Полный текст (292 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سيسقط مُدّعو الفكر السقيم، دعاة العلمانية والإلحاد، كأوراق الخريف الجافّة التي يُطوِّح بها الهواء، وتدوسها الأقدام، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾.
مراتب الصِّدق
إن لفضيلة الصّدق درجات ومراتب عدّة، كلّها تتضافر وتتعاون على إظهار الحقيقة ساطعة، وعلى إعلان الحق واضحاً، ومَن اتّصف بهذه المراتب كلها فهو: "صِدِّيق"، وهي صيغة مبالغة لكلمة "صَديق". وهي تطلق على الصّديق المُخلص غاية الإخلاص، شديد الحب والوفاء لِمن يُصادقه.
ولقد اتّصف بها الأنبياء والمرسلون جميعاً، وقد ذكر القرآن الكريم منهم: إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾، ويوسف ﵇ حينما وصَفَه الملِك، قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾.
وتحدّث القرآن عن إدريس، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾.
ووصف الله مريم ﵍ في قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾.
وتشرّف بهذا اللقب أتباع الأنبياء والمرسلين الذين كانوا صادقين مصدِّقين لهم، وكذلك الشهداء في سبيل الله الذي صدَقت نيّتهم لله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقد نال هذا اللقب من صحابة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لإخلاصه في الصّدق لرسول الله ﷺ .
стр. 37
وقد ضمّ القرآن الكريم من يطيع الله ورسوله مع صفوة الخلْق وخيرة البشر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾.
هؤلاء الذين ذكَرهم القرآن الكريم، وأثنى الله عليهم الثناء الحسن الجميل، وأجزل لهم العطاء الكثير، لم يصِلوا إلى هذه المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، إلاّ بعد أن تحقّقت فيهم مراتب الصِّدق التالية:
المرتبة الأولى: صِدْق النِّيّة والإخلاص فيها:
"النِّيّة" لغة: القصْد، يقال: نوى الشيء يَنْويه نِيّة: قَصَده؛ فالنِّيّة هي: الوجه الذي يُذهب فيه.
وهي أصل عظيم من أصول الإسلام، وعلى مدار صدْقها والإخلاص فيها يكون الثواب والعقاب.
وهي أمرٌ مستورٌ خفيّ لا يعلَمه إلاّ الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
стр. 38
هذه الآيات وغيرها تؤكِّد في وضوح وجلاء على: أنّ الله -جلّتْ قدرته- يعْلَم حقيقة الإنسان، ويطّلع على ما توسوس به نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
فصِحّة الأعمال وقبولُها أو عدم قبولِها مُتوقِّف على صدْق النّية والإخلاص فيها، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
وعن تعلّق الأعمال وصدْق التّوجّه بالنّية، روي عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لِكلّ امرئٍ ما نوى. فمن كانت هجْرته إلى الله ورسولِه، فهجْرتُه إلى الله ورسوله. ومَن كانت هجْرتُه لِدنْيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها، فهجْرتُه إلى ما هاجر إليه))، متفق عليه.
فالأعمال تتحدّد قيمتُها بقيمة النِّيّات الباعثة عليها، أمّا مظاهر الأعمال المادِّيّة، فلا قيمة لها دون صدْق النّية.
وقد وضّح المرحوم الشيخ عبد الرحمن الميداني في كتابه القيِّم "الأخلاق" ما يتعلّق بالنية الباعثة على الأعمال"، واستخلص النتائج التالية:
١ - إنّ الأعمال لا يُنظر إليها عند الله إلاّ من خِلال النِّيّات الباعثة عليها، وبِحَسب النّية يجري الحساب والجزاء على الأعمال عند الله ﵎.
٢ - إذا كانت النّياتُ مُخالفةً لظواهر الأعمال، أُلغِيَت الأعمال، وجرى الحساب والجزاء على النِّيّات فقط، كأعمال المنافقين والمُرائين.
стр. 39
٣ - إذا وُجِدت النِّيات الجازمات، ولم يقف دون تنفيذ الأعمال إلاّ عقبات أو أعذارٌ خارجة عن إرادة الإنسان، فإنّ مناط المسؤولية حينئذٍ هو النّيات وحْدها، ويجري الحساب عليها كما لو تمّ تنفيذ الأعمال التي تقتضيها. والدليل على ذلك: ما رواه الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مَرِض العبْد أو سافَر، كُتب له بمِثْل ما كان يعمل مُقيماً صحيحاً)).
وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنّا مع النبي ﷺ في غزاة، فقال: ((وإنّ بالمدينة لَرجالاً ما سِرْتُم مسيراً ولا قطعْتُم وادياً إلاّ كانوا معكم، حَبَسَهم المرض))، وفي رواية ((إلاّ شركوكم في الأجْر)).
٤ - إذا وُجدت النّيات الجازمات، ولكن لم يتمّ التنفيذ للأعمال التي تقتضيها بسبب يرجع إلى الإنسان نفسه، فإن سيّئاتها لا تُكتب عليه، ويتجاوز الله عنها. فإذا كان ذلك خوفاً من الله وابتغاء مرضاته، فإن الله يكتب له بذلك حسنة. وأمّا حسناتها فتُكتب له في صحيفة على مقدارها دون مضاعفة بخلاف ما لو فعَلها؛ فإنها تُضاعف له أضعافاً، فضلاً من الله وكرَماً.
٥ - الخواطر والوساوس معفوٌ عنها، ولا تدخل في حدود العمل المراد ما لم تصِلْ إلى مستوى النّيّة المقترنة بالإرادة الجازمة. ولكن قد يُثاب الإنسان على خواطر الخير إذا كانت ثمرة توجّهه وإرادته؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمّتي ما وسوسَتْ به صدورُها، ما لم تَعملْ به أو تَتَكلّم))، رواه الشيخان.
٦ - الهمّ بالعمل إذا كان هماً بفعْل حسَنة فالله يُثيب عليه من غير مضاعفة، إذا لم يتمّ تنفيذه، ومع المضاعفة الكثيرة إذا تمّ تنفيذه. وإذا كان هم
стр. 40
اً بفعْل سيِّئةٍ فلَه حُكم الوساوس والخواطر المعفوّ عنها؛ فإن الله يتجاوز عنه ولا يُسجِّله على صاحبه، فضلاً وكرماً. والدليل على ذلك: ما روى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله-، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله تعالى: إذا همّ عبْدي بحسَنة ولم يعملْها، كتبْتُها له حسَنة؛ فإنْ عمِلها، كتبتُها له عشْرَ حسَنات إلى سبعمائة ضِعف. وإذا همّ بسيِّئة فلم يعملْها، لم أكتب عليه؛ فإنْ عمِلها كتبْتُها سيِّئةً واحدة)).
وهكذا يبدو من تلك النصوص مدى الأهمِّيّة المترتِّبة على صدْق الّنية؛ إذ إن العمل الإنساني قبل أن يبرز إلى الوجود ويدخل حيّز التنفيذ يَمرّ بالمراحل التالية:
١ - توجّه النفس إلى العمل خيراً أو شراً.
٢ - الرغبة في القيام به.
٣ - الهمّ بالتنفيذ والتخطيط له.
٤ - الإرادة الجازمة التي تدفع إلى التنفيذ.
٥ - العقل الذي يقوم بالإعداد إلى كيفيّة التنفيذ والإعداد له.
٦ - العزم والذي من خلاله يُقدم الإنسان على ما عزم عليه خيراً أو شراً.
هذه الخطوات وتسلْسُلها وتتابعها على النحو المذكور، جاءت في قصة يوسف ﵇ مع امرأة العزيز.
وقد أشار إلى مراحل النّية ووجوب الصّدق فيها: الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٤/ ٤١٠)، حيث قال عن مراحل النِّيّة:
الصّدق في النّية، ثم الإرادة، ثم الصّدق في العزم، ثم الصّدق في الوفاء بالعزم.
стр. 41
المرتبة الثانية: صدْق اللّسان:
إنّ نعمة البيان من أعظم النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
فاللّسان هو المعبِّر عمّا يجيش به الفؤاد، والنّاطق بما يجول في القلب والفكر والوجدان. وبمَنطِقِه يتمّ التفاهم بين بني الإنسان، والتعارفُ بين الأمم والأوطان. وهو أداة لنقل العلوم والمعارف. وهو أساس البلاغة ومن أمارات الفصاحة، به تُستمال القلوب، وتنقاد الأمم والشعوب. وهو وسيلة الرّسُل في الدّعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فموسى ﵇ حينما أمَره الله بالذهاب إلى فرعون، دعا الله سبحانه أن يفكّ عقدة لسانه، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
وقد طلَب الاستعانة بأخيه هارون، لفصاحة لِسانه وملَكة بيانِه، قال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
والقرآن الكريم تنزّل على خاتم المرسلين محمد ﷺ بلسان عربيّ مُبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
فطلاقة اللّسان بالصّدق، وحُسْن المنطق بالحق، وسلامة التعبير بإظهار الحقيقة، هي دعائم الدّاعي إلى الله؛ فإنّ التأثير في جمهور المسلمين، واستمالتهم
стр. 42
وإقناعهم واحتواءهم، لن يبلغ أثَره في القلوب والنفوس مهما أوتي الإنسان من البلاغة وتصنّع تزويق الكلام وتحسينه، إلا إذا ارتبط بقول الحق ونُطْق الحقّ.
وحينما يتوافق صِدْق النّية مع صدْق اللسان، وتتّحد مشاعر القلب وأفكار العقل مع طلاقة اللسان، ببيان أحكام الشرع وآدابه، وبيان الأشياء على حقيقتها، وتقديم النّصح دون خوف أو وجل، وإبداء الشجاعة في الحديث دون مجاملة على حساب الدِّين، وبلا مُزايدة على مصالح الأمّة، ومن غير نفاق ينال الدّاعي به رضى بشَر، ولا رياء يَنفُذ مِن خلاله لمَنصب أو جاه، فإنّ القلوب تطمئنّ لِحديثه، والنفوس تنشرح بكلامه، والأفئدة والعقول تنقاد لتوجيهه وإرشاده.
ولأهمِّيّة صدْق اللسان، كان دعاء إبراهيم ﵇، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾.
ولقد استجاب الله دعاءه، بعد صِدق القول في النصيحة لأبيه وقومه، وأعلن اعتزاله لهم، وبُعدهِ عن مواطن أصنامهم، فوهبه الله أبناء وأحفاداً أصحاب ألْسنةٍ صادقة، قال تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾.
وقد وصف الله القرآن الكريم أنه كتاب صدْق بلسان عربيّ، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
وقد أفصح القرآن الكريم عن خطورة ما يقوم به أهل الكتاب بالكذب على الله، وتحريف الكلِم عن مواضعه، لتحريم حلال أو تحليل حرام، مُمالأة لِحاكم أو
стр. 43
طمعاً في متاع الدّنيا من مالٍ وجاه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
ويلحق بهؤلاء نفَر من بعض أبناء المسلمين الذين يتطوّعون لإصدار الفتاوى التي تتناقض وأصول العقيدة، وتتعارض مع ثوابت الشريعة، ويلتقطون الأدلّة الواهية والآراء الضعيفة التي تساند ما يدعون إليه من إفْك وبهتان، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وإنّ أخطر شيء على الأمّة: أن يستشرى الكذبُ وينتشر النفاق فيها، وأن يكون هناك انفصامٌ وانفصالٌ بين ما يُكنّه القلب وما تُضمره النفس، وبين ما تلوي به الألسنة من كذب، وما تلوكه الأفواه من كلام عارٍ عن الصّدق بعيد عن الحقيقة؛ قال تعالى كاشفاً طوايا نفوس المتخلِّفين عن الجهاد بلا عذر: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾.
ولأهمّية صدْق اللسان، والتحذير من التّحدّث بالكذب، تتابعت أحاديث الرسول ﷺ تُحذِّر من فلتات اللسان، وتُنذر من خطورته على الدِّين والفرد والمجتمع، وتوجب على كلّ إنسانٍ أن يصون لسانه عن جميع الكلام إلاّ ما كان فيه المصلحة.
يقول الإمام النووي ﵀: "ومتى استوى الكلام وتَرْكه في المصلحة، فالسُّنّة الإمساك عنه، لأنه قد ينجرُّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة بين الناس. والسلامة لا يَعْدلها شيء".
стр. 44
ومن الأحاديث التي تُلزم اللّسان بالصّدق، وتكفّه عن التّحدّث بغير حق: ما يلي:
١ - فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخِر، فلْيقُلْ خيراً أو لِيَصْمتْ!))، متفق عليه.
٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: يا رسول الله، أيُّ المسلمين أفضل؟ قال: ((مَن سلِم المسلمون مِن لَسانه ويدِه))، متفق عليه.
٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ العبْدَ لَيتكلّم بالكلمة مِن رضوان الله ما يُلقي لها بالاً، يرفعُه الله بها درجات. وإنّ العبْد لَيتكلّم بالكلمة مِن سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالاً، يَهوي بها في جهنّم))، متفق عليه.
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أصبح ابن آدم، فإنّ الأعضاء كلّها تُكفّر اللِّسان تقول: اتّقِ الله فينا! فإنما نحن بك؛ فإن استقمْتَ استقمْنا، وإن اعوجَجْت اعوجَجْنا))، رواه الترمذي.
ومعنى تكفِّر اللسان: أي تذلّ وتخضع له.
والأحاديث في الأمر بصدْق اللّسان والنّهي عن الكذب كثيرة، فلْيُرْجَع إليها. وللإمام أبي حامد في كتابه "الإحياء" كلام طيّب ومفيد عن آفات اللسان، فليُرجَع إليه.
ممّا سبق، يتبيّن لنا في هذه المحاضرة أهمّيّة صدْق الحديث وقول الحقّ في ميدان الدّعوة إلى الله، وأنه يجب على الدّاعية:
أن يتحلّى بفضيلة الصِّدْق،
وأن يتّصف بالشجاعة في إعلان الحقّ، وأن يتسلح بالإيمان بالله والتّوكّل والاعتماد عليه في منازلة الباطل وحزبه، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾،
стр. 45
وأن ينأى الدّعاة عن بيع دينِهم بثمن بخْس، ولو بالدنيا بأسرها، ولا يلبسون الحقّ بالباطل، لهوىً في النفس، ومرض في القلب، أو طمَع فيما بأيدي الحكام، ولا يكتمونه خوفاً وجبناً، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقد ذكَر القرآن الكريم أنّ جناحَيْ دعوةِ الرسول ﷺ يقومان على الحقّ والصِّدْق، قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وإذا ما أراد الدّعاة أن تلين لهم القلوب، وتُنصت لهم الأسماع، أن يتخلّقوا بخُلُق النّطق بالحق، والتّحدّث بالصِّدق.
هذا، وبالله التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - تعريف مفهوم الثقافة ومكوِّناتها
تحديد مفهوم الثقافة والتعريف بها
الحمد لله، يؤتي الحكمة من يشاء، ومَن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، علَّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعْلم. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرّسُل، الذي آتاه الله الحِكمة وفصْل الخطاب، وعلى آله وأصحابه الذين تزوّدوا بالتقوى والعلْم ففَتَح الله بهم البلاد والعباد. أمّا بعد:
تعريف كلمة "ثقافة" في اللغة:
جاء في "القاموس المحيط" (٣/ ١٦٢)، حرف الفاء:
"الثقافة": مصدر ثَقُفَ -بالضم- ككَرُم، وثَقِفَ كَفَرِحَ، ثَقْفاً، وثَقَفاً، وثقافةً: صار حاذقاً فطِناً، فهو ثِقْفٌ. وامرأةٌ ثَقَافٌ: فَطِنةٌ.
وتُستعمل هذه الكلمة كذلك في معنى: الظفر والغلبة، والأخْذ في قوّة، وفي معنى: المصادفة، والإدراك، والتّسوية، والتقويم، والإصلاح، وفي معنى: الوجود.
وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم بما يتضمّن هذه المعاني؛ ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، أي: ظفَرتم بهم.
стр. 46
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي أدركتموهم عند القتال.
وقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾، أي: وُجدوا.
وقوله سبحانه: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾، أي: قدروا عليكم.
هذا هو المفهوم اللّغوي لكلمة "ثقافة".
والمفهوم المعاصر للثّقافة لا يخرج عن المفهوم اللّغوي.
تعريف "الثقافة" في الاصطلاح:
"الثقافة": مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للإشارة إلى طريقة الحياة الكلِّيّة لشعب من الشعوب. وقد تشير كلمة "ثقافة" في المحادثات اليومية إلى ضروب النشاط في مختلف الميادين. ويرى علماء الاجتماع أنّ ثقافة شَعْب من الشعوب تشتمل على: كلِّ ما صَنعه وابتدعه من الأفكار والأشياء، وطرائق العمل فيما يصنعه ويوجده.
فالثقافة تشتمل على المعتقدات، والأعراف، والتقاليد، واللغة، والاختراعات، والآداب، والفنون ...
والثقافة ليست فِطريّة في الإنسان، ولا موروثة؛ وإنما يكتسبها بالتّعلّم والتزود بأنواع المعارف، والممارسة والمحاكاة، والتجارب والأسفار.
خصائص الثّقافة
١ - الثقافة اكتساب إنسانيّ يتمّ من خلال عملية تسمى: "التنشئة الثقافية".
стр. 47
٢ - الشخص يكتسب الثقافة باعتباره عضواً في المجتمع؛ فالحياة الاجتماعية تصبح مستحيلة دون وجود التّفاهم والممارسات المتبادَلة التي يشترك فيها الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهَ أَتْقَاكُمْ﴾.
٣ - إن الثقافة كلٌّ مُعقّد، تتمثّل وحداته فيما يُسمَّى: بـ"الملامح والسِّمات الثقافية"، وتسمَّى المجموعات الثقافية المتقاربة: "النمط الثقافي".
ويستخدم علماء الاجتماع أحياناً مصطلح "الثقافة الفرعية" إلى مجموعة السّمات الثقافية التي توجد في جماعة واحدة، كثقافة الدّعاة إلى الله، وثقافة الأطباء، وغيرهم ...
التّعدّديّة الثقافية:
تختلف المجتمعات عن بعضها البعض في مدى انفتاحها على ثقافة غيرها أو انغلاقها على ثقافة نفسها. وقد كان الانغلاق ممكناً قبل تقدّم وسائل الاتصالات والمواصلات، وتطوّر وسائل الإعلام تطوراً مذهلاً، حيث انتهى تقوقع الثقافات وانعزالها، وأصبحت كلّ أمّة تخشى على ثقافتها من الغزو الثقافي الخارجي.
ويشهد العالَم الإسلاميّ غزواً ثقافياً واسعاً، وحِصاراً فكرياً مُدمِّراً، حيث سماؤه وأرضه مفتوحتان على مصاريعهما للثقافة الغربية، التي لا يمكن أن تتلاءم أو تتجانس أو تتعايش مع الثقافة الإسلامية، التي تقوم على وحي السماء ورسالات الأنبياء، وسلوك الأتقياء. ولذلك فإنّ أخطر ما تواجهه الثقافة الإسلامية: الدّعوة إلى حوار الأديان ولقاء الثقافات.
وليس معنى هذا: انغلاق الثقافة الإسلامية، ووصْد الأبواب في وجه الثقافات الوافدة والغازية؛ فهذا أمرٌ لم يَعُدْ ممكناً، ومنْعه أصبح مستحيلاً. فالأقمار
стр. 48
الصناعية تملأ الفضاء، والقنوات الإعلامية تُغطّي السماء والأرض، وتصل بالثقافات الغربيّة إلى مَخادع الأُسَر.
ولكنّ المراد: أن تكون هناك غربلةٌ للثقافة الواردة، فيُقبل منها ما يتلاءم مع ثوابت الإسلام وخصائصه، ويتوافق مع الأعراف والتقاليد الإسلامية. فثقافة العلوم والمخترَعات والتقنيات الحديثة واجب على المسلمين شرعاً: أن ينتفعوا بها، ويتعلّموها ويتثقّفوا بها، وكذلك سائر الصناعات الحديثة وكل وسائل التكنولوجيا المتقدِّمة.
أما ثقافة الإلحاد والانحلال، وثقافة الأدب الهابط والفنّ المبتذل، وثقافة الإغراق في المادِّيّات والشهوات، فهي ممنوعة يجب أن توصد في وجْهها الأبواب، ويُرْكل دُعاتُها بالأقدام، لأن هذه ثقافة إشاعة الفاحشة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
الفرْق بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربيّة:
١ - تختلف جذور الثقافة الإسلامية في أصل نشأتها وتطوّرها عن الثقافات الأخرى، ولا سيما الغربية منها.
فالثقافة الإسلامية تُمثّل ثقافة الفطرة الإنسانية التي خلَق الله الخلْق عليها؛ فهي ثقافة تصون وتحفظ ضروريّات الإنسان الخمْس: الدِّين، النّفس، العقل، النّسل، المال.
فشرائع الإسلام ونُظمه، ونصوصه المقدّسة من الكتاب والسُّنّة، وفكْر سلف الأئمة، يكوِّن الوعاء الثقافيّ لفكْر الأمّة وسلوكها نحو المحافظة على هذه الضروريات الخمْس.
стр. 49
٢ - الثقافة الإسلامية ثقافة إنسانية ترتبط بالإنسان منذ أن خلَق الله آدم ﵇، وعبْر مسيرة التاريخ الذي شهد كوكبة من الأنبياء والمرسلين، دعَوْا جميعاً إلى الإسلام، وبيّنوا للإنسانية عظَمة الخالق سبحانه، ودلائلَ قدرته، وبالغ حِكمته. وكلّما انحرف العقل الإنساني وابتعد عن تلك الثقافة الإيمانية، أرسل الله نبياً أو رسولاً على فترات متقاربة أو متباعدة، لتصحيح الفكر، ونتقية ثقافة الأمم وعاداتها وتقاليدها من الشوائب. وظلّ الأمر على هذا النهج، حتى خُتمت النبوات والرسالات بخاتَم الأنبياء: سيدنا محمد ﷺ .
٣ - الثقافة الإسلامية في جذورها ونشأتها تكوّنتْ على وحي السماء من خلال آيات القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلْفه، تنزيل من حكيم حميد.
وكذلك تشكّلت معالِمُها وتحدّدت ملامحها بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، ممّا جعَلها فكراً وثقافة ينشدان الكمال الإنساني في أسمى صُوَره. ولقد كان اختيار مكة بالذّات مهبطاً للوحي، ثم المدينة عاصمة للدولة الإسلامية، وهما يبعدان كلّ البعد عن الحواضر الكبرى المعاصرة في فارس والروم، ممّا يوحي بالاستقلال التام للثقافة الإسلامية، وأنها تصوغ عقل الأمّة وفكْرَها وثقافتها صياغة مستقلةً عن الحضارات والثقافات الأخرى. وقد نزل القرآن الكريم بالقول الفصل في استقلال الإسلام بكلّ مقوّماته العقائدية والتشريعية والثقافية عن الآخَرين، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
وفي تكرار نفي عدَم العبادة بالمفهوم اللّغوي، وهو عدم الطاعة والخضوع، ممّا يوحي بعدم قبول كلّ فريق بعقيدة الآخَر وثقافته.
стр. 50
ثانياً: جذور الثقافة الأوربية ونشأتها:
الحضارة الأوربية الحديثة بِمكوِّناتها الحضارية والثقافية، ترجع إلى جذور الحضارة اليونانية والرومانية القديمة، مع بقايا النصرانية التي لا تَمُتّ بصِلة إلى الدّين الحقّ المنزَل على عيسى ﵇، وإنما ترجع إلى تعاليم بولس الرسول. ولكي نقف على جذور ومعالم الحضارة الغربية الحديثة ومكوّناتها الثقافية وأخلاقها الاجتماعية، نُلقي نظرة موجزة على تلك الحضارتيْن:
أولاً: الحضارة اليونانية القديمة:
تُعتبر بلاد اليونان مهْد الحضارة الأوربية القديمة وشرياناً رئيسياً لنهضتها المادية المعاصرة. ولقد اتّسعت تلك الحضارات وامتدّت ثقافتُها لتشمل المستعمرات اليونانية في أوروبا، ومصر، وفلسطين، وسوريا، وآسيا الصغرى وسواحلها. ومِن أشهر المُدن التي كانت مَنبع الحضارة اليونانية القديمة:
١ - مدينة أسبرطة:
والتي برز دورها منذ القرن التاسع قبل الميلاد، حينما وُضع دستور يحدّد العلاقة بين أفراد المدينة، كما وُضعت القوانين التي تنظِّم المجتمع الأسبرطي، وتجعله مجتمعاً عسكرياً. ثم ما لبث أن دبّ الخلاف بين أسبرطة وأثينا، فانتصرت عليها وورثت حضارتها.
٢ - مدينة أثينا:
وهي المدينة اليونانية الثانية التي ورثت مجْد أسبرطة، وانتصرت على الفرس عام (٤٩١ ق. م). وقد تشكّلت ثقافتها على أيدي فلاسفة اليونان كسقراط،
стр. 51
وأرسطو، وأفلاطون. ثم ما لبثت أن نشبت الحرب بينها وبين أسبرطة، فأضعفت كلّ منهما الأخرى. وقد قامت على أنقاضهما دولة مقدونيا بقيادة الملك فيليب المقدوني، الذي استطاع توحيد بلاد اليونان عام (٣٥٧ ق. م)، ثم خلفه ابنه الإسكندر المقدوني عام (٣٣٦ ق. م).
وقد نجح في إنشاء إمبراطورية واسعة الأرجاء، شملت أوروبا وبلاد الشرق. وأجهز على الإمبراطورية الفارسية واحتلّ عاصمتها، ثم فتح آسيا الصغرى، والعراق، والشام، ومصر، وشمال إفريقيا.
وبموته عام (٣٣٢ ق. م) تمزّقت إمبراطوريته، وقامت على أنقاضها الإمبراطورية الرّومانية.
عقيدة اليونان وثقافتهم:
كانت اليونان أمةً وثنية تُقدّس الطبيعة وتعدِّد الآلهة. جاء في كتاب "قصة الحضارة" ول يورانت (٢/ ٣١٩): فقد كان لكل أسرة في أيام اليونان القديمة إلهها الخاص، توقد له في البيت النار التي لا تنطفئ أبداً، وتًقرب له القربان من الطعام والخمر. وكانت هناك آلهة متعددة بعدد أيام السنة. وكذلك كان لكل جماعة، بطناً أو عش] رة أو قبيلة إلهها الخاص بها. فهناك آلهة السماء، وآلهة الخصب، وآلهة الأسلاف، والأبطال، والآلهة الأولمبية.
أخلاق اليونانيِّين:
كانت أثنيا تعترف بالبغاء رسمياً، وتفرض ضريبة على البغايا، وأصبح العُهر في أثينا كما أصبح في مدن اليونان مهنة كثير من الرواد. وكان في وسع الرجل أن يتخذ له فضلاً عن زوجته، خليلة يعاشرها معاشرة الأزواج. يقول أحد فلاسفتهم: "
стр. 52
إننا نتّخذ العاهرات للّذة، والخليلات لصحّة أجسامنا اليومية، والزوجات لِيَلِدْن لنا الأبناء الشرعيِّين ويعتنين ببيوتنا".
وكانوا يرون عقم الزوجة كافياً لطلاقها. أمّا إذا كان الرجل عقيماً، فقد كان القانون والرأي العام يُجيزان أن يستعين الزوج بأحد أقربائه، وكان الطفل الذي كان يولد نتيجة هذا الاتصال يُنسب للزّوج نفسه. هذا، بجانب الشذوذ الجنسي، فلقد كانت علاقة الرجل بالغلام، أو الغلام بالغلام في بلادنا اليونان، تمثّل جميع مظاهر الغرام الروائي.
فإذا تكلّم أفلاطون عن الحب الإنساني، فإنما يتكلّم عن الحب الجنسي بين الذّكران. ويتفق المتجادلون في محاوراته على نقطة واحدة: أن حب الرجل للرجل أنبل وأكثر روحانية من حب الرجل للمرأة.
أما عن مسلكهم في الحروب، فيتّسم بالقسوة والفظاعة؛ فلقد كان من الأمور المألوفة حتى في الحروب الأهلية: أن تُنهب المدن المفتوحة، وأن يقتل جميع الجرحى، وأن يذبح جميع الأسرى، ومن يُقبض عليه من غير المحاربين أن يتخذوا عبيداً إذا لم يفتدوا، وأن تُحرق البيوت وتقلع أشجار الفاكهة والمحصولات الزراعية، وأن تباد الحيوانات وتُتلف البذور لكيلا تزرع.
هذه الصورة من الانحراف الخُلُقي والسلوك الشهواني والطبيعة العدوانية هي التي تشكل الثقافة الأوروبية المعاصرة.
الحضارة العلْمية اليونانية:
بجانب هذه الأحوال الجاهلية في العقائد والعبادات، فإن التاريخ الإنساني قد وعى وحفظ أسماء بعض المفكّرين اليونانيين الذي كان لهم دور بارز في مضمار
стр. 53
الفكر، وميادين المعرفة في الفلسفة والمنطق، والرياضيات والطب والفلَك. وكان رواد هذا الفكر:
١ - سقراط المولود عام (٤٧٦ ق. م).
٢ - أفلاطون المولود عام (٤٢٧ ق. م).
٣ - أرسطو طاليس المولود (٣٨٥ ق. م).
٤ - الطبيب أبقراط المولود عام (٤٣٠ ق. م).
آثار الفكر اليوناني على الحضارة والثقافة الأوربية:
انتقلت وثنية اليونان إلى النصرانية المحرّفة وأصبحت جزءاً من عقيدتها، ومن ذلك:
- العقيدة القائلة بموت الابن المقدَّس لتخليص الجنس البشري، ثم بعثه من الموت -بزعمهم-.
- ومن الطقوس اليونانية: المراكب الدِّينية، وحفلات التطهير، والتضحية المقدّسة، والطعام العام المقدس.
ويذكر ول يورانت: أن ما عليه أوروبا الآن من مذاهب فكرية ترجع روافدها الأولى إلى الفكر اليوناني، حيث تتزاحم الأفكار والمذاهب. فنجد التثليث، ووحدة الوجود، والشرك، والشيوعية، والحركة النسائية، والبحث عن التحليل لكانت، واليأس لشوبنهور، والعودة للحياة البدائية التي يقول بها روسو، ومذهب نيتشة في التحلل من القيود الأخلاقية، ومذهب اسبنسر في التركيب، ومذهب فرويد في التحليل النفسي.
стр. 54
ثانياً: الحضارة الرومانية القديمة:
ترتبط أوروبا الحديثة بالحضارة الرومانية القديمة، والتي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث استطاعت روما أن تنتصر على ما جاورها من المدن. وقد ظهرت كقوّة عسكرية عام (٢٣٠ ق. م)، وقد تعاظمت قوّتها وبسطت سلطانها على أمم كثيرة ضمّت معظم قارة أوروبا، ثم امتد نفوذها ليشمل آسيا الصغرى، والبلاد الواقعة على حوض البحر الأبيض، وشملت مصر وأجزاء من إفريقيا.
واستمرت هذه الحضارة حتى القرن السابع الميلادي، حيث تقلّصت أمام الفتوحات الإسلامية.
عقيدة الرومان وأخلاقهم:
هي نفس عقيدة اليونان ونفس أخلاقهم.
ممّا سبق تتّضح خصائص الحضارة اليونانية والرومانية، والتي نوجزها فيما يلي:
١ - الوثنيّة وتعدّد الآلهة.
٢ - قلّة التديّن وانحراف الأخلاق.
٣ - الإيمان بالمحسوس، وقلة التقدير بما لا يقع تحت الحواس.
٤ - الميْل إلى النزعات الوطنية والقومية.
٥ - استعباد الشعوب واستعمارها، ونهب خيراتها واستنزاف مواردها. وقد ورثت النصرانية كلّ ما لدى اليونان والرومان من عقائد امتزجت بالمسيحية وانحرفت بعقيدتها.
стр. 55
هذه هي جذور الثقافة الأوربية التي تحاول فرض أجندتها على العالَم الإسلامي، وإحلالها محلّ الثقافة الإسلامية.
وإننا إذ نضع معالم وملامح الحضارة والثقافة الأوربية بين أعين مَن يُروِّجون لحضارة أوروبا وثقافتها، نبيِّن لهم أن هناك فرقاً شاسعاً بين الحضارتيْن واختلافاً بين الثقافتيْن.
فهل تستوي حضرة وثقافة وحي السماء ورسالات الأنبياء، مع الحضارة والثقافة المادية التي لا تقيم وزناً لِدِين ولا تحترم خُلُقاً أو فضيلة؟
أثر الحضارة والثّقافة الإسلاميّة على العالَم
لقد اتّضح لنا أثَر الحضارتيْن اليونانية والرومانية على قارّة أوروبا في العنصر الثاني من هذه المحاضرة، وتبيّن لنا أنّ معظم ثقافتها وسلوكها امتدادٌ لهما، بجانب النصرانية التي عبثت بها الأيدي والعقول، فلم تصل إلى أوروبا بالصورة الحقيقية التي جاء بها عيسى ﵇، والتي لا تختلف في جوهرها عن كلّ رسالات السماء.
وقبل أن نبيِّن أثَر الثقافة الإسلامية على العالَم، ينبغي أن نذْكر ما تتميّز به حضارة الإسلام وثقافته، ونحدِّد بإيجاز معالِمَها وملامحها، ومن خلال تلك المعالم تتّضح صورة الدّعاة إلى الله، وتكوين شخصيّتهم وإعدادهم الإعداد العلْمي والثقافي، الذي يعمّ خيره ويكثر نفعه -إن شاء الله تعالى-.
خصائص الحضارة الإسلامية وثقافتها:
تتميّز ثقافة الإسلام وتنفرد عن غيرها من الثقافات الأخرى بما يلي:
أولاً: مرتبطة بوحي السماء من خلال القرآن الكريم الذي تكفّل الله بحفْظه، وتعهّد بصوْنه، وما زال عطاؤه متجدِّداً ومستمراً إلى قيام الساعة؛ هذا، بجانب
стр. 56
سُنّة الرسول ﷺ . وكلاهما -القرآن والسُّنّة- عطاء حضاري وعقائدي وثقافي، يصوغ عقل الأمّة وفكْرها صياغة خاصة متميزة ومتفرّدة، في كلّ مجالات الحياة الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وسائر النّظم التشريعية.
ثانياً: الوجه الحضاري والثقافي للإسلام يقوم على طلَب المعرفة من كلّ وجه، واستخدام العقل في تحصيل العلوم والمعارف التي تقوم على البحث والنظر والتجارب العمليّة، على أن تُضبط هذه المعارف والثقافات بمعيار الخير والشر، وتوزن بميزان الإسلام. فما يفيد الإنسانية من أوجه الخير والنفع فالإسلام يباركه ويزكّيه، وما يعود على المجتمعات البشرية بالشر والفساد والإلحاد العقائدي والانحلال الخُلُقي، فإن الإسلام يقف له بالمرصاد، ويكشف زيف ثقافته ويحذّر من أسلوبه ووسائله.
ثالثاً: الحضارة والثقافة في الإسلام توازن وتعادل بين مقوِّمات الروح ورغبات الجسد، بحيث لا يطغى جانبٌ على جانب آخَر. ويتساوى في إطار شرع الله العمل للدنيا والآخِرة على قدم المساواة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
رابعاً: إن الحضارة والثقافة الإسلامية حضارة وثقافة إنسانية عالمية، لا تقتصر على جنس معيّن، ولا تتوقّف عند زمان ومكان مُحدّد؛ بل هي كالغيث والرّزق، يسوقها الله للمؤمن والكافر، والصالح والطالح، والتّقيّ والفاجر؛ قال تعالى موضّحاً رحمة الرسول ﷺ للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
стр. 57
فلم يوصِد المسلمون أبواب حضارتهم وثقافتهم في وجْه أحَد، بدليل: أنّ النهضة الأوربية الحديثة أُقيم صرحُها على أساس من الحضارة والثقافة الإسلامية في بلاد الأندلس، ولكن أوروبا والعالَم الغربي لم يحفظ هذا الجميل، ولم يَصُن هذا المعروف، فأخذ الحضارة والثقافة الإسلامية بيدٍ، واعتدى على المسلمين وديارهم باليد الأخرى، وما زال العدوان مستمراً.
خامساً: الحضارة والثقافة الإسلامية لها خصائصها المميّزة ومعالمها البارزة؛ فالمسلم في أي مكان حلّ فيه وارتحل منه معروفةٌ شخصيّته ومعلومة ثقافته، لا يذوب في أيّ حضارة ولا تحتويه أيُّ ثقافة، يعايش كل عصر بلُغته، ويأخذ من الآخرين بما يتلاءم مع دِينه. وهو سخي العطاء للآخّرين، يتعامل معهم على أساس الأصل الواحد في الخلْق والوحدة الإنسانية في النشأة والحياة والمصير.
سادساً: الحضارة والثقافة الإسلامية تقوم على السّماحة واحترام إنسانية الآخَرين. فهي ثقافة تنبذ العنف، وتنأى عمّا يثير الحقد في النفوس. وقد حدد الإسلام الميادين التي يتسامح فيها المسلم، وتبرز فيها أخلاقه، ويسمو بها سلوكه؛ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
أ- مبادرة الناس بالتحية والسلام، وحُسن الحديث، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾.
ب- التعامل الإنساني بالمعروف والحسنى بين البشر جميعاً في شؤون الحياة، قال ﷺ : ((رحِم الله رجلاً سمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))، رواه البخاري.
стр. 58
ج- أن لا تمتدّ يدُ مسلم إلى أخيه المسلم، أو إلى ذمِّيٍّ أو مُعاهَد بقتْل أو سلْب مال وانتهاك عِرض، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
د- أنّ ثقافة الإسلام تقوم على السماحة واليُسر، وعدم التّشدّد والغلوّ في الدِّين من غير دليل شرعي؛ فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ الدِّين يُسْر لا عُسْر، ولن يُشادّ أحدٌ الدِّين إلاّ غلَبهُ؛ فسدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا ... )) الحديث.
وقد روى الإمام البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: ((ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمريْن إلاّ اختار أيْسرَهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبْعدَ الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لِنفسه في شيء قط، إلاّ أن تُنتَهَك حُرمةُ الله، فينتقم بها لله تعالى)).
ففي هذا الحديث الشريف: تحديد لحدود السماحة واليُسر وضوابطهما، وتصحيح للاعتقاد الخاطئ الذي يُروِّج له البعض مِن أنّ السماحة والتيسير معناهما: الانفلاتُ من قيود الدِّين وحدود الشرع، والتكاسل على أداء الطاعات، والتساهل في القيام بالعبادات، والاندفاع نحو رغبات النفس، والأخذ من ثقافة الآخرين دون تمحيص لها، تحت مقولة: "إن الدِّين يُسرٌ لا عسر".
هذه بعض معالم وملامح الثقافة الإسلامية.
أثر الحضارة والثقافة الإسلامية على العالَم:
أولاً: أعادت الإنسانيةَ إلى فِطرتها، وعرّفت البشرية بخالِقها.
стр. 59
ثانياً: ربطت بين الأديان السماوية برباط متين تحت مسمَّى "الإسلام"، الذي تتابع على ألسنة الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ .
ثالثاً: أنقذت العالَم ممّا كان يعيش فيه من انحراف في العقيدة وخلَل في السلوك، وأعطت للبشرية حضارة وثقافة تقوم على التوحيد في أسمى صُوَرها، وتجعل الناس جميعاً أمام الله على قَدَم المساواة وأقامت مجتمعاً يقوم على التعاون والحب والتسامح، والحرية المنضبطة بقواعد الدِّين والأخلاق والتعايش السلمي مع الآخرين، تحت مظلة قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
ما يمكن أن تقدّمه الحضارة والثقافة الإسلامية للعالَم في هذا العصر
من الملاحَظ: أنّ الحضارة الغربية المعاصرة قد سيطرتْ عليها النّزعات المادية، وطغت عليها شهوات الجسد، وأغرقت في البعد عن الجانب الروحي، وتميّزت ثقافتها بالتحرّر والعبثية والفوضى.
وكان حصاد ذلك مؤلماً ومريراً، ونفقاً مظلماً أطبق على صدْر البشرية من خلال الحروب العالَمية والمنازعات الإقليمية، وضياع الحقوق الإنسانية، ممّا أشاع جواً من الفوضى العالمية، والتوتر العصبي، والقلق النفسي، واختلال المعايير والموازين، ليخدم مصالح القوى الكبرى والصهيونية العالمية؛ قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ولقد أفلست المنظمات الدولية، والمؤسسات التربوية، والأنظمة السياسية والاقتصادية، في تحقيق الأمن والسلام للبشرية، والتي ليس أمامها من نجاة ولا مخلصٍ إلاّ بالحضارة والثقافة الإسلامية. فهو يقدّم لها:
стр. 60
أولاً: الإسلام دين عالميٌّ ما زالت نصوصه ثابتة، تستوعب كلّ جوانب الحياة الإنسانية.
ثانياً: الإسلام دين ينفتح على العالَم وغير مغلَق على نفسه، وإنه يتعامل مع الآخَرين من خلال القواسم المشتركة لبني البشر جميعاً.
ثالثاً: يقدِّم الإسلام المعتقدات الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والسلوك المهذَّب الراقي الذي افتقدته الإنسانية رغم تقدّمها المادي.
رابعاً: يقدِّم الإسلام للعالم الاستقرار النفسي، والأمن الاجتماعي، ويزيل أسباب التوتر النفسي، والقلق والاكتئاب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
خامساً: يعطي الإسلام التصوّر الحقيقي للكون، ويضع للإنسان ضوابط استعماله الاستعمال الأفيد والأنفع له، ويحول دون العبث بسُنن الله في الخلْق والتكوين والفطرة.
سادساً: يضع الإسلام كلّ ما أودعه الله في الأرض مِن ثروات كبيرة وموارد ضخمة، تحت يد البشرية جمعاء، لا تنفرد بها أمّة، ولا يُحبسُ خيرها عن إنسان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
هذا هو العطاء الذي يُمكن أن تُقدّمه الحضارة والثقافة والدّعوة إلى الله للإنسانية، دون تفريق بينها.
وهذا هو المفهوم الحقيقي لمضمون الثقافة، وجوهرها الّذي يجب أن يتشكل منها عقل الدّاعي إلى الله، وفكرهُ، كما سنوضّحه في المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 61
الدرس: ٣ ثقافة الداعية .
стр. 62
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(ثقافة الدّاعية)
١ - ثقافة الدّاعية
ضرورة الثّقافة وأهمِّيّتها للدّعاة إلى الله
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل، آتاه الله مِن لدُنه علْماً، وكان فضل الله عليه عظيماً، وعلى آله وأصحابه، الذين تفقّهوا في دين الله، فكانوا هداةً صالحين، ولدعوة الله مُبلِّغين مُخلصين. أما بعد:
الدّعوة إلى الله نظام حياة، ومنهج دِين، ورسالة أمّة، تقوم على الفهم الصحيح والفقه الدقيق، والفكر المستنير، والثقافة الواسعة، والبصيرة الوضاحة، والحِكمة والموعظة الحسنة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
ولن يقوم بهذا الأمر العظيم والشّرف الرفيع إلاّ إنسان ذو ملكات خاصة، ومواهب متميّزة، وعلْم غزير، وثقافة متنوّعة، تُمكِّنه من استمالة القلوب، والتأثير على النفوس، وتحريك العواطف والمشاعر واستنهاض الهمم، وتقوية العزائم، وإنارة البصائر، والتعريف بأصول الدِّين وشرائعه ونُظمه؛ ولذلك فإنّ الإعداد العلْمي أحَد مقومات نجاح الدّعاة إلى الله.
وهو إعداد ليس بالأمر السّهل أو الشيء الهيِّن، كما ينظر إليه البعض خطأً فيعتقد أنه يأتي في نهاية الأوْلويّات وفي مؤخّرة التّخصصّات، حيث يدفع إلى كلّيّات الدّعوة ومعاهدها مَن حال مجموعهم في الدرجات دون دخول ما يريدون مِن كلّيّات ومعاهد يُسمّونها: كلِّيّات القمّة، فتوصد أبوابها في وجه أصحاب المجاميع المتدنِّية، فيدخلون كلّية الدّعوة وأصول الدِّين مُرغَمين ولِتخصّصها مُكرَهين. وحينما يتخرّجون، يُدفع بهم إلى ميدان الدّعوة إلى الله وهم فيه زاهدون وعن القيام بالدّعوة إلى الله مُعرِضين، فتخلو الساحة من رجالات الدّعوة وفُرسانها. وينزل إلى الميدان كلّ شارد ووارد ممّن هم فقراء في الثقافة، قليلون في العلْم، لا يُحسنون استمالة القلوب ولا التّأثير على النفوس. وتصبح الدّعوة إلى الله بالنسبة لهم وظيفة لا رسالة، وعادة لا عبادة، ممّا تنعكس آثارُه
стр. 63
السّيِّئة على جمهور المسلمين، فيسعَوْن إليهم يوم الجمعة والمحافل وهم مُتثاقلو الخُطى، منصرفون عن الإنصات لكلامهم، يضيقون ذرعاً بإرشادهم.
فيعمّ الجهل في الدِّين، ويقل الفهم لأحكامه، وتصبح الفرصة سانحة لأصحاب الفكر المتطرِّف وذوي الفهم الخاطئ لنصوصه وشرائعه، فتعمّ الفتن وتثور القلاقل ويحدث ما لا تُحمد عقباه.
لهذه الأسباب، ينبغي إعداد الدّعاة إلى الله إعداداً علمياً دقيقاً، وتكوينهم تكويناً ثقافياً يُؤهِّلهم تأهيلاً جيّداً للقيام بأعباء الدّعوة، وتحمُّل تبِعاتها، ونيْل شرف أداء رسالتها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
ولخطورة الإعداد العلْمي وأهمِّيّته، يأمر القرآن الكريم المسلمين بحَشْد طاقاتهم ورصْد مواردهم واختيار النّابهين من أبنائهم، من ذوي القُدرات الخاصة والمواهب المتميِّزة، ليكونوا دعاة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
فقد أشارت الآية الكريمة إشارات توجيهيّة واضحة، لإعداد جماعة مؤهَّلة عقائدياً وأخلاقياً وثقافياً للدّعوة إلى الله.
ويُمكن استنباطها من الآية على النحو التالي:
أوّلاً: عبّرت الآية عن استنهاض الهمم وشحذ العزائم بكلمة ﴿نَفَرَ﴾، وهي كلمة لا تُستعمل إلاّ في مجال الاستنفار العام في سبيل الله، والتعبئة والحشْد وحسن الاستعداد للجهاد. قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 64
ثانياً: أشارت الآية إشارة لطيفة إلى وجوب تنوّع التّخصّصات وتوزيع الأعمال، وذلك بأن يُختار لكلِّ مجال من مجالات الحياة مَن يتخصّص فيه ويُبدع ويُنتج، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، أي: من بعضهم: فجماعة تتخصّص في الدعوة، وأخرى تتخصّص في فرع من فروع المعرفة الإنسانية.
ثالثاً: أشارت الآية إلى أنّ الأمر لا يتوقّف على اختيار جماعة فقط، ولكن يجب أن يتبع الاختيارَ الإعدادُ الجيّد، والتّكوينُ الدّقيق، والتّفقّه في الدِّين؛ فقال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. وهذا معيار نجاح الدّاعية؛ فبجانب معرفته بأساليب الدّعوة ووسائلها، يجب عليه أن يكون فقيهاً بأحكام الشريعة الإسلامية، حتى يجمع بين فضيلتَي: الفتوى والدّعوة إلى الله.
قال ﷺ : ((مَن يُرد الله به خيراً يُفقِّهْهُ في الدِّين)). وكان من دعائه ﷺ لابن عمّه عبد الله بن عباس ﵄ ((اللهمّ فَقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمْه التّأويل)).
رابعاً: الآية تُلقي العبْء على الدّعاة بعدما تعلّموا وتفقّهوا، أن يبرحوا أماكن الدارسة ومواطن تلقِّي العلوم، ويرجعوا إلى ديارهم وعشيرتهم، ويُعلِّمونهم أمور الدِّين ويحذِّرونهم من عواقب مخالفة شرْع الله والتّجرؤ على معصيته، فخُتمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. والتّزوّد بالعلْم لا نهاية له، والتّوسّع في الثقافة والمعارف لا حدود لها، ولذلك أمَر الله رسولَه ﷺ بالاستزادة من العلْم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾.
وإنّ رحلة موسى في طلَب العلْم، وتجشُّمه الصِّعاب في طول الأسفار وفي الحلّ والتّرحال، وشدّة عزْمه في طلَب المعرفة ولو طال به الزّمن ومرّت به الأحقاب
стр. 65
الطويلة، لم يَحُلْ دون تحقيق بُغْيته في تحصيل المعرفة. وإننا إذ نضع هذه القصة بين يدي الدّارسين للعلْم المُحبِّين للثقافة، فهي تحدّد منهج طلَب العلْم، وتضع الضوابط بين الأستاذ والطالب. وتدور أحداثها في سورة (الكهف) على النحو التالي:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾.
هذه عشْر آيات من سورة (الكهف) تضع القواعد والأسُس في طلَب العلْم والتّوسّع في المعرفة، نضع ما يُستفاد منها أمام الدّعاة وطلاب العلْم لتنبيه العقول، وشحْذ الهمم، وشدّ العزائم، لإعداد علماء ودعاة وفْق منهج وحْي السماء ورسالات الأنبياء.
ومن هذه الدروس ما يلي:
أوّلاً: أن العلْم بحر لا ساحل له، ومحيط لا نهاية له، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾. فلقد روى البخاري في سبب قصة موسى ﵇: أن رسول الله ﷺ قال: ((إنّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس
стр. 66
أعْلم؟ قال: أنا. فعَتَب الله عليه أنه لم يَرُدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ عبْداً بمجمَع البحريْن هو أعْلَم منك. قال موسى: يا ربّ، وكيف لي به؟)) الحديث.
فهذا إشارة على العالِم أن لا يغترّ بما عنده من علوم، وأن لا يزهو ويفتخر بما لديه من معارف.
ثانياً: مشروعيّة الرحلة في طلَب العلْم، والعزم والإصرار على تحصيله، وتكبّد المشاقّ والصعاب في سبيله، وأن يظلّ الإنسان طول عمره يتزوّد بالثقافة؛ يُؤخذ هذا من قول موسى: ﴿لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾، وقوله لغلامه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾.
ثالثاً: على طالب العلْم أن يُدقِّق في اختيار من يتلقّى عليه العلْم، وإن كان هذا صعباً في هذا العصر، حيث المناهج والأساتذة تُفرض على الطّلاب، غير أنّ التدقيق وحُسن الاختيار يجِبان على مُحبِّي الثقافة وطالبي المعرفة من غير الطلاب أن يُحسنوا اختيار الكتاب الذي يقرؤونه، والكاتب الذي يقرؤون له، لأن تشكيل الفكر والثقافة من أهمّ الأشياء؛ ولذلك وجّه الله موسى لعبْد آتاه رحمة وعلماً خاصاً.
وفيها أيضاً إشارة إلى رحمة العلماء وترفّقهم بطلاّب العلْم، وعدم القسْوة عليهم، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ فالعالِم المتلقَّى عنه يجب أن يكون عبداً لله، فلا يكون عبداً لفكْر علْماني مُلحد أو لثقافة منتحلة تروِّج للفنّ الهابط والأدب الماجن، أو أن يتناول أحكام الشريعة ونصوصها بالهمز واللّمز. قال تعالى في وصف معالم شخصيّة عالِم موسى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾.
رابعاً: على طالب العلْم أن يتلطّف في مخاطبة أستاذه؛ يُؤخذ ذلك من قول موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾.
стр. 67
قال ابن كثير: سؤال تلطّف ليس على وجْه الإلزام والإجبار؛ وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلِّم للعالِم.
خامساً: لطالِب العلْم: أن يشترط على معلِّمه أن يعلّمه العلْم النّافع المفيد، الذي يرشده إلى الخير ويحثّه على الطاعة؛ فالعلْم وسيلة كلّ سُبل الخير في الدنيا والآخرة.
سادساً: على العالِم أن يُبصِّر تلميذه بمنهجه في تدريس العلوم، ويضع الشروط التي يراها مناسبة لنجاح طلاّبه. قال تعالى على لسان الخضر ﵇: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾.
سابعاً: على طلاّب العلوم والمعارف: أن يتحلّوْا بالصّبر والطاعة، قال تعالى عن موسى ﵇ قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾.
ثامناً: للعالِم أن يُبيِّن طريقته في الدّرس وأسلوبه في تلقِّي الأسئلة، والتوقيت الذي يجاوب فيه عليها؛ قال تعالى على لسان الخضر ﵇: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾.
هكذا يتبيّن من هذه الآيات الكريمة، أُسُس وقواعد طلَب العلوم والمعارف. وعن فضل تحصيل العلْم ما رُوي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن سلَك طريقاً يبتغي فيه علْماً، سهّل الله له طريقاً إلى الجنة. وإنّ الملائكة لَتَضَعُ أجنحتَها لطالِب العلْم رِضىً بما يَصنَع. وإنّ العالِم لَيستغفرُ له من في السماوات والأرض، حتى الحيتانُ في الماء. وفضْلُ العالِم على العابد كفضْل القمر على سائر الكواكب. وإنّ العلماء ورَثةُ الأنبياء. وإنّ الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنّما ورَّثوا العلْم؛ فمَن أخَذه أخَذ بحظٍّ وافر))، رواه أبو داود والترمذي.
стр. 68
وقد بيّن الرسول ﷺ أصناف مَن تلقّى العلٍْم ونَشَره بين الناس، ومن أفاد غيرَه ولم يستفِدْ بالعلْم ولم يُفد غيره؛ فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((مثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلْم كمَثَل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيِّبة قبِلت الماء فأنبتَتِ الكلأ والعشبَ الكثير. وكان منها أجادب -أي: أرض لا تكاد تخصب- أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقَوْا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تُمسك ماءً ولا تنبت كلأ. فذلك مَثَل مَن فقُه في دين الله ونفَعه ما بعثني الله به فعَلم وعلّم، ومَثَل مَن لم يرفَعْ بذلك رأساً، ولم يَقبلْ هدى الله الذي أُرسِلْتُ به))، متفق عليه.
ممّا سبق، تتّضح مدى أهَمِّيّة الثقافة للدّاعية، وأنها مِن صُلب تكوينه وأهمّ وسائل نجاح دعْوته.
فالثقافة في المفهوم المعاصر ُتطلَق على كلّ معرفة -عمليّة كانت أم نظرية- تقوم على التّجربة أو الفكْر وتهدف إلى رقيّ الإنسان وتقدّمه في أساليب الحياة العمليّة، أو في تقديم تصوّر حقيقي لأمور الكون النظرية، أو في تقويم سلوكه وتهذيب نفسه؛ فهي الوعاء والغاية لكلّ نشاط بشريّ يتمّ في المجتمع الإنساني. والمثقَّف هو الذي حصل على قدْر كاف من مُختلف علوم ومعارف عصره.
والدّاعي إلى الله هو أوْلى الناس باتّساع الفكر وكثرة الثقافة، ويجب عليه أن يجدّد فكْره ويزيد من معلوماته، وأن يُكثر من اطّلاعاته وقراءاته ليكون محلّ ثقة مَن يستمعون إليه ومحطّ احترامهم، لأنه يحمل بين حنايا نفسه وخلجات قلبه وخلايا عقله أعظمَ رسالة وأشرف أمانة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 69
مصادر الثّقافة الإسلاميّة
إنّ مهمّة الدّعاة إلى الله مهمّة صعبة، ورسالة جليلة وعظيمة، توجب على مَن ينزل إلى ساحة الدّعوة: أن يكون واسعَ الاطّلاع، غزير الثقافة، مُحباً للقراءة، شغوفا بالمعرفة، يتنقل بين العلوم والمعارف مثْل النحلة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة، ومن روضة إلى أخرى، تمتصّ الرحيق وترتشف العبير، لتخرجه عسلاً مصفىً فيه شفاء للناس. ونجد طعْم ورائحة العسل يحمل بين مذاقه نوعَ الزّهر والعبير الذي أخذت عصارته، وكذلك القارئ وطالب الثقافة، يظهر بين ثنايا عقله وأطراف لسانه، معالمُ وملامحُ ما قرأه وتثقّف به، ويصبح ذلك من مكوِّنات شخصيته. فإن سلامة الفكر، وصحة الاعتقاد، وحسْن المنطق، وروعة الأداء، هي دعائم الدّاعي إلى الله. فإنّ التأثير في جمهور المسلمين وغيرهم، واستمالتهم وإقناعهم، له أساليب متعدّدة من القول، وفنون مختلفة من البيان، وحُسن الاطلاع، ولا سيما في هذا العصر الذي تكاثرت وتضاربت فيه الآراء والأفكار، وتنوّعت فيه الحضارات والثقافات، وغدا كلّ صاحب فكْر يَبذل قصارى جهْده لنشْر معتقده ولو كان باطلاً أو منحرفاً. وأصبحت السيطرة على الرأي العام وتوجيهه لرأي معيّن من فوق المنابر، وفي المحافل وعبْر أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، يحظى باهتمام علماء النفس والتربية والاجتماع. وصار فنّ التوجيه والإرشاد علْماً له أصول وقواعد، يتسلّح بالتقنية العلمية العالية، وبأحدث أساليب التكنولوجيا الحديثة، ممّا يجعل موقف الدّعاة إلى الله وسط هذه الأمواج العاتية من الأفكار، صعباً للغاية. فإن لم يُعدّوا أنفسهم علمياً وثقافياً، وإن لم يتمرّسوا على كلّ
стр. 70
وسائل الإقناع، وإن لم يتزوّدوا بشتّى أنواع العلوم والمعارف، فإنّ زمام التوجيه سيُفلت من أيديهم، ويتولاّه قومٌ تربّوْا على الثقافة والفكر الغربي، ورضعوا لِبان العلمانية والإلحاد، فأضاعوا البلاد وأفسدوا العباد. ولهذا قيل عن ثقافة الدّعاة، وعن جوب الاهتمام بتكوينهم لمواجهة كلّ ألوان الغزو الفكري: "إن الدّاعي يبدأ من حيث تنتهي كلّ التخصصات"؛ ولذا فإن تنمية عقله، وغذاء فكره، وتكوين شخصيته، وبلوغ الغاية المرجوّة من دعوته ترتكز وتؤسَّس على مصادر الثقافة الإسلامية التي تنفرد بالتكامل والإحاطة والشمول، وتتميّز بالاستقلال التام عن روافد الثقافات الأخرى التي انقطعت صِلتُها بوحي السماء ورسالات الأنبياء.
وهذه المصادر هي:
أوّلاً: القرآن الكريم.
تعريفه لغة: "القرآن": مصدر على وزن "فعلان" -بالضّم- كغُفران وشُكران. تقول: قرأتُه قرْءاً، وقراءة، وقرآناً، بمعنى واحد، أي: تلوْتُه تلاوةً.
وقد جاء استعمال "القرآن" الكريم بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾.
تعريفه في الاصطلاح: هو كلام الله المُنزَل على رسوله ﷺ المُتعبَّد بتلاوته، المُعجِز بآياته، المُتحدَّى به الإنس والجن.
أسماء القرآن الكريم: وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة أطلقها الله عليه، غير أنّ أشهرها وممّا صار يُعرف به هو: ﴿الْقُرْآن﴾. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
стр. 71
هِيَ أَقْوَمُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومن الأسماء التي سمّى الله بها القرآن الكريم ما يلي:
﴿الْكِتَاب﴾: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿الْفُرْقَان﴾: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾.
﴿الذِّكْر﴾: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿تَنْزِيل﴾: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد جاء في كتاب "البرهان لعلوم القرآن" للزركشي: أنّ الله سمّى القرآن الكريم بخمسة وخمسين اسماً، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى وعلوّ منزلته، وسمُوّ مكانته.
أوصاف القرآن الكريم:
وصف الحقّ ﵎ القرآن الكريم بأوصاف كثيرة، منها:
﴿بُرْهَان﴾ و ﴿نُور﴾: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾.
﴿مَوْعِظَة﴾ و ﴿شِفَاء﴾، و ﴿هُدىً﴾، و ﴿رَحْمَة﴾: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 72
﴿مُبَارَك﴾ و ﴿مُصَدِّق﴾: قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
﴿مُبِين﴾: قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.
﴿بُشْرَى﴾: قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿عَزِيز﴾: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾.
﴿مَجِيد﴾ و ﴿مَحْفُوظ﴾: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿بَشِير﴾ و ﴿نَذِير﴾: قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾.
نزول القرآن الكريم:
تنزّل القرآن الكريم مُفرّقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، وفْق الأحداث والأمور المتعلّقة بالدّعوة إلى الله، وحسب الحاجة التي تكون سببا للنّزول، ولِيُثبِّت به فؤاد النبي ﷺ ، ولِيَكون أبلغَ في التّحدّي، وأوضح في بيان الحجّة، وأظهرَ لأوجه الإعجاز، وأسهل على حفْظه وتدبّر آياته وتفهّم معانيه؛ قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾.
стр. 73
فيجب على الدّعاة أن يكونوا على معرفة بما يتعلّق بكتاب الله، ولو على سبيل الإجمال؛ إذ هو يُثري ثقافتَهم، ويوسِّع مداركهم، ويُحدِّد معالمَ شخصيّتهم العلْمية والفكريّة.
أمّا عن بقية مصادر الثقافة الإسلامية التي يجب أن يتزود بها الدّعاة، فهذا موضوع المحاضرة التالية -إن شاء الله-. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - مصادر الثقافة الإسلامية (١)
تعريف السُّنّة في اللّغة والاصطلاح
الحمد لله الذي خلّق فسوّى، والذي قدّر فهدى. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل وقدوة الدّعاة، وعلى آله وأصحابه، ومَن بدَعوتهم اهتدى إلى يوم الدين. أما بعد:
"السُّنّة" في اللغة: السِّيرة والطريقة، حسنة كانت أو قبيحة.
وفي الحديث: ((مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسَنة، فلَه أجْرها وأجْر مَن عمِل بها، مِن غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ. ومَن سَنّ في الإسلام سُنّة سيِّئة، كان عليه وِزْرُها ووِزْر مَن عمِل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))، رواه مسلم.
وكلّ من ابتدأ أمراً عمِل به قوم بَعْده، قيل: هو سُنّة. وتُطلق على: الطريق والسَّيْر.
وقد يكون لفظ "سُنّة" من سننتُ الإبلَ، إذا أحسنتُ رعْيَها والقيام عليها.
"السُّنّة" في الاصطلاح:
يختلف معنى "السّنّة" باختلاف العلوم التي لها بها صِلة:
أ- فعلماء الحديث إنّما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كلّ ما يتّصل به ﷺ مِن سيرة، وخُلُق، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثْبت ذلك حُكماً شرعياً أم لا.
ب- علماء الأصول إنّما بحثوا عن رسول الله ﷺ المُشرِّع الذي يضَع القواعد للمجتهدين مِن بَعْده، ويُبيِّن للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، التي تُثبت الأحكام وتُقرِّرها.
стр. 74
ج- علماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي تدلّ أفعاله على حُكم شرعيّ، وهم يبحثون عن حُكم الشّرع في أفعال العباد، وُجوباً، أو حرمة، أو إباحة.
ممّا سبق، تعدّدت تعريفات "السُّنّة النبوية" اصطلاحاً على النحو التالي:
١ - "السُّنّة" في اصطلاح المُحدِّثين هي: كلّ ما أُثِر عن النبي ﷺ مِن قول، أو فعْل، أو تقرير، أو صِفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة، كتحنّثه في غار حراء، أم بعدها.
والسُّنّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.
٢ - "السُّنّة" في اصطلاح علماء أصول الفقه هي: "كلّ ما صَدر عن النبي ﷺ من غير القرآن، من قول، أو فعْل، أو تقرير، ممّا يَصلح أن يكون دليلاً لحُكم شرعي.
٣ - "السُّنّة" في اصطلاح الفقهاء هي: كلّ ما ثبت عن النبي ﷺ ولم يكن من باب الفرْض ولا الواجب؛ فهي الطريقة المُتّبعة في الدِّين من غير افتراض ولا وجوب، فيقال: "فلان على السُّنّة" إذا عمل على وفق ما جاء مِن عمَل عن النبي ﷺ ، و"فلان على البدعة" إذا فعَل خلاف ذلك.
٤ - وقد تُطلق "السُّنّة" عند الدّعاة في مقابلة "البدعة".
و"البدعة" لغة: الأمر المُستحدَث، ثم أطلقت في الشّرع على كلّ ما أحدثه الناس من قول أو عمل في الدِّين وشعائره، ممّا لم يُؤثَر عنه ﷺ وعن أصحابه. وقد قال رسول الله ﷺ : ((مَن أحدث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ))، صحيح مسلم.
стр. 75
وتُطلق "السُّنّة" أحياناً على: ما عمِل به أصحاب رسول الله ﷺ ، سواء أكان ذلك في الكتاب الكريم، أم في المأثور عن النبي ﷺ .
ويُحتجّ لذلك بقوله ﷺ : ((عليكُم بسُنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديِّين! عَضّوا عليها بالنواجذ! وإيّاكم ومُحدَثات الأمور! فإنّ كلّ مُحدَثة بِدْعة، وكلّ بدْعة ضلالة)).
ومن المصطلحات التي لها صِلة بالسُّنّة ما يلي:
"الحديث": لغة: الجديد من الأشياء. والحديث: الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع: أحاديث، قال تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾، عني بالحديث: القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي: بلِّغْ.
و"الخبر" و"الأثر" مُرادفان لِـ"الحديث".
الفرْق بين "السّنّة" و"الحديث القدسي":
الحديث القدسيّ: كلّ حديث يضيف فيه رسول الله ﷺ قولاً إلى الله يُسمّى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهي أكثر من مائة حديث. ونسبة الحديث إلى القُدس -وهو: الطهارة والتنزيه- وإلى الإله أو الرب، لأنه صادر عن الله ﵎، من حيث إنه المتكلِّم به أولاً والمنشئ له. وأما كونه حديثاً، فلأن الرسول ﷺ هو الحاكي له عن ربه ؛ فاللفظ والمعنى من الله . أمّا الأحاديث النبوية، فالرسول ﷺ هو قائلها والحاكي بها عن نفسه.
следующие страницы →