← Общие книги

Общие книги · id 8954

أصول الدعوة وطرقها 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (292 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هِيَ أَقْوَمُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن الأسماء التي سمّى الله بها القرآن الكريم ما يلي: ﴿الْكِتَاب﴾: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿الْفُرْقَان﴾: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾. ﴿الذِّكْر﴾: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ﴿تَنْزِيل﴾: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقد جاء في كتاب "البرهان لعلوم القرآن" للزركشي: أنّ الله سمّى القرآن الكريم بخمسة وخمسين اسماً، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى وعلوّ منزلته، وسمُوّ مكانته. أوصاف القرآن الكريم: وصف الحقّ ﵎ القرآن الكريم بأوصاف كثيرة، منها: ﴿بُرْهَان﴾ و ﴿نُور﴾: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾. ﴿مَوْعِظَة﴾ و ﴿شِفَاء﴾، و ﴿هُدىً﴾، و ﴿رَحْمَة﴾: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 72

﴿مُبَارَك﴾ و ﴿مُصَدِّق﴾: قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ﴿مُبِين﴾: قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. ﴿بُشْرَى﴾: قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿عَزِيز﴾: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾. ﴿مَجِيد﴾ و ﴿مَحْفُوظ﴾: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. ﴿بَشِير﴾ و ﴿نَذِير﴾: قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾. نزول القرآن الكريم: تنزّل القرآن الكريم مُفرّقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، وفْق الأحداث والأمور المتعلّقة بالدّعوة إلى الله، وحسب الحاجة التي تكون سببا للنّزول، ولِيُثبِّت به فؤاد النبي ﷺ ، ولِيَكون أبلغَ في التّحدّي، وأوضح في بيان الحجّة، وأظهرَ لأوجه الإعجاز، وأسهل على حفْظه وتدبّر آياته وتفهّم معانيه؛ قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾.

стр. 73

فيجب على الدّعاة أن يكونوا على معرفة بما يتعلّق بكتاب الله، ولو على سبيل الإجمال؛ إذ هو يُثري ثقافتَهم، ويوسِّع مداركهم، ويُحدِّد معالمَ شخصيّتهم العلْمية والفكريّة. أمّا عن بقية مصادر الثقافة الإسلامية التي يجب أن يتزود بها الدّعاة، فهذا موضوع المحاضرة التالية -إن شاء الله-. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - مصادر الثقافة الإسلامية (١) تعريف السُّنّة في اللّغة والاصطلاح الحمد لله الذي خلّق فسوّى، والذي قدّر فهدى. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل وقدوة الدّعاة، وعلى آله وأصحابه، ومَن بدَعوتهم اهتدى إلى يوم الدين. أما بعد: "السُّنّة" في اللغة: السِّيرة والطريقة، حسنة كانت أو قبيحة. وفي الحديث: ((مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسَنة، فلَه أجْرها وأجْر مَن عمِل بها، مِن غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ. ومَن سَنّ في الإسلام سُنّة سيِّئة، كان عليه وِزْرُها ووِزْر مَن عمِل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))، رواه مسلم. وكلّ من ابتدأ أمراً عمِل به قوم بَعْده، قيل: هو سُنّة. وتُطلق على: الطريق والسَّيْر. وقد يكون لفظ "سُنّة" من سننتُ الإبلَ، إذا أحسنتُ رعْيَها والقيام عليها. "السُّنّة" في الاصطلاح: يختلف معنى "السّنّة" باختلاف العلوم التي لها بها صِلة: أ- فعلماء الحديث إنّما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كلّ ما يتّصل به ﷺ مِن سيرة، وخُلُق، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثْبت ذلك حُكماً شرعياً أم لا. ب- علماء الأصول إنّما بحثوا عن رسول الله ﷺ المُشرِّع الذي يضَع القواعد للمجتهدين مِن بَعْده، ويُبيِّن للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، التي تُثبت الأحكام وتُقرِّرها.

стр. 74

ج- علماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي تدلّ أفعاله على حُكم شرعيّ، وهم يبحثون عن حُكم الشّرع في أفعال العباد، وُجوباً، أو حرمة، أو إباحة. ممّا سبق، تعدّدت تعريفات "السُّنّة النبوية" اصطلاحاً على النحو التالي: ١ - "السُّنّة" في اصطلاح المُحدِّثين هي: كلّ ما أُثِر عن النبي ﷺ مِن قول، أو فعْل، أو تقرير، أو صِفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة، كتحنّثه في غار حراء، أم بعدها. والسُّنّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي. ٢ - "السُّنّة" في اصطلاح علماء أصول الفقه هي: "كلّ ما صَدر عن النبي ﷺ من غير القرآن، من قول، أو فعْل، أو تقرير، ممّا يَصلح أن يكون دليلاً لحُكم شرعي. ٣ - "السُّنّة" في اصطلاح الفقهاء هي: كلّ ما ثبت عن النبي ﷺ ولم يكن من باب الفرْض ولا الواجب؛ فهي الطريقة المُتّبعة في الدِّين من غير افتراض ولا وجوب، فيقال: "فلان على السُّنّة" إذا عمل على وفق ما جاء مِن عمَل عن النبي ﷺ ، و"فلان على البدعة" إذا فعَل خلاف ذلك. ٤ - وقد تُطلق "السُّنّة" عند الدّعاة في مقابلة "البدعة". و"البدعة" لغة: الأمر المُستحدَث، ثم أطلقت في الشّرع على كلّ ما أحدثه الناس من قول أو عمل في الدِّين وشعائره، ممّا لم يُؤثَر عنه ﷺ وعن أصحابه. وقد قال رسول الله ﷺ : ((مَن أحدث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ))، صحيح مسلم.

стр. 75

وتُطلق "السُّنّة" أحياناً على: ما عمِل به أصحاب رسول الله ﷺ ، سواء أكان ذلك في الكتاب الكريم، أم في المأثور عن النبي ﷺ . ويُحتجّ لذلك بقوله ﷺ : ((عليكُم بسُنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديِّين! عَضّوا عليها بالنواجذ! وإيّاكم ومُحدَثات الأمور! فإنّ كلّ مُحدَثة بِدْعة، وكلّ بدْعة ضلالة)). ومن المصطلحات التي لها صِلة بالسُّنّة ما يلي: "الحديث": لغة: الجديد من الأشياء. والحديث: الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع: أحاديث، قال تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾، عني بالحديث: القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي: بلِّغْ. و"الخبر" و"الأثر" مُرادفان لِـ"الحديث". الفرْق بين "السّنّة" و"الحديث القدسي": الحديث القدسيّ: كلّ حديث يضيف فيه رسول الله ﷺ قولاً إلى الله يُسمّى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهي أكثر من مائة حديث. ونسبة الحديث إلى القُدس -وهو: الطهارة والتنزيه- وإلى الإله أو الرب، لأنه صادر عن الله ﵎، من حيث إنه المتكلِّم به أولاً والمنشئ له. وأما كونه حديثاً، فلأن الرسول ﷺ هو الحاكي له عن ربه ؛ فاللفظ والمعنى من الله . أمّا الأحاديث النبوية، فالرسول ﷺ هو قائلها والحاكي بها عن نفسه.

стр. 76

الفرْق بين القرآن الكريم والحديث القدسي: أولاً: ينفرد القرآن الكريم بالخصائص التالية: ١ - القرآن مُعجزة الله الخالدة إلى يوم القيامة، محفوظ من التغيير والتبديل، متواتر اللفظ في جميع الكلمات والحروف. ٢ - حُرمة روايته بالمعنى، أما الحديث القدسي فتجوز روايته بالمعنى. ٣ - حُرمة مسّه وتلاوته للجُنُب. ٤ - تتعيّن قراءته في الصلاة، أمّا الحديث القدسي فلا تصحّ الصلاة به. ٥ - تسميته "قرآناً"، ولا يُطلق على الحديث القدسي أنه قرآن. ٦ - التّعبّد بقراءته، ولا يُتعبّد بقراءة الحديث القدسي. ٧ - تسمية الجملة من القرآن الكريم: "آية"، ومقدار من الآيات مخصوص: "سُورة". ٨ - القرآن الكريم ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جليّ ظاهر، بواسطة جبريل ﵇، أما الحديث فقد يكون بوحي جليّ أو غير جليّ. السُّنّة النّبويّة ومكانتها في التشريع السّنة النبويّة بما تشتمل عليه من أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخِلْقية، وشمائله الأخلاقية، وسيرته الشريفة، هي الأصل الثاني بعد كتاب الله تعالى في إثبات الأحكام الشرعية، وبيان الحلال من الحرام.

стр. 77

كما أن السّنّة النبوية هي المرجع العلْمي والثقافي الذي يصوغ عقل الأمّة صياغة فريدة متميّزة، وتزن أعمالها في شتّى المجالات بميزان دقيق. وإنّ حاجة المسلمين إلى سنّة رسول الله ﷺ ضرورية في كلّ زمان ومكان، كحاجتهم إلى القرآن الكريم؛ فالسُّنّة هي الترجمة العمليّة للقرآن، ماثلة تمام التماثل في شخص رسول الله ﷺ قولاً وعملاً. والدّعاة إلى الله هم أحوج الناس إلى السّنّة، وأكثرهم برسول الله ﷺ اقتداء. وهم في قيامهم بواجب الدّعوة إلى الله يتتبّعون خُطاه ﷺ ، ويقتفون أثَره في منهج الدّعوة إلى الله ووسائلها وأساليبها. ولا يَتصوّر عقل أو منطق: أن ينخرط إنسان في سلْك الدّعاة وهو لم يتزوّد بقبسات الهدْي النبوي، ولم يكوِّن عقله وفكره بأقواله ﷺ وبأفعاله. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾. وترجع أهمِّية السّنّة للأمّة الإسلامية عموماً، وللدّعاة إلى الله خصوصاً، للأسباب التالية: أولا: جاءت السّنّة موافقة للقرآن الكريم؛ فهي: تُفسِّر مُبهمَه، وتُفصِّل مُجملَه، وتُقيِّد مُطلَقَه، وتُخصِّص عامَّه، وتشرح أحكامه وأهدافه. كما جاءت بأحكام لم يَنصّ عليها القرآن الكريم؛ والأمثلة على ذلك كثيرة، منها -على سبيل المثال لا الحصر-: ١ - تفصيل المُجمَل: أجمع العلماء: أنه ما مِن مُجمَل في كتاب الله إلاّ جاء تفصيله في السّنّة، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ فقد ترك البيان لرسول الله ﷺ ، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.

стр. 78

فلم يُبيّن القرآن الكريم كيف ومتى نصلِّي؟ وما هي عدد الركعات، وأنواع الصلوات؟ ولو يوضِّح أنصبة الزكاة، وأنواعها، وكيفيّة إخراجها، وكذلك الصوم، وسائر العبادات؛ فجاءت أقوال الرسول ﷺ وأفعاله تفصِّل وتوضّح ما أجمله القرآن الكريم. ٢ - تخصيص السّنّة لعموم القرآن، سواء في مجال العبادات أو المعاملات، ومن ذلك في الصلاة: قال تعالى في الوضوء لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ فأوجب النص غسْل تلك الأعضاء عند كلّ صلاة، فجاءت السّنّة وأجازت صلاة أكثر من فريضة بوضوء واحد ما لم يُحدِث الإنسان. وفي الأمر بقصْر الصلاة: قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ فالآية عامة في قصْر جميع الصلوات، فجاءت السّنّة النبوية فاستثْنَت صلاة الصبح والمغرب من القصْر، وعدم جمع صلاة الصبح. وفي الزكاة جاء النص مُطلقاً في زكاة النقديْن والزروع، فجات السُّنّة فخصّصت وحدّدت النِّصاب. وفي الصوم جاء النص عاماً في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ولم تُبيِّن الآية كيف كان مكتوباً عليهم، فجاءت السّنّة فبيّنت بداية الصوم ومنتهاه. وفي المطعومات جاء النص في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... ﴾ فشملت الآية تحريمَ كلِّ ميتة أو دم، فجاءت السُّنّة فخصّصت من الميتة: السمك والجراد. وخصّصت من عموم الدّم: الكبد والطحال.

стр. 79

٣ - استقلال السّنّة بالتشريع: حيث جاءت أقوال الرسول ﷺ وأفعاله بالكثير من التشريعات التي استقلّت بها؛ وقد جاء ذلك في جميع مجالات الشريعة، من عبادات، ومعاملات، وأخلاق. ومن ذلك: ففي الصلاة، جاءت السّنّة بنوافل راتبة مع الصلوات الخمْس، كما جاءت بنوافل غير رواتب، كتحيّة المسجد، وصلاة العيديْن، والاستسقاء، والكسوف، وصلاة الجنازة، وقيام رمضان. وفيه جاء التنصيص باستقلالية السّنّة في تشريعه، قال ﷺ : ((إن الله فَرَض عليكم صيام رمضان، وسنَنْتُ لكم قيامَه)). وفي الزكاة، جاءت السّنّة بصدقة الفِطر وصدقة التّطوّع. وفي الصيام، شرع بالسّنة صوم يوم الاثنيْن، والخميس، وثلاثة أيام في كلّ شهر. كما نهى الرسول ﷺ عن صوم يوم العيديْن، وأيام التشريق، ويوم الشّكّ. وفي الأنكحة نصّ القرآن الكريم على المُحرّمات بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ﴾ الآية، ثم جاءت السّنّة ونصّت على تحريم الرضاع ما يَحرُم من النسب، ونهى عن الجمْع بين المرأة وعمّتها وخالتها. وفي الحدود جاء النص على حدّ الزاني للبِكر جَلْد مائة، فجاءت السُّنّة وجعلت مع الجلْد تغريب عام. ثانيا: أجمعت الأمّة: أنّ خصائص السُّنة في التشريع كخصائص القرآن الكريم، من حيث الثبوت؛ ففيها المتواتر الذي لا يُمكن ردّه، وهو ما يُسمَّى: "قطعيّ الثبوت"، أي: كثبوت القرآن الكريم، وكذلك من حيث الإيجاز. وتفرّد حديثه ﷺ بجوامع الكلِم، وأيضاً من حيث الدلالة من عموم وخصوص، ومُطلَق ومُقيّد، وناسخ ومنسوخ.

стр. 80

وقد تقبّلت الأمّة عبر تاريخها سُنّة الرسول ﷺ كما تقبّلوا القرآن الكريم، ولم يُنكر ذلك إلاّ جاهل أو جاحد أو علمانيّ ملحد. وقد ظهرت في كل عصر جماعة منحرِفة في الفكر تُنكر السّنّة، وتعترض على الأخذ منها، وتشكِّك في صحة الأحاديث النبوية؛ وهم بذلك يريدون هدْم المصدر الثاني للتشريع، ويُغلقون أهمّ باب من أبواب الثقافة الإسلامية. وقد تعالى نقيق هذه الضفادع البشرية، ووصل فحيحهم المسموم إلى العقول عبْر بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، حيث تجرّؤوا بوقاحة وتبجّح في إنكار السُّنّة. وعلى العلماء والدّعاة: أن يقفوا لهذه الفئة الضالة بالمرصاد، يُفنِّدون آراءهم، ويكشفون للأمّة زيف أفكارهم، ويوضِّحون للمسلمين عَمالة هؤلاء لأعداء الإسلام. ثالثاً: الأدلّة من القرآن والسُّنّة على حجِّيّة السّنّة، وأنها المصدر الثاني للشريعة والثقافة الإسلامية. جاءت النصوص من الكتاب والسُّنّة وأجمعت الأمّة سلَفاً وخلَفاً: على وجوب اعتبار سُنّة الرسول ﷺ هي المكوِّن الثاني لعقل الأمّة ولِفكرها وثقافتها. وقد جاءت الأدلّة على النحو التالي: أ- ما جاء في القرآن الكريم، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ فقد تضمنت هذه الآية ثلاث مسائل: الأولى: كوْن الرسول ﷺ مبلِّغاً عن الله. الثانية: أنه ﷺ لا يملك التّأخّر عن هذا التبليغ. الثالثة: أنّ الله حفِظَه وضمِن سلامته وعصَمه، حتى يبلِّغ الرسالة على الوجه الأكمل.

стр. 81

وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. وقد أمر القرآن الكريم بِرَدِّ ما ينشب من خلاف بين الأمّة إلى حُكم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. فقد بيّنت الآية: أنّ الاحتكام إلى الله من خلال آيات القرآن الكريم، وإلى الرسول ﷺ عبْر سُنّته ﷺ رُكن من أركان الإيمان. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ب- ما جاء في السُّنّة من أدلّة تُؤكِّد على حجِّيّتها، وأنها المصدر الثاني للإسلام؛ ومن هذه الأحاديث: ما روي عن المقدام بن معديكرب، عن رسول ﷺ أنه قال: ((ألاَ إنّي أُوتيتُ الكتاب ومثله معه. ألا يوشك رجُل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن! فما وجدْتم فيه مِن حلال فأحِلّوه! وما وجدْتم فيه من حرام فحرِّموه!))، أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، بإسناد صحيح. وجاء في الصحيحيْن من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله)).

стр. 82

وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معديكرب ﵁ يقول: ((حرّم رسولُ الله يوم خيبر أشياءَ، ثم قال: يوشك أحدُكم أن يُكذِّبني وهو متّكئ يُحدِّث بحديثي فيقول: "بيننا وبينكم كتاب الله! فما وجدْنا فيه مِن حلال استحللْناه، وما وجدْنا فيه من حرام حرّمناه! ". ألا إنّ ما حرّم رسولُ الله مثْلُ ما حرّم الله))، أخرجه الحاكم، والترمذي، وابن ماجة. وهذا من معجزاته ﷺ ، حيث أخبر عن خروج جماعة على إجماع الأمّة يُنكرون حجِّيّة السُّنّة.

стр. 83

الدرس: ٤ العلوم التي يحتاج إليها الداعية (١) .

стр. 84

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (العلوم التي يحتاج إليها الداعية (١)) ١ - مصادر الثقافة الإسلامية (١) ما يجب على الدّعاة معرفتُه ممّا يتعلّق بسُنّته ﷺ - بجانب ما ذكرناه عن أهمِّيّة السُّنّة، وأنها المصدر الثاني للشريعة والثقافة الإسلامية، فإنه يجب على الدّعاة -بجانب العلْم والمعرفة بأقوال الرسول ﷺ وبأفعاله، وبالوقوف على سيرته وأحواله-: أن يكون لديْهم إلمام بعلْم الحديث الذي يتّصل بنقل ورواية ما أضيف إلى الرسول ﷺ من قول أو فعْل أو تقرير، أو وصْف لأخلاقه وشمائله ومنهجه في الدّعوة إلى الله؛ وهو ما يُسمّى بـ"علْم الحديث روايةً". وفائدته: العناية بحفْظ سُنّته ﷺ ، ومعرفة أحكام الشريعة، وبيان لما جاء في القرآن الكريم، ووجوب الاقتداء به ﷺ . وكذلك ينبغي على الدّعاة إلى الله: أن يكون لديْهم إدراك ومعرفة بالأمور التالية: أولاً: "علْم مصطلح الحديث"، وهو: علْم يتعلّق بالقواعد التي تُبيِّن أحوال الرّاوي والمروي؛ ويسمَّى هذا النوع من العلْم: "علْم الحديث درايةً". فالرّواة الناقلون للحديث يُطلق عليهم: "سنَد الحديث"، والألفاظ التي تحمل معنى الحديث هي: "متْن الحديث". فموضوع "علْم الحديث درايةً": البحث عن أحوال السّنَد والمتْن من حيث القبول فيُعمل به، أو الرّدّ فلا يُعمل به. وقد وضع علماء الحديث منهجاً فريداً ورائعاً، للتثبّت من صحّة الأحاديث، ونبْذ ما وضَعه الوضّاعون الكذّابون، ممّا نسبوه إلى رسول الله ﷺ كذباً وافتراءً، إما اتّباعاً للهوى أو غفلة وجهلاً. وقد اعتمدت أصول هذا المنهج للتّحقّق من صحة ورواية الأحاديث، على عِدّة نقاط، كلّ عنصر منها يتطلّب جهداً علمياً واسعاً. النقطة الأولى: النّظر الدقيق في رواة الأحاديث، والبحث عن أحوال عدالتهم وضبطهم، وأهليّتهم لتحمّل العلْم وأدائه.

стр. 85

وقد نشأ ما يسمّى عند المسلمين بـ"علْم الرجال"، ونشأ "علْم الجرح والتعديل"، وهو علْم لم يكن عند أحد قبل المسلمين. النقطة الثانية: النظر في لِقاء الراوي لِمَن روى عنه، وبالتّتبّع المُضني المستنِد إلى وسائل التّحقق التاريخية. تكون لدى محقّقي الأحاديث مستندات ذوات وزن علْمي، لنقد ما يرويه الرواة عمّن سبقهم، وبالنقد العلمي الدقيق يتمكن المحقِّق البصير من تقويم درجة رواية الحديث. النقطة الثالثة: النظر في اتصال سلسلة الرواة، راوياً فراوياً، إلى رسول الله ﷺ . النقطة الرابعة: النظر في الطريق أو الطُّرق المختلفة التي روَتْ كل حديث. ونشأ من متابعة التحقيق العلمي بالاستناد إلى هذا العنصر: تصنيف الأحاديث مع ذكر عدد طُرُق الرواة. واتّخذ المحدِّثون لذلك عدّة ألقاب في مصطلحاتهم، وهي: المتواتر، المشهور، العزيز، الآحاد، الغريب ... النقطة الخامسة: النظر في متون الأحاديث المرويّة من طُرق مختلفة، بالمقارنة بينها، ولدى المقارنة لا بد أن تظهر وجوه اتّفاق ووجوه اختلاف. هذه القواعد والعناصر التي من خلالها يُحكم على درجة صحّة الحديث النبوي الشريف، ينبغي على مَن ينخرط في سلْك الدّعاة أن يكون مُلماً بها. ثانيا: وجوب تعرّف الدّعاة إلى الله على أئمّة الحديث وكُتُبهم، حيث لم تُعرف أمّة على وجه الأرض، ولم توجد حضارة من الحضارات القديمة أو الحديثة، مَن حشدتْ طاقاتها، وجيّشت علماءها، ورصدت كلّ قدراتها الفكرية والعملية، للمحافظة على ثوابتها العقائدية وكنوزها العلمية ومصادرها الثقافية، مثل أمّة الإسلام التي بذلت أقصى ما يستطيعه العقل البشري والفكر الإنساني من أجْل المحافظة على مصدرَيْها الأساسيَّيْن: القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية.

стр. 86

فالقرآن الكريم قد تكفّل الله بحفْظه من الضياع والنسيان، وصانه من التحريف والتغيير، وسهّل للأمّة تلاوته وحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ومن أهمّ العوامل التي ساعدت على دوام حفْظه، وخلود آياته واستمرار تشريعاته: عناية الأمّة بسُنّة رسول الله ﷺ ، وذلك بالحفظ والرواية والتدوين والتنقيح، وذلك من خلال جهد علْميّ دقيق، ومنهج متميِّز فريد. وقد حثّ عليه النبي ﷺ فقال: ((نضّر الله امرأً سمِع مقالتي فوعاها، فأدّاها كما سمِعها. فرُب مبلَّغ أوعى من سامِع)). وفي خطبة الوداع لعشرات الآلاف التي وقفتْ تُنصت لكلامه يوم عرفة، فقال: ((ألاَ فَلْيُبَلِّغَنّ الشاهدُ منكم الغائب! اللهم قد بلغْتُ! اللهم فاشهدْ!)) ولقد توالى حفظ صحابة رسول الله ﷺ لتدوين الأحاديث ونقلها، حتى جاء القرن الثاني الهجري، وأصبح التدوين رسمياً ودعا إليه عمر بن عبد العزيز. وكان هذا بداية جهْد علميّ فريد انتهى -بتوفيق الله- إلى جمْع السّنّة وتدوينها وتبويبها وتصنيفها على أيدي أئمة الحديث، الذين أخلصوا النية لله، وعقدوا العزم وبذلوا الجهد في كتابة الأحاديث. وقد اشتهر منهم أئمة أعلام، وحُفّاظ ثقات، يجب على الدّعاة أن يتعرّفوا إليهم وأن يقفوا على مؤلّفاتهم، نذكرهم في إيجاز على النحو التالي: أولاً: الإمام مالك بن أنس: وُلد عام ٩٥ هـ، وتوفّي عام ١٧٩هـ. هو: عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة. وكتابه: "الموطأ" استغرق في تأليفه أربعين سَنة.

стр. 87

وسبب تسميته بهذا الاسم: ما روي عن مالك أنه قال: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلّهم واطأني على كتابي هذا -أي: وافقني-، فسميته الموطأ. وكان أول من ألّف الحديث ورتبه على الأبواب هو: الإمام مالك. ثانيا: الإمام أحمد بن حنبل: وُلد عام ١٦٤هـ، وتوفّي عام ٢٤١هـ. هو الإمام الجليل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وُلد في بغداد، ودرس بها حتى عام ١٨٣هـ، ثم رحل لطلب العلْم في الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة. وكان شديد العناية بالحديث، والتقى بأئمته في عصره، ثم عاد إلى بغداد والتقى بالإمام الشافعي، وحضر دروسه في الفقه والأصول عام ١٩٥هـ. وحينما رحل الإمام الشافعي إلى مصر، قال: "خرجت من بغداد وما خلّفتُ بها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد". وقد جمع الله له بين إمامة الحديث والفقه، فكتب في الحديث كتابه "المسند"، وهو يحتوي على ثلاثين ألْف حديث، وقد انتقاه من أكثر من سبعمائة ألْف وخمسين ألْف حديث. ثالثاً: الإمام البخاري: وُلد عام ١٩٤هـ، وتوفّي عام ٢٥٦هـ، عن عُمُر يناهز اثنين وستّين عاماً. هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، الجعفيّ ولاء، البخاري مولداً. وبردزبة كلمة فارسية معناها بالعربية: الزارع أو البستاني.

стр. 88

والجعفيّ: نسبة إلى اليمان الجعفي الذي شرف الله المغيرة جدّ الإمام البخاري بالإسلام على يديه، فانتمى إليه بولاء الإسلام. وقد أراد الله لمدينة بخارى -بولاية أوزبكستان الآن، إحدى الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي ثم استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي- أن يرفع ذِكْرها، ويخلّد اسمها بمولد ونشأة الإمام البخاري فيها. والإمام البخاري علَم الأعلام في الحديث، جَدّ في طلَبه وارتحل في سبيله، والتقى بحفّاظ عصره في خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر. وتألّقت شخصيته في سماء المجد وشرف الانتساب لحديث رسول الله ﷺ بكتابه "الجامع الصحيح المسنَد المختصر من أحاديث الرسول ﷺ وسننه وأيامه"، والذي اشتهر باسم: "صحيح البخاري". وهو الكتاب الذي قال فيه العلماء بحق أنّه أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى. وقد ظل يعمل في جمْعه ستة عشر عاماً، وقد أخرجه من ستمائة ألْف حديث. وقد استنبط العلماء -كالحازمي وابن حجر- شروط البخاري التي وضعها في اختيار أحاديثه، ومنها: اتّصال السّند، إسلام الرّاوي، عدالته وضبطه، وأن يكون صادقاً غير مدلِّس، وأن يكون الراوي من الدرجة الأولى عادة، وقد يروي عن رجال الدرجة الثالثة في الغالب تعليقاً على حديث. رابعاً: الإمام مسلم: مولده عام ٢٠٦هـ، وتوفّي عام ٢٦١هـ، عن عمر يُناهز خمسة وخمسين عاماً. وهو: أبو الحسن بن الحجّاج بن مسلم القشيري النيسابوري، نشأ شغوفاً في طلَب العلْم ورحل في سبيله إلى خراسان، والرّي، والعراق. والتقى بالإمام أحمد بن حنبل، ثم سافر إلى الحجاز، ومصر، وروى عنه خلْق كثير.

стр. 89

ويأتي "صحيح مسلم" مكافِئاً أو مقارباً لصحيح البخاري. وله مؤلّفات كثيرة متعلّقة بالحديث وعلومه. وبجانب هذه الكتب وهؤلاء الأعلام، يوجد أصحاب السّنن مثل: أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والدارقطني، وغيرهم، الذين حفظ الله بهم سُنّة رسوله ﷺ . وعلى الدّعاة إلى الله: أن يتعرّفوا عليهم، ويتزوّدوا من مؤلّفاتهم، ممّا يساعد على نمو معارفهم، واتّساع ثقافتهم، ونجاح دعْوتهم. أمّا عن مصادر الثقافة الأخرى، فهذا موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - مصادر الثقافة الإسلامية (٢) تعريف الشريعة وخصائصها الحمد لله، تفضّل على هذه الأمّة بدِين هو خير الأديان، وشرع لها من الأحكام ما يُحقِّق لها التّقدّم في كلّ زمان ومكان. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل، والمبعوث رحمة للإنس والجان، وعلى آله وأصحابه الذين فقهوا دين الله فكانوا أئمة الهدى وأعلام التّقى لجميع الأمم والأوطان. أما بعد: "الشريعة" في اللغة: المذهب والطريقة المستقيمة، وشرعة الماء أي: مورد الماء الذي يُقصد للشرب. وشرْع أي: نهج واضحٌ بين المسالك، وشرَع لهم يشرع شرعاً، أي: سنّ. وفي الاصطلاح: هي: ما شرعه الله لعباده من أحكام، وهذه الأحكام تُسمّى "شريعة" باعتبار وضعها وبيانها واستقامتها، وتُسمَّى "دِيناً" باعتبار الخضوع لها وعبادة الله بها، وتُسمَّى "مِلّة" باعتبار إملائها على الناس. ب- خصائص الشريعة الإسلامية: تنفرد الشريعة الإسلامية بخصائص تتميّز بها وأحكام لا نظير لها، وتتمتّع بالاستقلالية التامة، وتصوغ عقل الأمّة في العقائد والعبادات والمعاملات بفكر

стр. 90

واضح يتلاءم مع فطرة الإنسان، وبمنهج مستقلّ على الشرائع والنُّظم الأخرى. ويجب على الدعاة أن يتعرّفوا على خصائص الشريعة التالية: أولاً: مصدر الشريعة في الإسلام هو: الله الخبير ببواطن الأمور، الذي يعلَم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أحكام الشريعة مستمَدّة من وحي لله لفظاً ومعنى وهو: القرآن الكريم، أو معنى من عند الله ولفظاً من رسول الله ﷺ وهي: السُّنّة. وكون الشريعة من عند الله ورسوله، فهذا يحفظها من الخطإ، ويعصمها من الهوى، ويصونها من عبث العقول وتقلّبات الدّهر وحوادث الأيام؛ فإن نصوص القرآن والسّنّة تحمل بين ثناياها أموراً ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، وهي: العقائد والعبادات والأخلاق، وتشتمل على قضايا وقواعد عامّة للبشر أن يجتهدوا في حدودها وفْق ما يُحقّق المصلحة الإنسانية ويدفع عنها الضرر. ثانياً: إن مبادئ الشريعة وأحكامها تتلاءم وتتوافق مع الفطرة الإنسانية، وتراعي دوافع الإنسان ورغباته، في إطار ما شرعه الله من حدود وأحكام. فهي لا تجنح للْجوْر، ولا تميل للظلم، ولا تكبت رغبة، ولا تصادر فطرة، بخلاف قوانين وشرائع البشَر التي تتلاعب بها الأهواء، وتعبث بها العقول، وتُصاغ وفْق رغبات واضعيها، وتتغيّر وتتبدّل مع شارد ووارد. أمّا أحكام الله فلا تتغير ولا تتبدّل، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾.

стр. 91

ثالثاً: الإنسانية أمام أحكام الشريعة سواء، فهي تطبّق الأحكام، وتنفّذ الشرائع، وتقيم الحدود، على أعلى الناس وأدناهم، وأفقرهم وأغناهم، ولا تمييز في إقامة دين الله وشرائعه بين جنس أو لون أو إنسان؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال ﷺ : ((يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد. ألا لا فضْلَ لعربيّ على أعجميّ، ولا لأعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلاّ بالتقوى))، رواه البيهقي. والدليل على تلك المساواة المطلَقة: قضيّة المرأة من بني مخزوم التي سرقت، فجاء أسامة بن زيد ﵄ يشفع لها عند رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟))، ثم قال ﵇: ((إنما أهلَك من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ ترَكوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ. وأيْمُ الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها)). رابعاً: أحكام الشريعة لها هيبةٌ في القلوب واحترامٌ في نفوس المؤمنين، يتقبّلونها طواعية ويقيمونها عن رغبة صادقة، لأنها صادرة عن الله ورسوله. أمّا قوانين البشر الوضعية، فيُضرب بها عرض الحائط، ويُتحايل عليها، وتَفقد احترام وهيبة الناس لها. خامساً: من خصائص الشريعة الإسلامية: أنّ ثوابها وجزاءها في الدنيا والآخِرة، بخلاف الأحكام الوضعية فجزاؤها يتوقّف على الدنيا فقط، ممّا يجعل الناس يستهينون بها ويتهرّبون من تنفيذها. وبعض العقوبات تسقط بمُضيّ المدّة، بخلاف أحكام الشريعة فإنّ من يتهرّب منها في الدنيا يجد الجزاء والعقوبة له بالمرصاد في الآخِرة.

стр. 92

سادساً: عموم الشريعة وبقاؤها واستمرارها. الإسلام بما يحمله من تشريعات ونُظُم عامّ للبشر جميعاً، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾. وهذه الشريعة قائمة، لا ينسخها دِين ولا تتوقّف أحكامها ولا تتعطّل حدودها إلى قيام الساعة. وعموم الشريعة وبقاؤها واستمرارها يستلزم عقلاً: أن تكون أحكامها على نحوٍ من الشمول والإحاطة بما يُحقِّق مصالح البشر في كل زمان ومكان،؛ فهي تقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد. فمصالح العباد تقوم على أمور ضرورية، أو حاجيّة، أو تحسينيّة. فالأمور الضرورية التي لا قيام للإنسان إلا بها، وإذا انعدمت حلّ الفساد وعمت الفوضى وهي: حِفْظ الدِّين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال. والحاجيات هي التي يحتاج إليها الناس ليعيشوا بيُسر وسعادة، وإذا فاتَتْهم لم يختلّ نظام الحياة، ولكن يصيب الناسَ ضيقٌ وحرج. وأمّا التحسينات فهي ترجع إلى محاسن العادات، ومكارم الأخلاق، وإذا فاتت لم يختلّ نظام الحياة، ولا يصيب الناسَ حرج، ولكن يخرجون عن النهج القويم، ويتمرّدون على ما تُوجبه الفِطرة النّقيّة. فالشريعة جاءت أحكامُها لتحقيق وحفظ الضروريات والحاجيات والتسحينات. فالدِّين شَرع لإقامته العبادات، وشَرع لحِفْظه الجهاد والعقوبات. والنفس شُرع لإيجادها النكاح، وشُرع لحفْظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة، ولزوم دفع الضرر عنها.

стр. 93

والعقل شُرع لحفْظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها. والنسل شُرع لإيجاده الزواج، وشُرع لحفْظه عقوبة الزنى والقذف، وحرمة إجهاض المرأة الحامل إلاّ لضرورة. والمال شُرع لتحصيله أنواع المعاملات، وشُرع لحفظه حرمة أكل الأموال بالباطل، وتحريم السرقة والغصب والربا. حاجة الدّعاة إلى الله إلى الفقه في أحكام الشريعة من العوامل التي تُساعد الدّعاة لأداء رسالتهم على النحو الأكمل والأنفع: أن يكونوا على علْم وبصيرة لأحكام العبادات والمعاملات، وعلى صلة وثيقة بالمذاهب الفقهية وأئمّتها، بحيث يجتمع لديهم روعةُ البيان، وحُسنُ الاستدلال من القرآن والسّنّة، مع التّفقه في الأحكام الشرعية. وهم بهذا ينالون الفضيلتيْن: الدعوة إلى الله، والتّفقّه في الدِّين، اللّذيْن أمَر الله بهما، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وسوف يتضمّن هذا العنصر المباحث التالية: أولاً: تعريف الفقه الإسلامي، وبيان خصائصه: الفقه في اللغة: العلْم بالشيء والفهم له، كما يعني: إدراك غرض المتكلِّم من كلامه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾، وقوله تعالى على لسان شعيب ﵇: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾.

стр. 94

وقال ﷺ : ((مَن يُرِد اللهُ به خيراً، يُفقِّهْهُ في الدِّين)). تعريف الفقه في الاصطلاح: أُطلِق لفظ "الفقه" في الاصطلاح الشرعي على: جميع الأحكام الدِّينية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، سواء أكانت هذه الأحكام متعلّقة بأمور العقيدة، أو بالعبادات، أو المعاملات. ثم تغيّر هذا المفهوم الاصطلاحي، وصار يُطلَق على: العلْم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلَّفين. وقيل في تعريفه: هو العلْم بالأحكام الشرعية العمليّة مِن أدلّتها التفصيلية بالاستدلال، والأحكام الشرعية العملية التي تثبت لأفعال المكلَّفين، أي تتعلّق بأفعالهم التي هي من العبادات والمعاملات هي: أ- الوجوب: ومعنى هذا: أن الفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم يُلزم المكلّف القيامَ به على وجْه الإلزام، ويسمَّى هذا الفعل بـ"الواجب". فالواجب هو: ما طَلب الشّارعُ فعْلَه على وجْه الحتْم والإلزام، كالصلاة، والوفاء بالعقود. ب- الحُرمة: ومعنى هذا الحُكم: أن الفعل الذي تعلّق به يُلزم المكلَّف ترْكَه على وجه الحتْم والإلزام، ويُسمَّى هذا الفعل المطلوب ترْكه إلزاماً بـ"المحرّم". فالمُحرَّم إذاً هو: ما طَلب الشّارع تَرْكَه على وجْه الإلزام، كالزّنى والسّرقة. ج- النّدب: أي: طلَب الشّارع القيامَ بالفعل على وجْه التّفضيل والترجيح لا الإلزام، ويُسمَّى هذا الفعل الذي تعلّق به هذا الحكم بـ"المندوب". فالمندوب: ما يُطلب فعْله على وجه التفضيل لا الإلزام، مثل: كتابة الدَّيْن حِفظاً لحقوق الدّائن. د- الكراهة: طلَب الشارع ترْك الفعل على وجه الترجيح لا الإلزام، ويُسمَّى الفعل الذي تعلّق به هذا الحكم بـ"المكروه". فالمكروه: ما طلَب الشارعُ ترْكَه على وجه الترجيح لا الإلزام، مثل: إيقاع الطّلاق بلا مُبرِّر.

стр. 95

هـ- الإباحة: ويعني هذا الحُكم: تخيير المكلَّف بين القيام بالفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم وبيْن ترْكه. والفعل المخيَّر بين ترْكه والقيام به يُسمّى بـ"المباح". إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية. فالفقه في الإسلام يوضِّح للمسلمين كيفية أداء العبادات على الوجه المشروع، ويحمي حقوق العباد، ويؤمِّن لهم ضروريات الحياة، وينظِّم شؤون المجتمع. ولا يوجد على ظهر الأرض قانون جَمَع بين المصالح الدِّينية والدنيويّة كأحكام الفقه الإسلامي، لأنه تشريع سماويٌّ ربّانيّ؛ العملُ به طاعةٌ لله يترتّب عليه الثواب، ومخالفته معصية لله تستوجب العقاب. ثانياً: مصادر الفقه الإسلامي: يقوم الفقه في الإسلام على مصادر ثابتة تُستقى منها الأدلة الشرعية، ويُستند إليها في نوعيّة الأمر أو النهي الذي تضمّنه الدليل. ومصادر الفقه ترجع كلّها لِوحْي السماء، سواء أكان قرآناً أم سُنّة، أو إلى ما أشارت إليه نصوص الكتاب والسُّنّة كالإجماع والقياس. وسوف نشير إلى تلك المصادر والتعريف بها في إيجاز، ليتكوّن لدى الدّعاة ثقافة واسعة تُؤهِّلهم تأهيلاً حسناً للقيام بدور الإرشاد والتوجيه بجانب التعليم والتفقيه للمسلمين. وبذلك يُخلق رأي عام يَفهم أحكام الشريعة ويتذوّق حلاوة الإيمان، ممّا يعود أثَره على المجتمع المسلم خاصة والمجتمعات الإنسانية بصفة عامة. وهذه المصادر تأتي مرتّبة على النحو التالي: أولاً: القرآن الكريم: وهو: كتاب الله المنزّل على رسوله ﷺ ، المكتوب بين دفّتيِ المصحف المنقول نقلاً متواتراً بلا شبهة. والقرآن الكريم هو المصدر الأوّل للتشريع، والحجّة القائمة على الناس أجمعين ليوم الدِّين.

стр. 96

خصائص القرآن الكريم: للقرآن الكريم خصائص يتميّز بها وينفرد عن جميع الكتب المُنزَلة على الأنبياء السابقين. ومن هذه الخصائص: ١ - القرآن لفْظُه ومعناه من عند الله، وليس لرسول الله ﷺ سوى التبليغ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. ٢ - القرآن الكريم وصَل إلى الأمّة عبر أجيالها بالتواتر. ومعنى التواتر: أنه نَقَله جمعٌ عن جمْع لا يحصى عددُهم، ولا يَتصوّر العقل تواطؤَهم على الكذب. وهذا الاستمرار والتواتر قائم إلى قيام السّاعة، ممّا يفيد اليقين والعلْم القطعي. ٣ - القرآن الكريم وصل إلينا كاملاً، لم يُنقص منه حَرف ولن تضيع منه كلمة، كذلك لم تزد عليه جملة واحدة، لأن الله تكفل بِحفْظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ٤ - القرآن مُعجز بلفظه ومعناه للإنس والجن، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾. وقد جاء القرآن الكريم بأحكام تتعلّق بالعقائد، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات. والفقه في الإسلام يتناول العبادات والمعاملات. وقد وردت هذه الأحكام على النحو التالي: أ- القواعد الكلية والمبادئ العامة التي تكوّن أساساً لتفريع الأحكام، ويُترك للعقل البشري أسلوب تطبيقها مع ظروف كلّ عصر. ومن هذا القواعد العامة: ١ - الأمر بالشّورى، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

стр. 97

٢ - الأمر بالعدل والحُكم به، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. ٣ - لا يُسأل الإنسانُ عن ذنب غيره، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ٤ - حرمة مال الغير، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ٥ - التعاون على الخير، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. فهذه أسُس عامّة يُناط لوليّ الأمر ولأهل الحلّ والعقد سَنّ سُبُلَ ووسائلَ وآليّة التنفيذ. ب- بيان إجمالي يحتاج إلى تفصيل، مثال ذلك: ١ - وجوب الصلاة والزكاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ٢ - وجوب الحجّ والعمرة، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ٣ - وجوب القصاص، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. ٤ - حِلّ البيع وتحريم الربا، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾. فهذه أمور جاء بها القرآن الكريم على سبيل الإلزام، وتُرك الأمر لرسول الله ﷺ لِذِكْر التفصيلات لكلّ أمر من هذه الأمور. فالسّنّة حدّدت عدد الصلوات وهيئتها قال ﷺ : ((صَلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي)). وكذلك في سائر العبادات التي أوضحتْها السُّنّة غاية الإيضاح، ولا مجال فيها لاجتهاد مُجتهد ولا لرأي فقيه. ج- أحكام وتشريعات جاء بها القرآن الكريم بصورة تفصيليّة دقيقة ومحدّدة، ولا سيما ما يتعلق بالأسرة، من زواج، وطلاق، وأنصبة المواريث، والمُحرَّمات من النساء، والحدود. كذلك ما يتعلّق بأمور العقيدة، فقد جاءت على سبيل الإيضاح والتفصيل.

стр. 98

وقد ربط القرآن الكريم الأحكام -سواء ما جاءت على صورة قواعد عامة، أو إجمال، أو تفصيل- برباط العقيدة، وانخرطت في سلك أركان الإيمان، ممّا يُكسبها قداسةً وهيبةً وأهمية وسبباً رئيسياً بالفوز بالجنة عند أدائها، أو القذف في النار عند عدم الإتيان بها أو مخالفة الأمر الوارد فيها. ثانياً: سُنّة الرسول ﷺ : وهي: المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام، وأجمعت الأمّة على حُجِّيّتها ومشروعية الاستدلال بها. وأصبح هذا معلوماً من الدِّين بالضرورة، لا يُنكره إلاّ زنديق ملحدٌ أو غبيّ جاهل. والأدلّة على حُجِّيّة السُّنة ما يلي: أ- التصريح بأنّ النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾. ب- الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ج- وجوب ردّ التنازع إلى الله -أي: إلى كتابه- وإلى الرسول -أي: لسنته-، قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. د- وجوب تحكيم الرسول ﷺ فيما يحصل من خلاف بين الأمّة، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. ز- لا خيار للمسلم فيما قضى به الله أو قضى به رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾.

стр. 99

هـ- أعطى الله الرسول ﷺ سلطة تنفيذ الأحكام، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فمرتبة السّنّة تلي القرآن الكريم في التشريع، ودلّ على هذا: ما رُوي عن معاذ ﵁: ((أن النبي ﷺ سألَه حين بعثه لليمن: كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟))، قلت: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قلت: أقضي بما قضى به رسول الله ﷺ . قال: فإن لم يكن قضى به رسول الله؟ قلت: أجتهد رأيي ولا آلو -أي: لا أقصّر-. فضرب رسول الله ﷺ صدري وقال: الحمد الله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لِما يُرضى رسولَ الله)). وعلى هذا المنهج، سار صحابة رسول الله ﷺ . ومِن ذلك: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كتب إلى القاضي شريح: "إذا أتاك أمر، فاقض بما في كتاب الله. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فاقْضِ بما سَن فيه رسول الله ﷺ ". بجانب هذيْن المصدريْن الرئيسيَّيْن: القرآن والسُّنّة، توجد مصادر أخرى تنبثق منهما، ولا تخرج عن حدودهما. من ذلك: ١ - الإجماع، ويُعرّف لدى علماء الفقه والأصول: "اتّفاق المجتهدين من الأمّة الإسلامية في عصر من العصور، بعد وفاة الرسول ﷺ . ومستند الإجماع قد يكون من القرآن والسّنة. وقد يكون قياس ما ليس له دليل على نظير له دليل. وقد يستند الإجماع إلى العُرف المنضبطة ثقافته وفكره وسلوكه بثوابت الإسلام، وليس يراد به العرف المعاصر الذي فقَد هويّته وانقطعت صِلَته بثوابته الشرعية. وممّا أجمعت عليه الأمّة بعد وفاة الرسول ﷺ : قتال المُرتدِّين، وجمع القرآن. والإجماع ممكن في هذا العصر من خلال المجامع الفقهية التي يشترك فيها فقهاء

стр. 100

المسلمين في مكان معيّن، وتُعرض عليهم الوقائع والقضايا المستحدَثة، وإذا أجمعوا على رأي يصير ملزِماً لجميع المسلمين. ٢ - القياس: وهو في اللغة التقدير والمساواة. وفي الاصطلاح: إلحاق مسألة لا نصّ على حُكمها بمسألة ورَدَ النّصّ بحُكمها، وذلك بسبب تساوي المسألتيْن في علّة الحُكم. وهو مصدر هامّ من مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية، وبه قوامها، وتتمّ به صلاحيتها لكلّ زمان ومكان. ٣ - الاستحسان: وهو في اللغة: عدّ الشيء حَسَناً. وفي الاصطلاح: هو العدول عن قياس جليّ -أي: ظاهر- إلى قياس خفيّ. ٤ - المصالح المُرسَلة: وهي المصالح التي لم يُشرّع الشارع أحكاماً لتحقيقها، ولم يقُم دليل معيّن على اعتبارها أو إلغائها. وقد أجاز جمهور العلماء: أن كلّ واقعة ليس فيها نص ولا إجماع ولا قياس ولا استحسان، وفيها مصلحة محقّقة أو درء مفسدة، فللفقيه المجتهد إيجاد حُكم مناسب بما يُحقّق معه المصلحة. هذه هي مصادر الشريعة الإسلامية التي يُستدل من خلالها على نوعيّة الأحكام الفقهية ودرجة هذا الحُكم، وعلى الدّاعي إلى الله أن يكون عليماً بهذه المصادر، مطّلعاً على شروط استدلال كل منها؛ وبهذا يصبح داعياً مجتهداً فقيهاً عالماً، صاحب ثقافة واسعة تفي بحاجة من يسأله أو يستفتيه. وبذلك تتعمّق الصلة والثقة بين الدّاعي والمدعوِّين، حيث يشعر المسلمون بمدى حاجتهم إليه، فيفتقدونه إذا غاب، ويسألون عنه لحاجتهم إليه، ويفرحون بلقائه، ويستبشرون بحديثه، ويقتنعون بآرائه وفتاواه.

стр. 101

التعريف الموجَز بأئمّة الفقه نشأ الفقه الإسلامي في حياة الرسول ﷺ ؛ فلقد كان ﵊ هو المرجع الأول في الفتوى، مستنداً إلى ما يتنزّل عليه من آيات الذّكْر الحكيم، وبما يبلّغه أصحابه من أقوال وأفعال. وكان ﷺ يُقرّ بعض أصحابه على ما فهموه من أدلّة الكتاب والسُّنّة أو من خلال اجتهادهم في حدود ما شرعه الله. وقد برز من أصحابه ﷺ مَن تفقّهوا في الدِّين وبأحكام الشريعة وكان لهم القدرة على الفهم والاستنباط، فكان يُرجع إليهم عند طلب الفتوى. ولقد توزع الصحابة مع الفتوحات وتفرّقوا في الأمصار، وأخذ عنهم العلْم كبارُ التابعين؛ فتكوّنت في الأمصار الإسلامية المدارس الفقهية التي تستند كل منها لصحابي أو أكثر. وقد عُرف بالفتيا في مسائل الفقه الإسلامي أعلامُ التابعين فكانوا نجوماً متلألئة في العواصم والمدن الإسلامية. ولقد اشتهر بالفقه عدد كبير من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت، والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂. كما اشتهر من التابعين: الفهقاء السبعة بالمدينة، وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسلمان بن يسار. بعد عصر فقهاء التابعين، ظهر في العالَم الإسلامي تلاميذهم، وهم فقهاء تابعي التابعين. وقد بدأ في هذا العصر ظهور الأئمة المجتهدين الكبار الأربعة، وتكوّنت مذاهبهم الفقهية ومدارسهم الفكرية. وهم على الترتيب التالي:

стр. 102

أولاً: الإمام أبو حنيفة بن ثابت، والإمام مالك بن أنس، والإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبو عبد الله بن حنبل الشيباني. هؤلاء الأئمة قيّض الله على أيديهم حفْظ الفقه وتدوين أحكامه. وإنه يجب على مَن ينزل إلى ساحة الدّعوة إلى الله: أن يقف على آرائهم، وأن يكون على ثقافة واسعة بمذاهبهم، وأن يتخيّر من فتاويهم ما يناسب هذا العصر؛ وبذلك يصير الدّاعي إلى الله واسع الاطلاع، وافر الثقافة، غزير العلْم بأحكام الشريعة. هذا، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 103

الدرس: ٥ العلوم التي يحتاج إليها الداعية (٢) .

стр. 104

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (العلوم التي يحتاج إليها الداعية (٢)) ١ - الثقافة الإسلامية التعريف باللّغة العربية الحمد لله الرحمن، علّم القرآن، خلَق الإنسان، علّمه البيان، والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسُل الذي آتاه الله الحكمة وفصْل الخطاب، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدِّين. أما بعد: اللّغة العربية إحدى اللّغات السّاميّة، انشعبت هي وهنّ من أرومةٍ واحدة، نبتت في أرض واحدة. فلمّا خرج السّاميّون من مهدهم لتكاثر عددهم، اختلفت لغتهم الأولى بالاشتقاق والاختلاط، حتى أصبحت كلّ لهجة منها لغة مستقلّة. والعلماء يردّون اللغات السامية إلى: الآرامية، والكنعانية، والعربية. ولغات العرب -على تعدّدها واختلافها- إنما ترجع إلى لغتيْن أصليّتيْن: لغة الشمال باليمن، ولغة الجنوب في الحجاز ونجد. على أنّ اللغتيْن -وإن اختلفتا- فلم تكن إحداهما بمعزل عن الأخرى؛ فقد تلاقتا وتلاقحتا من خلال اتّصال القحطانيِّين بالعدنانيِّين، ولا سيما بعد انهيار سدّ مأرب عام (٤٤٧ ق. م)، ونزوح عرب الشمال "القحطانيّين" من اليمن إلى شمال شبه الجزيرة العربية. ولقد آلت إلى قريش ريادة اللغة العربية، وتجمّعت لديها أروع أساليب البلاغة والفصاحة التي سادت بهما على العرب جميعاً، لِما لِمكّة من مكانة تسمو بها عليهم، ولا سيما بعد بعثة الرسول ﷺ ، وهو من أشرفهم نسباً وأفصحهم بياناً. وقد تنزّل القرآن الكريم بلسانهم، فارتفعت منزلتُهم وسما قدْرُهم، وعلا شأنهم على غيرهم من القبائل. أهمّيّة اللغة العربية في ثقافة الدّعاة: اللغة العربية من اللغات الحيّة، فهي لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لها سلطانها على النفوس، وقوّة تأثيرها على الأفكار، وسحْر بيانها على العقول.

стр. 105

ويصف الدكتور محمد كامل الفقي عن أثر اللغة العربية على الدعاة ممّن تخرّجوا في رحاب الأزهر، وانساحوا إلى أقطار العالم الإسلامي وجامعاته ومعاهده، فتربّتْ على أيديهم أجيال وأجيال أصبحوا رواد الفكر في كلّ قطر، وزعماء اليقظة والنهضة في كلّ بلد، يقول: "فلقد كان الأزهر -ولا يزال- عكاظ الأمّة العربية، وميدان فرسان البلاغة. ولقد تهيّأ لكثير من الأزهريِّين مِن طول المراس، واعتياد القول، ومعاطاة الحوار والوعظ والجدل، رصانة في الأسلوب، ودقّة في التعبير، وسموّ في البيان، وطلاقة في اللسان، وفيض في الخواطر، وتدفّق في المشاعر، واقتدار على المباغتة والمفاجأة. وإنك لتسمع إلى خطبائهم البارعين فيخيّل إليك أنك تسمع في البادية عَربها الفصحاء، ومقاويلها البلغاء، يخطبون فيتسابقون، ويرتجلون فينافسون. يقف الخطيب منهم فتجده لا يتلكّأ ولا يتلعثم، ولا يعيد قولاً أو يكرّر جملة، أو يمسح عثنوناً، رصين الأداء، بليغ الحجة، سليم العبارة، مُحكَم الدليل. يزين خطابه درٌ من الكتاب المبين، ويُشرق في حديثه الأدب النبوي، ويلمح في جنباته روائع من أدب العرب وشعرهم". هذه الصورة المتألِّقة التي يصفها الدكتور الفقي للدّعاة ينبغي أن يتّصف بها كثير من العاملين في ميدان الدّعوة، ويمكن تحصيلها بالوسائل التالية: أولاً: حفظ القرآن الكريم، وتذوّق أساليبه، وتدبّر معانيه، والوقوف على وجوه إعجازه وشرائعه. ثانياً: تعميق الصّلة بالأدب النّبوي الكريم الذي له أثر على أداء الدّعاة، لما ينفرد به ﷺ من فصاحة التّكلّم، وروعة المنطق، ودقّة التعبير. فقد أوتيَ ﷺ جوامع الكلِم. ويتحدّث أديب العربية المرحوم أحمد حسن الزيات عن بلاغة الرسول ﷺ ، وما ينبغي على الدّعاة أن يحذوا حذْوه ويقتفوا أثره، في الفصاحة وحسن البيان،

стр. 106

فيقول ﵀: "إذا كان كلام الله كتاب البيان المعجِز، فإن كلام الرسول ﷺ سُنّة هذا البيان". وإذا كان البلاغ صفة كلّ رسول، فإن البلاغة صفة رسول الله ﷺ ، تجمّعت فيه ﷺ خصائص البلاغة بالفطرة، وتهيأت له أسباب الفصاحة بالضرورة. فلقد وُلد في بني هاشم، واستُرضع في بني سعد، وتزوّج من بني أسد، وهاجر إلى بني عمرو -وهم الأوس والخزرج-. ثم كمّله الله برجاحة العقل، وسماحة الخلق، وصفاء النفس، وقوة الطبع، وثقوب الذهن، وتمكّن اللسان، ومحض السليقة، ليكون لساناً لكلمته، مُظهراً لكنوزه. كل ذلك قد مكّن للرسول ﷺ من ناصية البلاغة، فأسلست له الألفاظ، وأسمت له المعاني، فلم ينِدّ في لسانه لفْظ، ولم يضطرب في أسلوبه عبارة، ولم يعزب عن علْمه لغة، ممّا جعل الصحابة يعجبون من تلك الفصاحة، فيقول لهم: ((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي. ورُبِّيتُ في بني سعد)). ثالثاً: نشأة علوم اللّغة العربية: اشتهر العرب من بين الأمم بالفصاحة والبلاغة، وحُسن التعبير، وجمال التصوير. يجري كلامُهم على الطّبع ليس فيه تكلّف ولا زُخرف. يعبِّر أصدق تعبير عن البيئة الصحراوية، بما تحمل من خُلُق الشهامة والمروءة والنجدة. أمّة تتيه فخراً بفرسانها وشعرائها، وتدفع للصدارة حكماءها وخطباءها. وكانت اللغة العربية خالية من التنقيط والتشكيل، إذ إن العربي كان ينطق بالفطرة، ويراعي القواعد بالسليقة، ليست فيه كلمة نابية أو عبارة جافية. فأسلوبهم قويّ اللفظ، متين التركيب، يتّسم بنصاعة البيان، وطلاقة البديهة، ووضوح التعبير، وجلاء الفكرة. ولا يتعثّر لهم لسان، ولا يسقط من كلامهم حرف، ولا تشذّ عن النطق السليم كلمة، ولا تغيب عنهم قاعدة من قواعد الإعراب لحظة؛ فهم يراعونها بالفطرة، ويلتزمون مخارج الحروف بالسليقة.

стр. 107

وازدادت بلاغة العرب وتألّقت فصاحتهم -لا سيما قريش-، حينما نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، أعجز البلغاء وحيّر الفصحاء، فعدّل مسار الفصاحة والبلاغة اللّتيْن كانتا يُتبارى بهما في المفاخرة والمنافرة، والمدح والهجاء، واستجاشة المشاعر وإثارة العواطف، لإيقاد نار الفتنة وتسعير لظى الحروب. نجد هذا كلّه يتغيّر بين ظلال الإسلام وعلى مائدة القرآن وهدي السّنّة، إلى الدعوة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإلى الفضيلة ومكارم الأخلاق ومعالي الأمور. وتجاوبت فطرة العربي مع بلاغة القرآن الكريم وفصاحة الرسول ﷺ ، فأثمرت وأينعت خير أمّة أخرجت للناس، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وكان اللسان العربي هو المعبّر عن عظمة الإسلام، والوسيلة التي يُشرح بها تعاليمه ويدعو الناس للدخول في دين الله. وكان نطق العربي، كما كان العهد به، مستقيماً خالياً من اللحن، سليماً من الخطإ. ومع انتشار الإسلام وخروج العرب فاتحين للفُرس والروم، ومع اختلاطهم بالأعاجم، بدأ اللّحن يتسرّب إلى اللغة العربية، وبدأت بعض الهفوات والسقطات تظهر بين ثنايا الكلام. وخشي صحابة رسول الله ﷺ أن يتسرّب اللّحن إلى القرآن الكريم، ووقعت بعض الألسنة في الخطإ أثناء التلاوة، فهبّ العلماء من المسلمين للمحافظة على اللغة العربية في تقويم مفرداتها وقواعد تصريفها، ولضبط حركات أواخر الكلمات باختلاف أحوال مواقعها من الجملة. وقد ذكَر المؤرِّخون عدّة روايات تاريخية حول دوافع تأسيس علْم النحو، منها: الراوية الأولى: جاء فيها: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على قوم يُسيئون الرّمي، فقرّعهم على ذلك، فقالوا له: "نحن قوم متعلِّمين". فساءه اللحن الذي وقع في

стр. 108

كلامهم، إذ لم يقولوا: "نحن قومٌ متعلِّمون"، أكثر ممّا إساءه خطؤُهم في الرمي، وأعرض عنهم مغضباً، وقال: "والله لَخطؤكم في لسانكم أشدُّ عليّ من خَطَئكم في رميكم". كما وقع خطأ قارئ القرآن الكريم حينما تلا قول الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، فقرأ كلمة ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام، وهذا خطأ فاحش يُغيِّر المعنى تغييراً كبيراً، ويوقع في الإثم والمعصية. إزاء تسلّل اللّحن، خشي صحابة رسول الله ﷺ أن ينتشر الخطأ في اللّغة العربية، وينتقل إلى القرآن الكريم، فكُلِّف أبو الأسود الدؤلي من قِبل عمر بن الخطاب ﵁ أو مِن قِبَل عليّ بن أبي طالب ﵁، على اختلاف في الروايتيْن. المهمّ أنه بدأ الاتّجاه لصَوْن اللغة العربية، فوُضعت النقاط فوق الحروف، وتمّ تقسيم الكلام إلى: اسم، وفعْل، وحَرْف. ووضعت قواعد الإعراب لضبط نهاية الجملة، وتمّ تأسيس علْم النحو والصرف. ثم تتابعت علوم البلاغة (المعاني، البيان، البديع). وكثرت مدارس النحو، وتوالت الجهود لحفْظ اللغة العربية وآدابها. وما زالت هذه المؤلَّفات والمصادر ومعاجم اللغة بين أيدي المسلمين علماء وطلاباً وباحثين. ثالثاً: كيف يتدرّب الدّعاة على اللّغة ومراعاة قواعدها؟ إنّ نعمة البيان من أجَلِّ النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فاللسان هو المعبِّر عمّا يجيش به الفؤاد، النّاطق عمّا يجول في القلب والوجدان. وبحُسن المنطق وسلامة التعبير يتمّ التفاهم بين بني الإنسان، وينشأ التعارف بين

стр. 109

الأمم والأوطان. وهو أداة لنقل العلوم والمعارف، وهو عنوان البلاغة وأمارة الفصاحة، به تُستمال القلوب، وتنقاد الأمم والشعوب. وهو لسان حال الدّعوة إلى الله، والأداة الفعّالة لتبليغها. والدّعاة إلى الله هم أحوج الناس لسلامة اللغة، ويجب مراعاتهم لقواعد الإعراب، وحُسن المنطق، وروعة البيان، ودقّة التعبير، والتّمكّن من توضيح فكرة ما يدعون إليه، ومدى تفهّم المستمع لِمَا يتحدثون به؛ إذ إن العلاقة بين المتكلِّم والمستمع كالعلاقة بين جهازَيِ الإرسال والاستقبال. فالمتكلِّم ينبغي أن يكون حَسَن الإرسال بحُسْن اللغة وسلامة المنطق، وصدْق العاطفة. والمستمع يجب أن يكون لديْه حُسن استقبال لِما يُلقى إليه، فيكون في يقظة وانتباه، ويُنصت بذهن صافٍ وصدرٍ منشرح. ولن يتسنّى للدّعاة تحقيق ذلك إلاّ بالأمور التالية: أولاً: معرفة قواعد الإعراب، ويتمّ هذا بدراسة علْم النحو وقواعده، وبجانب الدراسات يكون التدريب على النطق السليم، ومراعاة مخارج الحروف، والوقوف على الجمل المفيدة، مع ملاحظة حركة آخر الكلمة وموقعها من الإعراب. وفي البداية يلتزم الداعية أو طالب العلْم إذا قرأ في كتاب، أن يرفع صوته ويُسمع نفسه، فتشترك العين بالنظر، واللسان بالنطق، والأذن بالسمع، والعقل يضبط إيقاع الكلمة وسلامة حركتها. ثانياً: يجب على الدّاعي إلى الله: أن يكون شغوفاً بالعلْم نهِماً للقراءة، حَسن الاطلاع لكتب العلم والأدب؛ فكُتب العلْم تُزوِّد معارفه، وتُكثر ثقافته، فينمو عقله وتتّسع مداركه.

стр. 110

أمّا كتب الأدب من قصص هادفة، أو نثر بأسلوب راقٍ، أو شعر يحرك المشاعر ويستنهض الهمم، فهو ميدان فسيح يفيض بفنون وأساليب القول. فقرائح الخطباء والأدباء والشعراء، وحِكم الحكماء -ما قبل الإسلام وبعده- زاخرة بذلك. فإنّ التطوف في رياض الأدب، والتّريّض بين قطوفه وأثماره، والوقوف بين ظلاله وأفنانه، يُكوِّنان في الداعية رصيداً ضخماً من الكلمات الأدبية السامية، ويُنمي ثروةً كبيرة من الجمل الرفيعة العالية. ومن خلال التزود بالعلوم الشرعية، وتذوق الإحساس الأدبي الراقي الجميل، فإن هذا يولِّد في نفس الداعية ملَكة التعبير، وصدْق العاطفة، ونبْل المشاعر، وإخلاص النِّيّة، وسلامة الطّويّة. ممّا سبق، تتّضح أهميّة اللغة العربية وآدابها في تكوين عقل وفكر الدّعاة إلى الله. المصدر الخامس من مصادر الثقافة الإسلامية: علْم التّاريخ التاريخ مرآة الأمَم، وذاكرة الشعوب، والسّجلّ الحافل بالأحداث والوقائع. يكتب تقدّم الأمم وازدهارها، ويرصد أفول نجْمها وغروب شمسها. وتاريخ الإسلام عظيم مليء بالدروس، زاخرٌ بالعِبَر، ثريّ بالأحداث الجسام. سُطِّرت صفحاته بسيرة الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وبمواقف رجاله الأشاوس وقادته الأماجد، في معظم فترات تاريخه. وتاريخ الإسلام هو تاريخ الإنسانية عبْر وحي السماء ورسالات الأنبياء، من خلال آيات القرآن الكريم الذي دَوّن الأحداث، وساق القصص، وسرد الوقائع، بصدق لا يأتيه الباطل ولا يتسرّب إليه الشّك، ولا تمتد يد لتزوير التاريخ والعبث به وطمْس معالمه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
следующие страницы →