً في مسألة التكفير، فلا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادعاه؛ لذا يقول الإمام الشافعي ﵀: "إن من العلم ما لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوا، وزكاة في أموالهم، وأنه حرَّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معناه".
стр. 1291
ومن المهم أن يعلم أن العذر بالجهل تكتنفه وتتعلق به أمور منها: نوعية المسألة المجهولة، كأن تكون من المسائل الخفية، وكذلك حال الجاهل كحديث عهد بإسلام، أو الناشئ في البادية، ومن حيث حال البيئة، ففرق بين وجود مظنة العلم وعدمه.
أما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة".
وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة: "يختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل في المسائل الدينية أو لا يعذر باختلاف البلاغ وعدمه وباختلاف المسألة نفسها وضوحاً وخفاءً، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفاً، ومن عاش في بلاد يسمع فيها الدعوة إلى الإسلام وغيره، ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية وأصرَّ على الكفر، أما من عاش في بلاد غير إسلامية ولم يسمع عن النبي ﷺ ولا عن القرآن الكريم والإسلام فهذا على تقدير وجوده حكمه حكم أهل الفترة يجب على علماء المسلمين أن يبلغوه شريعة الإسلام أصولاً وفروعاً إقامة للحجة وإعذارا إليه، ويوم القيامة يعامل معاملة من لم يكلف في الدنيا لجنونه أو بَلَهه أو صغره وعدم تكليفه، وأما ما يخفى من أحكام الشريعة من جهة الدلالة، أو لتقابل الأدلة وتجاذبها فلا يقال لمن خالف فيه آمن وكفر، ولكن يقال: أصاب وأخطأ".
وفقنا الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1292
هل التكفير واجب ؟!
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ٠٤/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يجب على كل مسلم أن يكفِّر من يستحق الكفر؟ وهل لابد من إطلاق لفظ الكفر على الكافر، أم نكتفي بالقول: لا نعلم؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالحكم بالتكفير من الأحكام الشرعية، وله حدود وضوابط وشروط وموانع، ونفي التكفير مطلقا لا يستقيم في عقل ولا نقل؛ فلا دين بلا حدود، بل حتى الدساتير الوضعية لها حدود وضوابط، فالحكم بالخيانة العظمى في الدول وما يترتب على ذلك من قتل أو سجن هو نوع من التكفير.
وأما إطلاق وصف الكفر على المسلمين فهو نوع من العدوان والظلم، أما من توفرت فيه شروط الكفر وانتفت موانعه، وكان هناك مصلحة شرعية في إطلاق وصف الكفر عليه فيجوز.
أما الملل الكافرة -كاليهود والنصارى والوثنيين- فلا بد من اعتقاد كفرهم من غير شك في ذلك، ولا تردد فيه؛ لأن الله قد فصل في الأمر وحكم بأنه لا يرضى سوى الإسلام دينا، وأن من اعتقد غير عقيدة الإسلام فهو ضال كافر، ولا يصح أن نقول عن الكافر الصريح الكفر: (لا نعلم حاله) كما ورد في السؤال، ولكن مع ذلك لا يلزم أن يخاطبوا بلفظ الكفر، ولا يجب أن يوصفوا بوصفه إذا لم يكن هناك داع شرعي أو مصلحي لذلك، ولذلك خاطب النبي ﷺ ملك الروم بقوله: "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم". صحيح البخاري (٤٥٥٣) ، وصحيح مسلم (١٧٧٣) ، ولم يقل له إلى الكافر ملك الروم.
стр. 1293
شبهة في التكفير !
المجيب د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ ٠١/٠٦/١٤٢٧هـ
السؤال
لدي صديق عليه علامات الصلاح، ونحسبه ونحن على خير، ولكن لديه شبهة في مسائل التكفير.
وهي أنه كل من عمل من أعمال الكفر، ولو كان جاهلا بذلك، نحكم عليه بالكفر قياسًا على أن كل من سرق، يقال له: إنه سارق. وكل من زنى، يقال له: إنه زانٍ. دون أن يلتفت إلى اعتقاده، أو إلى قلبه، هل هو جاهل بالحكم أم لا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتكفير من الكفر؛ الذي هو ضد الإيمان، وهو حكم شرعي، يراد به: بيان حالة الخروج من ملة الإسلام.
وكونه حكما شرعيا: فإنه لا يثبت على مسلم إلا بدليل يقيني، ولا ينتفي عن كافر إلا بدليل يقيني.
فالمسلمون لا يثبت في حق أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو ما أخبر عنه الشارع أنه كفر، في خبر ثابت، من القرآن أو السنة الصحيحة، قطعي الدلالة. لا يحصل بغير الثابت، ولا بظني الدلالة.
والكافرون لا ينتفي عن أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو: نطقه بالشهادتين.
كفر الفعل، وكفر الفاعل.
وفي أية عملية ثلاث مراتب، هي:
١- صورة الفعل نفسه، مجردة ذهنية.
٢- إيقاع الفعل بواسطة فاعل.
٣- الفاعل الموقع للفعل.
ففي الأولين: يلحق الوصف بالفعل بمجردهما؛ أي بصورة الفعل، وبإيقاعه.
أما في الثالث: فلا يلحق الوصف بالفاعل إلا بشرط، هو: إقامة الحجة. مثال على ذلك:
أخذ المال من حرز لأحد الناس يسمى: سرقة. وفي هذه العملية المراتب نفسها:
صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض الذهني. وهذه تسمى: سرقة.
إيقاع الفعل نفسه، إذا قام بها أحد الناس. وهذا أيضا يسمى: سرقة.
стр. 1294
الفاعل الموقع للسرقة، فأما هذا فلا يوصف بالسارق إلا بالشرط؛ فإنه يحتمل أنه لا يدري بأنه سارق، كأن يأخذ المال يظنه ماله. ويحتمل أنه أكره على السرقة بقتل، أو اضطر لجوع.
ومثال آخر: الزنا. فالإيلاج في فرج محرم هو: الزنا. وفيه المراتب الماضية:
صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض والتصور الذهني. وهذه تسمى: زنا.
إيقاع الفعل نفسه، إذا تحقق عينا، حينما يقوم به أحد الناس. ويسمى كذلك: زنا.
الفاعل الموقع للزنا، فلا يوصف بالزاني إلا بالشرط؛ فيحتمل أنه أولج في فرج يظنه حلالا له، لظلام أو نوم ونحوه. ويحتمل أنه أكره على فعله.
كذلك السياف الذي يقطع الرقاب بالسيف. فالقتل هو: إزهاق الروح. وهذا قد فعل الإزهاق.
فصورة الفعل نفسه في الذهن، هي: قتل.
وإيقاع الفعل يسمى: قتلا.
لكنه ليس بقاتل قطعا.
والدليل على عدم ثبوت الوصف في حق الفاعل إلا بالشرط: أن هؤلاء المعذورين لا يؤاخذون، ويسقط عنهم الحد، ولو كان الوصف لازما لكل فاعل، ثابتا عليهم في كل حال: لوجب الحد عليهم.
ولا يقال هنا: نثبت الوصف في حق الفاعل، دون الحكم.
فهذا كلام لا معنى له، إلا الإصرار على تجريم الفاعل، ولو بالاسم والصفة، دون مراعاة عذره، وهو ينافي رحمة الشريعة، وأن الأصل فيها عدم المؤاخذة إلا بعد التقدم بالإعذار، قال تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" [الإسراء:١٥] .
وبالنظر إلى ما سبق: فإن الكفر من الأحكام التي تأخذ التفصيل الآنف، فمثلا: الحكم بغير ما أنزل الله. فترك الحكم بما أنزل الله تعالى كليا، والحكم بما وضعه القانونيون: كفر. ثبت بذلك النص القطعي، في قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" [المائدة:٤٤] . وفي هذا الفعل المراتب الآنفة:
صورة الفعل نفسه: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. في حال الافتراض الذهني، وتسمى: كفرا.
إيقاع الفعل نفسه، بقيام أحد الناس بالحكم بغير ما أنزل مطلقا، ويسمى: كفرا.
стр. 1295
الفاعل للفعل، وهو الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى، فلا يسمى كافرا، إلا بالشرط.
فإطلاق الوصف بالكفر على العمل، لا يشترط فيه سوى الإتيان به فحسب، أما إطلاقه على الفاعل له، فيشترط فيه – زيادة على مجرد الإتيان – قصده، وخلوه من الأعذار، وهو لا يعرف إلا بقيام الحجة؛ وذلك بثبوت الشروط (=العقل، والبلوغ، والعلم، والعمد..) ، وانتفاء الموانع (=الجهل، الجنون، النسيان، التأول، الإكراه..) .
والتعليل: أنه ليس كل من فعل الكفر فقد أراده وأحبه. بل قد يفعله مكرها، أو جاهلا، أو متأولا. وهذه أعذار واردة في كل فاعل للكفر، يستوي فيها الحاكم والمحكوم، فتجب مراعاتها، منعا للظلم، ومؤاخذة الناس بما لا يعتقدونه، ولا يقصدونه. ولو كان كل فاعل للكفر كافرا، من غير شرط:
لكفر عمار بن ياسر ﵁؛ إذ قال كلمة الكفر مكرها!!.
ولكفر الذي قال في حال فرحه، إذ وجد ناقته: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك) (١) . سبق لسان منه.
لكن الدليل أفاد أنهما لم يكفرا، بقوله ﷺ لعمار: "إن عادوا فعد" (٢) ، وقوله عن الآخر: "أخطأ من شدة الفرح". وسوق القصة مساق المدح. فثبت بذلك التفريق بين الفعل والفاعل.
مهمة عسيرة.
ومع كل ذلك: فإثبات الكفر على الواقع في عمل كفر، ليس من السهولة بمكان، فإنه يحتاج إلى خطوات لازمة، واجبة:
أولاً: إثبات أن هذا العمل كفر، بنص ثابت، دلالته على المطلوب قطعية.
وهذا لا يمكن إلا بملك أدوات الفتوى: من علم بالكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقدرة على الاجتهاد. فهي مهمة العالم إذن.
ثانيا: إثبات وقوع المعين في هذا العمل الكفري، يقينا لا ظنا وخرصا.
وهذا يحتاج فيه إلى خبر متواتر، أو كلام مسطر في كتاب له، أو فعل اشتهر فصار معلوما للجميع، كتعطيل الشريعة والحكم بالقانون الوضعي، ونحو هذا.
стр. 1296
ثالثا: إقامة الحجة على المعين؛ للتأكد من خلوه من الأعذار، التي تدرأ عنه الكفر، ولتنزيل هذا الحكم عليه.
وهذه أخطر الخطوات، وأكثرها حساسية ومسؤولية. وهي مهمة لا تتحقق، ولا تتيسر -في العادة، وفي الأعم الأغلب– ولا تكون مفيدة نافعة للناس وللدين، إلا باجتماع العلماء والحكام واتفاق أمرهم:
فالحاكم من جهة الأمر؛ فيأمر بإحضار المتهم بالعملية الكفرية، لسؤاله واستنطاقه.
والعالم من جهة الفتوى وإقامة الحجة؛ فيقوم بالمساءلة والاستنطاق، وإقامة الحجة.
رابعا: إذا قامت الحجة على المعين، وقع عليه الكفر، فيستتاب، فإن تاب وإلا طبقت عليه أحكام الردة.
فلو فرضنا أن إثبات الأمرين الأولين في المتناول، فإنه ليس كذلك في إقامة الحجة، وإثبات الكفر على معين. فإثبات الشروط، وانتفاء الموانع (= إقامة الحجة) أمر شاق وعسير، فإنه يحتاج إلى فحص كل شرط لمعرفة ثبوته، وكل مانع لمعرفة انتفائه، وقد لا يتيسر ذلك في كل حال.
وما زال كثير من العلماء يتورعون عن تكفير الأعيان، وإنما يكتفون بالحكم على القول دون القائل، نظرا منهم إلى عدم علمهم بقيام الحجة على القائل، أو عدم تمكنهم من ذلك.
والمتأمل في النصوص، يجد الفرض الذي على عامة المؤمنين، فيما بينهم من الرقابة على أمور الدين، هو:
إقامة الحجة من جهة البلاغ، كما قال تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" [فصلت:٣٣] . ببيان حقيقة الكفر، وأنواعه، وحكمه، ومتى يقع المسلم في الكفر؟. لا من جهة المساءلة، والمحاسبة، والمحاكمة، والمعاقبة. فهذا فرض على الحاكم؛ لأنه مأمور بصون الشريعة، وبإقامة الحدود. فإذا لم يقم به فهو المسؤول عنه، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، كما في الحديث [صحيح البخاري (٨٩٣) ، وصحيح مسلم (١٨٢٩) ] لا يسأل أحد غيره عن تفريطه.
стр. 1297
فالحرص على ما أوجبه أو استحبه على عموم المؤمنين، وليس فيه محذور ولا خطر؛ أعني البلاغ والدعوة والإصلاح، أولى من البحث فيما لم يوجبه عليهم، بل أوجبه على بعضهم، وهو مزلة قدم، والمسلم في سلامة منه؛ أعني تكفير الأعيان.
стр. 1298
عبارة "الله يخونك إذا خنتني "
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/ المناهي اللفظية
التاريخ ١١/٣/١٤٢٤هـ
السؤال
ما حكم قول:"الله يخونك إذا خنتني" وذلك إذا كان بين الشخصين اتفاق على شيء، وأطلق هذه الكلمة على سبيل التخويف من الخيانة؟
الجواب
الحمد لله، هذا القول قبيح، فإنه يتضمن نسبة الخيانة إلى الله، وهو من عبارات الجهال الذين يشتقون من كل فعل ينكرونه على بعض الناس، يشتقون منه فعلاً يضيفونه إلى الله في دعائهم عليه، كما يقولون: أتلفه الله كما أتلف كذا، وأهانه الله كما أهانني، وقد يقول بعضهم: الله يعتدي عليك كما اعتديت عليَّ، ومن هذا قوله: الله يخونك كما خنتني، أو يقولون كلمة عامة: الله يخون من خان، فالحاصل أن إضافة الخيانة إلى الله حرام، فإن الخيانة قبيحة، والله منزه عن كل قبيح، منزه عن العيوب والنقائص في ذاته وصفاته وأفعاله، والله أعلم.
стр. 1299
القول: بغدر الزمن
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/المناهي اللفظية
التاريخ ٧/٧/١٤٢٣هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي هو: هل يجوز أن يقال: إن الزمن غدار؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- ما يلي:
هذا القول من القائل يحتمل أمرين:
الأمر الأول: السبّ للدهر وهو الزمان وذمّه وهذا ظاهر النص؛ لأن الغدر صفة ذم وسبّ، وإذا كان هذا مراد القائل فهذا لا يجوز؛ لورود النص الصحيح الصريح بالنهي عن سب الدهر، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: قال الله -تعالى-:"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" رواه البخاري (٤٨٢٦) ، وفي رواية زيادة "بيدي الأمر" وفي مسلم (٢٢٤٦) : "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" وذلك لما في سب الدهر من مفاسد، ومنها:
١. أنه سبّ من ليس أهلاً للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله -تعالى- منقاد لأمره متذلل لتسخيره، فسابّه أولى بالذم والسب منه.
٢. أن سبه متضمن للشرك وذلك إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم له قد غدر بمن لا يستحق الغدر.
٣. أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، فسبهم للدهر هو في حقيقته سب لله -تعالى-؛ لأن الله هو الذي يقلب الليل والنهار ويدبر الأمر فيهما، فالساب دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به -تعالى- فإن اعتقد أن الدهر فاعل فهو مشرك، وإن اعتقد أن الفاعل هو الله فهو سابّ لله -تعالى-.
٤. أن السب فيه اعتراض على قدر الله الكوني؛ لأنه لا يكون إلا ما يريده -تعالى-.
стр. 1300
الأمر الثاني: ألا يريد السب والذم، وإنما يريد وصف الواقع، فإذا كان هذا هو المراد فذكر وصف الزمان بحقيقته جائز، كأن يقال: هذا يوم حار وهذه أيام نحسات ويوم عصيب ونحوها، لكن الغدر ليس من أوصاف الزمان وهذا كذب لا يجوز، وما يقع في الدهر من أمور فإنما هي بتقدير الله -تعالى- وخلقه وإيجاده، وأما الزمن فليس له خلق ولا إيجاد ولا فعل، وإنما هو محل لهذه المقادير، وعليه فهذا التعبير لا يجوز على الحالتين.