Полный текст (10 202 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الأجرة مقابل الفتوى
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٧/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
ظهر في إحدى الدول، ظاهرة جديدة خاصة بإفتاء الجمهور وهو هاتف الفتوى، ومعناه أن العالم يمكنه تلقي الفتاوى عن طريق الهاتف الخلوي أو العادي، لا أعلم بالضبط ويرد عليها مباشرة.
وذلك مقابل مبلغ مالي للدقيقة الواحدة يدفعها السائل، أي أنها تضاف إلى فاتورته الشخصية، ما حكم هذا؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد اختلف أهل العلم في أخذ المفتي أجرةً على فتواه من أعيان من يفتيهم، والجمهور أن ذلك ممنوع، ولا شك أن المنع هو الأولى، لكنها مسألة خلافية، فلعل من فعلها يرى الجواز فيها.
لكن إذا لم يوجد من يتفرغ لإفتاء الناس احتساباً، ولم يعين ولي الأمر من يتولى ذلك برزق يعطيه له، وتفرغ مؤهل لإفتاء الناس بمقابل فإني أرجو أن هذا يسير، والله الموفق والهادي.
стр. 2032
شروط المفتي
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٦/٤/١٤٢٤
السؤال
ما هي الشروط العلمية التي حدد العلماء لطالب العلم أن يحوزها شرطا ليفتي الناس في أمور دينهم؟ وهل يجب أن يزكي العالم طالب العلم ويجيزه؟ وما هو الحال لمن تدرج في العلم عن طريق الكتب ولم يجلس في حلقات العلم؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أولاً: عرَّف أهل العلم الإفتاء بأنه: "الإخبار بحكم الله تعالى عن دليل شرعي". ولما كان الإفتاء بهذه المنزلة من الأهمية اشترط له العلماء شروطاً عديدة، لا بد من توفرها فيمن أراد التصدي لهذا المنصب الخطير. والشروط - باختصار- هي:
(١) الإسلام. (٢) البلوغ.
(٣) العقل. (٤) العدالة.
وهذه الأربعة شروط لقبول فتواه والعمل بها، وهي مجمعٌ على اشتراطها لذلك. قال ابن حمدان: " أما اشتراط إسلامه وتكليفه (أي أن يكون بالغاً عاقلاً) وعدالته فبالإجماع؛ لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه، فاعتبر إسلامه وتكليفه وعدالته؛ لتحصل الثقة بقوله ويُبنى عليه كالشهادة والرواية ". (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي: ١٣) .
(٥) الاجتهاد.
وقد ذكر العلماء للمجتهد عدة شروطٍ، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، وأهم هذه الشروط إجمالاً:
(١) العلم بآيات الأحكام من القرآن الكريم.
(٢) العلم بأحاديث الأحكام من السنة الشريفة.
(٣) العلم باللغة العربية.
(٤) العلم بأصول الفقه.
(٥) العلم بمسائل الإجماع حتى لا يخالفها.
وللعلماء كلام طويل حول تحقق هذه الشروط في المفتين قديماً وحديثاً، وهل هذه الشروط معتبرة في حق كل مفتٍ، أو أنها تشترط لما يُسمى بالمجتهد المطلق؟ وهذه المسألة من المسائل المشكلة التي كثر الكلام حولها.
ولمن أراد الاطلاع على كلام أهل العلم فيها، فعليه بالكتب التي تناولت هذه المسألة وما يتعلق بها، ومن أهم هذه الكتب ما يأتي:
(١) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان.
(٢) أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح.
(٣) كتاب الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي.
(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم.
إضافةً إلى ما كتبه العلماء في مؤلفاتهم في أصول الفقه، وذلك في كتاب الاجتهاد والتقليد، حيث يتطرقون لهذه المسألة بشيءٍ من التفصيل عندما يتكلمون عن شروط المجتهد، أو عندما يتكلمون عن مسألة تجزؤ الاجتهاد، ويعنون بهذه المسألة: هل من شرط الاجتهاد أن يكون الإنسان مجتهداً في جميع المسائل والأبواب، أو يجوز أن يكون مجتهداً في بعضها دون بعض؟.
ثانياً: إن الإنسان الذي يفتي الناس فيما يسألون عنه من أحكام الشريعة ويبين لهم أمور دينهم يقوم بعمل مهم جداً، وهو من أهم الأعمال وأعظمها، ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة، كان من الواجب معرفة هذا الشخص الذي يؤدي هذا العمل، ولا بد من اتصافه بالعلم والتقوى والورع ونحو ذلك من الصفات الحسنة، وهذا الأمر يُعرف من شهادة الناس له وثنائهم عليه، فالناس كما قال الرسول ﷺ :"أنتم شهداء الله في الأرض...." الحديث رواه البخاري (١٣٦٧) ، ومسلم (٩٤٩) من حديث أنس ﵁، ولا شك أن تزكية العلماء لطالب العلم وشهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى دليلٌ أكيد على صلاحية هذا الإنسان للقيام بهذا العمل العظيم.
ثالثاً: أما بالنسبة لمن تدرج في العلم عن طريق الكتب ولم يجلس في حلقات العلم، فإنه وإن أصاب علماً كثيراً بهذه الطريقة، إلا إنه قد يحصل له الخلل والخطأ من حيث لا يدري، فإنه قد يفهم الشيء على خلاف ما هو عليه، وقد تستغلق عليه بعض الأمور المشكلة فلا يجد من يفتحها عليه، وقد يتجه إلى كتب تضر أكثر مما تنفع، وغير ذلك من المحاذير التي تنتفي إذا أخذ العلم عن أهله. ولذلك فإن السلف الصالح ومن بعدهم لم يتلقوا العلم عن طريق الكتب فقط، وإنما أخذوا العلم عن أهله، حيث جلسوا عند العلماء وتتلمذوا على أيديهم، وهم في ذلك يقتدون بالصحابة ﵃، إذ كانوا يلازمون النبي ﷺ ويأخذون العلم عنه، وكذلك الأمر بالنسبة للتابعين، حيث لازموا الصحابة ﵃ حتى فقهوا في الدين، وبلغوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية.
وقد تكلم الشاطبي ﵀ عن هذه المسألة، ثم قال بعد أن قرر هذا الأمر: " ...وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وُجِدت فرقةٌ زائغة ولا أحدٌ مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف. وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم االظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم " (الموافقات١/٦٦-٦٧) .
ولا يُفهم من هذا الكلام أن طالب العلم لا يلتفت إلى الكتب ولا يطَّلع على ما فيها، كلا ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود أن الأصل أن طالب العلم يلازم العلماء ويأخذ عنهم، ومع هذا فإنه يطَّلع على الكتب التي كتبها أهل العلم ويقرأ ما فيها، وإذا أشكل عليه شيءٌ أو استغلق عليه فهمه سأل أهل العلم عنه، وبهذا يحصل له الأخذ عن العلماء المتقدمين والمعاصرين، فيأمن من الغلط والخطأ، وقد أشار الشاطبي إلى هذا المعنى، حيث قال: إن العلم لا بد أن يؤخذ من أهله، وهذا الأخذ له طريقان، هما:
(١) المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما.
(٢) مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، فإنه نافع في بابه بشرطين:
أ - أن يحصل للمطَّلع من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، ما يمكنه من فهم ذلك العلم.
ب - أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أفضل من غيرهم من المتأخرين. ثم أخذ في شرح هذه الأمور وبيان المراد منها. والمقام هنا لا يحتمل التفصيل، فمن أحب الاطلاع على كلامه في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب الموافقات (١/٦٧-٦٨) . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2033
الأصوب في منهج الإفتاء
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١١/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا معلم تربية إسلامية في إحدى المدارس وأحمل شهادة بكالوريوس شريعة / الفقه وأصوله، وأتعرض لكثير من الأسئلة الفقهية فأجيب بما أعرف، ونحن نعلم بأن الفقهاء ﵏ قد اختلفوا في كثير من المسائل الفقهية وهذا من رحمة الله تعالى بالمسلمين، أرجو مساعدتكم في أن تعلموني طريق الصواب في عملية الإفتاء، هل أتبع مذهباً معيناً وأفتي به؟ أم أختار في كل مسألة المذهب الأسهل وأجيب به؟
ثم أرجو منكم أن تدلوني على أسماء أفضل الكتب في الفقه والعقيدة والتفسير، وجزاكم الله كل خير، وجعل هذا العمل في ميزان حسناتكم يوم القيامة إنه سميع مجيب الدعوات.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإذا عُرِضَ على طالب العلم سؤالٌ عن حكم شرعي، فإن كان يعرف الجواب مسبقاً، فإنه يفتي السائل بما يدين لله بأنه هو الحق، والمعتمد في ذلك هو الأدلة الشرعية، فما وافق الأدلة الشرعية وجب الأخذ به بغض النظر عن موافقة الحكم لمذهب إمام معين؛ لأن الله تعبدنا باتباع الأدلة ولم يتعبدنا باتباع الأشخاص، وما خالف الأدلة الشرعية وجب طرحه؛ لأنه قول فاسد فلا اعتبار له البتة. أما إذا كان طالب العلم لا يعرف جواب المسألة، فإن عليه أن يبحث عنه فيما كتبه أهل العلم حول المسألة، وليس المراد من هذا البحث معرفة رأي مذهب معين أو إمام معين ليقلَّده ويفتي به، ولكن المراد معرفة كلام أهل العلم في المسألة والاطلاع على ما استدلوا به والنظر فيما يعرض لهذه الأدلة من مناقشات واعتراضات من أجل أن يأخذ الباحث الحكم الذي تعضده الأدلة السالمة من الاعتراضات. وينبغي على طالب العلم - مع ما تقدم- ألّا يغفل عن سؤال العلماء المشهود لهم بالعلم والصلاح عن حكم المسألة والاستنارة بما يقررونه، مع الحرص على معرفة الدليل الدال على الحكم، ومعرفة الدليل أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأن الغرض من السؤال ليس معرفة الحكم فحسب، وإنما الاستفادة من طريقة أهل العلم في الحكم على المسائل والحوادث. وإذا لم يتبين لك الحق في المسألة أو تعارضت لديك الأدلة ولم تستطع الترجيح بينها، فعليك أن تعتذر عن الجواب؛ لأن الذي يجيب إنما هو العالم بالحكم، أما غير العالم ففرضه أن يقول لا أدري، وهي نصف العلم كما قيل، ولا عيب فيها، فقد قالها علماء الأمة وأئمتها من الصحابة ومن بعدهم، وهاهو الإمام مالك إمام دار الهجرة سئل عن أربعين مسألة، فأجاب في أربع منها، وقال في ستٍ وثلاثين: لا أدري. أما مسألة الالتزام بمذهب معين للعمل والإفتاء به، فهي مسألة طال فيها الكلام قديماً وحديثاً، والناس فيها طرفان ووسط، فمنهم من يلزم الناس باتباع مذهب إمام معين ولا يسوّغ الخروج عنه إلى مذهب غيره، ومنهم من يحرّم هذا الأمر ويشنِّع على من يقول به، وهناك من توسط في الأمر فجعله جائزاً في حق من لم يستطع النظر في الأدلة من عامة الناس، وقيل هذا في حق عامة الناس لأنهم لا يستطيعون النظر والاجتهاد ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة، أما طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث ولو بالاجتهاد الجزئي فإن الواجب عليهم النظر في الأدلة وترجيح ما وافق الدليل؛ لأن الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حق عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله يقول:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة: ٢٨٦] ، فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه. أما ما ذكرته من الإفتاء بأسهل المذاهب في المسألة من أقوال أهل العلم، فإن هذا الأمر لا يستقيم إطلاقه على كل حال، بل عليك أن تجعل الحاكم في ذلك الأدلة الشرعية، فإن ألزمت الأدلة الشرعية بحكم معين في المسألة فعليك الإفتاء به سواءً أكان هو الأسهل أم الأصعب، أما إذا كان في الأمر سعةٌ فعليك الأخذ بالأسهل؛ اقتداءً بالرسول ﷺ ، فإنه " ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه " (متفق عليه، رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ ، رقم الحديث:٣٥٦٠، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله، رقم الحديث:٦٠٤٥) .أما أفضل الكتب في الفقه والعقيدة والتفسير، فكتب أهل العلم المشهود لهم بسعة العلم وصلاح المعتقد كلها فيها خير عظيم ونفع عميم، ولكن أشير إلى أهم هذه الكتب في الفنون التي سألت عنها: أولاً: العقيدة، وعليك الاهتمام بالكتب التي ألفها أصحاب المعتقد السليم الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، ومن أهمها:
(١) كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨هـ) ، وتلميذه ابن القيم (٧٥١هـ) فهي من أنفع الكتب وأكثرها فائدة، وأبعدها عن البدع ومحدثات الأمور.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي.
ثانياً: التفسير، وعليك بكتب التفسير بالمأثور، وهي التي تهتم بتفسير القرآن الكريم بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، مع العناية بالكتب المهتمة باستنباط الأحكام المختلفة من نصوص القرآن الكريم، ومن أهمها:
(١) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت:٦٧١هـ) .
(٢) تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل ابن كثير (ت:٧٧٤هـ) .
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين الشنقيطي (ت:١٣٩٢هـ) .
ثالثاً: الفقه، وأحسن الكتب في هذا العلم ما كان صاحبه مبتعداً عن التعصب
والتقليد، مهتماً بالدليل والتأصيل، ومن أهم هذه الكتب:
(١) المغني، لموفق الدين ابن قدامة الحنبلي (ت:٦٢٠هـ) .
(٢) المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (٦٧٦هـ) ، والإمام
النووي لم يكمل هذا الشرح، وإنما وصل إلى كتاب الربا من المتن، ثم أكمل
الكتاب غيره.
(٣) الذخيرة، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (٦٨٤هـ) .والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 2034
بفتوى مَن نأخذ ؟
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
موضوع سؤالي هو: مسألة الأخذ بالفتوى عندما تختلف من عالم إلى عالم في نفس الإشكالية، وسؤالي تحديداً عن شراء المسكن بالفائدة البنكية؛ فقد وجدت عدة آراء في هذه المسألة بين من حرمها قطعاً، ومن أجازها للضرورة حتى داخل الدول الإسلامية،
فهناك من العلماء من لهم وزنهم على الساحة العالمية، ويجيزون شراء البيت بالقروض البنكية بدعوى أن البيت من الضرورات التي تبيح المحظورات، وهناك من يرى من العلماء الكبار أيضا أن الضرورات لا حد لها وتقدر حسب الأشخاص، وبالتالي فإن فتح هذا الباب سيجعل من الاقتراض الربوي حالة شائعة وعامة، بالإضافة إلى أدلة أخرى تجعل هذا الفريق الثاني يحرم الاقتراض الربوي بشكل عام، أمام هذا الوضع أتساءل -جزاكم الله خيراً- عن حكم من أخذ بفتوى الفريق الأول من العلماء الذين يجيزون الاقتراض الربوي لشراء مسكن، وهو غير مقتنع برأيهم ولكنه يحملهم وزر فتواهم، فهل يعتبر آثما؟ أم لا؟. وجزاكم الله خير الجزاء.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعبد الخلق باتباع شرعه وتطبيق أحكامه، ونصب على ذلك الأدلة البينة والبراهين الواضحة، وطلب من الناس النظر فيها واستنباط أحكامها وآدابها وأسرارها، ولما كان العامي من الناس لا يستطيع النظر في الأدلة واستخراج ما اشتملت عليه من أحكام وشرائع، فإن عليه أن يقلّد أحد الأئمة المجتهدين المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه، أما إذا علم بطلان قوله في أي مسألة من المسائل بأن تبين له فيها دليل يخالف قول إمامه، فإن الواجب عليه العمل بما دل عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأن التقليد إنما جاز لهذا العامي؛ لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أٌخبر به وجب عليه ترك التقليد والعمل بالدليل، وإذا تعدد العلماء والمجتهدون فعلى العامي أن يقلد الأعلم والأفضل؛ لأن قول الأعلم والأفضل أرجح وأقرب إلى الصواب من قول غيره، ولا يجوز للعامي أن يختار من الأقوال أسهلها أو أحبها إلى نفسه، أو أقربها إلى تحقيق مآربه؛ لأن في ذلك تتبعاً للرخص، وهو يؤدي إلى الانحلال من التكليف، ولو فعل ذلك مع اقتناعه بعدم صحة القول الذي أخذ به فإنه مخطئ وآثم، وليس على من أفتى بهذا القول شيء؛ لأنه مجتهد، والمجتهد مأجور على كل حال، إلا إن كان الذي أفتى بهذا القول غير عالم، فإن أفتى وهو جاهل فهو آثم على كل حال ولا يجوز تقليده أبداً.
أما مسألة شراء البيت بالفائدة الربوية، فهي من التعامل الصريح بالربا، وهذه المسألة ليست من المسائل التي يُضطر إليها الناس حتى يُقال بإباحتها، ومن قال بجواز التعامل بالربا في شراء البيوت نظراً لاضطرار الناس فقوله باطل وليس له مستند من الأدلة الشرعية، ولو أخذنا بهذا القول لأجزنا كثيراً من الأمور المحرمة؛ لأن كل إنسان يزعم أنه مضطر إلى ذلك الأمر المحرم.
وإذا نظرنا إلى سيرة الرسول ﷺ نرى شدته في التحذير من الربا والنهي عنه بكافة صوره وأشكاله، بل إنه ردّ كثيراً من المعاملات الربوية التي حصلت من بعض الناس في ذلك العصر مع جهلهم بتحريمها، ولم يجعل النبي ﷺ حاجة الناس في ذلك العصر سبباً لجواز التعامل بالربا، مع أن أكثر الناس في ذلك العصر كانوا من الفقراء، بل إن بعضهم أو كثيراً منهم لا يجد ما يسد رمقه من الجوع.
ولذلك فإنه لا يجوز شراء البيوت ولا غيرها عن طريق البنوك الربوية، ومن فعل ذلك فقد اقترف كبيرة من كبائر الذنوب، وعرّض نفسه لغضب الله وسخطه، وأذكرك بأن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ملعونون كما ثبت عن رسول الله ﷺ ، انظر مسلم (١٥٩٧) ، وهل يرضى أحد من المسلمين أن تحل عليه لعنة الله؟.
ثم إن الله لم يحرم علينا شيئاً إلا أباح لنا غيره مما يحقق المقصود نفسه، وإن كان الله حرم علينا الربا فقد أباح لنا كثيراً من المعاملات والعقود التي تساعد الإنسان على تحقيق ما يصبو إليه، ومن هذه المعاملات: البيع بالأجل وبيع التقسيط، والتورق، والاستصناع، والسلم، ونحو ذلك من المعاملات الجائزة التي يعتاض بها الإنسان عن المعاملات المحرمة، وختاماً أقول: من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2035
الموقف عند اختلاف الفتوى
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٣/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ماذا نفعل تجاه مسألة اختلف العلماء فيها فبعضهم أحلها وبعضهم حرمها؟ علماً بأن جميعهم متساوون في العلم والتقوى (نحسبهم كذلك) فهل نتبع الرأي الذي حرمها؟ أم الذي حللها؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
فالواجب عند حصول الاختلاف الرد للكتاب والسنة كما قال تعالى: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [النساء: من الآية٥٩] ، والرد إلى الله والرسول ﷺ بالرجوع للكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو الذي يجب اتباعه وموافقته، وإنما يعرف ذلك أهل العلم.
وأما غير العالم فإنه يقلد من يفتيه، قال تعالى: "فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [النحل: من الآية٤٣] ، وإذا أفتاه لزم قوله إلا أن يعلم أنه غير صحيح، ومتى سأل أحداً من أهل العلم، فإنه لا يسأل غيره بل يكتفي بجوابه، لأنه فعل ما وجب عليه، فإذا اختلف مفتيان فإنه يتبع أعلمهما، ويعرف ذلك بخضوع أهل العلم لأعلمهما وتقديرهم إياه ومراجعتهم له، ثنائهم عليه، ونحو ذلك، مما يدل على مكانته وتقدمه، كما يفعل المريض عند اختلاف الأطباء فإنه يقلد أعلمهم بفنه ويعرف هذا بالطرق المذكورة.
فإن لم يعلم ذلك ولم يعرف فهو مخير في تقليد من شاء منهم، لكن إن قلده في بعض فروع المسألة فلا بد أن يقلده في جميعها لئلا يفضي به ذلك إلى عمل ما لا يفتي به أحد، فيختار أحد العلماء ويسأله في هذه المسألة وما شابهها. والله أعلم.
стр. 2036
هل في التيسير جناية على الشريعة ؟!
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
أحس -يا فضيلة الشيخ- بأن هناك فهماً خاطئاً - مجرد إحساس وخواطر وليس جزماً - من بعض المشايخ، وطلبة العلم، والدعاة، لحقيقة يسر الدين وسماحته, وخطأً في فهم بعض القواعد والأصول -،أرى ميل بعضهم إلى أقوال مرجوحة، أو ضعيفة؛ بحجة التخفيف والتيسير, وأزعم بأن خوف بعضهم من اتهام الدين بالشدة - من المنافقين والعلمانيين - يحملهم على الميل إلى الأسهل، وإلى محاولة التقريب بين الدين وبين أقوال بعض أعدائه، كما نسمع عن الشيخ محمد عبده ﵀ بأنه كان جسراً لدعاة تحرير المرأة من غير أن يشعر, وبعضهم يحمله ضعف الناس عن قبول الحق والعمل به إلى أيسر الأقوال، وأضعفها.
إني أخشى - حقاً يا فضيلة الشيخ - أن يكونوا قد أخطأوا - وبحسن نية - في بعض فهمهم وآرائهم، هناك قاعدة مشهورة: (قاعدة سد الذرائع) ، وكما تشدد فيها قوم, أرى مؤخراً تساهلا بها والقول بأن (منع الناس سيؤدي إلى ارتكابهم المحظور فلنتساهل ولا نضيق على الناس!)
إني أظن أنك تراني متشائماً، ولست كذلك، ولكن هذا ما يدور برأسي من خواطر أحببت سماع رأيكم فيها، والله يحفظكم ويوفقنا وإياكم لكل خير.
الجواب
لقد صدقت مع نفسك حين وصفت ما بدا لك بأنه خواطر -جمع خاطرة- دارت في ذهنك، إذ مادة (خطر) ، بجميع اشتقاقاتها، وتصريفها تدور على الوهم، والظن، والتردد، وعدم الجزم، وما دار في ذهنك عن بعض الدعاة، والصالحين في هذا العصر من كونهم إنما ركبوا موجة التسامح، والتيسير من أجل التقريب بين الدين، وبين أقوال أعدائه، ضرب من الوهم والتجني على معظم الدعاة والوسطية في أسلوب دعوتهم، وكأنك تميل إلى الشدة وتحبذ التعسير على الناس في الفتوى، وكيف يكون هذا والإسلام دين اليسر، والسماحة والرخصة، والإباحة؛ قال -تعالى-: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وقال: "وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج: ٧٨] ، ويقول الرسول ﷺ : "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" رواه أحمد (٢٧٣١٨) من حديث أنس ﵁، ويقول: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه" رواه مسلم (١٨٢٨) من حديث عائشة-﵂، ويقول أيضاً ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" رواه أحمد (٥٨٣٢) من حديث ابن عمر-﵄، وقاعدة: (سد الذرائع) ، لا يعمل بها في كل حال، كما قرر العلماء كابن القيم الجوزية في كتابه: (أعلام الموقعين) حيث يقول: إن الذرائع كما يجب سدها حيناً يتعين فتحها، في أحيان أخرى، والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والأحوال، والنيات، ويقول بعض العلماء: إن إعمال قاعدة (سد الذرائع) يتعين في جانب العقيدة دون سائر الأحكام الفرعية، وإفتاء العالم الناس بالرخصة والتيسير هو عين الصواب، وضد ذلك التشدد والتعسير في الدين، في الحديث قصة النفر الذين جاءوا إلى بيت النبوة يسألون عن عبادته ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: فأقوم الليل ولا أرقد، وقال الثالث: لا آكل اللحم، ولا أتزوج النساء، فبلغ النبي ﷺ مقالهم فجمع الناس، وخطبهم، فقال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني والله لأتقاكم لله، وأعلمكم به، وإني أصلي، وأرقد، وأصوم، وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري (٥٠٦٣) ، ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس ﵁، ثم إن الناس يتفاوتون في تدينهم، كما يتفاوتون في إيمانهم زيادة ونقصاً، وقوة وضعفاً، فالمفتي والعالم يعطي كلاً من هؤلاء ما يناسبهم، كما كان رسول الله ﷺ يفعل مع صحابته ﵃، حيث يعطي الإمارة البعض ويمنعها عن البعض الآخر، كما منعها أبا ذر الغفاري ﵁، فالفتاوى بالرخصة والتيسير هي الفقه الذي أمر الله به، قال سفيان الثوري: (العلم أن تسمع الرخصة من ثقة، أما التشديد فكل يحسنه) ، وبناء على ما سبق فإن الظن ببعض الدعاة والمصلحين اليوم بأنهم إنما ييسرون لقصد موافقة الأعداء من الظن السوء المنهي عنه، وأما رفع الدعوة والمناداة بفقه التيسير والتسامح وتجديد الخطاب الديني بما يناسب العصر، مع التمسك بالثوابت والمسلمات فهو عين الصواب الذي هو فقه الواقع الذي يدخل إلى القلوب بلا استئذان، كما يقول ابن قيم الجوزية ﵀: (بل هو اليسر والتوسط في كل الأمور بين إفراط المتحللين، وتفريط المتشددين) ، ومقولة: (هم رجال ونحن رجال) ، صحيحة إذا كان القائل لها معه دليل صحيح وفهم صريح، حيث الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، فكل يؤخذ منه ويرد غير النبي ﷺ المعصوم فيما يبلغه عن ربه -صلوات الله وسلامه عليه- ولا يجوز في الدين تقليد الرجال ابتداءً إلا من لم يعرف أدلة أولئك الرجال. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، آمين.
стр. 2037
إذا لم يجد المستفتي إلا مفتياً فاسقاً !
المجيب وليد بن إبراهيم العجاجي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٢١/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
ماذا يفعل العامي إذا لم يجد في البلد سوى مجتهد أو مفتٍ فاسقٍ؟.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" [البقرة: ٣٢] ، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الكلام في المسألة مبني على اشتراط العدالة في المفتي، والعدالة كما يفسرها كثير من أهل العلم كأبي العباس بن سريج وغيره: (أن يكون حراً مسلماً بالغاً عاقلاً، غير مرتكب لكبيرة، ولا مصر على صغيرة، ولا يكون تاركاً للمروءة في غالب العادة) .
وبعض العلماء يفرقون بين المجتهد والمفتي من ناحية اشتراط العدالة فيهما أولا، فلا يشترطونها في المجتهد، ويشترطونها في المفتي، وليس معنى ذلك أن المفتي لا يكون مجتهداً، بل هو مجتهد وعدل، أما المجتهد الفاسق فلا تتعدى فتياه إلى غيره؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول، والفتوى أمانة، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك، وفيه نظر.
والذي أراه هنا الأخذ بقول ابن القيم - رحمه الله تعالى- في هذه المسألة ومراعاته للمصلحة، وأما فُتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تقبل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيه، وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يفتي غيره.
ثم قال ابن القيم بجواز استفتاء الفاسق، لكنه استثنى المعلن فسقه، وعلق الحكم على قبول فتواه على اختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز؛ فقال ﵀ كلاماً نفيساً أسوقه لك، يقول ابن القيم ﵀: (إلا أن يكون معلناً بفسقه، داعياً إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز، فالواجب شيء، والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم، وفتاويهم، وولاياتهم؛ لعطلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الإنكار) . والله أعلم.
стр. 2038
درجات المفتين في الاجتهاد
المجيب د. عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
عضو الإفتاء سابقاً
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
قرأت في كتب عديدة أن المجتهدين درجات، وعدّ النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم في أدنى درجات الاجتهاد. وهو الذي لا يجوز له أن يفتي إلا أن يجد لإمام مذهبه نصاً فيقيس عليه. فإذا كان هذا صحيحاً فكيف نعرف درجات المفتين اليوم؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الأخ السائل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
هناك المجتهد العام، الذي يتمكن من الإفتاء في كل المسائل، أصولاً أو فروعاً، ويعرف الأدلة ووجه دلالتها، مثل الأئمة الأربعة، فإن الله فتح عليهم، وتمكنوا غالباً من معرفة النصوص وفهمها، فهؤلاء يفتون في كل مسألة بحسب ما فتح الله عليهم، ومع ذلك فإنهم قد يخطئون وتفوتهم بعض الأدلة، ولأجل ذلك ورد نهيهم عن تقليدهم لمن عرف الحق وعرف الأدلة، ولاشك أن النووي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية، وابن عبد السلام، والسيوطي، وابن عبد الوهاب، ونحوهم، قد بلغوا رتبة يتمكنون فيها من الاجتهاد، ولكن يغلب على كثير منهم التقليد والتقيد بأحد المذاهب، ومنهم من يجتهد ويفتي ولو خالف مذهب إمامه، كابن تيمية ﵀ فإنه كثيراً ما يخالف مذهب أحمد، ويخالف أيضاً علماء زمانه في مسائل اجتهد فيها بما يناسب الحال، ثم إن هناك في هذه الأزمنة علماء يتمكنون من بحث المسألة في جميع المذاهب، والمقارنة بين الأدلة؛ حتى يعرفوا الراجح ويعتمدوه، فمثل هؤلاء اجتهادهم نسبي، وليس في كل المسائل أصلية أو فرعية، فإذا بحث أحدهم مسألة في الصلاة أو في الزكاة أو في الحج، وأتى على جميع ما يتعلق بها، وفهمها فهماً كاملاً، فله أن يفتي فيها، ولو خالف مذهب إمامه، ولا يفعل ذلك في كل المسائل التي لم يتمكن من بحث مواضعها.
стр. 2039
المشاركة في الانتخابات في الغرب
المجيب د. أحمد بن محمد الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإٌسلامية
أصول الفقه / السياسة الشرعية
التاريخ ٢٠/٤/١٤٢٣
السؤال
نحن نعيش في بلاد الغرب، هل يجوز لنا أن نشترك في نظام الحكم الغربي الكافر، وننتخب على رئيس الجمهورية، أو على مجلس النواب؟
الجواب
المسلمون الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية يجوز لهم على الصحيح المشاركة في
انتخاب رئيس للبلاد أو انتخاب أعضاء المجالس النيابية إذا كان ذلك سيحقق مصلحة للمسلمين أو يدفع عنهم مفسدة، ويحتج لذلك بقواعد الشريعة العامة التي جاءت بتحقيق
المصالح ودرء المفاسد، واختيار أهون الشرين، وعلى المسلمين هناك أن يقوموا بتنظيم
أنفسهم وتوحيد كلمتهم لكي يكون لهم تأثير واضح وحضور فاعل يؤخذ في الحسبان عند
اتخاذ القرارات الهامة التي تخص المسلمين في تلك البلاد أو غيرها.
стр. 2040
التأريخ بالهجرة والميلاد
المجيب د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١/١/١٤٢٥هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
هناك بعض المنتديات تعمل بالتاريخ الميلادي، وأعلم أنه يجب عدم العمل به؛ لأنه من الولاء والبراء، وهذه المنتديات قادرة تماماً على تحويل التاريخ من الميلادي إلى الهجري، فهل العمل بالتاريخ الميلادي مع القدرة على تحويله إلى الهجري مباح؟ ويحتج البعض منهم أن الموقع يدخله أناس من جميع العالم، والتاريخ الميلادي تاريخ عالمي ويعرفه جميع العالم، وأن التاريخ الميلادي أفضل وأسهل، أما التاريخ الهجري فلا يعرفه إلا قليل من الناس، فما حكم هذا؟ وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
التاريخ الهجري هو تاريخ المسلمين، والشهور الهجرية هي المعتبرة عند الله -تعالى-:"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم" [التوبة:٣٦] ، وفيها تقام شعائر الحج والصيام وأعياد المسلمين، والعدول عنها إلى غيرها استبدال الذي أدنى بالذي هو خير.
ولا مانع من استخدام التاريخ الميلادي إلى جانب التاريخ الهجري إذا تحققت مصلحة معتبرة.
أما سوى ذلك فلا يسوغ بل هو تقليد للغرب، والواجب الاعتزاز بتاريخ الإسلام وشهوره.
نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2041
بين بيعتي العقبة والرضوان
المجيب د. حسن بن صالح الحميد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٦/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله لكم في جهدكم، وجعله في ميزان حسناتكم، ووفقكم الله للعمل على نصرة الإسلام والمسلمين.
أريد أن أسأل فضيلتكم: ما الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية وبيعة الرضوان؟ ولماذا أمر النبي ﷺ عمه العباس ﵁ أن ينادي في غزوة حنين بـ (يا أصحاب بيعة العقبة) ؟.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية: أن رسول الله ﷺ عرض الإسلام على بعض الحجاج القادمين من المدينة فأسلم منهم ستة رجال، فلما كان العام الذي يليه قدم هؤلاء إلى الحج مع قومهم، وكان قد أسلم معهم جماعة في المدينة، فالتقوا برسول الله ﷺ عند العقبة وبايعوه ببيعة سميت بيعة النساء؛ لأنها نفس بيعة النساء التي أخذها النبي ﷺ على النساء بعد الفتح من حيث النص.
وهذا نص البيعة كما ذكرها عبادة بن الصامت ﵁ وكان ممن شهدها قال عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على ألاّ نشرك بالله شيئاً, ولا نسرق, ولا نزني, ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف) فقال رسول الله ﷺ : "فإن وفيتم فلكم الجنة, وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء عذب وان شاء غفر" انظر البخاري (١٨) ، ومسلم (١٧٠٩) ، وأما تسميتها ببيعة العقبة فلأنها كانت عند العقبة بمنى وسميت بها, وكانت أول بيعة بين الرسول ﷺ وبين الأنصار ولهذا سميت الأولى.
أما بيعة العقبة الثانية فقد كانت في العام الذي يليه، حيث قدم أهل المدينة إلى الحج وفيهم عدد كبير من المسلمين، فواعدوا رسول الله ﷺ عند العقبة ثاني أيام التشريق، وكانوا سبعين رجلاً، واختار منهم رسول الله ﷺ اثني عشر نقيبا يمثلونهم، فبايعوه على حرب الأحمر والأسود، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة عليهم، وألا ينازعوا الأمر أهله، وأن يقولوا كلمة الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم.
هذه هي الفروق بين بيعة العقبة الأولى والثانية باختصار، ولمزيد من التوسع انظر كتاب البداية والنهاية لابن كثير ج٣/ص١٤٧ وما بعدها
أما بالنسبة لبيعة الرضوان
ففي شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله ﷺ وأصحابه يريدون العمرة، فلما وصلوا إلى الحديبية في طريقهم إلى مكة، وكانوا محرمين ملبين بالعمرة، بعث الرسول ﷺ عثمان بن عفان ﵁ سفيراً إلى قريش لبيان هدفه من المجيء، وأنه لا يريد قتالاً، وإنما جاء للعمرة، فاحتجزت قريشٌ عثمان، وأشيع بين الناس أنه قُتل، فدعا رسول الله ﷺ -أصحابه إلى البيعة، فقاموا إليه ملبين دعوته، ومبايعين له على الجهاد وعدم الفرار، وبايعته جماعة على الموت، وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس، ووسطهم، وآخرهم، وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه، وقال: هذه عن عثمان، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين، يقال له: جد بن قيس.
وقد أخذ رسول الله ﷺ هذه البيعة تحت شجرة بالحديبية، وقد أنزل فيها قوله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" [الفتح: ١٨] ،ومن ذلك سميت بيعة الرضوان، وفيه دلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان بالحديبية، وصدق بصائرهم, وأنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء لله ; إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم، إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة، وصدق الإيمان, وقد أكد ذلك بقوله تعالى: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم" [الفتح: ١٨] , وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية,
أما بالنسبة لعددهم، فيروى عن ابن عباس ﵄ أنهم: "كانوا ألفين وخمسمائة", وعن جابر ﵄ أنهم: "ألف وخمسمائة".
وتعتبر بيعة الرضوان فتحاً للمسلمين، ففي صحيح البخاري عن البراء ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
وذلك لما ترتب عليها من مصالح وفوائد، فعندما علمت قريش بتلك البيعة، ومدى صلابة المسلمين، وقوتهم، وصبرهم، وثباتهم مع قائدهم ﷺ ، أرسلت إليهم للتفاوض معهم، وقبول الصلح.
ومما يستفاد من هذه الحادثة قوة العلاقة بين القائد وأتباعه؛ حتى إنهم بايعوا على الموت، إضافة إلى سرعة إجابة طلب القائد وعدم التردد، وأن الصدق في الإيمان سبيل إلى تحصيل رضا الرحمن، وتأييده.
أما يوم حنين فلم يأمر النبي ﷺ عمه أن ينادي يا أصحاب العقبة، وإنما أمره أن ينادي يا أصحاب السمرة - أي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان وفي رواية يا أصحاب الحديبية, وناداهم بذلك لأنهم بايعوه فيها على الموت وعدم الفرار، ففيه حث لهم على الثبات والقتال حتى الموت.
والله أعلم.
стр. 2042
هل الربا أعظم من الزنى ؟
المجيب د. سامي بن إبراهيم السويلم
باحث في الاقتصاد الإسلامي
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٤/٧/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد ذكر الرسول ﷺ أن الربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية، وفي حديث آخر أشد من زنية واحدة، وفي القرآن الكريم أن من أكل الربا ومات دون توبة فهو من الخالدين في جهنم، السؤال: لماذا جعل الله جريمة الربا أعظم من جريمة الزنا؟ وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
لم يرد في القرآن أن المرابي مخلد في النار، وإنما ورد أن المرابين "لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" [البقرة:٢٧٥] وأن الذين يأكلون الربا معلنون للحرب على الله ورسوله ﵊:"فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله" [البقرة: ٢٧٩] ، وفي الصحيحين البخاري (٢٧٦٦) ومسلم (٨٩) أن النبي ﷺ قال:"اجتنبوا السبع الموبقات" وذكر منها "الربا" ولم يذكر الزنا، وروى أحمد (٢١٩٥٧) والطبراني (١١/٩٤) : إلا أنه قال:"ثلاث وثلاثون" بدل "ست وثلاثون" - أنه ﷺ قال:"درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية"، قال الهيثمي: سنده صحيح (الزواجر عن اقتراف الكبائر، ص ٣٧٩) .
وأما وجه تغليظ العقوبة الأخروية على الربا أكثر من الزنا، فهو لحكمة يعلمها الله -تعالى-، وقد يكون ذلك لأن الشهوة في أصلها رغبة فطرية جبل عليها الإنسان، فإن وَضَعها في حلال أجر، وإن وضعها في حرام أثم، لكن أصل الشهوة أمر جبلي فطري، أما الربا فليس من الفطرة، بل هو مناف للفطرة؛ لأنه ظلم والإنسان مفطور على بغض الظلم، وهو استغلال للآخرين، والإنسان مفطور على حب مساعدة الآخرين وليس استغلالهم، فالربا مناقض للفطرة، ومناقض لسنن الكون والحياة، ومناقض لأسس العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، فلا غرابة أن تكون عقوبته أعظم وأشد عند الله -تعالى- من الزنا، والله أعلم.
стр. 2043
هل تقتضي الشورى المحاسبة ؟
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٠/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
هل يوجد في الشورى محاسبة الرئيس، أو أعضاء مجلس الشورى في حالة ما ارتكبوا خطأ ما؟ ومن يقوم بمحاسبة المذنب؟ بمعنى وجود مجلس للحكم والقضاء كهيئات منفصلة عن بعضها البعض في الحكم؟ هل يجوز لمجلس الشورى أن يقبل ببعض القوانين الوضعية، حتى لو كانت متشابهة مع القوانين الإسلامية؟.
الجواب
قبل الجواب، أحب أن أحدد بعض معاني الشورى في الإسلام باختصار غير مخل لأهمية الموضوع، فأقول: لقد عنى الإسلام بالشورى عناية عظيمة، دعوةً وتعليماً، وتطبيقاً، فسُميت واحدة من سور القرآن الكريم باسم (الشورى) ، وسواء كانت تسمية السور توقيفية أو اجتهاداً، تبقى تسمية هذه السورة دالة على أهمية الشورى بين المسلمين وسوطاً مسلطاً على الاستبداد بالرأي في كل مجال من مجالات الحياة، وقد ذُكِرت قضية الشورى في القرآن الكريم مجملة لمبدأين أساسيين الأول لفظ الشورى المرتبط بأصل وجود السلطة وشرعيتها، وتداولها، والثاني: لفظ "وشاورهم" المرتبطة بأداء السلطة وإدارتها وتسييرها جاء المبدأ الأول في سورة الشورى مخاطب به عامة المسلمين، قال -تعالى-: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" [الشورى:٣٨] .
стр. 2044
وجاء المبدأ الثاني في سورة آل عمران: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" [آل عمران:١٥٩] ، ويلاحظ في آية الشورى حكمة التشريع في الربط بين الصلاة والنفقة، وبين الشورى، حيث جاءت الشورى بينها، وذلك أن أداء الصلاة استجابة لله- سبحانه- توجب اتحاد الأبدان والأفعال بين المصلين، فالشورى كذلك استجابة لله، توجب الاتحاد في الأقوال بين المسلمين وعبَّر عن الصلاة بالجملة الفعلية "وأقاموا الصلاة" الدالة على الحدوث والتجدد؛ لتكرارها في اليوم والليلة خمس مرات أو أكثر، وعبر عن الشورى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام؛ نظراً لأن الشورى لا تدخل إلا في الأمور الاجتهادية، أما الأمور النصية القطعية فلا مجال للشورى فيها، وإذا كان إنفاق المال من الواجدين - الأغنياء- على المعدومين الفقراء أمراً مستحباً حيناً ومتعيناً حيناً آخر فإن الشورى بين المسلمين متعينة في كل الأحوال والأزمان، وتوسط الشورى بين الصلاة والنفقة ويشير إلى أن إقامة الصلاة، يستوجب من فاعلها المشاورة لغيره، وعدم الاستبداد بالرأي، كما أخبر الله -عن الصلاة بقوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" [العنكبوت:٤٥] ، وإذا كان لدى المسلم رأي يفيد به إخوانه أو يدفع عنهم به سوءً، يتعين عليه نشره واطلاعهم عليه، ومناقشتهم في مدى نتائجه وجدواه وهذا لا يفي عن النفقة المادية على حد قول الشاعر:
لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليشهد النطق إن لم تسعد الحال
стр. 2045
وإن النطق بالرأي السديد أعظم من بذل المال، حيث هو نفقة وصدقة جارية؛ استجابة لله، "وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خيرٍ يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" [البقرة:٢٧٢] ، ولفظ: أمر، في آية الشورى اسم جنس مثل كلمة شيء فهي عامة وإضافته إلى الضمير تفيد تأكيد العموم، ومعنى الآية على هذا أن جميع أمور المسلمين التشاور فيها مستقر عندهم، ولفظ (بينهم) صفة للشورى، والتشاور لا يكون عادة إلا بين طرفين فردين أو جماعتين، وفي إضافة الظرف إلى الضمير إشارة إلى أن الشورى سر بين المتشاورين لا يجوز إفشاؤها، أما آية آل عمران: "....وشاورهم في الأمر" فالأمر فيها للوجوب عند المالكية والحنفية، وللندب عند الشافعية والحنابلة، والجميع متفقون على أن الخطاب للرسول ﷺ وليس من خصائصه، فإذا كان واجباً على الرسول ﷺ مشاورة أصحابه ﵃ مع أنه ليس بحاجة لهم؛ لأنه يتلقى الوحي من السماء، فالمشاورة من غيره وعلى غيره أوجب؛ لحاجة الجميع إليها، وإذا كانت مندوبة في حق الرسول ﷺ فهي في حق غيره أشد ندباً، بل قد يرقى إلى الوجوب بأدلة أخرى؛ كقوله -تعالى-: "مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر:٧] ، وقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" رواه الترمذي (٢٦٧٦) وأبو داود (٤٦٠٧) ، وابن ماجة (٤٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁ وعلى هذا فالشورى عند المسلمين قضية أساسية تتعلق في كل شأن من شؤون حياتهم، تبدأ من الأسرة في حق الطفل الرضيع إذا اختلف الأبوان في إرضاعه: "فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما"،ومروراً بمصالح المجتمع، وضروراته، وانتهاءً بالتشاور باختيار رئيس الدولة ودستور البلاد، فلقد شاور رسول الله ﷺ أناساً في أمر عائلي: "قصة عائشة ﵄ في حادثة الإفك"،وشاور في أمر طائفي، يخص الأنصار- عندما شاورهم في التنازل عن نصف ثمرة تمر المدينة؛ ليدفع عنهم العدو فأبوا، فنزل على رأيهم، وشاور في أمور عامة للأمة في شأن السلم والحرب.
стр. 2046
إن مبدأ الشورى راسخ ومتجذر في فطرة الإنسان منذ قرر الله خلق آدم أبي البشر- ﵇ وقد حكى الله لنا هذا التشاور مع ملائكته - سبحانه- في سورة البقرة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ" [البقرة:٣٠-٣٣] ، فالله أعلم بخلقه، وهو غني عنهم، ولكنه عرض على الملائكة مراده في خلق آدم ﵇ ليكون التشاور سنة في البشر، فالشورى مقارنة للإنسان في وجوده، ومقارنة الشيء بالشيء توجب الألفة بينهما، فالإنسان يألف الشورى، ويأنس بها بطبعه، ويحب من يوافقه على رأيه، ففرعون استشار قومه في شأن نبي الله موسى ﵇ "قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ" [الشعراء:٣٤-٣٧] ،واستشارت بلقيس ملكة سبأ قومها: "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ" [النمل:٣٢] ، وفي حياة الناس اليوم انشغلوا
стр. 2047
أو شغلوا عن معرفة الشورى والعمل بها؛ حباً للاستبداد وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، وإنما يهرع المستبد إلى الشورى عندما تضيق عليه الأمور، وقد طبقت الشورى في العهد الراشدي أحسن تطبيق، فكانت عاقبتها حميدة للأمة، فقد تشاور أبو بكر الصديق مع الصحابة ﵃ في قتال المرتدين، وفي بعث جيش أسامة ﵁ -وجاء بعده عمر بن الخطاب ﵁ فجعل الأمر من بعده شورى بين ستة من صحابة رسول الله ﷺ رضي عنهم، وجعل خمسين من الأنصار ﵃ يراقبونه، وكان كثيراً ما يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور مع الناس في أمورهم، وقضية الشورى في الإسلام تعم الرجال والنساء؛ لأن أوامر الشرع ونواهيه هي للجنسين جميعاً إلا ما نهى عنه الشارع في تخصيص أحدهما كاختلاف في الميراث والشهادة، والقوامة للرجل خاصة ونحوها، والشورى ليست من هذه المستثنيات فقد استشار رسول الله ﷺ زوجته زينب في شأن عائشة ﵄ في قصة الإفك، فأثنت عليها خيراً، انظر ما رواه مسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة ﵂ واستشار زوجته أم سلمة ﵂ في موقف الصحابة ﵃ من التحلل في صلح الحديبية، فقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه ﵃ انحروا ثم احلقوا، وكانوا أحرموا بالعمرة، ولم يرضوا عن شروط الصلح مع قريش، فرد عليهم الرسول ﷺ أمره لهم ثلاثاً، فوالله ما قام منهم رجل، فلما لم يقم منهم أحد دخل على زوجته أم سلمة ﵂ مغضباً، فسألته عن حاله، فذكر لها ما لقي من الناس، وعدم امتثالهم له، فقالت: يا نبي الله، أتحب أن يفعلوا ذلك؟ قال: نعم، فقالت: أخرج لا تكلم منهم أحداً بكلمة؛ حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك فخرج فلم يكلم منهم أحداً حتى فعل ذلك،
стр. 2048
فلما رأوا الصحابة ﵃ منه ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، يقول الراوي: حتى كاد أن يقتل بضعهم بعضاً بالموسى من الغضب انظر ما رواه البخاري (٢٧٣٤) من حديث المسور بن مخرمة ﵁.
وإذا كانت الحال في الشورى من الخطورة والأهمية، فإن محاسبة الرئيس وأعضاء مجلس الشورى سائغة شرعاً، حيث المحاسبة هي المساءلة لكل من قصر، أو ظُن تقصيره في عمله على وجه الاستطاعة أو الاستنكار.
والمحاسبة من النصيحة التي هي الدين كله كما في الحديث: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ... " رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁ كما هي داخلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقوله ﷺ "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ... " الحديث رواه أبو داود (٤٣٣٦) ، والترمذي (٣٠٤٧) ، وابن ماجة (٤٠٠٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وكل ما لحق بالعالم الإسلامي اليوم من تخلف إنما مرجعه إلى استبداد المستبد برأيه وإطراحه للشورى، وعدم النصيحة من الناس والإنكار عليه،.
стр. 2049
ومن دقائق فوائد آية آل عمران أن الاستشارة ليست خاصة بالمؤمنين الملتزمين بل هي حتى للعصاة المذنبين، كما يدل عليه سياق الآية وسبب نزولها، وفي استشارة هؤلاء وغيرهم تطييب لنفوس الناس خاصة المذنبين والعصاة منهم، مما يدل على صفاء قلب ولي الأمر نحوهم، وفي استشارتهم استظهار لرأيهم عن سبب معصيتهم، ومخالفتهم له، وفي هذا تحذير للناس أن يقعوا فيما وقع فيه إخوانهم من قبل، وقد أطلق الله حكم الاستشارة في الآية ليعم التشاور كل مناحي الحياة في السلم والحرب، وقد بوب البخاري من صحيحه باباً قال فيه: "كانت الأئمة بعد رسول الله ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها" وقال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄ ذات يوم: "لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما" رواه أحمد (١٧٥٣٣) وتوفي رسول الله ﷺ ، ولم يجعل للشورى صفة أو قاعدة معينة لعلمه باختلاف السياسات وتجدد الأوضاع واختلاف الأحوال بعده، فما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره لا سيما مع توسع رقعة الإسلام واتصال الناس بعضهم ببعض كافرهم ومسلمهم حتى أصبح العالم وكأنه في قرية واحدة.
إن محاسبة المقصر في عمله أو الرقابة عليه، لهي من صحيح الشورى على كل أفراد الشعب أو هيئاته، ومجالسه، وهي على العلماء، وأهل الرأي ألزم وأوجب؛ لحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ والإنكار بالقلب يعني البراءة من الموافقة الفكرية للمنكر ولو نظرياً اعتقاداً أو مجاملة.
стр. 2050
وإذا كانت القوانين الوضعية موافقة للشرع فمجلس الشورى إذا عمل بها إنما يأخذها على أنها من الشرع إبتداءً، وأما إذا أخذها بغير هذا القصد فحرام لا يجوز، قال -تعالى-: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب:٣٦] وقال -تعالى-: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" [النساء:٦٥] . والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2051
ديار الكفر وديار الإسلام
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٦/١٢/١٤٢٣هـ
السؤال
الإخوة الأحبة في الموقع؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فسؤالي عن تحديد ديار الكفر وديار الإسلام، وهل الديار التي غالبية شعبها مسلمون ولكن تحكمها الأنظمة الكافرة أو التي لا تطبق شرع الله وكانت سابقا من ديار المسلمين هل تعتبر بهذه الصفة ديار كفر أم ديار إسلام؟ وهل يجوز السفر إليها للسياحة مع تجنب الذهاب إلى مواطن المنكرات فيها؟ وهل تجب الهجرة منها لمن هو قادر على ذلك؟ والسلام عليكم
أرجو الإجابة في أقرب وقت.
الجواب
بلاد الإسلام هي: البلاد التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان أغلب السكان كفاراً أو يهوداً أو نصارى أو وثنيين، وبلاد الكفر عكس هذا تماماً، وقد تكون دار الكفر للكفار الحربيين أو داراً للكفار المهادنين والمعاهدين ويكفر الحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة زعماً منه بأن حكم غير الله أفضل من حكمه أو مساوياً له. أما إذا حكم بغير شرع الله وهو يعلم أن حكم الله هو الذي لا يصلح للبشر غيره ولكنه حكم بخلافه نتيجة شهوة مادية أو مجبراً من هو أقوى منه ويهدده إن حكم بشرع الله وهو ممن إذا قال فعل - فهذا الحاكم حينئذ لا يكفر كفراً ينقله من الملة ولكنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب عليه المبادرة للتوبة منها عسى الله أن يتوب عليه.
والهجرة الشرعية من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لا تجب شرعاً إلا إذا عجز المرء عن إظهار شعائر دينه الاعتقادية والتعبدية وإظهار الدين ضد إخفائه فالمظهر لدينه هو الذي يتمكن من إعلانه ولا يضطهد من أجل ذلك. والعاجز عن إظهار ذلك هو العاجز شرعاً، وشعائر الاعتقاد والتعبد مجتمعة في أركان الإسلام والإيمان والإحسان أما الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس وجوده أو عدمه شرطاً في الهجرة والإقامة اللهم إلاّ الإنكار بالقلب. وإذا نظرنا في واقع أكثر بلاد الكفر في الشرق والغرب وجدنا المسلم - في الغالب - يستطيع إظهار دينه ومعتقده وذلك لوجود الحرية الشخصية فيها، وإن حصل تقصير من المسلمين المقيمين بين الكفار فلكثرة الشر هناك ولضعف الإيمان عند بعض أولئك المسلمين لا غير، وقوة الإيمان أو ضعفه ليست شرطاً في الهجرة.
أما البلاد التي كانت سابقاً من بلاد المسلمين كبلاد الأندلس - أسبانيا والبرتغال حالياً، فتعتبر الآن بلاد كفر. أما السفر لغرض السياحة إلى هذه البلاد وغيرها الأصل فيه أنه مباح إذا اجتنبت فيها المنكرات ودواعيها. وأنصح بعدم السفر للسياحة في بلاد الكفار خاصة بالأطفال والنساء لغير ضرورة. وفق الله الجميع إلى كل خير آمين.
стр. 2052
فقه الواقع
المجيب د. علي بن عمر با دحدح
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٠/٣/١٤٢٤هـ
السؤال
قرأت هذه الكلمة في الكثير من الكتب، ولا أعرف ماذا تعني بالتحديد، وهي (فقه الواقع) ، فهل هي محاولة للتجديد في الفكر الإسلامي أو الاتصال بالواقع؟ أم ماذا تعني؟ ومن هم أصحاب هذا الاتجاه؟.
الجواب
فقه الواقع: هذا المصطلح مكون من كلمتين:
الأولى: فقه: والفقه معناه الفهم والإدراك والعلم، كما في قوله -تعالى-: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء:٤٤] ، وقول المصطفى ﷺ في دعائه لابن عباس ﵄:" اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" رواه البخاري (١٤٣) ، ومسلم (٢٤٧٧) .
الثانية: الواقع: وهي كلمة يحتاج بيان معناها إلى الإضافة، والمراد الأمر الواقع: أي الحادث والحاصل، والمعنى المقصود: ما يجدّ من أحداث ووقائع.
والتركيب (فقه الواقع) معناه: فهم الأمور الحادثة والوقائع النازلة.
ومن الناحية الاصطلاحية صار هذا التركيب له دلالة خاصة تجمع بين الفقه بمعناه العام وهو الفهم، ومعناه الخاص المتعلق بمعرفة الأحكام الشرعية من الأدلة النصية، وإذا أضيف إلى الواقع أصبح المراد:" فهم النوازل والمتغيرات الجديدة في الحياة والأفراد والمجتمعات وتصورها ومعرفة حكمها في الشريعة الإسلامية ".
ويعتبر المصطلح مهماً لعدة أسباب:
(١) أهمية اليقين بلزوم تحكيم الشريعة في سائر جوانب الحياة، وجميع نشاطات المسلمين.
(٢) التأكيد على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان في سماحة ويسر.
(٣) تحقيق المعاصرة الإيجابية المرتبطة بالأصول والثوابت، والمستوعبة للمستجدات والنوازل.
(٤) التأكيد على مراعاة اختلاف الأحوال والظروف والأوصاف والأحكام.
стр. 2053
وقد كثر استخدام هذا المصطلح وتجاذبته الآراء، وظهرت مدارس مختلفة في تصوره وتطبيقه، وعلى كلٍ فإننا إذا أردنا فهم المستجدات وفق تصور إسلامي ثم معرفة ميزانها وأحكامها في الشريعة، فإنه لا بد من توفر ثلاثة مداخل:
المدخل الأول: المدخل الاعتقادي:
لابد من الاعتقاد الجازم بأساسين مهمين هما:
(أ) كمال الإسلام: قال -تعالى-: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" [المائدة: ٣] .
قال السعدي: (اليوم أكملت لكم دينكم" بتمام النصر، واكتمال الشرائع، الظاهرة والباطنة من الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين؛ أصوله وفروعه) . (تفسير السعدي٢/٢٤٢) .
وقال سيد قطب: (فأعلن لهم إكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معاً، فهذا هو الدين..، ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين - بمعناه هذا - نقصاً يستدعي الإكمال، ولا قصوراً يستدعي الإضافة، ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير،. وإلا فما هو بمؤمن، وما هو بمقر بصدق الله، وما هو بمرتضٍ ما ارتضاه الله للمؤمنين، إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن هي شريعة كل زمان، لأنها -بشهادة الله- شريعة الدين الذي جاء "للإنسان" في كل زمان وفي كل مكان، لا لجماعة من بني الإنسان، في جيل من الأجيال في مكان من الأمكنة، كما كانت تجيء الرسل والرسالات.
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي، والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان، دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان، والله الذي خلق الإنسان ويعلم من خلق، هو الذي رضي له هذا الدين، المحتوي على هذه الشريعة، فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان وبأطوار الإنسان) . (في ظلال القرآن٢/٨٤٣) .
стр. 2054
قال ابن القيم: (إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها) (إعلام الموقعين ٣/٣) .
(ب) شمول الإسلام: قال -تعالى-: " ما فرطنا في الكتاب من شيء" [الأنعام: ٣٨] .
قال القرطبي: (أي ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقى بيانها من الرسول ﷺ أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال -تعالى-:"ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء" وقال "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم" [النحل: ٤٤] وقال: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر: ٧] ، فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً) . (تفسير القرطبي ٦/٤٢٠)
وقال السعدي: (وقوله -تعالى-: "ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء" [النحل ٨٩] في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة ومعان جلية) . (تفسير السعدي٤/٢٣٠)
المدخل الثاني: المدخل الفقهي:
(أ) أصول الفقه وقواعد الاستنباط:
стр. 2055
إن كمال الإسلام وشموليته لجوانب الحياة المختلفة لا يعني أن أدلته من القرآن والسنة تتناول جميع التفاصيل وتستوعب كل الصور والأحوال، وهذا غير متصور، ولكن أصول الفقه علم كامل فيه أسس الاجتهاد وضوابط القياس؛ وهو معرفة أدلة الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (التصورات الأولية للمبادئ الأصولية ص١٦) ، وفي أصول الفقه نقف مع الأدلة من حيث ثبوتها وحجيتها ودلالتها، وفيه الاستفادة من الأدلة بمعرفة طرق الاستنباط، وأحوال النصوص، وتعارض الأدلة، وأما حال المستفيد فالمراد به معرفة الاجتهاد وشروطه ونحو ذلك (التصورات الأولية للمبادئ الأصولية ص١٧-١٨) ، ومن فوائده (التمكن من معرفة الحكم الشرعي للحوادث والقضايا والأفعال التي تستجد بحسب الزمان والمكان (التصورات الأولية للمبادئ الأصولية ص٢٠) .
فما لم يرد نصاً من القرآن والسنة فقد يؤخذ الحكم قياساً على أحكام وردت فيها، وقد يكون في المسألة إجماع ونحو ذلك، بحيث لا تنزل نازلة ولا تكون حاجة إلا ويمكن من خلال الأدلة والأصول الوصول إلى حكمها.
(ب) المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية:
إن الأحكام والتشريعات لها أهداف وغايات، والغايات الكبرى عامل مشترك لكثير من الأحكام، ومن ثم سميت بالمقاصد الشرعية، وهي: المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق أحكامه. (قواعد المقاصد ص٤٧) ، وقال الشاطبي: (الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها) . (الموافقات ٢/٣٨٥) .
كما أن الأحكام التفصيلية في دائرة معينة يمكن أن تندرج تحت قاعدة كلية تعبّر عن الأساس الذي تضمنه الحكم، ومن ثم سميت بالقواعد الفقهية، والقاعدة الفقهية هي قضية شرعية عملية كلية يُتعَرفُ منها على أحكام جزئياتها. (القواعد الفقهية ص٥٣) .
стр. 2056
ومن خلال فهم المقاصد ومعرفة القواعد مع ما سلف من العلم بأصول الاجتهاد والاستنباط، تتشكل الآلية العملية المستمرة القادرة على استيعاب المستجدات والتعامل معها وإعطائها الأحكام الشرعية المناسبة.
المدخل الثالث: المدخل الواقعي:
(أ) المعرفة العامة:
إن واقعية الإسلام تقتضي من أتباعه عموما، ً وأهل العلم والاختصاص منهم خصوصاً أن يعيشوا عصرهم ويعرفوا واقعهم، وأن يحسنوا الانتفاع من الجديد المفيد، وأن يحسنوا الإقناع بترك المفسد الوليد، وقد قال ﷺ :" الكلمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها "، رواه الترمذي (٢٦٨٧) ، وابن ماجة (٢٦٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁ قال الألباني: إسناده ضعيف جداً وقد اتخذ ﷺ الخاتم على الكتب والرسائل فيما رواه البخاري (٦٥) ، ومسلم (٢٠٩٢) من حديث أنس بن مالك ﵁، وخندق النبي ﷺ وأصحابه ﵃ من بعده في الجهاد والمعارك كالفرس انظر ما رواه البخاري (٣٧٩٧) ، ومسلم (١٨٠٤) ، من حديث سهل بن سعد ﵁
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن ذكر ما لا يتعلق بالدين مثل الحساب والطب المحض التي يذكرون فيها ذلك انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، فأخذ علم الطب من كتبهم مثلاً والاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه بل هذا أحسن لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة، وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة، بل هو مجرد انتفاع بآثارهم كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك) (الفتاوى٤/١١٤-١١٥) .
قال الخطيب البغدادي: (إن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والنفع والضر وأمور الناس الجارية بينهم والعادات المعروفة منهم) (الفقيه والمتفقه) .
стр. 2057
واستناداً إلى ما مضى فإنه ينبغي لأهل العلم أن تكون معرفتهم الواقعية المعاصرة معرفة جيدة ومتواصلة، ليكونوا أقدر على تصور المسائل وأتقن للإجابة عليها.
(ب) المعرفة الخاصة:
إن هذا العصر عصر التخصص الدقيق الذي استقلت فيه العلوم بعضها عن بعض، وتفرع كل علم إلى أقسام أكثر تخصصاً، وما يزال العصر يفرز تخصصات جديدة تنتمي لأمهات العلوم، بل يحمل لنا علوماً جديدة مستقلة، ولما كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره كان لابد عند التعرض لبيان حكم أو نظرة الإسلام اتجاه علم أو تخصص أو نظرية بعينها أن تتم المعرفة الخاصة بذلك.
قال ابن القيم: (والواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب) (إعلام الموقعين ٤/٢٢٠) .
وبيَّن الجويني: (أن الناس يفزعون عند معرفة أحوال الناس وتقديم بعضهم على البعض إلى الاختصاصات ودقائق الزيادات في حسن الفضل وكمال الحال) (المعيار المعرب ٦/٣٥١) .
قال الدكتور فتحي الدريني: (إذا كان من المقرر بداهة أن طبيعة الاجتهاد: عقل متفهم ذو ملكة مقتدرة متخصصة، ونص تشريعي مقدس يتضمن حكماً ومعنى يستوجبه، أو مقصداً يستشرف إليه، وتطبيق على موضوع النص أو متعلق الحكم، ونتيجة متوخاة من هذا التطبيق: فإن كل أولئك يكون نظرياً ما لم تكن الواقعة أو الحالة المعروضة قد دُرست درساً وافياً، بتحليل لعناصرها، وظروفها وملابساتها، إذ التفهم للنص التشريعي يبقى في حيز النظر، ولا تتم سلامة تطبيقه إلا إذا كان ثمة تفهم واع للوقائع بمكوناتها وظروفها، وتبصّر بما عسى أن يسفر عنه التطبيق من نتائج، لأنها الثمرة العملية المتوخاة من الاجتهاد التشريعي كله) (مقدمة كتاب المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي ص٥) .
стр. 2058
إن توافر هذه المداخل يؤسس لمنهج سديد في معرفة نظرة الإسلام تجاه موضوع ما، فانطلاقاً من عقيدة راسخة بكمال الإسلام وشموله لجوانب الحياة كلها ينشأ يقين جازم واعتزاز شامخ بهذا الدين لا يكون معه تميع فكري ولا هزيمة نفسية، وينضم إلى ذلك علم أصيل بالأدلة والمقاصد الشرعية والقواعد الكلية يستخرج من كنوزها ما يبين الأصل الشرعي للمصالح، ويكشف المنحى الخفي للمفاسد، ويكمل ذلك معرفة واعية بالواقع، وتركيز خاص على موضع ومسألة البحث، فتتم بذلك نظرة شاملة متوازنة تجمع بين الأصالة الشرعية والاستجابة الواقعية.
ولابد من التأكيد على أهمية الجمع بين فقه النصوص الشرعية وفقه الأحوال الواقعية حتى يمكن الإحسان والإتقان في تنزيل النصوص الشرعية على النوازل الواقعية، ومن المعلوم أن النصوص لا تتناول كل الصور والوقائع، ولكن مقاصدها وقواعدها وأصول الاستنباط منها تفي بالحاجات مهما كثرت والمستجدات مهما تنوعت.
وفي القواعد والأصول من المرونة ما يحقق المقصد، والفتاوى تتغير بتغير أحوال الأشخاص والظروف والأعراف والعادات، والأصل في الأحكام الشرعية - غير أحكام العبادات - أنها مرتبطة بالحِكم والمقاصد والغايات، وقد جاء في النصوص ما يشير إلى ذلك، وأكتفي بمثال واحد يبين تغير الفتوى بمراعاة الواقع:
стр. 2059
مخاطبة الناس على قدر عقولهم ومراعاة اختلاف أفهامهم قال النبي ﷺ : "يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس وباب يخرجون" أخرجه البخاري، في كتاب: العلم، باب: مَنْ ترك بعض الأخبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه، رقم (١٢٦) ، ومسلم (١٣٣٣) ، قال ابن حجر في الفتح (١/٢٢٥) : (ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأنّ الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرّماً) . وروى الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب: العلم، باب مَنْ خصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألاَّ يفهموا، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟. وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (١/١١) .قال ابن حجر: (ممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي في ظاهرها الخروج على السُّلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب والله أعلم) فتح الباري (١/٢٢٥) . وهذه كلمات للشاطبي أضعها أمام عين كل داعية وأهتف بها في سمعه ليعلم أنه (ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره إن كان من علم الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام، بل ذلك ينقسم: فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أولا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص) الموافقات (٤/١٨٩) .وأزيد الأمر وضوحاً بذكر القاعدة الضابطة الرائعة التي ذكرها الشاطبي وأرشد إليها،
стр. 2060
مخاطباً كل عالم وداعية حيث أوصاه أن يعرض مسألته على الشريعة فقال: (فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمن وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تتقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على المصلحة الشرعية والعقلية) الموافقات (٤/١٩١) .
ومثل ذلك مراعاة تغير الأعراف والعوائد، وما سبق إنما هو مثال له نظائر كثيرة، ولا بد من التنبيه على ضرورة عدم التعرض للإفتاء، والحديث عن النوازل دون تأهل يجمع بين العلم بالشرع والمعرفة بالواقع، ومن هنا أحذر من تمييع الدين في أصوله وأحكامه - من قبل غير المؤهلين - بحجة المعاصرة ومعايشة الواقع، كما يقع ممن يلوون أعناق النصوص ويعتسفون في فهم دلالاتها لأجل موافقة نظرية حديثة، وهذا إيجاز من القول أرجو أن يكون كافياً وواضحاً، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2061
الوحدة الوطنية
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٤/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
لدي إشكال وهو عن الوحدة الوطنية ماذا تعني؟ وعند أي حدّ تقف؟
وهل لرابطة الوطن اعتبار في الشرع؟ وهل ابن البلد أولى بالوظائف من الأجانب الموجودين في البلد نفسه؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلا يصح أن تطلق على مفهوم (الوحدة الوطنية) حكماً عاماً مطلقاً لا يختلف باختلاف أحوالها ودلالاتها. وهذا الخطأ يقع فيه بعضنا في حكمه على بعض المصطلحات، فيطلق حكماً معيناً عاماً على مصطلحٍ ما مع أن مفهومه قد يختلف من شخص لآخر، وقد تختلف تطبيقاته من بلد لآخر.
ومنها مصطلح (الوحدة الوطنية) ، فلم يكن مستغرباً أن تتباين مواقفُ الناس منها كما تباينت في أمثالها من الانتماءات والمصطلحات.
فانتصر لها أقوامٌ وحمَلوا لواءها؛ ليجعلوا منها الرابطةَ الوحيدةَ التي يجب أن تنداحَ لها كلُّ الروابط الأخرى، وأن يُلتغى أمامها كلُّ انتماء، فلا رابطة تجمع الناس إلا رابطة الوطن.
وكل ما وراءها فلا اعتبار له؛ لسبب واحد: هو أنه خارجٌ عن حدود الوطن، فالمواطن إنما هو ابن وطنه، ومنفعته يجب أن تكون مقصورة على وطنه، لا يعنيه شيءٌ وراءه.
ونابذها قومٌ آخرون بالعداوة المطلقة، فعادَوها وعدُّوها طاغوتاً ووثناً يعبد من دون الله من غير تفصيل لاختلاف الأحوال.
فهما موقفان يقعان من الخطأ موقعاً متقارباً، إذ لا فرقَ بين موقفٍ يُحِقُ الحقَ والباطلَ جميعاً، وآخرَ يُبطل الحقَ مع الباطل؟.
والموقف الصحيح في كل مسألة يمتزج فيها المعروف والمنكر، ويجتمع فيها الحق والباطل: أن يُفصلَ الحقُ عن أعلاق الباطل حتى لا يلتبس به.
стр. 2062
ومسألة الوطنية مزيجٌ وأخلاطٌ من هذا وذاك: مِن الموافِقاتِ للشريعة والمخالِفات لها، والموقف الصحيح مما هذا شأنه: هو أن تُسبر مقتضياتها ودلالاتها بمسبار الشرع واحدةً بعد أخرى، فلا يُحكم على الشيء كله بخطأ بعضه، وإنما يؤخذ مسألة مسألةً لا جملةً واحدةً، فالحقّ يُحَقّ، والباطل يُبطلُ.
إنَّ الانتماء للوطن بمجرده لا محذور فيه، كما لا محذور في مجرد الانتساب للقبيلة، فقد كان صحابة رسولِ الله ﷺ ينتمون إلى قبائلهم ويُنسبون إلى أوطانهم، فهذا أوسيٌّ، وذاك خزرجي، وهذا أنصاري، وذاك مهاجري، وكان النبي ﷺ يسمعها منهم فلا ينكرها عليهم.
فمجرد الانتماء للتعريف وإثبات النسب ونحو ذلك ليس فيه معرَّة ولا مضرة، حتى إذا جاوزتْ ذلك واستحالت عصبيةً ورابطةً يُنتصر لها دون عصبيّة الإسلام ورابطتِه، كبحها ﷺ ونهاهم عنها، وقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ ... دعوها فإنها منتنة" رواه البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر ﵁.
فمن المرفوض قطعاً ما يدعو إليه غُلاة الوطنية من أن يكونَ عطاءُ المواطِن واهتمامه قاصراً على وطنه، وولاؤه محدوداً بحدوده، وأن يَجعل له من قضايا وطنه شُغلاً عن كل شغل، فلا يعنيه شيء خارج حدود بلده.
لا بأس أن تكون اهتماماتُنا بقضايا وطنِنا أكثر، فالأقرب أولى من الأبعد، والأقربون أولى بالمعروف، ولكن لا يجوز أن تكون اهتماماتُنا محصورةً فيه فلا تُجاوِزُه قَيْد أُنمُلة. فأين هي إذاً وشيجةُ الدين، وأين هي حقوق المسلمين؟.
إن بعض مقتضيات الوحدة الوطنية لهو مما يقصده الإسلام ويدعو إليه؛ كالمحافظة على أمن البلاد وأرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، وحماية ثروات الوطن ومقدراته، وكالدعوة إلى المساواة والعدل، ومدافعة الظلم ومعاقبة الظَّلمَة، وهذا كله يدخل في باب التعاون على البر والتقوى.
стр. 2063
أما حين تقتضي الوحدة الوطنية أن يحب المواطن أبناء وطنه كلهم على السواء بجامع الانتماء للوطن نفسه بلا اعتبار للدين فهذا لا يجوز؛ ففي هذه المحبة تمييع لعقيدة البراء، وتضيعٌ لعقيدة الولاء. إذ يقتضي ذلك أن يستوي في المحبة والولاء مسلمهم وكافرهم، بَرّهم وفاجرهم، وهذا ما لا تقرُّه الشريعة.
إننا حين نحب أحداً من أبناء وطننا فإنما نحبه لأنه مسلم، لا لأنه مواطن. وحين نكره أحداً فلأنه كافرٌ، لا لأنه من وطنٍ آخر. ولكن محبتنا لأحدٍ ما لا تدفعنا إلى أن نسكت عن أخطائه أو نعينه على ظلمه. وكرهنا لأحدٍ بسبب كفره أو انتمائه لطائفة ضالّة ـ سواء كان من وطننا أو من غيره ـ لا يحملنا على أن نعتدي عليه، أو نبخسه حقه، أو نمتنع عن نصرته إذا ظُلِم.
والوحدة الوطنية تفرض فيما تفرضه حمايةَ حقوق الأقليات والتعايش معهم، وهذا حقٌ سبق أن دعا إليه الإسلام قبل أن يعرف الناس مفهوم الوطنية والمواطنة، ولكن حمايته لحقوق الأقليات لم تكن تعني إقرارهم على السخرية بشعائر الإسلام، أو سب الله ورسوله ﷺ ، أو المجاهرة بما يمنع الإسلام أن يُجاهر به بين المسلمين.
الوحدة الوطنية تصبح واجباً لا مناص منه حينما يتهدد البلاد خطر خارجي متمثل في تحالف صهيوني صليبي يريد أن يهيمن عليه ليسلب ثرواته وخيراته، وليجهز على ما تبقى فيه من قيم الإسلام وشعائره.
وإنما كانت حمايته لحقوقهم تعني عصمة أنفسهم وأموالهم، وتحريم الاعتداء عليهم واضطهادهم وإيذائهم، وهو يمنحهم حق ممارسة شعائر دينهم في بيوتهم وأحيائهم بشرط ألا يؤذوا مشاعر المسلمين، أو ينالوا من الإسلام بسوء، فليس لأحد حقٌ أن يسخر بشعيرة من شعائر الإسلام، أو يسعى بنشر الكفر والبدع بين المسلمين.
стр. 2064
لقد عاش أهل الذمة في بلاد المسلمين قروناً طويلةً يمارسون شعائر دينهم في بيوتهم وأحيائهم، فيشربون الخمر ويأكلون لحم الخنزير، ويفعلون غير ذلك مما يستحلونه في دينهم. ولكنهم ظلوا ممنوعين أن يجاهروا بذلك بين المسلمين، أو يدعو أحداً منهم إليه.
إن الوحدة الوطنية لوطن من أوطان المسلمين لهو جزءٌ من وحدة الأمة، وما لا يدرك كله لا يترك جُلّه. فالسعي في وحدة الوطن على النحو الذي لا يقوِّض الولاء والبراء ولا يحجِّمه ليس سعياً في هدم وحدة الأمة ولا يناقضها أو يناهضها، بل هو سعيٌ في تحقيق جزءٍ من وحدة الأُمة، فهو مندوبٌ إليه من هذا الوجه.
والرابطة بين أهله وأفراد شعبه لا شك أنها رابطة ممدوحة إذا كانت منضويةً تحت رابطة الدين، وكانت تعاوناً على البر والتقوى ونصرةً للحق وأهله ومناوأةً للباطل وأهله.
والمقصود أن الوحدة الوطنية ليست باطلةً بإطلاق ولا حقاً بإطلاق، بل فيها الحق الملتبس بالباطل، وفيها المعروف المختلط بالمنكر.
أما السؤال عن ابن البلد: هل هو أولى بالوظائف من الأجانب المنتمين إلى جنسيات أخرى؟ فلابد عند الجواب أن تؤخذ المسألة في ظل ملابساتها وظروفها الحالية، فإنه قد حُدّت الحدود السياسية بين الدول، وقننت القوانين في الإقامة والاستيطان، واستُحدِثت الجنسيات، وصارت هجرة الإنسان مقيدة بشروط وضوابط وأعراف.
ومن الإشقاق أن نقول لشخص لا يجد عملاً في بلده الذي يفد إليه العمّال من البلاد الأخرى ـ أن يخرج من بلده هذا إلى بلد أخرى لعله أن يجد فيه عملاً.
стр. 2065
ومن المحزن حقاً أن توجد البطالة في بلدٍ يعد من أغنى البلاد الإسلامية، وأسباب الظاهرة كثيرة، لا يعنينا أن نُفيض فيها ونسهب في عدِّها وإحصائها، ولكن يعنينا أن من جملة هذه الأسباب هو إغراق البلد بالعمالة الوافدة الرخيصة، والتي لا تمانع أن تعمل بأبخس الأثمان، ولو براتبٍ زهيد لا ينهض بأعباء الحياة وتكاليف المعيشة، لأن العامل إنما جاء ليجمع لا ليقيم، ولأنه يقيس راتبه (الزهيد) بقوته الشرائية في بلده الأصلي، لا بقوته الشرائية في البلد الذي يعمل فيه.
ولا شك أن مساواة هذا العامل بابن البلد فيها مضارة به؛ لأن هذا الراتب الزهيد لا يفي بمتطلبات الحياة الضرورية والحاجية، فكيف سيحصل ابن البلد على عمل براتب يفي بمتطلبات الحياة الحاجية إذا كان التاجر يجد من يعمل لديه بأجرة أقل؟!
إن فتح المجال للوافد للعمل ليكون مساوياً للمواطن في الاستباق للفرص الوظيفية المتاحة قد يبدو مساواةً عند أول وهلة، غير أنه في حقيقة الأمر منافسة غير متكافئة بين الطرفين، والمستبق الغالب فيها هو بلا شك الوافد؛ لأنه سيقبل بالأجر الأقل الذي لا يفي بالتكاليف المعيشية لابن البلد.
إذاً المنافسة غير متكافئة الأطراف، والمتضرر منها بالتأكيد هو المواطن.
ويمكن أن يستأنس لكون المواطن أحق بوظائف بلده من الوافد بحديث معاذٍ ﵁ لما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن، فكان مما قال له: "فإن هم أجابوك لذلك ـ أي للصلاة ـ فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" رواه البخاري (١٣٩٥) ، ومسلم (١٩) فيمكن أن يُستفاد من هذا الحديث أن فقراء البلد هم أولى بزكوات أغنياء بلدهم من فقراء البلاد الأخرى.
стр. 2066
قال ابن قدامة (المغني ٢/٢٨٣) : (روي عن عمر بن عبد العزيز أنه ردّ زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام , إلى خراسان. وروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد , إلا لذي قرابة. وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة. ولنا , قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم , فترد في فقرائهم" (سبق تخريجه) . وهذا يختص بفقراء بلدهم. ولما بعث معاذ ﵁ الصدقة من اليمن إلى عمر ﵁ , أنكر عليه ذلك عمر- ﵁, وقال: لم أبعثك جابياً , ولا آخذ جزية , ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم. فقال معاذ ﵁: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني" رواه أبو عبيد في الأموال.
وروي أيضا عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين ﵁, أن زياداً, أو بعض الأمراء , بعث عمران ﵁ على الصدقة , فلما رجع قال: أين المال؟ قال: أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ . ولأن المقصود إغناء الفقراء بها , فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين) أهـ.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2067
مشروعية البناء على قبر الرسول ﷺ -
المجيب د. عبد الله بن عبد الله بن عبيد الزايد
مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٨/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم.
قرأت الفتوى حول وجود قبر الرسول ﷺ داخل المسجد النبوي، ولكن التساؤل الذي يشغل ذهني دائماً -وسبق أن أرسلت رسالة بخصوصه- هل البناء الحالي على قبر الرسول ﷺ أمر مشروع، خاصة وأنه يحتوي على زخارف كثيرة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن كون البناء على قبر الرسول ﵌ غير مشروع لا يجيز هدمه، لأن هذا الهدم سبيل إلى إعادة البناء، وهكذا دواليك، وسداً للذريعة يبقى ما كان على ما كان إلى أن يشاء الله ما يريد، مع أن هذا البناء فيه من الفوائد الشرعية ما هو معلوم عند المتأمل ولذلك نظير، فقد ترك النبي ﷺ إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم للمصلحة التي برر ﵌ بها تركه على ما هو عليه، انظر ما رواه البخاري (١٥٨٦) ، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عائشة ﵂ وهكذا كان المقام الإبراهيمي ملاصقاً بالكعبة وتركه الصحابة والخليفة الراشد على ما هو عليه، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 2068
فصل الدين عن السياسة
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ١٧/١/١٤٢٥هـ
السؤال
هل فصل الدين عن السياسة كفر وردة، أم ماذا؟
الجواب
فصل الدين عن السياسة حرام لا يجوز، بل هو كفر وردة عن الإسلام، إذا كان القائل بهذا القول أو العامل به عارفاً بالحكم معتقداً له، فالدين يشمل أمور الحياة كلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ونحوها، كما هو يشمل الأمور الاعتقادية والعبادية سواء بسواء، قال -تعالى-: "إن الدين عند الله الإسلام" [آل عمران: ١٩] ، وقال: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" [آل عمران: ٨٥] ، فمن فصل الدين عن السياسة، أو الدين عن الدولة وهو يعرف ما يقول فقد كفر بالله العظيم؛ لأنه رافض، وراد لأمر الله وحكمه، ومن رد حكم الله فقد كفر؛ حيث نصب نفسه مشرعاً مع الله مستدركاً على دينه بزيادة أو نقص، والله يقول: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" [المائدة: ٣٠] ، ومن يفصل الدين عن السياسة أو الدين عن الدولة، أو الدين عن الحياة فهو منتقص لله ودينه، وما ارتضاه الله للمسلمين من نعمة، ومن كان له مسكة من عقل كيف يقول بهذه المقولة - فصل الدين عن السياسة- وهو ينظر في القرآن الكريم، آيات الجهاد وأحكامه تكاد تزيد على آيات الصلاة والزكاة والصيام والحج، كما أن الآيات القرآنية فضلاً عن الأحاديث النبوية التي تعنى بالشؤون الاقتصادية كطرق كسب المال وحفظه، وإنفاقه، وسائر أحكامه من حل وحرمة كالنص على التحريم القاطع للربا، قال -تعالى-: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [النساء: ٢٩] ، والمسمى بالفائدة قد أردى الاقتصاد الرأسمالي العالمي اليوم في جميع أنحاء المعمورة فكيف يقال مع هذا أو ذاك إن الإسلام قاصر على علاقة الإنسان بربه من صلاة وصيام وصدقة، أو مما يعرف بالأحوال الشخصية فقط؟ إن الإيمان ببعض نصوص القرآن دون بعض كفر بالدين كله، "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله غافل عما تعملون" [البقرة: ٨٥] .
وفصل الدين عن السياسة أو الحياة هو ما يطلق عليه العلمانية، والعلمانية إذا ارتبطت بالدولة وتطبيقاتها قيل لها دولة علمانية، وإذا ارتبطت بالأفراد فهي فكرة علمانية وصاحبها علماني، وقولنا إن فصل الدين عن السياسة فكرة علمانية كفرية لا يعني هذا تكفير كل من يطلق عليه علماني، حاكماً كما أو محكوماً، ولا يجوز تكفير المسلم المعين حتى تقام الحجة عليه ثم يعذر لجهل كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (٣٤٨١) ، ومسلم (٢٧٥٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائمٌ، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك أو مخافتك يا رب، فغفر له"، ولحديث أبي واقد الليثي-﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون" [الأعراف: ١٣٨] ، "إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم" رواه الترمذي (٢١٨٠) ، وأحمد (٢١٣٩٣) ،فذاك الرجل الذي قال تلك المقولة لبنيه: لئن قدر الله علي ... " وهؤلاء الصحابة ﵃ بمقولتهم هذه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" لم يكفروا وإن كانت مقولتهم كفراً؛ وذلك لأنهم يجهلون الحكم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة أثناء رده على الجهمية الحلولية الذين ينفون علو الله على خلقه: (..أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال) وأكثر المسلمين الذين يقولون بفصل الدين عن السياسة ناتج عن جهلهم، فلا يصح تكفير واحد منهم بعينه حتى يعلم بخطورة قوله أو فعله، فإن أصر بعد ذلك حكم بكفره وأقيم عليه حكم الردة عن الإسلام، أعاذنا الله منها.
والله أعلم وصلى الله على محمد.
стр. 2069
ما الفرق بين الحرة والأمة ؟
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو الفرق بين الحرة والأمة؟ وهل يجوز شراء العبيد؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالجواب: الحرة تختلف عن الأمة اختلافاً كبيراً في أحكام كثيرة، فالأَمة هي المرأة الرقيقة، أي: المملوكة، والرق عرفه العلماء بأنه عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، ويدخل في هذا استرقاق الأسرى والسبي من الأعداء الكفار.
أما ما جاء في الفقرة الثانية من السؤال وهو: هل يجوز شراء العبيد؟ فالجواب نعم يجوز متى ما وجدوا، والإسلام قد رغَّب وحثَّ على إعتاقهم بعد تملكهم، ولهذا كان أكابر الصحابة ﵃ وفضلائهم من أهل الجدة يشترون العبيد ويعتقونهم، كأبي بكر ﵁، وغيره، وعلى السائل إن أراد مزيداً من التفصيل عمّا ورد في سؤاله أن يرجع إلى كتب الحديث والفقه في أحكام العبيد والإماء، وأخص بالذكر الموسوعة الكويتية الفقهية جزء ٢٣ عند كلمة (رق) من ص١١ إلى ص٩٢، أي: بما يزيد عن ثمانين صفحة. والله أعلم.
стр. 2070
أحكام البيعة والخلافة
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /السياسة الشرعية
التاريخ ٢٣/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل أحكام البيعة والخلافة توقيفية أم اجتهادية؟ وإذا كانت اجتهادية فهل يصح تحديد فترة زمنية محددة للخليفة يتم بعدها إعادة تنصيب خليفة آخر؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الناظر في تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وتوليهم للخلافة يتبين له أن بيعتهم تمت برأي واجتهاد من المسلمين وخاصة ذوي الاجتهاد والمكانة منهم، ولم يقل أحد من أهل العلم أن بيعتهم بالخلافة كانت بتوقيف من الشارع غير بيعة أبي بكر الصديق ﵁ فمختلف فيها فمن العلماء من ذكر أنها تمت بنص وإشارة من النبي ﷺ كقوله: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" رواه البخاري (٦٧٨) ، ومسلم (٤٢٠) من حديث أبي موسى ﵁، وروجع أكثر من مرة ليصلي غيره فيقول: "يأبى الله ذلك والمسلمون" رواه أبو داود (٤٦٦٠) من حديث عبد الله بن زمعة ﵁-وكقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" رواه الترمذي (٣٦٦٢) ، وابن ماجة (٩٧) من حديث حذيفة ﵁ وذهب جمهور العلماء إلى أن بيعة أبي بكر ﵁ خاصة تمت باختيار واجتهاد لا بنص جلي، أو خفي ويدل على ذلك خطبته ﵁ يوم السقيفة بعد وفاة النبي ﷺ وقبل دفنه حيث قال: "نحن الأمراء (قريش) وأنتم الوزراء (الأنصار) وهم (قريش) أوسط العرب وأعربهم أحساباً فبايعوا عمر بن الخطاب ﵁، أو أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، انظر ما رواه البخاري (٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂ ولو كانت خلافته بنص من الله أو رسوله ﷺ لاستند إليه أولئك المبايعون، ولما احتاج أبو بكر إلى أن يقترح للخلافة عمر بن الخطاب وأبا عبيدة ابن الجراح كما يدل على أن بيعته ليست توقيفية خطبة عمر بن الخطاب ﵁ في آخر حياته: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر ﵁ وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ رواه البخاري (٧٢١٨) ، ومسلم (١٨٢٣) من حديث ابن عمر ﵄، وإذا تبين لك هذا علمت أن بيعة الخلفاء الراشدين المهديين كانت اجتهادية باختيار المسلمين وليست بتوقيف من الشارع وما عداهم من الخلفاء فمن باب أولى بل تجاوز الأمر إلى أن صارت بيعة الخلفاء والسلاطين بعدهم بيعة جبرية مثَّل الرعية منها أهل الحل والعقد خوفاًَ من الفتنة وإراقة الدماء وانتهاك الأعراض، وتطبيقاً للقاعدة الشرعية ارتكاب أخف الضررين وتقديم أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما، وليس في الشرع مدة زمنية محددة للخليفة يجدد له بعدها أو يبايع غيره، كما أنه لا يوجد في الشارع دليل يمنع تحديد مدة ولي الأمر، فهي من الأمور المباحة المسكوت عنها، وحقيقة البيعة للخليفة أو السلطان أنه ما دام مستقيماً على أمر الله يقيم الحق ويحكم بالعدل بين الرعية فذلك هو المطلوب، وفي العصور المتأخرة وبعد سقوط الخلافة لا يوجد خليفة يدخل تحت بيعته أو ولايته جميع المسلمين بل مملكة الإسلام أصبحت اليوم دويلات ممزقة على كل واحدة منها رئيس أو ملك، أو أمير، والله المستعان.
следующие страницы →