Полный текст (10 202 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
المقاطعة
المجيب عبد الله بن سليمان بن منيع
عضو هيئة كبار العلماء
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢/١/١٤٢٥هـ
السؤال
توجد عندي رغبة كبيرة في فتح مركز تجاري (سوبر ماركت) ، ولكن هناك سبباً يجعلني أتردد كثيراً في هذه المسألة، وهو موضوع المقاطعة، وكما تعلم فضيلة الشيخ أن هذا الأمر يصعب على كثير ممن لديهم هذه الرغبة، حيث إن الزبون يطلب هذه البضائع، ولا يرغب في البديل، مع العلم أن البديل في بعض السلع يكون صعباً، ولكن يا فضيلة الشيخ أريد منكم الجواب الكافي والشافي -بإذن الله- وإن شاء الله سوف أعمل -بإذن الله- بمقتضى ما تفتونني به، وأرجو منكم إرسال هذه الفتوى في القريب العاجل.
الجواب
الذي يظهر لي أنه لا مانع من بيعها طالما أنها بضائع مباحة الاستعمال كملابس أو أغذية، أو أدوات منزلية، أو غسالات، أو ثلاجات، أو نحو ذلك، ولو كانت بضائع أمريكية، فإن وجد أن مصلحته مترتبة على وجود هذه البضائع وأنه إن لم يتاجر فيها فستترتب عليه خسارة فنقول: لا بأس بذلك، والعبرة بالمتاجرة بالأمور المباحة، وأما إن كان يستطيع أن يستعيض عن هذه البضائع ببضائع أخرى أوربية أو يابانية، أو صينية، أو نحو ذلك، بحيث لا تتأثر تجارته ويكون له قصد في محاربة مثل هذه البضائع التي غالبها من إنتاج مصانع مملوكة لليهود الذين يقومون بتمويل متطلبات إسرائيل وهي العدو اللدود للإسلام والمسلمين فنقول: جزاك الله خيراً على شعورك وعلى غيرتك، وعلى محاربتك ما في ربحه ونتائجه الاقتصادية قوة للعدو على المسلمين. والله المستعان.
стр. 3607
دار الحرب
المجيب خالد بن عبد الله البشر
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٩/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
أريد أن أعرف شيئاً عن أحكام دار الحرب، وما هي بعض الكتب التي فصلت في هذا الأمر؟ وهل تعتبر أمريكا دار حرب؟. جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قبل البدء لا بد من تأسيس أصلين يقوم عليهما الجواب:
الأول: أن وصف (الإسلام) من جهة و (الكفر) من جهة أخرى أوصاف شرعية اختص الله بحكمها، دون غيره من خلقه، فليس لأحد من الناس أن يدخل في (الإسلام) إلاّ من أدخله الله، ولا يخرجه منه إلاّ من أخرجه الله. وكذلك الكفر لا يَدخلُ فيه إلاَّ من أدخله الله. وإذا كان هذا في الأشخاص، فكذلك في الأراضي والبقاع، فإما (دار إسلام) ، وإما (دار كفر) ، ولا دار غيرهما كما نصَّ عليه الفقهاء (أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/٣٦٦) (الآداب الشرعية لابن مفلح ١/١٩٠) .فإذا تقرر ذلك فليس لأحد من الناس أن يُنزِّل أحد الحُكْمين (الإسلام) أو (الكفر) على شخص أو أرض إلاَّ إذا توفرت شروطهما، وانتفت موانعهما (أي الإسلام أو الكفر) .
الثاني: أن أحكام سياسة الأمة وتدبيرها في شؤونها الداخلية والخارجية، كإعلان الجهاد وإبرام المعاهدات، المخاطب في ذلك هم: أولو أمر المسلمين من: العلماء والأمراء، وليس لآحادهم، فاعتبار تلك البقعة (دار إسلام) أو (دار كفر) يقضي به أولو أمر المسلمين وليس لآحادهم.
стр. 3608
ومصطلح (الدار) مصطلح إسلامي يقابله في الوقت الحاضر مصطلح (الدولة) .وكانت مكة قبل فتح النبي صلى عليه وسلم (دار كفر) ، والمدينة بعد هجرته ﷺ (دار إسلام) وقال تعالى:" والذين تبوؤا الدار والإيمان ... " الآية. والدار أي: المدينة. أما تعريف دار الإسلام عند عامة الفقهاء فهي: البلاد التي تكون فيها الغلبة والسلطة للحاكم المسلم، وتظهر فيها أحكام الإسلام في الحاكم والمحكومين، بغض النظر عن أكثرية سكانها.
ودار الكفر: هي البلاد التي تكون فيها الغلبة والسلطة للحاكم الكافر، وتظهر فيها أحكام الكفر في الحاكم والمحكومين، بغض النظر عن أكثرية سكانها. و (دار الكفر) و (دار الحرب) عند الفقهاء بمعنى واحد، أما كونها (دار كفر) فلأن الغلبة والسلطة للكافر. وأما كونها (دار حرب) فهو بالنسبة لمآلها، وتوقع الحرب منها، حتى ولولم تكن هناك حرب فعلية مع (دار الإسلام) . وهذا الأصل في (دار الكفر) أنها (دار حرب) ما لم ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق؛ فإن ارتبطت فتصبح بعد ذلك (دار كفر معاهدة) ، وهذه العهود والمواثيق لا تُغيِّر من حقيقة دار الكفر. ويحسن التنبيه ههنا: أن تعريف (دار الكفر) هو للدار الأصلية التي لم يسبقها إسلام، وليست المتحولة من (دار الإسلام) ، فلينتبه له!.
أما أمريكا هل هي (دار حرب أم لا) ؟ الجواب: تأسيساً على ما سبق فالجواب فيه تفصيل:
أما بالنسبة لمن دخلها من المسلمين بتأشيرة دخول (الفيزا) فهذا عهد وميثاق يجب الوفاء به، ولا يحل لأحد دخلها من المسلمين أن ينقض العهد والميثاق حتى ولو كانت دولة الداخل إليها في حرب معها؛ قال الله تعالى:" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا " الإسراء: آية ٣٤.-
стр. 3609
أما الدول الإسلامية التي دخلت في عهود ومواثيق مع أمريكا، تتضمن عدم الاعتداء من الطرفين؛ فيجب الوفاء بها، وهذه العهود والمواثيق لا تُغيّر من حقيقة (دار الكفر) من حيث الأحكام المتعلقة بها من: وجوب الهجرة منها، وحرمة البقاء فيها لغير ما ضرورة تستوجب ذلك من: الدعوة إلى الله، وتعلم علمٍ يحتاج إليه المسلمون، أو تطبب لا يُنال في بلاد الإسلام ... وغيرها من الضرورات.
وأنبه إلى أن اختلاف الدارين (دار الإسلام ودار الكفر) لا يُغيّر من أحكام الله شيئاً فما كان محرماً في دار الإسلام: كالأنفس والأعراض والأموال المعصومة بالإسلام أو العهد والمحرمات: الربا والزنى والسرقة ... وغيرها من المحرمات فهو محرم في دار الكفر قال الشافعي ﵀: " ومما يوافق التنزيل والسنة، ويعقله المسلمون، ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر، والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حراماً فقد حدَّه الله على ما شاء، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئاً ". (الأم ٤/١٦٥) .وقال أيضاً:" لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجبه الله على خلقه من الحدود ". (الأم ٧/٣٥٤) .وقال الشوكاني ﵀: " إن دار الحرب ليست ناسخة للأحكام الشرعية أو بعضها ". (السيل الجرار ٤/٥٥٢) وأما الكتب التي تناولت هذا الموضوع فمنها: (مجموعة بحوث) للدكتور عبد الكريم زيدان، و (اختلاف الدارين) لإسماعيل فطاني، و (الاستعانة بغير المسلمين) للدكتور عبد الله الطريقي، و (تقسيم الدار في الفقه الإسلامي) لأخيك المجيب. عصمنا الله وإياكم من الزلل في القول والعمل. آمين.
стр. 3610
مقاطعة محلات (ماركس- سبنسر)
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٤/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
لله الحمد، فأنا من المقاطعين لمحلات (ماركس وسبنسر) منذ أكثر من ١٥ سنة تقريباً-؛ لأن هذه المحلات تفتخر بأنها تساهم في تمويل المجهود الحربي الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعندما أقول لأهلي وصديقاتي بأن هذه المحلات يهودية يقولون الرسول- ﷺ كان يشتري منهم، وأن أغلب المحلات الأمريكيية والبريطانية مُلاكها يهود! فأقول لهم: نعم هذا صحيح، ولكن محلات (ماركس وسبنسر) بالذات تفتخر بتبرعاتها لليهود، وللمجهود الحربي الإسرائيلي، لدرجة أن هناك يهوداً معارضون لهذا المحل، ويقومون بمظاهرات؛ لأنهم يتبرعون للصهيونية من هذه المحلات، خاصة في بريطانيا، وأننا في زمن حرب معهم، فلا يجوز الشراء من محلاتهم. فما حكم الشراء من محلات ماركس وسبنسر؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 3611
رأيك هو الصواب، فلا يجوز الشراء من المحلات التجارية التي تدعم وتمول اليهود، بل يجب ويتعين مقاطعتها؛ لأن اليهود محاربون للمسلمين في كل مكان، إما حرباً عسكرية سياسية كما في فلسطين، أو حرباً سياسية واقتصادية على جميع الدول الإسلامية، وقد جاء في الأثر النهي عن بيع السلاح في الفتنة انظر ما رواه البخاري في كتاب: البيوع. باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها.، والمسلمون اليوم لا يصنعون السلاح فضلاً أن يبيعوه للكفار، وإنما المعنى إعانتهم اقتصادياً بتشجيع منتجاتهم، لا سيما إذا وجد المسلم ما يقوم مقامها فيحرم عليه شراؤها - وهذه فتوى كثير من العلماء اليوم في عامة الدول الإسلامية- وإذا كان في الشرع: "الدال على الخير كفاعله" رواه الترمذي (٢٦٧٠) من حديث أنس ﵁، فيكون عكسه كذلك، أي الدال على الشر والمعين عليه كفاعله، وخاصة في هذا العصر الذي تكالبت فيه الأعداء على المسلمين، وأذكركم بحديث رسول الله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"رواه أبو داود (٢٥٠٤) ، والنسائي (٣٠٦٩) من حديث أنس ﵁، وأعظم قتال يستطيعه المسلمون مع ضعفهم مقاطعة أعدائهم اقتصادياً، والرد على أقاويلهم وشبهاتهم في جميع وسائل الإعلام. والله أعلم.
стр. 3612
هل الإسلام يعلِّم العنف ؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٢/١/١٤٢٥هـ
السؤال
شخص نصراني يصر على أن الإسلام يعلِّم العنف، واستند إلى حديث الرجل الأعمى الذي قتل أم ولد كانت عنده؛ لأنها كانت تقع في النبي ﷺ فأهدر النبي ﷺ دمها، أرجو التكرم بشرح الحديث؟ وما دلالة هذا الحديث على ما يقول الرجل النصراني؟.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
стр. 3613
الحديث أخرجه أبو داود (٤٣٦١) والنسائي (٧ / ١٠٧) من طريق إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَال: َ حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ عن عِكْرِمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْمَى كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَسُبُّهُ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ذَكَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَقَعَتْ فِيهِ فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُهَا فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَجَمَعَ النَّاس، َ وَقَالَ أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا لِي عَلَيْهِ حَقٌّ فَعَلَ مَا فَعَلَ إِلَّا قَامَ فَأَقْبَلَ الْأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً رَفِيقَة، ً وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِيكَ وَتَشْتُمُكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ الْبَارِحَةُ ذَكَرْتُكَ فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"، ورجال إسناد هذا الحديث ثقات، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٣٩٤) ، من طريق إسرائيل به وقال: هذا حديث صحيح الإسناد
стр. 3614
على شرط مسلم ولم يخرجاه. وهذه القصة يمكن أن تكون هي التي جاء ذكرها مختصرة فيما رواه الشعبي عن علي ﵁: أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. رواه أبو داود (٤٣٦٢) ، وفي رواية عن الشعبي قال: "كان رجل من المسلمين - يعني أعمى - يأوي إلى امرأة يهودية، فكانت تطعمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي ﷺ وتؤذيه، فلما كان ليلة من الليالي خنقها فماتت، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ ، فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر أمرها فأبطل النبي ﷺ -دمها.
وقوله في الحديث أم ولد: يحتمل أن تكون زوجة له أو مملوكة، والظاهر أنها كانت كافرة، وكان لها العهد بملك المسلم إياها أو بتزوجه بها، فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم أهل الذمة بالعصمة، ويبعد أن تكون مسلمة؛ لأن مثل هذا السب الدائم لا يفعله مسلم إلا عن ردة.
стр. 3615
"يزجرها": أي يمنعها "فلا تنزجر": أي فلا تمتنع. "المِغْوَل": بالغين المعجمة: سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطيه، وقيل: حديدة لها حد ماض. وفي رواية: "معول" وهي: آلة حديدية تستعمل للحفر في الأرض أو الجبل فاتكأ عليها: أي تحامل عليها، "أنشد الله رجلاً": أي أسأله بالله وأقسم عليه "يتدلدل": أي يضطرب في مشيه، "دمها هدر": الهدر الذي لا يضمن بقصاص ولا دية ولا كفارة، وقد استُدِلَ بهذا الحديث أن الذمي يقتل إذا سب الرسول ﷺ ، وينتقض عهده بذلك حيث أهدر النبي ﷺ دم هذه المرأة وأبطله، ويظهر أن هذه المرأة كانت ذمية، وكانت تكثر الوقيعة بالرسول- ﷺ ، وكانت أم ولد لهذا الرجل الأعمى فينهاها ويزجرها فلا تنتهي ولا تنزجر فعند ذلك قتلها، قال ابن تيمية: وهذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكة له، وعلى التقديرين فلو لم يكن قتلها جائزاً لبيَّن النبي ﷺ له أن قتلها كان محرماً، وأن دمها كان معصوماً..... فلما قال: " اشهدوا أن دمها هدر"، والهدر الذي لا يضمن ولا دية ولا كفارة علم أنه كان مباحاً مع كونها ذمية، فعلم أن السب أباح دمها، لاسيما والنبي ﷺ إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السب، فعلم أنه الموجب لذلك، والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك.
قال السندي: وفيه دليل على أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله فلا ذمة له فيحل قتله والله أعلم.
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع أن ساب الرسول ﷺ -إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان ذميًّا فإنه يقتل أيضاً في مذهب مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث.
стр. 3616
قال ابن حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم الرسول ﷺ أو تنقصه - مسلماً كان أو كافراً - فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب، وقال: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثاً مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة، وكذلك قال أبو الصفراء: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم الرسول ﷺ ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم النبي ﷺ مسلماً كان أو كافراً، وقال في رواية عبد الله وأبي طالب، وقد سئل عن شتم النبي ﷺ قال: يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم أحاديث كثيرة منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة، قال: سمعتها تشتم النبي ﷺ .
стр. 3617
ومن خلال ما سبق يتبين أن هذه المرأة التي سبت الرسول وأكثرت الوقيعة فيه قد نقضت عهدها وأصبحت غير معصومة الدم فحل قتلها، وأما كون هذا الرجل هو الذي باشر قتلها؛ فهي إن كانت مملوكة له فقد جاء ما يدل أن السيد له أن يقيم الحد على أرقائه كما جاء في الحديث: " أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " أخرجه أحمد (٦٩٨) ، وفي صحيح مسلم (١٧٠٥) خَطَبَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ ... "، وإن كانت زوجة ذمية فيكون هذا الرجل قد حملته غيرته الدينية على قتلها، حيث لم يصبر لما أكثرت من سب الرسول والوقيعة فيه ﷺ وهو ينهاها ويزجرها فلم تستجب، ولما علم الرسول ﷺ بذلك جمع الناس، وبحث عن قاتلها حتى أخبره هذا الرجل بما حدث وصدقه الرسول ﷺ بما قال، والرسول ﷺ ليس كغيره فهو مؤيدٌ بالوحي من الله، والحاصل أن هذه القصة ليس فيها ما يدل على العنف، بل إن هذه المرأة فعلت ما يوجب القتل؛ لأن سب الرسول ﷺ معناه الاستخفاف والاستهانة به وتكذيب ما جاء به....؛ فإن صدر من مسلم فهو كفر وردة، وإن صدر من ذمي فهو نقض للعهد.
стр. 3618
يقول ابن تيمية: إن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق: حق الله سبحانه من حيث كَفَرَ برسوله ﷺ ، وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه فإن صحتهما موقوفةٌ على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته فإن الطعن في الرسول ﷺ طعن في المرسِلِ وتكذيبه تكذيبٌ لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته، وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة، ومن غيرها من الأمم فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصاً أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين، وتعلق به حق رسول الله ﷺ من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصاً من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعُلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإن هتك عرضه قد يكون أعظم عنده من قتله، فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره، كما أن موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عِرْضِه فإنهاقد تؤثر في نفوس بعض الناس من النُّفرة عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة.
стр. 3619
والأصل أن إقامة الحدود والقصاص والجنايات إلى السلطان؛ فقد كانت الحوادث ترفع إلى النبي ﷺ ثم إلى خلفائه من بعده. وما وقع في هذه الحادثة من النوادر والمتأمل - بعين الإنصاف والبعد عن الهوى والمقاصد السيئة - في تشريعات الإسلام وأحكامه يجد أنها مبنية على الرحمة والعدل والإحسان والرفق، قال الله :
стр. 3620
"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ" [النحل: ٩٠] ، وجاءت الشريعة بحفظ الأنفس والأموال والأعراض والوفاء بالعهود والمواثيق، ففي حجة الوداع قال النبي ﷺ : "أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا " أخرجه أحمد ح (١٨١٩٨) ، وفي بعض غزوات النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. أخرجه البخاري (٣٠١٥) ، ومسلم (١٧٤٤) ، وأخرج البخاري (٣١٦٦) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا "وكان النبي ﷺ يتألف أهل الكتاب ولا يقابل إساءتهم بالعقوبة؛ فعن أنس ﵁ قال مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَعَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ قَالَ: لَا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ. أخرجه البخاري (٦٩٢٦) ، وفي الصحيحين البخاري (٦٠٢٤) ، ومسلم (٢١٦٥) من حديث عَائِشَةَ
стр. 3621
-﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ"، والسام: هو الدعاء بالموت، وقد تركهم النبي ﷺ ولم يعاقبهم لمصلحة تأليفهم، ولأن هذا القول منهم ليس بصريحٍ في السب بل هو دعاء بالموت الذي لا بد منه والله أعلم.
وإن كان بعض العلماء استدل بحديث أنس وعائشة ﵄ على أن أهل الذمة لا يقتلون بمجرد السب للنبي ﷺ ؛ لأن ما هم فيه من الكفر أعظم، وهو قول الكوفيين وأبي حنيفة والثوري، ولعلهم لا يرون صحة ما جاء في حديث الأعمى لاسيما وأن مداره على عثمان الشحام وهو وإن كان بعض الأئمة وثقه، فقد تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان، فقال: عثمان الشحام تعرف وتنكر ولم يكن عندي بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي.
والله أعلم، هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 3622
هل يطرد اليهود من منتداه ؟
المجيب د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٤/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا مشرف عام على منتدى كبير، وهذا المنتدى تقنيٌّ بحت، أي لا يبحث أي مواضيع خارجة عن المواضيع التِّقنية، مثل المواضيع الدينية أو غيرها، طبعًا هو منتدى مفتوح للجميع، ويشترك لدينا بعض العرب من النصارى، وأحيانًا يهود، يضغط عليَّ بعض الأعضاء ويطالبونني بطردهم، وأنا أقول: ما دمنا لم نر منهم أي سوء ولم يتعدوا أبدًا على الإسلام، فلماذا يتم طردهم؟ يقول: إن مجرد السماح لهم بالاشتراك والسماح لهم بالاستفادة من معلومات المنتدى هو تعاون معهم، ولا يجوز, وأنت آثم عليه! فأردت تبرئةً للذمة استفتاءكم....هل أقوم بطردهم؟ أفيدوني مأجورين.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فإن التعاون في المواضيع المفيدة كتعاون أصحاب الاختصاص الواحد، كالأطباء مثلاً، أو المهندسين هو أمر طيب، ولا يشترط أن يكونوا جميعًا مسلمين، بل هذا التعاون من البر الذي يأمرنا به ديننا حتى مع الكفار غير المعادين؛ (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨] .
ولا يخفى فوائد هذه المنتديات من الناحية التقنية، وهي خير مثال على خلق المسلم واهتمامه بالعلم وتقديمه لمن يحتاجه، وهي تعطي صورة خيرة للمسلم الحق، وربما أدت إلى هداية غير المسلمين.
стр. 3623
وأما إذا تبين أن المستفيد من هذه التقنيات يسيء استخدامها أو يصدر منهم ما يسيء إلى ديننا فإنه في هذه الحالة يتعامل معهم بما أمر به ديننا من نصحهم وبيان الحق لهم، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، وإذا لم يفلح معه ذلك وتكررت منه الإساءة وكانت هذه المعلومات عونًا له على الإثم والعدوان فلا يسوغ تقديمها له بل يحجب عنها؛ لقوله سبحانه: (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .
نسأل الله تعالى- كل خير، وأن يوفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 3624
السرقة من اليهود
المجيب د. عبد الغني بن أحمد التميمي
أستاذ في السنة وعلومها
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٠/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
شيخنا الفاضل: تعلمون الأوضاع السائدة في فلسطين، احتلال، وقهر، وتعذيب ... وأيضاً لدينا عمال يعملون داخل الخط الأخضر عند متعهدين يهود. ما حكم سرقة اليهود في فلسطين بشكل عام، وسرقة هذه العمالة من الذين استأمنوهم بشكل خاص؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأخ السائل:
أولاً: لا يجوز دعم اليهود المحاربين المغتصبين بأي نوع من أنواع الدعم أو ما يتقوون به على المسلمين.
ثانياً: من ذلك العمل في مصانعهم أو مزارعهم، أو غيره؛ لأن ذلك يصب ضمن معاونتهم، ويؤدي إلى موالاتهم ومحبتهم، والتآلف والتعايش معهم.
ثالثاً: لا تجوز سرقتهم بشكل عام؛ لأن هذه ليست من أساليب جهادهم وإضعافهم، بل المقصود بها نفع نفسه لا إضعاف عدوه، إلا غذاء كان ضمن خطة تتفق عليها فصائل المقاومة أو بعضها.
رابعاً: من أؤتمن على عمل أو مصلحة أو نحوها لا يجوز أن يخون أمانته، ولو مع حربي، لقول النبي ﷺ :"أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" والله -تعالى- أعلم.
стр. 3625
القبض على المجاهدين وتعذيبهم
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٩/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
ما حكم من يقبض على مجاهد ترك ماله وعمله وبيته وأولاده وملذات الدنيا ومغرياتها، وذهب ليجاهد مع إخوانه في العراق ضد اليهود والنصارى، وقد سفكوا دماء إخوانه المسلمين، وانتهكوا أعراض أخواته المسلمات، وعذبوا ونكل بهم، هل يجوز منعه وسجنه وتعذيبه لأنه اختار طريق الجهاد؟ بينما تفرش الأرض، وتوزع الهدايا، ويمجد المغني الماجن أو اللاعب وغيرهما؟!
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 3626
يجب أن يُعلم أن دعوة الكافر إلى الإسلام بتألُّفه وتعريفه بأحكام الشرع ومقاصده، مقدم على قتله ومقاتلته، ودعوته إلى الإسلام قبل القتال أو بعده لا يقل أجرها عن أجر قتله إذا امتنع عن الإسلام ففي الحديث: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن أنْ يَكُونُ لَكَ حُمْرُ النَّعَمْ". أخرجه البخاري (٣٧٠١) ومسلم (٢٤٠٦) . ومن المعلوم في أحكام الجهاد أن الكافر متى رغب في الدخول في الدين أو نطق بالشهادة، وجب الكف عن قتاله، وتأمينه حتى يسمع كلام الله، ولا يجوز التشكيك في قصده؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .) [النساء: من الآية٩٤] . أما إذا بدأ العدو المسلمين بالقتال أو لم يقبل دعوة الحق التي عرضت عليه وجب قتله ومقاتلته؛ (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة: ١٩٠- ١٩١] . ولاشك أن قتال أمريكا وحلفائها في العراق قتال مشروع وعمل مبرور، ومن قتله الأمريكان وحلفاؤها من المسلمين فله أجر شهيدين- إن شاء الله- كما جاء في حديث قيس بن شماس، في سنن أبي داود (٢٤٨٨) : لما جاءت أم خلاد تسأل عن ابنها وهو مقتولٌ، فقال لها رسول الله ﷺ : "ابْنُكَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". قالت: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ فقال: "لَأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ". فالله الله يا أهل العراق خاصة، أثخنوا في الأمريكان قتلًا وأسرًا، ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم؛ (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا
стр. 3627
أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. . .) [محمد: من الآية٤] . واحذروا أن يوقع عدوكم الفتنة بينكم فيقتل بعضكم بعضًا، فإنكم مهما اختلفت توجهاتكم تقفون اليوم أمام عدو مشترك يريد أن يستأصل شأفتكم، ويأخذ خيراتكم، ويفسد عليكم دينكم ودنياكم، والله يقول لعباده المؤمنين: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: ٤٦] .
стр. 3628
أما الشباب غير العراقيين فلا أنصح بذهابهم للقتال هناك، وإنما عليهم العمل بنصرة إخوانهم، وهم مقيمون في أوطانهم بما يستطيعونه من مال أو رأي ومشورة، أو دعاء، أو طعام ودواء، فنصرتهم بهذه الأمور أهم وأولى من الذهاب للقتال معهم، فهم إلى الدعم بهذه الأمور أحوج من غيرها، ويجب أن نستفيد- معشر المسلمين- من واقع الجهاد في أفغانستان مع الاتحاد السوفيتي، ولقد كان قادة المجاهدين آنذاك (رباني وسيَّاف وحكمت يار) يقولون: لسنا بحاجة للرجال غير الأفغان، وإنما نحن بحاجة ماسة إلى الدعم بالمال والدعاء. فكان هذا عين الصواب والحكمة، وليته تم- غير أن حماس شباب العرب وعاطفتهم طغت على حكمة وشجاعة العجم، فكان ما كان مما أصاب العالم كله والمسلمين خاصة حكومات وشعوبًا مما لا يجهله اليوم إنسان، لقد اجتيح بسبب هذا في مدة وجيزة دولتان (أفغانستان والعراق) ، قتل وجرح، وشرد فيها مئات الألوف من الأنفس البريئة، علاوة على انتهاك الأعراض وإفساد الأموال والممتلكات ما الله به عليم، ولا يزال الحبل على الجرار، فالدور قادم- إلا أن يشاء الله- على دول الجوار، وكل ما حصل ويحصل للمسلمين من كل مكان من الذل والهوان والتخلف إنما هو بسبب المعاصي والذنوب من عامة الحكومات والشعوب، وصدق الله العظيم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرعد: من الآية١١] . ومن أعظم هذه المعاصي الجهل بالدين والدنيا معًا، وأعظم الجهل بالدين الجهل بتوحيد الله من بناء الأضرحة على القبور والدعاء عندها، والطواف عليها، وتشريع القوانين والأنظمة بتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرم الله، والحكم بها والتحاكم إليها، وهذا الجهل له مظهران:
(١) مظهر روحي شخصي- بفضل الله أمسكناه.
стр. 3629
(٢) وآخر مدني- مع الأسف فرطنا به وأضعناه، فراح بعضنا يبكيه، والبعض الآخر جاهل به، معرض عنه كأنه لا يعنيه، أو ما يدري هؤلاء وأولئك أن جهلهم بأحكام أدى بهم إلى رهبانية كرهبانية النصارى؛ (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) . فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يتناصحون فيما يصلح العباد والبلاد من أمور الحياة كالطب والهندسة، والصناعة، والزراعة، وسائر الخدمات الضرورية، ونتيجة جهلهم بالدين أخرجوها منه قولًا وفعلًا، وحصروه بمظاهر العبادة من صلاة وصيام، وصدقة، وإحسان، بل راح بعض الناس نتيجة جهله ينظر إلى أن كثرة ورود النصوص الشرعية في موضوع ما، وقلتها في موضوع آخر تدل على أهمية هذا على ذاك، وتقديمه عليه لكثرة ما ورد فيه من نصوص؛ كالجهاد في سبيل الله ورد فيه من النصوص الشرعية من القرآن والسنة ما يكاد يساوي أو يزيد على ما ورد في الصلاة والزكاة، مع أنهما من أركان الإسلام، وإذا كانت الصلاة عماد الدين فإن الجهاد فرع عنها لا يصح إلا بها، وأيضًا لو كانت الكثرة والقلة مقياسًا للأهمية لكان السواك للناس أهم من الشورى، ومعرفة المواريث أهم من دراسة الطب، وإعفاء اللحية أولى من الزراعة والصناعة، وهكذا، فالشورى والطب والهندسة والصناعة، والزراعة لم يرد فيها من النصوص الشرعية مجتمعة عشر ما ورد في صدقة التطوع، مع أن تعلم مثل هذه الفنون وتعليمها من فروض الكفاية، لو أجمع أهل بلد على ترك واحد منها وجب على الحاكم الشرعي قتالهم، بخلاف لو تركوا صدقة التطوع، لقد بلغت الحماسة والغيرة عند الشباب مبلغها حتى غطت على العقل والروية- أو كادت- فراحوا يأخذون بفتاوى العلماء السابقين، وكأنهم يعيشون تحت ظل الخلافة الراشدة أو بعدها حين كان هارون الرشيد يخاطب السحابة: (أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك) . ونسوا أنهم يعيشون زمن الضعف والفرقة، ففي كل شبر من المعمورة أمير للمؤمنين ومنبر، إن أول ما يصطدم به هؤلاء الشباب إغلاق الحدود
стр. 3630
أمامهم، فلا يمكن لهم أن يعبروها إلى دولة أخرى دون جواز وتأشيرة، ولن يستطيعوا الحصول عليها إلا بعد تعب واحتيال وتعريض أنفسهم للسجن والتعذيب قبل خروجهم أو بعد عودتهم إن عادوا، وإن كان الأولى عدم الخروج من بلادهم؛ غير أن سجنهم وتعذيبهم لو خرجوا حرام لا يجوز، قد يكون نصرة للعدو وصدًّا عن سبيل الله مؤذنًا بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٨] . والله أعلم.
стр. 3631
حراسة المسلم للكافر
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٠٩/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
عرض ابن عم زوجي - وهو غير مسلم- عملاً على زوجي، بأن يكون له حارساً شخصياً ليتولى حمايته، هل يجوز لزوجي قبول مثل هذا العمل؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
يجوز للمسلم أن يعمل عند الكافر أجيراً وعكسه كذلك، مثال الأول فعل النبي ﷺ وصحابته ﵃ مع المشركين وعامة الكفار، فقد كانوا يبايعونهم ويؤاجرونهم، فآجر علي بن أبي طالب ﵁ نفسه من كافر ليسقي له كل يوم بتمرة. انظر: الترمذي (٢٤٧٣) ، ومات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير. انظر: البخاري (٢٩١٦) ، ومسلم (١٦٠٣) ، ومثال الثاني: استئجار النبي ﷺ يوم الهجرة عبد الله بن أريقط وهو مشرك يومئذ ليدله الطريق. انظر: البخاري (٢٢٦٣) ، وعلى هذا يجوز لزوجك أن يعمل عند ابن عمه حارساً له ولو كان كافرا، وكذلك عكسه ما دام أميناً ويأمنه على نفسه. والله أعلم.
стр. 3632
اختطاف الأجانب وقتلهم
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٣٠/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
لقد ظهرت في الآونة الأخيرة عمليات قتل الأجانب واختطافهم داخل البلاد الإسلامية، وآخرها ما حصل في الرياض، فما رأي فضيلتكم بمثل هذه الأعمال؟
الجواب
لقد سمعنا وقرأنا ما نادت به هذه الفئة الضالة المجرمة من اختطاف أحد الأمريكان المستأمنين في الرياض، وتهديدهم بقتله في موعد حددوه إن لم تُستجَب مطالبهم، وهذا فعل شنيع وجريمة نكراء يأباها الشرع والعقل والشهامة والرجولة والعرف، أما الشرع فيحرم قتل النفس المعصومة إلا بحقها، فهذا الرجل الأجنبي المختطف دخل البلاد بعهد وأمان، ففي صحيح البخاري (٣١٦٦) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" وكل الأجانب - غير المسلمين - الذين يعملون في المملكة مستأمنون، قدموا واستقدموا لحاجتنا إليهم، يقول ابن القيم في كتابه أحكام الذمة: "المستأمن هو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها "يعني إقامة دائمة"، وهم أربعة أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام، وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء (الأصناف) ، ألا ينافروا ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، ويعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنة ألحق به" أ. هـ.
стр. 3633
أما العقل السليم فلا يفارق الشرع، بل هو ملازم له في كل حال، فالعقل الصريح مع النقل الصحيح دوما وأبداً، أما العقل البليد الأحمق فهو ينأى عن الحق والهدى، أما الشهامة والرجولة فلا تجتمع مع الخيانة والغدر. فما ذنب هذا المستأمن البريء يؤخذ بجريرة غيره والله - تعالى - يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" [الأنعام:١٦٤] .
والعرف المحمود ضمن دائرة الشرع، والقاعدة تقول: (ما عرف عرفاً كما اشترط شرطاً) وإكرام الغريب واحترامه معلوم في تاريخ الأمة العربية في الجاهلية والإسلام، ففي الجاهلية كانت تقوم الحروب بين القبائل عندما تمس كرامة الضيف والغريب، ثم جاء الإسلام، ودعا إلى إكرام الغريب، بل ودعوته وتعليمه الإسلام إن رغب ذلك دون إكراه، قال -تعالى-: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" [التوبة:٦] .
стр. 3634
فأين هؤلاء القتلة قساة القلوب من هذه النصوص الشرعية من القرآن والسنة؟ إن كانوا يقصدون الخير -كما يزعمون- فإن قتل الأبرياء أو ترويعهم، وتضييع وإهدار الأموال المعصومة بعصمة دماء أهلها لمن أعظم الفساد في الأرض الذي لا ينفع معه عمل ما لم يتب صاحبه منه توبة نصوحاً. وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويتعين على ولي الأمر تطبيق شرع الله على من قبض عليه متلبساً في القتل أو الفساد، وعدم المساس بمن تاب وأقلع قبل أن يقبض عليه، وإننا لنناشد العقلاء من هؤلاء الشباب الرجوع إلى الصواب، كما نناشد ولاة الأمر بتطبيق آية الحرابة على المتلبسين بالجريمة، والعفو عمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، وعلينا جميعاً أن نتأمل كلام الله ونقف عنده نحكم به ونتحاكم إليه، قال - تعالى -: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" [المائدة:٣٣-٣٤] ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة لما عفا في فتح مكة عمن أشرك بالله وقاتل المسلمين، لما قال لهم: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلام فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.."رواه مسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال- ﷺ :"اذهبوا فأنتم الطلقاء" رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/١١٨) .
اللهم ارزقنا الأمان واهدنا سواء الصراط. آمين.
стр. 3635
السرقة من دار الكفر
المجيب خالد بن عبد الله البشر
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ١/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
ما تقولون فيمن يدعون جواز السرقة من دار الحرب، هل لهم في ذلك دليل من السنة، ومن أين جاءوا بمثل هذا الحكم (أنه يجب بذل الخمس من المبالغ المسروقة) . هل لذلك ذكر في السنة؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
السرقة كبيرة من كبائر الذنوب لا تجوز بأي حال من الأحوال، ولا تجوز السرقة من الكافر، كما لا تجوز من المسلم، ولا تجوز السرقة من دار الكفر، كما لا تجوز من دار الإسلام؛ لأن اختلاف الدار لا يُحل الحرام كما بيناه في جوابنا على سؤال سابق (دار الحرب) . أما الذين أجازوا لأنفسهم جواز السرقة من دار الكفر فقد بنوا هذا على ظنهم الفاسد، وأن ما يأخذونه هو في حكم الغنيمة التي يغنمها المسلمون باستيلائهم على أموال دار الحرب، فإن إمام المسلمين إذا أخذ مال حربي قهراً بقتال فإنه يخرج من هذه الغنيمة الخُمُس الذي لله ولرسوله- ﷺ وهو سهم لقرابة النبي ﷺ واليتامى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ثم يقسم الإمام الأخماس الأربعة الباقية على المقاتلين. كما في قول الله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ... " [الأنفال:٤١] .
يظهر لنا أن الأموال المأخوذة من دار الحرب تكون بطريق القتال، والذي يتولاها إمام المسلمين أخذاً وتوزيعاً. هذه هي الطريقة الشرعية في أموال الحربيين.
وأما ما يقوم به بعض المسلمين - هداهم الله - في بلاد الكفر من استحلال السرقة من أموال تلك البلاد، ثم يُخرجون الخُمُس من هذه الأموال مخرج الغنيمة، فهذا الفعل معصية وجريمة، واستحلال لما حرم الله من السرقة، ونقض للعهد والميثاق الذي دخلوا به تلك البلاد. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 3636
هل هذا من موالاة الكفار ؟
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ١٠/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
يعمل أخي في معسكر للقوات المتعددة الجنسيات بسيناء، والذي وضع بعد اتفاقية السلام بين مصر واليهود، ومن المعلوم أن هذا المعسكر يأخذ طابع الجيش الأمريكي حتى في زي الجنود، وقد استمعت أخيراً أنه لا يجوز العمل في المعسكرات، فهل من أصر على العمل معهم بحجة أنه يتقاضى راتباً عالياً أو بحجة أنه لا يعاونهم على المسلمين يعتبر قد تولاهم من دون المؤمنين، وبالتالي ارتد عن الإسلام، أم هل هناك تفصيل في المسألة؟.أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 3637
من أعان العدو على قتل المسلمين أو إيذائهم، فقد ارتكب إثماً عظيماً وجرماً كبيراً، لا يكفِّره إلا التوبة، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل" [الممتحنة:١] ، فالآية وسبب نزولها في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ كما هو معلوم-انظر صحيح البخاري (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤) فتشمل الآية كل من أعان كافراً أو عدواً على مسلم لقاء مصلحة مادية يتكسب من ورائها حتى ولو كان يبغض هؤلاء الكفار ودينهم وقلبه مطمئن بالإيمان الصحيح. أما وصف من هذه حاله بالسؤال: بأنه والى الكفار بعمله فنعم، ولكن موالاة الكفار المحرمة والموجبة للردة عن الإسلام هي الموالاة القلبية سواء ظهرت على الجوارح بنطق أو فعل أو لم تظهر، أما الموالاة الفعلية دون اعتقاد القلب فليست بردة عن الدين، ولكنها كبيرة من كبائر الذنوب، وإذا كانت إعانة للكافر في قتل أو أذى مسلم فيستحق بها العقوبة المناسبة لفعله حسب حكم الحاكم الشرعي فيها، وإذا كان عمل المسلم في مثل هذه المعسكرات ليس بذي أثر في تقوية العدو على المسلمين أثناء الحرب كأن يكون حارساً أو سائقاً ينقل لهم الماء والطعام، ونحو ذلك، ولم يجد له عملاً يعول منه نفسه وأهله - فلا بأس عليه في هذا إن شاء الله- على أن يكون حريصاً على البحث عن عمل آخر لا يلحقه منه إثم أو ضرر. والله أعلم.
стр. 3638
هل يناقض معاداة الكفار اللعبُ معهم ؟!
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٢٥/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
كنت ألعب كرة القدم مع بعض الإخوة، وقد قام بعض الإخوة بدعوة بعض الشباب من الكفار للعب معنا، وقد حصل أن غضب بعض الإخوة وكرهوا أن يلعب الكفار معنا؛ لأن المسلمين يجب ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، وعلى هذا فلا يجوز اللعب معهم، لكن إخوة آخرين قالوا: إن هذا يدعونا لدعوتهم إلى ديننا وهم يلعبون معنا، فما رأيكم في الموقف السديد في هذا الأمر؟ ونرجو أن يكون ذلك بالأدلة الواضحة.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 3639
لقد نهى الله عن موالاة الكفار نهيًا صريحًا، ولكن ليس من التولي في شيء اللعب معهم والتبسم لهم، ومخالقتهم بالخلق الحسن، كما ليس من مقتضى البراءة منهم أن نظلمهم ونسيء إليهم ونُضارّهم ونمنعهم حقهم، وإنما توجب البراءة كره ما هم عليه من الكفر، وموالاتهم المحرمة هي إعانتهم على المسلمين وحب ظهورهم على الإسلام وأهله، أو حمايتهم من المسلمين إذا طلبوهم بحق. وأما الإحسان إليهم والتحبب إليهم بكريم الأخلاق والمعاملة بالحسنى والبشاشة في وجوههم، بقصد تحبيبهم إلى الإسلام ودعوتهم إليه فهو مشروع، وعلى ذلك يدل هدي النبي ﷺ ، فقد عاد جاره اليهودي وأهداه. أخرجه البخاري (١٣٥٦) . كما يدل على مشروعيته قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة: ٨] . والشاهد قوله: "أن تَبَرّوهم"، وعموم قوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِيهِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥] . والدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه لا ينحصر طريقه بالخطاب الوعظي المباشر، بل له طرقه المتشعبة إن لم يُجدِ بعضها أجدى بعضها الآخر، منها الخطاب الوعظي المباشر، ومنها كذلك التودد والإحسان، والتلطف والترغيب بالإهداء والإرفاق والممازحة، والإعانة، والإغاثة، ونحن نعجب ممن يعيش بين ظهراني المشركين وهو يريد أن يعتزلهم اعتزالاً تامًّا، ظنًّا منه أن هذا هو مقتضى البراءة، ويتحرج أن يشاركهم بعض المشاركة المباحة كاللعب والخوض معهم في بعض الأحاديث تقوية للعلاقة ونفوذًا إلى قلوبهم! وتأمل كيف أن الله لم ينهنا عن القعود مع الذين يخوضون في آياته بالاستهزاء واللمز إذا خاضوا في أحاديث أخرى لا تمس الدين بسخرية، ولا المؤمنين بأذى؛ "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
стр. 3640
الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... ) [النساء:١٤٠] . وقال الله: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... ) [الأنعام: ٦٨] . ومفهوم هذا جواز أن يقعد معهم إذا خاضوا في غير الكفر.
والحاصل: أن اللعب مع الكفار ليس من التولي ولا من الموالاة المنهي عنها، بل هي علاقة مباحة بريئة، ويؤجر عليها من يتخذها طريقًا ينفذ من خلاله إلى قلوبهم، فيحبّبهم إلى الإسلام بأخلاقه وتعامله وإحسانه وتلطفه، والنية الصالحة أساس كل عمل صالح، وقد تبلغ النية الصالحة مبلغ العمل الصالح نفسه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3641
هل كان في عهد الرسول الله ﷺ جواسيس ؟
المجيب د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ١٩/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
هل كان في عهد الرسول ﷺ جهاز مباحث عامة؟ وما تفسير الآية: "ولا تجسسوا ... ؟ ".
الجواب
الحمد لله، وبعد: فإن الإعداد والاستعداد للجهاد ومواجهة الأعداء يتطلب أن يكون بين يدي القائد معلومات صحيحة صادقة سليمة عن الأعداء من حيث كفاءتهم القتالية، وأسلحتهم، وأساليب قتالهم، ومصادر قوتهم وأهدافهم،... إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية من أجل التخطيط للمعركة، وعملية جمع تلك المعلومات تسمى (الاستطلاع) ، ويقوم بها عادة أفراد أو دوريات قليلة العدد، يتّسم الواحد منهم بالصبر، والتحمل، والانضباط، والشجاعة، والذكاء، ويحرصون على أداء مهمتهم بسرية تامة ويتجنبون القتال.
وقد كان هذا واقعاً عملياً في حروب النبي ﷺ فقد كان يُعنى أشد العناية بهذه الناحية، وله في ذلك فراسة هي مضرب الأمثال في هذا المجال، ففي غزوة بدر - مثلاً - عندما وجد شيخاً من العرب عند أحد المياه سأله عن قريش وعن محمد، ليعرف الأخبار عن قريش، انظر ما رواه أحمد في مسنده (٩٥١) من حديث علي ﵁-
стр. 3642
وكان رسول الله ﷺ قد بعث بَسْبَسَ بن عمرو ﵁ عيناً (متجسساً ورقيباً) ينظر ما صنعت عِيْر أبي سفيان ﵁، فجاء وما في البيت عند رسول الله ﷺ أحد غير أنس بن مالك ﵁، فحدَّثَه الحديث، أي خبر أبي سفيان ﵁ والعِيْر، انظر ما رواه مسلم (١٩٠١) من حديث أنس ﵁. وعندما عسكر بأصحابه ﵃ عند ماء بدر بعث ثلاثة من رجاله المعتمدين، هم الزُّبَيْرُ بن العوَّام، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وسعدُ بن أبي وقَّاصٍ ﵃، على رأس جماعة من المسلمين؛ ليستطلعوا جليَّة الأخبار ويعرفوا شيئاً عن مصير قافلة أبي سفيان ﵁، فقبضوا على اثنين من سقاة قريش، جاءوا بهما إلى رسول الله ﵁ معتقدين أنهما من أتباع أبي سفيان ﵁، إلا أنهما أكدا انتماءهما للجيش القرشي الذي يعسكر الآن قريباً من المسلمين، تحجبهم التلال والكثبان عنهم، وضربوهما ظناً منهما أنهما يكذبان ... وكان ﷺ يصلي، فلما سلَّم، قال لهم: إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صَدَقا والله، إنهما لِقريش، أخبِراني عن قريش؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدْوَة القصوى. فقال رسول الله ﷺ : "كم القوم؟ " قالا: كثير، قال: "ما عِدَّتُهم؟ " قالا: لا ندري. قال: "كم ينحرون من الإبل كل يوم؟ " قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال رسول الله ﷺ : "القوم ما بين التسعمائة والألف"، قال لهم: "فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قالا: عُتْبَةُ بن ربيعة، وشَيْبَةُ بن ربيعة، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام، وحكيم بن حِزَام، بل إن الاهتمام بمعرفة أخبار العدو، تمتد إلى ما قبل هذه الغزوة حيث كان للنبي ﷺ من يستطلع له أخبار مكة، وهم جماعة بقيادة عمه العباس بن عبد المطلب -
стр. 3643
رضي الله عنه- الذي كان ـ فيما يبدو ـ يخفي إسلامه، وبشير بن سفيان العَتَكِيُّ، وكانت هذه الجماعة وكأنها تعمل في سرِّية تامة، كانت مثالاً عفاً كريماً لما تذهب إليه، وكانت أعمالها محصورة فيما ينبغي معرفته عن العدو بطرق شريفة لا تتنافى مع الخلق والشرع، ومن ذلك: الإشراف على المؤمنين سراً في مكة، وبث الدعوة سراً، والقيام بمهمة المراسلة، والتبليغ بين المهاجرين في المدينة وذويهم في مكة، وبين النبي ﷺ وبين المؤمنين الأخفياء في مكة، وجمع الأخبار الصادقة وتبليغها للنبي- ﷺ بدقة ونظام، وفي غزوة الأحزاب أيضاً أراد ﷺ أن يكشف خبر قريِظة فقد روى البخاري (٢٨٤٦) ، ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير-﵁: أنا، ـ ثلاثاً ـ ثمَّ قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواريَّاً وحواريَّ الزبير"، ثمَّ ذهب الزبير-﵁ إلى قريظة مرتين أو ثلاثاً، بكل حذر؛ حتى لا يعرف أمره أحد، لذلك عندما سأله ابنه عبد الله قائلاً: رأيتك تختلف إلى قريظة؟! قال له ﵁: أو هل رأيتني يا بني؟ قال: نعم. ولما اشتد الحصار على المسلمين وتمالأت عليهم الطوائف، ثمَّ وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى وأرسل الله -تعالى- عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة، انتدب النبي ﷺ من يأتيه بخبر قريش، فانتدب له حذيفة بن اليمان-﵁ بعد تكراره طلب ذلك، وقال له: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يصنعون ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا، فذهب ودخل ـ في قصة مشهورة تعتبر من أروع الأمثلة في التعرف على العدو واليقظة والحذر ـ فلما قال أبو سفيان، وقتها: يا معشر قريش لينظر كل امرئ مَنْ جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من
стр. 3644
أنت؟ قال: فلان بن فلان، وفي هذا أكبر التمويه على هذه العملية الفدائية بحق، انظر ما رواه مسلم (١٧٨٨) ، وأحمد في مسنده (٣٣٣٣٤) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.
وهكذا كانت عادته ﵊ في كل غزواته، أن يكثر من العيون التي تأتي له بالأخبار، حتى إنه أمر زيد بن ثابت ت-﵁ أن يتعلَّم لغة يهود وكتابتهم، وقال له: "إني لا آمن يهوداً على كتابي"، فلم يمرَّ نصف شهر حتى تعلم لغتهم وكتابتهم، كما في الحديث الذي رواه الترمذي (٢٧١٥) ، وأبو داود (٣٦٤٥) فكان يكتب إلى يهود، وإذا كتبوا إلى النبي ﷺ قرأ كتابهم، وفي هذا معرفة للعدو وتعرُّف على لغته ليمكن أيضاً الاطلاع على ما يكتبونه وما ينشرونه.
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الطلائع فقال: بعث النبي ﷺ طليعة. وكلُّ ما كان فيه قوة للمسلمين فله فضل كبير.
ولذلك نصَّ الفقهاء على أنه إذا عاقد الإمام واحداً من الكفار على أن يدلَّه على شيء من أسرار الكفار، أو أن يأتيه بخبر عنهم على أن يعطيه جعلاً على ذلك، فإنه يستحق هذه الجعالة. وهذا كله يدل على أصل عمل الاستخبارات في عهد الرسول ﷺ ومجال ذلك العمل ونطاقه. ولا يتنافى ذلك مع قوله تعالى: "ولا تجسسوا" [الحجرات:١٢] ؛ لأن النهي هنا عن البحث عن عيوب الناس من المسلمين، وعن المستور من أمورهم، وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها، والأحاديث الشريفة توضح ذلك وتبينه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3645
هل أذهب إلى الفلوجة ؟
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ ٠٤/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
لا يخفى عليكم ما يتعرض له إخواننا العراقيين في الفلوجة من القتل والتدمير والإبادة على يد الأمريكان وحلفاؤهم وإني أشعر بالخجل الشديد أن أبقى بين أهلي بينما إخواننا هناك يقاومون ويقاتلون....
وإني أسألكم بالله أن توجهوني توجيهًا تريدون به وجه الله والدار الآخرة، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، فهل ذهابي إلى الفلوجة خير لي ولهم، أم ماذا؟ أفتوني مأجورين.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإني أعتقد أن الدافع إلى هذه التساؤلات ما في نفوس هؤلاء الشباب من حرارة الغيرة، وشدة الحمية، وأشواق الشهادة، وأحتسب لمن كان كذلك البشرى النبوية "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"، ومن حق هؤلاء أن يصدقوا القول، ويمحضوا النصح، وتستبرأ لهم الذمم في الاجتهاد في بيان وجه الحق، والدلالة عليه، مستهدين الله مستعينين به.
فأولاً: إن مظاهر العدوان الغاشم والاحتلال السافر الأمريكي مستعلنة ظاهرة، وأبلغ من كل بلاغة، وأبين من كل بيان، رؤية المشاهد حية على الهواء، بحيث لا أحسب أن قلبًا فيه إيمان إلا وفيه حزن وألم لما يجري هناك، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
ثانيًا: إن النظرة إلى هذه القضايا وفي ظل هذه الأحداث تؤثر فيها مرارة الألم وحرارة الغضب، إلا أن الانقياد ينبغي أن يكون لدلائل الكتاب والسنة، ومقاصد الشريعة التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، مع فهم الظرف والواقع والمؤثرات الداخلية والخارجية وتداخلاتها، بعيدًا عن الانفعالات الوقتية والاندفاع مع ردة الفعل الآنية.
следующие страницы →