← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 8953

المنصوب على نزع الخافض في القرآن

إبراهيم بن سليمان البعيمي

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المنصوب على نزع الخافض في القرآن إعداد الدكتور إبراهيم بن سليمان البعيمي ال مقدمة الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن الكريم علىعبده الأمين، هدى وبشرى للمؤمنين، وجعله محفوظاً إلى يوم الدين، وصلّى الله وسلّم على رسوله المصطفى، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، الذين حملوا شعلة الدين، وبلّغوا الأمانة كما احتملوها ﵃ أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. أمَّا بعد، فإن القرآن الكريم معين لا ينضب، والدرس فيه مبارك، ودارسه موفّق، كتبْتُ فيما مضي بحثين في النحو أولهما: المنصوب على التقريب، وثانيهما ما تمِّم من الأفعال الناسخة في القرآن، وكان مدار هذينك البحثين القرآن الكريم: دراسة وتطبيقاً، فأحببت أن ينتظم العقد بحثاً ثالثاً هو: (المنصوب على نزع الخافض في القرآن جمعاً ودراسة) ولعليّ - إن كان في العمر فسحة - أكمل العقد ببحوث نحوية وصرفية يكون مجالها التطبيقي القرآن الكريم كالتقاء الساكنين، والتنازع، وأثر المجاورة، والاستثناء المنقطع، وأحكام حتّى، وغيرها مما هو مدوّن لديّ في جذاذات تنتظر الإخراج. في كثير من القراءات القرآنية أسرار دفينة، وأحكام نحوية وصرفية، إبرازها خير من اللهاث خلف شاهد شعريٍّ، تضطرب روايته عند التمحيص، فخير الأعمال ما كان في خدمة كتاب الله الكريم يبارك الله فيها ونسأله أن تكون شاهدة لنا لا علينا بمنه وكرمه، وأن يجعلها في موازين أعمالنا يوم الحساب. هذا البحث لم يتأتَّ لي سهواً رهواً، وإنما أخذت أنقِّب عن مادته العلمية بحثاً عن شاهد في بطون كتب النحو، والتفسير، وإعراب القرآن،

стр. 2

والقراءات، والمعاجم اللغوية، وغيرها كثير، ككتاب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة ﵀، إذ أفدت منه كثيراً في الشواهد، ومعجم الأدوات والضمائر في القرآن، والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن، كما تتبّعت الأفعال اللازمة في القرآن، أدرس ما عُدّي منها، فإن كانت تعديته بنزع الخافض ادَّخرته، وإن كان معدَّى بغير ذلك من طرق التعدية المعروفة اطَّرحته، ولم أدرجه في بحثي، ومن خلال التنقيب والبحث رأيت أن المادة العلمية جديرة بإفرادها في بحث مستقل، استهللته بالحديث عن نزع الخافض: تعريفه، وأحكامه، وقياسيته، والفرق بين نزع الخافض والتضمين، فكان فصلاً، ثم درست نزع الخافض في القرآن في الفصل الثاني، فما كان منه قياسياً اكتفيت بأمثلة تجلّيه وتوضِّحه، دون استقصاء وحصر لجميع ما جاء منه في القرآن، لأن البحث ليس معجماً للقرآن، وما كان غير قياسي فإنني أحرص علىالاستقصاء والتحرّي، فإن فاتني منه شيء فالكمال لله. ولا يخفى أن وجه الشاهد في بعض الآيات المستشهد بها يكون مرجوحاً، أو يكون القول به غير واضح الدلالة، أو ينازعه التضمين، فأورده، وأورد معه الوجه الأرجح، استيفاءً لما قيل في الآية، وخروجاً من لائمة التقصير، فإن قيل إن نزع الخافض في غير مواطنه القياسية موقوف على السماع، ولا تحمل الشواهد القرآنية إلا على المسائل القياسية، فأقول: إن الأئمة من النحاة والمفسرين والمعربين للقرآن أكثروا من القول بنزع الخفض في غير مواطن القياس، وارتضوه في آيات كثيرة، ومن الخير عدم الشذوذ عنهم، والتعسُّف في توجيه تلك الشواهد فراراً من القول بنزع الخافض، ولكن يقال هذه شواهد تحفظ ولا تتخذ قياساً.

стр. 3

والناظر في كتب التفسير، وكتب إعراب القرآن، يلحظ كثرة اختلاف النحويين في إعراب الآيات القرآنية، ومردّ ذلك - والله أعلم - إلى أسلوب القرآن المعجز، فالبشر لا يستطيعون الإحاطة بكلِّ مراميه ومقاصده، فاحتمل كثيراً من المعاني، والوجوه التي نشأ عنها كمٌّ من التوجيهات النحوية. هذا وقد اقتضت الدراسة المنهجية الحديثة أن يكون البحث في فصلين انتظما مباحث ومطالب بحسب الحاجة.

стр. 4

المنصوب على نزع الخافض في القرآن (جمعاً ودراسة) وفيه تمهيد وفصلان: التمهيد يشتمل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعدِّي الفعل ولزومه. المسألة الثانية: علامات تعدِّي الفعل ولزومه. المسألة الثالثة: تعلّق الجار والمجرور. الفصل الأول: دراسة نزع الخافض. وانتظم مباحث: المبحث الأول: تعريف المصطلح. المبحث الثاني: أحوال نزع الخافض في العربية. المبحث الثالث: حكم منزوع الخافض. المبحث الرابع: المنصوب بعد (ما) الحجازية. المبحث الخامس: نزع الخافض والتضمين. الفصل الثاني: المنصوب على نزع الخافض في القرآن. وتحته مباحث: المبحث الأول: نزع الخافض قياساً في القرآن وتحته مطالب: المطلب الأول: دراسة أنَّ وأنْ بعد نزع الخافض. المطلب الثاني: نزع الخافض من أنَّ وأنْ في القرآن. المطلب الثالث: دراسة كي في اللغة. المطلب الرابع: كي في القرآن.

стр. 5

المبحث الثاني: نزع الخافض سماعاً في القرآن. وفيه مطالب: المطلب الأول: نزع الخافض من المفرد. المطلب الثاني: دراسة التعليق والجُمل التي بعده. المطلب الثالث: نزع الخافض من الجملة المعلّقة في القرآن. الطلب الرابع: المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض. أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويسدد خطانا، ويبارك لنا في أعمالنا إنه سميع مجيب.

стр. 6

مدخل تعدي الفعل ولزومه ... تمهيد من أراد أن يقرأ بحثاً في نزع الخافض فلا بدَّ له بادئ ذي بدء أن يقف على معنى التعدي واللزوم ويلمَّ بأحكامهما، ويعرف علاماتهما، ومعنى تعلقهما بالفعل أو ما فيه رائحة الفعل، ليدرك بنفسه الأفعال المتعدية أصالة، والأفعال التي تعدت بسبب نزع الخافض منها، وذلك لتكون أحكامه بعدئذٍ دقيقة موافقة للقواعد التي وضعها علماء العربية في هذا الشأن، ولهذا رأيت أن أتحدث عن هذه المعاني تمهيداً للبحث، فجاءت في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعدّي الفعل ولزومه للفعل في العربية تقسيمات كثيرة: من حيث الصحة والاعتلال، ومن حيث التمام والنقصان، ومن حيث التجرد والزيادة، ومن حيث التعدي واللزوم ومن حيث الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، ومن حيث الأبنية، وغير ذلك مما هو مبسوط في علم التصريف١. ويخصنا هنا تقسيمه من حيث التعدي واللزوم فنقول: الفعل ضربان: متعدٍّ، ولازم.

стр. 7

فالمتعدّي: هو المتجاوز يقال عدا فلان طورَه أي: جاوزه، وعند النحاة هو: تجاوز الفعلِ الفاعلَ إلى مفعول به أو أكثر. وهو يصل إلى المفعول به بدون واسطة حرف جرّ، ويسمّى متعدياً بنفسه، وواقعاً، ومتجاوزاً، وإنما سمّي بهذه الأسماء، لأنه تعدّى الفاعلَ إلى المفعول به، وتجاوزه إليه، ووقع عليه فعل الفاعل. ولازم: وهو الذي لا يصل إلى المفعول به إلا بواسطة حرف جرّ ويسمّي أيضاً قاصراً، أومتعدياً بحرف جرِّ، وسمّي بهذه الأسماء للزومه فاعلَه فلم يتعدَّه إلى سواه، ولم يتجاوزه إلى غيره، واللازم ينصب ما سوى المفعول به من المفاعيل وأشباهها نحو: جلست آمناً جلوساً أمامَ المسجد يومَ الخميس وزيداً. وفي العربية أفعال كثيرة استعملت متعدية ولازمة منها: غاض الماءُ، وغضته، وفَغَرَ الرجلُ فاه، وفَغَرَ فوه، وكسفتِ الشمسُ، وكسف اللهُ الشمسَ، ودَلَعَ لسانُه، ودَلَعَ الرجلُ لسانَه، وهي كثيرة١ جاء منها في القرآن قوله تعالى: ﴿ما يَأْتيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رّبِّهم مُّحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعوهُ وَهُمْ يَلْعَبونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعوا لَهُ وَأَنْصِتوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.

стр. 8

المسألة الثانية: علامات تعدّي الفعل ولزومه . وضع النحاة علامات يُستدلُّ بها على معرفة اللازم من المتعدّي، وهي: صحة اتصال ضمير المفعول به بالفعل، ومجيء اسم مفعول تامٍّ منه، نحو القطار ركبته وهو مركوب، واللازم لا يجيء منه ذلك إلا بواسطة حرف الجرّ نحو الكرسي جلست عليه وهو مجلوس عليه. وجعلوا للازم علامات يُستدلّ عليه بها، من هذه العلامات: كونه من أفعال السجايا، أو العوارض، أو يدلّ على نظافة، أو ضدها، ومطاوع المتعدي لواحد، وذكر ابن عصفور أنَّ من علامات اللازم ألاَّ يصحَّ السؤال عنه بأيِّ شيء وقع، نحو: (قام) و (جلس) ، إذ لا يقال: بأيِّ شيء وقع قيام زيد؟، ولا بأيِّ شيء وقع جلوس بكر؟ ١، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب النحو٢ قال ابن مالك في علامة المتعدّي: علامة الفعل المعدّى أن تصل ... ها غير مصدر به نحو عمل وزاد في شرح التسهيل: "أن يصاغ منه اسم مفعول تام باطراد"٣. واعترض عليه الشاطبيّ٤ والدماميني٥ باعتراضات منها: أوّلاً: أن من الأفعال العربية ما يتعدّى بنفسه تارة، وبحرف الجرّ تارة أخرى، نحو شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، ومثل هذه الأفعال

стр. 9

تكون داخلة تحت قاعدته وخارجة عنها في آنٍ واحد بحسب الاستعمال، ومثل هذه الأفعال تكون مشكلة، والقواعد يستلزم فيها أن تكون حاصرة. وأجيب عن هذا الاعتراض بأن باب شكرت له وشكرته موقوف علىالسماع، والحديث عمَّا ينقاس. ثانياً: أن العرب تتوسع في المتصرف من ظروف الزمان والمكان، فتلحق الفعل ضميراً يعود على أحدهما، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ َ﴾ ١، وكذلك يقال: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وكلّ هذا على إجراء الظرف مجرى المفعول به مجازاً، ولا يقال: إن الضمير هنا ضمير مفعول به، ولكن يصح أن يقال: إن هذه الضمائر ليست ضمائر مصدر. وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن التوسع في الظروف مجاز على خلاف الأصل، والأصل ألاّ يصل الفعل إلى ضمير الظرف إلا بواسطة حرف الجر، والضوابط تكون بحسب الأصل، لا بحسب التوسع المجازي. ثالثاً: أن الأفعال المتعدية في العربية ثلاثة أقسام: قسم يتعدى بنفسه، وقسم يتعدى بواسطة حرف الجرّ وهوما يطلب المجرور على جهة اللزوم كممرت به ورغبت فيه وعجبت منه، وقسم يتعدى مرة بنفسه ومرة بحرف الجرّ كما سبق في شكرته، وشكرت له. والضابط الذي ذكره ابن مالك قد أخرج من أقسام المتعدى القسم الثاني، وهو ما يطلب المجرور على جهة اللزوم، وساوى بينه وبين ما لايطلب

стр. 10

المجرور على جهة اللزوم، كقام وقعد، فطلب هذه للمجرور- إن وُجد - لا يسمّى تعدياً وإنما يسمّى تعلُّقاً. وأجيب بأن من سمّى المجرور متعدَّى إليه فهذا اصطلاح خاص به ولا مشاحة في الاصطلاح. رابعاً: أن هذا الضابط دوريٌّ، إذ تتوقف فيه معرفة اسم المفعول التام على معرفة الفعل المتعدّي، وبالعكس، وكذلك تتوقف معرفة المتعدي على صحة اتصال ضمير المفعول به بالفعل، ويتوقف تمييز ضمير المفعول به عن غيره من الضمائر، على معرفة كون الفعل متعدياً، فجاء الدور٠ وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المقصود التمييز وليس الحدُّ. خامساً: أن العرب تنصب الاسم على نزع الخافض، كـ (تمرون الديار) والمنزوع الخافض مفعول به، والفعل في مثل هذا لايصح أن يتصل به ضمير المفعول به. وأجيب بأن منزوع الخافض بابه ضرورة الشعر، أو الشذوذ، ولاتحمل القواعد على الضرائر والشذوذ.

стр. 11

تعليق الجار والمجرور ... المسألة الثالثة: تعلق الجار والمجرور: معنى التعلق: هو الارتباط المعنوي بين الحدث وشبه، الجملة بحيث لا يكتمل معنى أحدهما إلا بالآخر، ولا يتعلّق من حروف الجر إلا ما كان أصلياً فقط، وتكتفي أشباه الجمل في التعلّق بما فيه رائحة الفعل، وفي تعلّق الظرف والمجرور بالناقص، والجامد، وأحرف المعاني خلاف١

стр. 12

فإذا وصل اللازم إلى المفعول به بواسطة حرف الجر تعلّق به الجار والمجرور. ويفرّق الشاطبي بين التعلّق، والتعدّي بالحرف فيقول: "إن التعدّي يطلق حيث يكون الفعل طالباً لحرف الجر على اللزوم كمررت بزيدٍ وعجبت من فعله ورغبت في الخير، فإن مثل هذه الأفعال في طلبها للمجرور كالمتعدّي بالنسبة إلى المفعول، والتعلّق حيث يكون لا يطلبه على اللزوم بل بالنسبة إلى القصد في الكلام كذهبت معك وقعدت في منزلك وانطلقت إليك، فإن هذه الأفعال إنما تطلبه بحسب ما طلبته مقاصد الكلام، فتقول مرّة: انطلقت من عندك، وتارة: انطلقت معك، وتارة انطلقت إليك، وتارة: انطلقت بسببك، ولأجلك، ومن جرَّائك، وتقول مرّة: انطلقت لاغير فلا تُعَدِّيه، ولا يطلب شيئاً، وفرق بين فعل يطلب الحرف الجار من جهة وضعه، وفعل يطلبه من حيث هو مقصود في الكلام"١.

стр. 13

دراسة نزع الخافض تعريف المصطلح ... الفصل الأول: دراسة نزع الخافض: وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف المصطلح: مادة: (نزع) تدلّ على القلع والإزالة يقال: نزع النجارُ المسمارَ فهو منزوع بمعنى اقتلعه، ونزع الأميرُ العاملَ عن عمله أزاله قال ابن منظور:"نزع الشيءَ يَنْزِعُه نزْعاً فهو منزوع، ونزيع، وانتزعه فانتزع اقتلعه فاقتلع. ونزع الأميرُ العاملَ عن عمله أزاله وهو على المِثْل، لأنه إذا أزاله فقد اقتلعه وأزاله"١، وفرّق سيبويه بين (نزع) و (انتزع) فقال:"وأما انتزع فإنما هي خطفةٌ كقولك استلب، وأما نزع فإنه تحويلك إياه وإن كان على نحو الاستلاب"٢.

стр. 14

وللصبَّان تعليل آخر إذ يقول:"وإنما سمّيت حروف الجر، إما لأنها تجرُّ معاني الأفعال إلى الأسماء، أي: توصلها إليها، فيكون المراد من الجرّ المعنى المصدري، ومن ثَمّ سمّاها الكوفيون حروف الإضافة، لأنها تضيف معاني الأفعال أي: توصلها إلى الأسماء، وإما لأنها تعمل الجرَّ فيكون المراد بالجرّ الإعراب المخصوص"١.

стр. 15

المبحث الثاني: أحوال نزع الخافض في العربية: لحذف حرف الجرّ في العربية ثلاث حالات٢: الأولى: أن يحذف قياساً مطّرداً - فيصير الفعل متعدّياً - وذلك مع الأحرف المصدرية (أنّ وأن) - وزاد ابن هشام٣: (كي) -، لطول الصلة،

стр. 16

ولأن حرف الجر لم يظهر له تأثير في العمل، والحذف هنا مشروط بأن يتعيّن الحرف عند حذفه نحو: عجبت أن يفوز مهمل، أي من أن يفوز مهمل، أمّا إن لم يتعيّن الحرف فابن مالك١ وكثير من النحاة يمنعون الحذف، لأنه يؤدّي إلى لبس نحو: رغبت أن تذهب، إذ لا يعلم المراد بالرغبة (فيها أم عنها) ، ويشكل على هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحوهُنَّ﴾ ٢ إذ يصحّ أن تكون الرغبة في نكاحهنّ لجمالهنّ، ويصح أن تكون الرغبة عن نكاحهنَّ لدمامتهنّ، وأجيب عن هذا الإشكال بجوابين: أحدهما: أن يكون حذف الحرف اعتماداً على القرينة الرافعة للبس وبه قال المرادي٣ نقلاً عن أبي حيّان في منهج السالك، والذي في منهج السالك: "ويطّرد حذف حرف الجرّ من أنّ وأن إذا أمن اللبس فلا يجوز رغبت أن تقعد، لأنه ملبس، إذ يحتمل أن يكون المعنى رغبت في أن تقعد، ويحتمل أن يكون رغبت عن أن تقعد، فإن زال اللبس وتعيّن حرف الجر جاز ذلك نحو قول: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحوهُنَّ﴾ " ٤.

стр. 17

وثانيهما: أن يكون حذف الحرف لمعنى بلاغي وهو قصد الإبهام ليرتدع بذلك الطامع والمعرض١. واختلف في محل (أنَّ) و (أن) عند حذف حرف الجر المطّرد حذفه معهما فقيل: محلّهما نصبٌ، قياساً على الاسم الصريح، ونُسب للخليل وإليه ذهب الفراء٢ والمبرّد٣ وعزاه ابن مالك - متابعاً ضياء الدين بن العلج - إلى سيبويه، وصححه٤، وقيل محلّهما جرٌّ ونُسب للكسائي، ومال إليه السيرافي٥، واستدلوا بقول الشاعر: وَما زُرْتُ لَيْلى أَنْ تَكونَ حَبيبَةً ... إليَّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ٦ بجر (دينٍ) عطفاً على محل: (أن تكون) إذ أصله (لأن تكون) .

стр. 18

وأجاز الزجاج الوجهين١، وهو ظاهر مذهب سيبويه قال: "وسألت الخليل عن قوله جلّ ذكره: ﴿وَأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَّاحِدَةً وَّأَنا رَبُّكُمْ فَاتَّقونِ﴾ ٢ فقال إنما هو على خذف اللام كأنه قال: ولأنَّ هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون، وقال: ونظيرها: ﴿لإيْلافِ قُرَيْشٍ﴾ ،لأنه إنما هو: لذلك ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ ، فإنْ حذفْتَ اللامَ من (أنَّ) فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً هذا قول الخليل. ولو قال إنسان: إنَّ (أنّ) في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا ربَّ في قولهم: وَبَلَدٍ تَحْسَبُهُ مَكْسوحا٣ لكان قولاً قويّاً وله نظائر نحو قوله: لاهِ أبوك. والأوَّل قول الخليل"٤. الحالة الثانية: حذف جائز في سعة الكلام: المنثور والمنظوم، فيما سمع من أفعال استعملها العرب مرة متعدية بنفسها، وتارة بحرف الجرّ، مع الاتحاد في اللفظ والمعنى٥ وهي:"شكر، ونصح، ووزن، وكال يكيل، يقال: شكرت له وشكرته، ونصحت له ونصحته، ووزنت له ماله ووزنته ماله، وكلت لزيد طعامه وكلته طعامه، وكذلك: اختار وأمر يقال اخترت زيداً قومَه واخترت زيداً من قومه، وأمرتك الخيرَ، وأمرتك بالخير" قال الشاعر:

стр. 19

أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ١ وهذه الأفعال موقوفة على السماع، قال ابن مالك:"ومأخذ هذا النوع السماع"٢ وسمّاها المتعدية بوجهين. واختلف النحاة في أصالة هذه الأفعال التي تتعدّى مرة بنفسها ومرة بحرف الجرّ فذهب فريق: منهم ابن عصفور٣ وأبو حيّان٤ إلى أنَّ كلّ واحد منهما أصل برأسه، وليس أحدهما متفرعاً من الآخر، وذهب فريق ثانٍ منهم الشَّلَوْبين الصغير٥ إلى أن الأصل في هذه الأفعال التعدي بنفسها، فإن دخل على المفعول حرف جرّ فهو زائد، وذهب ابن درستويه٦ إلى أن الفعل (نصح) يتعدّى إلىمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر، وأنكر الكسائي٧ أن

стр. 20

يقال: شكرتك ونصحتك ويرى أنَّ الصواب أن يقال: "شكرت لك ونصحت لك" وقال: هذا كلام العرب وقال الفراء: "العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولايقولون نصحتك، وربّما قيلتا"١ وأجاز الأخفش الصغير٢: أن يُحكم باطراد حذف حرف الجر، والنصب فيما لا لَبْسَ فيه إذا كان الفعل يتعدّى إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجرّ، إنْ تعيّن الحرف، وتعين موضعه، كقول الشاعر: تَحِنُّ فَتُبْدي ما بِها مِنْ صَبابَةٍ ... وَأُخْفي الَّذي لَوْلا الأُسى لَقَضانِي٣ قال ابن مالك: "والصحيح أن يتوقف فيه على السماع"٤. الحالة الثالثة: حذف سماعي مخصوص بالضرورة كقول الشاعر: يُشَبَّهونَ سُيوفاً في مَضائِهِمُ ... وَطولِ أَنْضِيَةِ الأعْناقِ والأَمَمِ٥ أي: يشبّهون بسيوف، وقول الآخر:

стр. 21

كَأَ نِّيَ إذْ أَسْعى لأظْفَرَ طائِراً ... مَعَ النَّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ١ أي: لأظفر بطائرٍ، وقول الآخر: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فيهِ كَما عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ٢ أي: كما عسل في الطريق، وقول الآخر: تَمُرّونَ الدِّيارَ وَلَمْ تَعوجوا ... كَلامُكُمُ عَلَيَّ إذن حَرامُ٣ أي: تمرون بالديار، وقال الآخر: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ٤

стр. 22

أي: أستغفر الله من ذنب، وقال الآخر: آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ ... وَالحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السّوسُ١ أي: آليت على حبِّ العراق، وقال الآخر: فَبِتُّ كَأَنَّ العائِداتِ فَرَشْنَنِي ... هَراساً بِهِ يُعْلى فِراشي وَيُقْشَبُ٢ يريد: فرشن لي، وقول الآخر: مِنَّا الّذي اخْتيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ... وَخَيْراً إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ٣ أي: اختير من الرجال. هذا مع نصب الاسم بعد حذف الجار. وقد يحذف الجار ويبقى عمله، ولا خلاف في شذوذ الإعمال حينئذٍ ومنه قول الآخر: إذا قيلَ أيٌّ النّاسِ شَرٌّ قبيلةً ... أَشارَتْ كُلَيْبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعُ٤

стр. 23

بجرِّ (كليبٍ) أي: أشارت إلى كليب فحذف الجار، وأبقى عمله شذوذاً، وكقول الشاعر: وَكَريمَةٍ مِنْ آلِ قَيْسَ أَلِفْتُهُ ... حَتَّى تَبَذّخَ فَارْتَقى الأعْلامِ١ بجر (الأعلام) أي: فارتقى في الأعلام. قال ابن مالك٢: "ومن بقاء الجرّ بالحرف المحذوف قوله ﵊:"صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف علىصلاته في بيته وفي سوقه خمسٍ وعشرين ضعفاً"٣ قال: أي بخمسٍ. قال ومنه قوله ﵇:"فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين صلاة" قال: "أي بسبعين صلاة"٤.

стр. 24

ومنه قوله ﷺ : "مَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعامُ اثْنَينِ فَلْيَذْهَبْ بِثالِثٍ، وَإنْ أَرْبَعَةٍ فَخامِسٍ أَوْ سادِسٍ" ١ وقدّر ابن مالك المحذوف هنا: "وَإنْ قامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخامِسٍ أَوْ سادِسٍ" ٢.

стр. 25

المبحث الثالث: حكم منزوع الخافض: منزوع الخافض يجب نصبه، نص على ذلك الأئمة من النحاة قال الشاطبي شارحاً قول الناظم: وعدّ لازماً بحرف جرَّ ... وإن حُذِفْ فالنصب للمنجرّ نقلا ً............... ... "يعني: أنَّ الحرف إن حذف فلا بدّ للمنجر به من النصب، فيصير الفعل متعدّياً بنفسه بالعَرَضِ كالمتعدّي بحق الأصل، وذلك لأنه إذا تعلّق به فقد صار موضعه نصباً، ولذلك تقول مررت بزيدٍ وعمراً فتعطف على موضعه نصباً"٣. واختلف في عامل النصب حينئذٍ، فذهب الكوفيون إلى أن العامل هو نزع الخافض، وقال البصريون العامل هو الفعل نفسه قاله الصبان٤.

стр. 26

المبحث الرابع: المنصوب بعد (ما) الحجازية: (ما) : حرف نفي غير مختص، يدخل على الجمل الاسمية نحو: ما محمد قائماً، وعلى الجمل الفعلية نحو: ما قام محمد، ومن حق الحرف غير المختص الإهمال، ولكن الحجازيين أعملوا (ما) عمل ليس فيرتفع المبتدأ بعدها على أنه اسم لها، وينتصب الخبر على أنه خبر لها، وأهمل إعمالها التميميون. واختلف البصريون والكوفيون١ في ناصب الخبر بعدها، فذهب البصريون إلى أن ناصب الخبر هو: (ما) نفسها حملاً لها على ليس، وذهب الكوفيون إلى أن الخبر منصوب على نزع الخافض، والأصل جرّه بالباء، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ ٢:"نصبت ﴿بَشَراً﴾ ، لأن الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبّوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه فنصبوا على ذلك) ٣، وقال ابن مالك:"وزعم الكوفيون أنّ (ما) لا عمل لها، وأنَّ نصب ما ينتصب بعدها بسقوط الباء. وما قالوه لا يصحّ، لأن الباء قد تدخل بعد هل، وبعد ما المكفوفة بـ (إنْ) ، وإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصباً لنصبه في هذين الموضعين، ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو

стр. 27

كفى بزيد رجلاً، وبحسب عمرو درهمٌ، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيه من رجل"١.

стр. 28

المبحث الخامس: نزع الخافض والتضمين: وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة التضمين: البحث في التضمين يطول لمن أراد أن يستوفي البحث حقه، والكلام فيه تتنازعه الحقيقة والمجاز، والنحو والبلاغة، ولكني سأُلم به في هذه العجالة، مشيراً إلى أهم ما دون فيه من بحوث، لمن أراد الوقوف على التفاصيل فأقول: التضمين: من مصطلحات النحو والبلاغة والعروض. وهو عند أهل اللغة: مصدر ضمّن يضمِّن تضميناً، كعلّم يعلِّم تعليماً، ويريدون به٢: إيداع شيء شيئاً، يقال: ضمّنت الميّت القبر، أودعته إياه، وكلُّ شيء أُحرز فيه شيء فقد ضُمِّنَهُ، وبمعنى غَرِمَ يقال: ضمَّنته الشيء فَضَمِنَهُ، غرَّمته إياه، وضَمِنَه عنّي، التزم الغرم ومنه الغريم، لأنه ضامن، فعيل بمعنى فاعل. والتضمين عند البلاغيين هو: "استعارة الشاعر كلاماً من غيره، وإدخاله في شعره"٣ ومثاله قول الشاعر:

стр. 29

لئنْ أَخْطَأْتُ في مَدْحيـ ... ـكَ ما أَخْطَأْتَ في مَنْعي لَقَدْ أَنْزَلْتُ حاجاتي ... بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعِ١ فضمَّن بيته قوله تعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِذي زَرْعِ﴾ من الآية ٣٧ من سورة إبراهيم. وعند العروضيين هو:"تعلُّق قافية البيت الأول بالبيت الثاني) ٢ وهم يعدونه من عيوب الشعر. قال الشاعر٣: يا ذا الَّذي في الحُبِّ يَلْحى أَما ... تَخْشى عِقابَ اللهِ فينا أَما تَعْلَمُ أنَّ الحُبَّ داءٌ أَما ... وَاللهِ لَوْ حُمِّلتَ مِنْهُ كما حُمِّلْتُ مِنْ حُبِّ رَخيمٍ لَما ... لُمْتَ عَلى الحُبِّ فَذَرْني وَما أَطْلُبُ إنِّي لَسْتُ أَدْري بِما ... قُتِلتُ إلاَّ أّنَّني بَيْنما أَنا بِبابِ القَصْرِ في بَعْضِ ما ... أَطْلُبُ مِنْ قَصْرِهِمْ إذْ رَمى شِبْهُ غَزالٍ بِسِهامٍ فَما ... أَخْطَأَ سَهْماهُ وَلَكِنَّما عَيْناهُ سَهْمانِ لَهُ كُلَّما ... أَرادَ قَتْلِي بِهِما سَلَّما

стр. 30

فكل بيت من هذه الأبيات تعلقت قافيته بالبيت اللاحق له. وهو في اصطلاح النحاة: يدور حول المعنى اللغوي، إذ يعرفه ابن هشام بقوله:"قد يُشرِبون لفظاً معنى لفظ آخر فيعطونه حكمه"١ ويقول، الشريف الجرجاني: "أن يقصد بلفظ معناه الحقيقي، ويلاحظ معه معنى فعلٍ آخر يناسبه، ويُدَلُّ عليه بذكر شيء من متعلقاته"٢ ويقول الأشموني: "إشراب اللفظ معنى لفظ آخر، وإعطاؤه حكمه لتصير الكلمة تؤدِّي مؤدَّى الكلمتين"٣ ويرى الصبان أن الأولى أن يقال: "التضمين إلحاق مادة بأخرى في التعدِّي واللزوم، لتناسب بينهما أو اتحادٍ"٤. ويرى بعض العلماء: أن التضمين النحوي من أبواب المجاز وليس من باب الحقيقة، وما سمع منه يحمل على التجوُّز في اللفظ كابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي في قوله: "اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدّى بحرف جرٍّ، والثاني بحرف جرٍّ آخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع الآخر، مجازاً وإيذاناً بأن هذا الفعل في معنى الآخر"٥، ويرى آخرون أنه من باب الحقيقة، وليس فيه مجاز، لأن كلاًّ من المعنيين مقصود لذاته، بخلاف المجاز الذي يكون القصد فيه لازم المعنى، كالزمخشري، والشريف الجرجاني، وسعد

стр. 31

الدين التفتازاني١، ومنهم من يرى فيه جمعاً بين الحقيقة والمجاز وعليه العز بن عبد السلام في كتابه مجاز القرآن٢. والتضمين: يقع في ثلاثة أبواب نحوية هي: باب الأسماء المبنية، وباب التعدّي واللزوم، وباب حروف المعاني. وكما اختلفوا فيه بين الحقيقة والمجاز، تنازعوا كذلك في قياسية التضمين من عدمها على ثلاثة مذاهب٣: فريق يرى أن التضمين سماعيّ لا قياسي، وإنما يُلجأ إليه عند الضرورة، أمَّا إن أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فهو أولى. وذهب فريق ثانٍ: إلى القول بإطلاق القياس في التضمين دون قيود. وتوسط فريق ثالث: فأجاز التضمين في الأفعال بشروط ثلاثة: أ- تحقق المناسبة بين الفعلين. ب- وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس. ج- ملاءمة التضمين للذوق العربي.

стр. 32

المطلب الثاني: الفرق بين التضمين ونزع الخافض: أوّلاً: من الناحية البلاغية: التضمين أبلغ من نزع الخافض، لأن الفعل المضمَّن معنى فعل آخر يؤدِّي المعنيين في وقت، واحد أحدهما أصالة، والآخر تضميناً، فيكون أبلغ في تأدية المعنى المراد، أما نزع الخافض فهو: حذف وإيصال فقط، وليس فيه معنى زائد عن المعنى الأصلي، وهذه المسألة تنبَّه لها ابن القيم فقال في معرض رده على من يرى أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: "ظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأمَّا فقهاء أهل العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيُشربون الفعل المتعدِّي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه، يضمّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَّشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ ١ فإنهم يضمنون: (يَشْرَبُ) معنى (يَرْوَى) فيعدونه بالباء التي تتطلَّبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح والثاني بالتضمين، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة، ومحاسنها، وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الرِّيِّ، وأن يقال يروى بها، لأنه لا

стр. 33

يدلّ على الشُّرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال يشرب بها دلّ على الشرب بصريحه، وعلى الرِّيّ بالباء فتأمله"١. ثانياً: من الناحية الإعرابية: الفعل اللازم الذي يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر هو متعدّ بالواسطة، والجار والمجرور بعده في محل نصب، والدليل على ذلك أنه لو عطف على المجرور لنصب المعطوف يقال: مررت بزيد وعمراً بالنصب، قال الشاطبي: "إنَّ الحرف إنْ حُذف فلا بد للمنجر به من النصب، فيصير الفعل متعدياً بنفسه بالعرض كالمتعدي بحق الأصل، وذلك لأنه إذا تعلق به الجار فقد صار موضعه نصباً، ولذلك تقول: مررت بزيد وعمراً فتعطف على موضعه نصباً"٢ فمنزوع الخافض انتصب بالعَرَض الذي طرأ عليه لا بسبب تحمُّل فعله معنى لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، أما التضمين، فلأن الفعل قد ضُمّن معنى آخر لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، فيأخذ معنى جديداً مع بقاء المعنى الأصلي للفعل فهو جمع بين معنيين معنى أصلي، ومعنى تضمني، وبسبب المعنى التضمنى تعدى الفعل لا بسبب نزع الخافض.

стр. 34

المنصوب علي نزع الخافض في القرآن نزع الخافض قياساً في القرآن دراسة أنّ وأنْ بعد نزع الخافض ... الفصل الثاني: المنصوب على نزع الخافض في القرآن: وتحته مباحث: المبحث الأوّل: نزع الخافض قياساً في القرآن: وفيه مطالب: المطلب الأول: دراسة أنّ وأنْ بعد نزع الخافض: يري فريق من العلماء أنَّ: (أنَّ وأنْ) بعد حذف الخافض منهما في محلَّ نصب، وذهب فريق إلى القول ببقاء الجر فيهما، واضطرب النقل عن الخليل وسيبويه، فعزى ابن مالك، والأشموني للخليل القول ببقاء الجر فيهما، ولسيبويه القول بأنهما في موضع نصب، واختارا رأي سيبويه، قال الأشموني: "وهو الأقيس" وعلل ابن مالك ذلك بأن بقاء الجر بعد حذف عامله قليل، والنصب كثير، والحمل على الكثير أولى من الحمل على القليل١. والذي في الكتاب يخالف ذلك، قال سيبويه:"هذا باب آخر من أبواب (أنَّ) : تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت: وَأَغْفِرُ عَوْراءَ الكَريمِ ادِّخارَهُ ... وَأُعْرِضُ عَنْ ذَنْبِ اللئيمِ تَكَرُّما٢

стр. 35

أي لادّخاره، وسألت الخليل عن قوله جلّ ذكره: ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقونِ﴾ ١ فقال: إنما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، وقال ونظيرها: ﴿لإيْلافِ قُرَيْشٍ﴾ لأنه إنما هو لذلك فليعبدوا، فإن حذفت اللام من أن فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً، هذا قول الخليل. ولو قال إنسان: إنَّ (أنَّ) في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا ربّ من قولهم: وَبَلَدٍ تَحْسَبُهُ مَكْسوحا٢ لكان وجهاً قوياً وله نظائر نحو قوله: لاهِ أبوك، والأول قول الخليل"٣. ووَهَّم أبو حيّان ابنَ مالك فيما حكاه عن الخليل٤. وكثير من المتأخرين يرجحون نصب المصدر المنزوع الخافض، قال ابن هشام عن حذف حرف الجر: (وقد يحذف وينصب المجرور وهو ثلاثة أقسام: سماعي جائز في الكلام المنثور. وسماعي خاص بالشعر. وقياسي وذلك بعد أنَّ وأنْ وكي"٥، وقال الأشموني: "إنما اطرد حذف حرف الجر مع أنّ وأنْ

стр. 36

لطولهما بالصلة، واختلفوا في محلِّهما بعد الحذف فذهب الخليل والكسائي إلى أنّ محلَّهما جرّ تمسكاً بقوله: وَما زُرْتُ لَيْلى أنْ تَكونَ حَبيبَةً ... إليّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ١ بجر دين، وذهب سيبويه والفراء إلى أنهما في موضع نصب وهو الأقيس"٢.

стр. 37

المطلب الثاني: نزع الخافض من أنَّ وأن في القرآن: جاءت آيات كثيرة جداً تحتوي على أحد الحرفين المصدريَّين (أنَّ وأنْ) قال عنها المعربون للقرآن: إنها منزوعة الخافض - ونزع الخافض معهما أمر قياسي عند النحاة -، ولهذا سأكتفي بإيراد أمثلة توضح هذه المسألة دون استقصاء لجميع ما ورد منها في القرآن. قال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ﴾ ٣. أي: بأنَّ لهم جنات. وقال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً﴾ ٤. أي بأن تذبحوا بقرة. وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعونَ أَنْ يُّؤْمِنوا لَكُمْ﴾ ٥. أي بأن يؤمنوا لكم.

стр. 38

وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ ١. أي: بأنه لا إله إلا هو. وقال تعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾ ٢. أي: بأن تفشلا. وقال تعالى: ﴿قالوا إنَّ اللهِ عَهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسولٍ﴾ ٣. أي: بألأ نؤمن، أو على تضمين الفعل (عهد) معنى ألزم. وقال تعالى: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٤. أي: في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ. وقال تعالى: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَّكونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٥. أي: من أن يكون له ولد. وقال تعالى: ﴿لَنْ يَّسْتَنْكِفَ المَسيحُ أنْ يَّكونَ عَبْداً للهِ﴾ ٦. أي: من أن يكون عبداً لله، أو عن أن يكون عبداً لله. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ٧. أي: بأنَّ لهم قدم صدق.

стр. 39

وقال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكونَ مِنَ المُؤْمِنينَ﴾ ١. أي: بأن أكون من المؤمنين. وقال تعالى: ﴿مالَكَ ألاَّ تَكونَ مَعَ السّاجِدينَ﴾ ٢. أي: من أن تكون، أو في أن تكون.

стр. 40

المطلب الثالث: دراسة كي في اللغة: جاءت (كي) في اللغة على أربعة أضرب: منها وجه واحد سماعي، والثلاثة الباقية قياسية. الضرب الأول السماعي::اسم مختصرمن كيف، كما اُختصر (سَوْ) من (سوف) ، قال الفراء:"سمعت بيتاً حذفت الفاء فيه من كيف قال الشاعر: مَنْ طالِبينَ لِبُعْرانٍ لَنا رَفَضَتْ ... كَيْ لا يُحِسُّونَ مِنْ بُعْرانِنا أَثَرا٣ أراد كيف لا يحسون"٤. قال ابن مالك: "وإن ولي (كي) اسم، أو فعل ماض، أو مضارع مرفوع عُلم أن أصلها (كيف) حذفت فاؤه"٥. وقال ابن يعيش: "في (كيف) لغتان: (كيف وكي) "٦.
следующие страницы →