← Общие книги

Общие книги · id 8954

أصول الدعوة وطرقها 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (292 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٥٩ - ٦٢]. وهذا هو حال هود ﵇، قال تعالى: ﴿وإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٥ - ٦٨]. قال تعالى: ﴿الَّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب:٣٩]. وإنَّ هذه الرِّسالاتِ ظاهرةٌ واضحة، لا لَبسٌ فيها ولا غموضٌ، وليس فيها حقيقةٌ وشريعةٌ وظاهرٌ وباطن، كما يزعمه بعضُ من ضلَّ بهم العقل وانحرف بهم الفكر، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٩].

стр. 247

الاقتصار على ما جاء في القرآن الكريم أو السنة الشريفة بشأن الأنبياء والمرسلين .

стр. 248

الاقتصارُ على ما جاء في القرآن الكريم أو السُّنَّة الشَّريفة بشأن الأنبياء والمرسلين من قواعدِ الإيمان وأسسِ العقيدة في الإسلام، ومن وجوبِ الاعتقاد فيمن أرسله الله من الأنبياء والمرسلين، الَّذين ورد ذكرُهم في القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]. فلا يصحُّ أن يُنسب لأحدٍ من البشر، أنَّه رسولٌ من غير من ذكره الله. قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]. ولقد حدَّد القرآنُ الكريم طرقَ إثبات الرِّسالة، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥١ - ٥٢]. لقد حدَّدت هذه الآيةُ الوسائلَ الَّتي يتَّصل الله بها برسله، هذا بجانب المعجزات والآيات الَّتي يؤيِّدُهم الله بها، ويتحدَّى قومَهم على أن يأتوا بمثلها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١].

стр. 249

فلا يحقُّ لأحدٍ، أن يُسبغ صفة الرِّسالة على إنسانٍ لم يوحِ الله إليه، ولم يؤيِّده بمعجزة. وعلى هذا، فإنَّ ما يزعمه البعض، عن بعض الفراعنة، أنَّهم أنبياء، أو ما يزعُمه النَّصارى عن بعض الحواريِّين أو القدِّيسين أنَّه يُوحَى إليهم، أو ما يعتقدُه بعضُ الشِّيعة من عصمة الأئمَّة، وتنزيلهم منزلة النُّبٌوَّة، وكذلك ما يزعمه البعض من أنَّ بعض أديان الهند، أصحابُها كانوا أنبياء؛، فكلُّ هذا افتراءٌ على الله، وكذبٌ على الأنبياء، وتزييف للتاريخ، فلا يجب الإيمان والتَّصديق إلا لمن ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وأنَّ البشريَّة خلال تاريخها لم تعرف إلا ديناً واحداً، هو الإسلام، وقد جرى على ألسنتهم جميعاً، من لدن آدم، إلى محمَّد ﷺ . الآثار المترتبة على وجوب الإيمان بالأنبياء والمرسلين ١ - وحدة الرِّسالات السَّماويَّة في قواعدها وأُسسها، وإن اختلفت في بعض تشريعاتها. ٢ - بيانُ رحمة الله بالخلق، بأن أرسل إليهمُ الرُّسلَ مبشِّرين ومُنذرين. ٣ - التَّأكيد على صلة البشريَّة، بوحي السَّماء ورسالات الأنبياء. ٤ - الإسلام يُفسح صدره لأهل الكتاب، على الرَّغم من ابتعادهم عن الإسلام الحقِِّ الَّذي تنزَّل على أنبيائهم، وذلك لمجرد صلتهم بأنبيائهم وانتسابهم للكتب المنزَّلة، ولو انتساباً اسميَّاً. ٥ - العبرة والعظة من قصص الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. ٦ - تثبيت فؤاد الرَّسول ﷺ وتسليته، فيما نزل به وبالمؤمنين، وعبرةً لجميع المسلمين عبر السنين، قال تعالى: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].

стр. 250

٧ - استتمام أركان الإيمان، الَّتي لا يتمُّ إيمانُ المؤمن إلا بها، قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. ٨ - الاقتداء بهم جميعاً، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠،٨٩]. ممَّا سبق يتَّضحُ لنا: أنَّ الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، هو من أسس ودعائم الدَّعوة إلى الله، وأحد أركان الإيمان بالغيب، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨]. وإلى اللقاء، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الدرس: ١٣ الأسس والدعائم التي تقوم عليها الدعوة إلى الله (٣) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (الأسس والدعائم التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله (٣)) ١ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله وجوب الإيمان بجميع الكتب المنزلة تمهيد حول الإيمان بالكتب المنزلة الحمد لله، أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ، لِيُظهرَه على الدِّين كلِّه، ولو كره الكافرون، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتَم الرُّسل، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين. السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد تمهيد: فما زال اللِّقاء يتواصل -بتوفيق الله- حول الدَّعائم والأسس، الَّتي تقوم عليها دعوة الإسلام، وفي هذه المحاضرة نتناول -إن شاء الله- من هذه الدَّعائم: الإيمان بالكتب المنزلة. إنَّ من رحمة الله بالخلق، وشفقته عليهم، ورأفته بهم: أن اصطفى من بينهم أشرفَهم نسباً، وأعرقهم أصلاً، وأطهرهم خلقاً، وأحسنهم عملاً، ليُبلِّغوا رسالته، وليرشدوا عباده إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم، والدِّين الحق والنور المبين؛ لكي تنقطع الحجة، وتقوم على البشر المحجة، قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥].

стр. 251

ولقد رفع الله العتاب والحساب والعقاب على النَّاس، قبل إرسال الرُّسل وإنزال الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]. قال الإمام ابن كثير: "إخبارٌ عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحداً، إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسل إليه، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:٦ - ١١] ". وإنَّه ممَّا ينبغي ملاحظته: أنَّ دين الله المنزل على جميع رسله، من لدن آدم ﵇ إلى محمَّد ﷺ هو الإسلام، الَّذي جرى على ألسنتهم جميعاً، وإن تعدَّدت الكتب واختلفت الشرائع من نبيٍّ لآخر، فالإطار الَّذي يضمُّهم ويجمع بينهم جميعاً، هو الإسلام وأنَّ القاسم المشترك لجميع الكتب السماويَّة، أنَّها وحيٌ من عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]. فاليهوديَّة والنصرانيَّة ليستا بدينٍ سماويٍّ، ولا يصحُّ أن يُطلق عليهما هذا الاسم؛ لأنَّ الدِّين السَّماويَّ الَّذي عرفه البشر، ونزلت به الكتب، وأُرسل عليه الرُّسل هو الإسلام، فالديانات اليهوديَّة والنصرانيَّة أوالمسيحيَّة، لم يُسمِّها الله بهذه الأسماء، ولم يطلق هذه الأسماءَ أيٌّ من موسى وعيسى ﵉، وإنما أطلقا كلمة الإسلام، قال -تعالى- على لسان موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤].

стр. 252

فجحد بنو إسرائيل اسم الإسلام، وأطلقوا على ما صنعته أيديهم كلمة اليهوديَّة، وكذلك عيسى ﵇، جاء بالإسلام كشأن سائر النّبِيِّين، وأقرَّه الحواريُّون وتابعوه على ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]. فجاء بنو إسرائيل، كما هو شأنهم في الَّتحريف والتَّغيير؛ فأطلقوا على أنفسهم نصارى، وعلى دينهم النصرانيَّة والمسحيَّة. ولقد أنكر القرآن الكريم ما اختلقوه من أسماء، وأمرهم أن يرجعوا إلى الاسم الَّذي اختاره الله وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٢٥ - ١٢٦]. وقد نفى القرآن الكريم إلصاقَ كلمة اليهوديَّة والنصرانيَّة، بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧ - ٦٨]. فالآيتان تُفيدان أنَّه ﵇ ما كان يهوديَّاً ولا نصرانيَّاً، وما كان من المشركين الَّذين زعموا ذلك، وأوضح السياق القرآني الكريم أنَّ أحقَّ النَّاس بإبراهيم ﵇ هم الَّذين اتَّبعوا ملَّته من البشر، عقب تتابع القرون، ثم جاءت الإشارة الواضحة للرَّسول ﷺ ولأمَّة الإسلام، وهذا النَّبيّ، وهذا ما دعا به إبراهيمُ وإسماعيلُ -عليهما الصَّلاة والسَّلام- واستجاب الله دعاءهما، في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *

стр. 253

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨]. كذلك نفى القرآن الكريم نفياً قاطعاً، أن يكون أيُّ أحدٍ من أنبياء بني إسرائيل يهوديَّاً أو نصرانيَّاً، قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٠]. وقد حاول اليهود والنصارى حصر الجنَّة فيهم، فقطع الله آمالَهم ورجاءهم، وطلب منهم الحجَّة على مزاعمهم، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١١ - ١١٢]. ولكي يتأكَّد العباد، من أنَّ المبعوثين بالإسلام هم رسل الله، وحتى تطمئنَّ القلوب إليهم، أيَّدهم الله بثلاثة أمور: الأمر الأول: المعجزات الدَّالَّة على صدق نبوَّتهم، والمعجزة أمر خارق للعادة، يُظهره الله على يد النبي أو الرَّسول، تأييداً له، وتحدِّياً للمعاندين. الأمر الثَّاني: الكتب المنزلة، الَّتي تحمل بين ثناياها تعاليمَ الإسلام، وبيانَ أحكامه وشرائعه، بما يُناسب كلَّ أمة وكلَّ عصر. الأمر الثالث: إنزالُ العذاب على الأمم الَّتي كذَّبت المرسلين، كقوم نوح وفرعون وهود وصالح وشعيب وغيرهم، واستثنى الحقُّ ﵎ من عذاب الاستئصال أمَّة محمَّد ﷺ ، وكما أثبتنا أنَّ ما بين يدي أهل الكتاب ليس بدينٍ أصلاً، فكذلك نُبيِّن ونؤكِّد ونوضِّح أنَّ ما بين أيديهم من التَّوراة والإنجيل،

стр. 254

ليسا بالتَّوراة والإنجيل المنزَّلين على موسى وعيسى ﵉، واللذان لا يختلفان عمَّا جاء في القرآن الكريم، وأنَّ ما تحت أيدي اليهود والَّنصارى لا صلةَ له بوحي السماء ورسالات الأنبياء. يجب الإيمان والتَّصديق بالكتب الَّتي أنزلها الله على أنبيائه ورسله وهذا جزءٌ أساسٌ في عقيدة المسلم، ونعني بهذه الكتب، الَّتي تنزَّلت حقيقةً على الأنبياء والمرسلين، وليس تلك الكتبُ الَّتي سطَّرتها عقول البشر، وتناولتها الأيدي بالوضع وفق الأهواء، فلا يصحُّ إيمان المؤمن إلا بالتَّصديق بما أنزله الله فعلاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسول بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. وفي حديث جبريل ﵇ حينما سألَ رسولَ الله ﷺ عن الإيمان، قال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)). فالإيمان بالكتب المنزلة، جزءٌ من عقيدة المسلم، فكما أنَّ الله أنزل القرآن على رسوله ﷺ ، فقد أنزل الكتب على من سبقه، وقد ذُكِر في كتاب الله بعضٌ منها، فيجب الإيمانُ بها، وما لم يذكره اللهُ في كتابه العزيز، فليس بواجبٍ على المسلم التَّصديقُ به، وقد عدّ -سبحانه- أنَّ إنكار نزول الكتب كفرٌ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦]. وممَّا جاء ذكره من الكتب السماويَّة في القرآن الكريم، ما يلي: ١ - صحف إبراهيم ﵇، وقد أشار الحق إليها، وإلى ما نزل على موسى، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذي وَفَّى﴾

стр. 255

[النجم:٢٦ - ٢٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]. ٢ - التَّوراة الَّتي نزلت على موسى ﵇، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:٤٤]. ٣ - الزَّبور، الَّذي أُنزل على داود ﵇ قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ -أي كتاباً-[الإسراء:٥٥]. ٤ - الإنجيل الَّذي نزل على عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧،٤٦]. هذه الكتب السَّماويَّة، الَّتي ورد ذكرُها في القرآن الكريم، يجب الإيمانُ بما أخبر الله عنها، ونسكت عمَّا لم يذكره الله، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣]. وفي إشارةٍ صريحةٍ إلى أنَّ إنزال الكتب، هو أساسٌ جوهريٌّ لرسالات الأنبياء والمرسلين، تأييداً لهم وشرحاً للشَّريعة والأحكام، سواءً ما ذُكر من الأنبياء والكتب، وما لم يذكر منهما، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ﴿الحديد:٢٦].

стр. 256

ولقد ورد مصطلح أهل الكتاب، في القرآن الكريم، إحدى وثلاثين مرَّةً، على سبيل الخبر والطَّلب، وورد نفسُ الإيتاء بتصرفاته المختلفة مثل: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ﴿آتيناهم﴾ ونحوها، وجاء في أربعة مواضع بلفظ: "الميراث" مثل: ﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾، (راجع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم). فأهلُ الكتاب هم اليهود والنَّصارى، وهم المخاطبون في القرآن الكريم، منذ بعثة الرَّسول ﷺ إلى يوم القيامة، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام:١٥٦]. قال عليُّ بن أبي أبي طلحة، عن ابن عباس، وذكره مجاهدٌ وغيرُه: هم اليهود والنصارى. وكذلك حدَّد الرَّسولُ ﷺ أهلَ الكتاب بأنَّهم اليهود والنصارى، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ.)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟)) رواه الشَّيخان. وجاء في "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.)) قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير. ولقد سمَّى الله ﵎ اليهود والنَّصارى أهلَ الكتاب، ولم يُسَمِّهم "مسلمين"؛ وذلك لبعدهم عن ملة إبراهيم ﵇ ولعدم تصديقهم برسالة محمَّد ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠].

стр. 257

وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]. وقد نفى القرآنُ الكريمُ نفياً قاطعاً، صلةَ أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ باليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، وساق حُجَّة ودليلاً عقلياً على ذلك، وهو نزول التَّوراة والإنجيل من بعده ﵊ قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:٦٥]. حقيقة ما بين يدي أهل الكتاب -اليهود والنصارى- من التوراة والإنجيل الآن وما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلمين من كل منهما . تحدَّث القرآن الكريم باستفاضةٍ عن أهل الكتاب، وعمَّا بين أيديهم من الكتب، ونتناول في هذا المبحث ثلاثَ مراحل تتابعت وتطوَّرت، على الكتب السَّماويَّة، وذلك على النَّحو التَّالي: المرحلة الأولى: تلك المرحلة الَّتي تلقَّى فيها نبيَّا الله موسى وعيسى ﵉ الوحيَ من الله، فتنزلت التَّوراةُ على موسى، والإنجيلُ على عيسى، وكانا كلاماً من الله خالصاً، لم يُخالطْه كلامٌ من أيِّ الرَّسولين، ولم تمتدَّ إليهما يدٌ بالتَّغيير أو التَّحريف، وظلَّ ذلك في حياتهما، وإبَّانَ بِعثتهما وردحاً من الزَّمن، وقد ذكر القرآن الكريم أنَّ التَّوراة والإنجيل، كشأن الكتب السماويَّة، هي كلام الله المنزل على رسله، تأييداً لهم وتأكيداً على رسالتهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ

стр. 258

يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٨٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٥٣]. فالكتاب هو التَّوراة، وسمَّاه الله فرقاناً؛ لأنَّه فرق بين الحقِّ والباطل، فاجتمع مع القرآن الكريم في هذا الاسم، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:١٤٤]. فهذا وصفٌ للتَّوراة، وبيان: أنَّ الرَّبَّانيِّين والأحبار قد أُمروا بالمحافظة عليها، وكانوا شهداء أنَّها من كلام الله، وليست من كلام موسى ﵇، وكذلك الشَّأنُ في الإنجيل المنزَّل على عيسى ﵇؛ فهو كلامُ الله، لا دخل له فيه بزيادة حرف أو نقصانه، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٦ - ٤٧]. وبَيَّنَ القرآن الكريم أنَّ عيسى ﵇ بجانب نزول الإنجيل عليه، كان على علم بالتَّوراة الَّتي أنزلت على موسى، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٤٨]. ولقد امتنَّ الله وتفضل عليه واختصَّه بما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاس فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 259

فهذه بعضٌ من آياتٍ كثيرة، توضِّحُ أنَّ التَّوراة والإنجيل المنزَّلين على موسى وعيسى ﵉ هما من كلام الله، ولا دخلَ لهما فيهما إلا بالبلاغ والبيان. وقد بيَّن القرآنُ الكريم أنَّ أهل الكتاب، لو حافظوا على ما تَحتَ أيديهم من كلام الله، وآمنوا بما أُنزل على محمَّد ﷺ ؛ لتبدَّلت أحوالُهم ولعمَّ البِشرُ والخيرُ الإنسانيَّةَ كلَّها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٥ - ٦٦]. وقد أنصف القرآن الكريم بعضاً من أهل الكتاب، ظلُّوا على الحقِّ وتمسَّكوا به وعرفوا الحقيقة، فالتزموا بها ولم يتناولوا ما أُُنزل على موسى وعيسى ﵉ بما تناوله غيرهم، وهؤلاءِ وإن كانوا قلَّةً من بين أهل الكتاب، إلا أنَّه لا يخلو منهم عصرٌ من العصور، قال تعالى عن بعض أهل الكتاب الَّذين ظلُّوا على الحقِّ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١١٣ - ١١٥]. هذه هي المرحلة الأولى الَّتي نزلت فيها التَّوراة والإنجيل، وقد وضَّح القرآنُ الكريم معالمَ وملامح هذه المرحلة، ونوجزها في النقاط التَّالية: أولاً: إنَّ التَّوراة والإنجيل في هذه الفترة، ولا سيما في حياة الرَّسولين كانتا وحياً وكلاماً من الله، شأنها شأن جميع الكتب المنزلة ومنها القرآن الكريم. ثانياً: لم يدَّعِ أحدٌ من النَّبيِّين أنَّ ما بين أيديهما من التَّوراة والإنجيل، هو من كلامهما.

стр. 260

ثالثاً: أنَّ أتباع الرَّسولين من الحواريِّين كانوا يعرفون حقَّ المعرفة أنَّ التَّوراة والإنجيل، من كلام الله، وأُخذ عليهم الميثاق بذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]. رابعاً: أنَّه في هذه المرحلة، كان الإسلام هو الصبغةُ الَّتي اصطبغ بها أهلُ الكتاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢ - ٥٣]. خامساً: خلت التَّوراة والإنجيل في هذه الفترة، من كل ما يُسيءُ إلى ذات الله أو الانتقاص من قدر الأنبياء والمرسلين أو الافتراء عليهم. سادساً: تضمَّنت التَّوراة والإنجيل بين ثناياهما، بيانَ صفاتِ الرَّسول ﷺ والتَّبشير ببعثته، وأخذ الله العهد على أتباعهما، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسول النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ... ﴾ اليَّة [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦]. سابعاً: هذه المرحلةُ لم تدم طويلاً، إذ إنَّها انتهت بانتهاء حياة موسى ورفع عيسى ﵉، هذا بجانب أنَّ الله تعالى لم يتكفَّل بحفظ التَّوراة والإنجيل، كما تكفَّل بحفظ القرآن الكريم، وكلِّ ما يتصل به من السُّنَّة النَّبويَّة واللُّغة العربيَّة. فامتدت الأيدي للتَّوراة والإنجيل بالتَّغيير والتَّحريف، كما سنوضحه في المبحث التَّالي.

стр. 261

مراحل الكتابين (التوراة والإنجيل) أولا اليهود .

стр. 262

مراحل الكتابين (التَّوراة والإنجيل) أولاُ اليهود أولاً: اليهود: لقد منَّ الله على اليهود برسالة موسى ﵇ حتى أنقذهم المولى على يده من بطش فرعون وظلمه، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. وأجرى الله لهم، على يد موسى ﵇ الكثيرَ من النِّعَم، ومنحهم من الفضل، ما لم يعطه لأمَّةٍ من قبلهم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]. غير أنَّ أسباطَ بني إسرائيل، لم يكونوا أوفياءَ للعهد، وهذه طبيعتُهم منذ غدرهم بأخيهم يوسُف بن يعقوب بن إبراهيم -عليهم جميعاً الصَّلاة والسَّلام-، ظهر هذا واضحاً، خلال مواقفهم التَّالية، من موسى ﵇: ١ - طلبوا منه ﵇ بمجرَّد تجاوزهم البحر ونجاتهم من فرعون، أن يجعل لهم آلهةً، كآلهة الأمم الوثنيَّة من حولهم، وقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك. ٢ - طلبوا من موسى ﵇ أن يُرِيَهُم اللهَ جهرةً. ٣ - انتهزوا َفترة ذهاب موسى لمناجاة ربِّه، والَّتي دامت أربعين يوماً، فأضلَّهم السامريُّ، واتخذ من حُلِيِّهِم عجلاً جسداً، انكبُّوا على تأليهه وعلى عبادته.

стр. 263

٤ - تنكَّروا لموسى ﵇ وجحدوا نجاتهم على يديه، وزعموا أنهم أوذوا من قبله ومن بعده. ٥ - خِذلانهم له ﵇ وقعودُهم عن نصرته في دخول الأرض المقدَّسة، وقد وصفهم الله بقسوة القلوب، وظمئهم إلى القتل وسفك الدِّماء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] ولقد امتدت تلك القسوة لتنال أنبياءهم، فقتلوا كثيراً من الرُّسل، منهم زكريَّا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى ﵇ كما حاولوا أكثر من مرة قتلَ رسولِ الله ﷺ قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاس فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]. هذا هو حالُ اليهود مع موسى ﵇، ومع العديد من أنبيائهم. اليهود والتَّوراة إنَّ التَّوراة الَّتي أنزلها الله على موسى ﵇ قد ضاعت أصولُها، وفُقدت نصوصُها، لعوامل كثيرةٍ، منها: ١ - أنَّ الله تعالى لم يتكفَّل بحفظها، كما تكفَّل بحفظ القرآن الكريم، فتُركت لعوادي الزمن ولتقلبات الأيام، فطواها النسيان، وأزيلت معالمها. ٢ - أنَّ اليهود بعد طول العهد بموسى ﵇ وانقطاعِ صلتهم بالتَّوراة وتوافقاً مع طبائعهم المنحرفة؛ قاموا بوضع كتاب لهم نسبوه إلى موسى ﵇ وأخذوا يزيدون فيه وينقصون حسب ما تمليه عليهم عقولُهم الضَّالَّة، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦].

стр. 264

٣ - كان للأحداث التَّاريخيَّة الَّتي عصفت باليهود ومزَّقتهم شرَّ ممزق، حيث سُلِّط عليهم خلال التَّاريخ مَن أذاقهم الذُّلَّ والهوان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٧ - ١٦٨]. ولقد كان لتلك الأحداث المتعاقبة، أثرٌ بالغٌ في ضياع التَّوراة، وفقدان أصولها ونصوصها المنزلة من عند الله، ولا سِيَّما في أعقاب الأسر البابليِّ لهم عام (٥٨٦ ق. م)، في عهد ملك بابل بختنصر. وظهر خلال فترة الأسر، في بابل، كاهنٌ وكاتبٌ يهوديٌّ يُسمى عزرا الَّذي عاصر عفوَ الملك الفارسي (قورش) عن اليهود، وقد أذن لهم بالعودة إلى فلسطين، فلما رأى عزرا أنَّ القوم أُحرِق هيكلُهم، وزالت دولتهم، وتفرَّق جمعُهم، ورفع كتابهم؛ جمع من محفوظاته، ومن الفصول الَّتي يحفظها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التَّوراة التَّي بأيديهم الآن، فهذه التَّوراة الَّتي بأيديهم على الحقيقة كتابُ عزرا، وليس كتاب الله. هذا التَّوضيح عن ضياع التَّوراة، ذكره السموأل بن يحيى، الَّذي كان من أحبار اليهود في القرن السادس الهجري، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامه. وأكدت الدراسات الحديثة هذا، خاصةً ما ذكره موريس بوكاي، في كتابه: "دراسة الكتب المقدسة، في ضوء المعارف الحديثة"، وهكذا امتدَّت الأيدي لتصنع ما يروقُ لها، وابتدأت فئةٌ من الكتبة الَّذين كانوا يُعرَفون بالفريسيين، وهم الَّذين حملوا بعد ذلك اسم الحاخامات، أي معلمو الشَّريعة، ولقد تتابع هؤلاء الكتبة على الإضافة إلى التَّوراة، وإلحاق أسفار جديدة، حتى تكوَّن

стр. 265

لديهم ما يُسمى بالعهد القديم، وصار يبلغُ خمسة أضعافِ الأسفارِ الخمسة، المنسوبة إلى موسى ﵇: التَّلمود: وإلى جانب العهد القديم، طوَّر حاخاماتُ اليهود عبر القرون، تراثاً دينياً ضخماً، يعدُّونه الأصل الثاني في ديانتهم، وهو "التَّلمود" ويعني بالعبريَّة التَّعليم، ويتكون التَّلمود -حسب ما جاء في دائرة المعارف اليهوديَّة من جزئين أساسِيَّين: أحدهما: "المشناة" وهي مجموع المرويَّات الشَّفهيَّة المنسوبة إلى موسى ﵇، والَّتي يزعم الحاخاماتُ أنَّهم تناقلوها جيلاً بعد جيل، وقد شرع في تدوينها الحاخام "يوضاض" عام (١٥٠م)، ثم ضمَّها مع زياداتٍ أخرى أُلحقت بها الحاخام "يهوذا هاناس" عام (٢٠٠م) تقريباً. الثاني: "جمارا" وهي شرحٌ لما استغلق فهمُه من المشناة، مع زيادات وتعليقات ابتدأها ابنا الحاخام "هاناس"، وتابعهم آخرون، وقد تنوَّعت "جمارا" إلى نوعين: -"جمارا أورشليم" أو فلسطين، صُنِّفَت في حدود (٤٠٠م)، وقيل: (٣٢٠م). -و "جمارا" بابل، صُنِّفت في حدود عام (٥٠٠م) نسبةً إلى مواطن الشُّرَّاح. ومن ثم تنوَّع التَّلمود، إلى: تلمود أورشليم، وتلمود بابل. هذه نظرة شاملة، على مصادر الدِّيانة اليهوديَّة، وكتبها المقدَّسة لديهم، والَّتي تكشف بوضوح، عن انقطاع الصِّلة بين التَّوراة الَّتي أنزلها الله على موسى، وبين ما تحت أيدي اليهود من التَّوراة: "العهد القديم" والتَّلمود، وأنَّ ما بين

стр. 266

أيديهم الآن، لا يمُتُّ بصلةٍ إلى الوحي المنزل على موسى ﵇؛ إذ إنَّها تحتوي على أمورٍ تُناقض ما أنزله الله، وتضمُّ بين دفَّاتها أشياءً لا تليقُ بالذَّات الإلهيَّة، وتُسيء للأنبياء، ممَّا سنوضحه في المحاضرة القادمة، إن شاء الله. الدرس: ١٤ الأسس والدعائم التي تقوم عليها الدعوة إلى الله (٤) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الأسس والدعائم التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله (٤)) ١ - تابع الأسس والدَّعائم الَّتي تقوم عليها الدَّعوة ما جاء في عقائد اليهود في حقِّ الله -تعالى - الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتم الرسل، الَّذي حفظ الله دينه، وعصم حياته، وصان شريعته من التَّغيير والتَّحريف، وعلى آله وأصحابه والتَّابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدِّين، السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: تمهيد: نُكمل ما بدأناه حول الأسس والدَّعائم، الَّتي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله، ومن ذلك الإيمانُ بالكتب السَّابقة، حيث انتهى الحديثُ السَّابق عن التَّعريف بالتَّوراة الَّتي أُنزلت على موسى ﵇. وقد تبيَّن بما لا يدعُ مجالاً للشَّكِّ: أنَّ ما تحت يد اليهود، من نصوص العهد القديم، لا يمتُّ بصلةٍ إلى ما أنزله الله على موسى ﵇، وأنَّها كُتِبت أثناء الأسر البابلي لليهود (عام ٥٨٦ ق. م) والقرون الَّتي بعد ذلك، وفي هذه المحاضرة -إن شاء الله- نُبيِّن ما يحمله "العهد القديم" من أمورٍ لا تليق بالذَّات الإلهيَّة، وتُسيء إلى أنبياء بني إسرائيل جميعاً، ولا يُعقل أن يصدُرَ ذلك في كتابٍ يزعم أصحابُهُ أنَّه مُقدَّس، وسوف نورد بعضَ النُّصوص ممَّا تحت أيديهم، وذلك على النَّحو التَّالي: لقد حفل "العهدُ القديمُ" و"التَّلمودُ"، بأمورٍ لا تَليق بالذَّات الإلهيَّة، وتتنافى مع ما يجبُ لله من صفاتِ الجلالِ والكمال، ومن ذلك: ١ - أكذوبةُ رؤية الله في الدُّنيا: لقد تحدَّث القرآن الكريم، عن طلب موسى ﵇ من الله أن يراه، فلم ينلها، ولم يُطق تجلِّي الحق ﵎ للجبل، وخرّ مغشياً عليه، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس بِرِسَالَّتي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣ - ١٤٤]. مع هذا، فقد تجرَّأ اليهود في حياة موسى ﵇، وطلبوا منه رؤية الله؛ فأخذتهم الصاعقة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥].

стр. 267

ورغم ذلك، فقد جاء في سفر الخروج، من "العهد القديم": "ثم صعد موسى وهارون وناداب، و .. وسبعون من شيوخ بني إسرائيل، فرأَوا إلهَ إسرائيل، وتحت رجليه صنع بلاط سفير أشبه بالسماء نفسِها نقاءً، وعلى أعيان بني إسرائيل هؤلاء، لم يمدَّ يدَه، فرأوا الله وأكلوا وشربوا -تعالى الله عما يفترون علوَّاً كبيراً-". وكذلك الشَّأن فيما نسبوه ليعقوب ﵇، ولرؤيته لله والإمساك به، فلم يَدعه حتى سمَّاه إسرائيل وأعطاه النُّبوَّة والرِّسالة. ٢ - فرية وأكذوبة وصفه بالنَّدم، تعالى الله عما يقولون علوَّاً كبيراً: جاء في "سفر التَّكوين": "فندم الرَّبُّ، على أنه صنع الإنسانَ على الأرض، وتأسَّف من قلبه، فقال الرَّبُّ: أمحو عن وجه الأرض الإنسانَ الَّذي خلقتُ، الإنسان مع البهائم والزِّحافات وطيور السَّماء؛ لأنّي ندمت على صنعتهم". (سفر التَّكوين ٦/ ٦،العهد القديم ص٧٧،٧٨) أما التَّلمود فيُفرِق كاتبه في الإسفاف والتَّفريط في وصف الله -تعالى- بما لا يليق، فيقول: "يتندَّم الله على تركه اليهود، في حالة من التَّعاسة، حتى إنَّه ليلطم ويبكي كلَّ يوم؛ فتسقط من عينيه دمعتان في البحر، فيٌسمع دويُّهما من بدء العالم إلى أقصاه، وتضطرب المياه، وترتجف الأرضُ في أغلب الأحيان، فتحصل الزَّلازل". ٣ - فريةُ وصف الله بالتَّعب -تعالى وتنزَّه عمَّا يقولون-: جاء في "سفر التَّكوين": "وانتهى الله في اليوم السَّابع، من عمله الَّذي عمله، واستراح في اليوم السَّابع".

стр. 268

وقد كشف الله وفضحَ افتراءاتِهم وأكاذيبَهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: تعب ومشقة. وهذا قليلٌ من كثيرٍ، طَفَحَ به ما يُسَمَّى بالكتاب المُقدَّس، وبينه وبين القداسة بون شاسع وفرق كبير، كالفرق بين الثَّرى والثُّرَيَّا. افتراؤهم على أنبياء الله ورسله لم يَسلم الأنبياءُ والمرسَلون من ألسنة اليهود، وافترائها عليهم، وذلك بإلصاق أشنع الأفعال بهم، ممَّا يتنافى مع عصمة الأنبياء وكمال أخلاقهم، وممَّا جاء في ذلك: ١ - ما نُسب إلى نوح ﵇ فقد جاء في "سفر التَّكوين": "وابتدأ نوحٌ حارث الأرض يغرس الكرم، وشربَ الخمر، فَسَكِرَ، وتكشَّف داخل خيمته". وصدق الله وكذب اليهود، قال -تعالى- عن نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء:٣]. ٢ - إبراهيم ﵇ يُصوِّرُه "سفر التَّكوين" باذلاً عرض زوجته "سارة" لرؤساء الفراعنة، حين قدومه إلى مصر، لتحقيق مطامع دنيويَّة، فممَّا جاء في "العهد القديم": "فلمَّا قاربَ أن يدخل مصر، قال لسارا امرأته: أنا أعلمُ أنَّكِ امرأةٌ جميلةُ المنظر، فيكون إذا رآك المصريُّون أنَّهم يقولون: هذه امرأتُه؛ فيقتلونني ويُبقونَك على قيد الحياة، فقولي: إنَّك أختي، حتى يُحسَنَ إليّ بسببك، وتحيا نفسي بفضلك،

стр. 269

فأُحسِن إلى أبرام بسببها، فصار له غنمٌ وبقرٌ وحمير وخدام وخادمات وحمائر وجمال". فحاشا لنبيِّ الله إبراهيم، خليلِ الرَّحمن، والَّذي لم يخشَ إلقاءه في النّار، أن يحتميَ بزوجته أو أن يرضى السُّوءَ في أهله. ٣ - لوط ﵇ وأهلُ بيته المؤمنون، يقلب "الكتابُ المقدَّس" الحقائق رأساً على عقب، فلا يتناول بكلمة واحدة قدحاً أو ذمَّاً في شأن زوجته، الَّتي تابعت قومها وتركت لوطاً، وإنَّما يقلب الحقائق، ويصف لوطاً ﵇ بما يستحيلُ، عقلاً ومنطقاً وديناً، أن يصدُر عن الأنبياء. يُصوِّر "سِفر التَّكوين" من "العهد القديم" لوطاً ﵇ بأنَّه -والعياذُ بالله- ارتكبَ جريمة الزِّنا بابنتيه، وجاء في ذلك ما يعفُّ اللِّسانُ عن ذكره، ويُمسك القلم عن تناوله، وقد شهد أعداءُ لوط له ولآل بيته بالطُّهر، كما ذكر ذلك القرآنُ الكريم في قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، فإذا كان قومُ لوط قد وصفوه بالتَّطهُّر والعفاف، فكيف يأتي اليهود ويصفونه بهذه الصفة القبيحة!؟ ٤ - موسى ﵇ لم يسلم من سوء ألسنتهم، فمع ما أجراه الله لهم على يديه، من فضلٍ عميم وخيرٍ كثير، فقد تذمَّروا عليه، وضاقوا به ذرعاً، فجاء في "سفر الخروج" من "العهد القديم": "فتذمَّرت جماعةُ بني إسرائيل كلِّها، على موسى وهارون في البرِّيَّة، وقال لهما بنو إسرائيل: ليتنا متنا بيد الرَّبِّ في أرضِ مِصرَ، حيثُ كُنَّا نجلس عند قدور اللَّحم، ونأكل من الطَّعام شِبعانَ، في حين أنَّكما أخرجتمانِنا إلى هذه البرِّيَّة؛ لتُميتا هذا الجمهور كلَّه بالجوع".

стр. 270

٥ - هارون ﵇ نَسب إليه "سفرُ الخروج" الضلوع في صناعة العجل الَّذي عبدته بنو إسرائيل، فقد جاء: "ورأى الشعبُ أنَّ موسى قد تأخَّر في النُّزول من الجبل؛ فاجتمع الشعبُ على هارون، وقالوا: قم فاصنع لنا آلهةً تسير أمامنا؛ فإنَّ موسى ذلك الرجل الَّذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه، فقال هارون: انزَعوا حلقات الذَّهب الَّتي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وآتوني بها؛ فنزع كلُّ الشعب حلقاتِ الذَّهب الَّتي في آذانهم، وأتَوا بها هارونَ فأخذها وصبَّها في قالَب وصنعها عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل الَّتي أصعدتك من أرض مصر، فلما رأى هارون ذلك، بنى مذبحاً أمام العجل، ونادى قائلاً: غداً عيدٌ للرَّبِّ، فبكِّروا في الغدوِّ، وأصعدوا محرقات وقربوا ذبائح سَلاميَّة، وجلس الشعب يأكل ويشرب ثم قام يلعب". ولقد برَّأ القرآن الكريم هارونَ مما افترَوه عليه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠]. ٦ - داود ﵇ يصفُه سفر صموئيل الثاني بوصفةٍ شنيعةٍ وعملٍ منحطٍّ: أنَّه تآمر على قائده "أوريا" الحيثيِّ؛ ليتزوَّج بزوجته؛ فأرسل به إلى جبهة القتال، وحمّله كتاباً فيه "ضعوا" أوريا حيث يكون القتال شديداً وانصرفوا من ورائه، فيضرب ويموت". فهل هذا يليق بنبيِّ الله داود الَّذي وصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالأِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:١٧ - ٢٠]. هذا هو نبيُّ اللهِ داود في القرآن الكريم، فأين ذلك ممَّا ذكرته التَّوراة المزعومة؟

стр. 271

كذلك لم يسلم عيسى ﵇ وأمُّه من ذلك، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، ممَّا سبق يتَّضح تمام الإيضاح، أنَّ التَّوراة الموجودة بين أيدي اليهود، قد أملاها انحراف الفكر، وضلال العقيدة، واتِّباع الهوى: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]. ما يتعلق بحقيقة الأناجيل التي بين يدي النصارى أرسل اللهُ عيسى ﵇ برسالة التَّوحيد، شأنُه شأنُ جميع الأنبياء والمرسلين، وكان ﵇ آخرَ حلقةٍ في سلسلةِ أنبياء بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٦ - ٤٧]. وقال تعالى عنه ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ

стр. 272

بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران:٤٨ - ٥١]. فهذه الآياتُ والَّتي قبلها، وكذلك كلُّ ما جاء في القرآن عن عيسى ﵇ يوضح ويُبرز الحقائقَ التَّالية: ١ - أنَّه ﵇ أُرسل لبني إسرائيل خاصَّةً، لتصحيح ما انحرف في عقائدهم، ولتقويم ما ابتعدوا عنه من شريعة موسى ﵇. ٢ - أنَّ الله أنزل على عيسى ﵇ الإنجيلَ، وهو كلامُ الله كشأن كلِّ الكتب المُنزلة على رسله، وبجانب نزول الإنجيل فقد علَّمه اللهُ التَّوراةَ الَّتي أُنزلت على موسى، لكي يُبَيِّنَ لليهود أنَّ ما بين أيديهم لا يمُتُّ بصلةٍ لكلام الله، وإنَّما هو من وضع أحبارهم. ٣ - أنَّ الدِّين الَّذي جاء به عيسى ﵇ هو الإسلامُ الَّذي يقومُ على نفس الأسس والقواعد الَّتي جاءت بها رسلُ الله وأنبياؤه من لدن آدم ﵇. ٤ - أنَّ عيسى ﵇ لم يدَّعِ لنفسه وضعاً مميَّزاً أو مكانةً خاصَّة، تختلف عن مكانة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وإنَّما هو عبدُ الله ورسولُه. ٥ - أنَّ الإنجيل الحقَّ المُنزل على عيسى ﵇ قد حمل بين ثناياه، كما حملت التَّوراةُ التَّبشيرَ برسالة محمَّد ﷺ . ٦ - وصف اللهُ الإنجيلَ بأنَّه هدىً ونورٌ، كشأن كلِّ الكتب المنزلة على الأنبياء السَّابقين. ٧ - أمر اللهُ بني إسرائيل أن يحكموا وفق ما أنزله الله على موسى وعيسى ﵉.

стр. 273

٨ - أنَّ عيسى ﵇ نفى نفياً قاطعاً ما اعتقده النَّصارى في بُنوَّته لله أو ألوهيَّته، وتَبرَّأ من ذلك، وجعل الله ﵎ من أمارات السَّاعة الكبرى أن ينزل ﵇ فيكسرَ الصَّليب ويقتلَ الخنزير، وهذا ما أخبر به الصَّادق المصدوق محمَّدٌ ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدلَاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، وتكون السَّجدة واحدةً لله ربِّ العالمين)). قال أبو هريرة: "اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النِّساء:١٥٩] " رواه الشَّيخان. موقف النَّاس من عيسى ﵇ انقسم النَّاس في شأن عيسى ﵇ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قومٌ كفروا به وناصبوه العداء، وهم عتاةُ اليهود الَّذين عادَوه وكذَّبوه ورمَوه وأمَّه بالبهتان العظيم، ووشَوا به إلى الحاكم الرُّومانيِّ، وعمدوا إلى محاولة قتله وصلبه، ولكنَّ الله أنقذه من أيديهم، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٩].

стр. 274

وقد استمرَّ عداءُ هذه الفئة، ويؤازرهم في العدوان الرُّومان، حتى اعتناق الإمبراطور الرُّوماني "قسطنطين" الدِّيانةَ النَّصرانيَّة عام ٣١٧م. القسم الثَّاني: جماعةٌ آمنوا به ﵇ وصدَّقوا بما أنزله اللهُ عليه، واحتملوا صنوف الأذى الَّتي لحقت بهم، سواء من الرُّومان أو من الَّذين انحرفوا عن الدِّين الحقِّ، وغيّروا وبدلوا، قال الله -تعالى- عن أولئك المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤]. ويصف "سفر أعمالِ الرُّسُل" من "إنجيل لوقا" أحوالَ الحواريِّين، فقال: "وكانوا يواظبون على تعاليم الرُّسل، والمشاركة، وكسر الخبز، والصَّلوات، وكان جميعُ الَّذين آمنوا جماعةً واحدة، يجعلون كلَّ شيءٍ مشتركاً بينهم، يبيعون أملاكهم وأموالهم، ويتقاسمون الثَّمنَ على قدر احتياج كلٍّ منهم، يُلازمون الهيكلَ كلَّ يومٍ بقلبٍ واحد". وهؤلاء هم الَّذين تحدَّث عنهم القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * َذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٥ - ٥٩].

стр. 275

غير أنَّ هذه الفئة الَّتي آمنت بعيسى ﵇ وصدَّقت بما أُنزِل عليه من الله، ولم تغلُ غلوَّ غيرهم، لم تصمد أمام تلك الجماعة الَّتي تزعمها بولس "شاول" اليهوديُّ، الَّذي تحالف مع الوثنيَّة الرُّومانيَّة، الَّتي استأصلت هؤلاء الموحِّدين، ونبذتهم المجامعُ النصرانيَّة، وقضى عليهم الاضطهادُ الكَنَسيُّ، ولم يبقَ منهم سوى أفرادٍ قلائل، كانوا يمثِّلون حقيقةَ رسالة عيسى ﵇، إلا أنَّ صوتهم كان خافتاً ضعيفاً، وضاع وسط الأعاصير والعواصف. القسم الثالث: الَّذين غلَوا فيه ورفعوه فوق منزلته الَّتي أنزله الله إياها، وهي العبوديَّة والرِّسالة، وبالغوا في إطرائه، حتى انتقلوا به من مصاف البشريَّة إلى مرتبة الألوهيَّة، -والعياذ بالله- وذلك إمَّا بسبب الانبهار بما أجرى الله على يديه من معجزات خارقة، (كولادته ﵇ من غير أبٍ، وكالآيات الأُخرى الَّتي جاء ذكرُ بعضها في القرآن الكريم)، وإمَّا بسبب دسائس اليهود الكافرين الحاقدين، ليُفسدوا ما جاء به عيسى ﵇ كما أفسدوا ديانة موسى وديانة أنبياء بني إسرائيل جميعاً، ولقد تولَّى كبر هذا الانحراف والإفساد "بولس الرَّسول" وكان من عتاة اليهود، عاصر عيسى ﵇ غير أنَّه لم يلتقِ به، وكان خصماً عنيداً لرسالته ﵇، وأنزل بالحواريِّين ويلاتِ الاضطهاد والعذاب، وفجأةً تحوَّل إلى النَّصرانيَّة، وصار من أشدِّ المتحمسين لها، غير أنَّه انتهج خَطَّاً مخالفاً للدِّين الحقِّ، وأحدث شرخاً عظيماً في الدِّين النَّصرانيِّ، فزلزل أركانه، وقلبَ عقائده رأساً على عقب، وانتقل به من دينٍ خاصٍّ لبني إسرائيل، وعلى شريعة موسى، إلى ديانةٍ ممتزجةٍ بالوثنَّات والثَّقافات الأمميَّة المعاصرة؛ فدبَّ الشِّرك في أوصالها، وسرت في جنباتها فلسفاتٌ قديمة، وديانات ومعتقدات وثنيَّة، كان من معالمها وملامحها القضايا التَّالية:

стр. 276

أولاً: التَّثليث: وهو يمثل جوهر عقيدة النَّصارى في الألوهيَّة، ويُصوِّرون هذا المعتقد بقولهم: طبيعةُ الله ثلاثةُ أقانيم متساوية: اللهُ الأب، والله الابن، والله الرُّوح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن ينتمي الفداء، وإلى الرُّوح القدس ينتمي التَّطهير، وقد أشار القرآن الكريم إلى بطلان هذا المعتقد، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣]. ث انياً: الدَّينونة: يعتقد النصارى أنَّ المسيح ﵇ هو الله الابن، ويُحاسب النَّاس على خطاياهم. ثالثاً: الصَّلب: يعتقد النَّصارى أنَّ المسيح ﵇ قد صُلب فداءً للخليقة، وتكفيراً عن الخطيئة الَّتي ارتكبها آدم أبو البشر وورثها لأبنائه من بعده. والنَّصارى مختلفون في الطَّريقة الَّتي تم بها الصَّلب، والقرآنُ الكريم يدحض هذا الزَّعم كليَّةً، فيقول: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. رابعاً: التَّعميد: هو الانغماس في الماء، أو رش الشَّخص باسم الأب والابن وروح القدس؛ تعبيراً عن تطهير النَّفس من الخطايا والذُّنوب. خامساً: الاعتراف: وهو البَوح بكل ما يقترفه الإنسان من ذنوب وآثام، إلى رجل الدِّين، ويدَّعون أنَّ ذلك يُسقط العقوبة، ويطهر الذُّنوب.

стр. 277

سادساً: العشاء الرَّبَّانيُّ: يدَّعي النَّصارى أنَّ المسيح ﵇ جمعَ الحواريِّين في اللّيلة الَّتي سبقت صلبه، وأنَّه وزَّع عليهم خبزاً كسره بينهم وخمراً، وأنَّ الخمر يُشير إلى دمه، والخبز إلى جسده. سابعاً: الاستحالة: يعتقد النصارى أنَّ من أكل الخبزَ وشربَ الخمرَ في يوم عيد الفصح؛ استحالَ فيه، وأصبح كأنَّه أدخل في جوفه لحمَ المسيح ودمه، وأنَّه بذلك امتزج بتعاليم المسيح. حقيقة الأناجيل التي بين يدي النصارى . هذه المعتقداتُ لم تردْ في دينٍ من الأديان السَّماويَّة، ولم يتحدَّث بها نبيٌّ من الأنبياء، ولم يوحِ الله في كتبه المنزلة، وإنَّما حفلت بها عدة أناجيل تمَّ وضعُها فيها بأيدٍ بشريَّة، كما سنوضِّحه: من الأمور الَّتي قرَّرها القرآن الكريم، أنَّ اللهَ قد أنزل على عيسى ﵇ "الإنجيل"، ووصفه الحقُّ ﵎ بما وصف به الكتب المنزلة. هذا الإنجيل، وهو كلام الله المنزل على عيسى ﵇ فُقد بعد رفعه ﵇ وضاعت معالمُه، واندثرت آثاره، ولحقَ به ما لحق بالتَّوراة؛ لأنَّ الله لم يتكفَّل بحفظ أيٍَّ منهما، هذا بجانب ملاحقة اليهود والرُّومان للحواريِّين، والتَّنكيل بهم ومطاردتهم، ممَّا كان عاملاً على فقدان الإنجيل الحقِّ، وأن الَّذي بين أيدي النَّصارى الآن من الاناجيل المتعدِّدة، والَّتي وصلت إلى سبعين إنجيلاً، اتُّفِق على أربعةٍ منها في مؤتمر "نيقيَّة" (عام ٣١٧م)، وهذه الأناجيل الأربعة لا تمت بصلَةٍ إلى وحي السَّماء، الَّذي أنزله الله على عيسى ﵇.

стр. 278

ويُلاحظ على هذه الأناجيل ما يلي: أولاً: أنَّ هذه الأناجيل، ليست من كلام الله، لا حقيقةً ولا مجازاً، وأنَّ عيسى ﵇ لم يقم بإملاء نص مكتوب هو "الإنجيل"، بل تمَّ حفظُ تعاليمه وأقواله عن طريق الحفظ في صدور الحواريِّين فقط، وقد بدأ التَّدوينُ كسيرة، لا كوحيٍ سماويٍّ، بعد النِّصف الثَّاني من القرن الأول الميلاديِّ. ثانياً: باعتراف علماء النَّصارى، أنَّ واضعي هذه الأناجيل، ليسوا جميعاً من تلاميذ المسيح الَّذين لازموه وتلقَّوا منه مباشرةً، ونقلوا عنه بالسند المتَّصل، فأهمُّ هذه الأناجيل وأوَّلُها في التَّرتيب لدى الكنيسة "إنجيل متَّى" المنسوب إلى أحد الحواريين، وقد دار جدلٌ حول صحة نسبة الإنجيل إليه. يقول موريس بوكاي: "لنقل صراحةً: إنَّه لم يعد مقبولاً اليوم، القولُ: إنَّه أحدُ حَواريِّي المسيح". كما يدورُ جدلٌ حول تاريخ تدوينه. يقول الشيخ محمَّد أبو زهرة ﵀: "والحقُّ أنَّ باب الاختلاف في شأن التَّاريخ، لا يُمكنُ سدُّه، كما أنَّ مترجمه من العبرانيَّة إلى اليونانيَّة مجهولٌ تماماً". أمَّا إنجيلُ مرقص، وهو أقدمُها من حيث الظُّهورُ التَّاريخيُّ، وذلك بعد منتصف القرن الأول ما بين (عام ٦٥ - ٧٠م) فليس مؤلِّفُه من الحواريِّين، ولكنَّه تتلمذ لخاله "برنابا"، ورافقه في رحلته مع بولس إلى أنطاكيَّة، وثَمَّ خلافٌ بين مؤرخي النَّصارى، حول كاتبه الحقيقي: أهو بطرس عن مرقص؟ أم هو مرقص بتوجيه من بطرس؟ أم هو مرقص بغير توجيه من بطرس؟

стр. 279

وهذا الاضطراب يوهن النسبة، فضلاً عن العيوب المتعلِّقة بالتَّحرير والسرد القصصيِّ المضطرب. أمَّا إنجيل لوقا، فهو لطبيبٍ أنطاكيٍّ، وليس من الحواريين ولا من تلاميذهم، بل هو تلميذٌ "لبولس" صحبه في بعض أسفاره. أمَّا إنجيل يوحنا؛ فآخر الأناجيل ظهوراً، ويختلف عن الثلاثة الأخرى اختلافاً بيناً، في ترتيبه وأسلوبه وما تضمنه من عقائد، حيث إنَّه الإنجيل الوحيد الَّذي صرَّح بألوهيَّة عيسى ﵇. ثالثاً: الاختلاف البيِّن والواضح بين هذه الأناجيل، حول طبيعة عيسى ﵇ وحول العقائد الأخرى، مما أدى إلى انقسام الكنائس والطوائف النَّصرانيَّة إلى طوائف كثيرة متناصرة. وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. مما سبق تتَّضح الأمور التَّالية: ١ - إنَّ وجوب الإيمانِ بالكتب المنزلة، ينحصر فيما أنزله الله على أنبيائه ورسله، دون غيرها ممَّا هو موجودٌ بين يدي أهل الكتاب الآن. ٢ - أنَّ التَّوراة والإنجيل، واللذان يضمُّهما كتابا "العهد القديم" لليهود، و"العهد الجديد" للنَّصارى، لا يمُتَّان بصلة إلى كلام الله المنزل على موسى وعيسى ﵉. ٣ - أنَّ ما في العهدين القديم والجديد، يتنافى تماماً مع قضيَّة التَّوحيد وتنزيه الله _سبحانه وتعالى- وعصمة الأنبياء، وأنَّ فيها من التَّضارب والخيال والاختلافات ما يُسقطها.

стр. 280

٤ - أنَّ القرآن الكريم هو الفيصل والحكم على هذه الكتب، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النَّمل:٧٦ - ٧٨]. ٥ - حكم الإسلام في أهل الكتاب بحكمين: أحدهما: حكمٌ اعتقاديٌّ: وهو الحكم على معتقداتهم بالكفر، وإنكار ما هم عليه من أعمال شركيَّة، وعدم إقرارهم على شيء مما هو تحت أيديهم، ونفي الإيمان عنهم، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنصُّ في صراحةٍ ووضوح بكفر ما يعتقده اليهود والنَّصارى. الثَّاني: حكمٌ عمليٌّ: وهو يصف ما يجبُ على المسلمين، نحو معاملة أهل الكتاب والوفاء بعهدهم، ما داموا مسالمين ولم يُنابذوا المسلمين العداء، ولم ينالوا من القرآن ولا من سنة الرَّسول ﷺ بذمٍّ أو قدح، ولم يعتدوا على المسلمين، قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. ٦ - يجب أن يحتاط المسلمون لما بين أيدي أهل الكتاب من عقائد أو كتب، قال ﷺ : ((إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ)) رواه الإمام أحمد وأبو داود.

стр. 281

لأنَّ ما بين أيديهم لا يخرج عن ثلاثة أمور: الأمر الأول: ما علمنا صحته ممَّا بأيدينا من القرآن والسُّنَّة، ممَّا يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. الأمر الثاني: ما علمنا كذبه بما جاء عنه في الكتاب والسنة، فيجب إنكار ما أنكره الله ورسوله. الأمر الثالث: ما هو مسكوتٌ عنه، فلا نؤمن به، ولا نكذَِّبه. ٧ - دعاوى التَّقريب بين الأديان الَّتي تتعالى الأصوات بها، في هذا العصر، هي دعوة حقٍّ يُراد بها باطل، فكيف يتمُّ التَّقريب بين دينٍ يقوم على التَّوحيد، وكتابُه موجود ومحفوظ، وسيرة رسوله ﷺ مصانةٌ وموثقةٌ توثيقاً نادراً، بدينٍ يقومُ على الشرك، ولا أثر لكتابه ولا توثيقَ لمصادره. إنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، فقدتا مصداقيَّتهما بعد موسى وعيسى ﵉. ودعوى الحوار هي محاولةٌ يائسة لعودة المصداقيَّة إليهما، وانتشالهما من أعماق الثَّرى، وعواصف التَّخبط الفكريِّ والعقائديِّ، ليتشرَّفا بالجوار والحوار مع الإسلام العظيم. ٨ - من الخطأ البيِّن، ومن الانحراف العقائديِّ والفكريِّ الواضح، أن يُطلق على ما بين أيدي أهل الكتاب عنوان "الكتب المقدسة"، ويُريدون بمكر ودهاء أن يلحقوها بالقرآن الكريم، وللأسف يُردِّد بعضُ الجهلاء من أبناء المسلمين الَّذين تربَّوا على موائد الاستشراق والتَّبشير والاستعمار، يُرَدِّدُون مقولاتهم، فيقولون -وبئس ما قالوا-: الأديان السماويَّة الثلاثة، والكتب السماويَّة المقدسة، وقد انساقُوا إلى هذا طوعاً أو كرهاً.

стр. 282

ممَّا سبق يتَّضحُ: أنَّ الإيمان بالكتب المنزلة من الله على الأنبياء والمرسلين، جزءٌ من الإيمان بالغيب، الَّذي هو جوهر عقيدة المسلم، وأساسُ الدَّعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٤ - ٥]. أمَّا عن بقيَّة أركان الإيمان، ومعالم التَّصديق بالغيب؛ فهذا موضوعُ المحاضرة القادمة -إن شاء الله-. ٢ - من دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله الإيمانُ باليوم الآخر حكم الإيمان باليوم الآخر وأهمِّيَّته الحمد لله، له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه تُرجعون، والصَّلاة والسَّلام على صاحب اللِّواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،: تمهيد: فما زال الحديث -بإذن الله- يتجدَّد، واللِّقاء يتواصل، حول دعائم وأسس الدَّعوة إلى الله. نتناول موضوعَ الإيمانِ باليوم الآخر، وما يتضمَّنُه من أمورٍ، يجب التَّصديقُ بها، والتَّسليم المطلقُ بما جاء بشأنها في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة. الإيمانُ باليوم الآخر، وما يشتمل عليه من أحوال، تبدأ معالمُها وحقائقُها ومشاهدُها بعد الموت مباشرةً، من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، بما يسمى حياة البرزخ، ثم ما يتبعُ ذلك من أحداثِ وأهوالِ يوم القيامة، من البعث والحشر والصُّحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة، والجنَّة وما أُعِدَّ فيها للمؤمنين، ممَّا لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بَشر، من أنواع النَّعيم، والنَّار الَّتي تُسعَّر بكلِّ ألوان العذاب للكافرين، فالتَّصديق والاعتقاد بهذا اليوم، ركنٌ من أركان الدَّعوة إلى الله، ومن الأسس والدَّعائم الَّتي قامت عليها رسالاتُ الأنبياء والمرسلين. فالإيمانُ بالله واليوم الآخر، هو صلب عقيدة المسلم، ومعلم بارز من معالم شخصيَّته، وبه يكون الفرقُ بين المؤمنين والكافرين، ولأهميته الكبرى ومكانته العظمى؛ فقد جاء في القرآن الكريم مقترناً بالإيمان بالله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ

стр. 283

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]. فهذه الآية، رسمت في إعجازٍ بلاغيٍّ، معالمَ وملامح شخصيَّة المسلم، في العقائد والعبادات والسلوك. وكما قال ابنُ كثير: "واشتملت على جملٍ عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة". وقد ذكر القرآنُ الكريم أنَّ إنكار اليوم الآخر كفرٌ وضلالٌ مبين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النِّساء:١٣٦]. فالكافر لا يتجاوز حدود الدُّنيا، ولا يؤمن بالبعث، ولا يعتقد في اليوم الآخر، وقد كشف القرآنُ عن هذه المعتقدات الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]. والإيمانُ باليوم الآخر يستوجبُ الاعتقادَ والتَّصديقَ بالأمور التَّالية: ١ - الإيمانُ بالبعث بعد الموت، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧]. وقال تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشَّورى:٩]. وقد ساق القرآنُ العشرات من الآيات، الَّتي تُبرهن على قدرة الله على البعث، وأنَّه أهونُ من خلق السَّماوات والأرض، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. فقضيَّةُ البعث، حفلتْ في القرآنِ الكريم، بعنايةٍ خاصَّة واهتمامٍ كبير.

стр. 284

٢ - الإيمانُ والتَّصديق بما سيقع يوم القيامة من أهوال وأحوال: ولن يتحقَّق ذلك إلا بأحد أمرين: أ- أن يؤمن العبدُ باليوم الآخر، بصورة إجماليَّة، وهذا هو الحدُّ الأدنى لتحصيل هذا الرُّكن من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿الَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤،٣] ب- أن يؤمن المسلمُ بكلِّ ما أَخبر به القرآنُ الكريم، وتحدَّث عنه ﷺ إيماناً صادقاً، لا يُخالطه شكٌّ أو ريب، أو يعتريه ظنٌّ أو وهمٌ، غير منكرٍ لأمر من الأمور، وأن لا يُخضع الإنسانُ أمورَ الغيب من أحوال ما بعد الموت، ومشاهد البعث، وأحوال يوم القيامة؛ لمقاييس العقل، فهي أمورٌ يعجز العقلُ عن معرفتها، ولا يستطيع أن يُدرك مشاهدَها؛ لأنَّها بعيدةٌ عن إدراك الحواسِّ، الَّتي يتعرف العقل من خلالها على الحقائق والأشياء. ومن أمور الغيب الَّتي يجب التَّصديقُ بكلِّ ما جاء بشأنها في القرآن والسنة، ما يلي: فتنة القبر وسؤال الملكين فمنذُ أن تبدأََ لحظاتُ الاحتضار، وتتأهَّب الرُّوح للصُّعود لخالقها، ويقف الإنسانُ على آخرِ عتبات الدنيا وأولى عتبات الآخرة، تنتقل حياتُه إلى طورٍ جديد، وعالمٍ من المشاهد والأحداث، لا يراه من حوله، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد ُ -أي تبتعد عنه وتتناءى وتفرُّ منه- * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].

стр. 285

وتُصوِّر سورةُ الواقعة، وسورةُ القيامةِ هذه المشاهدَ، ما يُرى منها وما لا يُرى، وهي آخرُ عهدِ الإنسان بالدُّنيا، وأول عهده بالآخرة، ويزيدُ القرآنُ الكريمُ صورةً أخرى من صور الاحتضار، مرئيَّة وواقعيَّة، وهي خاصَّةٌ بالكافرين عموماً، وبكلِّ من أشرك بالله، أو اتَّخذ له ندَّاً أو شريكاً: أنَّ هؤلاء في حالة الاحتضار، وبعد الموت مباشرةً، تنهال الملائكة بالضرب على وجوههم وأدبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١]. فالتَّعبير بالرُّؤية، واستخدام الفعل المضارع، الَّذي يدلُّ على الحال والاستقبال، يُشير إلى أنَّها رؤيا واقعةٌ ومستمرةٌ في كلِّ أحوال الكافرين عند الاحتضار، وتزداد هذه الصورة وضوحاً وجلاءً، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]. هذا يُبدِّدُ ما يعتقدُه البعضُ، خطأً وجهلاً أو نفاقاً، عن نجاةِ المشركين والكافرين، وعدمِ إلحاق العذاب بهم، وقد وردت أحاديثُ كثيرة، تُبيِّن أحوال المؤمنين والكافرين، عند الموت والاحتضار: (انظر صحيح البخاري، مع فتح الباري ج ٣، ص ١٨٤. وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٧ ص ٢٠٣). عذابُ القبر ونعيمه وهو من أمور الغيب، التي يجبُ الإيمانٌ بوقوعها، كما أخبر القرآن الكريم، وتحدَّث به الرَّسول ﷺ .
следующие страницы →