ثالثا: إقامة الحجة على المعين؛ للتأكد من خلوه من الأعذار، التي تدرأ عنه الكفر، ولتنزيل هذا الحكم عليه.
وهذه أخطر الخطوات، وأكثرها حساسية ومسؤولية. وهي مهمة لا تتحقق، ولا تتيسر -في العادة، وفي الأعم الأغلب– ولا تكون مفيدة نافعة للناس وللدين، إلا باجتماع العلماء والحكام واتفاق أمرهم:
فالحاكم من جهة الأمر؛ فيأمر بإحضار المتهم بالعملية الكفرية، لسؤاله واستنطاقه.
والعالم من جهة الفتوى وإقامة الحجة؛ فيقوم بالمساءلة والاستنطاق، وإقامة الحجة.
رابعا: إذا قامت الحجة على المعين، وقع عليه الكفر، فيستتاب، فإن تاب وإلا طبقت عليه أحكام الردة.
فلو فرضنا أن إثبات الأمرين الأولين في المتناول، فإنه ليس كذلك في إقامة الحجة، وإثبات الكفر على معين. فإثبات الشروط، وانتفاء الموانع (= إقامة الحجة) أمر شاق وعسير، فإنه يحتاج إلى فحص كل شرط لمعرفة ثبوته، وكل مانع لمعرفة انتفائه، وقد لا يتيسر ذلك في كل حال.
وما زال كثير من العلماء يتورعون عن تكفير الأعيان، وإنما يكتفون بالحكم على القول دون القائل، نظرا منهم إلى عدم علمهم بقيام الحجة على القائل، أو عدم تمكنهم من ذلك.
والمتأمل في النصوص، يجد الفرض الذي على عامة المؤمنين، فيما بينهم من الرقابة على أمور الدين، هو:
إقامة الحجة من جهة البلاغ، كما قال تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" [فصلت:٣٣] . ببيان حقيقة الكفر، وأنواعه، وحكمه، ومتى يقع المسلم في الكفر؟. لا من جهة المساءلة، والمحاسبة، والمحاكمة، والمعاقبة. فهذا فرض على الحاكم؛ لأنه مأمور بصون الشريعة، وبإقامة الحدود. فإذا لم يقم به فهو المسؤول عنه، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، كما في الحديث [صحيح البخاري (٨٩٣) ، وصحيح مسلم (١٨٢٩) ] لا يسأل أحد غيره عن تفريطه.
стр. 1297
فالحرص على ما أوجبه أو استحبه على عموم المؤمنين، وليس فيه محذور ولا خطر؛ أعني البلاغ والدعوة والإصلاح، أولى من البحث فيما لم يوجبه عليهم، بل أوجبه على بعضهم، وهو مزلة قدم، والمسلم في سلامة منه؛ أعني تكفير الأعيان.
стр. 1298
عبارة "الله يخونك إذا خنتني "
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/ المناهي اللفظية
التاريخ ١١/٣/١٤٢٤هـ
السؤال
ما حكم قول:"الله يخونك إذا خنتني" وذلك إذا كان بين الشخصين اتفاق على شيء، وأطلق هذه الكلمة على سبيل التخويف من الخيانة؟
الجواب
الحمد لله، هذا القول قبيح، فإنه يتضمن نسبة الخيانة إلى الله، وهو من عبارات الجهال الذين يشتقون من كل فعل ينكرونه على بعض الناس، يشتقون منه فعلاً يضيفونه إلى الله في دعائهم عليه، كما يقولون: أتلفه الله كما أتلف كذا، وأهانه الله كما أهانني، وقد يقول بعضهم: الله يعتدي عليك كما اعتديت عليَّ، ومن هذا قوله: الله يخونك كما خنتني، أو يقولون كلمة عامة: الله يخون من خان، فالحاصل أن إضافة الخيانة إلى الله حرام، فإن الخيانة قبيحة، والله منزه عن كل قبيح، منزه عن العيوب والنقائص في ذاته وصفاته وأفعاله، والله أعلم.
стр. 1299
القول: بغدر الزمن
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/المناهي اللفظية
التاريخ ٧/٧/١٤٢٣هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي هو: هل يجوز أن يقال: إن الزمن غدار؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- ما يلي:
هذا القول من القائل يحتمل أمرين:
الأمر الأول: السبّ للدهر وهو الزمان وذمّه وهذا ظاهر النص؛ لأن الغدر صفة ذم وسبّ، وإذا كان هذا مراد القائل فهذا لا يجوز؛ لورود النص الصحيح الصريح بالنهي عن سب الدهر، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: قال الله -تعالى-:"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" رواه البخاري (٤٨٢٦) ، وفي رواية زيادة "بيدي الأمر" وفي مسلم (٢٢٤٦) : "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" وذلك لما في سب الدهر من مفاسد، ومنها:
١. أنه سبّ من ليس أهلاً للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله -تعالى- منقاد لأمره متذلل لتسخيره، فسابّه أولى بالذم والسب منه.
٢. أن سبه متضمن للشرك وذلك إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم له قد غدر بمن لا يستحق الغدر.
٣. أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، فسبهم للدهر هو في حقيقته سب لله -تعالى-؛ لأن الله هو الذي يقلب الليل والنهار ويدبر الأمر فيهما، فالساب دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به -تعالى- فإن اعتقد أن الدهر فاعل فهو مشرك، وإن اعتقد أن الفاعل هو الله فهو سابّ لله -تعالى-.
٤. أن السب فيه اعتراض على قدر الله الكوني؛ لأنه لا يكون إلا ما يريده -تعالى-.
стр. 1300
الأمر الثاني: ألا يريد السب والذم، وإنما يريد وصف الواقع، فإذا كان هذا هو المراد فذكر وصف الزمان بحقيقته جائز، كأن يقال: هذا يوم حار وهذه أيام نحسات ويوم عصيب ونحوها، لكن الغدر ليس من أوصاف الزمان وهذا كذب لا يجوز، وما يقع في الدهر من أمور فإنما هي بتقدير الله -تعالى- وخلقه وإيجاده، وأما الزمن فليس له خلق ولا إيجاد ولا فعل، وإنما هو محل لهذه المقادير، وعليه فهذا التعبير لا يجوز على الحالتين.
стр. 1301
عبارة (الزمن غدّار)
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
العقائد والمذاهب الفكرية/المناهي اللفظية
التاريخ ٠٤/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
ما حكم الشرع في مقولة (الزمن غدّار؟) .
الجواب
جاءت النصوص بالنهي عن سب الدهر، وما يشبه ذلك من شتم للزمان ووصفه بالأوصاف السيئة، والقول بأن الزمن غدار من هذا الباب المنهي عنه، وهو قول خاطئ شرعاً، ومن ناحية النظر غير صحيح؛ ذلك لأن الزمن ليس له إرادة ولا مشيئة، ولا يصح أن تنسب إليه الأوصاف الاختيارية كالغدر والخيانة ونحو ذلك؛ لأن الزمان والعصر مجرد ظرف للعمل وهو مخلوق مدبر بأمر الله ومسير بحكمة الله وموجه بقدر الله فلا يصح نسبة الغدر إليه؛ لأن ذلك يتضمن سب المدبر الخالق المالك المتصرف في الزمان والمكان .
стр. 1302
عبارة "رب ما عبدتك خوفاً من نارك .."!
المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل
أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/المناهي اللفظية
التاريخ ٣٠/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
ما رأي الشرع في القول التالي: (ربي ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكني رأيتك أهلا للعبادة فعبدتك) . من الناحية العقدية، وما توجيهه في اللغة، بحيث لا يتعارض مع العقيدة، إن كان هناك تعارض.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالله امتدح الذين يدعونه (رغباً ورهباً) والذين (يرجون رحمته ويخافون عذابه) .
والعبادة لله تكون بأركانٍ ثلاثة:
أولها: محبة الله وتعظيمه.
والثاني: خوف الله وخشيته.
والثالث: رجاء الله والرغبة إليه.
ولا داعي لتوجيه هذا الكلام وتسويغه فهو من شطحات الصوفية وبدعهم وليس وحيًا منزلاً.
стр. 1303
تنزيه القرآن لمريم وابنها دون الناس
المجيب أ. د. بكر بن زكي عوض
أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
العقائد والمذاهب الفكرية/ الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٦/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
نصراني يسألني هذا السؤال:
لماذا ينص القرآن على أن المسيح وأمه مريم كانا منزهين من الخطايا، بينما جميع الأنبياء الآخرين بمن فيهم محمد ﷺ ارتكبوا الخطايا؟ هل يجعل هذا المسيح أعلى من كونه نبياً، بما أن كتابكم ينص على كونه وأمه المنزهين الوحيدين في الناس أجمعين
الجواب
وعليكم السلام، نصَّ القرآن على طهر مريم والمسيح، كما نصَّ على طهر غيرهما من الرسل ﵈، وليس الأمر قاصراً عليهما، وورد في السنة سلامتهما من وخز الشيطان عقب الولادة استجابة لدعاء أم مريم "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" [آل عمران: ٣٦] وانظر ما رواه البخاري (٣٤٣١) ، ومسلم (٢٣٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁، وسبب التركيز على طهر مريم أنها اتهمت في شرفها ورميت بالزنا من قبل اليهود، وأنكر قومها عليها أن تأتيهم بمولود مع أنها لم تتزوج.
كما صرَّح القرآن بنطق عيسى ﵇ ببراءة أمه في المهد، وببراءته مما نسب إليه، حيث كان اليهود يعيرونه قائلين: لسنا أولاد زنا، وهو ما أشار إليه القرآن "وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً" [النساء: ١٥٦] .
ولم يرد نص في العهد الجديد يصرح بنطق عيسى في المهد بعبوديته أو براءة أمه، وإنما ورد أمر ليوسف النجار خطيب مريم بأن لا يشهرها حين وجدها حبلى، وأما براءة عيسى فلأنه ظُلِم من اليهود ومن أتباعه، فأتباعه نسبوا إليه شرب الخمر في العشاء الأخير، وادعوا تسلط الشيطان عليه في التجربة ورفضه القضاء والقدر حين علم بالصلب، فضلاً عن لعنه الحجر والشجر في بعض الأحيان.
стр. 1304
ومع هذا فالقرآن قطع ببشرية مريم وابنها، وذكر الدليل العملي على ذلك، قال تعالى: "مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ... الآية" [المائدة: ٧٥] .
والسؤال الآن أيهما أولى بالاتباع القرآن أو الإنجيل؟! وأيهما أعلى شأن وقدر مريم وابنها، القرآن أم الإنجيل؟! وأيهما نزَّه عيسى عما نسب إليه وهو منه براء؟! الأمر يتطلب تفكيراً عقلياً لا إرثاً دينياً. والله أعلم.
стр. 1305
وفاة المسيح أم قتله وصلبه ؟
المجيب أ. د. بكر بن زكي عوض
أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٣/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ كنت في حوار مع أحد النصارى حول حال السيد المسيح ﵇ في الإسلام ونجاته من الصلب، وحاول هذا النصراني أن يثبت لي صلب المسيح من عدة آيات تخبر بوفاة المسيح، وأن المسلمين يتغاضون عن هذه الآيات ويفسرونها بالنوم، في حين يتمسكون بآية يتيمة يبدو من ظاهرها نجاة المسيح ﵇ من الصلب، ويقصد بذلك قوله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" ويفسرها تفسيراً شاذاً، كما حاول إيهامي أن علماء المسلمين اختلفوا في نجاة المسيح من الصلب، فمنهم من قال بوفاته على الصليب كما أقرت الآيات القرآنية في قوله تعالى: "إني متوفيك ورافعك إلي" وقوله على لسان المسيح: "فلما توفيتني"
ومنهم من قال بنجاته تمسكاً بتلك الآية الوحيدة، فما صحة ذلك؟ فرغبت من فضيلتكم مساعدتي في الرد عليه، وهل صحيح أن الآية القرآنية التي تقول:"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" هي الآية الوحيدة لدينا في الإسلام التي تنفي صلب المسيح؟ وهل وردت أحاديث تتكلم عن نجاة المسيح من الصلب حتى أقطع عليه الشك باليقين بموقف الإسلام من نجاة سيدنا المسيح ﵇؟
الجواب
عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
стр. 1306
أخي السائل: ما كان لنا أن ندع حكماً حاسماً ورد في القرآن أو نتشكك فيه لقول كافر نصراني -حفظك الله من الشك-، إن القرآن نفى أمرين عن عيسى – ﵇ (القتل، والصلب) ، كما نفى عنه البنوة لله أو الألوهية، وذكر القرآن أمراً يعرفه النصارى أكثر مما يعرفه المسلمون؛ وذلك في قوله "ولكن شبه لهم" [النساء: ١٥٧] ، فالأناجيل وهي تتناول قصة صلب المسيح صرحت بأن الشرطة كانوا يجهلون عيسى ولا يعرفونه ودفعوا رشوة قدرها ثلاثين من الفضة ليهوذا الأسخر يوطي ليدلهم على مكان عيسى وجعلوا علامة بينهم وبينه، من يقبله فهو المسيح، وأخذهم يهوذا إلى مكان فيه جمع من الناس، وطرق عليهم الباب فخرج أحدهم وقال: من تطلبون قالوا: يسوع الناصري فقال: أنا يسوع الناصري فقبله يهوذا وأخذه الشرطة ولم يعترض، وقادوه إلى الحاكم وطلبوا صلبه وعلق على الصليب، وهنا نقول: ما المانع أن يكون يهوذا أراد فداء المسيح فأخذهم إلى غير المكان الذي هو فيه، ما المانع أن يكون أحد التلاميذ أو محبي المسيح أراد أن يفدي المسيح بنفسه، حين سئل المأخوذ أنت المسيح قال للسائل أنت تقول ولم يقل نعم (متى ٢٦/٦٤، ٦٥) ، حين سأله الوالي المقبوض عليه أنت ملك اليهود فقال له أنت تقول (متى ٢٧/١١) ، ما المانع أن يكون الله قد خلق إنساناً على شبه المسيح ليفديه به وألقى النوم على عيسى "ومتوفيك" [آل عمران: ٥٥] ورفعه إليه حتى لا يغلب مكر اليهود إرادة الله، وقد صدر عام ١٩٦٧م وثيقة من الفاتيكان تبرئ اليهود من دم المسيح، فكيف تصدر إلا إذا توفرت قناعة بعدم صلب المسيح لأن النصوص تصرح بقولهم "أصلب دمه علينا وعلى أولادنا) متى (٢٧/٢٦) ، فالنصوص غير قطعية الدلالة على صلب المسيح، والعقل ينفي صلب المسيح للآتي:
стр. 1307
إذا كان المسيح هو الله أو ابن لله أو ثالث ثلاثة -كما يعتقد النصارى- فكيف يصلب في كل الأحوال، ومن كان الممسك للسماوات والأرض حين كان الله معلقاً على الصليب، ومن تولى أمر الرزق والخلق والإحياء والإماتة؟ إن قالوا إن الصلب وقع على الناسوت دون اللاهوت فما صلب الله ولا ابن الله وإنما صلب إنسان عادي، وإن قالوا إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت فكلامهم باطل؛ لأن من صفات الإله أنه الحي، كما في العهد القديم، وأي عاقل يقبل أن يصلب الله ابنه كما يعتقد النصارى، بسبب ذنب عبده، وهل يجوز شرعاً وعقلاً أن يؤخذ البريء (عيسى) ، بذنب المذنب (آدم) ، وأيهما أقرب إلى العقل توبة آدم وبراءة عيسى من الصلب أو العكس؟ ودعوى خلاص البشرية من الخطيئة الخفية غير مسلمة، ومن عجز عن خلاص نفسه كيف يخلص غيره، إن المسيح -كما يزعمون- أخذ وحمل صليبه وشق ثيابه وبصق في وجهه وضرب على رأسه واستهزئ به وتم تحديه، وكان يستغيث: إيلى إيلى لما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لما أسلمتني، فهل يستطيع هذا خلاص غيره، وهل يموت الإله؟ أما قرأوا في العهد القديم ملعون من علق على الصليب؟ أخي الكريم إن السنة لم تتناول موضوع الصلب صراحة؛ لأن القرآن قد حسم الأمر فلا مجال بعد ذلك لكلام والنص واضح ودلالته صريحة، ويفهم من نصوص عودة المسيح في السنة أن المسيح حي وسيظل حتى ينزل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، ثم يموت بعد اكتمال أجله. انظر ما رواه البخاري (٢٤٧٦) ، ومسلم (١٥٥) ، من حديث أبي هريرة – ﵁.
стр. 1308
ولا خلاف بين سائر علماء المسلمين في عدم صلب المسيح، فكيف يختلفون في نجاته إذا كان المسيح لم يصلب أصلاً، وأما الآية الأولى "إني متوفيك" فمعناها مستوفيك أجلك بعد نزولك إلى الأرض مرة ثانية، أو ملق عليك النوم ورافعك، ويعبر عن النوم بالوفاة كثيراً في القرآن، ويكون المعنى إني ملق عليك النوم حتى لا تشعر بألم عند الرفع حياً إلى حيث يشاء الله، والسنة في قصة المعراج ذكرت أنه في السماء.
وأما الآية الثانية "فلما توفيتني" [المائدة: ١١٧] فلا تعني الصلب بل القبض والأخذ والرفع، ولم يقل عيسى ﵇ فلما صلبتني أو أسلمتني أو صلبني اليهود، والتأكيد على الوفاة ينفي الصلب، أولى بالنصارى أن لا يتمسكوا بالصلب والفدا؛ لأن فيه إهانة للمسيح تتجاوز الحد بحسب النصوص، حيث الضرب والشتم والتحدي والسخرية والتعليق بين اللصوص على الصليب وتمزيق الثياب وطلب الماء وسقياه الخل، وفرار تلاميذه منه، ونكران بطرس علمه به، وتقديم يهوذا الحواري ربه ليصلب، إلخ.. ومع ذلك يزعمون أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، إن الذي أعلى قدر المسيح ونزهه هو القرآن، وللمزيد اقرأ ما يلي:
بين الإسلام والمسيحية - للخزرجي تحقيق أ. د: محمد شامة.
الأجوبة الفاخرة للقرافي تحقيق أ. د: بكر زكي عوض
تخجيل من صرف الإنجيل المسعودي تحقيق أ. د: بكر زكي عوض.
الإنجيل والصليب عبد الواحد داود تحقيق أ. د: بكر زكي عوض
الإعلام بما في دين النصارى القرطبي تحقيق د: أحمد حجازي السقا
تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب: عبد الله الترجمان.
والسلام ختام.
стр. 1309
هل تنتهي رسالة الرسل بموتهم ؟
المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل
أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
الأنبياء والرسالات السابقة غير رسالة محمد ﷺ هل تنتهي بوفاة الرسول أو النبي؟ أم أنه يجب على من سمع بها بعد وفاة رسولها الإيمان بها قبل مجيء النبي الآخر؟ وهل هؤلاء من يطلق عليهم أهل الفترة؟.
الجواب
رسالة الرسول - أيّ رسول- لا تنتهي بموته، بل تبقى من خلال ما ورَّثه من كتاب وعلم وعلماء وتشريع ودعاة مصلحين، إلى أن تنسخ رسالته برسالة أخرى من الله - تعالى-. فقد تبقى رسالة الرسول بعد موته ولا تنسخها رسالة من بعده، وأحياناً كرسالة موسى المتمثلة بالتوراة فإن عيسى عمل بها وبما أنزل إليه في الإنجيل، وكذا سائر أنبياء بني إسرائيل. عدا رسالة النبي محمد ﷺ فإنها باقية شاملة إلى نهاية الدنيا، وكل من ادَّعى النبوة بعده فهو كاذب.
стр. 1310
الشك في نبوة محمد ﷺ -
المجيب د. أحمد بن عبد اللطيف العبد اللطيف
الأستاذ بقسم العقيدة بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٤/٥/١٤٢٣
السؤال
ينتابني شك في أصل من أصول العقيدة، وهو: شهادة النبوة للرسول محمد ﷺ وهي ناتجة من التمادي مع الوسوسة، ومناظرة بعض النصارى أحياناً، فأطلب منك أن تذكروا لي الأدلة القطعية لنبوته حتى أرد الشيطان مخزياً -إن شاء الله-، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إذا كان من يحاورك من أهل الكتاب من النصارى فيسهل إثبات النبوة لديه؛ لأنه يعترف بظاهرة النبوة وهو يؤمن بوجود الأنبياء ﵈ كنوح وإبراهيم ولوط وموسى، وتسأله: كيف ثبت نبوة هؤلاء الأنبياء هو جوابنا عن ثبوت نبوة محمد ﷺ .
ودلائل النبوة متنوعة والحديث فيها يطول، وعليك بكتب العقيدة، ومن الكتب المعاصرة (الرسل والرسالات) للدكتور الأشقر.
وعلى كل حال، فمن دلائل النبوة:
١- البشارات. ٢- المعجزات. ٣-السلوك النوعي. ٤- السلوك الشخصي.
وقد ظهرت على يد نبينا ﵊ معجزات كثيرة اهتمت بها بعض الكتب كـ (دلائل النبوة) للبيهقي، ومن ذلك انشقاق القمر، نبع الماء من أصابعه، تكليم الجمادات، كتسبيح الحصى، وحنين الجذع، تكثير الطعام القليل حتى يكفي الفئام من الناس.
وأعظم معجزة القرآن الكريم، ومظاهر إعجازه متنوعة، ومن ذلك الإخبار عن الأمور المستقبلية ووقوعها كما أخبر القرآن، ومن ذلك أيضاً الإعجاز العلمي، وهناك هيئات علمية متخصصة في تجلية هذا الجانب.
ثم النظر في حال النبي ﷺ ودعوته، وكونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، كيف نصره الله وأعزه وأعلى دينه؛ ليظهره على الدين كله على ضعف الإمكانيات المادية، وتآمر الأعداء، ومع ذلك فأهل الإسلام في ازدياد وفي قوة.
стр. 1311
علم الرسل للغيب
المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١/٦/١٤٢٣
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
كنت في زيارة لإحدى المدن في المملكة المتحدة، وبالتحديد (بيرمينقهام) ، وقد لا يخفى عليكم كثرة الجماعات، وخلال الجلسة حدث نقاش بين الإخوة منهم من يتكلم باسم الصوفية والآخر باسم السلفية، فأتى دوري بالحديث فبينت للإخوة ما أعلمه
وانتهى الحديث عن علم الغيب، وعن دعاء الأموات.
فلدي سؤالان:
١- هل يعلم الرسول علم الغيب؟ مثلاً ما فعلت وأفعل وما سيحدث لي.
٢- هل يجوز سؤال دعاء الرسول لي مثلاً كقول: "ياحبيب الله ساعدني بمساعدة الله"؟
جزاكم الله خيراً.
الجواب
الجواب١:
الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولذلك حينما سأله الكفار عن الساعة أنزل الله عليه قوله:"قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف:١٨٨] أي لا أملك أن أجلب لنفسي خيراً ولا أدفع عنها شراً، ولو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلا أغلب، وقيل: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، ولو كنت أعلم الغيب أيضاً لحذرت من أن يمسني السوء.
الجواب٢:
стр. 1312
أما سؤالك دعاء الرسول ﷺ -لك، فالرسول ﷺ قد توفاه الله إليه، فتوجه إلى من عنده سؤلك يجب دعوتك، فاسأل الله -تعالى- بلا واسطة بينك وبينه، كما أمرك في قوله -تعالى-:"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" [غافر:٦٠] ولذلك لم يصح عن صحابة رسول الله ﷺ أنهم وقفوا على قبر رسول الله ﷺ يسألونه النصر على الأعداء أو تفريج الكربات رغم ما مر بهم من محن عظيمة، بل ورد النهي والوعيد الشديد من الله على دعاء الأموات نبياً أو غيره، قال -تعالى-:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ" [فاطر:١٣-١٤] وقوله:" وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ" [الأحقاف:٦] ، ولذلك حين أجدبت السماء في زمن عمر خرج يستسقي بالناس وأمر العباس أن يستسقي؛ لأنه حيّ حاضر يدعو ربه، فلو جاز أن يُستسقى بأحد بعد وفاته لاستسقى عمر بالرسول ﷺ ، وكذا السابقون الأولون، وعلى ذلك فمن تعدى المشروع إلى ما لا يشرع ضل وأضل.
стр. 1313
هل التطور سبب تعدد الأنبياء وختمهم ؟
المجيب د. علي بن بخيت الزهراني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٨/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
يقال إن من أسباب تعدد الأنبياء تطور الفكر البشري، واختلاف البيئة، ولكن لم يبعث نبي بعد النبي محمد ﷺ ، فهل هذا يعني أن العقل البشري قد بلغ حده من التطور؟
الجواب
إن هذه المسألة تعد من فضول المسائل التي لا يتعلق بها كبير شأن، ولكن ما ذكر من كلام قد يقوله بعض الناس في تلمس الحكم من وراء مسألة تعدد الأنبياء، ولا شك أن الله قد أرسل الرسل وبعث الأنبياء المخلق كلما دعت الحاجة إليهم، وختمهم بمحمد ﷺ .
ولا أعلم نقلاً صحيحاً صريحاً في أن تطور الفكر والعقل البشري يعد من أسباب تعدد الأنبياء، ولكن قد يستأنس في مثل هذا المقام بالحديث الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري (٣٥٣٥) ومسلم (٢٢٨٦) وغيرهما عن أبي هريرة وجابر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال:"مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة! فأنا من النبيين موضع تلك اللبنة".
стр. 1314
هل أرسل رسول من البادية ؟
المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٨/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
كيف نوفق بين قوله تعالى عن يعقوب ﵇ وبنيه:"وجاء بكم من البدو" وبين قوله تعالى عن الرسل ﵈:"إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى" فالآية الأولى تثبت أن بعض الأنبياء من البدو؟
الجواب
جواب العلماء على هاتين الآيتين بقولين:
القول الأول: أن قوله -تعالى-:"وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى" [يوسف: ١٠٩] على حقيقته، وأن الله حصر الرسالة في أهل المدن والحاضرة، دون أهل البادية والأعراب، وهذا ظاهر النص ولا ينتقل إلى غيره إلا بدليل.
وعلى هذا القول تحتمل هذه الآية أوجهاً تجمع معها الآية الأخرى محل السؤال، ومن هذه الأوجه:
الأول: أن يعقوب ﵇ من الحضر ثم انتقل بعد ذلك إلى البادية وتحول إليها، ولم يكن قبل من أهلها، ويدل على ذلك حال والده إبراهيم ﵉، وسكناه الشام، ويبدو أنه أصابهم فقر وجدب أو ضائقة ما فخرجوا من حاضرتهم، فقد قالوا:"يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ... "الآية [يوسف: ٨٨] .
الثاني: أن البدو الذي جاءوا منه مستند للحضر فهو في حكمه.
الثالث: أن المراد بالبدو نزول موضع اسمه بدا، وهو المذكور في قول جميل أو كثير:
وأنت الذي حببت شغباً إلى بدا **** إلي وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا مرة ثم مرة **** بهذا فطاب الواديان كلاهما
وروي هذا عن ابن عباس ﵄ ولا يخفى بُعد القول، كما نبه عليه الألوسي والشنقيطي. انظر: (دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في سورة يوسف) .
الرابع: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو مستقر في منازل وربوع.
الخامس: أنه بدو بالنسبة لحاضرة مصر، كما القرية أحياناً للمدينة الكبيرة تبدو ليست بحاضرة. انظر: (المحرر الوجيز) لابن عطية.
стр. 1315
القول الثاني: وذهب إليه ابن عاشور في (التحرير والتنوير) : أن الآية لا تدل على الحصر، واستدل بالآية المسؤول عنها، ومثل بيعقوب ﵇ وأنه من أهل البدو.
والقول الأول باحتمالاته: هو الراجح بأوجهه المحتملة وهو الذي عليه عامة المفسرين.
وتدل عليه النصوص الشرعية في ذم الأعراب، والتشبه بطبائعهم، ويؤيد ذلك قوله ﷺ :"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء يسمونها العتمة لإعتام الإبل" رواه ابن حبان في صحيحه (١٥٤١) وأبو نعيم في المستخرج (١٤٢٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄
ولم يستحب الخروج في البادية والاستقرار مع الماشية والبحث عن الكلأ إلا عند الفتن، كما فعل أصحاب الكهف، وقال ﷺ :"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن" رواه البخاري (٣٣٠٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ والله أعلم.
стр. 1316
ما الدليل على أن النبي تلقى القرآن من الوحي ؟
المجيب د. علي بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٧/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
دخلت على أحد المواقع التي تهاجم الإسلام، يقول أحد رجال الدين المسيحي إن القرآن الكريم هو فعلاً من عند الله، إلا أن محمداً ﷺ لم يتلقه عن طريق الوحي، وإنما حصل على محتواه من ورقة بن نوفل، الذي كان محمد يذهب إليه ويتعلم منه ما جاء في الإنجيل والتوراة، ثم في مرحلة ما صاغ هذه المعلومات فيما أطلق عليه القرآن، وزاد فيه ما يبين أنه نبي، كيف نرد على هذا الكلام؟ وما هي الأدلة العقلية على أن محمداً ﵊ قد تلقى القرآن الكريم عن طريق وحي إلهي؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن للسؤال جانبين: الأول: الشبهة التي يرددونها قديماً وحديثاً، ونجيب عليها بما يتسع له المقام من ثلاثة وجوه:
الأول: يقال لهم لقد خالف القرآن الكريم التوراة والإنجيل في أعظم وأخطر قضية وهي الوحدانية لله تعالى، فالقرآن يؤكد على وحدانية الله وكماله وتفرده بالعظمة والخلق والجلال والجمال. بينما نصوص التوراة والإنجيل تؤكد على الثالوث: الأب والابن وروح القدس، وتنسب إلى الله النقائص، تعالى الله عن قولهم علواً كبير.
الثاني: في جانب التشريع نجد أن الإنجيل يحرم الزواج بالمطلقة، ويعتبره زناً، فقد جاء فيه (من تزوج مطلقة فقد زنا) ، أما القرآن فإنه يعتبر ذلك مكرمة للمرأة، ويراه أمراً حسناً، وقد تزوج النبي - صلى الله عليه بزينب ﵂ بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁.
стр. 1317
الثالث: أنك إذا قارنت بين أسلوب القرآن وبلاغته وفصاحته، وبين نصوص العهدين وجدت الفرق العظيم، فنصوص العهدين تغلب عليها الركاكة في الأسلوب، وأما القرآن فقد أعيا أساطين البلاغة إلى اليوم أن يأتوا ولو بسورة أو بآية مثله، فكيف يقال إنه قد صيغ من كتب أولئك الذين لا يستطيعون الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
أما الجانب الثاني من السؤال فيقال بإجمال:
إن محمداً ﷺ لم يقرأ ولم يكتب، ومع ذلك فقد جاءت في القرآن أخبار علمية لم يعرفها العالم إلا في منتصف القرن العشرين، فمن الذي علم محمداً ﷺ هذه الحقائق العظيمة؟! إنه الله الذي يعلم ما كان وما سيكون.
ومن جهة أخرى فقد أخبر النبي ﷺ بأمور ستقع، وبالفعل وقعت كما أخبر بها، كما أخبر بفتح القسطنطينية، وغير ذلك مما وقع كما أخبر.
ثم إن هرقل ملك الروم شهد شهادة عقلية بقوله لما أخبره أبو سفيان بأن النبي ﷺ لا يكذب، قال: وما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله.
وأحيل السائل على كتابات الدكتور زغلول النجار حفظه الله، وكتابات الشيخ عبد المجيد الزنداني، لتوضح له هذه الجوانب، كما أحيله على كتاب (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) للدكتور الطبيب موريس بوكاي الفرنسي، حيث خرج بشهادة مفادها أن التوراة والإنجيل تتصادم مع النظريات العلمية الحديثة، أما القرآن فإنه يتفق معها، وهذا دليل على أنه من عند الله، وتلك الكتب المحرفة من البشر، والله أعلم.
стр. 1318
عصمة الرسول ﷺ -
المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٣/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
فيما يتعلق بعصمة الرسول ﷺ ، هل هو معصوم من الخطأ؟ أو معنى العصمة هنا أن الله عصمه من الناس ﷺ ، وإذا كان معصوماً من الخطأ صلوات ربي وسلامه عليه، فما هو التفسير الصحيح لحادثة الأعمى التي نزل فيها قول الله -تعالى- "عبس وتولى" وجزاكم الله خير ونفع بكم.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
стр. 1319
فإنَّ القول بأن الرسول ﷺ لم يقع منه خطأ، مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله سبحانه ـ الذي أرسله بالحق، وهو أعلم به ـ قد عاتبه في غير ما آية، ولا يكون العتاب إلا بسبب وقوع خطأ منه ﷺ وقد يستعظم بعض الناس القول بهذا، زاعمًا أن ذلك ينقص من قدر النبي ﷺ وليس الأمر كذلك؛ فحق الله أعظم، والإيمان بكلامه الذي نقله الرسول ﷺ أولى من هذا الزعم، ولو كان في هذه العتابات الإلهية له ما ينقص من قدره لما ذكرها الله –سبحانه- في حقِّ خليله محمد ﷺ والمسلم مطالب بالأخذ بظاهر القرآن، ومن تأول مثل هذه العتابات الإلهية فإنه سيقع في التحريف والتكذيب بخبر الله –سبحانه- وقد ذكرت في كتابي "تفسير جزء عمَّ" تعليقًا على قوله –تعالى-:"وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ" [الشرح: ٢ ـ ٣] ما يتعلق بأمر العصمة، وهذا نصُّه: "قال: مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: "ذنبك"، قال قتادة من طريق سعيد ومعمر: (كانت على النبي ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له) ، وكذا قال ابن زيد. وهذه مسألة تتعلق بالعصمة، وللناس فيها كلام كثير، وأغلب الكلام فيها عقلي لا يعتمد على النصوص، وهذا النص صريح في وقوع الرسول ﷺ في شيء من الذنوب التي قد غفرها الله له، ولكن لم يبيِّن الله نوع هذه الذنوب، ولذا فلا تتعدى ما أجمله الله في هذه النصِّ، وقُلْ به تسلمْ. ولا تفترض مصطلحاً للعصمة من عقلك تحمل عليه أفعال الرسول ﷺ ، فتدخل بذلك في التأويلات السمجة التي لا دليل عليها من الكتاب ولا السنة؛ كما وقع من بعضهم في تأويل قوله –تعالى-: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: ٢] ، قال: ما تقدم: ذنب أبيك آدم، وما تأخر: من ذنوب أمتك، وانظر الشبه بين هذا القول وبين قول
стр. 1320
النصارى في الخطيئة، فالله يقول: "ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك"، وهذا يقول هو ذنب غيره! والله المستعان". واعلم أنَّ في الرسول جانبان: جانب بشري، وجانب نبوي، أمّا الجانب البشري فهو فيه كالبشر: يحب ويكره، ويرضى ويغضب، ويأكل ويشرب، ويقوم وينام ... إلخ، مع ما ميَّزه الله به في هذا الجانب في بعض الأشياء؛ كسلامة الصدر، والقوة في النكاح، وعدم نوم القلب، وغيرها من الخصوصات التي تتعلق بالجانب البشري. ومن هذا الجانب قد يقع من النبي – ﷺ بعض الأخطاء التي يعاتبه الله عليها، ولك أن تنظر في جملة المعاتبات الإلهية للنبي – ﷺ ؛ كعتابه بشأن أسرى بدر، وعتابه بشأن زواجه من زينب – ﵂، وعتابه في عبد الله بن أم مكتوم – ﵁، وغيرها، وقد نصَّ الله على هذا الجانب في الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم، ومن الآيات في ذلك: "قل سبحان ربي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً " [الإسراء: ٩٣] ، ومن الأحاديث قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، من حق له أخيه شيئاً، فلا يأخذ، فإنما أقطع له من النار" (رواه البخاري (٦٩٦٧) ، ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة –﵂. وتكمن العصمة في هذا الجانب في أنَّ الله يُنبِّه نبيه – ﷺ على ما وقع منه من خطأ، وهذا ما لا يتأتَّى لأحد من البشر غيره، فتأمله فإنه من جوانب العصمة المُغفلة. وأما الجانب النبوي، وهو جانب التبليغ، فإنه لم يرد البتة أنَّ النبي – ﷺ خالف فيه أمر الله؛ كأن يقول الله له: قل لعبادي يفعلوا كذا فلا يقول لهم، أو يقول لهم خلاف هذا الأمر، وهذا لو وقع فإنه مخالف للنبوة، ولذا لما سُحِرَ النبي – ﷺ لم يُؤثِّر هذا السِّحْرُ في الجانب النبوي، بل أثَّر
стр. 1321
في الجانب البشري انظر ما رواه البخاري (٣٢٦٨) ، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة ﵂، ومن ثَمَّ فجانب التبليغ في النبي ﷺ معصوم، ويدل على هذا الجانب قوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى" [النجم: ٣-٤] الله أعلم.
стр. 1322
دلالة القرآن على عودة عيسى ﵇
المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٩/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
هل تدل الآيات ٣٣من سورة مريم، و٤٦ من آل عمران، و١١٠ من المائدة على بشارات عودة المسيح ﵇ باعتبار أنه لم يبلغ الكهولة في حياته الأولى، وأنه ليس في كلام الكهل العادي ثمة معجزة، وكما كان السلام في يوم مولده معجزة، وكان في وفاته بعد نجاته من القتل معجزة، فلا بد أن يكون بعثه معجزة دنيوية.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما
بعد:
فالآية الثالثة والثلاثون من سورة مريم تقول: "وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً" [مريم:٣٣] ، والبعث المراد هنا هو البعث ليوم القيامة، وليس مشيرًا إلى نزول عيسى ﵇ لأمور، منها:
الأول: أن نزوله لا يسمى بعثًا.
الثاني: أن المعنى الغالب للبعث في القرآن إنما هو البعث ليوم القيامة.
الثالث: أنه قد وقع الخلاف بين العلماء في كونه رُفِعَ حيًّا أو ميتًا، فمن قال: إنه رُفِع حيًّا، فإنه لا يتناسب مع معنى البعث، كما هو ظاهر.
أما الآيتين الأخريين، وهي قوله تعالى: "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ" [آل عمران:٤٦] . وقوله تعالى: "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ُتكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ
стр. 1323
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ َهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ ُبِينٌ" [المائدة:١١٠] فقد ورد فيهما النص على كلامه الناس في مرحلة الكهولة، والكهل في لغة العرب هو من كان بين الثلاثين والأربعين، وخصَّه بعضهم بابن الثالثة والثلاثين، وذكر الأزهري شاهداً على إطلاقه على من فوق الأربعين، لكن الأشهر الأول، قال الطبري وأما قوله: "كهلاً": محنكًا فوق الغُلُومة ودون الشيخوخة (جامع البيان ٣: ٢٧١) .
ومن ثَمَّ، فإن الله أخبر في الآيتين أن عيسى ﵇ يكلم الناس في المهد وفي هذا معجزة ظاهرة، ويكلمهم حال كهولته، وذلك بعد نبوته وإرساله إلى بني إسرائيل، حصل بهذا أن عيسى ﵇ قد حصل منه التكليم في المهد ببراءة أمه، والتكليم حال الكهولة بالنبوة قبل رفعه إلى السماء، وعلى هذا جمهور تفسير السلف، كما ذكره الطبري وغيره عنهم في تفسير كلامه في مرحلة الكهولة. هذا وقد نصَّ بعض المفسرين على أن هذا التكليم يكون بعد نزوله؛ وهذا صحيح باعتبار كونه رُفِعَ كهلاً، وأنه ينْزل وهو في سنِّ الكهولة. وهذا القول ـ وهو أن يكون مكلمًا للناس بعد نزوله ـ هو من لوازم القول الأول؛ لأنه رُفِع في حال كهولته، وبعد تبليغهم الرسالة في هذه الحال، فإذا نزل فإنه ينزل على ما كان رُفِعَ عليه، والله أعلم. من ثَمَّ فإن هذا المعنى ـ وهو الإشارة إلى نُزوله ـ حصل باعتبارين:
стр. 1324
الأول: نصُّ بعض المتقدمين على أنه يكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل، قاله ابن زيد من مفسري أتباع التابعين، ونصَّ على كونه من آيات عيسى العلامة اللغوي ثعلب، فقد نقل عنه الأزهري قوله: ذكر الله -جلَّ وعزَّ - لعيسى آيتين، إحداهما: تكليمه الناس في المهد فهذه معجزة.
والأخرى: نزوله إلى الأرض عند اقتراب الساعة كهلاً ابن ثلاثين سنة يكلم أمة محمد ﷺ ، فهذه الآية الثانية. تهذيب اللغة (٦: ١٨) .
الثاني: أنه يلزم من رفعه أن يكون نزوله على حاله التي رُفع عليها، وهي مرحلة الكهولة، فيكون نزوله متمِّمًا لكلامه الناسَ في الكهولة، وعلى هذا تكون إشارة إلى نزوله إلى الأرض، وإتمامه بقية حياته فيها، والله أعلم.
وقد يرد السؤال عن سبب الإشارة إلى تكليمه في الكهولة مع أنه يقع من كل الناس.
فالجواب: أولاً: أن آية سورة آل عمران نزلت بشأن نصارى نجران، وفي ذكر تكليمه للناس في الكهولة أنه بشر يمرُّ بأطوار البشر، وليس كما يزعمه النصارى من كونه ولد الله، تعالى الله عن ذلك، أو كونه هو الإله، كما زعمته طائفة منهم أيضًا. وهذا المعنى أشار إليه محمد بن جعفر بن الزبير، ونصَّ عليه الطبري. (تفسير الطبري ٣: ٢٧٢) .
وأما آية المائدة ففيها الإشارة إلى تأييد روح القدس له في حال تكلمه في المهد وفي الكهولة، وكأن فيها إشارة إلى أنه مؤيد بالروح القدس في كل أحواله، والله أعلم.
وهذا يعني اختلاف الاعتبارين بسبب النظر إلى السياق فيهما. والله الموفق.
стр. 1325
حكم دراسة مادة تطعن في الأنبياء
المجيب د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٨/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
رجل يدرس مادة غربية ضمن دراسته الجامعية، وتحتوي هذه المادة على قصص وقصائد تطعن في كثير من الأنبياء ﵈، وتقول: إن النبي محمداً ﷺ في النار والعياذ بالله. هل يجوز متابعة هذه الدراسة أم لا؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإنه قبل الحديث عن جواز متابعة الدراسة فإنه يجب إنكار هذا المنكر بالوسائل المتاحة لكل من علم به أو قدر على إنكاره، لقوله ﵊: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
والسائل لم يخبرنا عن اسم الجامعة أو البلد الذي يدرس فيه هذه المادة، وليس هناك منكر أعظم من الطعن في رسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم- بل يجب استعمال الوسائل النافعة لتغييره، ومنها مخاطبة المسؤولين بالجامعة، أو بوزارات التربية والتعليم العالي، أو المراكز الإسلامية، أو الغيورين في السفارات الإسلامية، بل وحتى اللجوء إلى القضاء ووسائل الإعلام بعد استشارة أهل الخبرة.
стр. 1326
أما دراسة تلك المادة فإذا كانت مادة إجبارية ولا بد منها فإنه لا يجوز السكوت على المنكرات التي تتضمنها، وقد قال : "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً" [النساء:١٤٠] ، وقال تعالى-: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [الأنعام:٦٨] ، فلا يسع دراسة هذه المادة والجلوس لها إلا ببيان ما فيها من الباطل للأستاذ والطلبة. نسأل الله -تعالى- للسائل التوفيق، وأن يعينه على الصلاح والإصلاح. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1327
فترة حمل وولادة عيسى ﵇ -
المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هي فترة الحمل والولادة لسيدنا عيسى بن مريم ﵇؟.
الجواب
الحمد لله، هذه المسألة لم ينص على تحديدها القرآن ولا السنة، ويروى فيها عن السلف أقوال مضطربة، لا يصح القطع بواحد منها، فمنهم من قال: كانت مدة حملها ساعة، ومنهم من قال: تسعة أشهر كسائر النساء، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ وقيل: ستة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: غير ذلك.
فإن كان ثمة ترجيح فهو للقول الأول، لأن الله قال في خلقه: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" [آل عمران: ٥٩]] ، ففيه دليل محتمل على أن خلقه كان معجلاً، ويلي هذا القول، القول الثاني: والقائل به يقول: لو كانت مدة حمله مخالفة لعادات النساء لناسب ذكر ذلك ضمن هذه القصة الغريبة، ومع ذلك فليست هذه المسألة مما تحرك الهمم لاستقصاء الأقوال فيها والبحث عن الحق فيها ... فمهما كان فيها من العجب من قدرة الخالق ، فقد ذكر ما هو أعجب منها وأكبر، وهو خلق عيسى ﵇ من غير أب، فإن هذا يطوي جميع ما هو دونه في أدراجه، وممن ذكر الخلاف وشيئاً مما ذكرته الألوسي في تفسيره روح المعاني (١٦/٧٩-٨٠) . والله أعلم.
стр. 1328
ارتكب الأنبياء ﵈ الصغائر
المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٠٨/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
أحتار عندما أسمع عن أخطاء الأنبياء الصغيرة مثل الكذبات الثلاثة المنسوبة إلى إبراهيم ﵊، سورة عبس المنسوبة إلى النبي ﷺ ، والقتل الخطأ من موسى ﵇، وغيرها. فهل ارتكبت الأنبياء الصغائر؟ مع التكرم بتقديم أمثلة.
الجواب
بسم الله، وصلى الله على رسوله ومصطفاه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
انعقد الإجماع على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- من الكبائر ومما يصغِّر أقدارهم ويُوجب التعيير والازدراء من خوارم المروءات، ولكن نص القرآن على أن الأنبياء يقع منهم الذنب والخطيئة من الهفوات الصغيرة التي تقع منهم خطأً أو عن نسيان، أو غفلة، أو جهل، أو نحوه مما تقتضيه بشريتهم، ولم يذكر القرآن شيئًا من ذلك عن نبي إلا مقرونًا بذكر توبته منه، فهم معصومون من الإقرار على الذنب، بل يبادرون فور حدوث العوارض من جهل أو نسيان أو نحوه، إلى التوبة ويقبل الله منهم التوبة، وهذا لتتم منهم العبودية لله، فالتوبة عبادة وهي من أحب العبادات إلى الله، ولا تكون إلا من ذنب، ولذلك قال بعض السلف: لو لم تكن التوبة أحب الأعمال إليه لما ابتلى بالذنب أحب الخلق إليه.
ومن الأمثلة على ما وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- ما ورد في قوله سبحانه: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه:١٢٢،١٢١] . وهو أكله من الشجرة، وفي قول نوح ﵇: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ
стр. 1329
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) [هود:٤٧] . وهو شفاعته في ابنه. وورد نحوه عن داود وسليمان، وقال سبحانه لمحمد ﷺ : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) [الفتح:٢] .
أمَّا ما ذكرت من كذبات إبراهيم فلم تكن خطايا بل معاريض، والمعاريض مشروعة، وقتل موسى كان عن خطإٍ لا عن عمد. والله أعلم.
стр. 1330
حقيقة رفع عيسى ﵇ إلى السماء
المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٠٦/٠٥/١٤٢٦هـ
السؤال
بعض الأشخاص يروجون بأن المسيح ﵇ مات ميتة طبيعية، ولم يرتفع إلى السماء ودفن في الأرض، وبعد البحث الموسع خلصتُ إلى مسألتين أحتاج مساعدتكم فيهما:
١- كلمة: "رفعه" مذكورة (٢٩) مرة في القرآن، لكنها حين استخدمت في الكلام عن عيسى ﵇ أضيف إليها كلمة (إلى) (سورة النساء: الآية ١٥٨) وبهذا الاستخدام إشارة من القرآن إلى الصعود إلى السماء.
٢-كلمة "توفاه" أيضا مستخدمة في القرآن (٢٩) مرة، ولكن المشكلة التي أواجهها أنه في الآية (٥٥) من سورة آل عمران، وفي كل موضع في القرآن هذه الكلمة قد تعني "نوم" أو "يؤدي إلى الموت" في حال استخدامها في سياق الكلام عن عيسى ﵇.
ومن واقع فهمي فقد يكون الذي حصل أن الله بطريقة ما ذهب بعيسى ﵇ إلى نوع من النوم (الآية ٦٠: سورة النساء) .
أرجو تفسير الكلمتين فيما يتعلق بصعود عيسى ﵇ حيًّا إلى السماء من الناحية اللغوية. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
معنى: "التوفي"
التوفي في لغة العرب معناه الاستيفاء، كاستيفاء المدة من الشهور والأيام في الدنيا، ويطلق التوفي على القبض أيضاً، كما يقال: توفيت المال واستوفيته، إذا قبضته وأخذته كاملاً، وكلاهما متقاربان.
والتوفي لا يعني الموت إلا بقرينة، فقد يطلق على الموت، وقد يطلق على غيره، والذي يحدد ذلك قرينة السياق.
ويطلق التوفي في لغة العرب على ثلاثة معانٍ:
الأول: يطلق التوفي على النوم: ومنه قوله تعالى:" الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" [الزمر: ٤٢] .
стр. 1331
والتوفي هنا قبض الأرواح عن التصرف في حال النوم، واستيفاء العقل والتمييز إلى وقت اليقظة، والذي ينام كأنه استوفى حركاته من اليقظة.
الثاني: يطلق التوفي على الموت، وذلك وقت انقضاء الأجل، وفيه استيفاء للروح دون البدن، فيستوفي الله الروح كما في قوله تعالى: " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " [الأنعام: ٦١] . أما البدن فليس فيه هنا استيفاء ولا قبض، بل يبقى في الأرض ويوارى في التراب.
الثالث: يطلق التوفي على توفي الروح والبدن جميعاً، أي قبضهما واستيفاؤهما جميعاً، وهذا الذي حصل للمسيح ﵇، وبذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس والنوم وغيرها، فحاله ﵇ ليست كحال أهل الأرض في ذلك.
وعلى هذا فمعنى التوفي في قوله تعالى: " وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ... " [آل عمران: ٥٥] . أي قابضك ورافعك في الدنيا من غير موت، وهذا التوفي يحتمل معنيين، وكلاهما صحيح:
الأول: أي رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، كما يقال: توفيت من كذا وكذا واستوفيته: إذا أخذته تاماً.
الثاني: إني متسلّمك، كما يقال: توفيت منه كذا: أي تسلمته وقبضته.
стр. 1332
والله لم يذكر في القرآن عن المسيح أنه مات ولا قتل، ولو أراد الله الموت لقال: (وما قتلوه وما صلبوه بل مات) ، ولكن هذا لم يحصل، ولو أراد الله في معنى الوفاة المذكورة في القرآن الموت؛ لكان المسيح ﵇ في ذلك كسائر المؤمنين والناس جميعاً في قبض أرواحهم والعروج بها إلى السماء، ولو فارقت روح المسيح بدنه لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، ولذلك قال الله تعالى: " بل رفعه الله إليه ... "؛ ليبين أن الرفع للروح والبدن، ويشهد لذلك الحديث الصحيح كما عند الإمام مسلم وغيره في نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان بروحه وبدنه، وهذه الأحاديث كثيرة مشهورة ومتواترة ومعروفة في كتب السنة والحديث، ويشهد لذلك قوله تعالى: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً.." [النساء: ١٥٩] أي موته في آخر الزمان بعد نزوله ﵇، ولذلك قال: " ليؤمنن به " وهذا فعل مُقسم عليه، ولا يكون إلا في المستقبل، وقوله ﵊ في الحديث الصحيح، كما عند البخاري (٣٤٤٨) ، ومسلم (١٥٥) : " والله لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ... " وهذا دلالة على المستقبل بدلالة القسم.
وخلاصة الكلام هنا أن لفظ التوفي في اللغة العربية لا يدل بنفسه على توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعاً، ولا توفي النوم إلا بقرينة منفصلة ككثير من الألفاظ العربية.
معنى:" الرفع "
الرفع في لغة العرب ضد الوضع، وقد يستخدم في الأعيان (أي الأجسام) ، وقد يستخدم في المعاني.
والرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى جهة العلو، كما يقال: ارتفع الطائر، أو ارتفع موج البحر. فارتفاع الشيء ارتفاعاً بنفسه أي علا، وهكذا.
стр. 1333
وأما الرفع في المعاني فهو محمول على ما يقتضيه المقام، فمثلاً: قوله ﵊: " رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يكبر و ... " أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) ، والنسائي (٣٤٣٢) . معناه عدم التكليف الشرعي، ويقال: ارتفع الرجل بحسبه ونسبه أي شرُف وصار شريفاً.
وأما معنى الرفع في قوله تعالى في سورة النساء عن المسيح ﵇: " بل رفعه الله إليه "، فيدل على أن الرفع هنا بمعنى العلو الحسّي أي الارتفاع؛ لأن معنى الرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى أعلى، وهذا ما حصل للمسيح ﵇.
ومما يدل أيضاً أن الرفع كان حقيقة في أمر المسيح قرينة " إليه " في السياق، أي الرفع كان لمكان عالٍ؛ لأن الله أضاف جهة الرفع إليه، والله -جل وعلا- في جهة العلو كما تدل عليه النصوص والعقل والفطرة.
وخلاصة الكلام هنا أن الرفع الوارد في الآية رفع حقيقي إلى أعلى بالبدن والروح، لأن الرفع في اللغة حقيقة في الأعيان (أي الأجسام) ، وليس مجازاً، والمسيح كان كذلك، إضافة إلى أن جهة الرفع أضيفت لله -تعالى- وهو في جهة العلو، فيكون الرفع هنا: أي الانتقال إلى أعلى.
стр. 1334
يحب ابنه أكثر من النبي ﷺ -
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٨/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
كنت في حديث مع أحد الزملاء، وتطرقنا إلى محبة المصطفى ﷺ فذكر أنه يحب ابنه أكثر من الرسول ﷺ ، فأنكرت عليه ذلك، وذكرت له أنه من تمام الإيمان تقديم محبة الرسول ﷺ فرد قائلاً: إنه لا يستطيع التغلب على عواطفه، مع أنه حاول ذلك وقد عقد لساني لذلك، أرجو منكم الرد عليه مأجورين.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأقول وبالله التوفيق:
اعلم بارك الله فيك أن محبة النبي ﷺ ليست من نوع الحب العاطفي المجرد، بل هي أمر وثيق الصلة بالإيمان وصحته؛ ولهذا بوب البخاري ﵀ لذلك في صحيحه بقوله: (باب حب الرسول من الإيمان) ، ثم أورد حديث رقم (١٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، وحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" رواه البخاري (١٥) ، ومسلم (٤٤) .
стр. 1335
ونقل ابن حجر – ﵀ – في شرحه في الفتح (١/٥٨) من كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان، قال ابن حجر (ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه، أو فقد رؤية النبي – ﷺ ، (أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها - أن لو كانت ممكنة - أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية) المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به؛ وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيره، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول – ﷺ – الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، لكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة – ﵃ – من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم، والله الموفق، وقال القرطبي: كل من آمن بالنبي – ﷺ – إيماناً صحيحاً لا يخلو من وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي – ﷺ – اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها