Полный текст (10 202 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الثانية: أجمعت الأمة من السلف والخلف على جواز النسخ ووقوعه في القرآن الكريم بدليل قوله – تعالى -:" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير " [البقرة: ١٠٦] ، وقوله:" يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " [الرعد: ٣٩] ، وقوله: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعقلون " [النحل: ١٠١] . فهذه الآيات نصت على أن الله إذا أراد نسخ حكم أو تأجيله أتى بحكم مثله أو أفضل منه؛ لأن علمه محيط بكل شيء في هذا الكون، ومسطور عنده في اللوح المحفوظ، ويمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء ممّا فيه مصلحتهم، وهو العليم في إبداله آية مكان أخرى، وحكماً مكان آخر، وبهذا يتبين أن كل المعاني اللغوية في النسخ متحققة في معناه الشرعي، على أن السلف من الصحابة والتابعين أكثر ما يطلقون لفظ النسخ في القرآن يريدون به التخصيص وهو غير ما يريده أو عرفه به علماء الأصول، حيث هو عندهم: (رفع الحكم السابق بحكم لاحق بدليل شرعي متراخياً عنه) ، فالمعنى عند السلف حين فسروا النسخ بالتخصيص أوسع من تعريف المتأخرين، وقد بالغ بعض المفسرين في تعيين المنسوخ من آيات القرآن حتى عدوا جميع آيات الجهاد في القرآن وقالوا: نسختها آية واحدة هي آية السيف " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة " [التوبة: ٣٦] ، وقالوا: إن هذه الآية نسخت ما يقرب من (٥٠٠) آية من القرآن، وهذه المبالغة في هذا التوجه إنما هو مسايرة للمفهوم الأول للنسخ، المعروف عند السلف من الصحابة والتابعين كعبد الله بن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والحسن البصري، ولو طبق على كل هذا العدد من الآيات التي يقال إنها منسوخة. - الاصطلاح الثاني – اصطلاح المتأخرين من علماء أصول التفسير والفقه لا نحصر هذا إلى عدد رؤوس الأصابع، فمثلاً الإمام محمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين يرى أن آيات الجهاد
стр. 107
والقتال ليس فيها ناسخ ومنسوخ، بل تحمل آيات القتال والغزو على حال ما إذا كانت الأمة المسلمة قوية، وتحمل آيات الصبر والموادعة والمهادنة على ما إذا كانت الأمة ضعيفة مغلوبة على أمرها، وهذا رأي راشد وسديد، وعليه لا تكون آية السيف ناسخة لذلك العدد الكبير من آيات القتال.
وقد تتبع الحافظ بن جرير الطبري الآيات التي يمكن أن يقال إنها منسوخة فوجهها توجيهاً سديداً، وبقي عنده قرابة إحدى عشرة آية فقط هي منسوخة الحكم قطعاً لتغير الحكم اللاحق عن السابق بنص قطعي من القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة، وهي معروفة عند أهل الاختصاص في علوم القرآن.
وعلم الناسخ والمنسوخ من أهم علوم القرآن، روي عن علي بن أبي طالب أنه سمع واعظاً يعظ الناس، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن؟ قال: لا، فقال له: لقد هلكت وأهلكت.
الثالثة: قال بمنع وقوع النسخ في القرآن قديماً اليهود - عليهم لعائن الله - وتبعهم أبو مسلم الأصبهاني المعتزلي (ت ٤٥٩هـ) ، وبعض الكتاب المعاصرين كعبد الكريم الخطيب، وعبد المتعال الجبري، ووجه منع وقوعه في القرآن الكريم عند اليهود أن القول بالنسخ يعني القول بالبداء، وهو: الظهور بعد الخفاء، أما من جاء بعدهم فوجه منعه عندهم لئلا يأتي أحد فيغير حكم الله، ثم يقول: إن هذا كان منسوخاً، ودليل هؤلاء وأولئك في المنع ظاهر قوله - تعالى - في وصف القرآن:" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " [فصلت: ٤٢] ، والباطل ضد الحق.
ولكن أولئك نسوا أن الله هو منزل القرآن وهو المتكفل بحفظه " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [الحجر: ٩] . كما نسوا أو تناسوا أن الحافظ لهذا الكتاب من أن يقع فيه باطل أو تحريف، هو الذي أوجد فيه الناسخ والمنسوخ لحكمة يعلمها- سبحانه -.
стр. 108
واليهود قد تذرعوا ظاهراً لما منعوا وقوع النسخ في كلام الله – بالبداء، وهو: الظهور بعد الخفاء، وتبعهم الرافضة الغلاة، ويروون عن جعفر الصادق أنه قال:" البداء ديني ودين أبائي "، ومتى كان اليهود يقصدون التنزيه للباري - سبحانه -، وهم الذين وصفوه بأحط الصفات – تعالى - الله عن ذلك علواً كبيراً، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقالوا: عزير ابن الله، وقالوا: الملائكة بنات الله.. إلخ. وإنما كان قصد اليهود في مقالتهم تلك لما منعوا وقوع النسخ في كلام الله كتمان الحق، وكراهية أهله، وبغضاً لمحمد – ﷺ – الذي يعرفونه حق المعرفة " الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ... " [الأعراف:١٥٧] .
أما إنكار أبي مسلم الأصبهاني المعتزلي (ومخالفته لجمهور المعتزلة أيضاً) ، وبعض الكتاب المعاصرين إنما كانت مخالفتهم لجهلهم باللغة العربية، وأقوال سلف الأمة، ومحبتهم للتجديد والمخالفة طلباً للشهرة واتباعاً لكل قول مطمور مهجور.
الرابعة: سبق أن ذكرت بأن التخصيص (النسخ عند السلف) أعم من النسخ عند المتأخرين؛ لأن التخصيص قد يكون بالتقييد بعد الإطلاق، أو بالتفصيل بعد الإجمال، أو بالوصف، أو الاستثناء.. إلخ، وهذا معلوم في مظانِّه وعند أهله المتخصصين به.
ويجب أن يعلم أن النسخ في القرآن لا يقع إلا في خطاب الأمر والنهي، ولا يقع في الأخبار، فلم يقع في قصص الماضين، ولا في أمور الاعتقاد؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ولا في أسماء الله وصفاته، كما لا يقع النسخ في الأمور الكونية كقوله:" الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " [الملك: ٣] . ونحو قوله:" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " [يس: ٣٧] .
الخامسة: بعض الآيات المنسوخة حكماً عند جمهور الأمة من السلف والخلف:
١) نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام.
стр. 109
٢) عدة المرأة المتوفى عنها زوجها كانت عدتها من أول الأمر سنة كاملة، ثم نسخ ذلك فصارت أربعة أشهر وعشراً.
٣) المصابرة في مقابلة العدو كان في أول الأمر يجب أن يثبت المسلم أمام عشرة من الكفار، ثم نسخ ذلك بأخف منه لما علم الله ضعف المسلمين، فلزم أن يثبت المسلم أمام اثنين من الكفار فقط.
٤) كانت الخمر حلالاً في مثل آية البقرة، ثم نسخ ذلك بآية الخمر في سورة المائدة.
٥) نسخ الصدقة عند إرادة مناجاة الرسول كما في سورة المجادلة.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 110
تنكيس الآيات والسور
المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٦/٢/١٤٢٣
السؤال
سمعت أن من يقرأ القرآن على غير ترتيبه أي ينكس في ترتيب السور ينكس الله قلبه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
التنكيس نوعان:
النوع الأول: تنكيس الآيات، وهو أن يقرأ الآيات بقلب ترتيبها، فتكون الآية رقم (٢) قبل الآية رقم (١) وهكذا، كأن يقرأ: مالك يوم الدين الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
وهذا التنكيس لا يجوز إطلاقاً، ومن قرأ به فهو منكوس القلب؛ لأنه يخلُّ بالقرآن وبمعانيه.
وعلى هذا يحمل الأثر الوارد عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً، فقال: "ذلك منكوس القلب"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٩٤٧) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٢٩٨) ، وأبو عبيد في فضائل القرآن، والطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧٠) ، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١١١) ، وإسناده جيد.
النوع الثاني: تنكيس السور، وهو أن يقرأ السور خلاف ترتيبها في المصحف، فيقرأ سورة الناس، ثم الفلق، ثم الصمد، وهكذا.
وقد حمل بعض العلماء أثر ابن مسعود ﵁ السابق على تنكيس السور، ولكن الذي يظهر أن كلام ابن مسعود ﵁ عن الذي ينكس الآيات لا الذي ينكس السور، خصوصاً إذا علم أن ترتيب مصحف ابن مسعود ﵁ لم يكن كالترتيب الذي استقر عليه المصحف العثماني، وهذه مسألة تحتاج إلى نظر وبحث.
стр. 111
ثم إنه قد صح عن النبي – ﷺ أنه قرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فقد روى مسلم في صحيحه (٧٧٢) عن حذيفة بن اليمان –﵁ قال: "صليت مع النبي – ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوّذ".
وعمل النبي – ﷺ يدل على جواز التنكيس، وقد حمله بعض العلماء على أنه قبل أن يستقر الترتيب في العرضة الأخيرة، وهذا يعني أن هذا مما نسخ، وهذا غير سديد؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لجاء من النص الصريح ما يدل على ذلك، فلما لم يرد عن النبي – ﷺ أمر باتباع ترتيب السور، ولا ورد عنه – ﷺ نهي عن أن يخالف الترتيب، فإن الأمر يبقى على الجواز، خصوصاً مع وجود عمله – ﷺ كما في هذا الحديث، وكذا تقريره لهذا في الحديث الذي ورد عن أنس بن مالك قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ"قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما أتاهم النبي – ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "مايحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال النبي – ﷺ حبُّك إياها أدخلك الجنة"، ذكره البخاري تعليقاً في كتاب الأذان باب: الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم، ورواه الترمذي (٢٩٠١) والحاكم (٩١٣) وغيرهما.
ولا شك أن التزام الرجل بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة يلزمه أن يقرأ بعدها سورة متقدمة عليها، وفي هذا الحديث تقرير النبي – ﷺ لهذا العمل، فهو دليل على جواز تنكيس السور أيضاً.
стр. 112
ثم إن عمل المسلمين منذ القديم في تعليمهم للصبيان جاء على تنكيس السور، حيث يبدؤون بهم من آخر القرآن، ولو كان لا يجوز لما أطبق عليه المسلمون كما ترى.
ومن حَمَلَ أثر ابن مسعود ﵁ على عدم جواز تنكيس السور فإن ذلك يلزم منه لوازم، منها:
١-أنه يجب وجوباً عينياً معرفة ترتيب السور.
٢-أن المسلمين لم يكونوا يعملون بهذا الترتيب حتى كتب عثمان ﵁ المصاحف؛ لأن قراء الصحابة لم يكن كلهم على علم بهذا الترتيب، كما لم يكونوا على علم بما نسخ وما لم ينسخ، فكانوا يقرؤون بما قرؤوا على رسول الله ﷺ ، ولم يَدَعُوه إلا في عهد عثمان ﵁ حيث أجمعوا على التزام مصاحف عثمان ﵁، وتركوا ترتيب السور الذي كان في مصاحفهم، كما تركوا المنسوخ من الآيات، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا محله والله الموفق.
والمقصود أن تنكيس السور جائز بالدلائل السابقة، والله أعلم.
стр. 113
ما هي القراءات السبع ؟
المجيب
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٥/١١/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم.
لقد أشكل علي أمر القراءات، بالأخص بعدما علمت أنها ليست هي الأحرف السبعة، فهل هي واردة عن الرسول ﷺ أم من أين هي؟ وكيف أفسر لشخص جديد بالإسلام هذا الأمر بعدما وجد اختلافاً بين حفص وورش؟ ومن هو حفص وورش؟ وإن لم تكن هذه القراءات إلا بعد سنين من الرسول ﵊ فكيف يكون حفظ الله للقرآن؟ أريد أجوبة فاصلة وجزاكم الله خيراً.
الجواب
جُمع القرآن الكريم ثلاث مرات، المرة الأولى في عهد النبي ﷺ وكان مفرقاً على اللخاف والرقاع والعُسب وغيرها، بالأحرف السبعة أي: اللهجات العربية التي كانت منتشرة في جزيرة العرب، ثم جُمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في مصحف واحد على الأحرف السبعة أيضاً، ثم جُمع في عهد عثمان ﵁ على حرف قريش أي على لغة قريش، وذلك لأن أكثر القرآن الكريم نزل بلغة قريش، ولأنه أول ما نزل كان بلغة قريش، والقراءات السبع جزء من حرف قريش، أي: من لغة قريش، واختلاف القراءات اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وقد جمعت القراءات السبع في القرن الثالث الهجري جمعها أبو بكر بن مجاهد ﵀ في كتابه (السبعة) ، إذن فالقراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة بل هي جزء منها.
حفص هو: حفص بن سليمان الكوفي تلميذ عاصم بن أبي النجود الكوفي توفي سنة (١٨٠) هـ.
وقراءته أكثر القراءات القرآنية انتشاراً في العالم.
ورش: هو عثمان بن سعيد المصري الملقب بـ ورش، تلميذ نافع المدني توفي سنة (١٩٧) هـ.
وقراءته منتشرة في بلاد المغرب العربي خاصة، والله أعلم.
يراجع الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي.
البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي.
стр. 114
لا يعطى إجازة في القرآن حتى يقسم على أن يجيز غيره !
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٣/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
المراكز الموجودة في بلدي (جمعية المحافظة على القرآن الكريم) لا تعطي إجازة في القرآن إلا إذا أقسم أمام شيوخ الإجازة على أن يجيز ثلاثة على الأقل (وهو إجباري عندهم) ، وإذا لم يقسم رفضوا أن يعطوه الإجازة بأي حال من الأحوال، وحجتهم في ذلك أن الشروط المعتبرة عند العلماء:
(١) إخلاص النية.
(٢) أن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره بسند صحيح.
(٣) أن يقرئ كما قرأ.
(٤) أن يورث هذا العلم.
أنا طالبة أدرس في هذا المركز وأقرأ القرآن حالياً أمام معلمة تحمل إجازة في القرآن، وهي ترفض أن تعطيني الإجازة إلا بالقسم فهل يجوز لي أن أقسم؟ وما معنى كتمان العلم؟ وهل إذا حصل الشخص على إجازة ولم يجز في المستقبل، هل يعتبر كاتماً للعلم وما هو الدليل؟ وما هو المقصود بتوريث العلم لطالب الإجازة، هل يعني ذلك أن يجيز أم يكفي له أن يدرّس علم التجويد؟ وهل كل من يحصل على الإجازة عن طريق شيخ واحد يعتبر مُؤهَّلاً لأن يجيز في المستقبل أم لا بد له أن يتردد على شيوخ آخرين؟.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
стр. 115
فما ذكرته السائلة الكريمة عن هذا المركز وطريقته في إعطاء الإجازة، هو من جملة الوسائل والطرق في تعليم القرآن الكريم، ولا مشاحة فيها، لأنها من المصالح التي لا تخالف نصا من كتاب أو سنة، بل هي مما يعين على تحقيق ما أمر الله به في كتابه وسنة نبيه ﷺ حيث أمر تعالى ببلاغ دينه، وحذر من كتمانه، في عدد من الآيات كقوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم" [آل عمران: ١٨٧] ، وقال تعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار" [البقرة: ١٧٤] ، وفي الحديث الذي أخرجه أحمد (١٠٤٢٠) ، وأبو داود (٣٦٥٨) ، والترمذي (٢٦٤٩) ، وابن حبان (٩٥-٩٦) ، والحاكم (٣٥١-٣٥٢) ، وصححه الحاكم وغيره عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو – ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"، فلا يظهر لي ما يمنعك من القسم على نحو ما شرطوا عليك إذا علمت من نفسك الوفاء بمقتضى هذه الشروط، وضابط الوفاء بهذه الشروط أن تبذلي وسعك وطاقتك في الوفاء بها، فإن حصل منك بعد هذا تقصير أو نقص فأرجو أن لا حرج عليك، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يظهر لي أن عدم إعطاء إجازة يعد من كتم العلم، وما ذكرته في سؤالك لا يدل على أن هذا المركز اشترط أن تعطي الإجازة لمن تعلمينه القرآن، وبكل حال فالمقصود تبليغ العلم وتعليم الناس، والإجازة من الوسائل وليست غاية في ذاتها، فإذا حصل تعليم القرآن الكريم للناس ونشره فيهم حتى من غير إعطاء الإجازة فقد حصل المقصود، وبرأ العالم من إثم كتم العلم، على أن أكثر المدارس والمشايخ لا يشترطون غالب هذه الشروط، ولا يلزم أن تكون الإجازة من ثلاثة من المشائخ، بل العالم المتقن الذي يحمل إجازة يحق له أن يعطي غيره من المتعلمين إجازة إذا أتقن
стр. 116
التلاوة والأداء.
وأما المراد بتوريث العلم فلعك تسألين المركز ذاته عن مراده، لأنه يحتمل أكثر من معنى، وإن كان الظاهر أنهم قصدوا تعليم العلم ونشره بين الناس، والله أعلم.
стр. 117
التنقل بين القراءات في السورة الواحدة
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٨/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
إذا بدأ الإنسان بقراءة سورة طويلة من القرآن بقراءة معينة من القراءات السبع أو العشر، فهل يجب عليه أن يكمل ويتم السورة كلها بهذه القراءة؟ أم يجوز أن يغير فيها من قراءة لأخرى؟
الجواب
اختلف أهل العلم في حكم جمع القارئ القراءتين أو أكثر في تلاوة واحدة على النحو التالي:
(١) من أهل العلم من منع ذلك مطلقاً كأبي الحسن السخاوي في كتابه "جمال القراء" حيث عدَ خلط القراءات بعضها ببعض خطأ.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن جمع القراءات السبع هل هو سنة أو بدعة فأجاب (....وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة)
[الفتاوى ١٣/٤٠٤] .
(٢) قال ابن الجزري: (وأجازها أكثر الأئمة مطلقاً) [النشر:١/١٨] .
(٣) ومن أهل العلم من فصل في المسألة:
فقد قال النووي ﵀ في كتابه "التبيان" (وإذا ابتدأ القارئ بقراءة شخص من السبعة فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة ما دام الكلام له ارتباط، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة، والأولى دوامه على تلك القراءة في ذلك المجلس) أ. هـ.
قال ابن الجزري (النشر ١/١٨) : (وهذا معنى ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه) ثم نسب إلى أبي اسحاق الجعبري قوله: (والتركيب ممتنع في كلمة وفي كلمتين إن نطق أحدهما بالآخر وإلا كره) .
стр. 118
قال ابن الجزري ﵀: (والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم كمن يقرأ "فتلقى آدم من ربه كلمات" [البقرة: ٣٧] بالرفع فيها أو بالنصب آخذاً رفع "آدم" من قراءة غير ابن كثير، ورفع "كلمات" من قراءة ابن كثير، ونحو "وكفلها زكريا " [آل عمران: ٣٧] بالتشديد مع الرفع أو عكس ذلك ونحو "أخذ ميثاقكم" [الحديد: ٨] وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها.
فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية فإنه لا يجوز أيضاً، حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية.
وإن لم يكن على سبيل النقل والرواية بل على سبيل القراءة والتلاوة فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كل من عند الله ... " ا. هـ المقصود من كلامه (النشر ١/١٨- ١٩) ، قلت هذا ملخص أقوال أهل العلم، والذي أرجحه هو المنع مطلقاً- ما لم يكن من أجل التعليم أو المدارسة - لأنه لم يكن من هدي المصطفى ﷺ وأصحابه الكرام، إذ لم يحفظ أو ينقل عنهم الخلط بين قراءات شتى في تلاوة واحدة والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 119
هل البسملة آية من الفاتحة ؟
المجيب د. خالد بن علي المشيقح
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٣/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل تعتبر البسملة التي في سورة الفاتحة آية؟ وإذا كانت تعتبر آية لماذا لا يجهر بها في الصلاة؟ وإذا كانت لا تعتبر آية فما المقصود من السبع المثاني؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
البسملة ليست آية في سورة الفاتحة، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي ... فلم يذكر البسملة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، خلافاً لما ذهب إليه الشافعي، فإنه يرى أن البسملة آية من سورة الفاتحة، وأما هل يجهر بها أو لا يجهر بها؟ فأكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ أنه لا يجهر بها، انظر مثلاً ما رواه البخاري (٧٤٣) ، ومسلم (٣٩٩) من حديث أنس ﵁ وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، خلافاً لما ذهب إليه الشافعي، والصواب أنه يجهر بها في بعض الأحيان، كما اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أنه يجهر بها للتأليف والمصلحة، وقد دل على هذا حديث أبي هريرة وأم سلمة - رضي الله تعالى عنهما - انظر ما رواه النسائي (٩٠٥) ، والدارقطني في سننه (٢/٣١٢) .
стр. 120
عدد آيات القرآن
المجيب د. محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٥/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
هل عدد آيات القرآن يختلف من مصحف إلى آخر؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اختلف القراء في عدد آيات القرآن؛ والسبب في ذلك وقوف كل واحد منهم على ما نقله ممن سبقه من أئمة القراءة والصحابة ﵃، ومن بعدهم، فهناك العد المدني والكوفي والبصري، وهكذا.. وعلى هذا الاختلاف يعرف هل بين المصاحف اختلاف أم لا؟ فإذا كانت المصاحف قد كتبت على عد واحد فلا اختلاف بينها، أما إذا كتبت بعضها على عد وبعضها على عد آخر فسيكون بينها اختلاف، ومما ينبغي التذكير به مسألتان:
١- العلماء ﵏ قد اختلفوا هل معرفة الآيات توقيفية، أم منها ما هو توقيف ومنها ما هو اجتهاد؟ والأقرب والله أعلم القول الثاني.
٢- أن العلماء قد اتفقوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتين وكسر، ولكنهم اختلفوا في هذا الكسر، فقيل خمس وقيل أربع عشرة، وقيل ست عشرة، وقيل عشرون، وقيل ست وثلاثون، وقيل غير ذلك. والله أعلم.
стр. 121
هل نُسِخَ جزء من سورة الأحزاب ؟
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٥/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ورد في مسند الإمام أحمد ﵀ هذا الحديث الصحيح، والذي صححه الألباني ﵀، والحديث هو: عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب ﵁ قال: كم تقرؤون سورة الأحزاب قال: بضعًا وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله ﷺ مثل البقرة أو أكثر منها آية الرجم"، فالسؤال هو: كيف كانت سورة الأحزاب في زمن الرسول ﷺ مثل سورة البقرة، ونحن الآن نقرؤها ٧٣ آية، فإذا كان قد حصل نسخ في السورة؛ فهل من الممكن أن ينسخ أكثر من ٢٠٠ آية؛ لأن سورة البقرة ٢٨٦ آية؟ فأرجو الإجابة منكم مشكورين..
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالحديث الذي أشار إليه السائل الكريم روي عن أبي بن كعب ﵁، من طريقين:
أحدهما: من طريق يزيد بن أبي الزناد عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب ﵁، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٢٠٧٠١) ، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، قال عنه ابن معين: لا يحتج به.
والثاني: من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب- ﵁، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤٤٢٨) والحاكم في المستدرك (٢/٤١٥) وصححه والنسائي في الكبرى (٧١٥٠) والبيهقي (٨/٢١١) وأحمد (٢١٢٠٦) وعبد الرزاق (١٣٣٦٣) ، وعاصم بن بهدلة صدوق له أوهام، والحديث بهذا حسن، ومن أهل العلم من قال: تفرد عاصم بن بهدلة في مثل هذا مما لا يحتمل.
стр. 122
وبكل حال فالحديث -على القول بثبوته - دال على أن جزءاً كبيراً من سورة الأحزاب قد نسخ، وأن مما كان فيه آية رجم الزاني المحصن، ولا يخفى عليك -أخي الكريم- أن أمر النسخ مرده إلى الله -تعالى- فإذا شاء تعالى نسخ، وإذا شاء أحكم، وهذا معنى قوله -تعالى-"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير" [البقرة:١٠٦] ، ولذا قرر أهل العلم أن نسخ النص الشرعي لا يكون إلا بنص شرعي مثله، ولما كان الأمر كذلك؛ فلا ريب أنه إنما يقع لحكمة بالغة، فهو تعالى الحكيم العليم، ولهذا فلا إشكال -حقيقة - فيما دل الحديث عليه؛ لأننا نعلم يقينًا أن النسخ لا يكون إلا لحكمة بالغة، ربما يدركها الخلق، وقد تغيب عنهم، وغير بعيد أن يقع نسخ هذا الجزء الكبير من السورة، فإن الأمر لله -تعالى- يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، بل وقع النسخ فيما هو أكبر من ذلك؛ إذ مما لا شك فيه أن هذه الشريعة جاءت ناسخة لكل الشرائع قبلها ومهيمنة عليها، ونحن نعلم أن الشرائع قبلنا قد نزلت معها كتب إلهية، هي كلام الله الذي أنزله على الرسل قبل نبينا محمد ﷺ ، كما في صحف إبراهيم ﵇ والتوراة، والإنجيل، وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، ولم يكن في هذا النسخ غضاضة ولا حرج؛ لأن ذلك كله إنما يقع لحكمة بالغة ومشيئة نافذة، وربما كان من تلك الحكم أن الآيات المنسوخة من سورة الأحزاب أو غيرها تضمنت شرائع، وأحكاماً وقتية يحتاجها الناس فقط في الوقت الذي نزلت فيه، أما مَنْ بعدهم من الناس فلا يحتاجونها، كأن تكون الآيات تقص خبراً وقع في تلك الفترة، أو تبين حكماً في حادثة وقتية، أما أصول الدين كالعقائد، وأمهات الأخلاق، وأصول العبادات، فهذه لا يتناولها النسخ قطعاً؛ لأن حاجة الخلق متعلقة بها مهما اختلف زمانهم وتغير مكانهم؛ ولأنها - أيضاً - مما لا يعتريه اختلاف، ولا يطرأ عليه تغير؛ لأن ما تضمنه من قيم يتصف
стр. 123
بالدوام والثبات.
بقي -أيها السائل الكريم- أن ألفت نظرك إلى أن الحديث دل على أن سورة الأحزاب كانت سورة طويلة تعدل سورة البقرة، ولا تلازم بين أن تعدل سورة البقرة في الطول، وأن تكون مماثلة لها في عدد الآيات، فسورة الشعراء - مثلاً - هي أكثر من سورة آل عمران في عدد الآيات، مع أن آل عمران ضعفها في الطول.
وأخيراً فيجب أن تعلم يقيناً، أن ما بين أيدينا الآن هو كلام الله الذي أنزله على رسوله ﷺ ، بقي منه ما أبقاه الله، ونُسخ منه ما أراد -تعالى- نسخه، ونقله إلينا في كل عصر عدوله، حتى بلغنا غضًّا طريًّا كما نزل، بلا نقص ولا زيادة، فهذه حقيقة لا يعتريها شك، وإجماع أهل الإسلام لا يختلفون فيه، وهو مصداق قوله -تعالى-: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر:٩] هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 124
الوقوف في التلاوة عند غير علامة الوقف
المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٣/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو حكم الوقوف عند تلاوة القرآن عند غير علامات الوقف؟ فإذا وقفت عند معنى مكتمل فهل يلزم أن آتي بكلمة أو كلمتين قبل ما وقفت عنده؟.
الجواب
لا يلزم الإتيان بكلمة أو كلمتين مطلقا إذا كان معنى الجملة التي تلوتها مكتملاً، وإنما المستحسن إذا كان الوقف على جملة لم يتم معناها، وهذا ليس على سبيل الوجوب بل هو على الأفضل والأحسن؛ لأن معرفة الوقوف داخلة تحت الترتيل قال علي ﵁ (الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف) ، وفي أبجد العلوم (٢/٥٧١) قال ابن الأنباري: (من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء فيه، قال النكزاوي لا يتأتى لأحد معرفة معنى القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل، وللوقف أقسام مذكورة في كتب الوقوف) ، ويمكن التغليظ في الوقف على من علم المعنى الناقص المترتب على وقفه ووقف عليه، فهذا يشابه تحريف معناه، ويجافي حسن التلاوة والترتيل،
والله أعلم.
стр. 125
ما المراد بالقراءات السبع ؟
المجيب د. محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٤/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ما معنى القراءات السبع للقرآن؟ وفي بعض القراءات هناك فارق في الإعراب والتشكيل، وحتى حذف أو زيادة لفظ فما توجيهه؟ وهل أنزل القرآن في القراءات السبع أو في القراءة التي متداولة الآن؟. وشكراً.
الجواب
القراءات: علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطرق أدائها وما يتعلق بذلك، والقراءات القرآنية متعددة منها هذه السبع المعروفة، وكلها قرآن نزل من عند الله - تعالى-، ونزول القرآن الكريم بهذه القراءات لحكم أبرزها:
(١) التيسير على العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، حيث كانوا قبائل مختلفة كقريش، وتميم، وثقيف، وهوازن، وكان بين لغاتهم ولهجاتهم شيء من الاختلاف سواءٌ في طريقة النطق كالفتح والإمالة، أو التحقيق والتسهيل أو حتى في إعراب الكلمات، وغير ذلك من أنواع الاختلاف.
(٢) إعجاز القرآن حيث نزل على هذه الأوجه جميعاً، إذ تأتي الآية أحياناً على وجهين مختلفين دون أن يكونا متناقضين، وقد تأتي قراءة بزيادة لفظ فيكون فيها فائدة، وتأتي قراءة أخرى تحذف هذا اللفظ لتشير إلى معنى آخر من جهة أخرى.
(٣) أن يكون في بعض القراءات زيادة حكم، إذ إن القراءتين كالآتيتين كما في قوله - تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ... " [المائدة:٦] قرئ بنصب "وأرجلكم" وجرها، قال بعض المفسرين: النصب يفيد الغسل؛ لأنه معطوف على الأيدي، والجر يفيد المسح حين يكون على الأرجل جوارب؛ لأنه معطوف على الرؤوس، وغير ذلك من الحكم. والله أعلم.
стр. 126
ترتيل القرآن على إحدى المقامات الصوتية
المجيب د. عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
عضو الإفتاء سابقاً
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
سؤالي هو: أن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالتغني عند تلاوة القرآن الكريم، وأن نحسن أصواتنا به، فأنا أريد أن أتعلم أحد المقامات الصوتية؛ كي أحسن صوتي في تلاوة القرآن الكريم، ولكن هل يمكن أن يستخدم معلمي للمقام آلة العود أو الأورغن كي يعلمني الطبقات الصوتية عن طريق السمع والترديد مع النغمة الصوتية؟ هل يجوز لي ذلك أم لا؟ وهل هنالك وسائل أخرى لتعلم المقامات في حال كان حراما؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
جاء في الحديث قول النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" رواه البخاري (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وأمر بتحسين الصوت بالقرآن، وكان أبو موسى الأشعري ﵁ صوته حسن استمع إليه النبي ﷺ وقال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود"، فقال أبو موسى ﵁: "لو علمت أنك تستمع إلي لحبرته لك تحبيراً" رواه البخاري (٥٠٤٨) ، ومسلم (٧٩٣) ، ولعل ذلك أن الصوت الحسن يكون سبباً في التأثر بسماع القرآن، وقد علم أن الأصوات ليست اكتسابية ولكنها فطرية، فالله -تعالى- هو الذي يعطي من يشاء ويحرم من يشاء وله في ذلك الحكمة البالغة، وليس للإنسان أن يتكلف ما لا يقدر عليه، وإنما عليه أن يحرص على تحسين صوته بقدر الاستطاعة، وإذا لم يتمكن من تغيير صوته فإنه معذور، فيقرأ قدر ما أعطاه الله.
стр. 127
قراءة حفص بقصر المنفصل
المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٩/١/١٤٢٥هـ
السؤال
فيما يخص قراءة حفص عن عاصم، هل القراءة برواية حفص عن عاصم بوجه قصر المد المنفصل يترتب عليها إلغاء بعض الأوجه الخاصة بمصحف الملك فهد مثل: السكتات (س) ؟ وحكم مد هاء الغائب بكلمة (فيه ى) في قوله -تعالى-: "ويخلد فيه مهانا" (سورة الفرقان) وغيرها. أرجو منكم التوضيح بارك الله فيكم وفي علمكم.
الجواب
أخي الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فالقراءة بالقصر من طريق الطيبة وليس من طريق الشاطبية، ومصحف المدينة النبوية الذي طبع في مجمع الملك فهد مضبوط على طريق الشاطبية، وطريق الشاطبية بتوسط المنفصل، وبناءً على هذا فلو قرأت بطريق قصر المنفصل فإن الضبط سيختلف عما في مصحف المدينة النبوية، لأن بعض الوجوه مثل السكت على بل ران لا توجد، وبناءً عليه لا يكتب في الضبط علامة السكت، لكن أغلب الضبط سيبقى على حاله. والله أعلم.
стр. 128
هل في القرآن ترادف ؟!
المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
لقد وردت هذه الألفاظ في القرآن الكريم، نرجو منكم أن تبينوا لنا الفرق بين هذه
الألفاظ المتشابهة في الظاهر والمختلفة في المعنى والمضمون:
(١) الفؤاد، والقلب.
(٢) البصر، والرؤيا، ونظر.
(٣) الهم، والغم، والحزن.
(٤) الإفراط، والتفريط.
(٥) الكذب، والإفك.
(٦) السنة، والعام.
(٧) الضر، والضرار.
ولكم الشكر.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، وبعد:
لا يوجد في اللغة العربية ترادف حقيقي، ولكن يكون الشيء من الأشياء له إطلاقات باعتبار المراد، وما ورد في القرآن من ذلك مما يشبه المترادف، ليست كإطلاقاتنا التي تفتقد الدقة؛ بل بين كلماته فرق بحيث لو وضع مكان الكلمة غيرها؛ فقد المدلول التام لتلك الكلمة، ومن ذلك ما ورد في السؤال، فالفؤاد هو القلب، لكنه (أي: الفؤاد) إذا ورد روعي فيه المعنى الاشتقاقي، وهو التفؤد أي: التوقّد، كقوله -تعالى-: "وأفئدتهم هواء"
[إبراهيم: ٤٣] ، وقوله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً" [القصص: ١٠] ، فإذا كان المقام مقام حزن، وهم، وخوف، أو ملابسة اشتعال، كقوله -تعالى-: "التي تطَّلع على الأفئدة" [الهمزة: ٧] ، كان الفؤاد هو المناسب للحال والسياق.
والنظر: تقليب العين لإدراك المرئي، والبصر رؤية مع تأمل، والرؤية أوسع من هذا، وهذا يطلق عليهما وعلى غيرهما.
وأما الهمّ: فإنه يكون على شيء مستقبل البداية أو النهاية، والحزن على شيء مضى وانقضى.
والغمُّ: كربة تَغْشى القلب، وتكسب الحيرة والدهش.
والإفراط: مجاوزة الحد، والتفريط: التقصير فيه، وهذان اللفظان لم يردا في القرآن بهذه الصيغة، ووردت لهما صيغ أخرى.
стр. 129
والإفك: يراعى فيه صرف الشيء عن وجهه، كالصرف عن الحق إلى الباطل، ولا يدخل فيه مخالفة الواقع إن كان غير مقصود، والكذب أوسع من ذلك.
وأما السَّنَة؛ فإنها تطلق على الزمن المعروف المؤلف من اثني عشر شهراً، لكن إذا أطلقت يراعى فيها معنى القحط، والشدة، والضيق، والعام يطلق على تلك المدة، إذا كان الزمن زمن رخاء وسعة، ومنه قوله -تعالى-: "فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً" [العنكبوت: ١٤] ، فإن مكثه فيهم كان زمن نصب، وتعب، وإيذاء، ولهذا ميزت بالسنة. والخمسون عاماً كانت مع من بقي معه من المؤمنين، وكان خيراً من هذه الجهة، ولهذا ميَّز بالعام، وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر بالنظر إلى المدلول العام وهو الزمن المعروف المعيَّن.
وأما الضر: فمعلوم معناه، وهو ضد النفع، وهو الاسم، وأما الضرار: فهو فعل الضر، هو المضارّة؛ لأنه مصدر، كالقتال والقتل. والله أعلم.
стр. 130
تجزيء القرآن وتحزيبه
المجيب د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري
المشرف العام على شبكة التفسير والدراسات القرآنية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٠٣/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
أريد نبذة موجزة عن تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء وأنصاف الأجزاء متى تم ذلك؟ وهل هو توقيفي لا تجوز مخالفته؟ وما هي الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أولاً: متى تم تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء وأنصاف؟
ورد التعبير بالجزء كما في قول النبي ﷺ :"قرأت جزءاً من القرآن" رواه أبو داود (١٣٩٢) ، وصححه الألباني. وقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة) . وقول عائشة ﵂: (إني لأقرأ جزئي) . ومثل ذلك عن ابن عباس ﵄.
وورد استعمال لفظ الوِرْد، كما في قول عبد الله بن عمر ﵄: (كنت في قضاء وِردي) .
стр. 131
وهذه المسألة تعرف عند العلماء بتحزيب القرآن، وقد ورد فيها حديث عبد الله بن عمرو- ﵄، الذي رواه جمعٌ من الأئمة بينهم الأئمة الستة. البخاري (١٩٧٦) ، ومسلم (١١٥٩) ، والترمذي (٢٩٤٦) ، والنسائي (٢٣٩٩) ، وأبو داود (١٣٨٨) ، وابن ماجة (١٣٤٦) ، ولفظ الإمام مسلم: (كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإما ذكرت لرسول الله ﷺ ، وإما أرسل لي، فأتيته، فقال: "ألم أُخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ " فقلت: بلى يا نبي الله؛ ولم أرد إلا الخير، قال:" فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ... ، ثم قال: "واقرأ القرآن في كل شهر"، قال: قلت: يا نبي الله: إني أطيق أفضل من ذلك، قال:"فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً"، قال: فشددت؛ فشدد علي، قال: وقال لي النبي- ﷺ :"لعلك يطول بك العمر"، فصرتُ إلى الذي قال لي النبي- ﷺ ، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي- ﷺ .
وقد أشار الإمام السخاوي إلى أن معنى التجزئة والتحزيب ورد على لسان النبي ﷺ ، وأنه قال:"طرأ عليَّ حزبي من القرآن" رواه ابن ماجة (١٣٤٥) و"إنه قد فاتني الليلة جزئي من القرآن.." أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣/٣٦٣) . وذكر قصة جمع الحجاج بن يوسف للقراء والحفاظ في عهده، وسؤالهم عن عدد آيات القرآن، وعن منتصف القرآن وربعه وثلثه وغيرها. وقد استند على هذه الحادثة كثير من العلماء الذين كتبوا في تاريخ القرآن، وقالوا بأن أول من أحدث الأجزاء والأحزاب هو الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى ١١٠هـ.
стр. 132
وقال الزركشي في البرهان ذكر عند الحديث عن تحزيب القرآن ١/٣٤٩: (وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها. وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم.
وتحدث ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٣/٤٠٥ حديثاً طويلاً عن تحزيب القرآن، تحسن مراجعته إن أمكن، ذهب فيه إلى أن التحزيب بالسور أفضل من التحزيب الحاصل، والذي يقف فيه القارئ أحياناً على مواضع مرتبطة بما بعدها، والبدء بمواضع لها تعلق بما قبلها، وأشار إلى سبق الحجاج إلى تجزئة القرآن بالحروف.
وقد ذكر السخاوي ﵀ في (جمال القراء) في الكتاب الرابع منه (تجزئة القرآن) كلاماً طويلاً نافعاً عن تفاصيل أجزاء القرآن وأرباعه وأسباعه وأثمانه وغيرها بدقة ينتفع بها الحافظ لكتاب الله، ومن يرغب في حفظه بسهولة ويسر.
ثانياً: هل هذا التحزيب والتقسيم توقيفي؟
الذي عليه العلماء -وهو الصحيح إن شاء الله - أن تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصورة التي توجد في مصاحف المسلمين اجتهادية، ولها أصل من فعل أصحاب النبي ﷺ لكن على غير هذه القسمة، وكان السلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبدياً، وإنما هو لتيسير أخذ القرآن.
ثالثاً: من الكتب التي تحدثت عن ذلك.
- جمال القراء وكمال الإقراء، للسخاوي ١: ١٢٤ ـ ١٨٧
- البرهان في علوم القرآن للزركشي.
- فتاوى ابن تيمية ١٣/٤٠٥ وما بعدها.
- هناك بحث للشيخ محمد الدويش نشر في مجلة البيان فصل فيه جوانب هذه المسألة.
стр. 133
المراد بـ"آيات متشابهات "
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢١/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
أرجو منكم إفادتي بمعنى "آيات متشابهات" وأمثلة منها من القرآن كما في الآية السابعة من سورة آل عمران، والله يجزيكم عني خيراً.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
التشابه في القرآن نوعان:
الأول: تشابه في الإتقان والبلاغة، والجمال، وتصديق بعض القرآن بعضاً، وهو المذكور في قوله تعالى: "الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثاني ... " [الزمر: ٢٣] .
والثاني: تشابه يقابل المحكم من القرآن، وهو خاص ببعض القرآن لا كله، ويُعنى به اشتماله على أكثر من معنى، وهو المذكور في قوله تعالى: "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [آل عمران: من الآية٧] .
والمتأمل في الآية الشريفة يدرك أن المتشابه له أكثر من معنى، وأن أهل الزيغ يتبعون من المعاني التي تحتملها الآية ما يوافق أهواءهم ابتغاء الفتنة.
стр. 134
كما يدرك أن بالإمكان تحديد مفهوم التشابه في الآية بأنه الحقيقة التي يؤول إليها الكلام بدلالة قوله: " وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ"، وهو واضح بأن ثمة أشياء لها مآل تؤول إليه، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله دون غيره، وهذا إذا رجحنا الوقت على لفظ الجلالة، وأما إذا كان لفظ الجلالة غير موقوف عليه، فذلك دال على أن أولي العلم يعلمون تأويله كذلك، وذلك بردهم المتشابه إلى المحكم فيصير القرآن كله محكماً، ولعل من أمثلة المتشابه في القرآن الحروف المقطعة في أوائل السور. والله أعلم.
стр. 135
مصاحف المشارقة والمغاربة
المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٧/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
كنت أقرأ القرآن في أحد المساجد، ثم وقع في يديَّ قرآن فيه كتابة حرف الفاء بدون نقطة، والقاف بنقطة واحدة، وهنالك اختلاف في أحرف أخرى، ولكن ما لفت انتباهي أكثر وجود آيات برقم تسلسلي غير الذي عهدناه، ومكتوب على القرآن رواية ورش بن نافع. أفيدوني، هل هناك مصاحف بهذا الشكل؟ وهل هناك مصاحف أخرى مختلفة؟.
الجواب
الحمد لله:
هنالك اختلاف في رسم الحروف والنقط بين مصاحف المشارقة والمغاربة، وهذا المصحف الذي قرأت فيه من مصاحف المغاربة، وطريقتهم في رسم الفاء هكذا "ف" بنقطة واحدة من أسفل، والقاف بنقطة واحدة من فوق، وهنالك اختلاف في أحرف أخرى، وأما اختلاف أرقام الآيات فهو راجع إلى اختلاف علماء القراءة في العدد، فعدد الآيات عند المكيين يختلف عن البصريين، والعدد المدني يختلف عن العدد الشامي، وهكذا، فمثلاً: الكوفيون والمكيون يعدون البسملة آية من سورة الفاتحة، ولا يجعلها غيرهم آية؛ بل يجعلون الآية الأولى من الفاتحة هي: "الحمد لله رب العالمين" ويعدون قوله تعالى: "صراط الذين أنعمت عليهم" [الفاتحة:٧] ، بعض الآية السابعة من الفاتحة، وهذا الاختلاف كالاختلاف في القراءات كله يؤخذ به ويقبل، وليس من نوعي اختلاف التضاد والتضارب. والله أعلم.
стр. 136
ترجمة معاني القرآن وإشكال الترادف
المجيب د. محمد بن صالح الفوزان
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٨/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد أن أعرف الفرق بين المترادفات التالية بحكم دراستي للترجمة وتخصصي في ترجمة معاني القرآن الكريم: التدبر والتفكر، العام والسَّنة، الصَّب والسكب، الختم والطبع حيث وجدت أن أغلب ترجمات معاني القرآن إلى الإنجليزية لا تفرق بين معاني هذه المترادفات، ولتوضيح الفكرة سأتطرق إلى المترادفات التالية: المطر والغيث فمن المعروف أن المطر لم يذكر في القرآن إلا بوصفه عقوبة لا رحمة، بينما كان ذكر الغيث يوحي بأنه مطر رحمة لا عذاب، أرجو أن أجد لديكم الإجابة الشافية. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ذكر الفرق بين الألفاظ المذكورة قد لا يتسع المجال لذكره، وإنما نشير للقواعد الآتية:
١- اختلف العلماء في وقوع الترادف في اللغة، يقول ابن الأعرابي: (كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه) .
٢- واختلفوا في وقوعه في القرآن، والصحيح أنه نادر أو معدوم، إذ لا يوجد في القرآن لفظان معناهما واحد من جميع الوجوه، وهذا من وجوه إعجاز القرآن.
٣- الترجمة الحرفية للقرآن غير ممكنة، والترجمة المعنوية يرى بعضهم أنها غير ممكنة، كذلك وإنما نترجم مفاهيم القرآن ومفاهيم الإسلام؛ لعدم إمكانية وجود ألفاظ في اللغة المترجمة لها توازي ألفاظ القرآن التي قد يظن أنها مترادفة - كما أشار السائل- أنهم لم يفرقوا بين الألفاظ المذكورة مع وجود الفرق الحقيقي بينها. والله أعلم.
стр. 137
ترتيب آيات سور القرآن
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٧/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
كيف تم ترتيب الآيات في السور كما نعرفها؟، فلو نزلت آيات من سورة معينة، ثم بعد فترة نزلت آيات أخرى، فكيف يتم تحديد آيات كل سورة؟ أعلمُ معنى آية ومعنى تنزيل، ولكن ما معنى كلمة سورة؟ هل معناها الارتفاع كما يتبادر لي؟ -وجزاكم الله خيراً-.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
شكر الله للسائل اهتمامه بكتاب الله -تعالى- وسؤاله عما يتعلق به، وأما بخصوص السؤال المذكور؛ فهذا أو أن الإجابة عليه، فأقول وبالله التوفيق:
١- قول السائل: (معلوم أن القرآن نزل في آيات وليس كسور كاملة) ليس على إطلاقه فهناك سور عديدة نزلت كاملة نزلت دفعة واحدة، كالفاتحة، وكثير من قصار السور وسورة الأنعام، وغير ذلك، فعلى سبيل المثال جاء في الصحيح من حديث أنس ﵁ أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة ثم استيقظ متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزلت علي آنفاً سورة، ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر.." الحديث رواه مسلم (٤٠٠) عن أنس ﵁.
٢- وأما كيفية ترتيب الآيات في السور فهو أمر توقيفي عن النبي ﷺ لا اجتهاد للناس فيه، فكان ﷺ يأمر كتبة الوحي بكتابة كل ما ينزل من القرآن في سورته المحددة فيقول: "ضعوا هذه الآية أو الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا، أو ضعوها في سورة كذا انظر ما رواه الترمذي (٣٠٨٦) ، وأبو داود (٧٨٦) من حديث ابن عباس ﵄، وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم.
стр. 138
بخلاف ترتيب السور، فالجمهور على أنه توقيفي أيضاً، وبعض العلماء يرى بأنه اجتهادي بناءً على ما تبين لهم من ترتيب مصاحف بعض الصحابة ﵃ كابن مسعود ﵁ وغيره، حيث كان على خلاف الترتيب المعروف الآن.
٣- أما معنى سورة فإنها في اللغة: الْمَنْزِلَة، وما طال من البناء وحسن، انظر القاموس المحيط، ولذا يمكن أن يقال ما قاله الزرقاني في مناهل العرفان (١/٣٤٣) : السورة: طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع، قالوا: وهي مأخوذة من سور المدينة، وذلك إما لما فيها من وضع كلمة بجانب كلمة وآية بجانب آية، كالسور توضع كل لبنة فيه بجانب لبنة ويقام كل صف منه على صف، وإما لما في السورة من معنى العلو والرفعة المعنوية الشبيهة بعلو السور ورفعته الحسية) ا. هـ، مختصراً قلت: وربما كان ذلك لما في السور من الإحاطة بالدار أو البلد فكذلك السورة تحيط بجمع من الآيات، وتستقل بهن عن غيرهن. والله أعلم.
стр. 139
عدم كتابة (البسملة) في سورة التوبة
المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٠٩/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة وبركاته.
لماذا لم تكتب بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة التوبة؟ وما السبب في ذلك؟. ودعائي لكم بدوام التوفيق والسداد, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
للعلماء ﵏ في توجيه عدم كتابة البسملة أول سورة التوبة وجوه، منها:
الأول: أن البسملة رحمة وأمان، و"براءة" نزلت بالسيف، فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وسفيان بن عيينة، والمبرد -رحمهما الله-، ورجحه أبو القاسم الشاطبي ﵀ حيث قال: ومهما اتصلت أو بدأت براءة تنزيلها بالسيف لست مبسملا.
الثاني: أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتابا فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي ﷺ علياً ﵁ ليقرأها عليهم في الموسم قرأها ولم يبسمل، على عادة العرب في شأن نقض العهد.
ولا يخفى ضعف هذا؛ لأن القرآن يؤخذ عن النبي ﷺ لا عن الصحابة رضوان الله عليهم، فلو أقرأ النبي ﷺ علياً بالبسملة فإنه سيقرؤها ولا شك.
الثالث: أن الصحابة ﵃ لما اختلفوا: هل براءة والأنفال سورة واحدة؟ أو سورتان؟ تركوا بينهما فرجة؛ لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة من المصحف؛ لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت حجاجهما في المصحف، قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما.
وهذا القول يضعفه ما نقل عن السلف من أسماء السورة: فهي تسمى براءة والتوبة، والمقشقشة، والمنقرة، والفاضحة، وسميت بغير ذلك.
стр. 140
الرابع: أنه لما لم يتبين لهم أنها سورة مستقلة، واشتبهت مع الأنفال في قصتها وموضوعها ضمت إليها، ويصلح دليلاً على هذا ما رواه ابن عباس – ﵄ فقال: قلت لعثمان بن عفان- ﵁: (ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا –قال ابن جعفر: بينهما - سطراً: بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إن رسول الله ﷺ -مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده يقول: "ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " وينزل عليه الآيات فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " وينزل عليه الآية فيقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها وظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطراً: بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن جعفر: ووضعتها في السبع الطول) .
وهذا القول رجحه ابن العربي في أحكام القرآن، والشنقيطي في أضواء البيان.
والأثر الذي استدلا به رحمهما الله: رواه أحمد (١/٥٧ و٦٩) ، وأبو داود (٧٨٦و٧٨٧) ، والترمذي (٣٠٨٦) ، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٧) ، والبزار (٣٤٤) ، وابن أبي داود في المصاحف (ص ٣٩) ، وابن حبان (٤٣) ، والحاكم (٢/٢٢١و٣٣٠) ، والبيهقي (٢/٤٢) .
وهو نص في الموضوع، وقد صححه ابن حبان والحاكم، ولكن الصواب أنه ضعيف كما قال الشيخ أحمد شاكر والألباني وشعيب الأرناؤط وغيرهم.
стр. 141
والسبب في التضعيف: انفراد عوف بن أبي جميلة بروايته عن يزيد الفارسي، ويزيد هذا مختلف في تحديده هل هو ابن هرمز أم غيره، واشتبه تحديده على مثل: عبد الرحمن بن مهدي وأحمد والبخاري، فهو في عداد المجهولين، وذكره البخاري في الضعفاء، ونقل البخاري في التاريخ الكبير (٨/٣٦٧) والضعفاء (ص١٢٢) عن يحيى القطان: أنه لم يعرفه وأنه كان يكون مع الأمراء، وعده ابن حجر في (تقريب التهذيب) مقبولاً. ينظر تحقيق المسند (١/٤٦٠-٤٦٢) .
وتفرد الراوي عن شيخه وهو خفيف الضبط يعتبر علة توجب رد الرواية عند أئمة علماء علل الحديث المتقدمين، فالحديث معلول، وأين أصحاب ابن عباس عنه؟.
الخامس: أن سورة براءة نسخ أولها فسقطت معه البسملة، وهذا القول مروي عن مالك وابن عجلان كما ذكر ابن العربي، وروي عن عثمان ذكره القرطبي بدون إسناد.
السادس: قال القرطبي -نقلا عن عبد الملك القشيري النيسابوري صاحب التفسير الكبير المتوفى ٤٦٥هـ -: والصحيح أن البسملة لم تكن فيها؛ لأن جبريل ما نزل بها فيها، وروي معناه عن أبي بن كعب بدون إسناد ذكره ابن العربي.
وهذا هو الأظهر -والله أعلم- أن السورة هكذا أنزلت، والصحابة رضوان الله عليهم كتبوا القرآن على التجريد أي تجريد كلام الله عن غيره، ولما سمعوا رسول الله ﷺ قرأها بدون بسملة لم يكتبوها.
والمسألة سهلة يسيرة؛ إذ إنها لا ترتبط بآيات السورة، بل بالبسملة في أولها، والبسملة على الصحيح آية مستقلة في كل سورة، إلا في براءة فقد أجمع القراء على عدم القراءة بها فيها. والله أعلم.
стр. 142
المحكم والمتشابه
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٢/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
الآية رقم ٧ في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) . تبين الآية وجود بعض العلم غير الواضح لنا تمامًا ويسبب حيرة لنا فيدخل كل ذلك في المتشابهات، هل كلامي الذي فهمته من الآية صحيح؟ وفي سورة الإسراء الآية ٨٥: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) . فبناءً على هذه الآية فإن مناقشة ماهية الروح، وكيف خلقت، وما العلم الذي وصل إلينا عنها، وخلاف ذلك يدخل في المتشابهات، لأنها لا تدخل في أسس الإيمان وليس عندنا علم تام عنها. فهل ما فهمته من الآية صحيح؟ هل تقولون بأن الحديث عن علم الروح يدخل ضمن المتشابهات للأسباب التي ذكرتها أعلاه؟
الجواب
стр. 143
المحكم هو البين الواضح كما في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [البقرة:٨٣] . فكل أحد من السامعين يعرف المراد بالوالدين ويعرف معنى الإحسان إليهما، أما المتشابه فهو الذي قد يظهر معناه للعالم وقد يخفى بحسب العلم والعمل، وقد يظهر بعض معناه ولا يظهر بعضه الآخر، وقد يخفى المراد منه فلا يعلمه سوى الله تعالى، فمثلاً استواء الله تعالى، على عرشه واضح المعنى، ولكن حقيقته وكنهه وكيفيته من المتشابه الذي لا يعلمه أحد سوى الله تعالى، وكذلك بقية الصفات الحسنى، ومن ذلك المراد بالحروف المقطعة في أوائل بعض السور. وليس كل ما سبب حيرة للإنسان فهو من المتشابه، خاصة إذا كان الذي أصابته الحيرة ليس من أهل العلم الشرعي، فقد تصيب الإنسان الحيرة من أمر يراه خفيًّا عليه وهو جلي واضح بالنسبة لغيره، ومثال ذلك تحير بعض أبناء البلاد الإسلامية أمام الآيات الناصة على وجوب التحاكم إلى شرع الله واضطرابهم في ذلك اضطرابًا هائلًا، مما يدل على حيرتهم، وهي قضية محكمة واضحة جلية عند جميع أهل العلم والإيمان، فقد علم جميع المسلمين وآمنوا بأن الدين الإسلامي له جانبان؛ أحدهما عبادة الله وحده دون سواه، والثاني تحكيم شريعته وحده دون سواه٠
وقل مثل ذلك في حيرة بعض الطوائف المبتلاة بحب القبور ودعوة أهلها مع الله أو دون الله في أمور لا يقدر عليها إلا الله، مع أن هذه القضية من قضايا الدين الأصلية الكلية الثابتة المحكمة، فلا تدل حيرتهم على انتقالها من حيز المحكم الواضح إلى حيز المجمل أو المتشابه.
стр. 144
وأما ما ذكر من أمر الروح فلأهل العلم في المراد بالروح في آية الإسراء أقوال منها: أن المراد جبريل ﵇. ومنها: أن المراد الروح التي بها يحيا الإنسان. وعلى هذا المعنى ورد سؤال السائل. والحديث عن الروح بهذا المعنى له وجهان أحدهما محكم جلي والآخر متشابه، فمن المحكم أن الروح مخلوقة مستحدثة من العدم، وأنها جسم لطيف، تسري في الأعضاء، وأن هذا الجسم يقبض، ويمسك ويرسل، وينعم ويعذب. ومن المتشابه حقيقة الروح وكنهها وكيفية نفخها في الجسد وكيفية انبثاثها فيه، وكيفية قبضها وإرسالها، وكيفية تنعمها وعذابها، وكيفية علاقتها بالجسد في دار البرزخ، وفي الآخرة، وغير ذلك من الأمور التي قد تظهر للبعض وتخفى عن البعض، وقد تخفى عن الجميع فلا يعلمها إلا الله وحده، أما الحديث عن عالم الروح فبحسب نوع الحديث وصوابه وصحته، فقد يكون من المحكمات كما لو تحدث عن أنها مخلوقة مربوبة تقع تحت تدبير الله تعالى وإرادته. وقد يكون الكلام عن الروح من المتشابه كما لو تحدث عن كيفية قبضها حال النوم وإرسالها، وقد يكون الكلام عن الروح من الباطل والخرافة كما يحصل عند أصحاب تحضير الأرواح، وكما يحدث عند الهنادكة والقائلين بالتناسخ وأصحاب السحر والكهانة والتنجيم. والله أعلم.
стр. 145
آية الرجم المنسوخة
المجيب د. محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٠/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
ما سبب نسخ آية الرجم من القرآن الكريم مع أن حكمها باقٍ إلى يومنا هذا؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:
فإن ما يجريه الله تعالى من أحكام في شرعه أو قدره فإنما هو لحكمة عظيمة، ذلك أن الله هو العليم الحكيم، فليس شيء يجري عبثاً ولا يحصل لغواً، كما قال تعالى عن خلق السماوات والأرض: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) [ص:٢٧] . وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ" [الأنبياء:١٦] .
ثم إن بعض هذه الحكم قد تظهر للمكلفين وقد تخفى عنهم أشياء كثيرة، منها ما يكون فيه ابتلاء للعباد ليظهر مقدار إيمانهم بالغيب، وتصديقهم بالرسل، وتعبدهم لله جل وعلا.
ومن الحكم التي ذكرها أهل العلم في نسخ آية الرجم خاصة، أن ذلك يظهر به مقدار طاعة العباد بالمسارعة إلى القيام بهذا الحد الذي فيه إزهاق للنفوس، حتى ولو لم يجدوه مكتوباً في القرآن، فهذا امتحان لإيمانهم واختبار لصحة تصديقهم بما جاءهم عن الرسول ﷺ . والله أعلم.
следующие страницы →