Полный текст (10 202 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
قال ابن قدامة (المغني ٢/٢٨٣) : (روي عن عمر بن عبد العزيز أنه ردّ زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام , إلى خراسان. وروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد , إلا لذي قرابة. وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة. ولنا , قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم , فترد في فقرائهم" (سبق تخريجه) . وهذا يختص بفقراء بلدهم. ولما بعث معاذ ﵁ الصدقة من اليمن إلى عمر ﵁ , أنكر عليه ذلك عمر- ﵁, وقال: لم أبعثك جابياً , ولا آخذ جزية , ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم. فقال معاذ ﵁: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني" رواه أبو عبيد في الأموال.
وروي أيضا عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين ﵁, أن زياداً, أو بعض الأمراء , بعث عمران ﵁ على الصدقة , فلما رجع قال: أين المال؟ قال: أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ . ولأن المقصود إغناء الفقراء بها , فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين) أهـ.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2067
مشروعية البناء على قبر الرسول ﷺ -
المجيب د. عبد الله بن عبد الله بن عبيد الزايد
مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٨/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم.
قرأت الفتوى حول وجود قبر الرسول ﷺ داخل المسجد النبوي، ولكن التساؤل الذي يشغل ذهني دائماً -وسبق أن أرسلت رسالة بخصوصه- هل البناء الحالي على قبر الرسول ﷺ أمر مشروع، خاصة وأنه يحتوي على زخارف كثيرة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن كون البناء على قبر الرسول ﵌ غير مشروع لا يجيز هدمه، لأن هذا الهدم سبيل إلى إعادة البناء، وهكذا دواليك، وسداً للذريعة يبقى ما كان على ما كان إلى أن يشاء الله ما يريد، مع أن هذا البناء فيه من الفوائد الشرعية ما هو معلوم عند المتأمل ولذلك نظير، فقد ترك النبي ﷺ إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم للمصلحة التي برر ﵌ بها تركه على ما هو عليه، انظر ما رواه البخاري (١٥٨٦) ، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عائشة ﵂ وهكذا كان المقام الإبراهيمي ملاصقاً بالكعبة وتركه الصحابة والخليفة الراشد على ما هو عليه، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 2068
فصل الدين عن السياسة
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٧/١/١٤٢٥هـ
السؤال
هل فصل الدين عن السياسة كفر وردة، أم ماذا؟
الجواب
فصل الدين عن السياسة حرام لا يجوز، بل هو كفر وردة عن الإسلام، إذا كان القائل بهذا القول أو العامل به عارفاً بالحكم معتقداً له، فالدين يشمل أمور الحياة كلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ونحوها، كما هو يشمل الأمور الاعتقادية والعبادية سواء بسواء، قال -تعالى-: "إن الدين عند الله الإسلام" [آل عمران: ١٩] ، وقال: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" [آل عمران: ٨٥] ، فمن فصل الدين عن السياسة، أو الدين عن الدولة وهو يعرف ما يقول فقد كفر بالله العظيم؛ لأنه رافض، وراد لأمر الله وحكمه، ومن رد حكم الله فقد كفر؛ حيث نصب نفسه مشرعاً مع الله مستدركاً على دينه بزيادة أو نقص، والله يقول: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" [المائدة: ٣٠] ، ومن يفصل الدين عن السياسة أو الدين عن الدولة، أو الدين عن الحياة فهو منتقص لله ودينه، وما ارتضاه الله للمسلمين من نعمة، ومن كان له مسكة من عقل كيف يقول بهذه المقولة - فصل الدين عن السياسة- وهو ينظر في القرآن الكريم، آيات الجهاد وأحكامه تكاد تزيد على آيات الصلاة والزكاة والصيام والحج، كما أن الآيات القرآنية فضلاً عن الأحاديث النبوية التي تعنى بالشؤون الاقتصادية كطرق كسب المال وحفظه، وإنفاقه، وسائر أحكامه من حل وحرمة كالنص على التحريم القاطع للربا، قال -تعالى-: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [النساء: ٢٩] ، والمسمى بالفائدة قد أردى الاقتصاد الرأسمالي العالمي اليوم في جميع أنحاء المعمورة فكيف يقال مع هذا أو ذاك إن الإسلام قاصر على علاقة الإنسان بربه من صلاة وصيام وصدقة، أو مما يعرف بالأحوال الشخصية فقط؟ إن الإيمان ببعض نصوص القرآن دون بعض كفر بالدين كله، "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله غافل عما تعملون" [البقرة: ٨٥] .
وفصل الدين عن السياسة أو الحياة هو ما يطلق عليه العلمانية، والعلمانية إذا ارتبطت بالدولة وتطبيقاتها قيل لها دولة علمانية، وإذا ارتبطت بالأفراد فهي فكرة علمانية وصاحبها علماني، وقولنا إن فصل الدين عن السياسة فكرة علمانية كفرية لا يعني هذا تكفير كل من يطلق عليه علماني، حاكماً كما أو محكوماً، ولا يجوز تكفير المسلم المعين حتى تقام الحجة عليه ثم يعذر لجهل كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (٣٤٨١) ، ومسلم (٢٧٥٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائمٌ، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك أو مخافتك يا رب، فغفر له"، ولحديث أبي واقد الليثي-﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون" [الأعراف: ١٣٨] ، "إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم" رواه الترمذي (٢١٨٠) ، وأحمد (٢١٣٩٣) ،فذاك الرجل الذي قال تلك المقولة لبنيه: لئن قدر الله علي ... " وهؤلاء الصحابة ﵃ بمقولتهم هذه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" لم يكفروا وإن كانت مقولتهم كفراً؛ وذلك لأنهم يجهلون الحكم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة أثناء رده على الجهمية الحلولية الذين ينفون علو الله على خلقه: (..أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال) وأكثر المسلمين الذين يقولون بفصل الدين عن السياسة ناتج عن جهلهم، فلا يصح تكفير واحد منهم بعينه حتى يعلم بخطورة قوله أو فعله، فإن أصر بعد ذلك حكم بكفره وأقيم عليه حكم الردة عن الإسلام، أعاذنا الله منها.
والله أعلم وصلى الله على محمد.
стр. 2069
ما الفرق بين الحرة والأمة ؟
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو الفرق بين الحرة والأمة؟ وهل يجوز شراء العبيد؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالجواب: الحرة تختلف عن الأمة اختلافاً كبيراً في أحكام كثيرة، فالأَمة هي المرأة الرقيقة، أي: المملوكة، والرق عرفه العلماء بأنه عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، ويدخل في هذا استرقاق الأسرى والسبي من الأعداء الكفار.
أما ما جاء في الفقرة الثانية من السؤال وهو: هل يجوز شراء العبيد؟ فالجواب نعم يجوز متى ما وجدوا، والإسلام قد رغَّب وحثَّ على إعتاقهم بعد تملكهم، ولهذا كان أكابر الصحابة ﵃ وفضلائهم من أهل الجدة يشترون العبيد ويعتقونهم، كأبي بكر ﵁، وغيره، وعلى السائل إن أراد مزيداً من التفصيل عمّا ورد في سؤاله أن يرجع إلى كتب الحديث والفقه في أحكام العبيد والإماء، وأخص بالذكر الموسوعة الكويتية الفقهية جزء ٢٣ عند كلمة (رق) من ص١١ إلى ص٩٢، أي: بما يزيد عن ثمانين صفحة. والله أعلم.
стр. 2070
أحكام البيعة والخلافة
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٣/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل أحكام البيعة والخلافة توقيفية أم اجتهادية؟ وإذا كانت اجتهادية فهل يصح تحديد فترة زمنية محددة للخليفة يتم بعدها إعادة تنصيب خليفة آخر؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الناظر في تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وتوليهم للخلافة يتبين له أن بيعتهم تمت برأي واجتهاد من المسلمين وخاصة ذوي الاجتهاد والمكانة منهم، ولم يقل أحد من أهل العلم أن بيعتهم بالخلافة كانت بتوقيف من الشارع غير بيعة أبي بكر الصديق ﵁ فمختلف فيها فمن العلماء من ذكر أنها تمت بنص وإشارة من النبي ﷺ كقوله: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" رواه البخاري (٦٧٨) ، ومسلم (٤٢٠) من حديث أبي موسى ﵁، وروجع أكثر من مرة ليصلي غيره فيقول: "يأبى الله ذلك والمسلمون" رواه أبو داود (٤٦٦٠) من حديث عبد الله بن زمعة ﵁-وكقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" رواه الترمذي (٣٦٦٢) ، وابن ماجة (٩٧) من حديث حذيفة ﵁ وذهب جمهور العلماء إلى أن بيعة أبي بكر ﵁ خاصة تمت باختيار واجتهاد لا بنص جلي، أو خفي ويدل على ذلك خطبته ﵁ يوم السقيفة بعد وفاة النبي ﷺ وقبل دفنه حيث قال: "نحن الأمراء (قريش) وأنتم الوزراء (الأنصار) وهم (قريش) أوسط العرب وأعربهم أحساباً فبايعوا عمر بن الخطاب ﵁، أو أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، انظر ما رواه البخاري (٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂ ولو كانت خلافته بنص من الله أو رسوله ﷺ لاستند إليه أولئك المبايعون، ولما احتاج أبو بكر إلى أن يقترح للخلافة عمر بن الخطاب وأبا عبيدة ابن الجراح كما يدل على أن بيعته ليست توقيفية خطبة عمر بن الخطاب ﵁ في آخر حياته: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر ﵁ وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ رواه البخاري (٧٢١٨) ، ومسلم (١٨٢٣) من حديث ابن عمر ﵄، وإذا تبين لك هذا علمت أن بيعة الخلفاء الراشدين المهديين كانت اجتهادية باختيار المسلمين وليست بتوقيف من الشارع وما عداهم من الخلفاء فمن باب أولى بل تجاوز الأمر إلى أن صارت بيعة الخلفاء والسلاطين بعدهم بيعة جبرية مثَّل الرعية منها أهل الحل والعقد خوفاًَ من الفتنة وإراقة الدماء وانتهاك الأعراض، وتطبيقاً للقاعدة الشرعية ارتكاب أخف الضررين وتقديم أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما، وليس في الشرع مدة زمنية محددة للخليفة يجدد له بعدها أو يبايع غيره، كما أنه لا يوجد في الشارع دليل يمنع تحديد مدة ولي الأمر، فهي من الأمور المباحة المسكوت عنها، وحقيقة البيعة للخليفة أو السلطان أنه ما دام مستقيماً على أمر الله يقيم الحق ويحكم بالعدل بين الرعية فذلك هو المطلوب، وفي العصور المتأخرة وبعد سقوط الخلافة لا يوجد خليفة يدخل تحت بيعته أو ولايته جميع المسلمين بل مملكة الإسلام أصبحت اليوم دويلات ممزقة على كل واحدة منها رئيس أو ملك، أو أمير، والله المستعان.
стр. 2071
العفو الملكي
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٠/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم ما يسمى بـ (العفو الملكي أو الرئاسي) الذي يبطل حكم الشريعة والقانون بعد أن يصدر في حق الجاني؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فالأحكام الصادرة على الجناة على قسمين: حدود وتعزيرات.
أما الحدود: وهي العقوبات التي نص الشارع عليها كحد السرقة، وشرب المسكر، والزنا؛ فهذه لا يجوز إبطالها، ولا إلغاؤها ما دام قد ثبت موجبها وحكم بها قاض شرعي، وتعطيلها تعطيل للشرع؛ قال تعالى: " ... فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" [المائدة: ٤٨] .
وأما التعزيرات: فهي عقوبات غير مقدرة على كل معصية لم يقدر لها الشارع عقوبة، وهي كثيرة جداً وتقديرها عائد لاجتهاد الإمام أو القاضي نحو عقوبة المغتاب والنمام وعاصي ولي الأمر ومهرب المحظورات والساب لغيره والمختلي بامرأة لا تحل له.
وهذه يخضع تحديد العقوبة فيها لاجتهاد القاضي ويسوغ لولي الأمر أن يصدر عفواً عنها إن رأى في ذلك مصلحة، وقد فعل بعض الصحابة ﵃ معاصي لم يعاقبهم عليها رسول الله ﷺ لما كانت دون الحدود، كالذي لقي امرأة فأصاب منها كل شيء غير أنه لم يجامعها، وكفعل حاطب بن أبي بلتعه إذ كاتب قريشاً بغزو النبي ﷺ لهم انظر ما رواه البخاري (٣٠٠٧) ، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 2072
مقولة: (لا تستوفى الحدود حتى تعطى الحقوق)
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
المكرم فضيلة الشيخ: ما رأيك بعبارة (لا تُستوفى الحدود حتى تُعطى الحقوق) ؟، ويحتج على ذلك إيقاف حد السرقة عام الرمادة، وهل من عدل الشريعة أن تقام الحدود ولم يُعط عمر ﵁ الحقوق لأصحابها مع توفرها؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
الإسلام دين شامل متكامل بعقائده وتشريعاته وأحكامه، ويجب على المسلمين الأخذ به، والتحاكم إليه، وعدم التفريق بين أحكامه بحيث يعمل ببعضٍ ويترك بعضًا، وقد ذم الله هذا المسلك، كما قال -تعالى-:"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" [البقرة: من الآية٨٥] ، والحدود جزء لا يتجزأ من تشريعات الإسلام، وقد شرعت لحكم ومقاصد عظيمة، حيث يتحقق بإقامتها المحافظة على الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل والعرض، والمال.
والله شرع هذه الحدود، وأمر بالعدل وأداء الحقوق، ونهى عن الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وهذه العبارة التي تقال: (لا تستوفى الحدود حتى تعطى الحقوق) يجاب عنها بأن الحدود لا تعطل بمثل هذه الدعوى، بل إذا حصل تقصير في استيفاء الحقوق، فتوجه الدعوة إلى أداء الحقوق، وإقامة العدل الذي أمر الله به، ورسوله ﷺ ، ثم إن استيفاء الحقوق لا يفترض فيه المثالية، فإن المجتمعات لا تخلو من تقصير في أدائها، والغالب أن هذه العبارة تصدر من أناس مغرضين، يقصدون من ورائها إبطال الحدود وتعطيلها في المجتمعات الإسلامية، وكما قال : "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً" [النساء: من الآية٢٧] ، وما جاء عن عمر ﵁ في عام الرمادة ليس من باب تعطيل حد السرقة، بل هو من باب درء الحدود بالشبهات؛ وهذه قاعدة في إقامة الحدود أنها تدفع بالشبهات، لأنه في عام الرمادة عمت المجاعة، وكثر المحاويج والمضطرون، فيصعب التمييز بين من يسرق من أجل الحاجة والضرورة، ومن يسرق وهو مستغن، ولهذا أسقط عمر ﵁ القطع عن السارق في عام المجاعة، كما أخرج ذلك عبد الرزاق (١٨٩٩٠) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عمر ﵄: "لا يقطع في عذق، ولا عام السنة"، والعذق هو: النخلة أو الغصن من النخل فيه ثمره، وعام السنة: المراد بالسنة: الجدب، والقحط، وانقطاع المطر، ويبس الأرض.
قال السعدي: " سألت أحمد عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إي لعمري، قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك، والناس في مجاعة وشدة. قال ابن القيم: "ومقتضى قواعد الشرع إذا كانت السنة سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجاناً على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجاناً؛ لوجوب المواساة، وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج". وجاء أيضاً عن عمر ﵁ درء الحد عن غلمان حاطب بن أبي بلتعة لما علم أن سرقتهم كانت عن حاجة، وكذلك درء الحد عن الخادم الذي سرق من مال مخدومه.
فعن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر ﵁ فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مُزيَنة، وأقروا على أنفسهم، فقال عمر- ﵁: يا كثير بن الصَّلت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولي بهم ردهم عمر ﵁ ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم -حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له- لقطعت أيديهم، وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة تُوجعكَ، ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر ﵁: اذهب فأعطه ثمانمائة. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٧٩٩) ، وفي الموطأ (١٣٢١) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ بغلام له، فقال: اقطع يده، فإنه سرق مرآة لامرأتي، فقال عمر- ﵁: "لا قطع عليه هو خادمكم أخذ متاعكم"، والحاصل أن الشبهة إذا وجدت فإنه يدرأ بها الحد. هذا والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2073
إغلاق الأسواق عند الأذان
المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
سؤالي: هل يلزم إغلاق المحلات التجارية (الأسواق) في الدولة الإسلامية بعد رفع الأذان؟ وما الدليل؟ وهل إغلاق الأسواق بعد الأذان له سابقة في الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ أو الصحابة ﵃ أو التابعيين؟.
أفتونا مأجورين.
الجواب
يقول تعالى في محكم التنزيل: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" [الجمعة: ٩] ، فهذا أمر عام لا يخص الجمعة بعينها؛ لأن القاعدة بين علماء الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد صح في البخاري (٦٤٤) ، ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ قول النبي ﷺ في التشديد على من يسمع النداء ولا يجيب قال: "لقد هممت أن آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحَرِّقَ عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء"، ثم إن ترك صلاة الجماعة والعمل أثناء الصلاة منكر لا يجوز السكوت عليه، وقد لعن الله بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون" [المائدة: ٧٨-٧٩] . وروى أبو داود (٤٣٣٦) ، والترمذي (٣٠٤٧) ، وابن ماجة (٤٠٠٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في موقف أهل الإسلام فيمن لا يستقيم على دينه، قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً"، ولم يكن صحابة رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان يشتغلون في الأسواق، ويمكثون في محلاتهم والصلاة ينادى بها، بل كانوا يتبادرون إلى المساجد ويهرعون إليها من حين سماع النداء؛ لما يعلمون من عظم شأن الجماعة ووجوب المبادرة إلى إجابة المنادي إلى الصلاة، كيف لا وهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها- أي عن الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق" رواه مسلم (٦٥٤) ، وغيره.
стр. 2074
مؤتمر حقوق الإنسان
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٨/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بداية والحق يقال نشكر لكم جهودكم الجبارة بهذا الموقع الفذ والمتنوع والمتجدد، الحافل بكل ما يواكب التطورات في الساحة والحكم الشرعي لكل منها، فكم حاجتنا اليوم لمعرفة الأحكام الشرعية فيما يدور حولنا من أحداث ومستجدات، ومن هذا المنطلق أحببت أن أجد جواباً عن موضوع حقوق الإنسان، حيث سيعقد في الرياض يومي ١٨و١٩ شعبان مؤتمر بعنوان (حقوق الإنسان في السلم والحرب) ، ولقد تم دعوة ١٥٠ شخصية عالمية مهتمة بهذا المجال أو قريبة التخصص منه، وتم توجيه آلاف الدعوات داخل المملكة لحضور هذا المؤتمر، وسؤالي هو:
أولاً: ما حكم إقامة مثل هذا المؤتمر؟ وما حكم المشاركة فيه أو حضوره؟
ثانياً: هل في الشرع الحنيف ما يسمى حقوق إنسان؟ أي بمعنى هل حقوق المسلمين والكفرة واحدة؟
ثالثاً: إذا طلب مني المشاركة وأنا أعلم وجود الكثير من المنكرات كدعوة الكفار إلى هذا البلد للحضور، والاختلاط في مقر الحفل، وغير ذلك، هل يجوز لي المشاركة مع أني لا أستطيع تغيير أي من هذه المنكرات؟.
رابعاً وأخيراً: أرجو سرعة الرد لأن المشاركة في هذا المؤتمر تحدد خلال الأسبوع القادم ويجب أن أعرف وغيري حكم المشاركة فيه وهل نوافق أم نعتذر؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
أول من دعا إلى حقوق الإنسان تعاليم الإسلام فهي التي رعت حقوق الإنسان جد الرعاية حيث عامة نداءات القرآن متوجهة إليه بأصله الإنسان أو إلى بعض أفراده بوصفه مؤمناً أو كافراً، فمن الأول قوله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ" [الحجر:٢٦] ، وقوله: "وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ" [لقمان: من الآية١٤] ، وقوله: "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" [النجم:٣٩] ، وقوله: "أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ" [القيامة:٣] ،وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً" [البقرة: من الآية١٦٨] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ" [النساء: من الآية١٧٠] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة:٢١] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [الحجرات: من الآية١٣] ،وقوله تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" [البقرة:٤٥] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة: من الآية٥١] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [المائدة:٩٠] ، وقال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" [فصلت:٢٦] ، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [التحريم:٧] ، إلى غير ذلك من الآيات ولا تفاضل بين بني الإنسانية إلا بتقوى الله سبحانه، كما جاء في الحديث: " لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" انظر مسند أحمد (٢٣٤٨٩) ، وفي حديث آخر "الناس بنو آدم، وآدم من تراب" أخرجه أحمد (٨٧٣٦) ، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ وحقوق الإنسان التي أمر الله برعايتها هي حقوق المسلم والكافر على السواء، وإقامة مؤتمر لعرض حقوق الإنسان في السلم والحرب وفي المملكة العربية السعودية أمر محمود يشكر الساعون بعقده والمشاركون فيه، ودعوة غير المسلمين للتحدث فيه بما لا يتعارض مع أحكام الإسلام لا شيء في ذلك، ولا يتوقع أن يشتمل على منكر ظاهر وإن وجد- وجب على القادر إنكاره بالأسلوب المناسب ومن دعي إلى المشاركة في هذا المؤتمر ونحوه تعين عليه ووجب عليه الامتثال. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2075
هل يقام الحدُّ على الحاكم
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٦/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
قرأت كتابا في الفقه الحنفي اسمه "الهداية"، وفي صفحة ٥٤٥ يذكر صاحب الكتاب العبارة التالية:
"إذا وقع الملك أو الخليفة المسلم في الزنا أو جريمة أو ذنب يشبه ذلك فلن يكون حد عليه"
فهل هناك فرق بين الحاكم والمحكوم في إيقاع العقوبة وفق الشريعة المطهرة؟ صديق لي يقول: إذا كان الحاكم هو من يقيم الحدود على الناس، فمن يقيم الحد عليه هو؟ فهو الوحيد الذي يقيم الحدود.
فهل صحيح أن الحاكم لا يقام عليه حد الزنا كما ذكر الكتاب المبين أعلاه؟
إذا كان الجواب أن الحدود تقام على الحكام أرجو تقديم مثال واحد على ذلك من التاريخ الإسلامي.
وما هي مصداقية الأحكام الواردة في هذه الكتب؟ هل تعتبر أحكاماً إسلامية؟ نرجو بيان قيمة هذه الأحكام.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالأصل في الحدود أن تقام على كل أحد شريفاً كان أو وضيعاً، وقد قال ﷺ :"وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد ﷺ لقطعت يدها" انظر: البخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨) ، وقد جاء في صحيح مسلم أن عثمان ﵁ أمر بجلد الوليد لما ثبت لديه أنه شرب الخمر الحديث رقم (١٧٠٧) ، وجاء في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٦/٤٨٢) ما نصه:"وكان الوليد شجاعاً شاعراً جواداً، قال معصب بن الزبيري: وكان من رجال قريش وسراتهم، وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين، وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة. انتهى.
هذا وما ذكره السائل عن بعض الحنفية من عدم إقامة الحد على الإمام الأعظم صحيح، فقد جاء في نصب الراية مع الهداية (٣/٥٢٤) ما نصه: (وكل شيء صنعه الإمام الذي ليس فوقه إمام فلا حد عليه إلا القصاص فإنه يؤخذ به وبالأموال؛ لأن الحدود حق لله تعالى وإقامتها إليه لا إلى غيره، ولا يمكنه أن يقيم على نفسه لأنه لا يفيد، بخلاف حقوق العباد لأنه يستوفيه ولي الحق، إما بتمكينه أو بالاستعانة بمنعة المسلمين، والقصاص والأموال منها، وأما حد القذف قالوا المغلب فيه حق الشرع، فحكمه حكم سائر الحدود التي هي حق لله تعالى) . انتهى وجاء في حاشية الروض المربع لابن قاسم (٧/٣٠٢) ما نصه: (وفي الدرر للحنفية أن الخليفة لا يُحد ولو لقذف، لأن الحد له وإقامته إليه دون غيره ولا يمكنه على نفسه، ويقتص منه ويؤخذ بالمال لأنهما من حقوق العباد) . انتهى.
قلت وقصة الوليد لا تعارض ما تقدم من كلام الحنفية، لأن عدم إقامة الحد على الحاكم إنما تختص بالإمام الذي ليس فوقه إمام، ومعلوم أن الوليد أمير تحت ولاية عثمان ﵁، فالإمام الأعظم هو عثمان ﵁.
هذا ولم أقف على قول لبقية فقهاء المذاهب الأخرى حول إقامة الحد على الحاكم أو عدم إقامته، وفي نظري أن ما ذكره الحنفية من التعليل لعدم إقامة الحد على الحاكم الأعلى وجيه له حقه من النظر، لكنني متوقف عن القول به أو بخلافه. أما القصاص والحقوق المالية فمحل اتفاق بين الأئمة على أن الإمام يؤخذ به ويقتص منه صاحب الحق، وقد أقاد النبي ﷺ سواد بن غزية من نفسه حينما كان ﷺ يقوم في غزوة بدر بتعديل الصفوف، وكان سواد متنصلاً من الصف فعدله الرسول ﷺ فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله فأقدني، فكشف ﷺ عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه. رواه عبد الرزاق (١٨٠٣٩) (٩/٤٦٧) بإسناد حسن لكنه مرسل.
هذا وما ذكره السائل عن مصداقية الأحكام الواردة في هذه الكتب نقول: الكتاب المشار إليه من كتب الحنفية المعتبرة، وله قيمته العلمية بين العلماء، لكن هذا لا يعني الأخذ بكل ما جاء به أو بغيره من كتب علماء الإسلام، بل الجميع يعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما عمل به، وما خالف ذلك تُرك والتمس لصاحبه العذر، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
стр. 2076
يعمل في الشرطة، فهل يستر على المذنب ؟
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٩/١/١٤٢٥هـ
السؤال
أنا شاب أعمل في الدوريات الأمنية في القطاع العسكري، وكثيراً ما أواجه حالات شرب للمسكر، وحالات اختلاء محرم بين شاب وفتاة، هل من باب الستر ألا أسلمهم إلى الجهات المختصة، علماً بأنه قد يُفصل المقبوض عليه من عمله بسبب ذلك، وهل أكون متسبباً في قطع رزقه؟ وما هو ضابط الستر في ذلك؟ أفيدونا -جزاكم الله خيراً-
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام وعلى من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فلأهمية السؤال أفضل التفصيل في الجواب، فأقول -وبالله التوفيق-، ومنه أستمد العون والتسديد: ما دمت أيها السائل تعمل في الدوريات الأمنية فعملك يتطلب القبض على من ذكرت في سؤالك، وليس من باب الستر ألا تسلمهم إلى الجهات المختصة؛ لأن هذا عملك فأنت مسؤول أمن نائب عن السلطان فيما وكل إليك، فلا أرى لك الستر أو العفو عما ذكرت، ولو أن كل رجل أمن أو هيئة أمر بمعروف ونهي عن منكر ستر لاختل الأمن، هذا وليُعلم أن حدود الله ﵎ كالزنا، والشرب، والسرقة، وغيرها من حدود الله، إنما يجوز العفو فيها، والشفاعة قبل بلوغها السلطان، وأما بعد بلوغها له فلا يجوز؛ لما رواه أبو داود (٤٨٨٣) ، والنسائي (٨٨٣) ، وغيرهم عن صفوان بن أمية ﵁ قال: كنت نائماً في المسجد على خميصة لي، -وفي رواية: على ردائي-، فجاء رجل فسرقه، وفي رواية: اختلسه، فأمسكت به، فجئت به إلى رسول الله ﷺ فأمر به النبي ﷺ أن تقطع يده، فقال صفوان ﵁ لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال النبي ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" والحديث صحح إسناده الحاكم والذهبي، ووافقهما الألباني، انظر إرواء الغليل (ج٧ ص٢٤٧) .
ولما روى مالك في الموطأ عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام ﵁ لقى رجلاً قد أخذ سارقاً، وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ﵁ ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير ﵁ إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع" انظر الموطأ بهامش المنتقى (ج٧ ص١٦٣) ، ولما رواه أحمد (٥٣٦٢) ، وأبو داود (٣٥٩٧) ، وغيرهما عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً "من حالت وشفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره"، صححه الألباني في إرواء الغليل (ج٧ص٣٤٩) .
أيضاً جاء في السؤال: ما هو ضابط الستر في ذلك؟ والجواب أن الستر جاءت أحاديث كثيرة في الترغيب فيه، منها ما رواه مسلم (٢٦٩٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة"، وعند أبي داود (٤٣٧٧) ، وأحمد (٢١٣٨٣) أن رجلاً يقال له هزال جاء إلى رسول الله ﷺ يخبره عن رجل رآه يزني، فقال النبي ﷺ : "يا هزال: لو سترته بثوبك كان خيراً لك"، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الترغيب في الستر، لكن يحمل الستر في هذه الأحاديث وغيرها على الحدود التي لم تبلغ السلطان أو نائبه، وأيضاً للشخص الذي لم يعرف بالفسادوالأذى، ولم يكن متلبساً بجريمته، أما من كان معروفاً بالفساد والأذى، أو كان متلبساً بجريمته، فهذا لا يُستر عليه مطلقاً. - والله أعلم- وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2077
المشاركة في الانتخابات
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم. وبعد:
انتشرت عندنا في بلاد الجزائر فتوى تحرم السياسة، وكل ما تعلق بها، ونحن على مقربة من موعد انتخاب رئيس الجمهورية، فوقع الكثير من الإخوة وخاصة الشباب في حرج، هل ننتخب أو لا ننتخب؟ نرجو الإجابة -بارك الله فيكم-. والسلام عليكم.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
السياسة من الدين، بل الدين كله سياسة، بل كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" كلها سياسة من اللام إلى الهاء، فهي تنفي جميع الطواغيت من الحجر، والشجر، والأوثان، والأفكار، والمذاهب، والأشخاص، من الزعماء، والكبراء....، ومن يعتقد فصل الدين عن السياسة، أو فصل الدين عن الحياة وهو يعلم لازم قوله - فهو كافر خارج عن ملة الإسلام- فكيف لا يكون في الدين سياسة، وأعظم آيات القرآن في الجهاد في سبيل الله، أليس الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو صميم السياسة، والذين ينكرون الدخول في الانتخابات غلب عليهم الجهل بأحكام الإسلام عامة، وبأحكام الحسبة خاصة، حيث ظنوا أن الدخول في الانتخابات التي تؤدي إلى مجالس (برلمانات) تشريعية قد تبيح ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، ونحن نقول إن بعض هذه المجالس تفعل هذا، ولكن المسلم إذا دخل عضواً في هذا المجلس يجب عليه أن ينكر المنكر، ويأمر بالمعروف، وإن غلبت آراء أهل الباطل عند التصويت فواجب المسلم أن يتحفظ ويمتنع عن التصويت، حينئذ ولا شيء عليه - إن شاء الله- بل هو مثاب حيث أسمع أهل الباطل كلمة الحق، وإن لم يعملوا بها، فالله يقول لرسوله ﷺ : "إن عليك إلا البلاغ" [الشورى: ٤٨] "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" [القصص: ٥٦] ، وإذا ترك أهل الحق والصلاح الدخول في هذه الانتخابات تفرد بها أهل الباطل والفساد، وكان رسول الله ﷺ يغشى مجالس قريش ويتقصد أماكن تجمعاتهم مع ما هم عليه من شرك وكفر، وفساد، وضلال، كل ذلك من أجل أن يبلغهم كلمة الحق والخير، ولو اعتزل مع صحابته، وقام يصلي ويدعو ربه، رافعاً يديه بهداية قريش لما كان بلغ رسالة الله، وقد جاء في الحديث: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" رواه الترمذي (٢٥٠٧) ، وابن ماجة (٤٠٣٢) ، وأحمد (٥٠٠٢) ، ودخول الانتخابات في هذا الظرف من أوجب الواجبات الشرعية لمحاربة الباطل، أو التقليل من شره على الأقل، فعليكم وفقكم الله بالدخول في هذه الانتخابات، حسبة لله ولتكثير سواد أهل الصلاح في هذه المجالس لإحقاق الحق وإبطال الباطل، حسب القدرة والاستطاعة؛ ليتحقق فيكم قول الله -تعالى-: "اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" [آل عمران: ١٠٢] ، وقوله -تعالى-: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" [آل عمران: ١١٠] . وفقكم الله وأعانكم، وسدد خطاكم، آمين.
стр. 2078
كيف نجعل الحكم إسلامياً في العراق
المجيب أ. د. نعمان عبد الرزاق السامرائي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٧/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شيخي الفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تجيبني على هذا السؤال، وجزاكم الله خيراً: أنا من أكراد العراق، وأعيش في الشمال، وأعتز بأني مسلم، وأريد للإسلام أن يكون الحاكم في العراق، وأن يكون الحكم في العراق إسلامياً، ونحن الآن -كما ترى- في موقف صعب جداً، وأنت تعرف ذلك، وضعنا متشابك جداً، لذا أرجو منك النصيحة، وأن تدلنا على أحسن طريقة لكي يعود لنا الحكم الإسلامي في العراق، وما هي نصائحكم لنا؟ أرجو أن تفيدونا. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
أخي الكريم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جواباً لسؤالكم حول الحكم بالعراق وواجب المسلم، معروف أن نسبة المسلمين في العراق اليوم تصل إلى ٩٨% بحسب المولد، بينهم أقلية دون (١٠) بالمائة ترى أن مصلحة العراق في متابعة الغرب، وإن كان على حساب الإسلام وما أمر به، الإنسان في الغرب اعتمد العلمانية؛ لأن النصرانية ليس فيها تشريع، أما المسلم فمتى تخلى عن التشريع فهو إيمان ببعض الكتاب وكفر بأكثره، لذا لا يسعه رفض التشريع، فإن رفضه فقد سقط في الحكم بغير ما أنزل الله، وقد يخرج من دائرة الإسلام كلياً، فما واجب الفرد المسلم اليوم وغداً في العراق؟.
هناك معركة حول دستور العراق الدائم، والذي ينبغي النص على إسلاميته، وعدم جواز أن يعارض ذلك أي تشريع، وهذه المعركة تستقطب الأكثرية المطلقة للعراقيين وهي المعركة رقم واحد.
المعركة الثانية: معركة الانتخابات العامة، وهي معركة الأمانة، فالمسلم يحمل أمانة (الاختيار) ، فعليه ألا يمنح صوته الانتخابي إلا لمن يوالي الله -تعالى- ورسوله ﷺ ، فإن لم يفعل فقد ضيع الأمانة، والمعركة الأولى والثانية ستكون سهلة، وإن لم تخلُ من صعوبة، وتتطلب مزيداً من الوعي والتصميم، والله غالب على أمره، وبحسب الفرد المسلم أن يشارك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والأمل كبير بالفوز في المعركتين حقاً بإذنه تعالى.
стр. 2079
استخراج رخصة تجارية باسم الغير
المجيب د. خالد بن علي المشيقح
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٧/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ما حكم فتح محل واستخراج رخصة تجارية باسمي لشخص آخر؟ لأنه غير مسموح له أن يفتح باسمه محلاً تجارياً؟
على سبيل المثال يسمح عندنا بفتح محل تجاري للمواطن أما الوافد فإنه على أقسام أبناء دول الخليج نشاط واحد فقط، مثلا بيع الذهب ولا يستطيع أن يفتح نشاطاً آخر, أبناء الدول العربية والمسلمة والكافرة الأخرى يمكنهم فتح استثمار، ويدفعون ضرائب ومعاملة طويلة إلخ, فإذا ساعدت أحد إخواني المسلمين بفتح محل باسمي أكون آثماً لمخالفتي ولي الأمر أم ماذا؟ -جزاكم الله خيراً-.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هذه الأنظمة التي يضعها ولاة الأمر والمسؤولون إنما قصدوا بها تنظيم أمور الناس، وترتيب معايشهم، وإذا كان هذا هو المقصد، وأن المصلحة مترتبة على ذلك، وأنها ليس فيها أمر بمنكر، فالواجب الطاعة؛ والله يقول: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... " الآية، [النساء:٥٩] ، وليس المراد بقوله: "وأولي الأمر منكم" طاعتهم فيما يتعلق بأمور العبادات من الصلاة والزكاة، وإذا أمروا بالصلاة والزكاة، ونحو ذلك؛ لأن هذا داخل في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وحينئذ يكون قوله: "وأولي الأمر منكم" ليس له فائدة، ولا يترتب عليه فائدة.
فظهر لهذا أن المراد طاعتهم فيما يتعلق بأمور الدنيا، التي يضعونها ويرتبونها لمصالح الناس، دون أن يترتب على ذلك عمل بمنكر وفي الحديث: أن النبي ﷺ -قال: "من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" رواه البخاري (٢٩٥٧) ومسلم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁. وعلى هذا لا تجوز المخالفة. والله أعلم.
стр. 2080
قتل البهيمة إذا وطئها بشر
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٤/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
بصراحة حاولت أن أسأل السؤال هذا ولكن والله استحيت، وأخيراً قلت لا حياء في الدين، سؤالي هو سمعت أحد الأشخاص يروي حكاية يقول كان هناك شاذ جنسياً يعمل الفاحشة مع قطيع من الغنم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- نسأل الله السلامة وقبض على الشخص، وقرروا أن يستروا عليه، وأن يذهبوا إلى قطيع الغنم ويقتلونه جميعاً ويحرقونه بعد قتله، ما أدري ماذا يفعل بقطيع الغنم، هل صحيح يقتل ثم يحرق.
الجواب
أخي الفاضل: قد ورد حديث في قتل البهيمة الموطوءة وهو ما رواه أبو داود (٤٤٦٤) وغيره، "من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه".
وروي عن علي ﵁ أنه أوتي برجل أتى بهيمة فلم يحده، وأمر بالبهيمة فذبحت وأحرقت بالنار. وقد لا يثبت هذا عن علي ﵁.
وأما الحديث فهو ضعيف، وكيف يحتج به وقد جاء ما يعارضه وهو أثر عن ابن عباس ﵄ "من أتى بهيمة فلا حد عليه"، أخرجه البيهقي (٨/٢٣٤) وغيره، وليس المقصود فلا إثم عليه، بل هو آثم، ولكن لا حدّ عليه هذا هو المراد. ثم إن الحديث يروى من طريق ابن عباس-﵄، ومذهبه ﵁ خلاف هذا، وقد ضعف الحديث أبو داود وتوقف أحمد في حكم من أتى بهيمة ولم يثبت هذا الحديث، كما أنكره الإمام مالك، وقال ابن حجر في التلخيص: في إسناده كلام، ثم على قول من يرى قتل البهيمة الموطوءة فإنها إن كانت للفاعل وأقر على نفسه أنه فعل بها فإنها تقتل وتذهب عليه هدراً، وإن كانت لغيره لم يجز قتلها لأجل إقراره على نفسه أنه فعل بها لأنها مال غيره، فلابد من وجود البيّنة أنه فعل بها ولا يكفي إقراره.
ومذهب الجمهور أنها لا تقتل، وإذا ذكيت جاز أكلها من غير كراهة، وقيل في التعليل للأمر بقتلها لئلا يعيّر فاعلها لذكره برؤيتها، كلما رآها الناس تذكروا من فعل بها فيعيّرونه ويلمزونه، وربما يكون قد تاب وأناب.
стр. 2081
التقية والعمل بها
المجيب د. علي بن عمر با دحدح
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٧/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هي التقية؟ وكيف يتم العمل بها في جماعة السنة عند الاستعداد للحرب؟ هل هي جائزة؟.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فهذا إيجاز من القول عن التقية والخدعة وما يتصل بهما في أعمال المسلم في الأحوال المختلفة:
تعريف التقية:
لغة: من اتقيت الشيء وتَقَيته وأتَّقيه تقىً وتَقِيّة وتقاء، حذرته.
اصطلاحاً: عرفها ابن حجر بقوله: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير (فتح الباري١٢/٣١٤) ، وقد ورد في معنى التقية آيات قرآنية وأحاديث نبوية فمن الآيات: قوله -تعالى-:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير" [آل عمران: ٢٨] ، عن ابن عباس ﵄ في قوله -تعالى-:"إلا أن تتقوا منهم تقاة"، فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان". (تفسير ابن أبي حاتم ج٢/ص٦٢٩) .
وقال ابن كثير:" أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته كما قال البخاري، عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال:"إنا لنبشّ في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم" انظر ما رواه البخاري تعليقاً في كتاب: الأدب باب: المداراة مع الناس، وقال البخاري: قال الحسن: "التقية إلى يوم القيامة" انظر صحيح البخاري كتاب الإكراه. (ابن كثير ٣٦٠-٣٦١) .
стр. 2082
وقال النسفي في معنى الاستثناء:" إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، أي: إلا أن يكون للكافر عليك سلطان، فتخافه على نفسك، ومالك، وحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال العداوة ". (تفسير النسفي ١٥٣/١) .
ومنها قوله -تعالى-: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم" [النحل: ١٠٦] .قال ابن جرير في سبب نزول هذه الآية:"أخذ المشركون عماراً فعذّبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا إلى النبي ﷺ فقال له كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال ﷺ :" فإن عادوا فعد ". (تفسير الطبري ١٨١/٨) .
وقال ابن كثير: "ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي؛ إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى". (ابن كثير ١٠٧٨) .
стр. 2083
وأما السنة: فقد روى البخاري في صحيحه (٢٥١٠) ، ومسلم (١٨٠١) عن جابر- ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَه؟ ُ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ﵁ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَال: َ "نَعَمْ"، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَال: َ "قُلْ"، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ﵁ فَقَال: َ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَة، ً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّه، ُ قَال: َ إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاه، ُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْن، ِ- وحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، أَوْ فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقَال: َ أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْن-ِ فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَال: َ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَب؟ ِ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُم، ْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَال: ُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَة، َ قَالَ سُفْيَان: ُ يَعْنِي السِّلَاح، َ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَه، ُ فَجَاءَهُ لَيْلًا، وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُه: ُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَال: َ إِنَّمَا هُوَ
стр. 2084
مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ- وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَت: ْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، قَال: َ وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ قِيلَ لِسُفْيَانَ سَمَّاهُمْ عَمْرٌو، قَالَ سَمَّى بَعْضَهُم؟ ْ قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْن، ِ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْر، ٍ قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوه، ُ وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا، وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيب، ِ فَقَال: َ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَال: َ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَب، ِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَك؟ َ قَال: َ نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَه، ُ ثُمَّ قَال: َ أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ دُونَكُمْ فَقَتَلُوه، ُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ".
قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب , وَكَيْف أَمْكَنَ الْخِدَاع إِلَّا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَان فَلَا يَحِلّ , وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيث جَوَاز الْكَذِب فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحَدهَا فِي الْحَرْب. (شرح النووي لصحيح مسلم ٤٥/١٢) .
стр. 2085
قال ابن حجر:. وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى أَخْذ الْحَذَر فِي الْحَرْب , وَالنَّدْب إِلَى خِدَاع الْكُفَّار , وَأنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَن أَنْ يَنْعَكِس الْأَمْر عَلَيْهِ, قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَرْب، بَلْ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ آكَد مِنْ الشَّجَاعَة , وَكَذَا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا يُشِير إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث, وَهُوَ كَقَوْلِهِ " الْحَجّ عَرَفَة " , قَالَ اِبْن الْمُنِير: مَعْنَى الْحَرْب خَدْعَة أَيْ الْحَرْب الْجَيِّدَة لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَة فِي مَقْصُودهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَة لَا الْمُوَاجَهَة , وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَة وَحُصُول الظَّفَر مَعَ الْمُخَادَعَة بِغَيْرِ خَطَر. (فتح الباري ١٥٨/٦) .
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بترجمتين، فقال: باب: الكذب في الحرب، وباب: الفتك بأهل الحرب، ونقل ابن حجر عن ابن العربي أنه قال:" الْكَذِب فِي الْحَرْب مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِز بِالنَّصّ؛ ِ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ" ثم قال ابن حجر:" وَيُقَوِّيه مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد (١٢٠٠١) وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَنَس-﵁ فِي قِصَّة الْحَجَّاج بْن عِلَاط الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم فِي اِسْتِئْذَانه النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَقُول عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اِسْتِخْلَاص مَاله مِنْ أَهْل مَكَّة، وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ , وَإِخْبَاره لِأَهْلِ مَكَّة أَنَّ أَهْل خَيْبَر هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُور فِيهِ". (فتح الباري ١٥٩/٦) .
стр. 2086
وأشار أهل العلم إلى أن الإجماع في مسألة الإكراه، قال ابن حجر:" قال ابن بطال تبعاً لابن المنذر: أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ألا يحكم عليه بالكفر، ولا تبين منه زوجته". (فتح الباري ٣١٤/١٢)
ومن مجموع ذلك يمكن القول بأن التقية عند أهل السنة هي إظهار المسلم لبعض الأقوال والفعال الموافقة لأهل الكفر أو الجارية على سبلهم إذا اضطر المسلم إلى ذلك؛ من أجل اجتناب شرهم، مع ثبات القلب على إنكار موافقتهم وبغضها والسعي لدفع الحاجة إليها. (انظر فقه الإيمان والعمل الصالح د. العمري ٥٢٠) .
ضوابط التقية عند أهل السنة والجماعة:
الأول: ألا تكون التقية طريقاً للانفلات من ربقة التكاليف الشرعية، فلا يجوز الخروج عن حدود الشرع بحجة التقية.
ثانياً: التقية رخصة لا يلجأ إليها إلا في حال الاضطرار، والأخذ بالعزيمة أفضل. قال ابن حجر: (قال ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فان أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلاً فالفعل أولى) (فتح الباري ج١٢/ص٣١٧) .
ثالثاً: التقية لحال الضرورة تقدر بقدرها، فإذا اضطر المسلم إلى التقية وجب عليه أن يتقي الكفار بأدنى ما يمكن مما هو خروج عن حدود الشرع، وهذا لا يتعدى اللسان في كثير من الأحوال.
رابعاً: وجوب السعي للخروج من حكم الاضطرار أو الإكراه الذي أباح للمسلم التقية.
خامساً: التقية عند أهل السنة غالباً ما تكون مع الكفار وفي حال الإكراه والاضطرار.
ومن الناحية العملية هناك عدة حالات تطبيقية في حياة المسلمين المعاصرة منها:
أ- في حروب المواجهة العسكرية التقية بالكذب عند الحاجة جائز؛ لتحقيق مصلحة المسلمين ودفع الضرر والأذى عنهم دون أن يكون فيه غدر بنقض عهد أو أمان صريح، وهو من أعمال الحروب عامة.
стр. 2087
ب- الأمة الإسلامية في حالة ضعف، ومن جهة أخرى هي في حالة مواجهة وحرب شعواء في المجالات العسكرية، فهناك حرب اقتصادية صناعية تحارب فيها الأمة؛ لئلا تمتلك ناصية العلم وأسرار التكنولوجيا، وتبقى عالة على أعدائها، وهناك حرب في مجال التعليم على المناهج؛ لمسخها وتفريغها من محتواها الذي يتضمن ثوابت الدين وهوية الأمة، وهكذا وكل ميدان من هذه الميادين يدخل فيه - بحسب تقدير الضرورة والحاجة - ضرب من التقية والخدعة، كأن يتم تحصيل أسرار العلوم والتكنولوجيا دون التصريح بهذا الهدف وبوسيلة لا تكشف التوجه بل بطرق وأساليب غير مباشرة وغير ظاهرة ونحو ذلك.
ج- المسلمون المستضعفون المضطهدون في بلاد ودول تحاربهم وتمنعهم من إظهار دينهم وهويتهم والقيام بأداء فرائضهم وشعائرهم كما كانت حالة المسلمين في الاتحاد السوفيتي الشيوعي سابقاً، وكما هو حال بعض المسلمين في مناطق الهند وبورما وغيرها، فهؤلاء ينطبق عليهم وضع الاضطرار الذي يقدرون فيه حاجتهم إلى خفاء ما يضر إظهاره، وإظهار ما يدفع عنه الأذى ولو كان غير حقيقي.
د- المسلمون في بلاد غير مسلمة وليسوا مضطهدين، ولكن القوانين المعمول بها في تلك البلاد تتعارض مع الأحكام الإسلامية؛ كمنع التعدد وكذلك ترتب الضرر على إظهار وإعلان بعض الأحكام الإسلامية لعدم فهم وتقبل المجتمعات لها، كما هو حال المسلمين في أوروبا ونحوها فإن لعلمائهم أن يجتهدوا في بعض ما فيه حاجة وضرورة لاتخاذ المناسب الذي يحقق المصالح ويدفع المفاسد، وإن كان عن طريق التورية والمعاريض وربما الكذب في حال الضرر الكبير والمفسدة العظيمة.
فحال المسلم في ديار الإسلام ورفع رايته وتطبيق شريعته يختلف عن المسلم في بلاد ومجتمعات وتشريعات ليست إسلامية فالأول يظهر الإسلام وشرائعه وشعائره والاعتزاز به ما قد لا يتاح مثله للثاني.
стр. 2088
قال ابن تيمية:" لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر؛ لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة". (اقتضاء الصراط المستقيم ١٧٦-١٧٧) .
ولا بد من التنبيه على أهمية مراعاة الضوابط المذكورة سابقاً، ومن المهم أن يكون الحرص عظيماً على التدين والإخلاص لله والورع، ثم عدم التوسع في مثل هذه المسائل بما لا تقتضيه الضرورات والحاجات الحقيقية، مع أهمية الانتباه إلى أنه ليس لكل أحد تقدير تلك الضرورات والإفتاء فيها بما يناسبها من التصرفات، وخاصة في المسائل العامة التي تتعلق بجميع أحوال المسلمين والجاليات الإسلامية في غير ديار الإسلام بل مرد ذلك إلى أهل العلم منهم للبحث في تلك المسائل بالرجوع لنصوص الشرع وقواعد وأصول الفقه ومقاصد الشريعة حتى تنضبط الأمور ويظل ارتباط المسلمين قوياً بدينهم وكتابهم وسنة نبيهم ﷺ .
والتقية مصطلح له دلالة خاصة عند الشيعة ورأيت من المناسب إيجاز القول في بيان ذلك:
التقية عند الشيعة الإمامية. (ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ٢/٩٧٩-٩٨٣)
تعريفها: (هي كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضراراً في الدين أو الدنيا) .
стр. 2089
واستدل الشيعة على التقية بالآيات التي استدل بها أهل السنة، ولكنهم توسعوا في استخدامها وخرجوا بها من حال الضرورة إلى حال الاختيار، فهي عندهم سلوك جماعي دائم وحالة مستمرة حتى يخرج القائم وهو محمد بن الحسن العسكري من سرداب سامراء. قال ابن بابويه من أئمتهم في كتابه الاعتقادات: (والتقية واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله -تعالى- وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة) . (ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ٢/٩٨٣) .
وتقية الشيعة مع المسلمين ولا سيما أهل السنة؛ لأنهم يرون أهل السنة أشد كفراً من اليهود والنصارى لأن منكر إمامة الاثني عشر أشد من منكر النبوة عندهم.
ويرى الشيعة أن عصر القرون المفضلة عهد تقية.
التقية عندهم ركن من أركان دينهم كالصلاة أو أعظم، حتى قال قائلهم (اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة) وجعلوا التقية (تسعة أعشار الدين) (وأن من لا تقية له لا إيمان له)
وهي عندهم مطلوبة حتى مع انتفاء ما يبررها، ففي كتبهم (عليكم بالتقية؛ فإنه ليس منا من لما يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمن جانبه؛ لتكون سجية مع من يحذره) .
سبب غلو الشيعة في أمر التقية:
١- أن الشيعة تعد بيعة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ باطلة وهم ومن بايعهم في عداد الكفار، وعليٌّ ﵁ ممن بايعهم وصلى خلفهم وجاهد معهم وسار على نهجهم وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه فخرجوا من هذا التناقض بالقول بالتقية.
٢- تبرير التناقض في مرويات الأئمة الذين زعموا لهم العصمة، فقالوا بالتقية؛ لتبرير هذا التناقض.
стр. 2090
٣- تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت، بحيث يوهمون الأتباع أن ما ينقله واضعو مبدأ التقية عن الأئمة هو مذهبهم، وأما ما اشتهر عن الأئمة وذاع عنهم وفعلوه أمام المسلمين فلا يمثل مذهبهم، وإنما يفعلونه تقية، فيسهل على أولئك الكذابين رد أقوالهم والدس عليهم وتكذيب ما يروى عنهم من حق.
وضع مبدأ التقية لعزل الشيعة عن المسلمين، يقول أحد أئمتهم: (ما سمعتَ مني يشبه قول الناس- يعني أهل السنة- فيه التقية، وما سمعت مني لايشبه قول الناس فلا تقية فيه) . وهذا مبدأ خطير، يؤدي بالشيعة إلى جعل مخالفة المسلمين هي القاعدة، وبالتالي يوافقون الكافرين ويخالفون المسلمين.
فالتقية عند الشيعة الإمامية نفاق لا يمت إلى الإسلام بصلة، ويجب على المسلم أن يتجنبها، ويحذر من هؤلاء الشيعة، وألا يثق بما يقولونه؛ لأن الأصل عندهم هو التقية، وهم كالمنافقين الذين وصفهم الله بقوله: "يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم" [الفتح: ١١] .
(ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ٢/٩٧٩-٩٨٣)
والله -تعالى- أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2091
اشتراط القرشية للإمامة العظمى
المجيب خالد بن عبد الله البشر
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٦/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
هل النسب القرشي أحد شروط الخلافة؟ وهل بدونها لا تصح الخلافة؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
اختلف النسّابون في المقصود بقريش، وأصح هذه الأقوال: قول الشافعي وابن حجر وابن القيم ﵏ أن قريشاً: هو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فالقرشي من كان من ولد النضر بن كنانة، والقرشية شرط من شروط انعقاد إمامة المسلمين عند أهل السنة والجماعة، وشذّت فِرق أمثال الخوارج والمعتزلة فلم يقولوا بهذا الشرط، قال القاضي عياض ﵀ اشتراط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار، ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين، وتظافرت نصوص السنة الصحيحة على اشتراط القرشية في إمام المسلمين، منها: ما رواه معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الأمر - أي الخلافة - في قريش لا يعاديهم أحد إلاَّ كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" أخرجه البخاري (٣٥٠٠) ، وما رواه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" أخرجه البخاري (٣٥٠١) ومسلم (١٨٢٠) ، وما رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك، فإذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" رواه أحمد (١٢٤٨٩) ، وقال الهيثمي في الزوائد (٥/١٩٣) : ورجال أحمد رجال الصحيح، وقال أبوبكر ﵁ في قصة سقيفة بني ساعدة: "وإن هذا الأمر - أي الخلافة - في قريش ما أطاعوا الله، واستقاموا على أمره "، والحكمة في اشتراط القرشية قيل: لأفضلية قريش حسباً ونسباً، وأن النبي ﷺ منهم، وقيل: لقوتهم وعصبيتهم بين قبائل العرب، وأن العرب تسمع لقريش وتطيع، وقيل غير هذا، والله أعلم بالحكمة. واشتراط النسب القرشي في إمام المسلمين هو شرط وجوب وابتداء عند اختيار إمام المسلمين من قبل أهل الحل والعقد بعد أن يستكمل سائر شروط الإمامة. وأما إذا كان الذي تولى الإمامة تولاها بطريق الغلبة والقهر، وخُشيت الفتنة بعزله إن عُزل؛ فلا يُشترط حينئذ شرط القرشية؛ لأن المقصد الأعظم للإمامة هو إقامة الدين وسياسة الدنيا به. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 2092
حكم الاستفتاء الشعبي
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٨/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود السؤال عن حكم عملية الاستفتاء الشعبي، والتي هي في الحقيقة طلب رأي الشعب في مسألة من المسائل كالاستفتاء على اختيار الحاكم، أو عزله، أو الاستفتاء على تعديل الدستور، أو الاستفتاء على أفضل أغنية، فما الحكم الشرعي في المشاركة في ذلك؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المراد بالاستفتاء طلب الرأي والمشورة في أمر يهم الجماعة والمجتمع، وسمي استفتاءً لشبهه بالفتوى بين السائل والمفتي، والاستفتاء في الأمور المباحة من أمر الدين والدنيا جائز شرعًا، والناس منذ القدم وإلى يومنا هذا يسأل بعضهم بعضًا، ويستفتي الجاهل العالم، ويسأل من يجهل الأمر من هو أعلم به منه، وما زال الناس على هذا دون نكير؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص من الشارع، فإذا كان الاستفتاء على شيء محرم كالاستفتاء على إباحة الربا أو تحريمه، أو جواز الزنا والشذوذ الجنسي، أو منعه، أو تحليل الغناء أو تحريمه، ونحو ذلك، فهذا حرام لا يجوز، وهو تشريع بما لم يأذن به الله، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ... ) [الشورى:٢١] .
وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ) [المائدة:٥٠] . وإذا كان الاستفتاء على الدستور في جملته، وهو دستور وضعي لا يعتمد الشريعة في مواده وأحكامه، فيجوز الاستفتاء عليه؛ لأنه عمل بشري دنيوي، وإن كان يعتمد الشريعة في فصوله وأبوابه ومواده، فلا يجوز الاستفتاء عليه حينئذ؛ لأنه متضمن أحكامًا شرعية قطعية واجب العمل بها، ولا يجوز طرحها للاستفتاء، أما الاستفتاء لاختيار الحاكم أو بعض نوابه فيجوز ذلك؛ لأن الأمر يخص الناس، وعليهم التشاور، ومنه الاستفتاء باختيار الأفضل والأمثل، والدليل على هذا أن عبد الرحمن بن عوف، ﵁، لما توفي عمر بن الخطاب، ﵁، بقي يشاور الناس ثلاثة أيام، وكان يشاور النساء العذارى في خدورهن، ثم أخبر أن الناس لا يعدلون بعثمان، ﵁. (منهاج السنة ٦/٣٥٠) ، وذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) أن عبد الرحمن بن عوف، ﵁، كان بقي ثلاثة أيام يستشير الناس في عثمان وعلي، ﵄، حتى خلص إلى النساء المخدّرات في حجالهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة (البداية ٦/١٦٠) . وإذا جاز الاستفتاء (التشاور) على اختيار الحاكم جاز على عزله من باب أولى. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2093
إذا أقيم الحد على الزاني البكر ثم زنى
المجيب نزار بن صالح الشعيبي
القاضي بمحكمة الشقيق
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٩/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
ما حكم الزاني الأعزب، إذا أقيم عليه الحد وزنى مرة أخرى؟.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
إذا زنى الأعزب بعد إقامة الحد عليه، وثبت زناه الثاني ثبوتاً شرعياً فإنه يقام عليه الحد مرة ثانية، فإن أقيم عليه الحد مرة ثانية بعد زناه الثاني فإنه يقام عليه الحد مرة ثالثة، فإن عاد بعد الثالثة، فعلى القاضي أن يحكم عليه بإقامة الحد، وله أن يزيد عليه عقوبة تعزيرية إضافية لكثرة سوابقه، وعدم ارتداعه عنها، وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم: (٥٣) في (ع/ع/ ١٣٩٧هـ) ما نصه: (للقاضي أن يعزر من تكرر منه شرب الخمر ثلاثاً، وأقيم الحد عليه بعد كل مرة بما يراه من سجن وجلد، ونحوهما مع إقامة الحد الواجب) ا. هـ وإن كان نص القرار حول حد شرب الخمر إلا أنه ينسحب على حد الزنا. والله -تعالى- أعلم.
стр. 2094
الإمارة في الأنشطة الدعوية
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٥/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تفيدوني، نحن خمسه شباب في المسجد، مقيمون على الدعوة إلى دين الله، واقترح بعض الإخوة أن نكون متوحدين في المنهج الدعوي والنشاط الذي يخدم الدعوة، وقد اقترح أن يكون هناك منا أمير أي هو المسئول عن تنظيم تلك الأمور، وقد اختاروني، ولكن أنا في ريب من تلك الفكرة وهو أن أكون أنا الأمير أو المسئول على تنظيم الأمور، وأنا أريد أن تفيدوني في هذا الأمر، مع العلم أني أعرف أن الرسول ﷺ قال: "إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا أحدكم". ولكن أنا أريد النصيحة، هل هناك شيء اسمه إمارة؟ وما معناها؟ وإن كانت تصح فما الأمور التي تنصحوني بها أن أفعلها؟ وجزاكم الله خيرًا. وأرجو من الله أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث المشار إليه في السؤال حديث حسن أخرجه الإمام أحمد (٦٦٤٧) من حديث عبد الله بن عمرو، ﵄، في أثناء حديث أن النبي ﷺ قال: " ... وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ إِلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ....". وله شاهد من حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ". أخرجه أبو داود (٢٦٠٨) .
ومن حديث أبي هريرة، ﵁، عن أبي داود (٢٦٠٩) ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ". ومن حديث عمر بن الخطاب. رواه الحاكم (١/٦١١) ، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وهذه الأحاديث تدل على أنه يسن للجماعة إذا كانوا في سفر، أو فلاة من الأرض أن يؤمروا أحدهم حتى تنتظم أمورهم وتستقيم أحوالهم وتجتمع كلمتهم، ولا يحصل بينهم خلاف وشقاق يؤدي إلى فساد أحوالهم وتفرقهم واختلافهم.
يقول ابن تيمية: (فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك....) الحسبة في الإسلام (ص: ١٢) .
وقد استدل العلماء بهذا الحديث وغيره على وجوب تنصيب الأئمة والحكام والولاة ليقوموا برعاية مصالح الأمة وترتيب أمورها وشؤونها، والحاكم الشرعي له البيعة والطاعة بالمعروف، ويناط به النظر في قضايا الأمة وشؤونها، وإذا احتاج مجموعة من الناس إلى الترتيب فيما بينهم والتنسيق في أمور دعوية محدودة فلا بأس بذلك بما لا يخالف ما يوجد من ترتيب وتنظيم مشروع من قبل ولاة الأمر. فعلى هذا إذا أحب مجموعة الاجتماع والتناصح والتعاون فيما بينهم فهذا من الخير، ولا بأس أن يوجد من يكون مسئولًا عن هذا الاجتماع واللقاء لكن لا تضفى عليه صفات الأمير بحيث يبايع كما يبايع ولي الأمر، إنما يكون بمثابة الرئيس ونحوه.
نسأل الله أن يجعلنا من أنصار دينه، ومن الدعاة إليه على بصيرة وعلم، ومن المتعاونين على البر والتقوى. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2095
مفهوم بيعة النساء
المجيب د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٢/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل من السائغ مقارنة بيعة النساء للرسول ﷺ بانتخابات النساء في وقتنا الحاضر؟ ولماذا؟ وهل بايعنه نساء الخلفاء الراشدين؟ ولماذا؟ وما مفهوم البيعة؟ وفقكم الله ورعاكم ونفع بعلمكم عموم المسلمين.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
- تطلق البيعة في اللغة العربية على: المبايعة على الطاعة. وتطلق على: الصفقة من صفقات البيع , قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] . وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لمجاشع حينما سأله: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قال: "عَلَى الإسلامِ والجهادِ". أخرجه مسلم (١٨٦٣) . وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة.
- والبيعة اصطلاحًا, كما عرَّفها ابن خلدون في مقدمته: (العهد على الطاعة) . كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين, لا ينازعه في شيء من ذلك, ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره, وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد, فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري, وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي. هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع, وهو المراد في الحديث في بيعة النبي ﷺ ليلة العقبة, وعند الشجرة, وحيثما ورد هذا اللفظ. ومنه: بيعة الخلفاء.
- وقريب من هذا المعنى: (العهد) . وهو في اللغة: كل ما عوهد الله عليه, وكل ما بين العباد من المواثيق. والعهد: الموثق واليمين يحلف بها الرجل. تقول: علي عهد الله وميثاقه, وأخذت عليه عهد الله وميثاقه. فالبيعة نوع من العهود.
أدلة مشروعية البيعة:
- مبايعة المسلمين للرسول ﷺ إنما هي مبايعة لله ﵎, وذلك كما في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: ١٠] . والمراد بالمبايعة في الآية بيعة الرضوان بالحديبية. وفي صحيح مسلم (١٨٥٦) ، عن جابر، ﵁، قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة, فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة. وقال: بايعناه على ألَّا نَفِرَّ, ولم نبايعه على الموت. وفي بيعة العقبة الأولى بايع المسلمون الرسول ﷺ ، على بيعة النساء قبل أن تفرض عليهم الحرب. انظر صحيح البخاري (١٨) وصحيح مسلم (١٧٠٩) .
- أما بيعة النساء فقد بينت في قول الله ﵎: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم) [الممتحنة: ١٢] . ولما فتح رسول الله ﷺ مكة جاءه نساء أهلها يبايعنه فأخذ عليهن: أن لا يشركن.. إلخ. ففي صحيح البخاري (٤٨٩١) وصحيح مسلم (١٨٦٦) ، عن عائشة، ﵂، قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يُمْتَحَنَّ بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ) إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. كان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن , قال لهن: "انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ". ولا والله، ما مسَّت يد رسول الله ﷺ يَدَ امرأة قَطُّ, غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة، ﵂: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قَطُّ إلا بما أمره الله , وما مسَّت كفُّ رسول الله ﷺ كفَّ امرأة قط, وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: "قَدْ بَايَعْتُكُنَّ". كلامًا. (أي دون مصافحة) ، وقالت أم عطية، ﵂: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جَمَعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ فَرَدَدْنَ السَّلَامَ، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُنَّ. فَقُلْنَ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: تُبَايِعْنَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقْنَ وَلَا تَزْنِينَ وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ وَلَا تَعْصِينَ فِي مَعْرُوفٍ. فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَمَدَّ عُمَرُ يَدَهُ مِنْ خَارِجِ الْبَابِ، وَمَدَدْنَ أَيْدِيَهُنَّ مِنْ دَاخِلٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. أخرجه أحمد (٢٧٣٠٩) وأبو داود (١١٣٩) . فبيعة رجال المسلمين للرسول ﷺ ، كانت بالمصافحة مع الكلام. أما بيعة نسائهم له ﷺ فكانت بالكلام من غير مصافحة. قال النووي في شرح مسلم: إن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف, وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام. وحين تخوف عمر بن الخطاب، ﵁، الاختلاف بين المسلمين قال لأبي بكر، ﵁: ابْسُطْ يَدَكَ يا أبا بكر. فبسطها, فبايعه, ثم بايعه المهاجرون, ثم بايعه الأنصار" أ. هـ. ومن هذا نرى أن البيعة ليست مرادفة للانتخابات، فالمسلمون رجالاً ونساء لم ينتخبوا النبي ﷺ ، وإنما آمنوا بنبوته ورسالته كما آمنوا بالله الذي أرسله، ثم أخذ عليهم العهد، فبايعوه على ذلك كما رأينا في النصوص السابقة. ولا أعلم أن النساء كنَّ يبايعن الخلفاء الراشدين بذلك المعنى، إذ لم يكن ذلك من شأنهن. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2096
هل يستفيد المجتمع من إقامة حد الزنى ؟
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٨/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
تنتابني الحيرة بسبب أنكم تحكمون بقتل من يغتصب امرأة، على أي أساس يكون ذلك من القرآن والسنة؟ وكيف يمكن أن يستفيد المجتمع من مثل هذا الحد؟ -وجزاكم الله خيراً-.
الجواب
ما ذكره السائل من الحيرة إلى آخر كلامه، ليعلم السائل أن الزنا مع الرضا وعدم الاغتصاب، إذا كان بكراً أي لم يتزوج -فإنه يستحق جلد مائة ونفي سنة، وإذا كان ثيباً - أي قد تزوج- فإن عقوبته الرجم حتى الموت؛ لما رواه مسلم (١٦٩٠) وغيره، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"، أما إذا كان الزنا عن طريق الاغتصاب كما ورد في السؤال فإنه قد تقدم بالتفصيل بما يغني عن إعادته، هذا وإذا كان الثيب الزاني من غير اغتصاب يرجم حتى الموت كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولم ينظر الشارع إلى ما ذكره السائل من قوله: كيف يمكن أن يستفيد المجتمع من مثل هذا الحد؟، نقول: إن الله حكيم في تشريعه، لا يُسأل عما يفعل. أما من كان زناه تحت الإكراه أو القتل فإنه أعظم جرماً، وفاعله يعتبر عضواً فاسداً في المجتمع يجب بتره، ويستفيد المجتمع بأن يرتدع كل من تسول له نفسه مثل هذا الفعل عن فعله قال تعالى: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة:٣٣] .
стр. 2097
دار الإسلام ودار الكفر
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٥/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو تعريف دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب؟ هل تنطبق هذه المصطلحات على عالم اليوم؟ إذا كان الجواب نعم أرجو بيان مواقع كل دار على أرض الواقع.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فبعضهم قسم الدور إلى دارين فقط إلى دار إسلام ودار حرب، وهم الأحناف، ومعنى هذه القسمة أن كل دار لا يحكمها الإسلام تعتبر دار حرب، ولكن أكثر العلماء من المذاهب الثلاثة قسموا الدور إلى ثلاثة، إلى دار إسلام ودار حرب، ودرا هدنة وموادعة، وصلح، فتسمى بكل هذا: دار هدنة، ودار موادعة، ودار صلح، فأكثر الدور الآن - أي ديار غير المسلمين- هي في الحقيقة من هذا النوع من دار الهدنة، بناء على الاتفاقيات الدولية التي انخرط فيها المسلمون مع غيرهم في ميثاق الأمم المتحدة فيمكن اعتبار هذه الدور في العالم الغربي والعالم الشرقي أنها من باب دار الهدنة ودار الموادعة، وبالتالي فيمكن أن تعتبر دار سلم، وليست دار إسلام، فدار الإسلام هي الدار التي يحكمها المسلمون، وبعض العلماء يقول التي تتسم بشرائع الإسلام، لكن بصفة عامة نقول إن الدار التي يكون أكثر سكانها مسلمين فهي إن شاء الله دار إسلام، أما الدار التي تحكمها قوانين غير إسلامية وسكانها ليسوا مسلمين، فهذه تعتبر في الوقت الحاضر - إلا ما شذ وندر - هي دار موادعة أو دار سلم، يطلق عليها دار سلم لوجود معاهدات دولية تمنع الاعتداء.
طبعاً على أرض الواقع هناك شيء آخر، يعني طموحات أو ميولات عدوانية لدى بعض الدول، لكن مع هذه الميولات العدوانية هي لا تعلن أنها تحارب الإسلام، ومع وجود الميولات العدوانية عند بعض الدول بالنسبة لبعض المسلمين، أو بالنسبة لبعض البلاد الإسلامية تكون هذه الدول ذات الميول العدوانية بالنسبة لها تعتبر دار حرب، ولكن بصفة عامة نقول إن ميثاق الأمم المتحدة والتداخل العالمي الحالي جعل الدور كلها يمكن أن تعتبر دار سلم، إلا ما قل وندر، كدولة بني إسرائيل ونحو ذلك التي تعلن حرباً حقيقية على بعض المسلمين.
стр. 2098
العمل في شركة سجائر
المجيب د. سليمان بن وائل التويجري
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٠٤/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعمل في شركة الشرقية سجائر، هل يعتبر دخلي الشهري محرماً؟ مع العلم أنه توظيف حكومي. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إن الشارع إذا حرم شيئاً حرم الطرق الموصلة إليه، الله -تعالى- عندما حرم الزنى حرم التبرج، وأوجب على المرأة الحجاب، وأوجب غض البصر على كل من الرجل والمرأة، وعندما حرم الربا لعن آكله، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، والكاتب والشهود لم يشتركوا في أكل الربا وإنما صاروا وسائل معاونة وميسرة لترويجه وانتشاره بين الناس، ولما حرم الخمرة لعنها من عشرة أوجه عاصرها، ومعتصرها، وبائعها، وشاريها، والمشتراة له، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاريها، فالذي يسكر هو واحد، وتسعة كلهم استحقوا اللعن؛ لأنهم صاروا وسائل مساعدة في ترويج هذا الخمر، وكذلك يقال في الدخان؛ لأن الدخان مادة ضارة، وسامة، تضر بالعبد وتضر بالمال، وتضر بالدين، وتضر بالبدن، فلا يجوز السعي لنشره بين الناس، وقد جاء قوله تعالى في هدي محمد ﷺ : "ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث" [الأعراف:١٥٧] ، والدخان أحد الخبائث؛ لما اشتمل عليه من أضرار كثيرة يعرفها من يتعاطى هذه المادة، ومن لا يتعاطاها، والكفار مع كفرهم لا يسمحون ببيعها إلا وقد كتب عليها أنها ضارة بالصحة، فنقول لهذا السائل: ابحث عن مجال للعمل غير هذه الشركة، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وبالله التوفيق.
стр. 2099
إعطاء ولي الأمر عهد الأمان للكفار
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٠٧/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
هل يجوز لولي الأمر إعطاء الكفار عهد الذمة، وأن يدخلوا تحت حماية المسلمين، مع أنهم قدِموا لبلادنا ونيتُهم قتلُ مسلمين آخرين؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل:
أولاً: ينبغي أن نقرر من باب النصح للمسلمين أمورًا، منها أن الأمان والعهد يجوز للإمام - أي ولي أمر المسلمين- أن يعطيه لجميع الكفار أو بعضهم؛ لأن الإمام هو المسؤول عن النظر والمصلحة، وهو نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار، وهذا ما لا خلاف فيه، يمكن أن يراجع في هذا كتاب المغني لابن قدامة، وتفسير القرطبي، وغيرهما، والإمام هنا هو ولي أمر المسلمين، ولا يشترط أن يكون قائمًا صائمًا؛ بل يكفي أن يكون حاكمًا ببيعة أو ولاية عهد أو تغلُّب، هذا هو مذهب أهل السنة، فمثل هذا الإمام يمكن أن يعطي أمانًا، ولا حد لهذا الأمان بوقت، بل يرجع إلى اجتهاده وما يرى أنه مصلحة، هذا هو الإيضاح الأول الذي أردنا أن نوضحه.
الأمر الآخر هو: أن ولي أمر المسلمين عندما يعطي أمانًا فإنه ينبغي أن نحمله على أنه إنما أعطاه لمصلحة؛ لأن الناس محمولون على السلامة وعلى الأمانة، وليسوا محمولين على العدوان، فينبغي أن نظن بهم أنهم إنما فعلوا ذلك لمصلحة قد تخفى على الناس، قد لا تكون متاحة أو متضحة لكل الناس، فهي إما مصلحة تُجلب أو مفسدة تُدرأ، فلنحمل إذًا فِعْلَ ذلك على هذا.
الأمر الثالث: إذا افترض أن ما ذكره السائل لم يقل: يقتلون. وإنما قال: ينوون قتل مسلمين آخرين. فهذا لا يجوز لولي الأمر، لكنه في نفس الوقت لا يبيح للسائل أن يخرج على ولي الأمر، ويعلنها حربًا على المسلمين وعلى غير المسلمين، ولهذا نتساءل: ما نتيجة الأمان؟ هو منع القتل والقتال، فنصيحتنا لهذا السائل أن يشتغل فيما يعنيه، في عبادة الله ، والسعي في أمور دينه ودنياه، وألا يُدخل نفسه أو غيره بمسلسل أو في دوامة لا تجر إلا إلى خراب الدين والدنيا، وضياع الآخرة والدنيا، هذه نصيحتنا له، ونرجو أن تكون لوجه الله ، فالله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
و"مَن رأَى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ...." أخرجه مسلم (٤٩) . ما معنى: لم يستطع؟ معناها: إذا كنت عندما تغير الأشياء بيدك تجر إلى ويلات فغيره بلسانك، وإذا كان - أيضًا- لسانك سيجر إلى فساد وإلى ضياع فعليك أن تغير بقلبك، بخاصة الأمور التي قد لا تطلع عليها، وأنت قلت: ينون قتل المسلمين، فمن خبَّرك بأنهم ينوون؟، فهذه أمور ننصح شبابنا، وننصح المسلمين جميعًا بأن يتريثوا فيها، وألا يركبوا رؤوسهم، وألا يظنوا فيها الظنون، وألا يُدخلوا أنفسهم في مسلسل العنف ودوامة الخراب الذي يخرب بيوت المسلمين، وقد لا يضر الكافرين كثيرًا؛ لأن المسلمين يقتل بعضهم بعضًا، ويقتلون المستأمنين الذين حرم الله قتلهم، وعصم الله دماءهم، وحرمها على المسلمين. هذه نصيحتنا. والله أعلم.
стр. 2100
الخروج على ولاة الأمر
المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل
أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٩/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
الأخ الفاضل الشيخ الدكتور ناصر العقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو الإجابة عن سؤالي هذا عاجلاً؛ لأني في حيرة من أمري، لقد خطب بنا أحد الخطباء خطبة الجمعة، وكانت عن الأحداث التي حدثت في بلادنا، وقد تناولها من زاوية جديدة، حيث ذكر الآيات والأحاديث التي تبين مصير من خرج على ولاة الأمر، وتعلمون قوة هذه الأحاديث وذكرها لموعود الله ورسوله ﷺ لمن خرج على إمامه، ثم قال: سأذكر لكم ثلاث قصص تبين لكم مصير من خرج على الإمام، وذكر قصة الحسين، ﵁، وقصة الحرة في المدينة وخروجهم على يزيد، وقصة ابن الزبير في مكة، وتعلمون يا فضيلة الشيخ أن هؤلاء من فضلاء الصحابة، ﵃، ومن المبشرين بالجنة، ومن أهل بدر، فوقع عندي إشكال في الجمع بين هذه الأحاديث. وفقكم الله لبيان العلم لمن جهله، والسلام.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نعم، الذي عليه جمهور السلف ومنهم كثير من كبار الصحابة، ﵃، ومنهم ابن عباس، ﵄، أن الحسين بن علي، ﵄، كان مخطئًا في اجتهاده في الخروج على ولاة الأمر في زمانه، وقد نصحه كثيرون بألا يفعل، وقد أدى خروجه إلى مأساة كانت عبرة ودرسًا للأمة إلى قيام الساعة، ونظرًا لأنه مجتهد ومتأول وغير متهم، وقد زكاه الله، وشهد له رسوله ﷺ بالجنة. انظر سنن الترمذي (٣٧٦٨) وسنن النسائي الكبرى (٨١٦٩) . فإنا يجب أن نحفظ له حقه وقرابته، ونشهد له بما ثبت له، وإن أخطأ في اجتهاده، فلا معصوم إلا الرسول ﷺ ، فالحق في هذه المسألة مع جمهور السلف لا معه، لأن عمله هذا مخالف لما ثبت عن النبي ﷺ ، من الأمر بالصبر على جور الولاة وظلمهم، وترك الخروج عليهم. انظر صحيح البخاري (٧٠٥٦) وصحيح مسلم (١٧٠٩) .
وكذلك الشباب الذين خرجوا على يزيد، وكان لهم ما كان في موقعة الحرة كانوا مخطئين ومخالفين لوصية الرسول ﷺ ، وكان بعض كبار الصحابة، ﵃، قد نهوهم عن الخروج، وحذروهم من عواقبه، فكانوا مخطئين في اجتهادهم، ولا يعني ذلك اتهام ذممهم، ولا ديانتهم، إنما الحكم على فعلهم الذي كانت عاقبته من أسوأ العواقب على الأمة عمومًا وعلى المدينة وأهلها خصوصًا، وهكذا تكون عاقبة كل من فرط بوصية الناصح الأمين ﷺ إلى قيام الساعة.
стр. 2101
الأثر النفسي للعقوبات في الإسلام
المجيب راشد بن فهد آل حفيظ
القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٧/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو الأثر النفسي للعقوبات وخاصة الحدود في الإسلام؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فالجواب: أن الحد عقوبة مقدرة شرعاً على معصية لتمنع من وقوع مثلها، وتكفر عن صاحبها، قال ابن القيم ﵀: (إن الله -تعالى- أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع، وليس عليها وازع طبيعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا، كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا ... فمن لقيه تائباً توبة نصوحاً لم يعذبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحاً قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه الحد في أصح قولي العلماء) ا. هـ، من إعلام الموقعين (٣/١٨٧) ، وذكر أن في إقامتها رفع للعقاب الدنيوي قبل الأخروي، ورفع للمصائب القدرية الدنيوية، وأنها إذا عطلت استحالت إلى قدرية ربما تكون أشد من الشرعية، وتعم الخاصة والعامة، ا. هـ، من الجواب الكافي (ص٢٠٥) ، وقال شيخ الإسلام ﵀: (العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم) ا. هـ، من الفتاوى (١٥/٢٩٠، ١١/٤١٦، ٢٨/٣٢٩-٣٣٠) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀: (فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتم سياسة ملك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم) ا. هـ، من حاشيته (٧/٣٠٠) ، إذاً ففي إقامة الحدود والعقوبات الشرعية ما يلي:
١- وقاية للمجتمع من العقاب القدري الدنيوي.
٢- أمان وضمان للمجتمع وأفراده من التعدي على دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم.
٣- منع لانتشار الشر والفساد، وقمع أهل الشر والمفسدين.
٤- زجر وردع عن الوقوع في المعاصي.
٥- معالجة ودواء نافع، وليس لقصد التشفي والانتقام، أو العلو على الخلق.
٦- تكفير وتطهير لصاحبها.
ومع هذا كله فقد احتاط الشارع في إقامتها وثبوتها أشد الاحتياط، فلا تثبت إلا بتحقق شروط معتبرة، وانتفاء موانع - ذكرها العلماء في مصنفاتهم- والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2102
قتل النفس خشية الردة
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٩/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
أصدر أحد العلماء فتوى خاصة بالمساجين في إحدى الدول العربية، بأنه يجوز لهم الانتحار بالسم أو غيره؛ خشية الفتنة بالردة عن دين الإسلام، وليس بسبب الألم الناتج عن التعذيب، بحجة أن الردة أشد سوءًا، ما رأيكم في هذه الفتوى؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
لا يجوز للمسلم أن يقتل نفسه لا بسم ولا بغيره، ولو خوفاً من الفتنة في الدين والردة عن الإسلام، وقد جعل الله له من هذا عوضاً ومخرجاً يدرأ عنه العذاب والحرج، وهو أن يجيبهم إلى سؤالهم من سب للدين أو سجود لغير الله وغير ذلك، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وقد جاءت الرخصة في ذلك صريحة في كتاب الله: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان.." [النحل: ١٠٦] ، وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر ﵄ إذ أخذه المشركون فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال له: "كيف تجد قلبك؟ فقال: مطمئناً بالإيمان، فقال: إن عادوا فعد" أخرجه البيهقي في الكبرى (٨/٢٠٩) .
فخشية هذا - الذي أراد قتل نفسه- من أن يرتد عن الإسلام بسبب التعذيب هي خشية متوهمة لا وجود لها ما دام أن قلبه مطمئن بالإيمان، والهروب منه هروبٌ من شيء موهومٍ لا وجود له في الواقع.
فإذا كان لا طاقة له باحتمال التعذيب فليجبهم إلى ما يريدون، حتى ولو بكلمة الكفر وسب الدين.
أما قتل النفس خشية أن يقول كلمة بالإكراه فلا يجوز البتة؛ لأنه قد تقرر أن من تلفظ بالكفر مكرهاً بالتعذيب أو مهدداً به فإنه لا يكفر بمجرد ذلك ما دام أن قلبه مطمئن بالإيمان. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2103
أصول التعامل مع الكفار
المجيب أ. د. عبد الله بن محمد الطيار
أستاذ جامعي في جامعة القصيم
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٧/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما هي أصول التعامل مع غير المسلمين؟ وما هو فقه الجهاد؟ وأرجو توضيح مفهوم الجهاد.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد عني الإسلام بالعلاقات بين الناس وفصّل الحقوق والواجبات لكل صنف منهم حسب قربهم وبعدهم من الشخص سواء أكانوا مسلمين أو غيرهم.
فشرع منهجاً وسطاً في التعامل مع غير المسلمين يقوم على العدل والتسامح، بعيداً عن الغلو والتفريط، لقد حرّم الله ظلم الكافر، وشدّد على ذلك، وأوجب العدل والإنصاف في التعامل معه، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" [المائدة: ٨] .
وعلى ذلك فلا يجوز الاعتداء عليه في نفسه، أو ماله، أو عرضه، بل يعيش آمناً، وعليه أن يلتزم بما اتفق المسلمون معه عليه ولا يخل بذلك.
وقد ضرب رسولنا ﷺ منهجاً رائعاً في التعامل مع غير المسلمين في المجتمع المدني ووجدوا من سماحة الإسلام ويسره ما لم يجدوه في دياناتهم.
أما الجهاد فهو مشروع في كل زمان ومكان حسب قوة المسلمين وضعفهم وتسلّط أعدائهم عليهم، وهو على نوعين: جهاد الطلب، وجهاد الدفع.
وجهاد الطلب في هذه الأوقات غير مستطاع لضعف المسلمين وقوة أعدائهم، فيبقى جهاد الدفع، فكل عدو يتسلّط على ديار المسلمين ينبغي على أهله أن يدافعوا عنه بقدر ما يستطيعون، فإن كان لهم دولة تنظم شؤونهم وترعى مصالحهم فيجب عليهم أن يتركوا الأمر لها ترتب مصالح البلاد والعباد حسب إمكاناتها، ولا ينبغي التفرق والخلاف؛ لأن ذلك يضعف شوكة البلاد ويسهِّل تسلط الأعداء عليها.
وليعلم السائل أن هذه الأمور محكمة دقيقة لا يسوغ فيها اتباع الهوى أو بناء الأحكام على العواطف، فمثل هذه الأمور هي التي أوقعت كثيراً من البلاد الإسلامية في الحرج والخلاف والتناقض في التعامل مع الغير، فالزم غرز العلماء وأهل الرأي في بلدك واحذر من الاعتماد على عقلك أو عاطفتك أو الأخذ بفتوى غير المؤهلين علمياً، واعلم أن هذا الزمان زمن الفتن والسلامة لا يعدلها شيء. وفقك الله لخيري الدنيا والآخرة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2104
الانتخابات الرئاسية
المجيب د. رحيل غرايبة
أستاذ الفقه والتشريع بجامعة الزرقاء بالأردن
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٠/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي يدور على مسألة جديدة وهي: الاستفتاء الشعبي كطريقة في اختيار الحاكم، فهل يكون الاستفتاء طريقة شرعية في اختيار الأمة حاكمها، أم أن هناك طرقًا معينة في اختيار الحاكم المسلم، وبالتالي لا يجوز مخالفتها؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أجمع علماء أهل السنة بجميع مذاهبهم، ومعهم الفرق الإسلامية الأخرى باستثناء (الشيعة الإمامية) ، أن طريقة إيجاد الإمام المسلم هي باختيار الأمة، وفي العصور الأولى كان يتم الاختيار عن طريق (أهل الحل والعقد) ، وتقوم الحجة ببيعتهم الخاصة التي يعقبها البيعة العامة من جميع الناس.
ولذلك في العصر الحاضر تكون الطريقة الشرعية عبر الانتخابات العامة الصحيحة والنزيهة التي يقوم على إجرائها الأمناء الذين تختارهم الأمة وتثق بهم. والله أعلم.
стр. 2105
اشتراك المرأة في النقابات
المجيب أ. د. صلاح بن محمود العادلي
أستاذ في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة الأزهر
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٥/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
أنا خريجة جامعية، لنا نقابة، فهل يجوز الاشتراك في النقابة بدفع مبلغ سنوي للنقابة حتى أستفيد من خدماتها؟ مع العلم أنني لا أعمل.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فمرحبا بك ـ أختنا الفاضلة ـ ونشكرك على مرورك الكريم بموقع (الإسلام اليوم) ، سائلين الله تعالى لك النفع والخير، ثم إن سؤالك يشير إلى حرص على الخير، وخوف من الوقوع في المحظور وهذه هي سيما المؤمنين والمؤمنات، فزادك الله حباً له وخوفاً منه.
أما إذا كان المتفق عليه حسب لائحة النقابة التي تنتسبين إليها أن تساوي بين مشتركيها في قبول (الرسوم) سواء منهم من يعمل في مجال تخرجه من كلية تتبعها تلك النقابة، أو لا يعمل، فلا حرج عليك ما دمتِ تؤدين حقوق النقابة المشروطة حسب اللائحة، ومن ثم فلا حرج عليك ـ أيضاً ـ فاستفيدي من خدماتها المقدمة لأعضائها المشتركين وأنت منهم.
أما إذا اشترطت النقابة عمل المشترك في مجال تخرجه ممن تتبعه تلك النقابة حتى يستفيد من خدماتها الأعضاء العاملون فقط، ففي هذه الحال لا يستوي أمام هذا الشرط العضو العامل في مجال تخرجه مع من لا يعمل حتى ولو كان يسدد قيمة الاشتراك، حتى لا يقع في شبهة أكل أموال الناس بالباطل وهو ما نهى الله تعالى عنه إذ يقول تعالى:"ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [البقرة:١٨٨] . والله أعلم.
следующие страницы →