Полный текст (10 202 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ألا تحتمل آية التعدد الزواج بأكثر من أربع ؟!
المجيب محمد سالم بن عبد الودود (عدود)
رئيس المحكمة العيا بموريتانيا سابقاً، وعضو المجمع الفقهي بالرابطة والمؤتمر
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٠١/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
عندما قرأت الآية الكريمة: "مثنى وثلاث ورباع". فجمعتها وهو عدد أزواج النبي ﷺ فراودتني بعض الشكوك في تفسيرها، أرجو أن تقنعوني بما هو صحيح؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالآية المشار إليها هي قول الله تعالى: "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا" [النساء:٣] . والأعداد المذكورات في الآية معدولات عن الأعداد الأصليات للتكرير، والمعنى أن الفئة التي بإمكانها القيام بواجب امرأتين تنكح اثنتين، والتي تقدر أن تقوم بواجب ثلاث نسوة تنكح ثلاثا، والتي تقدر أن تقوم بواجب أربع تنكح أربعا.
وأهم الواجب للنساء: العدلُ بينهن، فإن خاف الرجل ألا يعدل فواحدة أو ما ملكت يمينه.
وقد فهم بعض الفقهاء نحو ما فهمتَ، فأجاز الجمع بين تسع، وقد نسب هذا الفهم إلى القاسم بن إبراهيم (من أئمة الشيعة) ، وإلى بعض الظاهرية.
وهذا الفهم مخالف للوضع العربي، وقد زيفت هذه المقالة، وأنكر علماء الشيعة نسبة هذا الفهم إلى الإمام المذكور؛ فقد جاء في البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن قاسم العنسي الصنعاني (٦/ ٢٣٧) : وتحرم الزيادة على الأربع لقوله تعالى "مثنى وثلاث ورباع" ... فأما الرواية عن القاسم فغير صحيحة".
كما صرح الإمام ابن حزم الظاهري -في المحلى (٩/٤٤١) - بتزييف هذا الفهم أيضا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 37
دلالة اختلاف التعبير عن الإرادة في قصة الخضر وموسى بـ (أردتُ، أردنا، أراد ربك)
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢١/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
أريد أن أسأل عن آخر سورة الكهف عندما فسر الخضر لسيدنا موسى ﵇ ما كان منه فقال في الأولى "أردت" وفي الثانية "أردنا" والثالثة "أراد ربك". فلماذا هذا التغير رغم أنه كله بإرادة الله؟ وشكراً.
الجواب
قول الخضر في الأولى: "فأردت" دلالة على أن ذلك ليس بإذن مباشر من الله ، وإنما هو باجتهاده.
والثانية: "فأردنا" إما أن يكون الكلام من الله وهو الأقرب، وإما من الخضر وانكشف له عن حال هذا الغلام بواسطة بعض الملائكة، فعبر عن نفسه وعن الملك، وإما أن ذلك منه على سبيل التواضع، قال الأخير ابن عاشور أحد المفسرين المعاصرين.
وأما الثالث: فهي إسناد الإرادة إلى الله مباشرة فلا إشكال فيه؛ لأن ذلك بأمره ووحيه . والله أعلم.
стр. 38
الفرق بين العام والسَّنة
المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٩/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
سؤالي هو: قال تعالى "فلبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً" لماذا فرق بين السنة والعام مع أنهما مسمى واحد؟ ولكم الشكر سلفاً وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، في ذلك جواب معروف، وهو أن العام والسنة يطلقان على زمن واحد من حيث عدد الشهور، غير أن العرب تستعمل كلمة: (العام) إذا كان عام رخاء في العين والحياة، وتطلقه كذلك في الزمن المستقبل المجهول على سبيل التفاؤل ليكون أيضاً عام رخاء وبلهنية في العين.
وأما السنة فإنهم يستعملونها في زمن القحط والمجاعة، بل توسعوا في ذلك حتى سمو القحط سنة، من باب إطلاق المحل وإرادة الحال، وعلى هذا إذا تأملت الحالين اللذين عاشهما نوح ﵇ وهي زمن اللبث في قومه والزمن الآخر وجدت التمييز بلفظ سنة في حال الإنذار مناسباً لذلك المعنى، لأن نوحاً ﵇ لقي من قومه الإيذاء والعناد والصلابة والسخرية، وصادف قلوباً ميتة قاسية لم يؤثر بها وابل الوحي ولم تحي بالإيمان، فكان كالأرض الهامدة الميتة التي أصابتها سنة بسبب انقطاع الغيث، والمدة التي لبثها في قومه تسعمائة وخمسون سنة، وأما الخمسون عاماً فلم تكن كذلك فقد عاشها نوح ﵇ مع قومه المؤمنين بعد هلاك الكافرين، ويمكن أن تكون هذه الخمسون قبل الإنذار أو بعضها قبله وبعضها بعده. والله أعلم.
стр. 39
ما معنى: "ولم يكن له كفواً أحد "
المجيب د. محمد بن عبد الله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٠٧/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي هو: ما معنى (الكفؤ) في قوله تعالى: "لم يكن له كفوا أحد؟ "، هل معناه المساوي فقط؟ أم معناه أنه لا يوجد أحد يناظر الله أو يشابهه؟ لأن المساواة هي غير المماثلة، فعندما نقول: لا أحد يساوي الله في صفة (مثلا قدرته على الخلق) ، غير قولنا لا أحد منذ الأزل يشابه الله في صفة قدرته على الخلق، فبذلك ننفي كلياً صفة قدرة الآخر على الخلق، بينما عندما نقول لا يوجد أحد يساوي الله في صفة قدرته على الخلق مثلا فإننا لا ننفي صفة (قدرة الآخر على الخلق) ، بل نقول: إن الآخر لا يساوي الله فقط في هذه الصفة، ولا ننفيها عنه.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 40
فإن "الكفؤ" هو الندّ والمثيل والنظير، والله –تعالى- منزه ومقدس أن يكون له مثيل أو نظير في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، ومن العقائد المقررة عند أهل الإسلام أن الله –تعالى- غني بذاته، بائن عن مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: ١١] ، وقوله: "هل تعلم له سميا" [مريم: ٦٥] ، وقوله تعالى: "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" [الإخلاص: ١-٤] ، وقوله تعالى: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً" [الإسراء: ١١١] ، وإذا انتفت المماثلة بين الخالق والمخلوق من أي وجه فانتفاء التساوي المطلق أو من وجوه متعددة من باب أولى، ولم يثبت عن أحد من الفرق أو من أهل الديانات المحرمة، بل وحتى ملل الكفر كلها أن أحداً زعم وجود تشريك مطلق بين الله –تعالى- وبين شيء من الآلهة أو الأنداد، أو إمكانية ذلك، فلا يوجد ذلك أصلاً عندهم حتى نحتاج أن ننفيه لأنه متقرر في الفطر، وثابت في العقول، وهنا يتبين خطأ من يحصر الشرك بالله –تعالى- بأنه اعتقاد المساواة بين الله –تعالى- وبين غيره، فلا يكون شركاً، ولا يسمى العمل شركاً إلا إذا كان كذلك، وهذا المعنى الخاطئ فضلاً عن مخالفته للمدلول اللغوي للفظة (الشريك) ، فلم يقل به أحد من الخلق حتى يحتاج إلى نفي، هذا أولاً.
وثانياً: أن هذا التعريف يخرج جميع الصورة المعتبرة في الشرك في الربوبية والألوهية عن كونها شركاً، وهذا خروج عن المدلول الشرعي واللغوي لهذه الكلمة، وتصحيح للأعمال والأقوال الشركية التي لا يكون فيها اعتقاد المساواة المطلقة، وأولية الله –تعالى- وأزليته ثابتة لله –تعالى-، وكذا اتصافه بصفات الكمال ثابتة له أزلاً وأبداً.
стр. 41
وكون الله -تعالى- واحد بلا عدد؛ المراد به تفرده تعالى بالوحدانية، فليس له شريك ولا صاحبة، ولا ولد، وربما أطلق لفظة (واحد بلا عدد) ، أو (واحد في ذاته لا قسيم له) بعض أهل الكلام النفاة للصفات، ومرادهم من ذلك تمرير نفي الصفات الخبرية كالوجه واليد، وغيرها تحت هذا المصطلح، فليعلم المراد من هذه المصطلحات الحادثة فلا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً؛ وإنما الاستفصال حتى يزول الاشتباه، أو الإجمال فيقبل ما كان حقاً ويرد ما كان باطلاً. والله أعلم.
стр. 42
اختلاف المفسرين هل هو اختلاف في القرآن ؟
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٩/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
سؤالي عن شبهة حول القرآن، وهو من مكائد النصارى للإسلام وقد انتشر بين الناس عندنا، أرجو أن تجيبوا عليه قبل أن تحدث فتنة لا تبقي ولا تذر، وهو كما يلي: يقول الله -تعالى-: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" والمعروف لدى المسلمين أن القرآن قد اختلف في تفسير كثير من آياته. وهذا معناه (حسب المشكّك) دليل من القرآن على أنه من عند غير الله. فما هو الجواب لمثل ذلك؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أولاً هذه الآية يجب أن تفهم فهماً آخر غير الفهم الذي فهمها هذا المشكك، فالمسألة لا تتعلق باختلاف عموم الناس في آيات القرآن ودلالاته، بل إنها تفسر على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الاختلاف هو التناقض، فالقرآن لا تناقض فيه، فهو يأمر بالعدل أبداً وبالإحسان أبداً، فلا يوجد فيه حيف ولا ظلم، إذاً المبادئ الأساسية والكبرى التي يدعو إليها القرآن لا تختلف أبداً، بينما لو كان من عند غير الله لغلب الهوى على الإنسان، فمرة يأمر بالمعروف ومرة يأمر بالمنكر، فهذا هو التفسير الأول.
стр. 43
الوجه الثاني: أن القرآن لو كان من عند غير الله لاختلف عما يخبر به، بمعنى أن الخبر لا يكون موافقاً للمخبر عنه، والقرآن لا يخبر عن شيء إلا كان كذلك، فهو يحدثهم عما في أنفسهم من الكفر والنفاق، وهم يعلمون ذلك بديهة، وأن ما يحذرهم به القرآن هو حق فأخبار القرآن هي أخبار صحيحة، سواء كانت تتعلق بالأحوال الكونية، أو الناس وبما يقومون به، فالواقع دائماً والتجارب والمستقبل والحاضر دائماً يصدق القرآن الكريم، وهذا ما ظهر جلياً في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
الوجه الثالث: لو كان من عند غير الله لوجدتموه مختلفاً عما هو عليه، فلما لم يكن مختلفاً عما هو عليه علمنا أنه من عند الله، وهذا يحتاج إلى شيء من الروية والفهم، بمعنى: أنه لو كان كتاباً من عند غير الله لاختلف هذا الكتاب، ولكان مختلفاً عن الحالة التي عليها القرآن الكريم.
فهذه الأوجه الثلاثة هي الأوجه التي فسر بها المفسرون هذه الآية:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" [النساء: ٨٢] ، ولكنه من عند الله فلا اختلاف فيه، وليس الأمر متعلقاً باختلاف الناس في القرآن، أو اختلاف دلالات الألفاظ، أو اختلاف السور في طولها وقصرها، هذا ليس مراداً في الآية الكريمة، فهذا هو الجواب عن هذه الآية، والله أعلم.
стр. 44
لماذا قدم الفجور في قوله: "فألهمها فجورها وتقواها "
المجيب د. محمد بن صالح الفوزان
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢٤/٥/١٤٢٥هـ
السؤال
أود أن أسأل عن سورة الشمس، عند قوله تعالى: "ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها *" صدق الله العظيم، وأريد أن أسأل لماذا كان ذكر الفجور قبل التقوى، رغم أن الله قد خلق آدم وهو تقي، وكان الشيطان دخيلاً على هذه التقوى؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
ذكر المفسرون عدة أوجه لتقديم الفجور على التقوى، مع أن التقوى أفضل، وهي الأصل كما ورد في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة" رواه البخاري (١٣٥٨) ، ومسلم (٢٦٥٨) ، ومن تلك الأوجه:
١- قدمها مراعاة لفواصل الآيات؛ لأن نظم القرآن أحد أوجه إعجازه.
٢- وقيل: لأن إلهامه بهذا المعنى من مبادئ تجنّبه تخلية، والتخلية مقدمة على التحلية.
٣- وقيل: قدمها مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه السورة، وهم المشركون، وأكثر أعمالهم فجور لا تقوى. والله أعلم.
стр. 45
شبهة تعارض بين آيتين
المجيب د. محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٣/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
هناك من يقول بوجود تناقض في القرآن الكريم، فيذكر أن الآية: ٩ في سورة فصلت: "قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين"، وفي آيات أخرى تنص على ستة أيام ثم استوى على العرش. أرجو توضيح المسألة لأحاجج بها من يدعي التناقض.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قوله -تعالى-: "قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا" [فصلت: ٩ - ١٢] .
لا يعارض الآيات الدالة على خلق السماوات والأرض في ستة أيام، بل هو تفصيل لتلك الأيام الستة، فقد أخبر الله -تعالى- في الآية أنه خلق الأرض في يومين، وأخبر أنه خلق ما فيها من الجبال والأنهار، والمياه، وقدر فيها الأقوات في يومين آخرين، فالمجموع أربعة أيام، وهي المذكورة في قوله -تعالى-: "في أربعة أيام".
وأخبر الله -تعالى- أنه خلق السماوات السبع في يومين فمجموع هذه الأيام ستة أيام، كما في قوله -تعالى-: "خلق السماوات والأرض في ستة أيام" الآية [الأعراف:٥٤] ، وليس بين هذه الآيات تعارض، وإنما هذه الآية تفصل ما ورد مجملاً في الآيات الأخرى. والله أعلم.
стр. 46
الحكمة من ترتيب: "يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه ... " الآيات
المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢٤/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
السؤال هو: هل للترتيب في ذكر الأقارب في الآية الكريمة: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) . فهل لترتيب الأخ ثم الأم والأب والزوجة والأبناء حكمة معينة أرادها الله ؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
جواب السؤال عن سر الترتيب في قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس:٣٤-٣٧] .
نعم لهذا الترتيب معنى معقول، وبيانه- والله أعلم- أن ذكر الأقارب في هذا السياق فيه تدرج من الأدنى للأعلى، أو من القريب للأقرب، فإنه ذكر الأخ أولاً فالأم، فالأب، فالصاحبة (وهي الزوجة) ، فالبنين، وهم أقرب المذكورين.. ولابد أن يلحظ أن ترتيب الترقي في الآيات يراعى فيه الفرار، فإن الفرار من الأبناء في الخطوب وعظائم الأمور من أكبر العار، يليه الفرار من الزوجة، فالفرار من الأم وهي أحق من الأبوين، ولكن جرت العادة أن الإنسان يستميت في الدفاع عن أهله وبنيه أكثر من الأب، وأولى بالعناية والإنقاذ، ثم الأب، ثم الأخ، وليس معنى ما ذكر أن الزوجة والأولاد أحق من غيرهم، ويلحقه من العار لو فر منهم ما لا يلحقه لو فرّ ممن عداهم، ولو كان فراره من الأبوين.
وأيضًا فإن الأبناء ليس لهم قريب كالوالد، ولا من هو أولى منه، بخلاف الأبوين، فإن لهم أبوين وأبناء، هذا ما ظهر لي في معنى هذه الآية، والترتيب هنا مخالف لما جاء في سورة المعارج، فهذا في الفرار، وذلك في الافتداء.. والله أعلم.
стр. 47
إشكال حول قول: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ... "
المجيب محمد بن إبراهيم شقرة
أحد علماء الأردن
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢٠/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يقول الله في سورة النور، الآية: ٣٣:"ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا....". السؤال: ماذا تعني كلمة البغاء في هذه الآية الكريمة؟ هل تعني الزنا؟ وإذا كانت تعني الزنا، فلماذا لم يقل الله ﵎ الزنا بدل البغاء؟ لأن الله -تعالى- أشار إلى الزنا بكل وضوح في الآية -الثانية- من نفس السورة في قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رافة في دين الله ... " هل أن الرجل عندما يكره بنته أو بناته على أن يصبحن راقصات أو عارضات أزياء، أو يعلمهن السباحة بالملابس العارية مع الرجال، أو يعلمهن الغناء بأن يصبحن مغنيات في الفرق الغنائية يعتبر هذا العمل هو الإكراه على البغاء أي يختلف عن الزنا؟ لأن الزنا يعني الجماع أو الوطء في القبل، أو في فرج المرأة، ولكن الرقص بصورة عارية أمام أنظار الرجال، أو الغناء بصورة شبه عارية من الملابس أو السباحة، هذه الأعمال هل تعتبر إكراهاً على البغاء؟ أي البغاء الذي جاء ذكره في الآية الثالثة والثلاثين من سورة النور في القرآن الكريم، يرجى الإجابة عن السؤال، وتبيان الفرق بين الزنا والبغاء لأن كل واحد منهما جاءتا في آيتين مختلفتين من سورة النور. وجزاكم الله -تعالى- خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 48
البَغِيُّ في لغة العرب المرأة الفاجرة حرة كانت أم أمة (جارية) ، والبغاء إتيان فاحشة الزنا -عياذاً بالله تعالى- بفجور ومن غير توق ولا استحياء، ومن هذا المعنى للبغاء نعلم أن الزنا قد يقع في خفاء وهو الأغلب والأعم، ويكون من الحرة والأمة، فإن كان يقع على نحو ما كان عليه البغايا جمع بغي في الجاهلية وهي التي تزني في معالنة من غير استحياء، وكان يقع من الإماء، أما حرائر النساء فلم يكن منهن البغاء على نحو ما كان من الإماء اللواتي كان منهن ما يشبه المهنة يتخذنها، وقد عجبت هند بنت عتبة ﵂ لما أراد النبي ﷺ أن يأخذ عليها العهد ألا تزني فقالت: أو تزني الحرة؟ فإن كان من الحرة الزنا على نحو ما كان من الأمة فهو نادر شاذ لا يقاس عليه، فالبغاء إذاً أشبه ما يكون أنه من خصوصيات قبائح الإماء، وأين الحرة من الأمة؟
ومن هنا خص القرآن الإماء بالبغاء فقال: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ... " إلى آخر الآية.
أما كلمة الزنا، التي وردت في سائر الآيات فهو مخصوص بالحرائر اللواتي يقعن في هذه الفاحشة على نحو يستوجب إيقاع العقوبة بها كفاً وزجراً ودرءاً لآثارها وعواقبها البشعة السيئة، ومثل ذلك في إيجاب العقوبة، رمي المحصنات المؤمنات، أي عقوبة الجلد ثمانين جلدة.
وهنالك عموم وخصوص بين البغاء وبين الزنا، فالزنا أعم من البغاء، إذن الزنا هو الفاحشة المعروفة ومثل ذلك يقال في البغاء، غير أن البغاء يزيد عن الزنا في قبحه، بزيادة في الفجور. ومن أجل هذا الفجور، الذي يذهب معه الحياء، وتكون به المجاهرة والمعالنة، سمي هذا النوع من الزنا بغاء، وهو الذي عناه الرسول- ﷺ في الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ، وحلوان الكاهن"، ومعنى مهر البغيّ الأجر الذي يعطيه الزاني- عياذاً بالله- للزانية البغيّ.
стр. 49
ومما تقدم ذكره، نعلم أن ذكر البغي في سورة النور يراد به شيء غير الذي يراد من ذكر الزانية، وهذا من جلال القرآن وجمال معانيه، والحكمة البالغة التي تميز آياته.
وأما قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً" فليس يقال هنا إن كانت الأمة مملوكة، أو كانت الحرة تحت ولاية وليّ لها، وترغب في تعاطي البغاء بمحض رغبتها وإرادتها، فلا يكون المعنى أنه لا حرج، على مالك هذه الأمة أو ولي هذه الحرة أن يقبل منها أو لها أن تكون بغياً، أو أن تتعاطى هذه المهنة القبيحة والقبيحة جداً.
إذاً؛ فماذا يراد من قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً".
أقول: إن هذا النهي إنما هو استمرار للتذكير بقبيح هذا الأمر الشنيع السيئ، الذي كان أهل الجاهلية عليه، وهو تحذير للمؤمنين من هذا الأمر القبيح السيئ، ومن هنا قال العلماء: هو نهي لا معنى له، وهو يشبه قوله تعالى: "لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة"، فالربا كله حرام سواء أكان قليلاً أم كثيراً. ومثله يقال أيضاً في البغاء، فيستوي التحريم على أي حال كان الزنا، بإكراه أم برضا.
стр. 50
أما ما يكون من امتهان بعض المهن التي تمتهنها بعض النساء، مثل عرض الأزياء وما يعرف بانتخاب ملكة الجمال والرقص والغناء، والسباحة وألعاب السيرك، وغير ذلك مما شاع أو يشيع في دنيا الناس من أنماط الفساد، وصنوف الشر، وأوبئة الأخلاق، فإن هذا كله لا يعدو أن يكون فساداً وإفساداً، أضحى من أسباب الكسب التي يستكثر بها المال والنساء اللواتي يمتهن هذه المهن الخبيثة أنزل مرتبة من الإماء اللواتي كن يعرضن في أسواق الرق، ويكرهن على البغاء الذي كان شائعاً في المجتمع الجاهلي، وورد ذكره في الآية رقم (٣٣) من سورة النور. وهذه المهن إن لم تكن في نفسها أنواعاً من البغاء، فهي ذرائع وطرائق تنتهي بأولئك النساء إلى السقوط في تلك الفاحشة. بل إنهن لا يرضين بهذه المهن إلا إن كن بغايا، وبين الفينة والأخرى يعرضن في وسائل الإعلام وبخاصة التلفزيون ما يندى منه جبين الإنسانية. إنها حضارة الدمار والتدمير.
стр. 51
معنى قوله: (كانتا رتقًا ففتقناهما)
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٢/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم:
أريد من فضيلتكم معرفة التوفيق بين هذه الرواية: عن ابن عباس ﵄: (لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث ريحاً فصفقت الماء، فأبرزت عن خشفة واحدة في موضع البيت كأنها قبة فدحا الله الأرض من تحتها فأوتدها بالجبال) . وآية: (أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) ، هذا فيما معنى الآية حيث أنني قرأت هذه الرواية في إحدى مواضيع الإعجاز العلمي ولسيادتكم جزيل الشكر.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
ذكر الله في مواضع من القرآن ما يدل على أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ومن ذلك قوله : (قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ٩-١١] ، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٩] ، و (ثم) كما هو معلوم للترتيب والتراخي.
ودلت الآية في سورة النازعات أن دحوا الأرض بعد خلق السماء، قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) [النازعات:٢٧-٣٠] .
стр. 52
وقد قال رجل لابن عباس ﵄ إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي ... فذكر منها: قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) ، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال تعالى (قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله (طَائِعِينَ) فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، فقال ابن عباس: " خلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله تعالى دحاها وقوله (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين " [ينظر: تفسير ابن كثير (٤/٩٤) ] .
وذهب بعض العلماء إلى أن خلق الأرض جميعاً حصل قبل خلق السماء، ووجهوا قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) ، بأن المراد بـ (بعد) أي: مع.
وأثر ابن عباس المذكور في السؤال - إن صح وسيأتي الكلام عليه - لا ينافي ما تقدم وهو يدل على أن دحو الأرض حصل ابتداء من هذه البقعة المباركة وهي الكعبة، والله أعلم.
وأخرج الطبري في تفسيره (٣/٦٠) عن مجاهد قال: كان موضع البيت على الماء قبل أن يخلق الله السماوات مثل الزبدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض.
стр. 53
أما أثر ابن عباس الوارد في السؤال فقد أخرجه الأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٢) من طريق سعيد بن سلام عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: " لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث الله تعالى ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع هذا البيت كأنها قبة فدحا الله الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت مكة أم القرى".
وسعيد بن سلام أبو الحسن البصري العطار، ضعيف، قال البخاري: سعيد بن سلام أبو الحسن العطار البصري يذكر بوضع الحديث، وقال أحمد بن حنبل: كذاب، وضعفه النسائي [ينظر: الكامل لابن عدي (٣/٤٠٤) ، الضعفاء للعقيلي (٢/١٠٨) ، الميزان (٢/ ١٤١) ] .
وطلحة بن عمرو الحضرمي المكي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال البخاري وابن المديني: ليس بشيء. [ينظر: الكامل لابن عدي (٤/١٠٧) ، الضعفاء للعقيلي (٢/٢٢٤) ، (الميزان (٢/٣٤٠) ] .
وقد أخرجه الطبري في تفسيره (٣/٦٠) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال عطاء وعمرو بن دينار: بعث الله رياحاً فصففت الماء، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت فمنها، فلذلك هي " أم القرى ". قال ابن جريج: قال عطاء: ثم وتدها بالجبال كي لا تكفأ بميد فكأن أول جبل " أبو قبيس ".
أما قوله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) ، فرتقاً: مصدر رتقه رتقاً إذا سده، يقال: رتق فلان الفتق رتقاً إذا ضمه وسده، وهو ضد الفتق الذي هو بمعنى الشق والفصل. وللعلماء في هذا الآية خمسة أقوال:
стр. 54
القول الأول: أن معنى (كَانَتَا رَتْقاً) يعني أن السماوات والأرض كانت متلاصقة بعضها مع بعض، ففتقها الله وفصل بين السماوات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها. قال قتادة: قوله: (كَانَتَا رَتْقاً) يعني أنهما كانا شيئاً واحداً ففصل الله بينهما بالهواء.
القول الثاني: أن السماوات السبع كانت رتقاً؛ أي متلاصقة بعضها ببعض، ففتقها الله وجعلها سبع سماوات، كل اثنتين منها بينهما فصل، وكذلك الأرضين كانت رتقاً ففتقها، وجعلها سبعاً بعضها منفصل عن بعض. قال مجاهد: كانت السماوات طبقة واحدة مؤتلفة، ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعاً "
القول الثالث: أن معنى (كَانَتَا رَتْقاً) أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات. قال ابن عباس: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق سبحانه للأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات.
القول الرابع: أنهما (كَانَتَا رَتْقاً) أي في ظلمة لا يرى من شدتها شيء ففتقها الله بالنور، وهذا القول يرجع إلى القول الأول والثاني.
القول الخامس: - وهو أبعدها – أن الرتق يراد به العدم، والفتق يراد به الإيجاد؛ أي كانتا عدما فأوجدناهما.
وقد رجح بعض المحققين من المفسرين والعلماء القول الثالث – وهو أن كونهما رتقاً بمعنى أن السماء كان لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا تنبت شيئاً ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات – وذلك لأن هناك قرائن تدل على هذا المعنى من كتاب الله منها:
стр. 55
١- أن قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) يدل على أنهم رأوا ذلك لأن الأظهر في " رأى " أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض لا نبات فيها، فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء، وخروج النبات من الأرض.
٢- أنه سبحانه أتبع ذلك بقوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله أي: وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض، كل شيء حي.
قال الفخر الرازي في تفسيره: " ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجه - يعني كونهما رتقاً بمعنى أن السماء كان لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا تنبت شيئاً ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات - بقوله بعد ذلك: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.
٣- أن هذا المعنى جاء موضحاً في آيات أخرى، كقوله - تعالى -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) ، والمراد بالرجع: نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع: انشقاق الأرض عن النبات.
والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وقدرته، ويعلمون أن من كان كذلك لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، مما لا يضر ولا ينفع. هذا ولله أعلم.
ينظر: تفسير الطبري (٣/٦٠) ، أضواء البيان للشنقطي (٤/ ٥٦٣ - ٥٦٦) .
стр. 56
المقصود "في سبيل الله" في القرآن
المجيب د. محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٠٨/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
سمعت أنه إذا ذكرت عبارة "في سبيل الله" في القرآن الكريم يقصد بها القتال في سبيل الله، ولم تذكر هذه العبارة لغير هذا القصد إلا في موضع واحد، هل هذا صحيح؟ وما هو هذا الموضع؟.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا يظهر صحة هذا القول، بل في القرآن الكريم أكثر من آية، يراد "في سبيل الله"، مطلق النفقة في مرضاته ... ومنها قوله -تعالى-: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت...." [البقرة من الآية: ٢٦١] ، وقوله -تعالى-: "الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله...." [البقرة من الآية: ٢٦٢] ، وسبيل الله نوعان:
١- عام: وهو الإنفاق في مرضاته وطاعته عامة.
٢- خاص وهو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله. والله أعلم.
стр. 57
الحكمة في ترتيب"تعقلون- تذكرون- تتقون "
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٨/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الآيات الثلاث من سورة الأنعام: (١٥١-١٥٢-١٥٣) لماذا ختمت أو لماذا ذكر الله في نهايتها هذه الكلمات: (تعقلون- تذكرون- تتقون؟) .
الجواب
الحمد لله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبعد حمد الله والصلاة على رسول الله.
قال بعض المفسرين في بيان سر ختم الآيات الثلاث من سورة الأنعام: [١٥١-١٥٢-١٥٣] بقوله: تعقلون، تذكرون، تتقون، إن السامع إذا تلقى الأمر القرآني فإنه أول أمره التعقل، أي تعقل ما سمعه من أمر الشارع وتدبره، ثم يدفعه ذلك إلى تذكر وجوب الإذعان والامتثال، ثم يدفعه أخيراً إلى تحقيق التقوى بالامتثال الفعلي والعمل الصالح. والله أعلم.
стр. 58
الجمع بين قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به، وقوله: إن الله يغفر الذنوب جميعًا
المجيب د. عبد الرحمن بن أحمد بن فايع الجرعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢١/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
يقول الله جل وعلا، في كتابة الكريم: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) . ويقول الله جل وعلا، في كتابه الكريم: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا) . ما الفرق بين الآيتين؟ ولماذا الله جل وعلا، استثنى في الآية الأولى الشرك ولم يستثنها في الآية الثانية؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الآية الأولى فيمن لقي الله مشركًا، أو مذنبًا بدون شرك، فمن لقيه، ، مشركًا لا يغفر له، ومن لقيه مذنبًا فهو في المشيئة.
وأما الآية الثانية فهي فيمن كان مشركًا أو مذنبًا ثم تاب، فإن الله ، يفتح له باب الرجاء بأنه يغفر للتائب جميع ذنوبه، وبهذا يتضح الفرق. والله أعلم.
стр. 59
تفسير "وجعلناكم شعوبًا وقبائل "
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٠٨/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يقول الله في سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . صدق الله العظيم.
فماذا يقصد بكلمة (شعوبًا) في هذه الآية الكريمة، هل تعني العرب أو الأتراك أو الفرس أو الإنجليز أو الألمان؟ أم تعني معنى آخر؟ وماذا تعني كلمة قبائل في هذه الآية الكريمة؟ هل تعني القبائل العربية، وجزاكم الله تعالى ألف خير.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
стр. 60
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- مفسرًا الآية المذكورة (٤/١٨) : (يقول تعالى مخبرًا الناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر، والعمائر، والأفخاذ، وغير ذلك.. وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون إسرائيل.. فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء- ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى، ومتابعة رسوله ﷺ ، ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا منبهًا على تساويهم في البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: من الآية١٣] . أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته ... قال البخاري (٤٦٨٩) : حدثنا محمد بن سلام: حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الناسِ أَكْرَمُ؟ قال: "أَكْرَمُكُمْ عندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ". قالوا: ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ. قال: "فَأَكْرَمُ الناسِ يُوسُفُ نبيُّ اللهِ ابنُ نبيِّ اللهِ ابنِ نبيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ ". قالوا: نعم. قال: "فَخِيارُكُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ في الإِسْلامِ إذَا فَقُهُوا") . ا. هـ. وانظر: تفسير ابن جرير (٢٦/١٣٩) ، وتفسير القرطبي (١٦/٣٤٣) . والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 61
هل أيام خلق السماوات والأرض مثل أيام الدنيا ؟
المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٣/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، هل هي من أيام الدنيا أم من الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون".
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
جوابا على السؤال (خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام هل هي من أيام الدنيا أم من الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون"؛ أقول مستعينا بالله العلي العظيم:
стр. 62
تشير الأبحاث العلمية إلى أن تاريخ الكون ضارب في القدم, وأقرب الحسابات هي أن عمره حوالي ١٢.٥ (١٠-١٥) بليون سنة, وأن آخر معالم التكوين هي تشكل القشرة الصخرية للأرض واستقرار الجو المحيط بها منذ حوالي ٢٥٠ مليون سنة, وهكذا تشكل العالم بخلاف ما اعتقد سابقا في بلايين من السنين تكونت فيها لبنات البناء المتسع الأرجاء بالتسلسل إلى أن تشكل أصل كوكبنا مع بقية أفراد المجرة وهو ما يعرف بسديم النظام الشمسي Solar System Nebula منذ ما يزيد عن ثمانية بليون سنة, وبعد ذلك انفصلت كتلة الأرض وتميزت وتقلصت تحت تأثير جاذبية مادتها وتشكلت طبقاتها الداخلية جميعا بنزول أثقل المواد نحو الباطن خاصة الحديد وخروج أخفها ليشكل السطح الصخري والجو منذ ما يزيد عن أربعة بليون سنة تمثل عمرها الجيولوجي, وبذلك يمكن تقسيم مراحل نشأة العالم المحيط بنا إلى ثلاثة أزمنة رئيسية متعاقبة تكونت فيها الأجرام السماوية ثم تكون أصل الأرض ثم تكونت طبقات الجو من دخان تبدد معظمه وتكونت معها أصول الألواح القارية كجزر تمتد وتميد فوق دوامات الصهير إلى أن ثبتتها الجبال, ونصيب الأرض على هذا باعتبار الأصل مرحلتين من الثلاث, فإذا كان خلق العالم كله في ستة أيام - إن شئت أن تعبر بأيام الأسبوع المعهودة عن تلك الأزمنة الهائلة فوق كل التصورات القديمة - فإن خلق الأرض بدون السطح الصخري والجو في يومين ومجموع فترات خلقها أربعة أيام, وتعجب أن تجد تلك الحصيلة العلمية التي اكتشفت وحققت في حوالي ثلاثة قرون تكاد تلمس فحسب بعض جوانب من التفصيل المعجز في قوله تعالى:] قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ. ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ
стр. 63
وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىَ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [[فصلت ٩-١٢] .
فأما السماء التي تلي الأرض في الخلق والنظم فيرشدك إلى تعيينها علميا في هذا المقام قول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (يرحمهم الله أجمعين) : "والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها, وإن أريد بها (آفاق الأجرام السماوية فهي) .. أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا" [تفسير التحرير والتنوير ج١ص٣٨٤] .
والجو بالنسبة للأرض يصح لغةً أن يسمى سماء, وبالنسبة إلى كل ما يعلوه من وجود مادي يصح وصفه بأنه الأدنى, ونتيجة لتميزه عما نسميه فضاء Space بوجود الهواء يمكن وصفه أيضا بأنه منطقة بينية بين الأرض وكل ما يعلوه, وأما التشبيه بالمصابيح بجامع التوهج فنظيره قوله تعالى:] وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ [[الملك: ٥] .
وقد توصل المحققون أن تلك الأجسام الملتهبة التي شبهت في القرآن بالمصابيح ويمكن أن تسبب ضررا للعابرين ليست إلا الشهب وهي بالقطع ظاهرة ضوئية لا تتجاوز جو الأرض, قال الشوكاني: "المصابيح جمع مصباح وهو السراج.. (و) الضمير في قوله وجعلناها راجع إلى المصابيح.. أي شبها (بدليل قاطع وهو قوله تعالى:) ..) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ( [الصافات: ١٠] " [تفسير الشوكاني ج٥ص٢٦٠] .
وقال الألوسي: و"الشهب شعل نارية" [تفسير الألوسي ج٢٣ص٧٣] .
стр. 64
و"هذه الشهب ليست هي الثوابت.. وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها.. (خاصة أن التعبير قد) أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها.. (و) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض" [تفسير الألوسي ج١٤ص٢٦] .
وقال الثعالبي: "ومعنى السماء الدنيا أي القريبة من الناس" [تفسير الثعالبي ج٤ص٣٢٠] .
وهكذا يمكن حمل تعبير (السماء الدنيا) على الجو المحيط بالأرض, وعند التخصيص بالكواكب دون عوالم النجوم العظيمة الأبعاد يمكن حمله على العالم الأقرب من عوالم الأجرام في قوله تعالى:) رّبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبّ الْمَشَارِقِ. إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ( [الصافات: ٥-٦] .
وأما التسبيع فهو دلالة على الطبقية؛ وتلك حقيقة علمية توافق ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن التسبيع ها هنا على العرف في الدلالة على التعدد والتكامل لا على التعيين, ولكن العدد لا يأباه العلم باعتبار ثلاث طبقات بينية بين الأربعة الرئيسة وهو الموافق إلى ما ذهب إليه جل المفسرين, وأما الستة أيام في بيان خلق الكون المشاهد أو بالأحرى الممكن المشاهدة فقد ورد ذكرها في سبعة مواضع أولها على حسب ترتيب النزول قول جامع يكشف العلم بخفايا التكوين ويعالج توهم في الدين ما عاد بالإمكان حذفه من المدونات الأسبق؛ وهو قول العلي القدير:] وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ [[ق: ٣٨] .
وهو بالمثل قائم على التقريب والتمثيل بالمعهود لأنه لا وجود للأيام قبل خلق الأرض والشمس, قال القرطبي: "إن لم يكن شمس فلا يوم" [تفسير القرطبي ج٧ص٢١٩] .
وقال ابن عطية: "قال أكثر أهل التفسير الأيام هي من أيام الدنيا" [تفسير المحرر الوجيز ج٣ص١٥٢.] .
стр. 65
وقال الشوكاني: "ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا الأيام المعروفة.. لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا سماء" [تفسير الشوكاني ج٢ص٤٨٢.] .
وقال الألوسي: "المفسرون قالوا المراد بالأيام الأوقات" [ما دل عليه القرآن ج١ص٤٦] .
فالتعبير إذن تمثيل والمراد أزمنة متتابعة كالأيام تميزها ثلاث مراحل, وأما إتيان الأرض وما يحيط بها فهو مشهد يكشف تلازم حركة الجو مع الكوكب وفق تقدير بعد مرحلة معدومة التلازم مما يعني تبدد الكثير من الجو, وتلك حقيقة علمية مبهرة جسدها التعبير بالتصوير, وترتيب الأحداث مطابق تماما لما كشفه العلم؛ كما في قوله تعالى:] ءأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [[النازعات:٢٧-٣٣] .
وهكذا يتجلى كل حين العلم في القرآن الكريم بخفايا التكوين بضرب الأمثال للمجهول زمن التنزيل بالمعلوم لتشع دلائل التنزيل بنور اليقين في صدور النابهين, يقول العلي القدير:] لَوْ أَنزَلْنَا هََذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ [[الحشر: ٢١] . هذا والله ﷻ أعلم.
стр. 66
( ... إن تنصروا الله ينصركم ... )
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٧/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
لم أحصل على تفسير واضح بخصوص الآية من سورة محمد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) [محمد:٧] . بعد أن راجعت تفسير ابن كثير.
والذي أفهمه من الآية هو أن نساعد عباد الله، مثلما ورد في الحديث أن الله يقول لعبده يوم القيامة: يا عبدي، استطعمتك فلم تطعمن. ي فيقول العبد: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول الرب : إن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه، أمَا لو أنك أطعمته لوجدت ذلك عندي.
فهل فهمي لهذه الآية صحيح؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فالذي ظهر لي أن السائل الكريم أشكل عليه معنى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ) . والله تعالى هو القوي العزيز، وجواب هذا ببيان معنى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ) . وللشيخ السعدي- ﵀ في تفسيره، كلام مختصر واضح يبين معنى الآية حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..) . هذا أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرهم الله وثبَّت أقدامهم ... فهذا وعد منه كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه وييسر له أسباب النصر. انتهى كلامه- ﵀.
стр. 67
فالمقصود بنصر الله تعالى: نصر دينه والدفاع عنه وجهاد أعدائه. وإلا فإن الله تعالى هو القوي القاهر لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وهو الذي ينصر عباده حقيقة على أعدائهم ويثبت أقدامهم، ولذا جاء في الآية الكريمة: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) . فالنصر حقيقة من الله تعالى، لكن الله تعالى وعد به من ينصر دينه ويجاهد أعداءه. هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 68
شبهة حول نزول عيسى ﵇ -
المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٦/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
أحد المنكرين لرجوع عيسى ﵇، في آخر الزمان أرسل إليّ رسالة طويلة فيها شبهات تقلقني ولا أستطيع الرد عليها. أرجو من فضيلتكم أن تجيبوا عن هذه الشبهات. ومنها: يقول الله: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون. أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون) [سورة النحل: ٢١، ٢٢] . وهذا يعني أن كل من اتخذهم الناس آلهة من دون الله- ومن ضمنهم كريشنا وبوذا وعيسى ﵇ فإنهم قد ماتوا كما مات سائر الأكوان. وهذا من الأدلة التي تثبت أنهم ليسوا آلهة. ولو كان عيسى ﵇ حيًّا لكان ذلك يعارض الآية. ومن يزعم أن الآية خاصة بالأصنام فيقال له: إن الأصنام لا تموت ولا تُبْعَث بعد الموت.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 69
قال الله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨] . (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:٢٦، ٢٧] . فهذه الآيات عامة بموت جميع الخلق حتى الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين بما فيهم المسيح ﵇، ومعنى أموات في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [سورة النحل: ٢١، ٢٢] . ليس معناها ماتوا في الماضي، كما في قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر: ٣٠، ٣١] . فهذه الآية نزلت في السنة الثالثة من الهجرة فهل معناها أنها نزلت والرسول ﷺ ميت!!.. وإنما المعنى أن قانون الموت سارٍ عليهم وهذا أسلوب العرب الذي نزل به القرآن، يعبرون عن الشيء المتحقق الوقوع في المستقبل بصيغة الماضي، وعلى هذا عند فهم القرآن لا بد من فهم أسلوبه العربي وحمل بعضه على بعض.
ولو كان هذا الفهم الذي فهمه السائل أن كل من اتخذهم الناس آلهة من دون الله- ومن ضمنهم كريشنا وبوذا وعيسى ﵇ - أنهم قد ماتوا كما مات سائر الأكوان. فهذا يعنى لو ادّعى أحد في الوقت الحاضر الألوهية ودعا الناس إلى عبادة نفسه لصح ذلك لأنه حيٌّ والمنهي في الإسلام عنه هو عبادة الأموات!! وهذا فهم بعيد جدًّا.
стр. 70
ونظير ذلك كما في لغة الكتاب المقدس أنهم يعبرون عن الجزء من اليوم بيوم كامل، كما في مسألة صلب المسيح وكم جلس في القبر، ولو كان المقصود يومًا كاملًا لكان جلس أقل من ثلاثة أيام، وهذا يخالف الشريعة المسيحية، ولكن لغة اليهود في ذلك الوقت تعتبر أن غالب اليوم أو جزءًا منه يوم كامل وعلى هذا بقي المسيح ثلاثة أيام بين الأموات وهذه معروفة في معتقد المسيحيين، لكن القصد التنبيه على فهم اللغة التي نزل بها القرآن وكيف فهمه المخاطبون به، وأيضًا كيف فهم اليهود تعاليم المسيح المخاطبين بها فهذا الفهم من الجميع مع الإقرار به من جهة المشرع حجة. ومثال ذلك:
قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: ١٤٤] .
стр. 71
وهذه الآية تلاها أبو بكر لما توفي الرسول ﷺ انظر صحيح البخاري (٣٦٧٠) - فقد تبين فعلًا وفاة النبي محمد ﷺ وأنه واحد من الأنبياء، وتدل الحادثة التاريخية أيضًا أن الشك ارتفع عن الصحابة بوفاة الرسول ﷺ وأنه كباقي الرسل بما فيهم المسيح، ولم تحفظ كتب الحديث أو التاريخ أنه حصل اعتراض من الناس الذين سمعوا أبا بكر يتلو هذه الآية بإيراد كون المسيح لم يمت، وهذا يدل أنهم فهموا من الآية كما هو ظاهرها، وكون المسيح حيًّا لا يعني عدم موته في آخر الزمان. فقد قال الله تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: ٥٥] . أي: متوفيك بعد الرفع وبعد نزولك إلى الأرض في آخر الزمان. لأن الواو في لغة العرب، كما هو معروف، لا تقتضي الترتيب، أو: متوفيك وفاة عند تمام أجلك. إعلامًا له بأن اليهود لا تتولى قتله، كما يدل عليه قوله تعالى في نفس الآية: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [آل عمران: ٥٥] .
وأما إيراد السائل بمن يزعم أن الآية خاصة بالأصنام فيقال له: إن الأصنام لا تموت ولا تُبْعَث بعد الموت.
فيقال لما تقرر بيانه في أول الجواب أن الآية عامة سواء في الأصنام وغيرها، ومن قال إن الأصنام لا تموت ولا تبعث فيقال إن الأصنام تبعث يوم القيامة وتنطق وتتبرأ من عابديها إيغالًا في إقامة الحجة على المشركين. وإذا كان المسيح له القدرة على إرجاع الروح في الأجساد التي فارقتها روحها فإن الله له القدرة على إيجاد الروح في الأجسام التي ليس فيها روح أصلًا، كما هو ظاهر القرآن. وأيضًا ظاهر الكتاب المقدس أن الأب أعظم وأقدر من الابن.
стр. 72
دفع الإشكال في قوله تعالى "وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ "
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٦هـ
السؤال
أود طرح نقطة حرجة أرقتني ولم أجد لها حلاً، وكلما سألت ذا علم قوبلت بأجوبة، مثل (ملحد، كافر، منافق) فالدين الإسلامي يرتكز على القرآن الكريم، والذي نزل على رسول الله محمد ﷺ وفي القرآن عينه وجدت آية "ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"، ولكن أين أحمد؟! لقد جاءنا محمد وليس أحمد، فماذا لو بعد عدة سنين جاءنا رجل اسمه أحمد، وقال: إنه هو الرسول، ويقول: إن كتابكم قال ذلك
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: القرآن الكريم قد ثبتت صحته بعشرات الأدلة، وذلك من خلال محتواه اللفظي والمعنوي.
أما اللفظي فقد تحدى العرب وهم الفصحاء البلغاء الذين كانوا أمراء العبارة وفرسان الكلام فعجزوا، فدل على أنه ليس في مقدور بشر أن يأتي بمثله ولا بسورة من مثله.
ثانياً: هذا الاسم مثبت في القرآن الكريم منذ نزوله، وسمعته العرب وهي تعرف أن الذي أنزل عليه القرآن هو "محمد"، فلم ينكر شخص واحد على هذه التسمية - وسيأتي التعليل بمشيئة الله-.
ثالثاً: هذا الاسم مثبت في القرآن، وقد سمعه أهل الكتاب من اليهود والنصارى ولم ينكروا، مما يدل على أنه ليس فيه شبهة عندهم.
رابعاً: هذه البشارة بهذا الاسم نزلت في لغة غير عربية، واللغات لا تتطابق فيها الأسماء تمام المطابقة، فقد يقرأ الاسم الواحد بأكثر من لفظ لضرورة الترجمة.
ألا ترى "إبراهيم" يقرأ كذلك، ويقرأ "إبراهام" ويقرأ "إبراهوم" في قراءات القرآن الكريم، ولم يقل أحد أن الاسم الأول غير الاسم الثاني، ولكن جرى التسامح في رسمها ونطقها لاختلاف اللغة.
стр. 73
خامساً: اللفظ الذي ورد في كتب اليهود والنصارى يؤدي المعنيين فكلاهما حق.
فـ "محمد" اسم بمعنى "محمود" على وزن مفعول أي محمود من الناس.
و"أحمد" كذلك اسم على وزن "أفعل" أي أحمد من غيره.
فكلاهما يرجعان إلى اشتقاق متقارب.
سادساً: الاسم الذي ورد في كتبهم وتحتمله كتبهم مشتقة من الحمد وهو: "الفار قليط"، ومن معناها عندهم: "الحماد" أو "الحامد" أو "الحمد"، فكلها كما ترى مشتقة من "الحمد".
ونحن نعلم ما تعرضت له كتب النصارى من تحريف.
سابعاً: القرآن الكريم نزل على النبي محمد ﷺ وعمره أربعون سنة، وقد عرف في قومه باسم "محمد" والقرآن نزل واسمه معروف، فلو كان دلالة أحمد غير دلالة محمد بالنسبة لما ورد في الكتب السابقة لقال الله : "اسمه محمد"، ولما كان كلا اللفظين تدل عليه الكتب السابقة التي ذكر فيها الاسم سماه الله "أحمد" وفي مكان آخر: "محمداً".
ثامناً: يبدو أن اللغة التي دونت بها التوراة والإنجيل إنما ذكر فيها المادة التي يشتق منها الاسم، فكلا الاسمين يشتقان من تلك المادة، فقارئ التوراة والإنجيل يفهم من تلك المادة كلا الاشتقاقين.
هذا موجز عن هذه المسألة أرجو أن تحقق المطلوب.
стр. 74
تفسير قوله: "وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ "
المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ١٣/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
أنا إنسان طبيعي، لست متخصصاً في علوم الدين، ولكن وجهة نظري -باعتباري مسلماً ومرت علي آيات قرآنية- لماذا لا تكون الأنعام أنزلت من عند الله ولم تخلق على الأرض مثل نزول الحديد؟ والدليل على ذلك أن الله أنزل الناقة على سيدنا صالح، وأنزل الكبش على سيدنا إبراهيم، وإننا ننتظر حتى يكتشف هذه الحقيقة غيرنا، وللأسف كل اكتشاف جديد نقول بأنه موجود في القرآن، ونسارع بقولنا هذا دون النظر إلى أمور غيبية لا نعلمها، وكأننا نطلب شهادة الكفرة بأن ديننا هو من عند الله، الموضوع طويل وأكتفي بهذا. والسلام عليكم.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
جواباً على السؤال: لماذا لا يكون "إنزال الأنعام" في قوله تعالى: "وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ" [الزمر ٦] ؛ دلالة على تكونها خارج الأرض دون بقية الأحياء؟ , وأجيب مستعيناً بالله العلي القدير سائلاً العون والتوفيق:
стр. 75
الأصل هو حمل التعبير في القرآن الكريم على ظاهره، إلا بقرائن صارفة تبيح حمله على ضرب المثل, وقد أكثر القرآن الكريم من التمثيل كأبلغ سبيل لبيان المراد بحالة مماثلة، نحو ما يصرح به قوله تعالى: "وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ" [النور: ٣٥] ، وقوله تعالى: "وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ" [الحشر: ٢١] ، وقوله تعالى: "وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ" [إبراهيم: ٢٥] ، وأما قوله تعالى: "وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ" [العنكبوت: ٤٣] ؛ فيقصر الانتفاع بتلك الأمثال على العالم بالله عن تفكر وإدراك.
وفي قوله تعالى: "يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً" [النساء: ١٧٤] , ظاهر التعبير (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً) انتقال ضوء الشمس نحو الأرض, ولكن السياق يتعلق بإقامة البرهان في مجال الدين بقرينة التعبير (يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ) .
ولذا لم يختلف المفسرون في تأويل لفظ (النور) ، وصرفه عن ظاهر دلالته وبيان أن المراد به هو القرآن الكريم.
قال البيضاوي: "عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن أي قد جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة" [تفسير البيضاوي (ج٢ص٢٨٥) ] .
وقال الثعالبي: "البرهان الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام, والنور المبين يعني القرآن" [تفسير الثعالبي (ج١ص٤٣٥) ] .
следующие страницы →