← Общие книги

Общие книги · id 8954

أصول الدعوة وطرقها 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (292 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[أصول الدعوة وطرقها ٢]- كود المادة: IDWH٣٠٢٣ المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ من أخلاق الدعاة إلى الله . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (من أخلاق الدعاة إلى الله) ١ - مِن صفاتِ الدّعاة التعريف ببعض الكلمات التي لها صِلة بالدّعوة إلى الله على بصيرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين. أما بعد: الدّعوة إلى الله على بصيرة. ومِن الصّفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الدّعاة إلى الله، وأن تكون مِن مُقوِّمات شخصيّتهم هي: الدّعوة إلى الله على بصيرة. فإنّ من خصائص دعوة الإسلام: أنّ عقائده وتشريعاته جليّة واضحة وضوح الشمس في الأفق، نقيّة بيضاء كنقاء اللّبن، صافية كصفاء السماء، ليس في عقائده لَبس يُحيِّر العقول، ولا طلاسم وألغاز تتيه بين ضبابها النفوس، ولا أمور غامضة يقِف القلب حيالها تائهاً حيراناً، كما هو الحال في الأديان والنِّحل والفلسفات الأخرى التي تُجبر أصحابَها على اعتناقها دون تبصّر وتدبّر. وحينما فشلوا في فهْمها، وعجزوا عن تعقُّل نصوصها، ركلوها جميعاً، وحصروها في الكنائس والبِيَع والأدْيرة، ومعابد الكهّان والرّهبان، وتركوها تلفظ أنفاسها في نسيان وصمت. أمّا الإسلام العظيم، فآياته بيِّنات ودلائلُه واضحات، تدركه العقول لأوّل لحظة، وتطمئنّ له القلوب، وتنشرح له الصدور، بمجرّد سماع آياته أو التّعرّف على أحكامه؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرّفيق الأعلى إلاّ بعد أن بلّغ الإسلام وأبان الحجّة، ووضّح العقيدة وضوحاً جلياً، وطبّق الشريعة، وأقام الحدود، ودخل الناس في

стр. 3

دين الله أفواجاً، وترك ﷺ أمّته على الحنيفيّة السمحاء والمحجّة البيضاء، ليْلُها كنهارها لا يَزيغ عنها إلاّ هالك. ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾. وتُوِّج القرآن الكريم بآخر سورة نزلت، وهي سورة (النصر)، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾. وما تمّ ذلك النّصر والفتح إلاّ لِكوْن الدّعوة إلى الله تُلامِس الفِطَر النّقيّة والعقول السليمة، من خلال الدلائل الواضحة التي لا يَسَع البشَرُ إزاء جلائها وظهورها سوى الدّخول في الإسلام مُختارِين طائعين؛ قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وفي هذه المحاضرة، سوف نوضّح الأساس والمنهج الذي مِن خلالِه انتشر الإسلام، وارتفع لواؤه في العالَمين، ونضع هذا المنهج أمام الدّارسين والدّعاة، والذي جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وسوف تتضمّن هذه المحاضرة العناصر التالية: العنصر الأول: التّعريف ببعض الكلمات التي لها صلة بالدعوة إلى الله على بصيرة، لكي نتعرف على أسس ومقوّمات الدّعوة على بصيرة واضحة وأدلّة ناصعة، كما جاءت في القرآن الكريم. ينبغي علينا أن نرجع لمصادر اللغة العربية نسترشد بها في تفهّم معاني الكلمات الآتية:

стр. 4

١ - البصر والبصيرة. "البصر": حسّ العيْن وحركتها للرؤية، وتُجمع على: أبصار؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. والبَصر من القلب: نظَره وخاطِره؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾. و"البصيرة": عقيدة القلب، والفِطنة، والحجّة، وتُجمع على: بصائر؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. يقول ابن كثير ﵀: "البصائر: هي البيِّنات والحُجج التي اشتمل عليها القرآن الكريم وما جاء به الرسول ﷺ ". هذه البصائر التي تتجلّى في الأنْفُس والآفاق، أو من خلال آيات القرآن الكريم وهدْي الرسول ﷺ ، تُحقِّق الهداية والرحمة لأولئك النّفر من البشَر الذين وصَفَهم الله ﵎ في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: عبرةً وعظةً. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. والمنيب: هو العبد الخاضع، الخائف الوَجِل، الرّجّاع إلى الله .

стр. 5

فقد بيّنتْ هذه الآيات مَن هُم الذين يُدركون تلك البصائر التي تَنطق بالأدلّة على دلائل القدرة، وآيات العظمة التي تستوجب الإيمان بوجود الله، وتفرّده بالوحدانية، واستحقاقه للعبوديّة الخالصة. إنها صفات: الإيمان، والتّذكّر، واليقين، والرجوع إلى الله. مَن اتّصف بتلك الصفات، تتجلّى له الحقيقة بيضاء ناصعة، ولامس الإسلام شِغاف قلبه، وتعمّق في وجدانه ومشاعره. ٢ - البرهان: هو الدليل القاطع للعُذر، والحُجّة المزيلة للشُّبْهة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾. ولقد طلب القرآن الكريم من المستكبِرين والمعانِدين أن يُقدِّموا البراهين والأدلّة على صدْق مَزاعِمهم الفاسدة وعلى صحّة معتقداتهم الباطلة، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ومن ذلك: ما اعتقده اليهود والنصارى من اقتصار الجنّة عليهم، وزعْمهم الباطل ألّنْ يدخُلَها غيرُهم، فطالَبهم الله بالبرهان والدليل؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال تعالى عن عُبّاد الأصنام والمُتّخِذين من دون الله آلهة، بدون برهان أو دليل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ٣ - الحُجّة -بالضّم-: البرهان، والمِحْجاج: الجَدِل، والتّحاجّ: التّخاصم. وتُجمع على: حُجَج، وهي: أن يَطلب كلّ واحد أنْ يرُدّ الآخَر عن حُجّته ومحجّته.

стр. 6

قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقول الله لنبيّه ﷺ : قل لهم يا محمد: فلله الحُجة البالغة، أي: الحِكمة التّامّة، والحجة البالغة في هداية من هَدى، وإضلال من ضلّ. ومن ذلك: قوله تعالى للرسول ﷺ ، حينما جادله وفْد نصارى نجران في حقيقة سيدنا عيسى ﵇: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. وقد بيّن القرآن الكريم: أنّ كثيراً من الناس حُججُهم داحضة وأدلّتُهم كاذبة؛ وهذه ظاهرة متواجدة في كل زمان ومكان، كما يشاهِده العالَم الإسلامي من حُجج الغرب الباطلة وأدلّته الكاذبة، على العدوان على العالَم الإسلامي، واختلاق الأسباب للهيمنة بأعذار ودوافع واهية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. ٤ - البيِّنة: "البيان": بان بياناً: اتّضح فهو: بَيِّن. وبِنْتُه -بالكسر-، وتبيّنْتُه، وأبَنْتُه، واستبَنْتُه: أوضحْتُه وعرَفْته. فالبيان: الإفصاح عن ذكاء، والبيِّن: الفصيح؛ ولذلك كانت نِعمة البيان من أعظم النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان؛ قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. وهو وسيلة الرّسل لتبليغ دعوة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 7

والقرآن الكريم تنزّل على رسول الله ﷺ بلسان عربيٍّ فصيح مُبين، أي: ظاهر واضح مُحكَم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ولقد أخذ الله العهد والميثاق على أهل الكتاب على تبيين الناس الحق، غير أنهم خانوا العهد، وامتنعوا عن البيان، وحرّفوا أديانهم، ونبذوا كتبهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. والبيان في الدعوة الإسلامية مرتبط بالحِكمة ارتباطاً وثيقاً، وكذلك في دعوات الأنبياء جميعاً؛ وقد تحدث القرآن عن عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. والقرآن الكريم يضُمّ بين سُوَره سورةً قصيرة، عددُ آياتها ثماني آيات، تتحدّث عن البيِّنة والأدلّة والبراهين التي جاء بها القرآن الكريم، وتلاها عليهم رسول الله ﷺ في صُحفٍ مطهّرة. وبيّنتِ السّورة موقفَ كلّ من المسلمين والكافرين مِن البيِّنات التي جلاَّها وأظهرها القرآن الكريم, وأعلنها الرسول ﷺ . ولقد طال الحديث عن البيِّنات باعتبارها أحد معالم الدّعوة إلى الله، والمنهج الحقيقيّ الذي ينبغي أن يَسلكه الدّعاة في دعْوتهم. ٥ - الدليل: هو الذي يدلّ الناس على الشيء، خيراً كان أو شراً، ويتتبّعون خُطاه، ويَقتفون أثَرَه، ويثِقون فيه، لِخبْرته ومهارته؛ فهو: المُرشد الأمين. ومن ذلك: ما حكى القرآن عن أخت موسى، حينما دلّت فرعونَ وزوجَه على مُرضعة لموسى، ولم تكن سوى أمّه، قال تعالى: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.

стр. 8

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقد يكون الدّليل ماكِراً خبيثاً يورِد مَن اتّبعوه موارد التّهلكة، كما دلّ الشيطان آدمَ وزوْجَه على الأكل من الشجرة، قال تعالى: ﴿فَدَلاّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى﴾. فممّا سبق، يتّضح من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: أنّ طريق الدّعوة إلى الله والسبيل الذي يوصل إلى سعادة الداريْن، يقوم على البصيرة التي تعتمد على البراهين النّقليّة من الكتاب والسّنّة، والعقلية التي تعتمد على العقل والفكر، وعلى الحُجج الواضحة، والبيان البليغ، والدليل الواضح، وأنّه لا نجاح للدّعاة إن لم يتمرّسوا على تلك الأساليب التي تَقطع الحُجج، وتُفنِّد المزاعم، وتُظهر الحقائق؛ قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. أما عن كيفية وصول الدّعاة إلى هذا المستوى الرفيع، فهذا ما سنتاوله في العنصر الثاني. بيان السُّبل والوسائل التي تُعين الدّعاة على الدّعوة إلى الله على علْم وبصيرة كما سبق أنْ أوضحنا: إنّ الدّعوة إلى الله ليس عملاً مرتجَلاً، أو انفعالاً عاطفياً يفيض بالحماس، ويشتعل وميضُه لحظات ثم ينطفئ ويخمد، وإنّ ساحة الدّعوة في معظم أقطار العالَم الإسلامي تقوم على الارتجال، وردّ الفعل العاطفي الغير مدروس. كما يفتقد ميدان الدعوة إلى الترابط بين مؤسّساته، والتنسيق بين هيئاته؛ فكلّ يعمل في وادٍ بعيد عن الآخر، فضلاً عن ضعف مستوى الأداء. هذا مع ملاحظة تفوّق الأجهزة الإعلامية الأخرى تفوّقاً ظاهراً وملموساً، ونجحت في انتزاع الناس من أحضان المساجد والدّعاة، وألْقت بهم في مستنقَعات الفنّ الهابط والأدب الرخيص.

стр. 9

وإنّ الدعوة التي على علْم وبصيرة تستوجب الأمور التالية: أولاً: تحديد الأهداف. إنّ كل شيء في الكون يسير وفْق غاية مقصودة وهدف منشود، خلَقه الله لذلك. وإن النظام البديع في الكون هو مرآة تدلّ على أنّ كل شيء فيه له هدف. والدّاعي إلى الله يجب عليه: أن يُحدِّد الهدف من دعْوته، وتحديد الهدف يدفعه إلى أن يكون مرتّباً في كلامه، منطقياً في حديثه. وإنّ ما يَحدُث في مضمار الدّعوة الآن، مِن عدم تحديد الأهداف ووضوحها، حيث يَتَشتّت ذهن المستمع في موضوعات شتَّى وفي أمور متنوِّعة، تجْعله ينصرف عن الدّعاة، لأنه لم يجد لديْهم هدفاً مُحدّداً. ولقد حدّد الله الهدَف من خلْق الإنسان والجانّ في آية واحدة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. وحدّد القرآن هدفَ الإنسان في هذا الكون، وأرشد إلى رسالته في الحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولقد حدّد ﷺ مضمونَ رسالته، والغايةَ منها، منذ أول يوم، حينما وقف على جبل الصفا ينادي أهله وعشيرته قائلا: ((إنّ الرائد لا يَكذب أهلَه. والله الذي لا إله إلاّ هو! إنِّي رسولُ الله إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة. والله لتموتُنّ كما تنامون، ولتُبعثُنّ كما تستيقظون، ولتحاسَبُنّ بما تعملون. وإنها لجنّة أبداً أو النار أبداً)).

стр. 10

ثانيا: تنظيم الأهداف. لكي تكون الدّعوة إلى الله على هدىً وبصيرة، فينبغي تنظيم العمل الإسلامي وتحديد أولويّاته، وأن ينظر الدّعاة فيمن حولهم ويتساءلون: ما الذي يجب أن يَبدؤوا به معهم؟ وما هي الجُرعات المناسبة في الوعظ والإرشاد التي ينبغي أن تُقدَّم؟ وأن يعقب ذلك دراسة واعية للظروف الاجتماعية، والاتّجاهات المضادّة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومدى مواجهتها؟ وبأيّ درجة من درجات التغيير التي حدّدها -صلى الله لعيه وسلم- يبدأ بها؟ إن استباق بعض المراحل، وتقديم البعض على البعض دون ترتيب وتنظيم، يُخلّ بالعمل الإسلامي. وحينما ينظر الدّعاة والدارسون لتطوّر مراحل الدّعوة، نجد أنها مرّت بالمراحل التالية: المرحلة الأولى: من بدْء الوحْي في غار حراء حتى قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُون﴾. وفي هذه المرحلة كانت الدعوة إلى الإسلام تنتشر بهدوء، لا تلتفت لها الأنظار، واقتصرت على مُحيط الزوجة السيدة خديجة ﵂، وبعض أبناء عمومته كعليّ ﵁، وعدد من أصدقائه المقرَّبين وفي مقدّمتهم أبو بكر الصديق ﵁. كما انتشر نور الإسلام إلى قلوب بعض المستضعَفين في مكة، كبلال، وعمّار بن ياسر، ووالده، ووالدته، وعبد الله بن مسعود. وانتحى الرسول ﷺ ناحية بعيدة عن أنظار القوم من دار الأرقم بن أبي الأرقم، يُعلِّم أتباعه. واستمرّت هذه الفترة زهاء ثلاث سنوات. المرحلة الثانية: تبدأ من لحظة وقوفه ﷺ على الصفا، يُعلنها صريحة بعدما أمَره الله بذلك، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 11

وهذه المرحلة من أخطر مراحل الدّعوة إذ تمّت المواجهة بين الدِّين الجديد ومعتقَدات الآباء والأجداد. وتجلّت في هذه الفترة شجاعة الرسول ﷺ ، وصبر أصحابه على الأذى، ورفْض المساومة على الدّعوة، وتحمّل المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية في شِعب أبي طالب، حتى أكلوا أوراق الشجر. وتخلّل هذه المرحلة هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، وخروج الرسول ﷺ إلى الطائف. المرحلة الثالثة: تبدأ من الإسراء والمعراج، حتى الإعداد للهجرة والخروج من مكة المكّرمة إلى المدينة المنورة. ولقد اتّسمت تلك المرحلة بانتشار الإسلام بين أهل يثرب -الأوس والخزرج-، وبَيْعتَي العقبة الأولى والثانية، وما تمّ فيهما من عهود ومواثيق بين الرسول ﷺ وأصحابه. ولقد كانت أحداث الهجرة ووقائعها صورةً رائعة للإعداد الجيِّد، والتنظيم الدقيق المتقن الذي يأخذ بكلّ الأسباب، ثم يترك الأمور لله يُصرِّفها كيف يشاء. المرحلة الرابعة: تبدأ من الهجرة وتأسيس المجتمع المسلم على ثلاث قواعد، وهي: ١ - علاقة المسلم بخالِقه، وذلك من خلال بناء مسجد قباء، ومسجد الرسول ﷺ في المدينة. ٢ - توثيق العلاقة بين المهاجرين والأنصار بالمؤاخاة بينهم. ٣ - تأسيس العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، من خلال عقد معاهدة بين المسلمين واليهود ونصارى نجران.

стр. 12

المرحلة الخامسة: وتبدأ من لحظة إعداد المسلمين للدّفاع عن الدّعوة، والانتقال بهم من مرحلة الصبر والصفح والعفو حتى عن المسيء، إلى مرحلة الاستعداد للدِّفاع عن الإسلام وردع العدوان وكسْر شوكة الكافرين. واتّسمت تلك المرحلة -والتي استمرت ثماني سنوات- بالعديد من المعارك، كان من أهمِّها: بدر، وأحُد، والخندق. وكانت سرايا الاستطلاع تجوب الجزيرة العربية، وترقب تحرّكات المشركين. واستمرت هذه المرحلة حتى فتح مكة في العام الثامن من الهجرة. المرحلة السادسة: تبدأ من بعد فتح مكة وحتى انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. وفي هذه المرحلة، توالت التشريعات لبناء الدّولة الإسلامية من خلال ما جاء في القرآن الكريم وسُنّة الرسول ﷺ القوليّة والفعليّة. وغدا الإسلام قوّة دانت له الجزيرة العربية، وصالحَتْه أطرافُها. وأرسل الرسول ﷺ الرّسُل إلى الملوك والأمراء، وعلى رأسهم كسرى ملِك الفُرس، وهرقْل إمبراطور الروم، والمقوقس عظيم القبط في مصر. وبدأ الإسلام يمدّ أذرعته خارج الجزيرة العربية. هذه المراحل تُنبئ عن تنظيم الأهداف وترتيبها، في إعداد مرتبط بوحي السماء، وحِكمة خير الأنبياء. وحينما نضع هذه المراحل بين أيْدي الدّارسين والدّعاة، إنما نهدف من ذلك: أن نُلفت الأذهان والعقول إلى أنّ الدعوة إلى الله على بصيرة توجِب الإعداد الجيِّد، والعمل المنظّم، كما تعمل الأمّة بكلّ مؤسّساتها التربوية والثقافية والتعليمية والإعلامية على إعداد رعيل من الدّعاة يفقهون دين الله، وعلى علم وبصيرة

стр. 13

بأمور الدّعوة إلى الله، وأن تكون لديهم الكفاءة العلمية والخبرة بأحوال الناس وبقضاياهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. هذا، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - من أخلاق الدّعاة إلى الله تعريف "الصّبر" في اللغة والاصطلاح الحمد لله رب العالمين، بَشّر الصابرين بالفوز والنجاة يوم الدِّين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام الدّاعين والمرسلين، ورحمة الله للناس أجمعين. أما بعد: الصّبر: ١ - "الصّبْر" في اللغة: حَبْس النفْس عن الجزَع. والتصبّر: تكلّف الصّبر. وقيل: أصل الكلمة: من الشّدّة والقوّة. وقيل: مأخوذ من: الجمْع والضّمّ؛ فالصابر يجمع نفسه ويضمّها عن الهلع والجزع. قال ابن القيم ﵀: والتحقيق: أنّ في الصبر المعاني الثلاثة: المَنْع، والشّدة، والضّم. ٢ - و"الصّبر" بالمعنى الاصطلاحي هو: قوّة خُلُقية من قوى الإرادة الإنسانية، تُمكِّن الإنسان من ضبط نفسه لتَحمّل المتاعب والمشاقّ والآلام، وضبْطها عن الاندفاع بعوامل الضّجر والجزع، والسّأم والمَلل، والعجلة والرّعونة، والغضب والطيش، والخوف والطمع، والأهواء والشهوات والغرائز". وقال الإمام أبو حامد الغزالي: "الصّبر: عبارة عن ثبات باعث الدِّين في مقاومة باعث الهوى".

стр. 14

٣ - فائدة الصّبْر: الصّبر يخلق في الإنسان تريّث العقل، فلا يندفع ويتسرّع في الحُكم على الأشياء. ويُؤدِّي إلى اطمئنان القلب، فلا يتزلزل في مواطن الشّدّة، ولا يجزع عند البلاء. ويُضفي على النفْس الصفاء والهدوء والثبات، فلا يُعكِّر صفْوَها كدرُ الحياة ومتاعب الدنيا. ويولِّد الأمل والرّجاء والتفاؤل وانشراح الصدر وثبات الجأش. الصبر يدفع الإنسان لوضع الأمور في مواضعها بعقل واتّزان، يأخذها بحكمة وثاقب نظَر، وسداد رأي، وتبصرة بالعواقب، وتحسب للنتائج. ٤ - نتائج فقدان خُلُق الصبر: الإنسان الذي تخلو أخلاقه من فضيلة الصبر يتّسم بالتّسرّع والاندفاع، ممّا يُؤدِّي به إلى التهلكة، بسبب اتخاذه لقرارات رعناء، ومواقف متعجِّلة غير مدروسة، ممّا يُؤدِّي لليأس والقنوط، والتحيّر، والعجز عند مواجهة الشدائد. كما أنّ الشخص الذي يفتقد خُلُق الصبر يعيش في توتّر عصبي وقلق نفسي، حينما يواجه خبراً أو موقفاً طارئاً؛ فهو سريع الانفعال، شديد الغضب، يتّسم بالتضجّر وعدم التّحمّل، ممّا يحمل بين ثناياه آثاراً ونتائج غير محمودة العواقب. مجالات الصّبر وميادينه للصبر مجالات كثيرة في ميادين الحياة التي تتطلّبه؛ ومن ذلك: أولاً: ضبط النفْس وحبْسها عن الضيق والحزن عند حلول المصائب، كموت عزيز، وفقدان مال، أو ضياع متاع، أو مرض عضال، أو تعطل حاسّة من الحواسّ. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ

стр. 15

رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ومن وصايا لقمان لابنه: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يقول الله تعالى: ما لِعبدي المؤمن عندي إذا قبضتُ صَفيَّه من أهل الدنيا، ثم احتسَبه، فهو من أهل الجنة))، رواه البخاري. وعن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الله قال: إذا ابتلَيْتُ عبدي بحبيبَتيْه فصبر، عوّضْتُه منهما الجنّة))، يريد: عيْنيْه. رواه البخاري. ومن نتائج الصبر على المصائب أمران: الأول: تكفير الخطايا والسّيِّئات. وهذا رحمة من الله بتعجيل العقوبة على الذنوب في الدنيا. فعن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((ما يُصيب المسلمَ من نَصَبٍ، ولا وصَبٍ، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكُها، إلاّ كفّر الله بها من خطاياه))، رواه الشيخان. وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة، في نفْسِه وولدِه ومالِه، حتى يَلقى الله تعالى وما عليه خطيئة))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". الأمر الثاني: منْح الأجْر على الصّبر. وهذا الأجر يتضاعف ويتكاثر كلّما كان الصبر أجمل وأشمل، والجزع أقلّ وأضعف. فمن الثواب، ولا سيما إذا ارتبط الصبر بحُسن العبادة والطاعة: سلام

стр. 16

الملائكة في الجنّة على الصابرين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ثانياً: الصّبر في ميادين القتال عند لقاء الأعداء. إنّ من مجالات الصّبر وميادينه: الصّبر عند اللقاء؛ فهو أهمّ مقوّمات النصر على الأعداء. فإن الظفر مع الصبر، ومغالبة العسر والشدّة يعقبهما فرح ويُسر. فالمرابطة في سبيل الله، والسهر على حراسة الحدود والثغور، في برد الشتاء وزمهريره، وحرارة الصيف وقيظه، بين وهج المعارك وأزيز الطائرات وأصوات المدافع: مواطن ومواقف لا يثبت فيها إلاّ المؤمن المتسلِّح بالإيمان، المتخلِّق بالصبر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ومن توجيهات القرآن الكريم للمجاهدين في سبيل الله: أمور هي مفتاح النصر، ومنها: الصبر في ميادين القتال عند لقاء الأعداء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 17

لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. والعدد القليل المتسلِّح بفضيلة الصّبر يُحقِّق النصر على الكثرة المذعورة التي لا تصبر في ميادين الوغى ولهيب المعارك وقعقعة السلاح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ولذلك كان دعاء الجيوش المؤمنة عبر التاريخ أثناء لقاء الأعداء، هو ما جاء في القرآن الكريم على لسان طالوت وجنوده، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ثالثا: الصّبر في ميادين الدّعوة إلى الله. لقد خلَق الله الخلْق متفاوتين في العقول، مختلفين في التفكير، متمايزين في المشاعر والعواطف، تتصادم مصالحُهم وتتنازع رغباتهم، وتختلف نظرتهم للأمور وحُكمُهم على الأشياء بدرجات كبيرة، واستجابتهم للنصح والإرشاد والتوجيه يختلف اختلافاً شاسعاً. وهذا الاختلاف في المشارب والأهواء سُنّة من سُنن الله في الخلْق والتكوين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 18

فالتمايز في العقول وفي السلوك، والتّباين الشديد في المعتقَدات والمذاهب والآراء، يوجب على مَن يَنزل ساحة الدّعوة إلى الله، ويتشرّف بحمْل لوائها، أن يتّصف بالصبر والحِلم وسعة الصدر؛ فلا يضيق صدراً بمَن خالَفه، ولا يحزن لِمن هاجمه بالقول. ولْيحبِسْ آلامَه حينما يعتدي عليه أحد. وينبغي ألاّ يتسرّب اليأس إلى نفسه حينما يجد صدوداً أو إعراضاً. وينبغي أن لا يعرف العجزُ والقنوط والفشل طريقاً إلى قلبه، حينما يُضيَّق الخناق عليه، وتُصادَر كلمتُه ويُقطَع رزقُه. فالابتلاء والاختبار والامتحان كان وسيظل هو طريق الدّعاة إلى الله، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. ورسُل الله هم النموذج الفريد والقدوة الحسنة والأسوة الطّيِّبة، في التحمّل والتّحلّي بالصبر، والتّحمّل لأعباء الرسالة ومشاقّ الدّعوة، ومواجهة الموانع، والإعراض بالحِلم وسعة الصدر، ولين الجانب وخفْض الجناح. وسوف نتابع رحلة الأنبياء والمرسلين في رياض الصبر والمصابرة، ونرقُب خطَى سيْرهم في تحمّلهم لكل أنواع العنت، وجميع ضروب المتاعب والآلام، بنفْس سمحة، وقلب رؤوف رحيم، لنضعها أمام أعين الدّعاة ليقتدوا بهم ويسيروا على دربهم في التّخلّق بفضيلة الصبر الذي وصفه ﷺ بـ"الضياء"، ووصفه مرة أخرى بأنه: "نصف الإيمان". وهو السّمة المشتركة لجميع الأنبياء والمرسلين، والصفة الغالبة لمن يسلك طريق الدّعوة إلى الله. فعن أبي عُبيد الله خباب بن الأرت ﵁ قال: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بُردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ فقال: قد كان ممّن قبلكم يُؤخذ الرّجُل، فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها. ثم يُؤتى بالمنشار، فيوضع

стр. 19

على رأسه فيُجعل نصفيْن، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه. والله! لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلاّ الله، والذئبَ على غنَمه؛ ولكنكم تستعجلون))، رواه البخاري. هذا الحديث يتطابق ويتوافق مع قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وفي شأن صبْر المرسلين وتحمّلهم المشاق والأذى، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾. ولقد تحدّث القرآن الكريم عن نبإ المرسلين في الصّبر والحِلم واللِّين والرِّفق، وأخبر عن أحوالهم في مواجهة المعاندين والمعارضين، ولا سيما أولو العزم من الرسل الذين أمر الله رسوله ﷺ بالتأسي بهم، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء محمد ﷺ . وقد نص الله على أسمائهم من بين الأنبياء في سورتَي: (الأحزاب) و (الشورى). قال تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾. وفي سورة الشورى، ذكَرهم الله بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.

стр. 20

فتكرار ذكْرهم في القرآن الكريم يوجب على الدّارسين والدّعاة: أن يقفوا على سُبل تحمّلهم وأساليب صبرهم. وسوف نعرض لمواقفهم -صلوات الله وسلامه عليهم- في الصبر والمصابرة، والمغالبة، والتّحمّل، في العنصر التالي. الصّبر الذي تحلّى به أولو العزْم من الرّسُل في ميدان الدّعوة إلى الله التعريف اللّغوي لكلمة "عزْم": عَزَمَ على الأمْر: أراد فعْله، وقطع عليه، أوْ جدَّ في الأمْر. وأولو العزْم من الرّسُل: الذين عزموا على أمْر الله فيما عُهد إليهم. وقال الزمخشري: هم أولو الجِدّ والثّبات والصبر. والأنبياء والمرسلون -صلوات الله عليهم أجمعين- من لدن آدم ﵇ أولو عزم وثبات وصبر في الدعوة إلى الله. ولقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: أنّ ﴿مِنْ﴾ بيانيّة تشمل جميع الأنبياء والمرسلين. ويرى جمهور المفسرين: أنّ ﴿مِنْ﴾ تبعيضية تختص ببعض الأنبياء الذين أشار إليهم القرآن الكريم في سورتَيِ (الأحزاب) و (الشورى)، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-. وسوف نقصر الحديث في هذه المحاضرة على جانب الصّبر في رسالات هؤلاء الخمسة -صلوات الله وسلامه عليهم-، أمّا عن مناهجهم وأساليبهم في الدعوة إلى الله، فسنُفرد لها محاضرة خاصة في المستوى الثاني -إن شاء الله-. أولاً: نوح ﵇. هو: أبو البشر الثاني، وأوّل الرسل بعد آدم ﵇، اصطفاه الله للنّبوّة، واختاره للرسالة، بعد أن انتشرت في قومه عبادة الأصنام، وانحرفت أخلاقُهم إلى الرذائل، واستشرى الظلم والاستبداد والقهر من الأغنياء على الضعفاء.

стр. 21

ونوح ﵇ نموذج فريد من بين الأنبياء والمرسلين الذين تحدّث عنهم القرآن الكريم؛ فقد لبث يَدعو قومه ألْف سنة إلاّ خمسين عاماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. هذه القرون العشرة زاخرة بالدروس، مليئة بالعِبر، واتّسمت بالصبر والمصابرة، والمجاهدة والمجالدة، والثبات وقوة العزيمة، وأبرزت للدّعاة أدبَ المجادلة وأساليب المحاورة، ونماذج التضحية حتى بالأبناء والأهل في سبيل الدّعوة إلى الله. وقد أشار القرآن الكريم إلى مواقف نوح ﵇ مع قومه في ثمانية وعشرين سُورة، وانفردت سورة كاملة تَحمل اسمه، وهي: سورة (نوح). وسوف نستنبط معالم صبْره ﵇ في مجالات الدّعوة التالية: ١ - الصبر على مواصلة الدّعوة بقوّة نافذة، وعزيمة شديدة لا تعرف اليأس ولا السّأم، في طول مرحلة الدّعوة مدّة تكاد تبلغ الألْف عام. قال تعالى حكاية عنه ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾. ٢ - الصّبر على إيذاء قومه، والذي اتّخذ صُوَراً متعدِّدة، منها: أ- تهديده بالقتْل والرّجْم، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. ب- وصْفه بالجنون، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.

стр. 22

ج- الصّبر على المجادلة والمحاورة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. د- الصّبر على سخرية قومه واستهزائهم به، قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾. هـ- الصّبر على فجيعته في زوْجه وولده؛ فالزوجة تابعت قومَها في كفْرهم وعنادهم، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. أمّا الابن، فقد عصى أمْر والده نوح ﵇، وركب رأسه واتّبع هواه، واعتصم بالجبال من الماء، فكان من المغرقين. وتحركت فيه عاطفة الأبوّة الرحيمة فدعا ربه، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ فامتثل ﵇ لأمر الله، وصبر على قضائه. ثانيا: إبراهيم الخليل ﵊. حياته ودعوته خير مثال لصبر الأنبياء، وعزيمة المؤمنين، وقوّة الصابرين؛ فقد جمَع صلوات الله وسلامه عليه بين الصبر والحِلم وسعة الصدر، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. هذا الحِلم والصّبر كان سِمة من سماته ومَعلماً من معالِم شخصيّته، ظهر ذلك واضحاً جلياً لمحاوراته لعُبّاد الأصنام، ومجادلاته لعُبّاد الكواكب، وتصدِّيه بقوّة

стр. 23

للحاكم الظالم الذي ادّعى الألوهية. ويتجلّى الصّبر والحِلم مع أبيه. ويتجلّى في أعظم صُوَره وأسمى معانيه في تنقّله بين فلسطين ومصر ومكّة المكرمة. غير أنّ ما انفرد به وتميّز به في ميدان الصبر وقوة التحمّل، والثّبات ورباطة الجأش، والاستسلام لأمر الله والرضى بقضائه وقَدَره، كان في المواطن التالية: ١ - الصبر وعدم اليأس من الإنجاب والذُّرِّية، وقد جُوزِي وكوفِئ على صبره بإسماعيل من زوجته هاجر، وبإسحاق من زوجته سارة. ٢ - الصبر على الإلقاء في النار، بصبر واطمئنان، وثقة مطلقة بالله، فأنجاه الله منها وخرج سليما معافىً، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾. ٣ - الصبر على فراق هاجر وإسماعيل، وترْكهما في مكة المكرمة، حيث لا ماء ولا زرع ولا بشَر، ولجأ في هذا الموقف لله، قال تعالى عن لسانه ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ٤ - الصبر الجميل والاستسلام المُطلَق لأمْر الله بذبْح إسماعيل بعد رؤية صادقة، فصبر صبراً ليس في طاقة بشَر أن يتحمّله؛ فمن يطيق أن يُمسك بالسِّكِّين ويذبح وحيدَه وفلذة كبِده، والذي رزقه الله بعد صبر وتلهّف وطول انتظار. ولكنّه أمْر الله الذي لا يُردّ، وطبيعة الأنبياء في المبادرة بالإذعان والإسراع في تنفيذ الأمْر بلا تردّد أو مناقشة. وقد اشترك الابن والأب والأمّ في فضيلة الصبر ومُطلق الطاعة لله؛ فالابن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. والأب امتثل. والأم استسلمت لأمر الله في وحيدها وقرّة عيْنها.

стр. 24

إنها فعْلاً أسرة صابرة بالفطرة، لا تتصنّع الصبر ولا تتجمّل بالفداء. لقد نجحوا جميعاً في امتحان الصبر والرضى بالقضاء، فكانت المكافأة: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثالثاً: موسى ﵇. وهو من أنبياء بني إسرائيل، ومِن أولي العزم من الرّسل الذين خصّهم الله بالعزم القويّ، والصبر الجميل، والتّحمّل الشديد. وحياته ﵇ فيها من العِبَر والفوائد ممّا يضيق المقام عن حصرها، غير أنّ جانب الصّبر في دعوته ظاهر بارز، كشأن إخوانه من الأنبياء والمرسلين. ولقد تعدّدت مراحل حياته منذ ولادته والتقاط آل فرعون له. وفي هذه المرحلة تبرز صورة أمّه والتي أوحى الله إليها أن تُلقي به في البحر. ويربط على قلبها، فتصبر على قضاء ربّها، وتطمئنّ إلى حسْن تدبيره وحفظه تعالى لموسى، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. إنها الأمومة الصابرة التي جمعَت بين هاجر، وأمّ موسى، ومريم أمّ عيسى. ثم تتتابع رحلة حياته حينما خرج من مصر، وصبر على آلام الغرية. وتتجلى المواقف الإيمانية التي تتّسم بالصبر في دعوته لفرعون، وصبره على ما لقيه من بني إسرائيل أثناء رحلة الخروج من مصر. ولقد أمَرهم بالاستعانة بالله والصبر والتقوى، قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 25

غير أن بني إسرائيل لم يعملوا بنصيحته ولم يلتزموا بما شرعه الله لهم، وصبر موسى وهارون ﵉ على تعنّتهم وتجرّئهم على الله، وتطاولهم عليهما. وقد استفاض القرآن الكريم في ذكْر مواقف بني إسرائيل من موسى كثيراً، للتنبيه على خطرهم، وتحذير الإنسانية من شرورهم التي أظهرت الأحداث في هذا العصر إعجاز وصدْق ما أخبر به القرآن الكريم عنهم. رابعا: عيسى بن مريم ﵇. من أولي العزم من الرّسل، ورسالته هي خاتمة رسالات بني إسرائيل. وهو ﵇ كإخوانه الأنبياء والمرسلين قد تحلّى بالصبر والرحمة. وقد اتضحت معالم دعْوته ومنهج رسالته منذ ميلاده حين أنطقه الله وهو ما زال في المهد صبياً. وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا المنهج في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾. وقد صبرت أمه مريم ﵍ على تلك الألسنة التي تطاولت عليها، وعلى تلك النظرة المريبة التي لاحقتْها أثناء الحمل والولادة. وكان ثمار هذا الصبر الجميل، والتحمل الذي لا يطيقه بشَر: أن تولّى الله عنايتها، وأظهر لها من المعجزات ما ثبّت قلبها وهدّأ من روعها؛ وهذا جزاء الصابرين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. خامسا: إمام الصابرين، أشرف الخلْق وخاتم الرسُل محمد ﷺ . لقد كانت حياته ﷺ وسيرته بعد انتقاله للرفيق الأعلى تجسيداً حياً ونموذجاً فريداً للصبر والحلْم وتحمّل كلّ صنوف الإيذاء والعنت، بنفْس صافية لا تحمل

стр. 26

ضغينة، وقلب مطمئن بالإيمان، مستوثق كلّ الثقة بنصر الله وتأييده. لقد تجمّع صبر الأنبياء جميعاً في صبره، وأفرغ الله عليه من الثبات واليقين وقوّة العزم ورباطة الجأش الذي لا تُحرِّكه شدائد الدنيا بأسرها، وأودع الله بين حنايا نفْسه الرحيمة والحليمة من الحِلْم وسعة الصدر ما وسع أعداءه قبل أصحابه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وسوف نقتطف من رياض صبره ﷺ بعض الباقات التي ترسم صورة رائعة سامية للصبر والمصابرة، والمجاهدة والتحمّل، دون تبرّم أو ضيق أو غضب، الصبر الذي يحمل بين ثناياه أملاً يتجدّد، وتفاؤلاً يُرسل أشعّته على القلوب، فتشعر بالطمأنينة لجانب الله والرضى بقضائه وقَدَره. هذا الخُلق الكريم، والفضيلة المتألّقة بين الفضائل، يُجهد الإنسان نفْسه ويعتصر عقله وفكْره إذا ما أراد حصْر بعضها عند رسول الله ﷺ ، أو استيعاب جزء منها في محاضرة أو عدة محاضرات؛ حيث إنّ مجالات الصبر وميادينه في حياته ﷺ أكثر من أن تحصى، لذلك سأرصد للدارسين والدّعاة بعضاً منها على النحو التالي: ١ - اليُتْم المُبكِّر للرسول ﷺ ربّى فيه ملَكة الصّبر منذ طفولته، ومجابهة الحياة وتحمّل مسؤولية الرِّجال، وهو ﷺ فتىً صغير يرعى الغنم، ليكفل نفْسه ويُعين عمّه أبا طالب. ٢ - ما أمره به الحقّ -تبارك وتعلى- في مرحلة التربية والإعداد للدعوة بالصبر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. وقال تعالى في سورة (المزمل)، وهي من أوائل ما نزل من القرآن الكريم: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾.

стр. 27

٣ - مع اشتداد الإيذاء الذي صبّتْه قريش بكلّ صنوفه عليه ﷺ وعلى أصحابه، كانت آيات الصبر تتتابع، إمّا في صورة أمْر، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. أو في عرض قصص الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، تسلية للرسول ﷺ وتثبيتاً لقليه، واطمئناناً لنفسه؛ فلا تُضعف مواقفُ قومه ولا يوهن عنتُهم وحقدُهم مِن عزيمته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾. أو تتوالى الآيات في بيان حُسن ثواب الصابرين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كما ربط القرآن الكريم بين الصبر والجهاد في سبيل الله في أكثر من آية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال تعال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾. والربط بين الصبر والصلاة: دلالة على أهمية كلّ منهما للآخَر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾. أعلن الله محبّته للصابرين، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. من خلال عرض خبر أولي العزم من الرّسُل، وعَبْر حديث القرآن الكريم عن الصّبر، يتبيّن: أنه من الواجب تربية الدّعاة إلى الله على فضيلة خُلُق الصبر في مختلف المواقف التي يتعرّضون لها.

стр. 28

فالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من لوازمه: الصّبر والتّحمّل. وقد ذكَر القرآن الكريم من وصايا لقمان ما ذكَر الحقّ : ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. فالربط بين قضية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بالصبر على ما يصيب الدّعاة: إشارة لما يمكن أن ينزل بهم من إيذاء وفِتن وابتلاءات. وآيات الصبر في القرآن الكريم والتي جاءت في أكثر من مائة آية تخلق في الدّعاة ملَكات كثيرة منها: ١ - عدم اليأس والقنوط من إصلاح البشَر، فالفطرة الإنسانية مجبولة على الخير، كما قال ﷺ : ((كلّ مولود يولَد على الفِطرة)). وقد يتأثّر الشخص بعوامل كثيرة؛ فالواجب على الدّعاة ألاّ يفقدوا الأمل في إصلاح النفوس وهداية القلوب. ٢ - أن يصبر على ممارسة الدّعوة، ولا يتوقف في مرحلة من مراحل حياته لسبب من الأسباب؛ بل يظلّ عطاؤه متجدِّداً ومُستمِراً. ٣ - على الدّاعي أن لا يضيق ذرعاً بالناس، ولا يحنق عليهم، بل يتودّد إليهم ويترفّق بهم، ويحلُم عليهم. ٤ - أن يصبر على المعاندين والمعارضين، لعل الله يهديَهم على يديه، فينال بذلك الثواب العظيم؛ يقول ﷺ : ((لأنْ يهديَ الله بك رجُلاً أحَبّ إليك من حُمر النَّعَم)). وهكذا يتبيّن بوضوح وجلاء ما ينبغي أن يتحلّى به الدعاة إلى الله من خُلُق الصبر والحِلم وسعة الصدر. هذا، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 29

الدرس: ٢ تابع من أخلاق الدعاة إلى الله، والثقافة الإسلامية وأثرها على العالم .

стр. 30

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (تابع من أخلاق الدعاة إلى الله، والثّقافة الإسلاميّة وأثرها على العالَم) ١ - من أخلاق الدعاة إلى الله تعريف الصِّدْق الحمد لله، أمَر المؤمنين بالتّقوى والصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. والصلاة والسلام على الصّادق الأمين، المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنالوا رضاه وحُسن مثوبته، ومن سار على درب الصديقين إلى يوم الدين. وبعد: الصدق: هو: القول المطابق للواقع والحقيقة. ويُعرّف أيضاً بأنه قولُ الحقّ. وضدّه: الكذب، وهو عدم مطابقة الخبر للواقع، أو عدم قول الحق. وكما يكون الصدق والكذب في الأقوال، يكون في الأفعال؛ فقد يصدق بعض الدّعاة في تعبيراتهم وانفعالاتهم ومشاعرهم، وقد يكون البعض منهم كمَن يتصنّع أمام الناس أفعال المتّقين، وهو أبعد ما يكون عن التقوى، أو يرتدي ملابس الزهد والقناعة، إخفاءً لما يخفيه من جشع وطمع. ومن أمثلة ذلك: ما حكاه الله في القرآن الكريم من أقوال وأفعال إخوة يوسف ﵇، حيث جمعوا بين كذِب القول فيما حكاه القرآن الكريم حينما جاؤوا أباهم عشاءً يبكون بكاءً كاذباً، وقالوا كذباً: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، ثم جاؤوا على قميص يوسف ﵇ بدم كذِب؛ فجمعوا بين كذِب القول وكذِب الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾. فالآيات الكريمة في هذه القصة توضّحُ كذِب أقوالهم وأفعالهم؛ وهي صفة توارثها اليهود ويُجيدون القيام بها في كل زمان ومكان. وقد أجادوا ذلك خير إجادة في قضية فلسطين.

стр. 31

ومن قبيل كذِب الأفعال والأقوال: ما يقوم به المراؤون والمنافقون في المجتمع. الصّدق من الأخلاق الفطريّة: يُفطَر الإنسان على الخلال الحميدة والأخلاق الكريمة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. ويقول ﷺ : ((كلّ مولودٍ يُولدُ على الفِطْرة؛ فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرناه أو يُمجِّسانه)). ويظهر ذلك في براءة الأطفال حيث يتحدّثون الصّدق، ولا يكذبون إلاّ بعد تأثّرهم بمن حولهم من أفراد الأسرة والمجتمع. والصدق غريزة فطرية في المؤمن، يظلّ طول حياته، ولا يتخلّى عنه بحال من الأحوال. فقد يتّصف المسلم ببعض الأخلاق غير الحميدة كالطمع والخوف، ولكنه لا يكون كذّاباً. روى الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُطبع المؤمن على الخلال كلّها، إلاّ الخيانة والكذب)). وروى الإمام مالك في "موطئه"، أنه قيل لرسول الله ﷺ أيكون المؤمن جباناً؟ قال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: ((نعم)) فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: ((لا)). الأدلّة من القرآن والسُّنّة على خُلق الصِّدق وفضْله ١ - الأمْر به كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾.

стр. 32

روى الإمامان البخاري ومسلم قولّ الرسول ﷺ : ((عليكم بالصدق! فإنّ الصِّدق يهدي إلى البِرّ، وإنّ البِرّ يهدي إلى الجنة. وما يزال الرجُل يصدُق ويتحرّى الصِّدق حتى يُكتب عند الله صديقاً. وإيّاكم والكذب! فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار. وما يزال الرجُل يكذب ويتحرّى الكذِب حتى يُكتب عند الله كذّاباً)). ٢ - الصّدْق خُلُق من أخلاق الأنبياء يجب أن يتحلّى به الدّعاة. فهو من الصفات التي يجب أن يتّصف بها الأنبياء، لأنهم الأمناء على وحْي الله، المُبلِّغين لشرْعه؛ ولذلك جبَلَهم الله على الصِّدق منذ طفولتهم وقبل تنزّل الوحي عليهم، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. ولقد اشتهر ﷺ قبل البعثة بأنه الصادق الأمين، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾. ولقد تخلّق صحابة الرسول -صلى الله الله عليه وسلم- بالصِّدق، والوفاء بالعهد، والثّبات على الحقّ، فقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. والعلماء والدّعاة هم ورثة الأنبياء، وحمَلة رسالتهم والمبلِّغون عنهم، ولا سيما الأمّة الخاتِمة التي شرُفت بتحمّل أعظم أمانة وأشرف رسالة، فينبغي أن يتحلّوْا بالصِّدق، ويكونون في أقوالهم وأفعالهم مرآةً صادقة لِما يأمرون به ويدْعون إليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 33

ولِمكانة الصِّدق والصّادقين، فقد جعل الله للمتّقين في الجنة مقعداً خاصاً لهم، يَحمل اسم "الصدق"، به يتميّزون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. وقد أُمِر الرسول ﷺ أن يُبلِّغ المؤمنين أنّ الصدق من خصائصهم ونسيج حياتهم، يجب أن يكون في كافّة الأمور سواءً مداخلها أو مخارجها، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾. ٣ - الصّدق بين الدّعاة يُعين على النجاح في دعْوتهم إلى الله، ويحمل الأمّة على التّفقّه فيهم. الناس في هذا العصر يتخبّطون في بحار متلاطمة الأمواج من المذاهب والآراء والأفكار، قد تاهت عنهم الحقائق، وأُلبِست عليهم الأمور، وتقطعت بهم سُبُل معرفة الحقيقة، فتعثّرت الخُطى السليمة، وانعدمت الرؤية الصحيحة، وأُلْبِسَ الباطلُ ثوب الحق، فانقلبت المعايير وتغيّرت الموازين. وساعد على هذا الضلال والإضلال: أجهزة الإعلام الحديثة، ولا سيما القنوان؛ فاجتازت الحدود بلا حواجز، واخترقت العقول بلا موانع، واقتحمت البيوت بلا استئذان، مسخِّرة في ذلك بعض العقول ممّا يُطلق عليهم: مفكِّرون ومدقِّقون، والله يعلم أنهم بأقوالهم وسلوكهم عن الفكر المستقيم والثقافة السليمة بعيدون، وقد باعوا دينهم وأوطانهم بثمن بخسٍ أو منصبٍ رخيص، لا يتحرّوْن الصِّدق في أقوالهم، ويفترون الكذب في أحاديثهم، ويُحرِّفون الكلِم عن مواضعه؛ فكذبوا على الله ورسوله وعلى الناس.

стр. 34

وحينما أطلّوا بوجوههم، ولوَوْا بألسنتهم عنق الحقيقة فنالوا من ثوابت الأمّة، وهمزوا ولمزوا في أشرف مقدّساتها وأعظم مصادرها: القرآن والسّنّة، وأعلنوا في وقاحةٍ وعدم استحياءٍ: أنّ الإسلام إرهاب والتّديّن رجعيّةٌ، والفضيلة تخلُّف، والتزام آداب الشرع تزمّت وتشدّد. وأمعنوا في الكذب والإفك، فزعموا -قاتَلَهم الله-: أنّ الإلحاد والعلمانية تحرّراً، وأنّ الانحلال الخُلُقي تقدّماً، وأنّ تبرّج المرأة واختلاطها وسفورها مدنيّةٌ، وأنّ صناعة الكذب في ميادين السياسة وفي العلاقات بين الأفراد والجماعات والدّول وسائلُ حضارية مشروعة. وقد قال الله في أمثال هؤلاء: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. إنّ فكر هؤلاء الأصاغر خيانة، خاصّة إذا صدّقهم الناس؛ فقد روى أبو داود، عن سفيان بن أسد الحضرمي، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((كَبُرَتْ خيانة أنْ تُحدِّث أخاك حديثاً هو لك به مُصدِّق، وأنت له به كاذب)). وقد جاء القرآن بآيات كثيرة تفْضح مَن يزعم الإصلاح وهو يُضمر ويُخطِّط لإفساد المجتمع. وتمزِّق الآياتُ الأردية والأقنعة التي يختفون وراءها. وحديث القرآن الكريم عن هؤلاء في أكثر من موضع: إعجازٌ له، وإشارة إلى أنّ أفاعي العقول والفكر والنفاق لن تخلُوَ منهم المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان إلى يوم الدين. ومما جاء في ذلك: قوله تعالى في أول سورة (البقرة) التي تتصدّر

стр. 35

المصحف الشريف بعد سورة (الفاتحة): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. فهل هناك تصوير لآفات الفكر وجراثيم الثقافة من المنافقين والعملاء، أوضحُ بياناً، وأدقُ تفصيلاً، وأوجز كلاماً، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديْه ولا من خلْفه، تنزيل من حكيم حميد؟ إنّ وجود هؤلاء على ساحة السياسة والفكر والثقافة، وتجميلهم أمام المجتمعات بأنهم رواد النهضة وزعماء الإصلاح، يوجب على العلماء والدّعاة والغيارى على هذا الدِّين: أن يَنفِروا لِصَدّ تلك الهجمة الشّرسة على الإسلام والمسلمين، وأن يكون الصّدق هو لسان أقوالهم وأفعالهم، يكشفون الحقائق بلا وجَل، ويُحقُّون الحقّ ويُزهقون الباطل بلا تردّد، ويُظهرون شرع الله للأمّة في كلّ المجالات كظهور الشمس في رائعة النهار. وحيثما يتّضح للناس صدْقُ العلماء والدّعاة، ولا يستشعرون من كلامهم رائحة نفاق أو رياء، وأنّهم يقصدون بدعْوتهم وجْه الله ، فإن الأمّة ستلتفّ حولهم، وتُنصت لكلامهم؛ وحينذاك

стр. 36

سيسقط مُدّعو الفكر السقيم، دعاة العلمانية والإلحاد، كأوراق الخريف الجافّة التي يُطوِّح بها الهواء، وتدوسها الأقدام، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾. مراتب الصِّدق إن لفضيلة الصّدق درجات ومراتب عدّة، كلّها تتضافر وتتعاون على إظهار الحقيقة ساطعة، وعلى إعلان الحق واضحاً، ومَن اتّصف بهذه المراتب كلها فهو: "صِدِّيق"، وهي صيغة مبالغة لكلمة "صَديق". وهي تطلق على الصّديق المُخلص غاية الإخلاص، شديد الحب والوفاء لِمن يُصادقه. ولقد اتّصف بها الأنبياء والمرسلون جميعاً، وقد ذكر القرآن الكريم منهم: إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾، ويوسف ﵇ حينما وصَفَه الملِك، قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾. وتحدّث القرآن عن إدريس، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾. ووصف الله مريم ﵍ في قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾. وتشرّف بهذا اللقب أتباع الأنبياء والمرسلين الذين كانوا صادقين مصدِّقين لهم، وكذلك الشهداء في سبيل الله الذي صدَقت نيّتهم لله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقد نال هذا اللقب من صحابة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لإخلاصه في الصّدق لرسول الله ﷺ .

стр. 37

وقد ضمّ القرآن الكريم من يطيع الله ورسوله مع صفوة الخلْق وخيرة البشر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾. هؤلاء الذين ذكَرهم القرآن الكريم، وأثنى الله عليهم الثناء الحسن الجميل، وأجزل لهم العطاء الكثير، لم يصِلوا إلى هذه المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، إلاّ بعد أن تحقّقت فيهم مراتب الصِّدق التالية: المرتبة الأولى: صِدْق النِّيّة والإخلاص فيها: "النِّيّة" لغة: القصْد، يقال: نوى الشيء يَنْويه نِيّة: قَصَده؛ فالنِّيّة هي: الوجه الذي يُذهب فيه. وهي أصل عظيم من أصول الإسلام، وعلى مدار صدْقها والإخلاص فيها يكون الثواب والعقاب. وهي أمرٌ مستورٌ خفيّ لا يعلَمه إلاّ الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

стр. 38

هذه الآيات وغيرها تؤكِّد في وضوح وجلاء على: أنّ الله -جلّتْ قدرته- يعْلَم حقيقة الإنسان، ويطّلع على ما توسوس به نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. فصِحّة الأعمال وقبولُها أو عدم قبولِها مُتوقِّف على صدْق النّية والإخلاص فيها، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وعن تعلّق الأعمال وصدْق التّوجّه بالنّية، روي عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لِكلّ امرئٍ ما نوى. فمن كانت هجْرته إلى الله ورسولِه، فهجْرتُه إلى الله ورسوله. ومَن كانت هجْرتُه لِدنْيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها، فهجْرتُه إلى ما هاجر إليه))، متفق عليه. فالأعمال تتحدّد قيمتُها بقيمة النِّيّات الباعثة عليها، أمّا مظاهر الأعمال المادِّيّة، فلا قيمة لها دون صدْق النّية. وقد وضّح المرحوم الشيخ عبد الرحمن الميداني في كتابه القيِّم "الأخلاق" ما يتعلّق بالنية الباعثة على الأعمال"، واستخلص النتائج التالية: ١ - إنّ الأعمال لا يُنظر إليها عند الله إلاّ من خِلال النِّيّات الباعثة عليها، وبِحَسب النّية يجري الحساب والجزاء على الأعمال عند الله ﵎. ٢ - إذا كانت النّياتُ مُخالفةً لظواهر الأعمال، أُلغِيَت الأعمال، وجرى الحساب والجزاء على النِّيّات فقط، كأعمال المنافقين والمُرائين.

стр. 39

٣ - إذا وُجِدت النِّيات الجازمات، ولم يقف دون تنفيذ الأعمال إلاّ عقبات أو أعذارٌ خارجة عن إرادة الإنسان، فإنّ مناط المسؤولية حينئذٍ هو النّيات وحْدها، ويجري الحساب عليها كما لو تمّ تنفيذ الأعمال التي تقتضيها. والدليل على ذلك: ما رواه الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مَرِض العبْد أو سافَر، كُتب له بمِثْل ما كان يعمل مُقيماً صحيحاً)). وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنّا مع النبي ﷺ في غزاة، فقال: ((وإنّ بالمدينة لَرجالاً ما سِرْتُم مسيراً ولا قطعْتُم وادياً إلاّ كانوا معكم، حَبَسَهم المرض))، وفي رواية ((إلاّ شركوكم في الأجْر)). ٤ - إذا وُجدت النّيات الجازمات، ولكن لم يتمّ التنفيذ للأعمال التي تقتضيها بسبب يرجع إلى الإنسان نفسه، فإن سيّئاتها لا تُكتب عليه، ويتجاوز الله عنها. فإذا كان ذلك خوفاً من الله وابتغاء مرضاته، فإن الله يكتب له بذلك حسنة. وأمّا حسناتها فتُكتب له في صحيفة على مقدارها دون مضاعفة بخلاف ما لو فعَلها؛ فإنها تُضاعف له أضعافاً، فضلاً من الله وكرَماً. ٥ - الخواطر والوساوس معفوٌ عنها، ولا تدخل في حدود العمل المراد ما لم تصِلْ إلى مستوى النّيّة المقترنة بالإرادة الجازمة. ولكن قد يُثاب الإنسان على خواطر الخير إذا كانت ثمرة توجّهه وإرادته؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمّتي ما وسوسَتْ به صدورُها، ما لم تَعملْ به أو تَتَكلّم))، رواه الشيخان. ٦ - الهمّ بالعمل إذا كان هماً بفعْل حسَنة فالله يُثيب عليه من غير مضاعفة، إذا لم يتمّ تنفيذه، ومع المضاعفة الكثيرة إذا تمّ تنفيذه. وإذا كان هم

стр. 40

اً بفعْل سيِّئةٍ فلَه حُكم الوساوس والخواطر المعفوّ عنها؛ فإن الله يتجاوز عنه ولا يُسجِّله على صاحبه، فضلاً وكرماً. والدليل على ذلك: ما روى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله-، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله تعالى: إذا همّ عبْدي بحسَنة ولم يعملْها، كتبْتُها له حسَنة؛ فإنْ عمِلها، كتبتُها له عشْرَ حسَنات إلى سبعمائة ضِعف. وإذا همّ بسيِّئة فلم يعملْها، لم أكتب عليه؛ فإنْ عمِلها كتبْتُها سيِّئةً واحدة)). وهكذا يبدو من تلك النصوص مدى الأهمِّيّة المترتِّبة على صدْق الّنية؛ إذ إن العمل الإنساني قبل أن يبرز إلى الوجود ويدخل حيّز التنفيذ يَمرّ بالمراحل التالية: ١ - توجّه النفس إلى العمل خيراً أو شراً. ٢ - الرغبة في القيام به. ٣ - الهمّ بالتنفيذ والتخطيط له. ٤ - الإرادة الجازمة التي تدفع إلى التنفيذ. ٥ - العقل الذي يقوم بالإعداد إلى كيفيّة التنفيذ والإعداد له. ٦ - العزم والذي من خلاله يُقدم الإنسان على ما عزم عليه خيراً أو شراً. هذه الخطوات وتسلْسُلها وتتابعها على النحو المذكور، جاءت في قصة يوسف ﵇ مع امرأة العزيز. وقد أشار إلى مراحل النّية ووجوب الصّدق فيها: الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٤/ ٤١٠)، حيث قال عن مراحل النِّيّة: الصّدق في النّية، ثم الإرادة، ثم الصّدق في العزم، ثم الصّدق في الوفاء بالعزم.
следующие страницы →