Полный текст (10 202 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
-فإن منها ما يكون له علاقة بالأحكام كفتواهم وأقضيتهم، فإذا كنت سأعتمد على قول صحابي في مسألة لا نص فيها -على سبيل المثال-: فسأحتاط في نقدها وفق منهج نقد أحاديث النبي ﷺ ، ولا بد من ذلك فيها، أما إذا كانت المسألة فيها نصٌ صحيح، فإن إيراد أقوال الصحابة بعد ذلك يكون استئناساً وتأكيداً لصحة فهمنا لذلك النص، فإن نقدنا ذلك الخبر بالاحتياط المذكور آنفاً فهو حسن، وإن لم نفعل ذلك فالأمر واسع، ولن نضر المسألة العلمية شيئاً، لورود النص فيها.
ومنها ما يكون من باب الأخبار التاريخية: كأخبار الفتوح والغزوات ونحوها، وهذه حكمهما حكم السيرة النبوية، فإذا جئنا لأخبار ما وقع بينهم في الفتنة، فواجب حينها أن تنقد بالاحتياط المذكور لأحاديث النبي ﷺ ، ولا يجوز غير ذلك، وذلك اتّساقاً مع الضابط الكلّي الذي وضعناه آنفاً، وليس استثناءً -خارجاً عن القانون-، حيث إن أخبار الفتنة ليست أخباراً مجربةً لا ينبني عليها أحكام على أشخاص، بل هي أخبار إذا ذكرت لا بد أن تترك في النفوس أحكاماً على الأشخاص بالصواب أو الخطأ وربما بالعدالة أو الفسق عند بعض الأقوام، وهؤلاء الأشخاص الذين ستصدر عليهم تلك الأحكام هم أصحاب النبي ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين-، وهم من سبق لهم من الله -تعالى- ورسوله ﷺ الثناء والحكم بالعدالة، فلا بد من تمحيص تلك الأخبار، خاصة أنها أيضاً كانت مجالاً رحباً لأصحاب الأهواء وأمراض النفوس من أهل الغلّ والحقد على دين الله -تعالى-، وعلى أصحاب النبي ﷺ للتقوّل والافتراء.
على أنه يمكن أن نعامل الأخبار المتعلقة بالفتنة أو ما كان بنحوها بمنهج وسط، وهو أنه إذا ثبت عندنا بالمنهج الحديثي المحتاط أصل خبر من الأخبار أن نتمّم جوانب هذا الخبر بتفاصيل من بقية الأخبار، بشرط أن لا يكون في تفاصيل تلك الأخبار شيء يعارض الحكم الثابت لأصحاب النبي ﷺ من الخيرية والعدالة والفضل، وأن لا يعارض أصل الخبر الثابت أيضاً.
والمثال الواقعي لذلك: أنني كنت من سنوات كثيرة قد درست الأخبار الواردة في قصة خالد بن الوليد ﵁ مع مالك بن نويرة في حروب الردّة، وهي قصة شهيرة، نسج عليها الأفّاكون وأذنابهم من المستشرقين قصصاً شنيعة، فوجدت أن أحد الباحثين ردّ القصة بالكلية، وخرج بنتيجة، وهي: أن مالك بن نويرة كان مرتداً كافراً، وأنه قتل بسيف الشرع، مع أن مالك بن نويرة ﵁ لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، وهذا هو الظاهر من شأنه.
وبعد دراسة أسانيد الخبر، تبين لي أنه لا يصح منها إلا إسناد واحد، أخرجه خليفة ابن خياط في تاريخه (١٠٥) ، يقول فيه ابن عمر ﵄: "قدم أبو قتادة على أبي بكر، فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعاً شديداً، فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم عليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ؟ وردّ أبو بكر خالداً، وودى مالك بن نويرة، وردّ السبي والمال".
стр. 6687
فهذا الخبر على وجازته: أثبت أصل القصّة ووضع كل أمر في نصابه، واعتذر لخالد ﵁ ونفى تلك التهمة القبيحة عن مالك بن نويرة بدفع أبي بكر ديته إلى أوليائه.
يبقى أن في بقية الأخبار تفاصيل أخرى لا يمكن أن نفهم الخبر السابق بغير الاطلاع عليها، فما العمل تجاهها؟
فالعمل، هو: أن نأخذ من تلك الأخبار ما يوافق هذا الخبر الثابت من جهة، وما لا يقدح في عدالة الصحابة الثابتة بالنصوص القطعيّة من جهة أخرى؛ لأنها أخبار لا تثبت أسانيدها أولاً، وثانياً: لأن ما عارض تلك الثوابت سيعد منها منكراً، ليس من العدل والإنصاف أن نجعله متساوياً لتلك الثوابت، فضلاً عن أن نعتمده، فنكون قد قدّمنا ما حقه الإبعاد، ونستحق بذلك -عياذاً بالله- أن نعد من أهل الهوى والظلم في الأحكام.
فإذا جئنا لأخبار تاريخية بعد ذلك، مما وقع في القرن الهجري الثاني أو الثالث، فالأصل فيها إمرارها والاستفادة منها دون نقد حديثي محتاط، إلا إذا أراد أحد أن يصدر حكماً دينياً على شخص من الأشخاص له حرمة دينية، وهو أن يكون مسلماً -كبعض الملوك والسلاطين- فإننا لا نقبل ذلك إلا بنقد يثبت بمثله الحكم الديني، هذا إن كان لمثل هذا البحث ثمرة علمية، أما إن لم يكن له ثمرة، أو كان له ثمرة خبيثة؛ فينهى عن مثل هذا البحث، وعن إضاعة الوقت فيه.
وإذا جئنا إلى سير العلماء وأخبارهم، فالضابط الكلي سائر على تراجمهم، فإن ما يرد في تراجمهم إذا كان سيصدر عنه حكم ديني، وضعناه في معياره المحتاط، وأوضح صور هذا الحكم الديني عبارات الجرح والتعديل في رواة السنة، وإن كان بخلاف ذلك، كقصة البخاري السابقة، أو كعبارات في الوعظ والحكمة، أو كذكر مؤلفاتهم، أو وصف مكتباتهم، ونحو ذلك من الأخبار، فهذه لا تنقد بذلك النقد المحتاط، ولكن تنقد لمعايير أخرى، تراعي المعقول وغير المعقول، والثقة بناقل الخبر أي: المصدر ومؤلفه، وغير ذلك من القرائن المحتفّة بكل خبر منها، وللمصلحة الحاصلة من نقده أيضاً.
هذا ملخّص ما ترجح لدي في شأن نقد القصص والأخبار التاريخيّة، والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 6688
جيش من أهل الحجاز هم خيار المؤمنين
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٢/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
فضيلة الشيخ حفظه الله.
جاء بالحديث عن الرسول الكريم -صلى الله علية وسلم- في مواضع الملاحم أن جيشاً سيكون من أهل الحجاز وهم خيار المؤمنين في الأرض آنذاك، السؤال هل يدل هذا الحديث على أن أهل الحجاز هم المخصوصون وهم أفضل المؤمنين، وما هو شأن المؤمنين في غير الحجاز؟ حبذا لو تكلمت عن هذا وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وبعد:
فقد جاء في كتاب الفضائل من دواوين السنة المختلفة فضائل لبعض البلاد ولبعض القبائل، وليست تلك الفضائل محصورة في بلد معين، فقد جاء في الصحيحين وغيرهما في فضل الحجاز أحاديث، وفي فضل الشام وفي فضل اليمن، كما جاء أيضاً في غيرها من البلاد بعض إشارات. والحاصل أن ورود الفضل في بلد ما لا ينفي الفضل عن غيره، لا سيما مع ورود أحاديث في البلاد الأخرى، وينبغي أن تؤخذ هذه الفضائل باعتدال وفقه عام لها، فلا يلزم أن تكون في كل زمان وحال، كما أنها لا تعني قطعاً كل فرد بعينه، وغير ذلك مما ينبغي التنبيه له، ويمكن الرجوع إلى شروح السنة في باب الفضائل ليتفقه المسلم فيه أكثر.
стр. 6689
هل في هذا ما يقتضي تفضيل عيسى على محمد عليهما الصلاة والسلام ؟!
المجيب د. هشام بن إسماعيل الصيني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٢٩/٠٨/١٤٢٦هـ
السؤال
هناك شبهة يعرضها النصارى حول الحديث الذي في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَاقْرَأوا إِنْ شِئْتُمْ: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".
فهل معنى هذا الحديث أن رسول الله محمد ﷺ والأنبياء مسهم الشيطان إلا عيسى ﵇؟ وهل هذا الحديث يثبت أن عيسى ﵇ هو الأفضل بين الأنبياء؟ وإلا فلماذا استثني من بين الأنبياء في هذه الفضيلة؟
فالنصارى يقولون: إن هذا يدل على أنه ليس له أي ذنب، لكن النبي محمداً ﷺ مأمور أن يتوب، كما ورد في قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك".
стр. 6690
وفي حديث آخر في صحيح البخاري، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ. وَيَقُولُ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ. ائْتُوا عِيسَى. فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ". وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود. ُ ويحتج المبشرون النصارى بهذا الحديث ذاكرين بأن عيسى ﵇ هو الوحيد الذي لم يكن له أي ذنب، ويقولون: إنه حتى محمد ﷺ كان عنده ذنوب. وبناء عليه يقولون: إنه إذا كان لنبي الحق في الشفاعة فلن يكون محمداً ﷺ بل المخّلص الذي ليس له ذنوب: المنجّي عيسى ﵇.
أرجو الرد على هذه الادعاءات.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالجواب عن هذه الشبهات من وجهين:
الوجه الأول:
نقول للنصارى: إذا كنتم تؤمنون بما جاء في شرعنا أنه حجة صحيحة، فإنه يجب عليكم الإيمان بشرعنا والدخول في الإسلام؛ لأن هذا مقتضى الإيمان بحجية شرعنا وما ورد فيه.
وإذا كنتم لا تؤمنون بأنه حجة صحيحة فكيف تحتجون به؟
وأما إذا قلتم: إنه حجة علينا فقط.
стр. 6691
فالجواب: نحن نؤمن بكل ما ثبت عندنا في الكتاب والسنة الصحيحة، ومما ثبت عندنا أن محمداً ﷺ هو أحبّ الخلق إلى الله وأفضلهم، وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وهو النبي الوحيد الذي يشفع عند الله ليفصل بين العباد، وهذا هو المقام المحمود الذي بسببه يُحمده الخلائق كلهم، وجميع الأنبياء صلوا خلفه يوم الإسراء، بل جميع الأنبياء مأمورون باتباعه إذا بُعث وهم أحياء، ويجب عليهم ترك شريعتهم واتباع شريعة محمد -صلى الله عليهم وسلم- والأدلة على هذا المعنى كثيرة جداً.
الوجه الثاني:
إن اختصاص أي نبي بفضيلة دون غيره لا يعني أنه أفضل من بقية الأنبياء، فقد خص الله بعض الأنبياء ببعض الفضائل، فخصَّ موسى ﵇ بأن كلمه بدون واسطة ملك وموسى في الأرض، وخصّ سليمان ﵇ بجنوده من الجن والطير، وأتاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وغير ذلك من الخصائص المذكورة للأنبياء، ومن ذلك ما خصّ الله به مريم بنت عمران وعيسى ﵇ من سلامتهما من مسَّ الشيطان لهما عند الولادة.
وتفرّد الشخص بفضيلة دون غيره لا يعني أنه أفضل من الجميع وإلا لزم أن يكون موسى أفضل الأنبياء بما خصّه الله، وأن يكون سليمان أفضل الأنبياء بما خصّه الله، وهذا تناقض غير مقبول، ولذلك الصواب أن الإنسان تتبيّن منزلته بمجموع فضائله لا بفضيلة واحدة. وهذا حتى في حق عامة الناس، أرأيت لو أن شخصاً في قرية لا يكذب أبداً ولا يُعرف عنه إلا الصدق، وما من أحد في القرية إلا قد وقع منه كذب، لكن هذا الشخص الذي لم يكذب قط، يظلم، ويسرق، ويقتل، وأهل القرية لا يفعلون ذلك أفتكون هذه الفضيلة كافية لجعله خير أهل القرية؟ أم لابد من النظر في مجموع ما للإنسان من فضائل وحسنات؟
وقد ثبت لنبينا محمد ﷺ من الفضائل ما تفرّد به عن غيره من الأنبياء وقد مرَّ ذكر بعضها. وإن من فضائل محمد ﷺ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ وذلك لعظم منزلته عند الله.
وما ذُكر في حديث الشفاعة من أن عيسى لم يذكر خطيئة لا يعني عدم وقوع شيء من ذلك منه، بل جاء في بعض طرق الحديث أن عيسى ﵇ يقول: "إني عُبدت من دون الله"، وقع ذلك في رواية الترمذي من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد، وفي رواية أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: "إني اُتخذت إلهاً من دون الله"، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد: "وإن يغفر لي اليوم حسبي" [فتح الباري (١١/٤٣٥) ] .
وهذا يُبيّن سبب اعتذار عيسى ﵇ من الشفاعة. كما أن في الحديث حجة على النصارى المحتجين به، لأن عيسى ﵇ اعتذر عن الشفاعة، وأنه لا يستطيعها بقوله: "لست هناكم، ائتوا محمداً ﷺ ". وهذا دليل بيّن واضح على أن عيسى ﵇ يعتقد أن محمدا أفضل منه، ولذلك أشار على الناس بالذهاب إليه. والله أعلم.
стр. 6692
مؤلف كتاب مدارج السالكين
المجيب د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٦/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
سؤالي عن كتاب مدارج السالكين، ما هو ومن مؤلفه؟ وهل هو كتاب للمتصوفة فعلاً؟.
الجواب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتاب: (منازل السائرين) لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي
ت٤٨١هـ، فقد قسم - الهروي- طريق سير المؤمن إلى الله -تعالى- إلى مائة منزلة، والهروي - رحمه الله تعالى- من أجل أئمة السلف، وربما وقع في أخطاء بسبب مشربه الصوفي، رغم اتباعه لعقيدة وفقه الإمام أحمد على وجه الإجمال، فقام ابن قيم الجوزية (ت٧٥١هـ) برد هذه الأخطاء، وشرحه في كتاب: (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) ، فأوضح الأوهام، وساق الأدلة الشرعية، وجمع الأقوال المأثورة في كل منزلة، إلا أن ردوده على الهروي وتوضيحاته لبعض الألفاظ الصوفية المشكلة أوقعته في مزلة التكرار للخطاب الصوفي الغامض الذي يعتمد على الذوق والكشف والأنوار القلبية، ومن أحب الإيجاز والابتعاد عن الاستطرادات فيمكنه الرجوع إلى كتاب تهذيب مدارج السالكين لعبد المنعم صالح العلي العزي، وللإفادة أقترح القراءة والإفادة المتقنة في موسوعة نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم ﷺ . والله أعلم.
стр. 6693
معنى السجود الوارد في قصص الأنبياء
المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ١/١/١٤٢٥هـ
السؤال
وجدت شيئاً في كتاب قصص الأنبياء لابن كثير، أرجو توضيحاً له عندكم: وقد قيل أيضاً: إن مريم ﵍ ذهبت يوماً وهي حامل إلى خالتها التي أخبرت أنها تحس كما لو كانت حاملاً، فقالت مريم: إنها تخشى أيضاً أن تكون حاملاً، فقالت خالتها: "أرى أن الذي في بطني يسجد لمن في بطنك"، والذي يحيرني أن المسلمين لا يسجدون إلا لله!. أرجو التوضيح -وجزاكم الله خيراً-.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن ما وقع عليه السؤال ذكره ابن كثير في قصص الأنبياء، ولفظه: وذكر السدي بإسناده عن الصحابة ﵃ أن مريم ﵍ دخلت يوماً على أختها، فقالت لها أختها: "أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم ﵍: وشعرت أيضاً أني حبلى؟ فاعتنقتها وقالت لها أم يحي: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك".
وليس في هذا ما يدل على جواز سجود المخلوق للمخلوق؛ لأمور:
أولاً: أن القصة مما بلغنا من طريق أهل الكتاب، ولم يأت في الكتاب والسنة ما يثبت ذلك، فلا نصدقه ولا نكذبه ما لم يعارض أصلاً في شرعنا فنرده عندئذ.
ثانياً: أن هذه رؤيا رأتها أم يحي، والرؤى لا تثبت بها الأحكام.
ثالثاً: لو صح ما سبق لأمكن حمل لفظ السجود على غير معناه المتبادر، وكلام ابن كثير في بيان معنى السجود واضح جلي، إذ قال بعد إيراده القصة: (ومعنى السجود هاهنا الخضوع والتعظيم، كالسجود عند المواجهة للسلام، كما كان في شرع من قبلنا، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم) .
وقد ذكر تأويل الإمام مالك لرؤيا أم يحي إذ قال مالك: (أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇؛ لأن الله -تعالى- جعله يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص) .
هذا -والله أعلم - إن صحت القصة فهي من قبيل رؤيا يوسف ﵇ حين قال لأبيه: "يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" [يوسف: من الآية٤] . والله -تعالى- أعلم.
стр. 6694
المؤلفات قبل الموطأ
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٢٤/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
أرجو التكرم بذكر المصادر الإسلامية المكتوبة (من حديث ومواد فقهية غير القرآن الكريم) متوفرة الآن، وكانت موجودة قبل موطأ الإمام مالك. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 6695
كان الصحابة، ﵃، يتلقون عن النبي ﷺ أقواله وأفعاله، ويتداولونها بينهم حفظًا ورواية، وكان بعض الصحابة، ﵃، يكتب في عهد النبي، ﷺ ، ولهذا وجد بعض الصحف المكتوبة في عهد النبي ﷺ ، مثل: صحيفة أبي بكر الصديق، ﵁، وفيها فرائض الصدقة، وصحيفة علي بن أبي طالب، ﵁، وفيها أسنان الإبل، وشيء من الجراحات، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، المعروفة بالصحيفة الصادقة، ودرج على ذلك التابعون، فكانوا يعتمدون على الحفظ والتلقي، ودوَّن بعضهم بعض السنة، ولهذا وجد عدد من النسخ أو الصحف الحديثية، ومن أمثلة هذه الصحف: صحيفة أو صحف سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس، ﵄، وصحيفة مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس، ﵄، وصحيفة بشير بن نهيك كتبها عن أبي هريرة، ﵁، وصحيفة أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدريس المكي تلميذ جابر بن عبد الله، ﵄، يروي نسخة عنه وعن غيره أيضًا، وصحيفة هشام بن عروة بن الزبير، وغير ذلك من الصحف الكثيرة التي رويت عن التابعين، والتي كانت هي الأساس الثاني بعد صحائف الصحابة، ﵃، لما أُلِّف وصنف بعد ذلك، ثم إنه على رأس المائة الأولى من الهجرة بدأ التدوين الذي اتصف بالشمول، وذلك خوفًا من ضياع السنة، وكان من أوائل من قام بهذا العمل أبو بكر بن محمد بن حزم (ت ١٢٠هـ) ، وابن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) ، ثم إنه في عصر تابعي التابعين بدأ التصنيف في السنة حيث جمع طائفة من أهل العلم كلام النبي ﷺ ، وكلام الصحابة، ﵃، فألف أبو محمد عبد الملك بن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة، ومعمر بن راشد باليمن (ت ١٥٣ هـ) ، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٦ هـ) بالشام، وسعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦ هـ) ، والربيع بن صُبيح (ت ١٦٠ هـ) ، وحماد بن سلمة (ت ١٧٦ هـ) بالبصرة، ومحمد بن إسحاق (ت ١٥١) ، وسفيان الثوري (ت ١٦١) بالكوفة، والليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) بمصر وغيرهم، وهذه المصنفات أغلبها لم يصل إلينا، لكن ما تضمنته من أحاديث وآثار دخلت في المصنفات التي جاءت بعدها مثل مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ) ، ومسند الإمام أحمد (ت ٢٤١هـ) ، ومصنف ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ، وغيرها من كتب الحديث، ويعد الموطأ من أوائل المصنفات الحديثية التي وصلت إلينا، وهو نموذج للمصنفات في تلك الفترة حيث جمعت الأحاديث مقرونة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وقد وصل إلينا بعض النسخ والكتب التي كتبت في عصر التابعين ومن بعدهم، وبعضها من موارد الإمام مالك في الموطأ، وهي مازالت مخطوطة، ومنها ما حُقِّق مثل:
- أحاديث الأعمش (ت ١٤٨ هـ) برواية وكيع عنه.
- كتاب المناسك لابن أبي عرابة (ت ١٥٦ هـ) .
- جزء من سيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) .
-أحاديث ابن جريج (١٥٠ هـ) ، جزء منه.
- نسخة ابن طهمان (١٦٨ هـ) ، جزء منه.
- نسخة جويرية عن نافع مولى ابن عمر (١١٧ هـ) .
- نسخة عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر (١١٧ هـ) .
-نسخة سهيل بن أبي صالح (ت ١٣٨ هـ) .
стр. 6696
- الجزء الأول مما أسند سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) .
- نسخة الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب (ت ١٢٨ هـ) .
- نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري (ت ١٢٤ هـ) .
ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، للدكتور: محمد مصطفى الأعظمي (٢/٤٧١- ٤٨٣) ، ومعرفة النسخ والصحف الحديثية، تأليف: بكر بن عبد الله أبو زيد، تاريخ التراث العربي تأليف فؤاد سزكين (١/ ١١٧) .
وأما الكتب الفقهية المصنفة قبل الموطأ، فمن المعلوم أن بداية الفقه هو فتاوى الصحابة والتابعين مثل الفقهاء السبعة وغيرهم، وهذه الفتاوى توجد في كتب السنة وكتب التفسير في الغالب، وتضمن الموطأ قدرًا منها، وقد وجد بعض الرسائل والكتب الصغيرة مثل: كتاب الفرائض لزيد بن ثابت، ﵁، وتفسيره لأبي الزناد (ت ١٣١ هـ) . وينظر ما كتبه فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (٣/ ١٥- ١٦) . هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6697
هل للأنبياء قوة بدنية خاصة ؟!
المجيب د. رفعت فوزي عبد المطلب
رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ١٤/٠٣/١٤٢٦هـ
السؤال
هل كان للرسل والأنبياء قوة جسمية خاصة، أم أنهم كانوا أناسًا عاديين؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أولاً: اعلم ـ أخي الكريم ـ أن الأنبياء صلوات الله عليهم ـ وإن كانوا بشراً من البشر ـ يأكلون ويشربون، ويصحون ويمرضون، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم العوارض التي تمر على البشر من ضعف وشيخوخة وموت.. إلا أنهم يمتازون بخصائص، ويتصفون بأوصاف عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، ومن أهم الضروريات، وهذه الصفات هي كما يلي:
١. الصدق.
٢. التبليغ.
٣. الأمانة.
٤. الفطانة.
٥. السلامة من العيوب المنفرة.
٦. العصمة.
والصفة الخامسة على وجه الخصوص هي من خصائص الأنبياء الكرام، فإنه لا يمكن أن تكون فيهم عيوب خَلْقية أو خُلُقية، تنفر الناس من الاجتماع بهم، أو اتباعهم والسماع لدعوتهم، كما أن الأمراض المنفرة -كالبرص والجذام، والتشويه الجسدي- لا تكون في أحد من الأنبياء.
ثانياً: وردت إشارات قرآنية تدل على قوة الأنبياء البدنية، مثل سيدنا سليمان وسيدنا داود الذي هزم جالوت بجبروته وقوته ما يدل على قوة داود الجسمية، وكما ذكرت إحدى بنات شعيب، وهي تطلب من أبيها استئجار موسى ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦] ، وقوله تعالى في قصة موسى مع الرجل الذي استغاثه من عدوه ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [القصص:١٥] ، وقوله عن سيدنا إبراهيم في تكسيره للأصنام ﴿فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ [الصافات:٩٣] ، وقوله ـ كذلك ـ عن إبراهيم وإسماعيل ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٧] مما يدل على قوتهما البدنية ﵉، والأمثلة في ذلك عديدة.
كما وردت أحاديث تدل على بسطة في الجسم وقوة للأنبياء، منها ما أخرج البخاري (٦٢٢٧) ومسلم (٢٨٤١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﵌ قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً.
وزاد أحمد (٨٥٢٤) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً، قال: فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن.
стр. 6698
أما نبينا محمد ﷺ فقد كان أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، وقد اختصه الله تعالى بقوة بدنية من ما كونه ﵊ رحمة للعالمين، ومن ذلك ما رواه أبو بكر الشافعي بإسناد جيد والخطيب في المؤتلف -كما في الإصابة ٦/٦٥٦- عن ابن عباس ﵄ أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقام عنه رسول الله ﷺ وردَّ عليه غنمه.
وكذلك ما رواه البخاري في صحيحه (٢٦٨) قال حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة.
قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه! قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. والله تعالى أعلم.
стр. 6699
هل صلى النبي ﷺ في هيكل سليمان ؟
المجيب د. رفعت فوزي عبد المطلب
رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/مسائل متفرقة في السيرة والتاريخ والتراجم
التاريخ ٠٨/٠٧/١٤٢٦هـ
السؤال
كيف يمكن أن يكون النبي ﷺ قد صلى في هيكل سليمان أثناء
الإسراء والمعراج، ومعلوم أن الهيكل دمَّره الإمبراطور تيتوس قبل الميلاد بسبعين سنة؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فبنص القرآن الكريم كان الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث قال الله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير". [الإسراء: ١] ، وكذلك ثبتت إمامته ﵊ الانبياء به، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي. (الحديث) ، وفيه: "فحانت الصلاة فأممتهم" صحيح مسلم (٢٥٩) (٢٦٣) (٢٦٤) ، وما بعده. وزاد المعاد بالهامش (ج٣ ص٣١) .
أما قصة هيكل سليمان وتوابعها فهي أسطورة صهيونية لها أهداف خفية وعلنية، فهناك أدلة عديدة على دحضها وبيان كذبها؛ فاللجنة الدولية التي جاءت إلى القدس سنة ١٩٣٠م -والتي عرفت بلجنة "شو"، وكانت مهمتها الفصل في ملكية حائط المبكى -قررت أن حق ملكية الحائط وحق التصرف فيه وما جاوره من الأماكن عائد إلى المسلمين، ذلك لأن الحائط نفسه هو ملك للمسلمين؛ لأنه جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف، فالهيكل لا أثر له حالياً، فقد هدم تماماً وفقد أثره، ومهما بكى اليهود وقطعوا شعورهم حزناً على هيكل سليمان فلن يجدوه؛ فنصوص التوراة تبين الآتي:
أولاً: أن الأرض التي بني عليها الهيكل أرض عربية، كانت بيدراً لأرونة اليبوسي اشتراها منه داود ﵇ وكما يقول العهد القديم: إن أرونة اليبوسي هذا قد عرض بيدره هبة منه لداود ﵇ ولكن داود أصر على دفع ثمنه، وهنا نلاحظ أن كتّاب العهد القديم يصرون دائما على أن يثبتوا أنهم كانوا يدفعون ثمن الأرض كما هنا، وكما في رواية غارة المكفيلية.
ثانياً: إن تصميم الهيكل على هيئة تصميمات الهياكل العربية، يقول ول ديورانت: إن طراز الهيكل هو الطراز الذي أخذه الفنيقيون عن مصر، وأضافوا إليه ما أخذوه من الآشوريين والبابليين من ضروب التزيين.
ثالثاً: إن المواد الخام المستعملة في بناء الهيكل لم تكن يهودية بل كانت عربية، كما يذكر العهد القديم أن الملك حيرام ملك صور أمد سليمان بخشب الأرز وخشب السرو الذي كان موجوداً في لبنان.
رابعاً: إن الذين قاموا بالإشراف على الهيكل وبنائه هم العرب، فقد جلبهم سليمان ﵇ من حليفه الملك حيرام، إذ كان اليهود لا يعرفون الهندسة والعمارة، وكانوا كذلك يجهلون ألوان الفنون الأخرى لبداوتهم، ولأن موسى ﵇ حرم عليهم التصوير والنحت حتى لا يخلقوا أشياء تناظر ما خلقه الله ثم يعبدونها.
стр. 6700
ويرى غوستان لوبون أن وصف الهيكل وقصور سليمان مبالغ فيه، وأن هذه الأبنية تمت على كل حال بأيدي الأجانب، ثم يقول: لا ينبغي لنا أن نتحدث عن وجود شيء من فن النحت أو التصوير لدى بني إسرائيل، وقل مثل هذا عن فن البناء عندهم، فانظروا إلى هيكلهم المشهور (هيكل سليمان) -الذي نشر حوله كثير من الأبحاث المملة- تجده بناءً أقيم على الطراز الآشوري المصري من قبل بنائين من الأجانب كما تدل عليه التوراة، ولم تكن قصور ذلك الملك غير نسخ دنيئة عن القصور المصرية أو الآشورية.
فماذا بقي لليهود من الهيكل يتباكون عليه، ويقطعون شعورهم ندماً عليه؟
وخلاصة المسألة أن علاقة اليهود بالهيكل لا تتجاوز علاقة أي عابد بمعبده الذي يتعبد فيه، وأن الهيكل لم يكن لليهود وإنما كان لسليمان وحده، ولما مات سليمان أخذه الوثنيون، فأين اليهود في ذلك الوقت ليدفعوا عن الهيكل وثنية الوثنيين؟
стр. 6701
الرقائق والأذكار
стр. 6702
سلّم نفسك لله
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/ التوبة
التاريخ ٣/٨/١٤٢٢
السؤال
إذا ارتكب الرجل جريمة الزنا وأراد أن يتوب توبة صادقة، وهو يعيش في بلد غير إسلامي، فكيف يقام عليه الحدّ، هل يمكن أن يأتي إلى عالم من العلماء أو مؤسسة إسلامية ليقام عليه الحدّ، أو يسافر إلى بلد إسلامي ليفعل ذلك، أو لمن يسلّم نفسه؟
الجواب
الأخ / ع. أ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أسأل الله أن يغفر ذنبك، ويصلح قلبك، ويستر عيبك، ويهديك بهداه.
ثم اعلم - بارك الله فيك - أن من جنح إلى خطيئة، أو وقع في فاحشة ليس فيها حق إلا لله فإنه إذا استغفر وتاب وأناب، فقد استعتب رباً رحيماً كريماً هو أرأف به من أمه التي ولدته، وأنه -جل وعزّ- أكرم من أن يرده وقد أقبل عليه، أو يخيبه وقد صدق في رجائه، وليس بينه وبين المغفرة إلا أن يخلص التوبة، وربك يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وعليه أن يستتر بستر الله عليه ولا يفضح نفسه، وقد قال ﷺ : ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) أخرجه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) .
فإذا كان المرء يؤجر بالستر على غيره فستره على نفسه كذلك أفضل، والذي يلزمه في ذلك التوبة والإنابة والندم على ما صنع فإن ذلك محو للذنب إن شاء الله.
وأخرج مالك في موطئه مرسلاً (٢/٨٢٥) ، والحاكم في المستدرك (٨٢١٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ إن رسول الله ﷺ قام بعد أن رجم الأسلمي فقال: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألمّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله )) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
قال العلماء: إذا تمحّض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة. وقد ورد في ذلك حديث -وإن كان فيه ضعف- أن رسول الله ﷺ قال: (من أصاب حدّاً فعُجِّل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثنيّ على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدّاً فستره الله عليه، وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود إلى شيء قد عفا عنه) أخرجه الترمذي (٢٦٢٦) وقال: حسن غريب. ويشهد لمعنى هذا الحديث ما أخرجه البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨) عن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول في النجوى: ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه -أي ستره- فيقول عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرّره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم)) .
ولذلك كله فإن على من ابتلي بشيء من هذه الفواحش أن يصدق التوبة، ويعظم في الله الرجاء؛ فإنه أكرم الأكرمين، يفرح بتوبة عبده إذا تاب، فيغفر ذنبه، ويجبر كسره، ويمحو ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر. ولكن لا بدّ مع ذلك من سلوك الطريق الصحيح التي تعين على الاستقامة وصلاح الحال بعد التوبة ومنها:
стр. 6703
٠١ الإقبال على الله جملة وذلك بأداء الفرائض، وأعظمها الصلوات الخمس مع جماعة المسلمين.
٠٢ إشغال النفس بالعمل النافع المفيد الذي يستفرغ الطاقة، ويعمل العقل، ويبعد الأفكار الشهوانية التي يصنعها الفراغ، والنفس لا تقعد فارغة، فإن لم تشغلها بما ينفعك شغلتك بما يضرك.
٠٣ تغيير نمط الحياة والبيئة التي كانت سبباً للوقوع في الفاحشة، ومن أهم ذلك البعد عن رفقاء السوء الذي يُغرون بالفاحشة ويُجرِّئون عليها، واستبدالهم بصحبة أخبار يدلون على الخير، ويعينون عليه. وقد أخبر النبي ﷺ عن قول العالم للرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب: (أخرج من بلدك فإنها أرض سوء، والحق بأرض كذا فإن فيها قوماً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم) . فأرشده إلى تغيير البيئة بالهجرة من بلده، وتغيير البيئة لا يلزم من هجر البلد دائماً، بل تغيير نمط الحياة وتغيير نوعية العلاقات هو المؤثر الأكبر في ذلك.
٠٤ مجاهدة النفس بكبح جموحها وقر شهواتها وقد قال الله: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) . وإنك واجد -بعون الله- من لذة النصر على شهوات النفس ما هو أعظم من نيل تلك الشهوات. ومن أعظم ما يعينك في هذه المجاهدة معرفة عاقبة السوء للمعاصي، وعليك بقراءة كتاب (الجواب الكافي) لابن القيم ففيه ما يبصرك بذلك.
٠٥إعفاف النفس بالحلال الطيب وذلك بالزواج، كما أوصى بذلك نبيك محمد ﷺ حيث قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه اغضّ للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) أخرجه البخاري (٥٠٦٦) ومسلم (١٤٠٠) .
٠٦ القراءة في كتب الأئمة الربانيين التي تزكي النفوس وتقوي الإيمان، ومنها: (تهذيب مدارج السالكين) وبخاصة فصل التوبة منه، فإنك واجد ثمة كلاماً نورانياً يرفع عن القلب حجب الشهوات، ويصل النفس بخالقها ﷻ .
٠٧ المحافظة على أذكار اليوم والليلة فإنها حصن المسلم وقوته وزاده، ومنعة له من شياطين الجن والإنس، وعليك بكتاب (الوابل الصيب من الكلم الطيب) لابن القيم، فإنك واجد فيه من فوائد الذكر ووظائفه الكثير الطيب المبارك.
٠٨يفيدك جداً قراءة كتب توسع ثقافتك، وترفع همتك، وتشغل وقتك، ومنها في مسألة التوبة كتاب (أريد أن أتوب ولكن) للشيخ محمد المنجد، و (التوبة وظيفة العمر) للشيخ محمد الحمد ونحوها.
وأودعك وأنا أدعو الله لك أن يتولاك بما تولى به الصالحين من عباده، وأن يوفقك لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب الصالحين، وأن يهدينا وإياك سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6704
أتوب ولكني أعود
المجيب محمد بن إبراهيم الحمد
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٧/٦/١٤٢٢
السؤال
أنا أؤدي جميع فرائض ربي، التي فرضها عليّ، إلا أني ابتُليت منذ زمن، وحتى الآن بالمعاشرة المحرمة، ولكن لا يصل إلى ما يصل إليه الرجل من زوجته، وكلما أقول -إن شاء الله- لا أرجع لهذا، وأندم على ما فعلت، وأفعل بعض النوافل لكي أُكفر ما فعلت. إلا أنها كثيرة مني هذه الفعلة، وأخاف ألا تقبل مني العبادة. أفيدوني -جزاكم الله خيراً-.
الجواب
لا ريب أن العمل الذي قمت به، مخالفٌ للشرع من عدة وجوه.
أولاً: أنّك خلوت بأولئك النسوة، والرسول ﷺ يقول: ((ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) .
ثانياً: أنّك اقتربت من الزنا، والله _ _ يقول: ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا)) .
ثالثاً: أنّك بهذا الصنيع دخلت في زمرة العادين، والله يقول في وصف المؤمنين: ((والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)) . والذي يجب عليك أيها الأخ، أن تتوب إلى الله _ _، وأن تندم على فعلك هذا، وأن تُقلع عنه، وتعزم على عدم العودة إليه. واعلم بأن الله سيعينك، وسيوفقك إذا صدقت في توبتك معه، خصوصاً وأنك تندم على فعلك، وتحافظ على الفرائض، وتقوم بأداء بعض النوافل؛ فهذا دليل على حياة قلبك، وخوفك من ربك. ولا ريب أن المؤمن من سرَّته حسنته، وساءته خطيئته، وإن مما يُعينك على التوبة النَّصوح: أن تُجاهد نفسك، وأن تقوّي إرادتك، وأن تنظر في العواقب، وأن تعلم أن المعصية سبب للشقاء، والضنك، والضيق، وأن تُدرك أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه، والعِوض من الله أنواع مختلفة، وأجلُّ ما تعوض به: أن تُرزق محبة الله، وطمأنينة القلب بذكره، وأن تنزل عليك السعادة الحقّة، لا تلك السعادة الوهمية المشوبة بالكدر والأنكاد، والخوف. ومما يُعينك _ أيضاً _ على الإقلاع من هذا الذنب، أن تستحضر بأن الله مُطّلِع عليك، رقيب على كل عمل تقوم به، فهل يرضيك أن يكون ربك أهون الناظرين إليك؟!
стр. 6705
ثم اعلم بأن الله يمهل ولا يهمل؛ فربما سترك الله؛ لأجل أن تراجع نفسك، وتقلع عن فعلتك؛ فإذا أصررت عليها فربما كشف الله أمرك، وفضحك، وهتك سترك. ومما يُعينك على الاستمرار على التوبة أن تُحافظ على الصلوات، وان تُقيمها على الوجه الأكمل؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ومما يُعينك _ أيضاً _ أن تُحافظ على الأوراد المأثورة عن النبي _ ﷺ _ كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، ونحوها من الأذكار المطلقة والمقيدة. وكذلك أكْثِرْ من قول: (لا حول ولا قوّة إلا بالله) ، فإنها كما قال شيخ الإسلام _ ابن تيمية _: تُكابد بها الأهوال، وتحمل الأثقال، وينال رفيع الأحوال. ومما يُعينك _ أيضاً _ أن تُلازم الدعاء، وتتحرّى مواضع الإجابة. ومما يعينك أن تُصاحب الأخيار، وتجانب الأشرار، وتبتعد عن الفراغ ما استطعت، وتُشغل نفسك بما يعود عليك بالنفع في دينك ودنياك. وعليك _ أخيراً _ أن تجتنب المثيرات، وتبتعد عن مواطن الفتن. أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى أن يكتب في قلبك الإيمان، ويثبتك على صراطه المستقيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6706
توبة المسرفين
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١٣/٧/١٤٢٢
السؤال
إذا أسرف العبد على نفسه بالمعاصي الكبير منها والصغير، ومن ثم تاب إلا أن هناك زلات لاتزال في حياته، وهو غير راضٍ عنها.. فهل يعاقبه الله بأن يفضحه بالذنوب التي تاب منها، ولايستر عليه؟ وهل الشيطان يدخل على الإنسان من هذا الباب؟
الجواب
إن من أجلّ نعم الله على العباد أن فتح لهم باب التوبة على مصراعيه، وأمرهم بها ورغّبهم فيها، ووعدهم عليها قال -جل وعلا- " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " وقال: " وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " وفي صحيح مسلم (٢٧٠٢) من حديث أبي بردة عن الأغر -وكان من أصحاب النبي- ﷺ أنه قال لابن عمر قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) .
كما أن من نعمة الله على العباد إمهالهم، والصبر عليهم، وعدم معاجلتهم بالعقوبة علّهم يتوبون ويرجعون، ويستدركون بقية أعمارهم بتوبة نصوح وعمل صالح.
فعلى العبد أن يجتهد في التخلص من ذنوبه على الفور والتقلل من سيئاته وخطاياه؛ لأنه لا يدري متى يحال بينه وبين ما يشتهي من التوبة بالموت، ونهاية الأجل، وانقضاء المهلة.
ثم ليثق العبد أنه متى صدق في توبته، وأحسن في رجوعه وعودته إلى ربه أن الله تعالى سيفرح بتوبته، وسيغفر ذنوبه وزلاته مهما عظمت وكبرت برحمة منه وفضل، ومتى تاب العبد وأناب إلى ربه استحب له الإكثار من نوافل العبادات، والمسارعة إلى فعل الطاعات والقربات؛ حتى يضمن رجحان ميزان حسناته، ويعمر صحيفته بما يفرحه ويسعده عند لقاء ربه، ثم ليكن العبد على يقين بأن الله أجلّ وأكرم من أن يفضح عبده التائب ويخزيه بين العباد حتى وإن ألمّ بذنوب أخر، إذ ليس معصوماً إلا من عصمه الله.
وأما الشيطان فهو حريص كل الحرص على الكيد لابن آدم، والدخول عليه من كل باب سواء قبل التوبة أو بعدها، فقبل التوبة يزيّن له تسويفها، ويقنطه من إمكانية قبولها، وبعد التوبة لا يزال يذكّره بسالف ذنوبه، ويحسن له معاودتها، ويزين له مواقعتها. والخلاص من كيد هذا اللعين يكون بحسن التوكل على الله، وصدق اللجأ إليه -سبحانه- وكثرة الاستعاذة به -جل وعلا- من وسوسة الشيطان ومكره.
ويحسن في هذا المقام التنبيه إلى أهمية مطالعة كتابين عظيمين في هذا الموضوع الخطير وهما: (تلبيس إبليس) لابن الجوزي، و (إغاثة اللهفان) لابن قيم الجوزية؛ فهما -في نظري- من أجود ما كتب في هذا الباب. والله أسأل أن يوفقنا جميعاً إلى توبة نصوح وأن يعيذنا من وسوسة الشياطين ومضلات الفتن.
стр. 6707
هل تصح التوبة في مرض الموت ؟
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١٧/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
هل تجوز التوبة من إنسان أصابه مرض يؤدي به إلى الموت؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
أخي في الله، الجواب عن سؤالك سيكون من وجهين:
أولهما: ينبغي أن تعلم أن الذي قدَّر المرض هو الله، وأن القادر على شفاء المريض هو الله سبحانه، كما ينبغي أن تكون على يقين بأنه ما من مرض إلا وله دواء عرفه من عرفه، وجهله من جهله، إلا الهرم، وهذا صح فيه أكثر من حديث عن النبي المعصوم ﷺ ، ولذا لا يجوز لأحد يؤمن بصحيح خبر رسول الله ﷺ أن يصاب باليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، فبالدعاء وكثرة التضرع إلى الله مع تعاطي الرقية الشرعية، يكون الشفاء بحول الله وقوته.
ثانيهما: باب التوبة مفتوح على مصراعيه لكل تائب صادق، وإن كان على فراش الموت، ما لم تبلغ الروح الحلقوم، فلنبادر أخي في الله بالتوبة النصوح، ولنكن على يقين بسعة رحمة الله تعالى، وفرحه بتوبة عبده من أي ذنب كان.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى والسلام عليك.
стр. 6708
أريد أن أتوب من ترك الصلاة، ولكن !
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٩/١/١٤٢٤
السؤال
كنت محافظاً على الصلاة حتى انتهاء مرحلة الثانوية العامة، وما إن انتهيت منذ عام ونصف تقريباً وأنا لا أصلي، بل وأرتكب العديد من المعاصي، مثل شرب الخمر، والحشيش، ولكن كثيراً ما يؤلمني ضميري، ولكن عزيمتي ضعيفة جدا، فكلما أتذكر أن كل الصلوات التي فاتتني يجب أن أقضيها، انتابني شعور رهيب بالكسل، ومخيف من المعاصي، التي ارتكبتها، وإني لأشعر بفضل الله علي في دراستي، وحياتي، رغم معصيتي له ، وهذا ما يجعلني أحتقر نفسي أكثر وأكثر، ولا أدري ماذا أفعل الآن بعد هذه المعاصي، وكيف أكفر عنها، وعن الصلوات التي فاتتني؟.
الجواب
الحمد لله، وبعد..
اعلم وفقك الله لطاعته، أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن أبواب التوبة مفتوحة بحمد الله، وأن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وقال الله تعالى: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين".
فما عليك إلا أن تبادر إلى التوبة بصدق وتصميم على الثبات، ومن ثم أبشر بما يسرك بحول الله وإذنه، وأما الصلوات الفائتة فلا يلزمك قضاؤها، لأن تارك الصلاة كافر على الصحيح من أقوال أهل العلم، والكافر لا يطالب بقضاء الفوائت، وفقك الله وأعانك والسلام عليك.
стр. 6709
التوبة من ترك الصوم والصلاة
المجيب د. أحمد بن محمد الخليل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢١/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
كنت عاصياً لله حيث كنت أفعل جميع ما تتخيل من المعاصي والذنوب والكبائر المهم أنني تبت الآن، سؤالي عن الصلاة وصيام رمضان حيث أني كنت متهاوناً جداً في الصلاة حيث تمر السنتان أو أكثر لا أصلي فيها إلا مرة ومثله كنت لا أصوم من رمضان إلا يوماً أو يومين وبدون صلاة.
فهل علي كفارة؟ مع العلم أنني التزمت بكل الفروض وبالنوافل والحمد لله، كما أسألكم الدعاء لي بالثبات، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
فأبارك لك هذه التوبة وأسأل الله لي ولك الثبات على طاعته.
ثم إذا كان الواقع كما ذكرت من تركك للصلاة والصيام في السنين السابقة فإنه لا يجب عليك قضاء شيء من الصلاة أو الصيام؛ لأنك تعتبر بتوبتك أسلمت لأن تارك الصلاة تهاوناً كافر كما دلت عليه النصوص الصحيحة.
وعليك الآن أن تستقبل أمرك بالإكثار من النوافل والصدقات ما استطعت، وفقك الله لما يحبه ويرضاه.
стр. 6710
أدعية مأثورة تُعين على الثبات
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٩/٩/١٤٢٢
السؤال
عندي ذنوب كثيرة وأدعو الله كل يوم أن يغفر لي ولكن الدنيا تأخذني ولا أعلم ماذا أفعل، أحاول ولكن أرجع، فإذا تفضلتم أعطوني الدعاء الذي أدعوه ليثبت قلبي على الإيمان وطاعة الرحمن؟
الجواب
إن شعور الإنسان بكثرة ذنوبه، وخوفه منها، ورغبته في التخلص من تبعتها علامة حياة القلب ونبضه بالإيمان، وعلاج مَنْ هذا شأنه سهلٌ وميسر بحمد الله - إذ إنَّ أولى خطوات تصحيح المسار، واستدراك الفائت الاعتراف بوجود الخطأ والشعور بوخز الضمير، والإقبال الذاتي إلى مدارج الصالحين والتائبين.
ومعاودة الوقوع بالذنوب بعد التوبة منها لا تعطي فرصة لليأس ليستولي على النفوس، أو يفسح مجالاً للقنوط يحول بين العبد وتجديد الاستغفار والندم مما حدث وكان.
وحَسَنُُ من السائلة أن تطلب تذكيرها ببعض الأدعية التي تعينها على الثبات ولزوم الاستقامة، إذ إن الدعاء خير وسيلة يُستعان بها في خضم هذا الزمن المتلاطم فتناً ومحناً، كيف وهو سلاح الصفوة المرسلين من الأنبياء وأتباعهم.
ألا إنَّ من أفضل الأدعية في هذا المقام ما ورد في الكتاب العزيز، وما صحّ من سُنة إمام المتوكلين، وسيد الخاشعين المتضرعين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ومن ذلك:
قوله - تعالى -: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) آل عمران: ٨ - وقوله: (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) البقرة: ٢٥٠.
وصحّ عنه ﵇ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ " اللهم مصّرف القلوب، صرَّف قلوبنا على طاعتك " أخرجه مسلم (٢٦٥٤) وغيره، وأخرج كذلك من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: " اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون " رواه مسلم (٢٧١٧) وأمثلة هذه الأدعية لا تحصى كثرة بحمد الله، وصنفت فيها كتب كثيرة وأفردها الأئمة بأبواب مستقلة من الصحاح والسنن ولخصها آخرون في مصنفات مفردة، ومن أفضلها الكلم الطيب لابن تيمية والوابل الصيّب لابن القيم وحصن المسلم للقحطاني من المعاصرين، والله أعلم"
стр. 6711
توبة مرتكب الحد
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١١/٥/١٤٢٣
السؤال
يقول السائل: إنه قرأ في كتب الشافعية في باب الشهادات ما مفاده:
أن من ارتكب معصية توجب الحد ثم أظهرها أو اشتهر بها بين الناس تتوقف توبته من هذه المعصية على التمكين من نفسه لإقامة هذا الحد، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
الصحيح أن ترك الإقرار أولى؛ لأن النبي ﷺ عرض للمقِرِّ عنده بالرجوع عن الإقرار، فعرض لماعز ﵁ لما أقر بالزنى كما رواه البخاري (١٢/١٣٥) مع اشتهاره عنه ﵁، وكذلك عرَّض للمقر عنده بالسرقة كما رواه أبو داود (٤٣٨٠) ، ولم يرد الأمر بالإقرار ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة -فيما أعلم- وإنما ورد الشرع بالستر، فقد قال النبي ﷺ لهزال -الذي أمر ماعزاً بالإقرار-:"يا هزال لو سترته بثوبك لكان خيراً لك" رواه النسائي في (السنن الكبرى ٤/٣٠٦) والحاكم (٤/٤٠٣) ، وصححه، وفي الجملة الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله - تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 6712
تاب من السرقة ويريد الحج
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١٧/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
أنا شاب كان ماضيَّ مليء بالمعاصي الكثيرة التي تصل إلى بعض الكبائر والتي أسأل الله أن يتجاوز عنها. ومن ضمن المنكرات التي ارتكبتها أنني كنت أسطو على سائقي اللموزينات وأنهب ما لديهم بعد أن أقوم بضربهم أنا شباب أخرون معي. واستمرت تلك الحالة إلى درجة أنني لا أكاد أحصي تلك الأموال لكثرتها، وكذلك أموال أخرى غيرها. وقد ندمت على ما فات من عمري في تلك الجاهلية. وأريد أن أحج هذا العام من مال يقدمه لي والدي حيث إنني طالب بالمرحلة الثانوية ولا أملك من المال ما أحج به. فهل يمكنني الحج أم عليّ أن أرجع الأموال التي نهبتها إلى أصحابها مع العلم أن منهم من لا أعرفه ولا أعرف مقدار ماله. ومنهم من أعرفه وأعرف مقدار ما أخذته منه ولكني لا أملك من المال شيء. يا شيخ أريد أن أتوب وأقلع عن كل ما كان من أمور لا ترضي الله فماذا أصنع؟
الجواب
أرجو الله أن يوفقك للتوبة النصوح وأن يغفر لنا ولك سيئ الأعمال.
اعلم يا أخي أن التوبة الصادقة تمحو جميع الذنوب والسيئات مهما عظمت، قال تعالى:" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " [الزمر:٥٣] وفي الحديث الصحيح " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ... يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" انظر مسند أحمد (٢١٤٧٢) ، ومسند الدارمي (٢٨٣٠) ، وصحيح مسلم (٢٦٨٧) ، وجامع الترمذي (٣٥٤٠) وقراب الأرض يعني ملؤها أو ما يقارب ملأها.
وأنت تعلم أن حج الفريضة أحد أركان الإسلام الخمسة ويجب أداء حقوق الآخرين قبل الحج؛ كالأموال التي أخذت منهم بدون حق بسرقة أو اختلاس أو نصب وسائر أنواع الحقوق من ديون أو مظالم. ويجب عليك أن ترد الأموال إلى أصحابها وأن تستسمحهم عن ما حصل منك إن كنت تعرف أهلها. وإن لم تكن تعرفهم فادع لهم بظهر الغيب، وإذا أغناك الله مستقبلاً فادفع هذا المال إليهم. وإن كنت لا تعرفهم فأنفق هذا المال صدقة في سبيل الله على الفقراء والمساكين، وادع لهم بظهر الغيب في صلاتك ودعائك ولا شيء عليك بعد هذا - إن شاء الله - وحجك من مال أبيك جائز ولا شيء فيه، فبادر إلى الحج لعل الله أن يجعله فاتحة خير لك في دينك ودنياك.
وعليك- يا أخي - بالمداومة على الصلاة مع الجماعة، والإكثار من تلاوة القرآن والدعاء في صلاتك وخارجها في ليل ونهار وعليك بالابتعاد عن جلساء السوء أمثال الذين كنت معهم وأوقعوك فيم وقعت فيه وانظر لك رفقاء وزملاء صالحين من أهل الخير والدعوة إلى الله.
أدعو الله لك أن تعود من حجك سالماً معافى وقد خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. آمين وفق الله الجميع إلى كل خير.
стр. 6713
هموم تائبة
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٩/١١/١٤٢٢
السؤال
أنا امرأة أفعل المعاصي، لكنني كثيرة التوبة والرجوع إلى الله، حيث إنني على سبيل المثال: كنت أستمع للأغاني، ثم أعود تائبة إلى الله متوعدة نفسي بعدم الرجوع إليها، لكن الشيطان يعود لإغوائي فأعود للاستماع لها، وهكذا تكررت مرات كثيرة حتى جاء يوم، وقالت لي إحدى صديقاتي: إنك امرأة ليست لك شخصية، وكل يوم لك حال! حددي موقفك واستمري عليه، فضاقت نفسي جداً جداً، وبدأت تنتابني التساؤلات:
هل الله لن يقبل توبتي، وأنا أتوب ثم أعود للذنب مرة أخرى، أم أن هذه هي حال المسلم بين ذنب وتوبة؟
ومن هم التوابون الذين يحبهم الله؟
وما النفس اللوامة، ولمَ أقسم الله بها في سورة القيامة؟
وهل يجب علي ألاّ أنهى عن المنكر وأنا على هذه الحال؟
وهل آثم إن لم أنه عن المنكر وأنا أراه؛ لعدم جراءتي على ذلك، وقلة علمي بأمور الدين؟
أجيبوني بأسرع وقت ممكن؛ لحاجتي الماسة لذلك، مستشهدين لي بالأدلة من القرآن والسنة؟
الجواب
الحمد لله، وبعد.
الأخت الكريمة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قرأت رسالتك مراراً، وتوقفت عند قولك: "أجيبوني بأسرع وقت ممكن لحاجتي الماسة لذلك مستشهدين لي بالأدلة من القرآن والسنة " فأحببت أن تكون هذه الجملة هي محور الجواب وركيزته الأساس قبل أن أتناول أسئلتك الخمسة بالرد المفصل، فأقول، وبالله التوفيق.
إن من يظن أن سعادته تتحقق في إشباع غرائزه، وإرضاء نزواته، وتلبية رغبات نفسه الأمارة بالسوء، فهو يعيش وهماً كبيراً، ويطارد سراباً يستحيل أن يظفر منه بقطرة تروي ظمأه إلى السعادة الحقيقية، والبهجة الأبدية.
إن حاجتك الماسة إلى الإجابة على تساؤلاتك فيدل بكل تأكيد أن جميع ما استمعت إليه من أغان، وما شاهدته من أفلام ومسلسلات وبرامج، وكل ما طالعته من صحف ومجلات وغير ذلك لم يشبع حاجتك إلى الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي، وما ذلك إلا بسبب ابتعادك - وللأسف - عن المنهج القويم، والمسلك الآمن الموصل إلى سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
ولحسن الحظ فأشعر أن الله - تعالى - أراد بك خيراً حيث بدأت تتخذين خطوات عملية في تغيير واقعك إلى الأفضل، وتصححين مسارك إلى الاتجاه الصحيح - فحمداً لله أن لطف وستر -.
أختنا الكريمة، أما بخصوص سؤالك الأول فأبشري بأن الله - تعالى - واسع المغفرة يقبل التوبة ويفرح بها، قال الله - تعالى -: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون " [الشورى:٢٥] ولا يضرك وقوع الذنب منك أكثر من مرة إن لم يكن هناك استهتار أو استخفاف في إحداث التوبة ثم نقضها، إلا أنني أنصحك أن تكوني أكثر جدية مع نفسك، وأمضى حزماً في معالجة دوافع نفسك وكبح جماحها حين تحدثك بمعاودة الذنب مرة أخرى.
стр. 6714
ومما يعينك في الثبات على التوبة تذكري مراراً الندم عقب الفراغ الكئيب من ممارسة الخطأ، ومعاقرة الذنب، يضاف قبل هذا ومعه وبعده صدق الملجأ إلى الله ، وطلب العون والمدد منه - سبحانه - أن يأخذ بيدك إلى التوبة النصوح.
أما السؤال الثاني: فالتوابون الذين يحبهم الله - تعالى - كما في قوله الكريم: " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " [البقرة:٢٢٢] فهم الذين يصدقون في توبتهم، ويبادرون إليها، ويتفانون في الحفاظ عليها مهما كانت نوازع النفس ودوافع الهوى، وحتى تكوني منهم أيتها الأخت الفاضلة، ينبغي أن تتمسكي بتوبتك حتى الممات، وأن تحافظي عليها حفاظك على روحك التي بين جنبيك بل أشد، وكم ستشعرين بالبهجة والفخر يوم تكونين واحدة من أولئك المحظوظين الذين شملتهم محبة الله.
فحذار - يرحمك الله - أن تستبدلي الذي هو أدنى بالذي هو خير فتفرطي بمحبة الله من أجل أغنية هابطة أو مشهد خليع!!
وأما السؤال الثالث: فالنفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها حين لا ينفعها اللوم، فهي النفس المذمومة، وهذا المعنى نقله ابن الجوزي عن ابن عباس ﵄، وقيل: هي النفس المؤمنة قاله الحسن البصري ﵀، وقال: (لا يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال) .
والأظهر - والله أعلم - صحة القولين كليهما - فإن لوم النفس أحياناً لصاحبها لا ينفع حين يتعذر استدراك الفائت، كما أن المؤمن الحق لا يزال لائماً لنفسه إن عمل خيراً قال: هلاّ زدت، وإن عمل شراً قال: ليتني لم أفعل.
وأما لِمَ أقسم الله بها؟ فذلك - والله أعلم - لبيان فضل النفس التي تلوم صاحبها عند وقوع التقصير منها إما بارتكاب ذنب أو تفويت فضيلة، ولا ريب أن نفساً كهذه جديرة بأن يقسم الرب - تعالى شأنه- بها إذ هي دائمة السعي في البحث عن سعادتها في كنف الله وقربه.
أما السؤال الرابع: فلا ريب أن الكمال أن تأمري بالمعروف وأنت أول الفاعلين له، وأن تنهي عن المنكر وأنت أول المبتعدين عنه، فإن زلت بك القدم وارتكبت مخالفة ما فحذار أن تحجبك مخالفتك تلك عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبادرة في الوقت نفسه إلى سرعة التخلص من مغبة المخالفة وإعلان التوبة من جديد بالكيفية التي أشرت إليها سلفاً.
وأما السؤال الخامس: فكل من يمتنع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو قادر على إنكاره بيده، أو بلسانه، أو بقلبه فهو واقع في دائرة الذم، ومعرض نفسه، بل وغيره إلى مغبة تعطيل هذه الفريضة الجليلة، خصوصاً في زمننا هذا الذي كثرت فيه المنكرات، وانتشرت فيه المخالفات، وقلََّ المنكرون لها.
وختاماً أسأل الله - تعالى - أن يوفقك للتوبة النصوح التي لا رجعة بعدها، وأنصحك بأن تكثري من قراءة القرآن، ومطالعة تفسير ابن كثير وابن سعدي، (وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) لابن القيم و (تلبيس إبليس) لابن الجوزي ونحوها من الكتب المفيدة، كما أدعوك إلى تكوين صحبة طيبة من الزميلات الملتزمات الحريصات على اقتفاء سبيل الصحابيات الكريمات إرضاء لفاطر الأرض والسماوات - سبحانه -.
كما أوصيك بالابتعاد عن مطالعة الفضائيات ونحوها ولو بالتدريج، واستبدال ذلك بتصفح المواقع النافعة عبر الإنترنت لشغل الفراغ بالمفيد، واحرصي- حماك الله - على أداء الفرائض والواجبات، وقراءة كتب السير والوعظ والرقائق علَّ الله أن يُلين لك قلبك ويشرح صدرك، والله يحفظك والسلام.
стр. 6715
عاهدت ربي ثم نكثت بعهدي
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٥/١٢/١٤٢٢
السؤال
أنا شاب ملتزم في ديني قطعت عهداً مع الله ألا أرتكب إثماً بعينه، أغواني الشيطان بعد مدة فنكثت عهدي مع الله، قلبي يكابد ألماً، وحياتي أصبحت إحساساً رهيباً بالذنب، والخوف من غضب الله. أرجوكم كيف يمكنني أن أكفر عن نكثي بعهدي مع الله، أريد التوبة ومغفرة الله، أنا أعرف أن الله غفور رحيم، ولكن أريد أن أفعل أي شيء طلباً للمغفرة، فهل أقوم الليل، أم أتصدق؟ هل أعاقب نفسي بحبسها؟ إن خوفي من الله يدفعني حتى للتضحية بنفسي إن كان ذلك مرضاة لله.
الجواب
الحمد لله وبعد: أخي الكريم لا شك أن الوفاء بالعهود حتم لازم على كل مؤمن بالله واليوم الآخر، ويتأكد الأمر حين يكون العهد مع الله ﷻ قال -سبحانه-: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... " [المائدة:١٠] ، وقال:" وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون " [النحل:٩١] ، وقال:" ... وبعهد الله أوفوا ... " [الأنعام:١٥٢] ، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة حسبك منها ما قرأت، ومن هنا يحق لنا أن نقول: إن نقضك لعهدك مع الله - تعالى - تصرف لا يليق بأمثالك من الشباب الملتزم الواعد الذي نعلق عليه - بعد الله - آمالنا في بعث نهضة الأمة وإحياء مجدها من جديد، وها أنت ترى - حفظك الله - شؤم المعصية وأثرها الكئيب في أعماق نفسك وظاهر مُحياك، ووخز الضمير الذي يلاحقك آناء الليل وأطراف النهار، أليس كذلك؟؟ إنها إرادة الله وحكمه العادل وقضاؤه النافذ الذي - من خلاله- قضى بالعزة والسعادة لمن أطاعه، والذلة والشقاوة لمن عصاه، ويخطئ من يظن غير ذلك، وكل الذين قبلوا التحدي واختاروا المعصية وتوهموا أن السعادة في محادة الله ورسوله ﷺ باءوا بالفشل الذريع، وانقلبوا بالحسرة والندامة، وتجرعوا مرارة الضنك والشقاء، وارتدوا على أدبارهم لم ينالوا خيراً.
ألم يقل الله - تعالى -:" ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى " [طه:١٢٤] ؟ بلى والله، وصدق الله.
أخي، كم أنا وأنت والآخرون بحاجة إلى قراءة هذه الأسطر بعناية تامة حتى لا تزل بنا الأقدام مرة بعد مرة مغترين بإمهال الله لنا وستره إيانا، وحتى لا تطغى فرحتنا بباب التوبة المفتوح فننسى هادم اللذات المتربص بنا في كل حين، ودركات جهنم المشرعة الأبواب.
أخي الكريم - حمداً لله - أن هداك إلى الحق، ومنَّ عليك بصدق الرغبة إلى حسن التوبة وتجديد العهد مع الله، وأبشر بما يسُرك إن أنت وفيّت بالعهد ونفّذت الوعد، واحذر من اليأس والقنوط، فربك واسع المغفرة، دائم العفو كثير الهبات يفرح بتوبة عبده ويقبلها، ويتجاوز عن السيئة ويغفرها.
стр. 6716
واعلم - حرسك الله - أنه يشرع لك مع صدق التوبة الإكثار من الحسنات والمبادرة إلى الواجبات، والمسابقة إلى نوافل العبادات والقربات، وما ذكرته من الصدقة وقيام الليل فأنعم بهما وأكرم من طاعتين عظيمتين، وقربتين جليلتين، فتصدق ما استطعت وابدأ بنفسك وأهلك وذي قرابتكم، وكن من أولئك الذين " ... إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " [الفرقان:٦٧] ، وأما قيام الليل فخذ منه ما تستطيع، فأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وأكثر من الدعاء والتضرع بين يدي الله - تعالى - أن يجنبك كيد الشيطان ومكره وهوى النفس وأطماعها حتى لا تزل بك القدم ثانية.
وفقك الله لما يحب ويرضى، وأخذ بنواصينا وناصيتك إلى البر والتقوى، ونتركك في حفظ الله ورعايته آملين أن يتجدد اتصالك بنا على خير، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 6717
الطريق إلى التوبة وتقوية الإيمان
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١٨/١٢/١٤٢٢
السؤال
أريد أن أتوب وأقوي إيماني، كيف؟
الجواب
إن مما يبعث على التوبة والإنابة إلى الله - تعالى - الأخذ بالأسباب المعينة على ذلك ومن أعظمها
أ- إن أول طريق التوبة شعور المؤمن بذنبه، وإحساسه بتفريطه في جنب الله - تعالى - فهذا الشعور والإحساس هو الباعث الأول على التوبة، كالمريض إذا لم يشعر بمرضه لم يسع ولم يجتهد في طلب الدواء.
ب- معرفة الله - تعالى - بما له من صفات الجلال والجمال، فإن المؤمن كلما ازداد بالله معرفة ازداد له خشية، يقول - تعالى-: " إنما يخشى الله من عبادة العلماء " [فاطر: ٢٨] ولذا فكل ذنب يقع من العبد إنما كان باعثه على الحقيقة الجهل بالله - تعالى -، وهذا معنى قوله -تعالى-: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " [النساء:١٧] .
ج- معرفة شؤم المعصية وعاقبتها على دين المرء ودنياه، فمع ما يترتب على المعاصي من عقوبات في الدنيا والآخرة، فإن المعاصي لا يزال يرقق بعضها بعضاً حتى تجتمع على العبد فتذهب بدنياه وتوبق دينه.
د- البعد عما يدعو إلى المعاصي كالأماكن المزينة لها أو الرفقة الداعية لها.
هـ- حسن الظن بالله - تعالى - وعدم القنوط من رحمته فهو - تعالى - البر الكريم الغفور الرحيم، لا يتعاظمه ذنب ألا يغفره، يقول - تعالى -: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً " [الزمر:٥٣] .
ثم إذا صح عزمك على التوبة فاعلم أن من شرطها الإقلاع عن الذنب مع الندم على ما كان وعقد العزم على عدم العود إليه، ثم إن كان ذلك الذنب حقاً من حقوق الخلق فيجب التحلل منه ما أمكن ذلك.
وأما تقوية الإيمان فيكون بفعل الأسباب التي تقويه وترك ما يضعفه، ومن أعظم الأسباب التي تقوي الإيمان وتزيده:
٠١ معرفة الله - تعالى - بأسمائه وصفاته، فله - تعالى - الجلال المطلق والكمال الذي لا يعتريه نقص، ومما يزيد من معرفة الله - تعالى - التأمل في دلائل وآثار أسمائه وصفاته، ومن ذلك التفكير في خلقه، وبديع صنعه، يقول - تعالى -: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " [فصلت:٥٣] .
٠٢ طاعة الله - تعالى - والمداومة على مرضاته.
٠٣ ومنها الإكثار من ذكر الله - تعالى - وهو من أعظم ما يصل المخلوق بخالقه.
٠٤ قراءة سيرة الرسول ﷺ والوقوف على أحواله وشمائله ﷺ وكذلك القراءة في أحوال وسير سلف هذه الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
٠٥ مجالسة أهل التقى وصحبة أهل الصلاح، ممن صفتهم الإعانة على الطاعة والتذكير عند الغفلة، وبقدر ما ينقص من هذه الأسباب يضعف إيمان العبد، والله أعلم.
стр. 6718
افترى على أخيه المسلم كذباً، فكيف يتوب ؟
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٥/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
إذا افترى مسلم على أخيه كذباً، وحدَّث بهذا الكذب أشخاصاً آخرين وصدقوا كذبه، ثم أراد أن يتوب فماذا يلزمه كي تكتمل توبته؟.
الجواب
لقد حرم الإسلام الكذب، وجعله من صفات المنافقين كما في الصحيحين البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر".
ويشتد الكذب خطورة حين يترتب عليه إيذاء للآخرين، أو امتهان لهم، أو خوض في أعراضهم، ويزداد الأمر سوء حين يروج الكذب على الآخرين، وينتشر أثر الأكذوبة في أوساط الناس، فتسوء سمعة المكذوب عليه، ويتأذى بذلك أيما إيذاء.
وأنت - يا أخي - قد أخطأت في حقّ أخيك المسلم بافترائك عليه، فعليك الاعتذار منه، وطلب العفو والصفح الجميل إن غلب على ظنك حسن استجابته، وكريم مسامحته، وإلا فأكثر له من الاستغفار، والدعاء بظهر الغيب.
ويلزمك كذلك بيان حقيقة الأمر للأشخاص الآخرين الذين حدثتهم بتلك الأكذوبة حتى تبرأ ذمتك.
وأنصحك بالتوبة النصوح من كل ذنب، وخاصة الكذب، وللتوبة شروط وهي:
١- الإخلاص والصدق لله -تعالى- في التوبة.
٢- المبادرة بها الآن قبل فوات الوقت.
٣- الإقلاع عن الذنوب إلى غير رجعة.
٤- الندم على ما جرى منك من تلك الذنوب.
٥- العزم على عدم العودة إليها مستقبلاً.
٦- أن ترد الحقوق لأهلها إن كانت الذنوب تتعلق بالناس، ومثاله كذبك على إخوانك المسلمين، أو سبهم، أو أخذ أموالهم، فتعيد الحقوق لأصحابها؛ عسى الله -تعالى- أن يقبلها منك، هذا وأسأل الله لي ولك توبة نصوحاً ولسائر المسلمين والله أعلم.
стр. 6719
هدّدها بالفضيحة فهل تطاوعه على الزنى ؟
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ١/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
إذا حدث ووقعت المرأة في خطيئة الزنى (وهي غير متزوجة) ومارستها لعدد من السنين ومع عدة رجال، وكان الدافع العاطفي هو السبب، ثم اهتدت وأرادت التوبة وقامت بها، لكن -للأسف- خافت من تهديد واحد منهم فرضخت لرغبته أكثر من مرة بعد توبتها الأولى، ثم عادت وجددت توبتها، ثم رضخت له مجبرة، وهي في كرب شديد من ذلك، ولا تجد مخرجاً خاصة أنها ذات مركز وتخاف أهلها وسمعتهم. أرجو الإفادة، كما أرجو معرفة الطريق الأمثل للتوبة من هذه الكبيرة الشنعاء، وهل الحج لازم لمحوها؟
الجواب
أعتقد أنه بالإمكان حلّ مشكلتك، والتخلص من هذه المحنة متى ما توفر لديك عامل الخوف من الله -تعالى-، والإصرار الراسخ المتين بوضع حد أبدي ونهائي لابتزاز ذلك المجرم الآثم، من خلال الرفض القاطع والحاسم لمساوماته وتهديداته.
إنّ من الواجب أن تعلمي وتدركي بوضوح أن الزنى كبيرة مخيفة تحرمها الأديان السماوية كلها، وتأباها الفطر السوية، ويغضب لها الرب ﷻ .
ولذا فليس من الجائز شرعاً، أو المقبول عقلاًَ، أو المستساغ ذوقاً أن تظلي ممارسة للفاحشة مع ذلك الوغد اللئيم بحجة الخوف من الأهل، والهيبة من خسارتك لمركزك الاجتماعي، أو شيء من هذا القبيل.
فالله -جل ذكره- أحق أن تخافيه وتهابيه، قال -سبحانه-: "فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين" [آل عمران: ١٧٥] ثم لتكوني على يقين بأن الله متى رأى منك صدق التوبة، وحسن التوكل عليه كفاك ما أهمك، وجعل لك من هذه المحنة وغيرها مخرجاً، قال -سبحانه-: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" [الطلاق: ٢] وقال: "أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه" [الإسراء: ٣٦] .
ولتسألي نفسك هذا السؤال: إلى متى ترضخين لتهديد ذلك الوحش البغيض؟ وهل تأمنين أن يتحرك في أحشائك طفل بالحرام -لا سمح الله-؟ عندئذ ستكون الكارثة لا حدود لها والمصيبة فوق الوصف -والعياذ بالله-.
فاتقي الله أيتها المسلمة، وأسلمي أمرك لله، وأحسني التوكل عليه، وأكثري من دعائه والتضرع بين يديه حتى يفرج لك همك، ويريح بالك ويطمئن قلبك، ولا تكترثي بتهديد أحد مهما طغى وتجبَّر وهدَّد وتوعَّد، وثقي بوعد الله وعونه لكِ، وحتى لو قدِّر إصابتك بشيء من الأذى فكوني على يقين بأن ذلك تكفير لذنوبك، ورفع لدرجاتك، وكوني على علم تام بأنه مهما بلغ بك الأذى فلن يعادل لفحة من لفحات جهنم -والعياذ بالله-.
стр. 6720
وأنصحك بالمواظبة على الصلوات الخمس في وقتها، والإكثار من نوافل العبادات كصلاة الليل والوتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقراءة القرآن بتدبر وخشوع، وكذلك أداء فريضة الحج والعمرة حتى يزداد إيمانك، وتقوى قناعتك بأهمية الاستقامة على الدين القويم، واحرصي على الزواج بمن يتقدم إليك من أهل الخير والعفة والمروءة، مع الحذر التام من الخلوة به قبل الزواج، أو الخروج معه بدعوى التعارف أو نحوه، كما أدعوك بصدق ونصح نابع من القلب أن تلتزمي الحجاب الشرعي، وتتركي الاختلاط بالرجال، وتخلصي من قرينات السوء، وتمتنعي من مشاهدة الأفلام والمجلات الهابطة، وستجدين -بإذن الله- ثمرة هذه النصيحة وأثرها في حياة مستقرة هانئة.
والله أسأل أن يسامحكِ ويغفر لكِ ويفرج همكِ وغمكِ، ويكفيكِ شر الأشرار، وكيد الفجار، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6721
مشاهدة المواقع الجنسية
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢١/٥/١٤٢٣
السؤال
أنا شاب ملتزم، ولكن في يوم ما غلبني الشيطان وشهوتي، ولم أستطع المقاومة، وقمت بفتح مواقع جنسية، وشاهدت ما بها من صور مع علمي التام بحرمة ما أفعله، وعلمي بكافة الأحاديث والآيات الدالة على حرمة ما فعلت، فهل أنا فقدت ديني بما فعلت؟ وهل هناك حد يجب إقامته علي؟ وماذا يجب علي لأكفر عما فعلت، وهناك سؤال مهم جداً أرجو إجابته بوضوح، وهو: هل هناك حديث يفيد بأن من يرى عورة الآخرين من نساء ورجال لا تقبل صلاته أربعين يوماً؟ ولو كان صحيحاً، فهل أقوم بإعادة الصلاة للفروض الخمس بعد انتهاء الأربعين يوماً أم ماذا أفعل؟
الجواب
ترسل إليك فتاوى سابقة -إن شاء الله- تتعلق بهذا الأمر، وأما ما سألت عنه، هل أنت فقدت دينك فكلا يا بني فأنت على دينك - ثبتك الله على الحق - ولو أن كل معصية فعلناها خرجنا بها من الدين لمحقنا وحق علينا الهلاك، ولكن الله فتح لنا أبواب التوبة، وأكثر لنا العبادات المكفرة "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات" [هود:١١٤] .
أما سؤالك عن الحد الذي يقام عليك فإن ما فعلته تكفره التوبة والندم، ولا يترتب عليه حد يقام عليك، واستتر بستر الله .
(١) عليك التوبة والاستغفار.
(٢) اشغال وقتك بالأنشطة المفيدة كأنواع من الرياضة، والقراءة النافعة، والأعمال الدعوية وملء وقتك بعمل يعود عليك بالخير في دينك أو دنياك.
(٣) الارتباط بصحبة صالحة يدلونك على الخير ويعينونك عليه، والحديث الذي ذكرت غير صحيح وصلاتك صحيحة -إن شاء الله-، والحديث الذي ذكرته ورد في شرب الخمر ولم يرد في النظر إلى العورات.
لكن النظر إلى العورات ذنب يستتبع ذنوباً، ويجر إلى خطايا وآثام أكبر من مجرد النظر، خصوصاً عندما يقع من الشاب العزب الذي لا مصرف لطاقته الجنسية.
واعلم يا بني -وفقك الله- أني أحس من كلماتك مرارة الندم، واستعظام الذنب، وهو شعور نبيل يدل على تقوى وإيمان تغبط عليه، ولذا فإنا نوصيك بتعاهد هذا الخير الذي جعله الله في قلبك، وأن تبقى على توهج إيمانك - زادك الله إيماناً ويقيناًِ وبراً وتقى - والسلام عيكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6722
التوبة من السرقة
المجيب د. حمد بن حماد الحماد
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢١/١٠/١٤٢٣هـ
السؤال
أنا في الماضي كنت أسرق النقود من أناس أعرفهم، وكنت عندما يتركني أبي في المحل التجاري أخون الأمانة وأسرق النقود، واليوم أريد أن أتوب إلى الله، وأريد إرجاع النقود كاملة، وسؤالي هو: هل أستطيع التصدق بها على المساكين إن كنت لا أتذكر كم أخذت؟ وماذا أفعل لو أنني لم أتذكر كل ما أخذته من عند الناس؟
الجواب
إذا كان يمكن بدون حصول ضرر أو مفسدة أن يخبر هؤلاء الذين أخذ من عندهم النقود، ويعتذر منهم، ويطلب منهم مسامحته، أو يعطيهم ما يرضيهم فهو أولى، وعلى العموم ما دام يعرف أصحاب الحق فعليه أن يرده إلى أصحابه بأي طريقة مناسبة توصله إليهم ولا يكفيه أن يتصدق به في هذه الحالة، وعليه أن يجتهد في تقديره إذا لم يستطع معرفة مقداره.
стр. 6723
التوبة من إسقاط الحمل
المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢١/١/١٤٢٤هـ
السؤال
مشكلتي أنني أعيش منذ سنتين في دوامة، لأنني ارتكبت نوعا ما جريمة؛ وهي أنني كنت مخطوبة ولم تتم الدخلة وحملت قبل الزواج، وقد اضطررت أن اسقط الحمل، وأسقطته قبل أن يتم أربعين يوما، وبعد ذلك تزوجنا ثم حملت، لكن لم ينجح الحمل وسقط الجنين في الشهر الثالث، وبعد بضعة أشهر حملت مرة أخرى، وسقط الجنين في الشهر السادس والنصف، ومند ذلك الوقت تأكدت أن الله أراد أن يعاقبني، فلذلك أريد أن أعرف ماذا يجب أن أفعل لكي يتوب عليَّ ؟ إنني جاهزة لأي شيء، المهم أن أنال رضا الله تعالى، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قبل الإجابة عن السؤال المتعلق بإسقاط الجنين، يجب أن يعلم أن المعتبر في النكاح الصحيح المبيح للمباشرة هو العقد الشرعي ولو لم يتم الدخول (الدخلة) ، هذا ومسألتك مع هذا الخاطب لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون مباشرتك لهذا الخاطب قبل حصول العقد الشرعي، فهذا حرام له حكم الزنا ويترتب عليه آثاره، وإذا كان الأمر كذلك فعلى السائلة إن شاءت أن تتصل بالمفتي الشرعي في بلادها ويبين لها الحكم المترتب على ذلك.
الحالة الثانية: ولعلها المقصودة إن شاء الله في هذا السؤال أن تكون المباشرة بعد العقد الشرعي لكنها قبل الدخول (الدخلة) ، فالزواج هنا زواج شرعي والمباشرة كذلك، ولم يبق سوى الإجابة عن محل السؤال وهو إسقاط الجنين فنقول: القول الراجح من أقوال العلماء في نظري أنه لا يجوز إسقاط الجنين في أي مرحلة أو طور من أطواره، لكن لكون الأمر قد وقع فقد أجاز بعض أهل العلم إسقاطه قبل الأربعين كما هو محل السؤال، فقد جاء في الروض المربع للبهوتي ما نصه (ويباح للمرأة إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح) انتهى وبناءً على هذا فإنه لا يترتب على إسقاطه شيء، وقد ذكر كثير من أهل العلم أنه لا يجب في إسقاطه شيء من الدية ما دام في طور النطفة، لكنني أرى أن الراجح تحريم الإسقاط كما تقدم، وبناء عليه فإن على هذه المرأة التوبة إلى الله والاستغفار وعدم العودة لمثل هذا، وأما ما ذكرته من تكرر الإسقاط فأنصحها مع دعاء الله تعالى أن تراجع علماء الطب؛ أهل الاختصاص فلعل لهذا علاجاً. والله أعلم.
стр. 6724
توبة من وقع في الكفر
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٣/١٢/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من تردد بين الهداية والغواية، وهبطت به سيئاته إلى مستوى شتم الباري وظل يتنقل بين الالتزام والنكوص، يغوص في الرذيلة إلى أذنيه ثم يتوب، وما يلبث أن ينزغ به شيطانه ثم يعود، فهل ما زال مسلماً؟
وهل وقع في الكفر؟ وهل كفره إعراض أم نفاق؟ وهل تنفعه الشهادتان؟ وهل أضله الله بعد أن قامت عليه الحجة؟ وهل الإنسان مخير في تحصل الهداية؟ وهل لابد للتوبة من توفيق الله - تعالى -؟ وهل الإعراض عن فتاوى مطابقة للسنة والأخذ بغيرها زندقة؟
الجواب
الحمد لله وبعد، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
أخي في الله - لا شك أنك ارتكبت الكثير من الذنوب الخطيرة، وأخطرها تطاولك على الذات الإلهية وشتمك للرب ﷻ ، وهذا ناقض من نواقض الإسلام بالإجماع، تهون عنده بقية ذنوبك مع فداحتها.
ومع ذلك فإنَّ أبواب التوبة لا زالت مفتوحة بحمد الله، فأسرع قبل فوات الأوان، ولن تسعد بالتوبة أو تحظى ببركتها إلاَّ بالندم الشديد على ما حصل منك تجاه الخالق العظيم الذي أوجدك من عدم، وأسبغ عليك النعم، ولم يعاجلك بالعقوبة فابك على خطيئتك، وقل ربي إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً "وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين"، ثم أقلع عن ذنوبك جميعاً وعاهد ربك بصدق على ألاََّ تعود ثانية، وتذكَّر بأن الفرص قد لا تدوم.
وأما ضعف الصلوات وهجر القرآن والذكر وبغض الصالحين، وحب الصور والشذوذ وغير ذلك، فاتق الله وتخلص من هذه الورطات والسوءات الأخلاقية، واحمد ربك أنك في غني عن الحرام بما رزقك الله من الزوجة العفيفة، وأما الجواب عن أسئلتك الثمانية فهاك الجواب ملخصاً إلا
(١) إنَّ سبّ الذات الإلهية ردة عن الإسلام بالإجماع، فعليك بالتوبة الصادقة لما تقدم، لعل الله يتجاوز عنك برحمته وفضله، وإذا تبت من جميع ذنوبك تخلصت - بإذن الله - من النفاق الاعتقادي والعملي ومن أفتاك - أو قرأت له - بأن النفاق العملي يؤدي إلى النفاق الاعتقادي فقد أصاب بحمد الله.
(٢) تقدم الجواب.
(٣) نعم، وقعتَ في أنواع غليظة من الكفر، لكن لا تيأس فالتوبة تجب ما قبلها.
(٤) لا تنفعك الشهادتان إلا بالإقلاع العاجل عن الذنوب والكفريات، والمبادرة إلى التوبة الصادقة والنصوح وعليك أن تبادر إلى متابعة نبيك محمد ﵊ في كل ما أمر به أو نهى عنه.
(٥) دع عنك هذه الوساوس والأفكار وأحسن الظن بربك، واحذر من اليأس وافعل ما ذكرت لك تسعد - بعون الله - في الدنيا والآخرة.
(٦) على الإنسان أن يبذل الجهد لسلوك مسلك الهداية، ويفعل الأسباب الموصلة إليها وإلى الاستقامة.
(٧) لابد أن تبادر أنت إلى التوبة أولاً، ومع هذا تأكد بأنَّ الله - جلّ وعز - إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، ولعل كتابتك إلينا نعمة ساقها الله إليك تظفر من خلالها باهتمام وعناية إخوة لك في العقيدة الصادقة، متى كنت تّواباً منيباً.
(٨) اتباع الرخص وشذوذات الفقهاء ضرب من الزندقة فاحذرها، واتبع الحق بدليله أنى كان، وفقك الله وأعانك وثبت قلبك وأعلى ذكرك، ويسَّر أمرك.
стр. 6725
التوبة والشعور بعدم الندم
المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز المجيدل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ ٢٦/١٠/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اقترفت كثيرا من الذنوب وعاهدت الله أن لا أعود إليها، ولكنني لا أجد في نفسي ندماً شديداً على ما فعلت، فهل هذا مناف لمقتضى التوبة، وهل لا تقبل توبتي, فإن كان كذلك فأرشدوني جزاكم الله خيراً. أخوكم في الله.
الجواب
أخي الكريم محمد سلام الله عليك ورحمته وبركاته، وبعد: فإن ما أشرت إليه عرض لمرض، فاحرص على التركيز على الأمراض بدل الأعراض، فضعف التدين وقلة الأعمال الصالحة اليومية جعلتك تألف المخالفات ولا تجد ألماً لمقارفتها، ومن ثم لم يكن ندمك شديداً، فاحرص على تغيير نفسك ويومك، وأدخل أعمالاً صالحة في برنامجك اليومي؛ من قراءة للقرآن وحرص على المبادرة إلى الصلوات وعناية بالأذكار الصباحية والمسائية، فلا بد من رفع معدل التدين لديك حتى تقاوم عاديات المعاصي، ويعظم في نفسك أمر ربك، ولديك من الوسائل الاستماع للمحاضرات مباشرة أو بواسطة التسجيل وليكن ذلك مقصوداً لك لا تزجية للوقت، بل اجلس جلسة خاصة للاستماع وحضر قلبك، واحرص على الأشرطة التي موضوعاتها ترقق القلب وتذكر بالرب والدار الآخرة، وأكثر من الدعاء وزيارة القبور والمرضى زادك الله توفيقاً وجعلك للمؤمنين إماماً ووقاك شر نفسك والشيطان.
следующие страницы →