Полный текст (10 202 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
البربهاري
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٧/١/١٤٢٥هـ
السؤال
من هو الإمام البربهاري؟.
الجواب
البربهاري هو: الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري: شيخ الحنابلة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين والحفاظ للأصول المتقنين والثقات المؤمنين، صحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد منهم المروذي، وصحب سهل التستري، وصنَّف البربهاري مصنفات منها شرح كتاب السنة.
وكانت للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغيظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة تقدم بالقبض على البربهاري، فاستتر وقبض على جماعة من كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة وعاقب الله -تعالى- ابن مقلة على فعله ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة وعزله القاهر عن وزارته، وطرح في داره النار فقبض عليه القاهر بالله يوم الأربعاء لست من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جمعاً فعمى ثم تفضل الله -تعالى- وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت، حتى أنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة المعروف بنفطويه وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين كان المقدم على جماعتهم في الإمامة البربهاري وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفي هذه السنة ازدادت حشمة البربهاري، وعلت كلمته وظهر أصحابه وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، فاجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنه فسأل عن الحال فأخبر بها فاستهولها ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضي على البربهاري فتقدم الراضي إلى بدر الحرسي صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول فانتقل إلى الجانب الشرقي مستتراً فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته للبربهاري: شيخ الحنابلة القدوة الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري الفقيه كان قوالاً للحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، صحب المروذي، وصحب ابن عبد الله التستري، فقيل إن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي رددت على المجوس وعلى النصارى، فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول، ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد فخرج وصنف الإبانة فلم يقبل منه.
стр. 6652
قال أبو الحسين بن الفراء كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أرادوا حبسه فاختفى وأخذ كبار أصحابه وحملوا إلى البصرة فعاقب الله الوزير ابن مقلة وأعاد الله البربهاري إلى حشمته وزادت، وكثر أصحابه فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة، فأخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الراضي حتى نودي في بغداد لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى وتوفي مستتراً في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فدفن بدار أخت توزون فقيل إنه لما كفن وعنده الخادم صلى عليه وحده فنظرت هي من الروشن فرأت البيت ملآن رجالاً في ثياب بيض يصلون عليه فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن لم يفتح وقيل إنه ترك ميراث أبيه تورعاً وكان سبعين ألفاً، في ثلاث وعشرين وثلاثمائة أوقع بأصحاب البربهاري فاستتر وتتبع أصحابه ونهبت منازلهم وعاش سبعاً وسبعين سنة، وكان في آخر عمره قد تزوج بجارية.
стр. 6653
أقوال للشافعي في التصوف
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٢٦/١/١٤٢٥هـ
السؤال
أرجو التكرم بشرح قولي الإمام الشافعي التاليين:
لا يكون أحداً صوفيًّا في الصباح حتى يصبح أخرق في الظهر.
القول الثاني المذكور في ديوانه: كن فقيهًا وصوفيًّا في نفس الوقت.
وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:
أما القول الأول فلم أقف عليه منسوباً إلى الإمام الشافعي ﵀ رغم بحثي عنه.
وأما الثاني فقد وقفت على الديوان المنسوب إليه إعداد وتعليق محمد إبراهيم سليم صـ (٤٦) وفيه هذان البيتان:
فقيهًا وصوفيًّا فكن ليس واحداً *** فإني وحق الله إياك أنصح
فذلك قاسٍ لم يذق قلبه تقى *** وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح
وهذان البيتان في نفسي شيء من صحة نسبتهما إلى الإمام الشافعي ﵀، إذ ليس كل ما نسب إليه من الشعر ثابتاً عنه، ولما تضمنه البيت الثاني من الغلو في الحكم على الفقهاء فضلاً عن البون الظاهر بين هذين البيتين، وبين ما اشتهر نسبته إلى الإمام الشافعي من شعر رصين جزل الألفاظ عظيم الدلالات، وعلى أي حال فهذان القولان إن ثبتت نسبتهما إليه فمحمولان على أن المراد ذم ما عليه أهل التصوف في الجملة؛ لأن التصوف وإن كان في بداياته زهداً وإيثاراً للعزلة وعدم الاختلاط بالناس طلباً للسلامة في الدين إلا أنه لم يلبث أن حاد عن المنهج الحق الذي دعا إليه الإسلام من الزهد المقترن بالعلم والعمل والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفع الأمة ونشر الدين، ثم زاد هذا الانحراف عندما اختلط التصوف بالفلسفات الهندية واليونانية والرهبانية النصرانية في العصور المتأخرة.
وقد ظهر في بعض متقدميهم الذين عاصرهم الشافعي أو سبقوه بقليل مجانبة للحق والفقه في الدين من تعذيب النفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم، والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج حتى قال بعضهم: "لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويؤي إلى مزابل الكلاب" انظر حلية الأولياء (٢/٣٥٩، ٦/١٩٤) وسير أعلام النبلاء (٨/١٧٤) ، وهذا ونحوه مما يحمل الشافعي على الإنكار عليهم لعدم فقههم في الدين، إذ لو فقهوا في الدين ما فعلوا أو دعوا إلى مثل هذا وأمثاله مما يخالف منهج القرآن والسنة وهدي الصحابة ﵃ وسلف الأمة، ومن تأمل الكثير مما يدعونه مقامات وأحوالاً يجد عجباً من المخاريق والشطح والانحراف وعدم البصيرة في الدين يدرك ذلك من كان له أدنى تأمل وبصيرة، نسأل الله أن يعصمنا بطواعيته وطواعية رسوله ﷺ ، كما أن الفقيه مطالب بالعمل بمقتضى الفقه في الدين من الزهد والتواضع وحسن الخلق ولين الجانب ورقة القلب والبعد عما ينافي هذه الأخلاق الحميدة ليكون جامعاً بين العلم والعمل، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6654
ابن مسعود والمذهب الحنفي
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٦/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
نعيش بإحباط في منطقتنا بأمريكا، فهناك بعض من يتلفظ بالسوء على ابن مسعود ﵁ لأجل إظهار ضعف الفقه الحنفي، لأن مدرسة عبد الله بن مسعود هي مدرسة أهل الطرق فماذا نقول لهم عندما يتلفظون بذلك؟ وما هي نصيحتكم لي؛ كي تزيد ثقتي في اتباع المذهب الحنفي بينما الآخرون يهاجمونه؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أصحاب رسول الله ﷺ هم خير الناس بعد الرسل والأنبياء، وبهم نصر الله دينه، وحفظ شرعه، قال عبد الله بن مسعود ﵁ فيما رواه القرطبي في تفسيره (١/٦٠) وغيره: "من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقهاً علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"، ولذلك فإن الواجب على المسلمين محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتوقيرهم، ومعرفة قدرهم، والقيام بحقهم، والترضي عنهم؛ امتثالاً لما اشتملت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه" [التوبة: ١٠٠] ، وفي الجملة فإن عدالة الصحابة ﵃ ومحبتهم والترضي عنهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
стр. 6655
ولذلك حذر أهل العلم من انتقاص الصحابة ﵃ أو سبهم أو الاستهزاء بهم، وعدوا ذلك مخالفة صريحة لمعتقد أهل السنة والجماعة، وجعل العلماء سب الصحابة ﵃ وانتقاص قدرهم قدحاً في الشريعة؛ لأن الشريعة لم تصل إلينا إلا عن طريقهم، فهم كتبة الوحي ونقلة السنة، ومن جملة الصحابة المشهود لهم بالعدالة والفضل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي- ﵁ فهو من أكابر الصحابة ﵃ فضلاً وعلماً وعقلاً، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بالقرآن بمكة المكرمة، ويشهد لفضله أن الرسول ﷺ قال عنه لما ضحك الصحابة ﵃ من تمايل الريح به: "لهو أثقل عند الله يوم القيامة ميزاناً من أُحد" أخرجه الإمام أحمد (٩٢٠) ، وابن أبي شيبة (١٢/١١٤) ، وقال عنه عمر ﵁: "وعاء مليء علماً"، كما كان ابن مسعود ﵁ من فقهاء الصحابة ﵃، ومن المشتهرين منهم باستنباط الأحكام والعمل بالرأي المحمود في المسائل التي لم يرد فيها نص، ولذلك فإن مدرسة عبد الله بن مسعود- ﵁ في العراق تعد النواة الأولى لمدرسة أهل الرأي التي ينسب مذهب الإمام أبي حنيفة إليها، وغير ذلك مما ثبت لعبد الله بن مسعود ﵁ من الفضائل، وبعد هذا كيف يجرؤ أحد على انتقاصه أو التلفظ عليه بسوء إلا من كان زائغ القلب فاسد السيرة والسريرة.
ونصيحتي لك فيما يتعلق باتباع مذهب معين: أن الواجب على المسلم عموماً التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بما تقتضيه النصوص الشرعية، والوقوف عند حدودها؛ لأن الله تعبدنا باتباع ما شرعه هو أو رسوله ﷺ ، ولم يتعبدنا باتباع الأشخاص مهما بلغوا في العلم والدين، وإنما جاز للعامي اتباع مذهب معين من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم؛ لأنه عاجز عن النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكن ينبغي أن يكون هذا الاتباع متجرداً عن التعصب للمذهب والموالاة والمعاداة فيه، كما أنه لا يجوز لأحد من الناس أن ينتقص مذاهب الأئمة المعتبرة عند أهل العلم كالمذاهب الأربعة المشهود لها: (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) ؛ لأن هذه المذاهب اعتبرها العلماء قديماً وحديثاً وشهدوا لأئمتها بالعلم والفضل، ولا يعني هذا أن هذه المذاهب معصومة عن الخطأ أو أن كل ما فيها صحيح وحق، بل فيها الصحيح وغيره، ولكن الذي لا شك فيه أن هؤلاء الأئمة مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 6656
الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. والموالد
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٢٥/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
لماذا جاز للسعودية أن تحتفل بذكر محمد بن عبد الوهاب في مؤتمر أنفقت عليه مئات الآلاف، ولا يجوز لنا أن نحتفل بذكرى مولد رسول الله ﷺ ؟ ومن أولى بذلك رسول الله ﷺ أم محمد بن عبد الوهاب؟ سؤال يردده بعض أهل العلم في مدينة دمشق. نرجو منكم الإجابة عليه.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ما كان أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا مجرد مؤتمر علمي أقيم سنة ١٤٠٠هـ تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، حيث تضمن هذا المؤتمر جملة من الأبحاث المتعددة فيما يتعلق بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من جهة نشأتها وآثارها، والشبهات التي أثيرت حولها مع الجواب عنها، كما قد طبعت مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد جمعها وترتيبها وتحقيقها.
والفرق بين ذلك المؤتمر العلمي وبين الاحتفال بالمولد النبوي ظاهر جلي، فإن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أنه عبادة بذاته إنما قصد به بيان هذه الدعوة وإنصاف مجددها، كما أن أسبوع الشيخ لا يتكرر ولا يعود، كما هو حال الذين يحتفلون بالمولد النبوي، ويتعاهدون ذلك كل عام، فهذا الأسبوع أقيم منذ ربع قرن وانتهى الأمر.
стр. 6657
كتاب (شوارق الأنوار)
المجيب د. محمد بن عبد الله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١١/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو من فضيلتكم إفتائي بكتاب قد أحضرته لي إحدى صديقاتي اسمه: (شوارق الأنوار من أدعية السادة الأخيار) . فقد رأيت في هذا الكتاب ما أرابني به، فقد شككت بأمره؛ فالكتاب كله أدعية، لكنها أدعية طويلة ولأول مرة أقرؤها. إليكم بعض ما جاء من عناوين الأدعية في الفهرس: (الورد اللطيف) للحبيب عبد الله الحداد، (العشرات والمسبعات) حزب النووي، (ورد الإمام علي بن أبي بكر السكران) ، (ورد الإمام أبي بكر بن سالم العلوي) ، (دعاء جامع للإمام الحسين بن الشيخ أبي بكر السالم) ، (صلاة الفاتح) ، (صلاة السرور) . وقد لاحظت أنهم يحددون عدة مرات من القراءة، مثلاً: اقرأ دعاء البسملة (٧٨٦ مرة) ، وقل: يا الله ٦٦ مرة. وقد ورد في بعض الأدعية دعاؤهم بجاه محمد ﷺ : (اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ﷺ . أفتوني جزاكم الله خيرًا، فقد تم نشر هذا الكتاب بنسخ كثيرة.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
يا أختي: هذا الكتاب واحد من المؤلفات الصوفية الكثيرة التي لها طرائق متعددة كالرفاعية والأحمدية، والشاذلية، وغيرها، وقد ملؤوا كتبهم هذه بـ:
١- أدعية وأوراد مأثورة مسندة إلى النبي ﷺ ، أو إلى أحد الصحابة، ﵃، بعضها صحيح وبعضها ضعيف أو موضوع، وهذا قليل في هذه الكتب.
٢- أدعية وأوراد مبتكرة منسوبة إلى من يسمون بالأولياء والأقطاب والأوتاد من الصوفية، بل لا يكاد ولي أو صاحب طريقة، إلا وقد اخترع لله ذكرًا ووردًا ألزم به أتباعه ومريديه.
٣- تحديد عدد مرات القراءة للآيات أو للأذكار بأرقام طويلة جدًّا أحيانًا تزيد على الألف وكثير منها بالمئات، وهذه كلها بدع ومحدثات ما أنزل الله بها من سلطان.
فأنصحكِ بترك هذه الكتب ومناصحة من يوزعها وينشرها، واستبدلي بذلك الأذكار الشرعية على الطريقة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وتجدين ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتب السنن، وكتب الأذكار المصنفة في هذا المجال مثل: كتاب الأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام وصحيحه للألباني، والوابل الصيب لابن القيم، وحصن المسلم، وغيرها مما هو موجود ومؤلف من علماء أهل السنة. وفق الله الجميع لرضاه.
стр. 6658
خولة بنت الأزور: حقيقة أم أسطورة
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٢٩/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد قرأت مقالة يحاول فيها الكاتب إثبات أن شخصية الصحابية خولة بنت الأزور، شقيقة الصحابي ضرار بن الأزور- ﵁ هي شخصية خيالية وليس لها وجود، فقد قال: إن ذكرها جاء في كتاب واحد هو (فتوح الشام) المنسوب للواقدي، وبناء على ذلك نفى الكاتب حقيقة تلك الشخصية، في الحقيقة لم تتضمن المقالة أي مراجع أو توثيقات يعتمد عليها، ولم تذكر من هو القائل، فقد وصلني النص فقط، لذلك رأيت أن أسألكم حول صحة هذا الكلام، وهل شخصية الصحابية خولة بنت الأزور، شقيقة الصحابي ضرار بن الأزور، شخصية حقيقية أم خيالية؟ وجزاكم الله عنا كل الخير.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
خولة بنت الأزور: لا وجود لها في كتب معرفة الصحابة، ولا في كتب التاريخ والتراجم، وإنما ذكرت في كتاب (فتوح الشام) المتداول بين الناس، والمنسوب للواقدي ولا تصح نسبته للواقدي، وهذا أمر معروف عند الباحثين، ثم إن المعروف في حروب النبي ﷺ وأصحابه- ﵃ أن المرأة لا تشارك الرجال في القتال، وإنما تقوم بمداواة الجرحى وسقي الغزاة ومساعدتهم، ولم تكن تباشر القتال، ثم إن الصحابي الجليل ضرار بن الأزور ﵁ لم يذكر في ترجمته أن له أختاً تسمى خولة، ولو كانت مشهورة معروفة لناسب ذكرها، والذي يظهر أن خولة بنت الأزور شخصية أسطورية، لا وجود لها، والله أعلم. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6659
هل لورقة بن نوفل صحبة ؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٠٥/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
هل تصح الصحبة لورقة بن نوفل، وقد قال للنبي ﷺ : (إن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) . وقال الذهبي [في السير ترجمة سعيد بن زيد] : مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذَّب، يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد. فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، صبرًا يا بلال، لم تعذبونه؟ فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا- يقول: لأتمسحن به- هذا مرسل. وورقة لو أدرك هذا لعد من الصحابة، ﵃، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة، كما في الصحيح، أرجو إفادتنا بالقول الفصل في صحبة ورقة. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
стр. 6660
ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي ﵌. ذكره الطبري وابن قانع وابن السكن، وغيرهم في الصحابة، وقال الحافظ العراقي: " ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة بن نوفل، لحديث الصحيحين في بدء الوحي " [ينظر: تدريب الراوي (٢ / ٢٢٩) ] ، وقد ثبت في الصحيحين [البخاري ح (٤) ، ومسلم ح (١٦٠) ] من حديث عائشة ﵂ قالت: " فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ "، قال الحافظ ابن كثير: " وقوله: ثم لم ينشب ورقة أن توفي أي توفي بعد هذه القصة بقليل ﵀ ورضي عنه فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل " [ينظر: البداية والنهاية (٣/٩) ] ، وقال ابن حجر: " فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله ﷺ الناس إلى الإسلام " وأخرج الإمام أحمد في المسند ح (٢٣٢٣١) من حديث عائشة ﵂: أَنَّ خَدِيجَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَ: " قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ "، قال ابن كثير: " وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلاً "، وفي زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن بن إسحاق قال يونس بن بكير عن يونس بن عمرو وهو بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جده عن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل - وهو من كبار التابعين أن رسول الله ﷺ قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي فقالت معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله انك لتؤدي الأمانة الحديث فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وانك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وان يدركني ذلك لأجاهدن
стр. 6661
معك فلما توفي قال رسول الله ﷺ لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني، وفي هذا الإسناد انقطاع، ويعتضد بما أخرجه الزبير بن بكار عن عثمان عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول: أحد أحد فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، قال الحافظ ابن حجر: " وهذا مرسل جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﷺ إلى الإسلام حتى أسلم بلال ". [الإصابة في تمييز الصحابة (٦/٦٠٧) ] ويمكن أن يسلك مسلكان بين الرواية التي تدل على تأخر ورقة حتى دعا الرسول ﷺ إلى الإسلام، وما جاء في الصحيح أنه توفي قبل ذلك، أحدهما: أن يرجح ما في الصحيح لأن ما في الصحيح أصح، ويقال: يكفي في إيمانه وتصديقه ما جاء في الصحيح كما تقدم عن الحافظين ابن كثير وابن حجر. ثانيهما: أن يقال بالجمع بين ما جاء في الصحيح وما ورد من تأخر ورقة، وذلك أن يقال: قوله وفتر الوحي ليست للترتيب، قال الحافظ ابن حجر: " فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكراً بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع " [ينظر: فتح الباري (١/٢٧) ] ، وقد ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي تأليفاً في إيمان ورقة بالنبي وصحبته له، قال البغدادي في خزانة الأدب (٣/٣٩١) : " ولقد أجاد في جمعه وشدد الإنكار على من أنكر صحبته، وجمع فيه الأخبار التي نقلت عن ورقة ﵁ بالتصريح بإيمانه بالنبي ﷺ ، وسروره بنبوته، والأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة ... " ثم قال البغدادي: " وحاصل ما ذكره البقاعي في شأن ورقة بن نوفل: أنه ممن وحد الله في الجاهلية، فخالف قريشاً وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك، وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطئوا دين أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، ووحد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة، فلم يكتف بما هداه إليه عقله، بل ضرب في الأرض ليأخذ عن علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده، الضابطة للأديان، فأداه سؤاله أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان، وهو الناسخ لشريعة موسى ﵇: دين النصرانية، ولم يتبعهم في التبديل، بل في التوحيد، وصار يبحث عن النبي ﷺ ، الذي بشر به موسى وعيسى ﵉، فلما أخبرته ابنة عمه الصديقة الكبرى خديجة رضوان الله عليها بما رأت وأخبرت به في شأن النبي ﷺ ، من المخايل: بإضلال الغمام ونحوها ترجى أن يكون هو المبشر به، وقال في ذلك أشعاراً يتشوق فيها غاية التشوق إلى إنجاز الأمر الموعود، لينخلع من النصرانية إلى دينه، لأنه كان قال لزيد بن عمرو بن نفيل - لما قال لهم العلماء: إن أحب الدين إلى الله دين هذا المبشر به -: أنا أستمر على نصرانيتي إلى أن يأتي هذا النبي، فلما حقق الله الأمر
стр. 6662
وأوقع الأرهاصات: بالسلام من الأشجار والأحجار على النبي ﷺ ، وبمناداة إسرافيل ﵇ للنبي ﷺ مع الاستتار منه، وخاف النبي ﷺ من ذلك فاشتد خوفه، فنقل ذلك إلى ورقة ﵁، اشتد سروره بذلك وثبته، وشد قلبه وشجعه، فلما بدا له الأمر بفراغ نوبة إسرافيل وأتاه جبريل ﵇ وفعل ما أمره الله به شق صدره الشريف، وغسل قلبه وإيداعه الحكمة والرحمة وما شاء الله، وتبدى له جبريل، وأنزل عليه بعض القرآن وأخبره به، قف شعر ورقة وسبح الله وقدسه وعظم سروره بذلك، وشهد أنه الذي أنزل عليه كلام الله، وشهد أنه نبي هذه الأمة، وتمنى أن يعيش إلى أن يجاهد معه، هذا مع ما له بالنبي ﷺ وزوجه الصديقة خديجة من عظم القرب والإنتساب الموجب للحب، ﵁ وأرضاه. " [ينظر: خزانة الأدب للبغدادي (٣/٣٩١ - ٣٩٥) ] .
стр. 6663
إسلام عبد المطلب
المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان
المدرس بالحرم المكي
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٤/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سمعت داعية في إحدى القنوات الفضائية يقول عن عبد المطلب جد نبينا محمد ﷺ : إنه رجل مؤمن حنفي، وذلك خلال شرحه لقصة عبد المطلب مع أصحاب الفيل عندما قال: إن للبيت ربًّا يحميه. وقد قال بالضبط: إن هذا هو التوحيد بعينه. سؤالي: هل فعلاً عبد المطلب كما ذُكِر؟ وهل نعتبره مسلمًا يجوز الترحم عليه؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عبد المطلب جد النبي ﷺ مات قبل بعثة النبي ﷺ فهو من أهل الفترة، ولا يصح أن يعتبر مسلمًا، وأما قوله: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه. فهذا اعتراف بتوحيد الربوبية، وغالب كفار قريش يعترفون بتوحيد الربوبية، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قاتل كفار قريش مطالبًا إياهم بالإيمان بتوحيد الألوهية، وهو أن يعبد الله وحده، وكذا عمه أبو طالب أدرك الإسلام، وأبى أن يسلم، ومات على ملة عبد المطلب، والدليل على أن كثيرًا من كفار قريش وغيرهم من الكفار كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية قول الله جل وعلا: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت:٦١] . وقوله جل وعلا: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت:٦٣] . والآيات في مثل هذا كثيرة في كتاب الله.
وقد قاتل النبي ﷺ هؤلاء مريدًا منهم أن يخلصوا العبادة لله وحده، فإيمان المرء بتوحيد الربوبية لا يدخله في الإسلام، وإنما يدخله في الإسلام الإيمانُ بتوحيد الربوبية، والإيمان بتوحيد الألوهية، وهو ألا يعبد إلا الله، والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات. والله أعلم.
стр. 6664
الهجوم على المذهب الحنفي
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٢٩/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
كما تعلمون كان المذهب الحنفي مذهباً شرعياً قوياً، أخذ به أعظم السلاطين كتشريع في دولهم، وما تجرأ أحد أن يتكلم فيه منذ نشأ في سنة ٩٥هـ، لكن الملاحظ منذ نحو عشرين سنة بدأ التهجم على هذا المذهب بأنه قائم على الرأي، ويتهمون الإمام أبا حنيفة بعدم معرفة الحديث النبوي. بماذا تعللون السبب في هذا التهجُّم الشرس الذي ظهر في هذه الأيام؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
стр. 6665
فإن المذهب الحنفي من المذاهب المعتبرة والمعتمدة عند أهل العلم، وهو أول المذاهب الأربعة من حيث السبق الزمني، ومؤسس هذا المذهب هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت المولود سنة ٨٠هـ، المتوفى سنة ١٥٠هـ، وهو إمام من أئمة الإسلام مشهود له بالعلم والتقوى والورع، بلغ في الفقه منزلة عالية، قال عنه الإمام الشافعي: (الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة) ، وما زال علماء هذا المذهب وأئمته يتعاقبون على تقريره ونشره ورفع رايته، وتدريس كتبه ومصنفاته على اختلاف العصور والأزمان إلى يومنا هذا، ومع شهادة العلماء لهذا المذهب وأئمته بالعلم والصلاح، إلا أن بعض أهل العلم قد انتقد هذا المذهب، ونسب إليه عدم الاهتمام بالحديث والاعتماد على الرأي، وهذا الانتقاد لم يكن وليد العصر الحاضر- كما يشير السائل- بل كان من مئات السنين، ومن ذلك ما قاله عياض (ت: ٥٤٤هـ) في حق الإمام أبي حنيفة: وهو ممن سلم له حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس، وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس له إمامة في الحديث، ولا استقلال بعلمه، ولا يوجد له في أكثر المصنفات الحديثية ذكر، ولا أخرج له أهل الصحيحين منه ولو حرفاً، وأكثر ما ينتقده المنتقدون على الإمام أبي حنيفة عدم أخذه بالحديث واستناده إلى الرأي، بل إن بعضهم نسب إليه أنه كان يرد الأحاديث الصحيحة كما نقله الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ) ، إلا أن هذه الانتقادات قد تصدى لها بعض الباحثين وبينوا عدم صحتها، وقرروا أن الإمام أبا حنيفة كان يأخذ بالحديث إذا صح عنده، واستدلوا على ذلك بروايات منقولة عن الإمام أبي حنيفة، ومنها قوله عن نفسه: (إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ لم نحل عنه إلى غيره، وأخذنا به) ، وقوله عندما سئل عما يلبس المحرم إذا لم يجد الإزار، حيث قيل له: أتخالف رسول الله ﷺ ؟ قال: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ به أكرمنا الله، وبه استنقذنا، ومما يدل على أن الإمام أبا حنيفة كان يأخذ بالحديث إذا صح عنده ما قاله تلميذه زفر: (لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين، فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها) ، وما قاله أبو يوسف أكبر أصحاب الإمام أبي حنيفة: (ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التي فيه من أبي حنيفة، وكان أبصر بالحديث الصحيح مني) ، وعموماً فإن الإمام أبا حنيفة كغيره من أئمة الإسلام كان يأخذ بالحديث إذا رآه صالحاً للاحتجاج به، ولا يتصور أنه كان يتركه إلى غيره ويعرض عنه، وإذا رأينا أن الإمام أبا حنيفة أو غيره من الأئمة قال قولاً يخالف حديث رسول الله ﷺ فإننا نعتذر له بأنه لم يطلع على الحديث، أو لم يبلغه أو نحو ذلك، لا سيما وأن السنة لم تدون في عصر الإمام أبي حنيفة كما دونت في عصر من بعده.
стр. 6666
وأختم الجواب بكلام جميل يتعلق بالموضوع ذكره ابن خلدون، حيث قال وحاشاه - يعني أبا حنيفة- أن يكون جاهلاً بالسنة، وكيف يتصور جهله بها مع إمامته المسلمة في الفقه، وكيف يأخذ عنه جمهور من الأمة؟ وإنما الذي نفاه عياض - يعني المتقدم -: الإمامة والتبرز فيه، حتى يكون مثل مالك وابن حنبل مثلاً، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل، والتماس المخارج الصحيحة لهم، والله أعلم بما في حقائق الأمور. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 6667
هل الخلافة العثمانية شرعية
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١١/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
ما رأي العلماء في الخلافة العثمانية؟ وكيف تكون شرعية وهي ليست من قريش؟ ألا تكون قد خالفت كلام رسول الله ﷺ ؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأولاً: سلاطين آل عثمان لم يسموا أنفسهم خلفاء، وإنما سموا أنفسهم سلاطين، وهذه التسمية صحيحة.
ثانيًا: يشترط في الإمام أن يكون قرشيًّا في حال اختيار الإمام من أهل الحل والعقد، أما الإمام المتغلب على الحكم بالقوة فلا يشترط فيه القرشية، ولذلك قال ﷺ : "اسْمَعُوا وأَطِيعوا ولَو اسْتُعمِل عَلَيكُم عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ". أخرجه البخاري (٧١٤٢) ، فالإمام المسلم المتغلب تجب طاعته، ولو لم يكن عربيًّا، فضلاً عن القرشي - كما هو ظاهر هذا الحديث والأحاديث الأخرى. والله تعالى أعلم.
стр. 6668
ما يقال عن حسن البنا
المجيب د. علي بن عمر با دحدح
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٧/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
هل كان الإمام حسن البنا داعية منحرفًا؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن مما ينبغي للمسلم أن يعلمه ويلتزمه تجاه إخوانه المسلمين جملة من الأمور منها:
١- أن يكف عنهم شروره وأذاه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب:٥٨] . ووصف الرسول ﷺ المسلم بقوله: "المُسْلِمُ مَن سَلِم المُسْلِمونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ". أخرجه البخاري (١٠) ومسلم (٤٠) .
٢- أن يحسن الظن بهم، ويجتنب الظنون السيئة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات:١٢] . وقال ﷺ :"إيَّاكُم والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَديثِ". أخرجه البخاري (٥١٤٤) ومسلم (٥٢٦٣) .
٣- أن يحب لهم ما يحب لنفسه، وذلك مقتضى الأخوة؛ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠] . وهو من أسباب كمال الإيمان، كما قال المصطفى ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". أخرجه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) .
٤- أن يقدم لهم العون والمساعدة، ويدخل عليهم السرور، ويقوم بأداء حق المسلم على أخيه المسلم، وينتصر لهم إذا ظلموا، ويدافع عنهم إذا اتُّهِموا.
وأما في الحالات التي يبلغ المسلم عن بعض إخوانه شيء من السوء أو التهم بالفساد ونحو ذلك فإن على المسلم- إضافة إلى ما سبق- أن يتبع المنهج الشرعي تجاه ذلك. وهذا موجز من القول في هذا الباب:
стр. 6669
(أ) التثبت والتحقق، وعدم التساهل والتعجل قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:٦] . قال الشوكاني: المراد من التبيُّن التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر والخبر الوارد حتى يتضح أمره. وفي حديث المصطفى ﷺ : "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجْلِ: زَعَمُوا". أخرجه أحمد (١٧٠٧٦) وأبو داود (٤٩٧٢) . وكثير من التهم تكون باطلة، وكثير من المثالب لا أساس لها من الصحة، فلا ينبغي أن تقبل الأقاويل والأباطيل دون البينة والدليل، ومن آكد ما ينتبه له معرفة المصدر وتحديد القائل، فكم من تهمة لا يُعرف مُطْلِقُها، وفِريةٍ لا يُكشف مصدرها، وربما إذا عرف القائل وكان من الكفار أو الفجار، أو كان من ذوي الأهواء والخصومات ونحو ذلك، فلا اعتبار لمثل قوله، وأهل العلم بالجرح والتعديل يؤكدون أنه (ليس بمجروح قول إنه ليس لمجروح قول) ، ويبينون أن كلام الأقران في بعضهم البعض يطوى ولا يروى، ويكشفون أن دوافع الذم والنقد إن كانت منافسة وحسدًا، أو مخالفة وبغضًا فإنها لا تقبل على علاتها وبدون نقد وتمحيص، ورحم الله ابن جرير حين قال: لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما دعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك لزم ترك أكثر محدثي الأمصار.
(ب) أن يلتمس لهم الأعذار استحضارًا لحسن الظن وأن يحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل، وقد ورد في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : "ولا أحدٌ أحَبُّ إليه العُذْرُ مِن اللهِ، ومِن أَجْلِ ذلك بعَث المُبَشِّرين والمنذِرِين". أخرجه البخاري (٧٤١٦) ومسلم (١٤٩٩) . ومن سياق شرح الحديث نقل القرطبي ما يلي: إذا كان الله مع كونه أشد غيرة منك- المقصود سعد بن عبادة- يحب الإعذار، ولا يؤاخذ إلا بعد الحجة. ورحم الله أبا قلابة الجرمي حيث قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جَهْدَكَ، فإن لَمْ تَجِدْ لَه عُذْرًا فقُلْ في نفسك: لعلَّ لأخي عُذرًا لا أعلمه. أخرجه أبو نعيم ٢/٢٨٥.
(ج) النصح وحسن التوجيه بالأسلوب الحكيم والطريقة المؤثرة فالدين النصيحة، والخطأ وارد وليس هناك معصوم إلا المصطفى ﷺ ، وينبغي أن يكون قصد الناصح إرادة الحق وإيثار الصواب ومحبة المنصوح، والأصل أن تكون النصيحة في السر بين الناصح والمنصوح وإلا صارت فضيحة.
(د) الستر وعدم التشهير والغيبة، لأن الله تعالى قال: ٍ (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النور:١٩] . قال ابن كثير: هذا تأديب لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ، فقام في ذهنه شيء منه فلا يشيعه ويذيعه. وليستحضر المسلم قوله ﷺ : "مَن سَتَر مًسْلِمًا سَتَرَه اللهُ يومَ القيامةِ". أخرجه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) .
стр. 6670
(هـ) العدل والإنصاف والتوازن والاعتدال والنظر إلى حال المرء من جميع الجوانب وعدم التركيز على الخطأ القليل وترك الصواب الكثير، والإنسان يوصف بما غلب عليه لا بما ندر من أحواله، وحاطب بن أبي بلتعة ﵁ فعل أمرًا عظيمًا يوم فتح مكة، لكن الرسول ﷺ عفا عنه وقال: "لعلَّ اللهَ اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم فقَد غَفَرتُ لكُم". أخرجه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) . ومن هنا قال ابن القيم: فوقعت تلك السقطة العظيمة مُغتفَرَةً في جنب ماله من الحسنات.
والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه- كما قال ابن رجب- وإنما العبرة بكثرة المحاسن- كما قرر ذلك الذهبي، وزاده إيضاحًا بقوله: ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر ذلك ولا نُضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك. ا. هـ
والختام هنا قاعدة جليلة لابن القيم: لو كان كل من أخطأ أو غلط ترك بالجملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات وتعطلت معالمها.
وبعد ما سبق نأتي على مقصود السائل، لأن الإجابات إنما تفهم في ضوء القواعد الكلية والآداب المرعية، والمقاصد الشرعية لتكون أصلاً يرجع إليه، ونموذجًا يقاس عليه، وقبل ذلك تكون الكليات مُعِينة على رشد العقل، ومذكرة بحسن القصد وموصلة إلى صواب المنهج.
وأما الرجل المسؤول عنه فإنه ولد ونشأ في أسرة متعلمة، وكان والده الشيخ احمد عبد الرحمن من علماء الحديث الأفذاذ- وهو مؤلف كتاب (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام احمد بن حنبل) - وتلقى علومه في مدارس مصر وتخرج من دار العلوم في القاهرة، كما تتلمذ على الشيخ محمد رشيد رضا وتأثر به، وشارك في إنشاء عدد من الجمعيات التي تدعو إلى الفضيلة والأخلاق وتحارب المنكرات إلى أن أسهم في تأسيس جمعية الشبان المسلمين عام ١٩٢٧ وخلص منها إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية في مارس ١٩٢٨، وأتبعها لاحقًا بقسم (الأخوات المسلمات) في أبريل ١٩٣٣. وكان له نشاط كبير في الدعوة إلى الجهاد لتحرير فلسطين، وأرسل أعدادًا كبيرة من الإخوان المسلمين ليشاركوا في تحرير فلسطين فأبلوا بلاء حسنًا
ونحن لم نر الإمام حسن البنا لكن الثقات من الدعاة والعلماء الأجلاء أثنوا عليه خيرًا وشهدوا له بالإمامة والورع والتقوى واعتبره عدد غير قليل منهم مجدد القرن الرابع عشر، رحمه الله تعالى.
стр. 6671
قال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي: (إن كل من عرف الإمام حسن البنا عن كثب لا عن كتب، وعاش متصلاً به، عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين هي: العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفية القوية الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة- دون كلل- في نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطموح والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس، تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة به عارفوه، حتى لكأنه (كما حدثنا كثير منهم) مثل رفيف الضياء: لا ثقل، ولا ظل، ولا غشاوة.
وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيرًا وأكثر إنتاجًا منها منذ قرون، وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد حركة أوسع نطاقًا وأعظم نشاطًا وأكبر نفوذًا، وأعظم تغلغلاً في أحشاء المجتمع، وأكثر استحواذًا على النفوس منها.
ولقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها في ناحيتين خاصتين لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين:
أولها- شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري على أيديهم الخير الكثير.
وثانيها- تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان منشئ جيل، ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية، وقد أثر في ميول من اتصل به من المعلمين والعاملين، وفي أذواقهم وفي مناهج تفكيرهم وأساليب بيانهم ولغتهم وخطاباتهم تأثيرًا بقي على مرّ السنين والأحداث، ولا يزال شعارًا وسمة يعرفون بها على اختلاف المكان والزمان) () .
стр. 6672
وقال عنه محب الدين الخطيب: (إن الأستاذ حسن البنا أمة وحده، وقوة كنت أنشدها في نفس مؤمن فلم أجدها إلا يوم عرفته ... وكنت (ابن صنعة) يوم اكتشفت بيني وبين نفسي حاجة الاسلام إلى هذا الداعية القوي، الصابر المثابر، الذي يعطي الدعوة من ذات نفسه ماهي في حاجة إليه من قوة ومرونة ولين وجلد وصبر وثبات إلى النهاية ... وكثيرًا ما كنت أفكر في هذا الجيش اللجب من الإخوان المسلمين ومالهم من مئات الشُّعَب وكيف استطاع رجل واحد أن يحقق ذلك بعد أن كان أملاً بعيدًا لكل غيور على الإسلام) () . ويقول صاحب مجلة الرسالة الأستاذ أحمد حسن الزيات في حسن البنا: (دعا إلى إصلاح الدين والدنيا، وتهذيب الفرد والمجتمع، وتنظيم السياسة والحكم، فكان أول مصلح ديني فهم الإسلام على حقيقته، وأمضى الإصلاح على وجهه. لم يفهم الإسلام الذي طهر الأرض وحرر الخلق وقرر الحق على أنه عبادة تؤدى، وأذكار تقام، وأوراد تتلى، وإنما فهمه كما فهمه محمد ﷺ وعمر وخالد: نورًا للبصر والبصيرة، ودستورًا للقضاء والإدارة، وجهادًا للنفس والعدو) .
وقد كتب عنه الكاتب الأمريكي روبرت جاكسون كلمات يقول فيها: (هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده.. إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر. لقد مرّ في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر. كان لابد أن يموت هذا الرجل- الذي صنع التاريخ وحوّل مجرى الطريق- شهيدًا كما مات عمر وعلي والحسين. كان لابد أن يموت باكرًا، فقد كان غريبًا عن طبيعة المجتمع.. يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أولم يأت وقتها بعد..
وعلى الرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يعمل شيئًا حتى الآن وأنه لم يزد على جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله، غير أن معركة فلسطين، ومعركة التحرير الأخيرة في القناة، قد أثبتتا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة قَلَّ أن تجد لها مثيلاً، إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية..
وكان الرجل عجيبًا في معاملة خصومه وأنصاره على السواء، كان لا يهاجم خصومه ولا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة، وكان يؤمن بالخصومة الفكرية، ولا يحولها إلى خصومة شخصية..)
ولا يزال الحديث لروبير جاكسون- إذ يقول: (وعاش الرجل كل لحظة من حياته بعد أن عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن نقاء الفكرة وسلامة الهدف. لم يحن رأسه، ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات ولا المهددات.. وكان الرجل قذى في عيون بعض الناس، وحاول الكثيرون أن يفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم إن أنصاره ليسوا عصا في يد أحد، وإنهم لله وحده. وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه، فكان أصلب عودًا من أن يُخدع أو ينطوي..) .
ويستمر قائلاً: (وأفاد الرجل من تجارب من سبقوه، ومن تاريخ القادة والمفكرين والزعماء.. الذين حملوا لواء دعوة الإسلام، ولم يقنع بأن يكون مثلهم.. ولكنه ذهب آخر الشوط، فأراد أن يستمد من عمر وخالد وأبي بكر.. فأخذ من أبي بكر السماحة، ومن عمر التقشف، ومن خالد عبقرية التنظيم) () .
стр. 6673
(ولقد كان النهج الذي قبسه (البنا) من القرآن وعززه بالعلم، ونشره بالبيان وأيده بالمعاملة، كان من الجد والصدق والعزيمة بحيث زلزل أقدام المستعمر، وأقض مضاجع الطاغية، وخيب آمال المستغل، فتناصرت قوى الشر على الدعوة العظمى وهي تتجدد في كل مصر، كما تناصرت قوى الشرك عليها، وهي تولد في الحجاز، ولما كان حسن البنا فكرة لا صورة، ومبدأ لا شخصًا، فإن الفكرة الصالحة تنمو نماء النبت، والمبدأ الحق يبقى بقاء الحق) () .
وأما دعوة البنا وفكرته فقد أوضحها في رسائله، ومن أبرزها رسالة التعاليم التي أوضح فيها فهم الإسلام في عشرين أصلاً، وكذلك في مواطن أخرى.
وقد انتقد البنا عددٌ من الكتاب، وجملة الاعتراضات تتركز في ثلاثة جوانب؛ الأول الجانب العقدي؛ اتهم فيه بالتفويض في الأسماء والصفات، وبعدم التحرير في موضوع التوسل، كما اتهم بالتصوف. وانتقد في سياسة الحرص على جمع الناس والترخص في ما قد يكونون عليه من تفريط وتقصير عقدي أو سلوكي. وقد انتقدت سياسته التي عبر عنها بقوله: (نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) . كما انتقدت صور من ممارسات جماعته بعد وفاته، وتعرض بهذه المسائل بتوضيحها وبيان القول فيها عددٌ من الكتّاب من أتباعه ومؤيديه مثل د. عصام البشير في كتابه (أضواء على الأصول العشرين) ، ود. جاسم مهلهل الياسين في كتابه (للدعاة فقط) . كما كتب كثيرون عن شخصيته وعن جماعته ودورها وآثارها. وبالرجوع إلى ما سبق من قواعد فإن البنا رجل يخطئ ويصيب ويؤخذ من قوله ويرد، وفي الوقت نفسه فإن المنصف يرى أن حسناته أكثر بكثير من أخطائه وأن الأثر الذي تركه من بعده نما وترعرع وشمل البلاد الإسلامية كلها تقريبًا وعمّ بها النفع، وحسبه أنه بذل ولم يمنع وعمل ولم يكسل وتحرك ولم يسكن وأقضّ مضاجع الأعداء حتى تآمروا عليه وقتلوه ﵀.
стр. 6674
جلال الدين الرومي
المجيب د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٤/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
أرجو أن أعرف موقفكم من العالم الشاعر: جلال الدين الرومي، الناس هنا في بريطانيا يقرؤون كتبه المترجمة، لكنني سمعت عنه خيرًا وغير ذلك مما سبب لي حيرة فيه. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جلال الدين الرومي من أئمة التصوف المتأخرين، وهو من الغلاة، وله المثنوي، كتب شعرًا بالفارسية، تضمن كثيرًا من الأفكار الصوفية الغالية، مثل الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، وكذا وحدة الأديان. من كلامه: (مسلم أنا، لكني نصراني، وبرهمي، وزرادشتي) . وقد جمع أخباره وأفكاره، وأقواله المؤلف التركي المعاصر: محمد القونوي، في كتاب حمل عنوان: (أخبار جلال الدين الرومي) ، ذكر فيه عنه مستبشعات من الأقوال والأفعال والأفكار فليراجع. والله أعلم.
стр. 6675
أين دفن عثمان وعلي ﵄ ؟
المجيب د. فوزي محمد ساعاتي
أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ٢٤/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
أين دفن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄؟ ولكم خالص التحايا.
الجواب
دفن عثمان ﵁ في حش كوكب (بستان) في شمال شرقي البقيع، وسماها النبي ﷺ بالروحاء، وأدخل بنو أمية حش كوكب في البقيع والغرقد، والبقيع يقع في الجهة الجنوبية الشرقية للمسجد النبوي، وقبر عثمان ﵁ الآن في آخر البقيع على بعد (١.٣٥) مترًا من قبور شهداء الحرة.
أما علي بن أبي طالب ﵁ فقد خفي موضوع قبره والله أعلم، ومما قيل أنه دفن بالكوفة عند مسجد الجماعة، وقيل بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلاً، وعُمي موضع قبره، وقيل نقله ابنه الحسن إلى المدينة ودفن بالبقيع، وقيل في أثناء نقله نفر فرسه وصار إلى بلاد طئ فدفن بها، وهذه الأخيرة غير موثوق بها.
أما مشهد علي بالنجف إنما كان أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية، وأهل المعرفة متفقون أنه ليس بقبر علي ﵁ بل قيل هو قبر المغيرة بن شعبة ﵁.
стр. 6676
الآثار النبوية
المجيب د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/ مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٥/٧/١٤٢٢
السؤال
أثناء زيارتي لتركيا رأيت في متحف (طوب قابي سراي) في اسطنبول قاعة للأمانات المقدسة، تضم آثاراً نبوية؛ شعرات للرسول ﷺ ، ورسالته للمقوقس، وبردته، وأشياء أخرى، ولم ألاحظ ما يدل على ثبوت ذلك تاريخياً.
فما حقيقة هذه الآثار، وهل يصح أنها نبوية؟
الجواب
ليس هنالك ما يدل على ثبوت صحة نسبة هذه الآثار ونحوها إلى الرسول ﷺ .
قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) المحقق أحمد تيمور باشا ص ٧٨ بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ بالقسطنطينية (اسطنبول) : (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) الخ.
ولا شك في مشروعية التبرك بآثار نبينا محمد ﷺ في حياته وبعد وفاته، ولكن الشأن في حقيقة وجود شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر.
وإن مما يضعف هذه الحقيقة ما جاء في صحيح البخاري (٣/١٨٦) عن عمرو بن الحارث ﵁ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة) فهذا يدل على قلّة ما خلَّفه الرسول ﷺ بعد موته من أدواته الخاصة.
وأيضاً فقد ثبت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون؛ بسبب الضياع، أو الحروب، والفتن ونحو ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك فقدان البردة في آخر الدولة العباسية، حيث أحرقها التتارعند غزوهم لبغداد سنة ٦٥٦هـ، وذهاب نعلين ينسبان إلى الرسول ﷺ في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة ٨٠٣هـ.
ويلاحظ كثرة ادعاء وجود وامتلاك شعرات منسوبة إلى الرسول ﷺ في كثير من البلدان الإسلامية في العصور المتأخرة، حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلاثاً وأربعين شعرة سنة ١٣٢٧هـ، ثم أهدي منها خمس وعشرون، وبقي ثماني عشرة.
ولذا قال مؤلف كتاب (الآثار النبوية) ص٨٢ بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃: (فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد بذلك فإنما وصل إليهم مما قُسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها) .
стр. 6677
ومن خلال ما تقدم فإن ما يُدّعى الآن من وجود بعض الآثار النبوية في تركيا أو غيرها سواءً عند بعض الجهات، أو عند بعض الأشخاص موضع شك، يحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول ﷺ إلى برهان قاطع، يزيل الشك الوارد، ولكن أين ذلك؟ ولاسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وُضعت الأحاديث ونسبت إليه ﷺ كذباً وزوراً.
وعلى أي حال فإن التبرك الأسمى والأعلى بالرسول ﷺ هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل، والإقتداء به، والسير على منهاجه ظاهراً وباطناً.
стр. 6678
تطور الأحياء (النشوء والارتقاء)
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٤/٤/١٤٢٣
السؤال
ما هو رأي الإسلام في تطور الأحياء؟ وهل كل الأحياء نشأت من أصل واحد حقيقة؟ لقد شاهدت شريطاً للعالم/ عبد المجيد الزنداني، وقد عارض فيه تلك الفكرة، ولكنه وافق على تطور الأحياء من حيث الحجم، حيث إن ذلك منصوص عليه في أحاديث كثيرة، وشكراً.
الجواب
الحمد لله الذي خلق الإنسان من عدم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
من الأمور القطعية في الإسلام أن آدم هو أبو البشر جميعاً، وأنه بداية الجنس البشري الذي يعيش في الأرض، وأمر الخلق وما حدث في أول خلق آدم وحواء مفصل في القرآن الكريم في آيات كثيرة، منها: قوله -تعالى-:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" [البقرة:٣٠] إلى قوله -تعالى-:"ولا هم يحزنون" الآيات [البقرة:٣٠-٣٨] ، وقوله -تعالى-:"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [آل عمران:٥٩] .
والأديان السماوية كلها على هذا الاعتقاد ولم يخالف فيه أحد، حتى جاء دارون، ووضع ما يسمى نظرية التطور والارتقاء، فأخذ بها الغربيون الذين كانوا في حاجة إلى أي مساندة تقوض سلطان الكنيسة الطاغي، وتحطم هيمنة رجال الدين، وتساند توجههم المادي، ثم اتضح أن هذه النظرية ساقطة علمياً ومنهجياً، ولكنها بقيت ذات تأثير في عقول وقلوب بعض المسلمين الذين تأثروا بالدراسات الغربية مع جهل بدينهم، وهزيمة نفسية أمام ما يسمى الحضارة الغربية، وهم في الوقت ذاته لم يواكبوا تطور المعرفة، فيعلموا أن هذه النظرية قد نقضت عند جملة من كبار العلماء التجريبيين الغربيين، فظن هؤلاء المستلبون أن هذه النظرية لا تخالف الإسلام، وذهبوا يستدلون للنظرية الباطلة بآيات وأحاديث يستلونها من سياقها ويفردونها عن نظائرها، كمن يستدل منهم بقول الله -تعالى-:"وقد خلقكم أطواراً" [نوح:١٤] ، وحاول بعضهم أن يوجد مسوغاً يلائم به بين النظرية المتهافتة والنصوص الشرعية المناقضة لها، فاحتال ببعض الحيل الخادعة، فقال: آدم أبو الإنسان، أما البشر فقد كانوا من قبل ونشأوا وارتقوا ثم انقرضوا، وكل ذلك من ضعف العلم وضعف النفسية أمام سطوة الآلة الدعائية الغربية والهيمنة بشتى صورها.
стр. 6679
بدأت فكرة النشوء والارتقاء عندما قدم دارون نظريته سنة (١٨٥٩) في كتابه (أصل الأنواع) ، فظهرت هذه الفكرة وشاع معها القول بالتولد الذاتي المستقى من فلسفة أرسطو اليونانية، وأضحت هذه الفكرة محوراً لمعتقدات كثير من الغربيين، ليس في الحقل التجريبي فحسب، بل في الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية -أيضاً-، وملخص نظرية دارون: أن أصل الحياة خلية كانت في مستنقع أو بحر قبل ملايين السنين، ثم تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل، منها: مرحلة القرد الذي تطور هو بدوره ليكون منه هذا الإنسان، وهذه العملية كلها من فعل الطبيعة، وهو ما عبر عنه دارون بقوله:"الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق".
وهذه النظرية من الناحية العلمية والعقلية منقوضة، ذلك بأنها افترضت أن الطبيعة ذات إرادة وقدرة شاملة وتحكم ونظام ذاتي، بحيث تنتخب الأفضل والأقوى ثم تزعم النظرية في الوقت نفسه أن الطبيعة تعطي وتحرم بدون خطة مرسومة بل بعشوائية، وترسم النظرية خط التطور ذاته وهو متعرج مضطرب لا يسير على قاعدة منطقية مطردة، وتزعم النظرية -بدون تقديم أي دليل- أن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً ينتج بعضها عن بعض بطريقة التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة، وهذا الأصل لم يتمكنوا من إيجاد أي دليل عليه، وذلك لوجود حلقات مفقودة في سلسلة التطور التي يزعمونها.
وقد بين جليان هكسلي أحد أتباع هذه النظرية نقاط ضعفها والثغرات العلمية فيها.
وكذلك آرثر كيت الدارويني المتعصب الذي أفاد بأن هذه النظرية بدون براهين، وذلك في قوله "إن نظرية النشوء والارتقاء لا زالت بدون براهين وستظل كذلك، والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر، وهذا غير وارد على الإطلاق".
وتزعزعت النظرية بشكل كبير عند علماء الطبيعيات الغربيين بعد ظهور قانون مندل الوراثي، واكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) بوصفها الشفرة السرية للخلق، واعتبار أن الكرموزومات تحمل صفات الإنسان الكاملة، وتحفظ الشبه الكامل للنوع، أما التشابه بين الكائنات الحية فهو دليل ضد نظرية دارون؛ لأن هذا التشابه يدل على وحدانية الخالق، ولا يدل على وحدة الأصل، بحيث تفرعت من الأصل كل الأنواع كما يزعم أصحاب نظرية النشوء والارتقاء، والنظرية إضافة إلى ذلك بل قبل ذلك كله هي من الناحية الدينية باطلة مناقضة للإسلام، فالإسلام وكافة الأديان السماوية تؤمن بوجود الله -تعالى- الذي خلق كل شيء وأحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم نفخ فيه الروح، ثم جعله يتناسل من نطفة تنتقل إلى طور العلقة، فطور المضغة إلى أن يكتمل، ثم انتقل من طور الجنين إلى طور الطفل إلى طور الشباب، وهكذا.
والإنسان يبقى إنساناً بشكله وعقله وصفاته منذ خلق الله آدم ﵇، وإن حصل فيه تقاصر في خلقته وضعف في بنيته.
стр. 6680
والكائنات الأخرى خلقها الله -تعالى- كل نوع منها مستقل في الخلقة عن الآخر، وإن وجدت في مراحل تاريخية متدرجة أو حصل لها نوع من التغير أو الانتقال من طور إلى طور بسبب التلاقح والتزاوج والتأثير البيئي ونحو ذلك، وكل ذلك بقدر الله وتدبيره، وكلها في أصلها وتدرجها من خلق الله وحده، كما قال -سبحانه-:"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" [الأنعام:١٠٢] ، وقوله:"قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" [الرعد:١٦] ، وقوله -جل وعلا-:"اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" [الزمر:٦٢] ، وقوله -سبحانه-:"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" [غافر:٦٢] .
ملحوظة/ جاء في السؤال: ما رأي الإسلام؟ وهذا تعبير غير صحيح، والصحيح أن يقال ما حكم الإسلام؛ لأن ما يضاف للدين ذاته ليس برأي، إذ الرأي هو العقل أو إعمال العقل، ويصح أن يقال: ما رأي علماء الإسلام في كذا ... ؟
стр. 6681
الأديان في الجزيرة قبل الإسلام
المجيب د. سالم بن محمد القرني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ١٥/٤/١٤٢٣
السؤال
الإخوة مشرفو موقع (الإسلام اليوم) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي سؤال أبحث عن الإجابة الشافية له، وأرجو أن أجدها عندكم: ما الأديان التي مرت على الجزيرة العربية وبلاد فارس قبل خمس مئة سنة من ظهور الإسلام؟
الجواب
الأديان التي مرت على الجزيرة العربية وبلاد فارس قبل خمس مئة سنة من ظهور الإسلام:
أما في الجزيرة العربية، ففي الحجاز (مكة وما جاورها) فقد كانت الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ وإسماعيل بن إبراهيم ﵇ حتى جاء عمرو بن لحي -عليه من الله ما يستحق- بالصنم هبل، ووضعه في مكة، فعبد الناس الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم ﵇ يتمسكون بها من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفات والمزدلفة، وهدي البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا:"لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك" انظر مسلم (١١٨٥) ، فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده، ولذلك قال الله عنهم:"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" [يوسف:١٠٦] .
وشمال الجزيرة قد تأثر بالنصرانية، وخيبر وما حولها باليهودية.
وأما بلاد فارس وما جاورها فكانت تدين بالزردشتية (عبادة النار) ، وكانت هناك المانوية والثانوية، وقد يكون للبوذية أثر في شرق وجنوب فارس.
وأما شمال بلاد فارس والعراق وشماله فالصابئة والشمانية من ديانات تلك البلدان، والله أعلم.
وأنصح الأخ السائل بمراجعة كتب التاريخ، مثل: (البداية والنهاية) لابن كثير، و (تاريخ الطبري) ، و (تاريخ ابن خلدون) ، وكتب الملل والنحل، مثل: (الملل والنحل) للشهرستاني، و (الفصل) لابن حزم، فلعله يجد توضيحاً أكثر مما ذكرت.
стр. 6682
نشأة الخلافة ومستوطنها
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ١٤/٢/١٤٢٣
السؤال
كيف نشأت الخلافة؟ وكيف انتهت؟ وما مهام الخليفة؟
الجواب
نشأت الخلافة الإسلامية بعد وفاة النبي ﷺ مباشرة وانتقاله إلى الرفيق الأعلى -بأبي هو وأمي ﷺ ، فاجتمع المسلمون من المهاجرين والأنصار الذين كانوا بالمدينة حينذاك، وتشاوروا في سقيفة بني ساعدة، وطرحت عدة آراء ومناقشات حتى كان الاجتماع على اختيار أبي بكر الصديق ﵁ خليفة لرسول الله ﷺ ، ثم استمرت خلافة النبوة (الخلافة الراشدة) ثلاثين سنة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﵊، ثم كانت خلافة ملكية في عهد الأمويين ثم العباسيين، وهي في هذه الأثناء بين مدّ وجزر، فأحياناً تضمحل ولا يبقى للخليفة إلا اسمه، وأحياناً تقوى ويشتد عودها، وهكذا إلى أن وصلت إلى الدولة العثمانية وسلاطينها الذين حكموا عدة قرون حتى انتهى حكمهم بإلغاء السلطنة في (نوفمبر ١٩٢٢م) ، ثم إلغاء الخلافة في عهد السلطان عبد الحميد في (الثالث من مارس ١٩٤٢م ١٣٦١هـ) على يد مصطفى كمال أتاتورك وشرذمته من يهود الدونمة الذين قدموا إلى بلاد المسلمين هرباً من اضطهاد الأسبان لهم، فآواهم المسلمون وأكرموهم فكان جزاؤهم أن حاكوا المؤامرات والدسائس حتى أطاحوا بعرش دولتهم تحقيقاً لأهداف الاستعمار.
أما مهام الخليفة فقد حصرها الفقهاء في كلمة قصيرة بليغة، وهي: "حراسة الدين وسياسة الدنيا به"، وبسط ما يندرج تحت هذه العبارة من مهام يطول، لكن من أراد البسط فعليه أن يرجع إلى كتب الأحكام السلطانية، والولايات الدينية، أو كتب الإمامة العظمى والخلافة الإسلامية.
стр. 6683
أسانيد الأخبار والآثار
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ١١/٢/١٤٢٣
السؤال
ما هو الأولى والأفضل في دراسة أسانيد القصص والأخبار التاريخية الواردة في كتب الأدب والتاريخ؟
الجواب
لقد كثرت في الدراسات الحديثة في علم السيرة والتاريخ والتراجم المطالبات بتصفيتها وتنقيتها، وجاءت هذه المطالبات على مناح شتى وتوجهات مختلفة. فكانت أصفى تلك المناحي، وأخلصها نيّة، وأصدقها سريرة، وآمنها على هذه العلوم المطالبة بتطبيق منهج المحدثين عليها، بدراسة أسانيدها وقبول ما قبلته الصنعة الحديثية، ورد ما ردته. وظهرت ثمرات هذه المطالبة في بحوث ومؤلفات عديدة، وكانت جهوداً مباركة، وفيها خير كثير، صوبت كثيراً من الأخطاء العلمية، ونقت بعض أهم المصادر مما كنا في حاجة إلى تنقيته فعلاً. لكن تبقى تلك الجهود جهوداً بشرية، معرضة للخطأ. والخطأ الجزئي فيها أمره يسير، وتداركه هين، لكنه إذا كان منهجيّاً، فإن أمره سيكون فيه خطورة، واستدراك نتائجه صعب.
وهنا أنبه أن المحدثين قد دلت أقوالهم وتصرفاتهم أنهم كانوا يفرقون بين ما يضاف من الأخبار إلى النبي ﷺ وما يضاف إلى غيره، وما يضاف إلى غيره مما له علاقة بالدين وما لا علاقة له بالدين، بل لقد بلغ كمال علمهم إلى درجة التفريق بين ما يضاف إلى النبي ﷺ بعضه عن بعض، فلأحاديث الأحكام والعقائد منهج فيه اختلاف عن منهج التعامل مع أحاديث الفضائل والرقائق ونحوها، بل أحاديث الأحكام نفسها لهم منهج في التعامل مع الحديث الذي يكون أصلاً في بابه، والحديث الذي يعتبر من شواهد الباب، ولهم في جميع ذلك إبداعات تخضع لها العقول، ونفحات إلهام تشهد بأن علمهم علم مؤيد من الباري -سبحانه-.
فمن عيوب بعض الدراسات التي نوهت ببعضها آنفاً أنها كانت بحوثاً من غير المتخصصين في علم الحديث (ولا أقصد بذلك الشهادات والألقاب وإنما أقصد الحقائق) ، فجاءت في بعض الأحيان غير مراعية لتلك الفروق في منهج التعامل التي كان المحدثون يراعونها، فخالفوا بذلك منهج الذين أرادوا تطبيق منهجهم!
ومن أصرح العبارات التي تدل على ذلك المنهج الحديثي، الباب الذي عقده الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/٣١٦-٣٢٠) بعنوان: (ما لا يفتقر كتبه إلى إسناد) وقول الخطيب: (وأما أخبار الصالحين وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء فالأسانيد زينة لها، وليست شرطاً في تأديتها) .
ثم أسند الخطيب إلى يوسف الرازي أنه قال: "إسناد الحكمة وجودها".
وأسند عن ابن المبارك أنه سئل: "نجد المواعظ في الكتب، فننظر فيها؟ قال: لا بأس، وإن وجدت على الحائط موعظة فانظر فيها تتعظ، قيل له: فالفقه؟ قال: لا يستقيم إلا بسماع".
стр. 6684
ثم أسند الخطيب قصة رجل خرساني كان يجلس عند يزيد بن هارون فيكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، فلما لاموه على ذلك قال: "أنا للبيت أريده لا للسوق"، فعلق الخطيب على ذلك بقوله: "إن كان الذي كتبه الخرساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ فلا بأس بما فعل، وإن كان من أحاديث الأحكام وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط إسناده؛ لأنها هي الطريق إلى تثبته، فكان يلزمه السؤال عن أمره والبحث عن صحته".
وفي هذا السياق أشير إلى قضية مهمة، ربما غفل عنها كثيرون، وهي أن لعلماء كل علم طريقتهم الخاصة في نقد علمهم، وفي الفحص عن صحة منقولهم ومعقولهم. ومن الخطأ الفادح أن نخلط بين معايير النقد المختلفة بين كل علم وآخر؛ لأن ذلك سيؤدي إلى هدم كل تلك العلوم!
وأضرب على ذلك مثلاً:
لو جئنا إلى الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، بل عموم دواوين الشعراء، خاصة في عصر الاحتجاج اللغوي، وأردنا أن نطبق عليها منهج المحدثين في نقد السنة هل سنزيد إلا أن نهدم لغة العرب، بأعظم مما أراد أن يهدمها به طه حسين!
ذلك أن لأئمة اللغة معاييرهم الصحيحة الكافية لنقد علمهم، ولهم طرائقهم لفحص المنقول من اللغة، وقد بذلوا في ذلك جهوداً عظيمةً، أدّوا بها الأمانة العظمى الملقاة على عواتقهم، خدمة للغة القرآن والسنة.
وفي هذا المجال أذكّر بضرورة تعظيم أئمة كل علم في علمهم، واحترام تخصصات أصحاب التخصصات، فلا نزاحمهم ما دمنا لسنا من أصحاب ذلك العلم، وخاصة أولئك الأعلام، ومن علماء علوم الإسلام، على اختلاف فنونها.
أقصد من ذلك كلّه أن أبين: أن منهج المحدثين لئن كان هو المنهج الوحيد الذي يصح به نقد المنقول المتعلق بالدين، فإنه لا يلزم أن يصح في نقد بقية العلوم، وإن شابهته من جهة إبراز أسانيد لبعض منقولاته، فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذي ينقدون به أحاديث النبي ﷺ ؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها، فإبرازه لم يكن دائماً لأجل الاعتماد الكلّي عليه في نقد ذلك المنقول.
وبناء على ما سبق ذكر، من أن المحدثين قد فرقوا بين منهج نقد السنة ومنهج نقد الأخبار، فإني أجد هذه مناسبة حسنة للتأكيد على معنى معين يعين على معرفة الصواب في هذه المسألة المنهجية، وهو: أن منهج المحدثين في نقد السنة تميز بشدة الاحتياط والمبالغة في التحرّي والريبة من كل شيء ولولا أن عناية الأمة في تلك الحقبة بالسنة من جهة نقلها وتعلمها وتعليمها وحفظها وكتابتها كانت عناية عظيمة تفوق الوصف، حيث كانت هي همّهم الأكبر وشغلهم الشاغل لكان ذلك المنهج المتشدد المبالغ المرتاب سبباً لإخراج شيء من صحيح السنة منها، لكن تلك العناية البالغة بالنقل وفرت للمحدثين فرصة ذلك التشديد في النقد، دون أن يضيّع ذلك شيئاً من السنة. وتلك حكمة بالغة!
стр. 6685
ومن هذا الملحظ تعلم أن تطبيق هذا المنهج المتشدّد على غير السنّة فيه جور على ذلك العلم المنتقد به؛ لأن التثبت من صحة المنقول فيه لا يحتاج إلى كل ذلك التشديد في النقد، ولن نجد من عناية الأمة بمنقول ذلك العلم ما يُكوِّن رصيداً كبيراً صالحاً لذلك التشديد دون أن يؤدّي ذلك إلى تضييع بعض الثابت من ذلك المنقول.
وأقصد من ذلك كله بيان أن التخفف من نقد المنقولات من غير السنة لا يعني أننا سنثبت بذلك غير الثابت، ولكن يعني أنّنا سنضع كل منقول في ميزانه الكافي لتمييز ثابته من غير الثابت منه.
ولكي أنزل من هذا التنظير الجاف، إلى التمثيل الحيّ القريب إلى كلّ ذهن؛ أقول: هب أنك سمعت أحد أجلّه العلماء ممن تعظّمهم النفوس تقوىً وعلماً يحكي لك خبراً عن أحد أشهر شيوخ شيوخه وأعلمهم، يتضمن هذا الخبر أمراً غير مستنكر عن علم ذلك الشيخ، ويقول في ذكره لهذا الخبر: سمعت جماعة من شيوخي يحكونه عن ذلك الشيخ، هل ستشك في صحة هذا الخبر، بحجّة الجهالة بحال شيوخ هذا العالم الذي سمعته؟!
وزيادة في التقريب: لو سمعت الشيخ ابن باز -عليه رحمة الله- يقول: سمعت جماعة من شيوخي يقولون: إن العالم الفلاني كان كذا وكذا، هل سنجد في نفوسنا ريبة من ذلك الخبر؟!
فما بالنا لمّا قال ابن عدي -وهو الإمام الفحل-: "سمعت عدّة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ... " إلى آخر الخبر المشهور، انبرى أحد المعاصرين لنقد هذه القصّة، بحجة الجهالة بحال شيوخ ابن عدي! والحال أن علم البخاري أعظم من هذه القصة، وأن ابن عدي يروي عن جماعة من تلامذة البخاري! ولو أراد ابن عدي -وهو الحافظ المسند- أن يسند هذا الخبر عن بعضهم لفعل، لكنه كان يظن أن مثل هذا السياق: "سمعت عدّة مشايخ يحكون" أقوى ثبوتاً لمثل هذا الخبر من مثل أن يسنده عن واحد أو آحاد منهم؛ لأن منهج نقده غير منهج نقد السنة!
وبعد هذا البيان كلّه، أصل إلى بيان الضابط الذي يمكن من خلاله التشديد في نقد الأخبار والقصص بمنهج المحدثين، أو عدم التشديد والاكتفاء بمناهج نقد أخرى تكفي في مثلها للتوثّق والتحرّي.
فالضابط هو: كل خبر سأبني عليه -مباشرة أو بغير مباشرة- حكماً دينياً، فالأصل فيه أنه لا يقبل إلا بذلك المنهج المتشدّد للمحدثين، الذي ينقدون به السنة ومالا فلا.
وشرح هذا الضابط قد يطول، لكني سأكتفي بأمثلة تبين بعض جوانبه: إذا جئت للسيرة النبوية، أجد أن أخبارها منها ما يمكن أن يستنبط منه حكم شرعي: فهذا من السنة التي تنتقد بذلك المنهج المحتاط لها، ومنها ما لا يستنبط منه حكم شرعي، كتاريخ سريّة من السرايا، وعدد من كان فيها، وتحديد موقعها بدقّة، ونحو ذلك: فهذه لا نطبق عليها منهج المحدثين؛ إلا إن كان بعض ذلك له علاقة غير مباشرة باستنباط حكم، كمعرفة تقدم خبر أو تأخره ليفيدنا ذلك في الناسخ والمنسوخ، أو غير ذلك: فيمكن حينها أن أعود إلى احتياط المحدثين مع السنة في نقدي لهذا الخبر.
وإذا جئت للآثار الموقوفة على الصحابة ﵃:
стр. 6686
-فإن منها ما يكون له علاقة بالأحكام كفتواهم وأقضيتهم، فإذا كنت سأعتمد على قول صحابي في مسألة لا نص فيها -على سبيل المثال-: فسأحتاط في نقدها وفق منهج نقد أحاديث النبي ﷺ ، ولا بد من ذلك فيها، أما إذا كانت المسألة فيها نصٌ صحيح، فإن إيراد أقوال الصحابة بعد ذلك يكون استئناساً وتأكيداً لصحة فهمنا لذلك النص، فإن نقدنا ذلك الخبر بالاحتياط المذكور آنفاً فهو حسن، وإن لم نفعل ذلك فالأمر واسع، ولن نضر المسألة العلمية شيئاً، لورود النص فيها.
ومنها ما يكون من باب الأخبار التاريخية: كأخبار الفتوح والغزوات ونحوها، وهذه حكمهما حكم السيرة النبوية، فإذا جئنا لأخبار ما وقع بينهم في الفتنة، فواجب حينها أن تنقد بالاحتياط المذكور لأحاديث النبي ﷺ ، ولا يجوز غير ذلك، وذلك اتّساقاً مع الضابط الكلّي الذي وضعناه آنفاً، وليس استثناءً -خارجاً عن القانون-، حيث إن أخبار الفتنة ليست أخباراً مجربةً لا ينبني عليها أحكام على أشخاص، بل هي أخبار إذا ذكرت لا بد أن تترك في النفوس أحكاماً على الأشخاص بالصواب أو الخطأ وربما بالعدالة أو الفسق عند بعض الأقوام، وهؤلاء الأشخاص الذين ستصدر عليهم تلك الأحكام هم أصحاب النبي ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين-، وهم من سبق لهم من الله -تعالى- ورسوله ﷺ الثناء والحكم بالعدالة، فلا بد من تمحيص تلك الأخبار، خاصة أنها أيضاً كانت مجالاً رحباً لأصحاب الأهواء وأمراض النفوس من أهل الغلّ والحقد على دين الله -تعالى-، وعلى أصحاب النبي ﷺ للتقوّل والافتراء.
على أنه يمكن أن نعامل الأخبار المتعلقة بالفتنة أو ما كان بنحوها بمنهج وسط، وهو أنه إذا ثبت عندنا بالمنهج الحديثي المحتاط أصل خبر من الأخبار أن نتمّم جوانب هذا الخبر بتفاصيل من بقية الأخبار، بشرط أن لا يكون في تفاصيل تلك الأخبار شيء يعارض الحكم الثابت لأصحاب النبي ﷺ من الخيرية والعدالة والفضل، وأن لا يعارض أصل الخبر الثابت أيضاً.
والمثال الواقعي لذلك: أنني كنت من سنوات كثيرة قد درست الأخبار الواردة في قصة خالد بن الوليد ﵁ مع مالك بن نويرة في حروب الردّة، وهي قصة شهيرة، نسج عليها الأفّاكون وأذنابهم من المستشرقين قصصاً شنيعة، فوجدت أن أحد الباحثين ردّ القصة بالكلية، وخرج بنتيجة، وهي: أن مالك بن نويرة كان مرتداً كافراً، وأنه قتل بسيف الشرع، مع أن مالك بن نويرة ﵁ لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، وهذا هو الظاهر من شأنه.
وبعد دراسة أسانيد الخبر، تبين لي أنه لا يصح منها إلا إسناد واحد، أخرجه خليفة ابن خياط في تاريخه (١٠٥) ، يقول فيه ابن عمر ﵄: "قدم أبو قتادة على أبي بكر، فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعاً شديداً، فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم عليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ؟ وردّ أبو بكر خالداً، وودى مالك بن نويرة، وردّ السبي والمال".
стр. 6687
فهذا الخبر على وجازته: أثبت أصل القصّة ووضع كل أمر في نصابه، واعتذر لخالد ﵁ ونفى تلك التهمة القبيحة عن مالك بن نويرة بدفع أبي بكر ديته إلى أوليائه.
يبقى أن في بقية الأخبار تفاصيل أخرى لا يمكن أن نفهم الخبر السابق بغير الاطلاع عليها، فما العمل تجاهها؟
فالعمل، هو: أن نأخذ من تلك الأخبار ما يوافق هذا الخبر الثابت من جهة، وما لا يقدح في عدالة الصحابة الثابتة بالنصوص القطعيّة من جهة أخرى؛ لأنها أخبار لا تثبت أسانيدها أولاً، وثانياً: لأن ما عارض تلك الثوابت سيعد منها منكراً، ليس من العدل والإنصاف أن نجعله متساوياً لتلك الثوابت، فضلاً عن أن نعتمده، فنكون قد قدّمنا ما حقه الإبعاد، ونستحق بذلك -عياذاً بالله- أن نعد من أهل الهوى والظلم في الأحكام.
فإذا جئنا لأخبار تاريخية بعد ذلك، مما وقع في القرن الهجري الثاني أو الثالث، فالأصل فيها إمرارها والاستفادة منها دون نقد حديثي محتاط، إلا إذا أراد أحد أن يصدر حكماً دينياً على شخص من الأشخاص له حرمة دينية، وهو أن يكون مسلماً -كبعض الملوك والسلاطين- فإننا لا نقبل ذلك إلا بنقد يثبت بمثله الحكم الديني، هذا إن كان لمثل هذا البحث ثمرة علمية، أما إن لم يكن له ثمرة، أو كان له ثمرة خبيثة؛ فينهى عن مثل هذا البحث، وعن إضاعة الوقت فيه.
وإذا جئنا إلى سير العلماء وأخبارهم، فالضابط الكلي سائر على تراجمهم، فإن ما يرد في تراجمهم إذا كان سيصدر عنه حكم ديني، وضعناه في معياره المحتاط، وأوضح صور هذا الحكم الديني عبارات الجرح والتعديل في رواة السنة، وإن كان بخلاف ذلك، كقصة البخاري السابقة، أو كعبارات في الوعظ والحكمة، أو كذكر مؤلفاتهم، أو وصف مكتباتهم، ونحو ذلك من الأخبار، فهذه لا تنقد بذلك النقد المحتاط، ولكن تنقد لمعايير أخرى، تراعي المعقول وغير المعقول، والثقة بناقل الخبر أي: المصدر ومؤلفه، وغير ذلك من القرائن المحتفّة بكل خبر منها، وللمصلحة الحاصلة من نقده أيضاً.
هذا ملخّص ما ترجح لدي في شأن نقد القصص والأخبار التاريخيّة، والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 6688
جيش من أهل الحجاز هم خيار المؤمنين
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٢/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
فضيلة الشيخ حفظه الله.
جاء بالحديث عن الرسول الكريم -صلى الله علية وسلم- في مواضع الملاحم أن جيشاً سيكون من أهل الحجاز وهم خيار المؤمنين في الأرض آنذاك، السؤال هل يدل هذا الحديث على أن أهل الحجاز هم المخصوصون وهم أفضل المؤمنين، وما هو شأن المؤمنين في غير الحجاز؟ حبذا لو تكلمت عن هذا وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وبعد:
فقد جاء في كتاب الفضائل من دواوين السنة المختلفة فضائل لبعض البلاد ولبعض القبائل، وليست تلك الفضائل محصورة في بلد معين، فقد جاء في الصحيحين وغيرهما في فضل الحجاز أحاديث، وفي فضل الشام وفي فضل اليمن، كما جاء أيضاً في غيرها من البلاد بعض إشارات. والحاصل أن ورود الفضل في بلد ما لا ينفي الفضل عن غيره، لا سيما مع ورود أحاديث في البلاد الأخرى، وينبغي أن تؤخذ هذه الفضائل باعتدال وفقه عام لها، فلا يلزم أن تكون في كل زمان وحال، كما أنها لا تعني قطعاً كل فرد بعينه، وغير ذلك مما ينبغي التنبيه له، ويمكن الرجوع إلى شروح السنة في باب الفضائل ليتفقه المسلم فيه أكثر.
стр. 6689
هل في هذا ما يقتضي تفضيل عيسى على محمد عليهما الصلاة والسلام ؟!
المجيب د. هشام بن إسماعيل الصيني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٢٩/٠٨/١٤٢٦هـ
السؤال
هناك شبهة يعرضها النصارى حول الحديث الذي في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَاقْرَأوا إِنْ شِئْتُمْ: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".
فهل معنى هذا الحديث أن رسول الله محمد ﷺ والأنبياء مسهم الشيطان إلا عيسى ﵇؟ وهل هذا الحديث يثبت أن عيسى ﵇ هو الأفضل بين الأنبياء؟ وإلا فلماذا استثني من بين الأنبياء في هذه الفضيلة؟
فالنصارى يقولون: إن هذا يدل على أنه ليس له أي ذنب، لكن النبي محمداً ﷺ مأمور أن يتوب، كما ورد في قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك".
стр. 6690
وفي حديث آخر في صحيح البخاري، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ. وَيَقُولُ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ. ائْتُوا عِيسَى. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ". وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود. ُ ويحتج المبشرون النصارى بهذا الحديث ذاكرين بأن عيسى ﵇ هو الوحيد الذي لم يكن له أي ذنب، ويقولون: إنه حتى محمد ﷺ كان عنده ذنوب. وبناء عليه يقولون: إنه إذا كان لنبي الحق في الشفاعة فلن يكون محمداً ﷺ بل المخّلص الذي ليس له ذنوب: المنجّي عيسى ﵇.
أرجو الرد على هذه الادعاءات.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالجواب عن هذه الشبهات من وجهين:
الوجه الأول:
نقول للنصارى: إذا كنتم تؤمنون بما جاء في شرعنا أنه حجة صحيحة، فإنه يجب عليكم الإيمان بشرعنا والدخول في الإسلام؛ لأن هذا مقتضى الإيمان بحجية شرعنا وما ورد فيه.
وإذا كنتم لا تؤمنون بأنه حجة صحيحة فكيف تحتجون به؟
وأما إذا قلتم: إنه حجة علينا فقط.
следующие страницы →