← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والسبب في التضعيف: انفراد عوف بن أبي جميلة بروايته عن يزيد الفارسي، ويزيد هذا مختلف في تحديده هل هو ابن هرمز أم غيره، واشتبه تحديده على مثل: عبد الرحمن بن مهدي وأحمد والبخاري، فهو في عداد المجهولين، وذكره البخاري في الضعفاء، ونقل البخاري في التاريخ الكبير (٨/٣٦٧) والضعفاء (ص١٢٢) عن يحيى القطان: أنه لم يعرفه وأنه كان يكون مع الأمراء، وعده ابن حجر في (تقريب التهذيب) مقبولاً. ينظر تحقيق المسند (١/٤٦٠-٤٦٢) . وتفرد الراوي عن شيخه وهو خفيف الضبط يعتبر علة توجب رد الرواية عند أئمة علماء علل الحديث المتقدمين، فالحديث معلول، وأين أصحاب ابن عباس عنه؟. الخامس: أن سورة براءة نسخ أولها فسقطت معه البسملة، وهذا القول مروي عن مالك وابن عجلان كما ذكر ابن العربي، وروي عن عثمان ذكره القرطبي بدون إسناد. السادس: قال القرطبي -نقلا عن عبد الملك القشيري النيسابوري صاحب التفسير الكبير المتوفى ٤٦٥هـ -: والصحيح أن البسملة لم تكن فيها؛ لأن جبريل ما نزل بها فيها، وروي معناه عن أبي بن كعب بدون إسناد ذكره ابن العربي. وهذا هو الأظهر -والله أعلم- أن السورة هكذا أنزلت، والصحابة رضوان الله عليهم كتبوا القرآن على التجريد أي تجريد كلام الله عن غيره، ولما سمعوا رسول الله ﷺ قرأها بدون بسملة لم يكتبوها. والمسألة سهلة يسيرة؛ إذ إنها لا ترتبط بآيات السورة، بل بالبسملة في أولها، والبسملة على الصحيح آية مستقلة في كل سورة، إلا في براءة فقد أجمع القراء على عدم القراءة بها فيها. والله أعلم.

стр. 142

المحكم والمتشابه المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن التاريخ ٢٢/١١/١٤٢٥هـ السؤال الآية رقم ٧ في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) . تبين الآية وجود بعض العلم غير الواضح لنا تمامًا ويسبب حيرة لنا فيدخل كل ذلك في المتشابهات، هل كلامي الذي فهمته من الآية صحيح؟ وفي سورة الإسراء الآية ٨٥: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) . فبناءً على هذه الآية فإن مناقشة ماهية الروح، وكيف خلقت، وما العلم الذي وصل إلينا عنها، وخلاف ذلك يدخل في المتشابهات، لأنها لا تدخل في أسس الإيمان وليس عندنا علم تام عنها. فهل ما فهمته من الآية صحيح؟ هل تقولون بأن الحديث عن علم الروح يدخل ضمن المتشابهات للأسباب التي ذكرتها أعلاه؟ الجواب

стр. 143

المحكم هو البين الواضح كما في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [البقرة:٨٣] . فكل أحد من السامعين يعرف المراد بالوالدين ويعرف معنى الإحسان إليهما، أما المتشابه فهو الذي قد يظهر معناه للعالم وقد يخفى بحسب العلم والعمل، وقد يظهر بعض معناه ولا يظهر بعضه الآخر، وقد يخفى المراد منه فلا يعلمه سوى الله تعالى، فمثلاً استواء الله تعالى، على عرشه واضح المعنى، ولكن حقيقته وكنهه وكيفيته من المتشابه الذي لا يعلمه أحد سوى الله تعالى، وكذلك بقية الصفات الحسنى، ومن ذلك المراد بالحروف المقطعة في أوائل بعض السور. وليس كل ما سبب حيرة للإنسان فهو من المتشابه، خاصة إذا كان الذي أصابته الحيرة ليس من أهل العلم الشرعي، فقد تصيب الإنسان الحيرة من أمر يراه خفيًّا عليه وهو جلي واضح بالنسبة لغيره، ومثال ذلك تحير بعض أبناء البلاد الإسلامية أمام الآيات الناصة على وجوب التحاكم إلى شرع الله واضطرابهم في ذلك اضطرابًا هائلًا، مما يدل على حيرتهم، وهي قضية محكمة واضحة جلية عند جميع أهل العلم والإيمان، فقد علم جميع المسلمين وآمنوا بأن الدين الإسلامي له جانبان؛ أحدهما عبادة الله وحده دون سواه، والثاني تحكيم شريعته وحده دون سواه٠ وقل مثل ذلك في حيرة بعض الطوائف المبتلاة بحب القبور ودعوة أهلها مع الله أو دون الله في أمور لا يقدر عليها إلا الله، مع أن هذه القضية من قضايا الدين الأصلية الكلية الثابتة المحكمة، فلا تدل حيرتهم على انتقالها من حيز المحكم الواضح إلى حيز المجمل أو المتشابه.

стр. 144

وأما ما ذكر من أمر الروح فلأهل العلم في المراد بالروح في آية الإسراء أقوال منها: أن المراد جبريل ﵇. ومنها: أن المراد الروح التي بها يحيا الإنسان. وعلى هذا المعنى ورد سؤال السائل. والحديث عن الروح بهذا المعنى له وجهان أحدهما محكم جلي والآخر متشابه، فمن المحكم أن الروح مخلوقة مستحدثة من العدم، وأنها جسم لطيف، تسري في الأعضاء، وأن هذا الجسم يقبض، ويمسك ويرسل، وينعم ويعذب. ومن المتشابه حقيقة الروح وكنهها وكيفية نفخها في الجسد وكيفية انبثاثها فيه، وكيفية قبضها وإرسالها، وكيفية تنعمها وعذابها، وكيفية علاقتها بالجسد في دار البرزخ، وفي الآخرة، وغير ذلك من الأمور التي قد تظهر للبعض وتخفى عن البعض، وقد تخفى عن الجميع فلا يعلمها إلا الله وحده، أما الحديث عن عالم الروح فبحسب نوع الحديث وصوابه وصحته، فقد يكون من المحكمات كما لو تحدث عن أنها مخلوقة مربوبة تقع تحت تدبير الله تعالى وإرادته. وقد يكون الكلام عن الروح من المتشابه كما لو تحدث عن كيفية قبضها حال النوم وإرسالها، وقد يكون الكلام عن الروح من الباطل والخرافة كما يحصل عند أصحاب تحضير الأرواح، وكما يحدث عند الهنادكة والقائلين بالتناسخ وأصحاب السحر والكهانة والتنجيم. والله أعلم.

стр. 145

آية الرجم المنسوخة المجيب د. محمد بن سريّع السريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن التاريخ ١٠/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال ما سبب نسخ آية الرجم من القرآن الكريم مع أن حكمها باقٍ إلى يومنا هذا؟ الجواب الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد: فإن ما يجريه الله تعالى من أحكام في شرعه أو قدره فإنما هو لحكمة عظيمة، ذلك أن الله هو العليم الحكيم، فليس شيء يجري عبثاً ولا يحصل لغواً، كما قال تعالى عن خلق السماوات والأرض: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) [ص:٢٧] . وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ" [الأنبياء:١٦] . ثم إن بعض هذه الحكم قد تظهر للمكلفين وقد تخفى عنهم أشياء كثيرة، منها ما يكون فيه ابتلاء للعباد ليظهر مقدار إيمانهم بالغيب، وتصديقهم بالرسل، وتعبدهم لله جل وعلا. ومن الحكم التي ذكرها أهل العلم في نسخ آية الرجم خاصة، أن ذلك يظهر به مقدار طاعة العباد بالمسارعة إلى القيام بهذا الحد الذي فيه إزهاق للنفوس، حتى ولو لم يجدوه مكتوباً في القرآن، فهذا امتحان لإيمانهم واختبار لصحة تصديقهم بما جاءهم عن الرسول ﷺ . والله أعلم.

стр. 146

هل المعنى مجازي في قوله "ولتصنع على عيني " المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين القرآن الكريم وعلومه/ التفسير الموضوعي التاريخ ٠٧/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال ما هو موقف أهل السنة والجماعة من هذا الكلام: المعنى الحرفي لقوله تعالى "ولتصنع على عيني" وقوله تعالى: "فإنك بأعيننا" وقوله تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا" فالمعنى الحرفي لهذه النصوص أن الآلة التي بُنِيَ لها الفعل هي: العين، وهذا مجاز، أي: "تحت عنايتنا" فلا بد من التفسير المجازي للآيات! وأنها تعني العناية الفائقة. أرجو التعليق؟ الجواب الحمد لله، وصلى الله على نبيه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان ووالاه، أما بعد: فإن أسماء الله وصفاته التي وصف بها نفسه تعالى في كتابه الكريم الذي أنزله، أو وصفه بها رسوله ﷺ الذي أرسله مما صح عنه، يجب التعامل معها كغيرها من كلام الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ ، وهو حملها على الظاهر المتبادر في العربية، ولكن: دون تمثيل لله بخلقه، ودون تكييف للصفة، وأيضا دون تحريف لمعاني الألفاظ، ودون تأويل لمفهومها بالمجاز ونحو ذلك، إلا إذا دل عليه الدليل. وليعلم كل مسلم أنه لا يمكنه الإحاطة بمولاه، كما قال تعالى: "ولا يحيطون به علما" [طه:١١٠] وقال تعالى: "هل تعلم له سميا" [مريم:٦٥] فليقطع التفكير في الكيف، بعد إثباته معنى الاسم، والصفة، وما يدلان عليه. وهذا المنهج هو ما سار عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو منهج أهل السنة والجماعة، وهو ما يجب على كل مسلم ومسلمة، وهو الأسلم، والأحكم، والأعلم. ومن الأدلة الظاهرة على صحة هذا المنهج قول الله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: ١١] ، فنفى الله عن نفسه مماثلة خلقه، وأثبت في الوقت نفسه اسمين كريمين وهما: السميع، والبصير.

стр. 147

وكل اسم متضمن لوصف، وقد وصف سبحانه بعض خلقه بالوصفين المشتقين من هذين الاسمين في آيات أخرى، قال تعالى في سورة الإنسان: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا" [الإنسان:٢] وليس الله السميع، كالمخلوق السميع، ولا الله البصير، كالمخلوق البصير، وليس سمع الخالق كسمع المخلوق. وهذا ما يسمى بالقدر المشترك موجود في كل ما يقال إنه موجود مثلا، فليس فيه تشبيه على الإطلاق. وما سألت عنه أخي أيضا داخل تحت هذه القاعدة: ففي الآيات السابقة: في قوله تعالى: "ولتصنع على عيني" [طه:٣٩] ، وقوله تعالى: "فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا" [الطور:٤٨] ، وقوله تعالى: "وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا" [القمر:١٤] ، وقوله أيضا: "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا" [هود:٣٧] ، وقوله: "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا" [المؤمنون:٢٧] . ففيهن: إثبات صفة العين لله تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته، وورودها على صيغة الجمع للتعظيم، ودل على ذلك صنيع البخاري كما سيأتي. وقد جاءت السنة النبوية بإثبات صفة العين لله تعالى أيضاً. ففي صحيح البخاري، كتاب التوحيد، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي".. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:"تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا" ثم ساق (٧٤٠٧) بإسناده إلى.. عبد اللَّهِ بن عمر ﵄ قال: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النبي ﷺ ، فقال: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ ليس بِأَعْوَرَ، وَأَشَارَ بيده إلى عَيْنِهِ، وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ". وبإثبات صفة العين لله تعالى، تثبت الرؤية، والحفظ، والرعاية، والعناية، وإذا أثبتنا الرؤية فقط، لا يلزم منها إثبات صفة العين المنصوص عليها في الآيات.

стр. 148

ومما يدل على أن هذا النهج هو الأسلم، والأحكم، والأعلم: أنه هو مدلول المفهوم من الكلام، أي كلام، وهو الحمل على الظاهر، والله أنزل كتابه بلسان عربي مبين، ثم إنه لو سألك ربك يوم القيامة فقال: لم يا عبدي أثبت لي صفة العين، واليد، والاستواء، والكلام، والمحبة، والغضب، وغير ذلك، لكان الجواب: هذا يا رب ما فهمنا من كلامك في كتابك، وكلام رسولك ﷺ . ولكن لو وقع الشخص -لا قدر الله- في التحريف والتأويل وسأله مولاه، يا عبدي: لم نفيت عني ما أثبته لنفسي من صفة أو اسم؟ أأنت أعلم بي مني؟؟ كيف يكون جوابه!؟. ولذلك فما ذكرتَ من التفسير في سؤالك غير سليم، بل هو تأويل للنص بغير دليل ظاهر، والصواب ما تقدم. والله أعلم. فائدة من نقولات ابن القيم في الصواعق المرسلة (١/٢٦٠-٢٦٢) : قول عثمان الدارمي: الأعور ضد البصير بالعينين، وقد قال النبي ﷺ في الدجال: "إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور" وقد احتج السلف على إثبات العينين له سبحانه بقوله: "تجري بأعيننا" [القمر:١٤] . وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا؛ أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في المقالات، والموجز، والإبانة، وهذا لفظه فيها: "وجملة قولنا: أن نقر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ... إلى أن قال: وإن الله مستو على عرشه، كما قال: "الرحمن على العرش استوى" [طه:٥] . وأن له وجها، كما قال: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" [الرحمن:٢٧] . وأن له يدين، كما قال: "بل يداه مبسوطتان" [المائدة:٦٤] ، وقال: "لما خلقت بيدي" [ص:٧٥] ، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: "تجري بأعيننا" [القمر:١٤] ، أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لاتباع الوحيين، ولزوم دلالتهما على طريقة الصحابة، والتابعين، والذين اتبعوهم بإحسان. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 149

كيف علمت الملائكة بأن الإنسان سيفسد في الأرض ؟ المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٠٤/٠٣/١٤٢٦هـ السؤال عندما أراد الله أن يجعل في الأرض خليفة رفض كل من الملائكة والجبال حمل الرسالة فقبل الإنسان حملها، فحينما علمت الملائكة أن خليفة الأرض هو الإنسان قالوا بما معناه: أتجعل من يسفك الدماء فيها وينشر فيها الفساد؟ السؤال: هو كيف علمت الملائكة أن الإنسان سوف يفسد في الأرض، وهي لا تعلم ما الإنسان وما هي خليقته؟ ولكم جزيل الشكر. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: السائل الكريم يشير إلى قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" [البقرة:٣٠] ، ومعنى هذه الآية الكريمة وقع فيه خلاف بين السلف، وتشعَّبت بأهل العلم المسالك في فهم الآية، ومن نظر فيها من المفسرين بحسب ظاهر الآية وسياقها -ولم يتأثر ببعض تلك الأقوال المتكلفة والآثار الواهية- كان قوله أقرب للصواب، وأبعد عن الشطط. وظاهر الآية الكريمة يدل على أن الله -تعالى- أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يخلف بعضهم بعضًا على هذه الأرض، وعندئذ قالت الملائكة -على سيبل الاستفهام والاسترشاد، طلبا لبيان الحكمة من خلق بشر وجعله خليفة، مع أنه سيقع منه الفساد وسفك الدماء-: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء". والآية الكريمة لم توضح كيف علم الملائكة بأن هذا المخلوق سيقع منه الفساد وسفك الدماء، ولم يرد في كتاب الله -تعالى- أو فيما صح عن النبي ﷺ ما يوضِّح الوسيلة التي عرفوا بها ذلك، ولهذا اختلف السلف ﵏ في تعيين الكيفية التي عرفت الملائكة بها هذا.

стр. 150

وأقرب الأقوال وأقلها تكلفا أن يكون الله -تعالى- قد أطلعهم على هذا، فكما أخبرهم أنه سيجعل في الأرض خليفة، أخبرهم أنه سيقع من ذلك الخليفة فساد وسفك دماء، وهذا احتمال غير بعيد، ومما يقويه ما جاء في الأثر عن قتادة فيما أخرج الطبري وابن أبي حاتم ـ بسند حسن ـ في قوله تعالى: "أتجعل فيها من يفسد فيها" قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: "أتجعل فيها من يفسد فيها". وهذا القول مال إليه شيخ المفسرين ابن جرير ﵀. وبكل حال فالملائكة ينزهون عن أن يظن أنهم تكلموا في أمر بمجرد التخمين والظن، ولهذا لما طلب منهم تعالى أن يخبروه بأسماء المخلوقات سبحوا الله وعظموه أن يقولوا قولاً لا علم لهم به، فقالوا: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا" [البقرة:٣١-٣٢] . بقي أن أشير إلى ما ورد في السؤال، فمقدمته تشعر أن الله -تعالى- عرض على الجبال والملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض فأبوا ذلك، فإن كان هذا ما أراده السائل الكريم فهو خطأ ووهم، فلم يرد ما يدل على أن الله تعالى عرض خلافة الأرض على الملائكة والجبال، بل هو خطأ بيِّن، ينزه كلام الله عنه. ولعل السائل اختلطت عليه مسألة الخلافة بعرض الأمانة التي ورد ذكرها في موضع آخر من سورة الأحزاب، حيث قال تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" [الأحزاب: ٧٢] ، والمراد بالأمانة هنا ـ كما ذكر ابن كثير وغيره ـ التكاليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 151

ربط النصوص الدينية بالظواهر الطبيعية المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٢٧/١٢/١٤٢٤هـ السؤال قرأت مقالاً في أحد المنتديات: ذكر علماء الفلك أن كوكب المريخ قد تباطأت سرعته في الاتجاه الشرقي في الأسابيع القليلة الماضية، حتى وصل إلى مرحلة التذبذب ما بين الشرق والغرب، وفي يوم الأربعاء ٣٠ يوليو توقفت حركة المريخ عن السير في الاتجاه الشرقي، وبعد ذلك في شهري أغسطس وسبتمبر تحول المريخ بالانطلاق بشكل عكسي نحو الغرب، وذلك إلى نهاية شهر سبتمبر، وذلك يعني أن الشمس تشرق الآن من مغربها على المريخ، وهذه الظاهرة العجيبة تسمى retrograde motion أو الحركة العكسية، ويقول العلماء إن كل الكواكب سوف تحدث لها هذه الظاهرة مرة على الأقل، ومن بينها كوكبنا (كوكب الأرض) ، سوف تحدث له هذه الحركة العكسية يوماً ما، وسوف تشرق الشمس من مغربها، وقد يكون هذا الأمر قريباً ونحن غافلون.

стр. 152

قد قال رسولنا ﷺ إن من علامات الساعة الكبرى أن تشرق الشمس من مغربها، وعندما يحدث ذلك لا تقبل التوبة، والعجيب أن علماء الشريعة قد ذكروا أن طلوع الشمس من المغرب يحدث فقط مرة واحدة يوم الطلوع، ثم تعود إلى الطلوع من المشرق وتستمر هكذا إلى أن يشاء الله، وهذا مشابه لما يحدث في المريخ، فإنه يتوقف ويعكس الاتجاه لفترة بسيطة ثم يعود كما كان، وقال ﷺ : "إن الله –تعالى- يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " رواه مسلم. إن هذا الخبر على خطورته فإنه يفتح أبوابا للدعوة سواء للمسلمين الغافلين أو الكفار، فعندما نعرض هذه الأحاديث التي ذكرت تلك الظاهرة قبل ١٤٠٠ سنة، فسوف يدخل في الإسلام خلقٌ كثيرٌ، وأما المسلمون فقد رأوا أن هذا الأمر حدث للمريخ، وما يدرينا لعله مقدمة لما سيحدث على كوكبنا في القريب العاجل. وسؤالي: هل هذا الكلام صحيح؟ فنحن من كثرة ما نسمع من أحاديث آخر الزمان أصبحنا لا نعرف الحق من الكذب. أفيدونا جزاكم الله خيراً مع أملي بأن تلحقون الإجابة بعلامات الساعة الكبرى بالترتيب. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

стр. 153

تبدو النجوم للراصد الأرضي ثابتة على مر الأعوام نتيجة لبعدها الشديد، ولذا اتخذت منذ القدم علامات ثابتة يهتدي بها المسافرون، بينما تتغير مواقع الكواكب ويمكن رصد حركتها أمام النجوم، ولذا سميت بالسيارات، ومن المعلوم فلكياً أن الأرض هي الكوكب الثالث بالنسبة للشمس، ويسبقها عطارد والزهرة وتليها مجموعة الكواكب الخارجية التي منها المريخ والمشترى وزحل، وقد لوحظ منذ القدم أن السيارات الخارجية تنكص حركتها دورياً، فيقف تقدمها حول الشمس ظاهرياً وتبدو متراجعة، وقد فسرت تلك الظاهرة حديثاً على أساس أنها ذات مدارات أكبر من الأرض وسرعات أقل، ولذا تبدو دورياً متراجعة، بينما تنعدم تلك الحركة التناقصية الظاهرية في حالتي عطارد والزهرة؛ لأن مداريهما أصغر وسرعتهما أكبر، وفي الحقيقة أن حركة جميع الكواكب لا تتوقف سواء حول الشمس أو حول نفسها، وهذه الحركة التراجعية الظاهرية للكواكب معلومة لدى المفسرين ﵏ حتى إن بعضهم فسر بها قول الله - جل وعلا-: "فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس" [التكوير: ١٥-١٦] باعتبار أنها جوار أي سيارات والخنس النكوص والتراجع، وتراجع المريخ حالياً ليس إذاً ظاهرة غير معلومة سابقاً لننزل عليها أحاديث آخر الزمان، بل إحدى سنن الله المعتادة في خلقه، وينبغي الحذر والحيطة عند ربط النصوص الدينية بالظواهر الطبيعية أو الاجتماعية؛ لأن التعجل بإنزالها على الواقع بلا بينة مجازفة وشهادة بغير علم، وقد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه خاصة مع ترصد من ينتظر زلة ليطعن في نصوص الوحي. والله -تعالى- أعلم.

стр. 154

هل أمر إبليس بالسجود لآدم ؟! المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٢٣/٩/١٤٢٤هـ السؤال يقول الله -جل وعلا- "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" [الكهف: من الآية٥٠] ، السؤال: عندما وجه الله -جل وعلا- الأمر بالسجود وجهه إلى الملائكة، ولم يوجهه إلى الجن، فإبليس لم يسجد وهو غير مقصود في ظاهر الآية، إذاً كيف يؤاخذ الله إبليس وهو لم يؤمر بالسجود، حيث قال تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة ... " ثم قال سبحانه:"إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه"، آمل من فضيلتكم التكرم ببيان الإجابة عن هذه الشبهة، وفقكم الله وسدد خطاكم. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد

стр. 155

أيها الأخ الفاضل، حسنٌ أن سميت هذه المسألة بأنها شبهة، والتحقيق في هذا الأمر واضح لو أنك نظرت إلى قوله تعالى:" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين [ٍ الأعراف: ١٢] ، فهذه الآية نصٌّ صريح على دخوله في الأمر بالسجود مع الملائكة، ولو كان الأمر كما قلت لكان إبليس أولى من يحتجُّ بهذا، وهو لم يفعل، بل قال: أنا خير منه ... إلخ، ففهم أنه مأمور بهذا الخطاب، وإن لم يكن من الملائكة. والسؤال الذي يرد: إذا كان إبليس مأمورًا بالسجود كما نصَّت الآيات، فكيف يُدركُ دخوله في الخطاب، ولم يرد توجيه الأمر إليه مباشرة؟ فالجواب أن يقال: إن ذلك جاء على صيغة تغليب الأكثر وتوجيه الخطاب إليه، فإبليس فردٌ والملائكة جمعٌ كثيرٌ، فذُكروا بالأمر بالسجود دونه من باب التغليب وهو أسلوب عربي عريق، قد جاء كثيرًا في نصوص القرآن والسنة ولغة العرب، والله الموفق. ومن باب الفائدة فيما يتعلق بأصل إبليس وما وقع له في السماء يحسن أن تراجع ما كتبه الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد العزيز السبتي تحت عنوان (الجن والشياطين سلالة من؟) ، في خزانة الفتاوى من الموقع نفسه تحت باب تفسير آيات وسور من القرآن، وأسأل الله لي ولك التوفيق.

стр. 156

كيف كان المخذّلون إخواناً للغزاة ؟ المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٥/١/١٤٢٥هـ السؤال أصحاب الفضيلة: يقول الباري - علا وجل - "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ... " الآية، كما يقول الله -تعالى-: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" "،والإشكال الجامع بين هاتين الآتين: كيف كان المثبطون والمخذلون في الآية الأولى إخوانًا للضاربين والغزاة، مع أن الله -تعالى- حكم بكفرهم، بدليل أن الآية الثانية الأخوة فيها بإقامة الصلاة والزكاة، والأخوة لا تكون إلا بين المسلمين. الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

стр. 157

ليس المراد من الآية ما ذكرت، والذي ذكره أهل التفسير في تأويل قوله -تعالى-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا" [آل عمران: من الآية١٥٦] ، أن الآية فيها نهي للمؤمنين أن يقولوا لإخوانهم المؤمنين أو عن إخوانهم المؤمنين ما قاله الكفار، أو يقولونه عن إخوانهم في الكفر أو النفاق، أو النسب، واقرأ إن شئت كلام إمام المفسرين أبي جعفر الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية (٤/١٤٦) ، إذ قال: (يعني بذلك -جل ثناؤه- يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاء به محمد من عند الله لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله- ﷺ فجحد نبوة محمد ﷺ وقال لإخوانه من أهل الكفر إذا ضربوا في الأرض فخرجوا من بلادهم سفراً في تجارة أو كانوا غزى، يقول أو كان خروجهم من بلادهم غزاة فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل أو مات في سفر خرج فيه طاعة لله، أو تجارة لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا) ا. هـ، كلامه، وقال ابن الجوزي ﵀ (١/٤٨٤) ، قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا"، أي كالمنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق وقيل إخوانهم في النسب. والله أعلم.

стр. 158

شبهة التعارض بين آيات خلق السموات والأرض المجيب د. محمد بن سريّع السريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٢٨/٣/١٤٢٥هـ السؤال هذا سؤال من شخص غير مسلم: يقول هناك تناقض في القرآن بخصوص الخلق. أول تعارض موجود في القرآن يتعلق بما بدأ خلقه أولا السماء أم الأرض؟ ففي سورة فصلت:"خلق الأرض في يومين" ثم قال: "فقضاهن سبع سموات في يومين". ثم قال تعالى: "هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات" وقال:" ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... فقضاهن" وهذا يعارض:"الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش....وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا". فالآيات الأولى تبين أن الأرض خلقت أولا لكن في الآيات التالية ذكر تعالى أن السماء خلقت أولا. ومن ناحية أخرى هناك تساؤل عن عدد الأيام التي تم فيها الخلق. "الذي خلق الأرض في يومين ... وجعل فيها رواسي من فوقها ... وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام....إلى أن قال: فقضاهن سبع سموات في يومين" (سورة فصلت) فيكون عدد الأيام ٢+٤+٢= ٨ أيام وهذا ما يعارض ما ورد في سورة هود: "وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام" والآية رقم ٣ من سورة يونس: "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام" وكذلك الآية رقم ٥٤ من سورة الأعراف:"إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام" ففي الآيات الأولى نص على مرور ثمانية أيام على اكتمال الخلق وفي المجموعة الثانية ستة أيام فقط. أرجو التكرم بتوضيح هذه المسألة. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 159

الآيات التي ذكرها السائل لا تعارض بينها لمن عرف دلالات اللغة العربية، أما الآيات الأول فهي دالة على أن خلق الأرض قبل السماء، وهذا واضح، أما قوله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً" [الرعد: ٢-٣] ، فهذه الآية ليس فيها ما يدل على أن السماء خلقت أولاً قبل الأرض لمجرد أنها عطفت عليها بالواو، فإنه مما هو معلوم في لغة العرب أن العطف بالواو – بمجرده- لا يقتضي الترتيب بين المعطوفات، فإننا قد نقول: جاء علي وأحمد، وليس معنى ذلك أن أحمد جاء بعد علي، وسياق الآيات السابقة في بيان قدرة الله –تعالى- وعظيم خلقه، وليست في بيان ما خلق أولاً.

стр. 160

ثم اعلم أن ظاهر القرآن الكريم قد دل على أن الله -جل في علاه- قد خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثم دحا الأرض - أي أخرج منها ماءها ومرعاها- ويدل لذلك قوله -تعالى-: "قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت: من الآية٩-١٢] ،وقوله تعالى: "أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا" [النازعات:٢٧] . وأما عدد الأيام التي تم فيها الخلق فهي ستة؛ كما نص على ذلك القرآن الكريم في كثير من الآيات، ونصت على ذلك الكتب السماوية السابقة، وأما قوله: "قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ... " [فصلت: من الآية٩-١٢] ، فهو تفصيل لثلث الأيام الستة، حيث أخبر تعالى أنه خلق الأرض في يومين، وأخبر أنه خلق ما فيها من الجبال وقدر الأقوات في يومين آخرين، فالمجموع أربعة أيام، وهي المذكورة بقوله: "في أربعة أيام سواء للسائلين"، وليس المقصود أن جعل الرواسي وتقدير الأقوات فقط في أربعة أيام، بل المقصود أن هذا مع خلق الأرض كله في أربعة أيام، وأن خلق السماوات في يومين، فيكون المجموع ستة أيام، والله الهادي إلى سواء السبيل. والله أعلم.

стр. 161

الجواب عن هذه الشبهة في خلق القرآن المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٠١/٠٦/١٤٢٧هـ السؤال عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر". ثم قال النبي ﷺ "والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين، وتسبح الله وتحمده عند قدمي العرش". فأنا أؤمن أن القرآن هو كلام الله غير مخلوق، لكن ألا يحتج من يقولون بخلق القرآن بمثل هذا الحديث على صحة مذهبهم؟ إذ كيف لكلام الله أن يكون له لسان وشفتان تسبح الله وتحمده عند قدمي العرش؟ الجواب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مما لا شك فيه ولا ريب أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ونؤمن ونعتقد ذلك، كما أن السائل كذلك، وهذا محل إجماع بين أهل السنة والجماعة، فقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية ما نصه: (وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق) . انتهى. قال تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" الآية [التوبة:٦] . هذا وما ذكره السائل من أنه قد يحتج من يقول: بخلق القرآن بمثل قوله ﷺ عن آية الكرسي: "والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين، وتسبح الله وتحمده عند قدمي العرش".

стр. 162

نقول: إن المقصود بهذا الحديث وأمثاله مما ورد عن فضل القرآن، أو بعض سوره، أو آياته، المراد بذلك ثواب العمل، كما قرره أهل العلم، كالترمذي، فقد جاء في جامع الترمذي، في باب ما جاء في آل عمران، في الحديث (٢٨٨٤،٢٨٨٣) عن نواس بن سمعان –﵁ عن النبي ﷺ قال: "يأتي القرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران". قال نواس: وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بَعْدُ، قال: "تأتيان كأنهما غيابتان وبينهما شرق، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما" قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنه يجئ ثواب قراءته. كذا فَسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجئ ثواب قراءة القرآن، وفي حديث نواس بن سمعان عن النبي ﷺ ما يدل على ما فسروا. إذ قال النبي ﷺ "وأهله الذين يعملون به في الدنيا" ففي هذا دلالة أنه يجئ ثواب العمل. وأخبرني محمد بن إسماعيل: أخبرنا الحميدي قال: قال: سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبد الله بن مسعود: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. قال سفيان: لأن آية الكرسي هو كلام الله وكلام الله أعظم من خلق الله من السماء والأرض". انتهى بنصه. هذا وجاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) ٨/١٩٤) ما نصه: (تجادلان عن صاحبهما) أي: تحاجان عنه، كما في رواية، والمحاجة: المخاصمة وإظهار الحجة. وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما وظاهر الحديث أنهما يتجسمان حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبهها بها النبي ﷺ ثم يقدرهما الله على النطق بالحجة. وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوي الذي يقول للشيء كن فيكون. ا. هـ

стр. 163

قلت ومما تقدم يتضح المراد، فالله يجعل من كلامه الذي أنزله على عباده أجساماً قادرة على النطق بقدرة القادر ﷻ ، تُحاجُّ عن صاحبها المستكثر من القراءة لتلك السور أو الآيات، وكما أن الأعمال والتي منها الأقوال؛ كالذكر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك توزن يوم القيامة، وتوضع في كفتي الميزان فتكون كالأعراض. فالله على كل شيء قدير. هذا ما أردت إيضاحه وقد أطلت الجواب عن هذا السؤال لأهميته. والله أعلم.

стр. 164

حول قوله تعالى: "وحملناهم في البر والبحر " المجيب محمد محمد سالم عبد الودود عضو اللجنة العلمية بالموقع القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٠٨/١١/١٤٢٦هـ السؤال ذكر الله في كتابه الكريم في سورة الإسراء، الآية٧٠ "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ... الخ". سؤالي: لماذا لم يذكر الله (الجو) ، أليست الطائرات تحملنا مثل السفن؟ أفيدونا مأجورين. الجواب الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله، وبعد: فإن هذه الآية الواردة في السؤال جاءت في سياق الامتنان على بني آدم، ولفظ (حملناهم) يشتمل على الفعل الماضي، وإلى حين نزول هذه الآية لم يكن هناك طائرات تحمل الناس في الجو، فليس من المناسب الامتنان عليهم بشيء لم يقع. بل لو أخبروا بذلك في ذلك الوقت لكذبوا به، كما كذبوا بالإسراء والمعراج؛ لبعدهما عن الواقع الذي يعيشونه في ذلك التاريخ. لكن تعال وانظر إلى قول الله في سياق الامتنان أيضاً، ولكن مع الإشارة إلى المستقبل: "والأنعام خلقها" إلى قوله: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" [سورة النحل: ٥-٨] . فقد اشتمل قوله تعالى: "ويخلق ما لا تعلمون". على الطائرات وغيرها مما يصل إليه تطور العلم الحديث في الحاضر والمستقبل. ولا يغبْ عن ذهنك أن لفظ (يخلق) فعل مضارع، ودلالته الأصلية على الزمان المستقبل، بينما لفظ (حمل) فعل ماض - كما سبق- ودلالته الأصلية على ما مضى من الزمان. وفي هذا أروع نماذج الدقة والمصداقية في التعبير، وهو أمر لا يمكن تذوقه إلا لمن أخذ بجانب من معرفة دلالات الألفاظ وأساليب العربية؛ لأن القرآن (بلسان عربي مبين) . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 165

حول قوله تعالى: "وحملناهم في البر والبحر" المجيب محمد محمد سالم عبد الودود عضو اللجنة العلمية بالموقع القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٠٨/١١/١٤٢٦هـ السؤال ذكر الله في كتابه الكريم في سورة الإسراء، الآية٧٠ "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ... الخ". سؤالي: لماذا لم يذكر الله (الجو) ، أليست الطائرات تحملنا مثل السفن؟ أفيدونا مأجورين. الجواب الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله، وبعد: فإن هذه الآية الواردة في السؤال جاءت في سياق الامتنان على بني آدم، ولفظ (حملناهم) يشتمل على الفعل الماضي، وإلى حين نزول هذه الآية لم يكن هناك طائرات تحمل الناس في الجو، فليس من المناسب الامتنان عليهم بشيء لم يقع. بل لو أخبروا بذلك في ذلك الوقت لكذبوا به، كما كذبوا بالإسراء والمعراج؛ لبعدهما عن الواقع الذي يعيشونه في ذلك التاريخ. لكن تعال وانظر إلى قول الله في سياق الامتنان أيضاً، ولكن مع الإشارة إلى المستقبل: "والأنعام خلقها" إلى قوله: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" [سورة النحل: ٥-٨] . فقد اشتمل قوله تعالى: "ويخلق ما لا تعلمون". على الطائرات وغيرها مما يصل إليه تطور العلم الحديث في الحاضر والمستقبل. ولا يغبْ عن ذهنك أن لفظ (يخلق) فعل مضارع، ودلالته الأصلية على الزمان المستقبل، بينما لفظ (حمل) فعل ماض - كما سبق- ودلالته الأصلية على ما مضى من الزمان. وفي هذا أروع نماذج الدقة والمصداقية في التعبير، وهو أمر لا يمكن تذوقه إلا لمن أخذ بجانب من معرفة دلالات الألفاظ وأساليب العربية؛ لأن القرآن (بلسان عربي مبين) . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 166

استراق الجن للسمع المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ١٧/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال سؤالي بخصوص قوله تعالى في سورة الجن "وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا" بحسب ما فهمته منها فإن الجن كانوا يسترقون السمع من السماء، وبهذا تمكنهم مساعدة العرافين وإخبارهم بالغيب. وبعد بعثة رسول الله محمد ﷺ لم يقدر الجن على سرقة أي معلومات من السماء، لكل من قراءتي لتفسير ابن كثير فهمتُ أن الجن قد حجبوا وقت تنزيل القرآن حماية له، ثم أخلي عنهم بعد ذلك، ويمكنهم الآن سماع ما يدور في السماء كما كان الوضع قبل نزول القرآن. فهل فهمي صحيح؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال الله تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ" [الحجر:١٦-١٨] . وقال تعالى: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" [الصافات:٦-١٠] .

стр. 167

ففي هذه الآيات دلالة على أن السماء محفوظة محروسة من الشياطين، فلا ينفذون منها ولا ينالون منها شيئاً، إلا ما يخطفه مسترق السمع من كلام الملائكة مما أوحى الله به، وتكلم به، فيصيب الملائكة من ذلك الغشي، فإذا أفاقوا تساءلوا عما قال الله، فيخبرون بذلك كما قال تعالى: "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ:٢٣] . ومسترق السمع إذا سمع شيئاً من كلام الملائكة ألقاه إلى من تحته، ثم يلقيه الآخر إلى من تحته، إلى أن تبلغ الكاهن، ولابد أن يرمى مسترق السمع بالشهاب المحرق، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقي الكلمة، وربما ألقاها قبل أن يدركه، كما ثبت في صحيح البخاري (٤٨٠٠) عن أبي هريرة –﵁: قال: إن نبي الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان (أحد رواة الحديث) بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذبُ معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا: يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سمع من السماء". وأما قوله تعالى: "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا " [الجن:٨-٩] .

стр. 168

فهذا خبر من الله عن الجن أنهم قالوا ذلك، وكلامهم هذا يدل على أنهم كانوا أولاً يتمكنون من الاستماع، ثم حيل بينهم وبين ذلك بسبب تشديد الحراسة على السماء، ومضاعفة الرمي بالشهب، وذلك عندما يوحى إلى النبي ﷺ حفظاً للوحي من أن تدرك الشياطين شيئاً منه، أو تخطف منه كلمة، وهذا الأمر مختص بوقت نزول القرآن مدة حياة النبي ﷺ . وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن حجب الشياطين عن استراق السمع مستمر، فهم الآن لا يستطيعون أن يقتربوا من السماء، وأن يسترقوا شيئا من كلام الملائكة. وقال بعض العلماء: إن عزل الشياطين عن قربان السماء واستراق السمع مختص بوقت نزول الوحي على النبي ﷺ صيانة وحفظا لما كان ينزل على النبي ﷺ من الكتاب والحكمة، ولما انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ عاد الأمر إلى ما كان عليه. وهذا والله أعلم- أظهر، وهو الذي ذكرته عن الإمام ابن كثير ﵀. والله أعلم.

стр. 169

ما الفرق بين التفسير الظاهري والباطني للقرآن ؟! المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٢٤/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال ما الفرق بين تفسير القرآن الظاهري والباطني؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالتفسير الظاهري للنص هو المعتبر في كل لغة، وكل كلام إنما يفسر حسب الظاهر المتبادر لقارئ الألفاظ ومستمع الكلام. والقرآن كذلك نزل باللسان العربي، قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" [يوسف:٢] , وقد بيّن الله تعالى أيضا أن هذا القرآن: بيان وهدى ورحمة وفرقان، وهذه الصفات تعني أن يحمل على ظاهر لفظه، ولا يمكن أن يكون الكلام المحمول على غير الظاهر هاديا وبيانا، ولو حمل كل إنسان القرآن على معنى غير ظاهر من اللفظ لزالت عن القرآن صفة الهداية والبيان والرحمة والفرقان، وإذا زالت عنه هذه الصفات فلا يرجى أن يعقل ما فيه ولا أن يفهم ما يحويه وذلك معنى قوله: "لعلكم تعقلون" بعد قوله: "عربيا". ونقل السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/٤٨٥) قول النسفي: النصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد. وقول التفتازاني: سميت الملاحدة باطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. ا. هـ والتفسير الباطني: داخل تحت تحريف الكلام عن مواضعه، ووضع للأدلة في غير مواضعها، وهو تَقَوُّلٌ على الله تعالى ما لم يقل، وبهتان مبين، وانحراف عن جادة السبيل. ومن ذلك تفسير قوله تعالى: "وكلم الله موسى تكليما" [النساء:١٦٤] . قال بعض المعتزلة المنكرين لكلام الله: كلمه بأظفار المحن، أي جرح قلبه بالحكم والمعارف تجريحا. وقام بعضهم بتحريف إعراب لفظ الجلالة من الرفع على أنه فاعل، إلى النصب على أنه مفعول به هكذا: وكلم اللهَ موسى تكليما.

стр. 170

فالتحريف الأول تحريف معنوي للفظ، والتحريف الثاني لفظي. قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا، فإذا قال: تكليما. وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل. ومما يردّ عليهم هذا التحريف قوله تعالى في موضع آخر: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه" [الأعراف:١٤٣] . قال الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن (٢/٥٥) : ومذهب الباطنية على عمومه وباء انتقل إليهم بطريق العدوى من المجوس. ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: "وورث سليمان داود" [النمل:١٦] . إن الإمام عليا ورث النبي في علمه. ويقولون: معنى الجنابة: إنها مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك. ومعنى الطهارة: التبري من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، ومعنى التيمم: الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي الإمام، ومعنى الصيام: الإمساك عن كشف السر، ويقولون: إن الكعبة هي النبي ﷺ ، والباب: علي، والصفا: هو النبي، والمروة: علي، ونار إبراهيم: هي غضب النمرود عليه، وعصا موسى: هي حجته ... إلى غير ذلك من الخرافات التي لا يقبلها عقل ولا يؤيدها نقل. وهذه التأويلات الفاسدة من أشد وأنكى ما يصاب به الإسلام والمسلمون؛ لأنها تؤدي إلى نقض بناء الشريعة حجرا حجرا، وإلى الخروج من ربقة الإسلام، وحل عراه عروة عروة، ولأنها تجعل القرآن والسنة فوضى فاحشة يقال فيهما ما شاء الهوى أن يقال، كأنهما لغو من الكلام أو كلأ مباحاً للبهائم والأنعام، وأخيرا ينفرط عقد المسلمين ويكون بأسهم بينهم من جراء هذا العبث بتلك الضوابط الدينية الكبرى والحوافظ الأدبية العظمى وما دام لكل واحد أن يفهم من القرآن ما شاء له الهوى والشهوة دون اعتصام بالشريعة ولا التزام لقواعد اللغة لم يعد القرآن قرآنا وإنما الهوى والشهوة فحسب ...

стр. 171

وأما التفسير الإشاري، فهو تأويل القرآن بغير ظاهره، لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضا ... كقول بعضهم في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" [التوبة:١٢٣] : إن المراد النفس، يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب وأقرب، شيء إلى الإنسان نفسه. قال الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن (٢/٥٧) : ومن هنا يعلم الفرق بين تفسير الصوفية المسمى بالتفسير الإشاري وبين تفسير الباطنية الملاحدة، فالصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر، بل يحضون عليه، ويقولون: لا بد منه أولا، إذ من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظاهر، كمن ادعى بلوغ سطح البيت قبل أن يجاوز الباب، وأما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن، وقصدهم نفي الشريعة. ا. هـ وقد اختلف العلماء في هذا التفسير الإشاري، فمن منعه قال خشية الوقوع في التقول على الله بغير علم ولا هدى. ومن أجازه شرط في ذلك سبعة شروط: الأول: ألا يكون التفسير الإشاري يتنافى وما يظهر من معنى النظم القرآني. الثاني: ألا يدعى أنه هو المراد وحده دون الظاهر، أو باقي وجوه التفسير. الثالث: ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي. الرابع: ألا يكون مبنيا على نصرة البدعة ونشر الهوى. الخامس: ألا يكون له شاهد شرعي يؤيده. فلا يكون بهذا إشاريا. السادس: ألا تؤخذ الأحكام عن طريق التفسير الإشاري لعدم الدليل الواضح عليها.. وما يستفاد منها فهو في مجال الأخلاق وسمو النفس وتقوية الإيمان وتثبيت اليقين.

стр. 172

السابع: ألا يتحتم على أحد الأخذ بالتفسير الإشاري..وإنما هي معاني الأسرار القرآنية تنقدح في قلب المؤمن التقي الصالح العالم، فهو إما أن يبقيها بينه وبين ربه ﵎، وإما أن يعلم بها من غير أن يلزم بها أحدا، وهذه الشروط عند توافرها تخالف واقع التفاسير الصوفية. انظر أسباب الخطأ في التفسير (٢/٧٤٢-٧٤٣) . وقال ابن تيمية في الفتاوى (١٣/٢٤١) : وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان: أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا، لكونه مخالفا لما علم، فهذا في نفسه باطل، فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق. والثاني: ما كان في نفسه حقا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يُرَدْ بها ذلك، فهذا الذي يسمونه إشارات..ثم قال: وأما النوع الثاني فهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس فإن المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه وهذان قسمان: أحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: (تذبحوا بقرة) : هي النفس، وبقوله: (اذهب إلى فرعون) : هو القلب، (والذين معه) : أبو بكر، (أشداء على الكفار) : عمر، (رحماء بينهم) : عثمان، (تراهم ركعا سجدا) : علي. فقد كذب على الله إما متعمدا وإما مخطئا. والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي يسميه الفقهاء قياسا هو الذي يسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك:

стр. 173

فمن سمع قول الله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون" [الواقعة:٧٩] ، وقال: إنه اللوح المحفوظ، أو المصحف، فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين، كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا؛ ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف. قال تعالى: "ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" [البقرة:١-٢] . وقال: "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين" [آل عمران:١٣٨] . وقال: "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" [المائدة:١٦] وأمثال ذلك. وكذلك من قال:"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب " فاعتبر بذلك أن القلب لا تدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب، قال تعالى: "أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم" [المائدة:٤١] . وقال تعالى: "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا" [الأعراف:١٤٦] وأمثال ذلك ا. هـ. والله أعلم.

стр. 174

هل هذه الآية حرز من العين ؟ المجيب د. محمد بن سريّع السريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/التفسير الموضوعي التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال هل يصح الاستدلال بقوله تعالى: "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" كدليل بأن قول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" يزيل العين، أم أن هذه الآية دليل على وجوب شكر النعمة فقط؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالآية لا شك أنها دالة على وجوب شكر النعمة، إذ فيها اعتراف بأن ما عند العبد فهو من الله، وفيها تبرؤ من الحول والقوة إلا به تعالى. كما أنه ينبغي لمن رأى شيئاً يعجبه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لقوله ﷺ : "هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت". مسند أحمد (١٥٤١٣) ، وسنن ابن ماجه (٣٥٠٩) . فينبغي لمن رأى ما يعجبه -له أو لغيره- أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية: "وأما العلاج للعائن فإذا رأى ما يعجبه فليذكر الله وليبرك كما جاء في الحديث: "هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت" فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ويدعو للشخص بالبركة". ا. هـ.

стр. 175

وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة، وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده". حدثنا جراح بن مخلد: حدثنا عمر بن يونس: حدثنا عيسى بن عون: حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت". وكان يتأول هذه الآية: "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" [الكهف:٣٩] . قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه. ا. هـ كلام ابن كثير. والله أعلم.

стр. 176

المجاز في القرآن المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/ مسائل متفرقة التاريخ ٢٤/٧/١٤٢٢ السؤال ما حكم تأول المجاز عند تفسير القرآن فنقول مثلا عند تفسير قوله تعالى: ((إن الأبرار لفي نعيم)) إن استعمال النعيم في الآية مجاز؛ لأن النعيم لايحلَّ فيه الإنسان لأنه معنى من المعاني، وإنما أطلق فيه الحال وأريد المحل، وهل يعتبر المجاز في القرآن من باب القول على الله بغير علم؟ الجواب مسألة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز من المسائل التي نقل الخلاف فيها قديماً، وجماهير أهل العلم من المفسرين، والأصوليين، وأهل اللغة على إثباته، ولايفرقون بين مورده في اللغة، ومورده في القرآن الكريم، وفيهم أئمة لهم قدم صدق في تقرير عقيدة السلف والذود عنها. والذين ذهبوا إلى نفي المجاز -خصوصاً من أهل السنة- حملهم على ذلك مارأوه من تسلط المبتدعة بدعوى المجاز على نصوص الوحيين، فعطلوها عن دلالاتها في مسائل الغيبيات، وصفات الخالق خصوصاً. وفي الحق، فإن القول بالمجاز لاخطر وراءه، ذلك أن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته إلا بقرينة بإجماع أهل العلم، ولا قرينة تصحّح قول المعطل، وإنما أُتوا من توهّم كيفيات معينة لتلك النصوص، ثم سلّطوا التأويل عليها لدفع توهمهم الفاسد. على أن تلك الأخبار المتعلقة بالله -تعالى- لاتقبل دعوى المجاز من جهة اللغة وتراكيب الكلم، وهذا مبسوط تقريره في كلام أهل السنة -والحمد لله-. والمقصود أنه لاضير من القول بالمجاز، ولايعدّ من القول على الله بغير علم، إذ القرآن الكريم نزل بلغة العرب، فجرى على طرائقهم في التعبير، وأساليبهم في تركيب الكلم، وإنما يكون قولاً على الله بغير علم إذا تعلق بأمور غيبية لاتدرك، ولم تشاهد تُعطل عن ظواهرها، ويُلحد فيها. بقي أن يقال: إن الأسلوب المجازي ضرورة لبقاء أي لغة وحياتها، إذ الألفاظ وإن كثرت فهي محدودة لا تستوعب كل ما يطرأ من المعاني في حياة الناس، ومن تأمل هذا الأمر زال عنه - بإذن الله - كل تردد في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.

стр. 177

هل البسملة آية من الفاتحة المجيب أ. د. صالح بن عبد الله اللاحم عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٠/٨/١٤٢٢ السؤال هل البسملة آية من آيات سورة الفاتحة، وهل تجب قراءتها في كل ركعة من الصلاة؟ الجواب ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة في الفتاوى (٢٢/٢٧٦ - ٢٧٩، ٤٠٦ - ٤٠٨) . وخلاصة ما ذكره ﵀ أن العلماء اختلفوا في ذلك على أقوال: الأول: أنها ليست آية من القرآن إلا في سورة النمل، وأن ذكرها في أول السور على سبيل التبرك. الثاني: قال طائفة منهم الشافعي: إنها آية من كل سورة، ولهم على ذلك أدلة منها أن الصحابة لم يكتبوها في المصحف مع تجريدهم للمصحف عما ليس من القرآن إلا وهي من السورة. الثالث: قال أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبي حنيفة: إنها من القرآن للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن، لكن لا يقتضي ذلك أنها من السورة، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال:" نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ... ". وثبت في الصحيح أن أول ما جاء الملك بالوحي قال:" اقرأ باسم ربك الذي خلق ... الآيات " فهذا أول ما نزل، ولم ينزل قبل ذلك بسم الله الرحمن الرحيم، وثبت في السنن أنه ﷺ قال:" سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك "وهي ثلاثون آية بدون البسملة. فمجموع هذه الأدلة يدل لهذا القول وهو أن البسملة آية في أول كل سورة وليست من السورة، وهو أوسط الأقوال وأعدلها. وأما تلاوتها في الصلاة فإن طائفة لا تقرأها سراً ولا جهراً كمالك والأوزاعي، وطائفة تقرأها جهراً كأصحاب ابن جريج والشافعي، والطائفة الثالثة المتوسطة: جماهير فقهاء الحديث يقرؤونها سراً. ولكن ينبغي مراعاة تأليف القلوب بفعل الأمر الذي لا تنكره قلوب الناس ولا تنفر منه؛ لأن مصلحة تأليف القلوب في الدين أعظم من مصلحة فعل بعض المستحبات. انتهى ملخصاً، وارجع إلى كلامه في موضعه فإنك واجد ثمة مزيد فائدة.

стр. 178

بأي التفاسير تنصحون ؟ المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١/٦/١٤٢٢ السؤال بأي التفاسير تنصحون من ابتغى علم التفسير؟ الجواب أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز- ﵀ على سؤال مشابه لسؤالك بالفتوى رقم ٢٦٧٧ فكانت الإجابة كالتالي: أجود كتب التفسير يختلف باختلاف طاقة القارئ ووسعه، وعلى كل حال فإن أجودَها في نفسها كتاب تفسير ابن جرير الطبري، وكتاب تفسير ابن كثير ونحوهما من كتب التفسير بالأثر، فإنها أسهل تعبيراً وأعدل في فهم المراد، وألمس لمعاني القرآن، وأقرب إلى إصابة الحق وبيان مقاصد الشريعة، مع ذكر ما يشهد لذلك من الأحاديث والآثار الثابتة، ورد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. ا. هـ ومما يُذكّر به أيضاً أن كتب التفسير تختلف بحسب حاجة القارىء إليها؛ فمن كان يبحث عن المسائل الفقهية، أو استنباطات ودلالات الأحكام فإن تفسير القرطبي وكتب تفسير آيات الأحكام تفيده. ومن كان يبحث عن الأمور اللغوية فإن التفاسير التي يغلب عليها هذا الجانب؛ تفسير أبي حيّان ونحوه تفيده. وهكذا بحسب الفنون التي يقصدها القارئ. ومعاني كتاب الله من السعة والشمول بحيث لا يحيط بها كتاب من كتب التفسير مهما عظُم قدْر مؤلِّفه. وإن من جوانب الإعجاز التي ينبغي ألا يغفل عنها أن كل مفسر يرى أنه سيضيف جديداً في تفسيره، ويرى أن كتب التفسير التي سبقته لم توفّ ما وفّاه ويظل هذا الكتاب المعجز متجدداً بفيوض معانيه على تعاقب الأجيال، لا يخلق من كثرة الردّ. بقي أن نذكّر أن من كتب التفسير المتأخرة الميسرة المفيدة، تفسير الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 179

رفع الصوت بقراءة القرآن المجيب محمد بن عبد العزيز العامر القاضي بمحكمة جدة القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٧/٤/١٤٢٢ السؤال ما حكم رفع الصوت بقراءة القرآن؟ الجواب إن كان الإنسان خالياً فلا بأس (إن شاء الله تعالى) ، وإن كان هذا في المسجد، والناس يصلون فلا ينبغي مثل هذا لما فيه من التشويش على غيره، وقد نهى عنه النبي ﷺ ، فيما رواه أحمد وأبو داوود من حديث أبي سعيد الخدري، قال: "اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له، فكشف الستر، وقال: ألا كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". وروى مالك في الموطأ عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس، وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".

стр. 180

إهداء قراءة القرآن للميت المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٠٣/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال ما حكم قراءة القرآن الكريم وإهداء ثوابه للميت؟ هل يجوز استدعاء حفظة القرآن الكريم لنفس الغرض، مقابل إعطائهم مبلغاً غير مشروط من المال؟، جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فالجواب عن السؤال الأول إن قراءة القرآن وإهداءها للميت محل خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من رأى أنه مشروع قال ابن أبي العز الدمشقي في شرح الطحاوية (٢/٦٧٣) ما نصه: (وأما قراءة القرآن وإهداؤها له أي للميت تطوعاً بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل إليه ثواب الصوم والحج) ، وجاء في الروض المربع للبهوتي الحنبلي (ص١٩٢) في آخر كتاب الجنائز ما نصه: (وأي قربة من دعاء واستغفار وصلاة، وصوم، وحج، وقراءة قرآن، وغير ذلك فعلها مسلم وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك، قال أحمد: (الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه) ، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن إهداء قراءة القرآن للميت غير مشروعٍ؛ لأنه لم يكن معروفاً في السلف ولا أرشدهم إليه النبي ﷺ ، وإنما أرشدهم إلى الصوم، والحج، والصدقة عن الميت دون قراءة القرآن، وفي نظري أن هذا القول أرجح وأن على المهدي لميته أن يدعو له للحديث الصحيح:"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة ﵁، والله أعلم. وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول: إن استئجار قوم يقرؤون القرآن وإهداءه للميت ولو لم يتفق على الأجرة من البدع المستحدثة، قال ابن أبي العز الدمشقي في شرح الطحاوية (٢/٦٧٢) ما نصه: (وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين ولا رخص فيه) ، انتهى والله أعلم.
следующие страницы →