Полный текст (292 стр.). Показаны 281–292 · переход к 286.
стр. 281
لأنَّ ما بين أيديهم لا يخرج عن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: ما علمنا صحته ممَّا بأيدينا من القرآن والسُّنَّة، ممَّا يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
الأمر الثاني: ما علمنا كذبه بما جاء عنه في الكتاب والسنة، فيجب إنكار ما أنكره الله ورسوله.
الأمر الثالث: ما هو مسكوتٌ عنه، فلا نؤمن به، ولا نكذَِّبه.
٧ - دعاوى التَّقريب بين الأديان الَّتي تتعالى الأصوات بها، في هذا العصر، هي دعوة حقٍّ يُراد بها باطل، فكيف يتمُّ التَّقريب بين دينٍ يقوم على التَّوحيد، وكتابُه موجود ومحفوظ، وسيرة رسوله ﷺ مصانةٌ وموثقةٌ توثيقاً نادراً، بدينٍ يقومُ على الشرك، ولا أثر لكتابه ولا توثيقَ لمصادره.
إنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، فقدتا مصداقيَّتهما بعد موسى وعيسى ﵉.
ودعوى الحوار هي محاولةٌ يائسة لعودة المصداقيَّة إليهما، وانتشالهما من أعماق الثَّرى، وعواصف التَّخبط الفكريِّ والعقائديِّ، ليتشرَّفا بالجوار والحوار مع الإسلام العظيم.
٨ - من الخطأ البيِّن، ومن الانحراف العقائديِّ والفكريِّ الواضح، أن يُطلق على ما بين أيدي أهل الكتاب عنوان "الكتب المقدسة"، ويُريدون بمكر ودهاء أن يلحقوها بالقرآن الكريم، وللأسف يُردِّد بعضُ الجهلاء من أبناء المسلمين الَّذين تربَّوا على موائد الاستشراق والتَّبشير والاستعمار، يُرَدِّدُون مقولاتهم، فيقولون -وبئس ما قالوا-: الأديان السماويَّة الثلاثة، والكتب السماويَّة المقدسة، وقد انساقُوا إلى هذا طوعاً أو كرهاً.
стр. 282
ممَّا سبق يتَّضحُ: أنَّ الإيمان بالكتب المنزلة من الله على الأنبياء والمرسلين، جزءٌ من الإيمان بالغيب، الَّذي هو جوهر عقيدة المسلم، وأساسُ الدَّعوة إلى الله، قال تعالى:
﴿وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٤ - ٥].
أمَّا عن بقيَّة أركان الإيمان، ومعالم التَّصديق بالغيب؛ فهذا موضوعُ المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
٢ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله الإيمانُ باليوم الآخر
حكم الإيمان باليوم الآخر وأهمِّيَّته
الحمد لله، له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه تُرجعون، والصَّلاة والسَّلام على صاحب اللِّواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،:
تمهيد:
فما زال الحديث -بإذن الله- يتجدَّد، واللِّقاء يتواصل، حول دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله.
نتناول موضوعَ الإيمانِ باليوم الآخر، وما يتضمَّنُه من أمورٍ، يجب التَّصديقُ بها، والتَّسليم المطلقُ بما جاء بشأنها في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة.
الإيمانُ باليوم الآخر، وما يشتمل عليه من أحوال، تبدأ معالمُها وحقائقُها ومشاهدُها بعد الموت مباشرةً، من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، بما يسمى حياة البرزخ، ثم ما يتبعُ ذلك من أحداثِ وأهوالِ يوم القيامة، من البعث والحشر والصُّحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة، والجنَّة وما أُعِدَّ فيها للمؤمنين، ممَّا لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بَشر، من أنواع النَّعيم، والنَّار الَّتي تُسعَّر بكلِّ ألوان العذاب للكافرين، فالتَّصديق والاعتقاد بهذا اليوم، ركنٌ من أركان الدَّعوة إلى الله، ومن الأسس والدَّعائم الَّتي قامت عليها رسالاتُ الأنبياء والمرسلين.
فالإيمانُ بالله واليوم الآخر، هو صلب عقيدة المسلم، ومعلم بارز من معالم شخصيَّته، وبه يكون الفرقُ بين المؤمنين والكافرين، ولأهميته الكبرى ومكانته العظمى؛ فقد جاء في القرآن الكريم مقترناً بالإيمان بالله، قال تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ
стр. 283
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
فهذه الآية، رسمت في إعجازٍ بلاغيٍّ، معالمَ وملامح شخصيَّة المسلم، في العقائد والعبادات والسلوك.
وكما قال ابنُ كثير:
"واشتملت على جملٍ عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة".
وقد ذكر القرآنُ الكريم أنَّ إنكار اليوم الآخر كفرٌ وضلالٌ مبين، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النِّساء:١٣٦].
فالكافر لا يتجاوز حدود الدُّنيا، ولا يؤمن بالبعث، ولا يعتقد في اليوم الآخر، وقد كشف القرآنُ عن هذه المعتقدات الفاسدة، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤].
والإيمانُ باليوم الآخر يستوجبُ الاعتقادَ والتَّصديقَ بالأمور التَّالية:
١ - الإيمانُ بالبعث بعد الموت، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧].
وقال تعالى:
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشَّورى:٩].
وقد ساق القرآنُ العشرات من الآيات، الَّتي تُبرهن على قدرة الله على البعث، وأنَّه أهونُ من خلق السَّماوات والأرض، قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣].
فقضيَّةُ البعث، حفلتْ في القرآنِ الكريم، بعنايةٍ خاصَّة واهتمامٍ كبير.
стр. 284
٢ - الإيمانُ والتَّصديق بما سيقع يوم القيامة من أهوال وأحوال: ولن يتحقَّق ذلك إلا بأحد أمرين:
أ- أن يؤمن العبدُ باليوم الآخر، بصورة إجماليَّة، وهذا هو الحدُّ الأدنى لتحصيل هذا الرُّكن من أركان الإسلام، قال تعالى:
﴿الَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤،٣]
ب- أن يؤمن المسلمُ بكلِّ ما أَخبر به القرآنُ الكريم، وتحدَّث عنه ﷺ إيماناً صادقاً، لا يُخالطه شكٌّ أو ريب، أو يعتريه ظنٌّ أو وهمٌ، غير منكرٍ لأمر من الأمور، وأن لا يُخضع الإنسانُ أمورَ الغيب من أحوال ما بعد الموت، ومشاهد البعث، وأحوال يوم القيامة؛ لمقاييس العقل، فهي أمورٌ يعجز العقلُ عن معرفتها، ولا يستطيع أن يُدرك مشاهدَها؛ لأنَّها بعيدةٌ عن إدراك الحواسِّ، الَّتي يتعرف العقل من خلالها على الحقائق والأشياء.
ومن أمور الغيب الَّتي يجب التَّصديقُ بكلِّ ما جاء بشأنها في القرآن والسنة، ما يلي:
فتنة القبر وسؤال الملكين
فمنذُ أن تبدأََ لحظاتُ الاحتضار، وتتأهَّب الرُّوح للصُّعود لخالقها، ويقف الإنسانُ على آخرِ عتبات الدنيا وأولى عتبات الآخرة، تنتقل حياتُه إلى طورٍ جديد، وعالمٍ من المشاهد والأحداث، لا يراه من حوله، قال تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد ُ -أي تبتعد عنه وتتناءى وتفرُّ منه- * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].
стр. 285
وتُصوِّر سورةُ الواقعة، وسورةُ القيامةِ هذه المشاهدَ، ما يُرى منها وما لا يُرى، وهي آخرُ عهدِ الإنسان بالدُّنيا، وأول عهده بالآخرة، ويزيدُ القرآنُ الكريمُ صورةً أخرى من صور الاحتضار، مرئيَّة وواقعيَّة، وهي خاصَّةٌ بالكافرين عموماً، وبكلِّ من أشرك بالله، أو اتَّخذ له ندَّاً أو شريكاً: أنَّ هؤلاء في حالة الاحتضار، وبعد الموت مباشرةً، تنهال الملائكة بالضرب على وجوههم وأدبارهم، قال تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].
فالتَّعبير بالرُّؤية، واستخدام الفعل المضارع، الَّذي يدلُّ على الحال والاستقبال، يُشير إلى أنَّها رؤيا واقعةٌ ومستمرةٌ في كلِّ أحوال الكافرين عند الاحتضار، وتزداد هذه الصورة وضوحاً وجلاءً، في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
هذا يُبدِّدُ ما يعتقدُه البعضُ، خطأً وجهلاً أو نفاقاً، عن نجاةِ المشركين والكافرين، وعدمِ إلحاق العذاب بهم، وقد وردت أحاديثُ كثيرة، تُبيِّن أحوال المؤمنين والكافرين، عند الموت والاحتضار: (انظر صحيح البخاري، مع فتح الباري ج ٣، ص ١٨٤. وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٧ ص ٢٠٣).
عذابُ القبر ونعيمه
وهو من أمور الغيب، التي يجبُ الإيمانٌ بوقوعها، كما أخبر القرآن الكريم، وتحدَّث به الرَّسول ﷺ .
стр. 286
فمن القرآن الكريم، قوله تعالى:
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
وهذه الآيةُ أصلٌ كبيرٌ، في استدلال أهل السنة، على عذاب القبر.
وعن عذاب القبرـ ورد ما أخرجه البخاري ومسلم، ممَّا رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ النَّبيُّ ﷺ على قبرين، فقال: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ،-ثُمَّ قَالَ:- بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)).
أشراط الساعة وأماراتها
من الأمور الَّتي يجبُ الإيمانُ بها، وهي جزءٌ من عقيدة المسلم، تحقُّقُ وقوعِ السَّاعة، قال تعالى:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩].
وأنَّ هذا اليومَ مُغيَّبٌ عن الخلق جميعاً، لا يعرفُه إلا الله وحده، قال تعالى:
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
ولكي يأخذَ النَّاس حِذرَهم، من فجأة هذا اليوم وهوله وشدَّته، وحتَّى يظلُّوا يترقَّبونه ويستعدون ليوم العرض والحساب، وذلك يكون بالإيمان الخالص بالله والمداومة على فعل الطاعات، في الأقوال والأفعال، فقد وضع الحقُّ ﵎ لهذا اليوم أماراتٍ وعلاماتٍ، قال تعالى:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمَّد:١٨ - ١٩].
стр. 287
وأشراطُ السَّاعة وعلاماتها، في القرآن والسنة، كثيرةٌ جدَّاً، بعضُها علاماتٌ صغرى، وبعضها أماراتٌّ كبرى، ومنها ما وقع وتحقَّق، ومنها ما لم يقع بعد، وسوف نعرض -إن شاء الله- لبعض هذه الأشراط، الَّتي جاءت في القرآن الكريم، ووردت بها الأحاديثُ النَّبويَّة الصحيحة؛ لكي يكتمل إيمانُ المؤمن على قواعد ثابتة ودعائم متينة، وسنذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر،:
أولاً: العلاماتُ الَّتي وقعت وانقضت، ولن يتكرَّر وقوعها:
وهي كثيرةٌ، سنذكر بعضاً منها، ومن ذلك:
١ - بعثة الرَّسول ﷺ وهي من أمارات الساعة، أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأشار بالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)) -أي بإصبعيه-.
ففي هذا الحديث دليلٌ، على أنَّ بعثته ﷺ وختم النُّبوة والرسالة برسالته، علامةٌ على قُرب قيام السَّاعة، كما أشار الحديثُ إلى أنَّه ﷺ ليس بينه وبين وقوعها نبيٌّ أو رسولٌ، فهي تلي بعثته.
٢ - انشقاق القمر، وهو إحدى المعجزات الباهرات الَّتي وقعت في حياته ﷺ ، وتُؤذن بقرب السَّاعة، قال تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢].
وقد ساق ابنُ كثير الأحاديثَ الواردةَ في انشقاق القمر، عند تعرُّضه لتفسير سورة القمر، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في "صحيحه":
عن أنس ﵁ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً؛ فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ، وقال:
стр. 288
فبَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى إِذ انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اشْهَدُوا)) رواه مسلم.
٣ - نارٌ تخرج من الحجاز، تضاء لها أعناق الإبل ببُصرى بالشام. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى)). "رواه البخاري ومسلم"، وبُصرى مدينة معروفة بالشام.
وهذه الآيةُ الَّتي أخبر بها الصَّادق ﷺ وقعت على وجه التَّحديد عام ٦٥٤هـ.
وقد تحدَّث عن ذلك ابنُ كثير في كتابه "البداية والنِّهاية" وكذلك ذكرها الإمام الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي، وكان معاصراً لهذه الحادثة.
وممن كان معاصراً لهذه النَّار في الخروج، الإمامُ النَّووي ﵀ وقد ذكرها في شرحه لصحيح مسلم.
٤ - توقف الجزية والخراج: ممَّا أخبر به الصَّادق ﷺ من أمارات يوم القيامة، والَّتي تحققت في هذا العصر، توقفُ أهل الذمة عن دفع الجزية للمسلمين.
ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ)) شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
ففي هذا الحديث الشريف، أخبر ﷺ عن أمرين لم يقعا في حياته ﷺ :
الأول: فتح العراق والشام ومصر، وهذا من أخبار الغيب الَّتي أطلعه الله عليها.
стр. 289
الثاني: الإخبار عن امتناع أهل الذمة عن الجزية، وقيل عن سبب ذلك: أنه قوة شوكتهم في آخر الزمان.
ثانياً: العلامات الصُّغرى، الَّتي وقعت وما زالت مستمرة وقد تتكرَّر:
أخبر الرَّسول ﷺ عن بعض أمارات الساعة الَّتي وقعت، وما زالت مستمرة، ومن ذلك:
١ - الفتوحات الإسلاميَّة: فلقد أنبأ ﷺ عن زوال ملك كسرى وقيصر، وقد حدث هذا بعد وفاته ﷺ ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) البخاري.
وقد أخبر ﷺ عن فتح الهند، وقد حدث:
فعن ثوبانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉)) أخرجه النَّسائي وأحمد وغيرهما.
كذلك تحدَّث النَّبيُّ ﷺ عن فتح القسطنطينيَّة، ثم فتح روما، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا)) يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ وقد كان فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وسيصدق قوله ﷺ على روما إن شاء الله، رواه أحمد والدارمي والحاكم.
وذكر ﷺ : أنَّه لن تقومَّ الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فاقتله.
стр. 290
٢ - خروجُ كثيرٍ من الدَّجَّالين ومدََّعي النُّبُوَّة: جاء في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ)).
وقد تحدَّث التَّاريخ عن خروج عددٍ منهم في صدر الإسلام، كمسيلمة الكذَّاب، والأسود العنسيِّ، وسجاح وغيرهم، ومنذ أكثر من قرن قام حسين مرزا عباس مدَّعياً النُّبُوَّة في إيران، ولقب نفسه بالبهاء، وإليه تنسب طائفة البهائيَّة.
٣ - وقوع الفتن: تحدَّث الرَّسول ﷺ وهو الصادق الَّذي لا ينطق عن الهوى، عن استشراء الفتن وتجدُّدها، غيرَ أنَّها في آخر الزَّمان يشتدُّ أوارها ويتعالى لهيبها، وقد ورد في ذلك أحاديثُ صحيحةٌ، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
١ - عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا: يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ)). قَالَ: قُلْنَا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ: ((الْقَتْلُ)).
٢ - عن أبي موسى الأشعري أن النَّبي ﷺ قال: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ)) قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ)) قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لَنَقْتُلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا. قَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، حتَّى يقتُلَ الرَّجلُ جارَه، ويقتل أخاه، ويقتل عمَّه، ويقتل ابن عمِّه. قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسَبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ)) رواه الإمام أحمد.
стр. 291
٣ - وروي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ: لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ! وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ!)) رواه مسلم.
٤ - التَّطاول في البنيان، كما جاء في حديث جبريل قال: ((يا محمََّدُ، أخبرني عن السَّاعة؟ فقال ﷺ : ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّتَها، وأنْ تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العَالَةَ رِعَاء الشَّاة يتطاولونَ في البُنيان)) متفق عليه.
كذلك، من أمارات السَّاعة الَّتي تتجدَّد كلَّ وقتٍ، وكلَّ عصرٍ، فسادُ المسلمين، واستفاضةُ المال وكثرته، وظلم الرَّعيَّة والقسوة عليها، هذه هي أمارات الساعة الصُّغرى، أمَّا علامات السَّاعة وأشراطها الكُبرى، فهي كما يلي:
علامات السَّاعة وأشراطها الكُبرى:
أخبر القرآن الكريم والسنة النَّبويَّة الشريفة، عن أمارات الساعة وعلاماتها الكبرى، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: ((مَا تَذَاكَرُونَ؟)) قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: ((إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ: فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ)). مسلم.
هذه الآيات العشر، جاءت الأحاديث والآيات تبيِّن يقين وقوعها، والإيمانُ بالعلامات الصغرى والكبرى جزءٌ من عقيدة المسلم، يجب التَّصديق بما أخبر به
стр. 292
القرآن الكريم، ونبَّأ به الرَّسول ﷺ وقد صدق الله ورسوله فيما وقع أو سيقع، من أشراط وعلامات يوم القيامة.
وهي تمهيدٌ لأحداثِ وأهوالِ ذلك اليوم، وقد ذكرها القرآنُ الكريم، وتحدَّث عنها ﷺ .
ويبدأ هذا اليوم العظيم بتغيُّر مظاهر الكون، وتبدُّل سننه، كما جاء في سور الانشقاق والتَّكوير والانفطار، وما يستتبع ذلك من: النَّفخ في الصور، والبعث، والحشر، والعرض، والحساب، والحوض والميزان، والصِّراط والجنَّة والنَّار.
هذه القضايا الغيبيَّة، لا يُقبل إيمانُ العبد، إلا بالتَّصديق بها، والتَّسليم والإذعان بما ورد بشأنها في القرآن والسنة، وهي جوهر الرِّسالات السَّماويَّة كلها، وإلى يوم القيامة تتوجَّه أعمال المسلم؛ لينالَ رضاء الله والفوز بالجنة، كما أنَّ الإيمان باليوم الآخر، يضع في النَّفس والعقل الضوابطَ الَّتي تصون الأفراد والجماعات، خوفاً من يوم الحساب، كما أنَّ التَّصديق بيوم الحساب يغرسُ في قلبِ المؤمنِ الأملَ بأنَّ ما فاته من حظوظ الدنيا؛ سيجد ما عند الله خير وأبقى منه، وأنَّ من ظَلَم العباد، وسعى في الأرض فساداً؛ سيلقى جزاء ما قدمت يداه. قال تعالى:
﴿قال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف:٨٧ - ٨٨].