بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقَدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد: فإنَّ مصنفات الشيخ العلّامة الدكتور بكر أبو زيد -سلمه الله- قد تفرّدت في هذا العصر بجودة انتقاء موضوعاتها، وحُسن بيانها، وصدروها عن علم شرعي مؤصل متين؛ ممَّا أنزلها المحل الأعلى عند طلبة العلم ومحبيه، وجعلها تنتشر في بلاد المسلمين كمرجع أساس فيما احتوته من مسائل وموضوعات.
ويأتي في مقدمة هذه المصنفات الفريدة: "معجم المناهي اللفظية" الَّذي اختار له الشيخ موضوعًا مهمًا متميزًا يحتاجه المسلمون في هذا العصر؛ وهو معرفة كثير من المناهي اللفظية الَّتي ينبغي أن تحيد عنها ألسنتهم؛ ليسلموا من غوائلها وتبعاتها. فكان الشيخ بهذا المصنَّف البديع رائدًا لمن كتب بعده من المؤلفين الذين نسجوا على منواله في هذا الموضوع، بل جعله كثير منهم عمدة له في مؤلفه (١).
стр. 2
فكنتُ حال مطالعتي المتفرقة في الكتب المتنوعة أُقيّد ما يمر بي من منهيات لفظية لم يذكرها الشيخ في "معجمه" بطبعتيه الأولى والثالثة (١)؛ حتَّى تجمع عندي منها كثير، وإنَّما السيل في اجتماع النُقَط؛ فأحببتُ أن أفردها في مصنف مستقل يكون بمثابة "مستدرك" على معجم الشيخ، وما كان لمثلي -تقصيرًا وضآلة علم- أن يستدرك على من هو في قامة الشيخ -حفظه الله- وهو من هو علمًا واطلاعًا؛ ولكني آثرتُ أن أتجشم هذا الأمر متمثلًا بقول الشاعر:
أسيرُ خلف، ركاب النُجب ذا عرجٍ … مؤملًا كشف ما لاقيت من حرجٍ
فإن لحقتُ بهم من بعدما سبقوا … فكم لربّ الورى في ذاك من فرَجِ
ومتعللًا بأن الشيخ لم يرمِ إلى الاستيعاب في "معجمه".
стр. 3
وليتنبه القارئ الكريم قبل ولوج هذا "المستدرك" إلى أمور:
١ - أنَّه ليس لي من عمل في معظمه سوى نقل تلك المناهي والتعليق عليها من بطون الكتب الَّتي تجد الإشارة إليها في الهامش.
٢ - أنني أذكر -أحيانًا- بعض المنهيات الَّتي سبق للشيخ أن أوردها في "معجمه" مختصرة؛ إذا عثرتُ على من أسهب الكلام عنها وأتى بفوائد لم تأت عند الشيخ.
٣ - أني رتبتُ الألفاظ ترتيبًا ألفبائيًا في الفهرس، أمَّا داخل الكتاب فقد تركتها كما جُمعت دون ترتيب حرفي؛ لتسهل الزيادة عليها في الطبعات القادمة -إن شاء الله- فجمعتُ -فيما أحسب- بين مصلحة المؤلف والقارئ.
٤ - أني قدمتُ هذا "المستدرك" بمقال قَيّم مناسب لهذا الكتاب، للدكتور سيد العربي، نشره في مجلة البيان (العدد ١٦٧) بعنوان "مسؤولية الكلمة - دعوة لتصحيح ألفاظنا كما نصحح نياتنا".
٥ - أنني أطلب من إخواني القراء تزويدي بملحوظاتهم أو زياداتهم على هذا "المستدرك" لأفيد منها في الطبعات القادمة.
أسأل الله أن ينفع بما جمعتُ، وأن يضاعف الأجر للشيخ بكر، ويوفقني وإياه وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، واللهُ أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم
كتبه / سُلَيْمَان الخراشي
стр. 4
مسؤولية الكلمة
دعوة لتصحيح ألفاظنا كما نصحح نياتنا
العقيدة أو التوحيد أو الإِيمان -وهي مسميات لقضية واحدة- تتضمن الاعتقاد القلبي والكلام اللساني وعمل الجوارح، وهذا يعني أن الكلام أو الكلمة من مهمات الاعتقاد؛ وقد دل الدَّليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ -بما يفوق الحصر- على أن الكلام من أعمال المسلم الَّتي يحاسب بمقتضاها، وأنَّه يترتب عليه من الثواب أو العقاب ما الله به عليم؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١)، وقال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقال: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ (٥)، وقال: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
إن هذه النُّصوص القرآنية الجامعة وغيرها تبين خطورة الكلمة والكلام في دين الله وأنها معدودة على قائليها، مسجلة عليهم، وأنهم محاسبون على ما يتكلمون؛ لأنَّ الكلام من جملة الدِّين الَّذي يُسأل الإنسان
стр. 5
عنه، وكذلك جاء في السُّنَّة المطهرة الكثير من الأحاديث الَّتي تثبت خطر الكلام وأثره في دين العبد ثوابًا أو عقابًا؛ فمن ذلك ما أخرجه التِّرْمِذِيّ وابن ماجه وأحمد من حديث معاذ بن جبل أنَّه قال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب النَّاس في النار على وجوههم -أو على مناخرهم- يوم القيامة إلَّا حصائد ألسنتهم؟ ".
وأخرج التِّرْمِذِيّ وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار" (١).
وأخرج التِّرْمِذِيّ وابن ماجه وابن حِبَّان عن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" (٢).
من هذه النُّصوص وغيرها يتبين أن الكلمة في دين الله عظيمة الشأن من حيث الربح أو الخسارة؛ ولله در صاحب الداء والدواء -ابن القيِّم- عندما قال في ذلك الكتاب: "وأمَّا اللفظات فحفظها بألا يخرج لفظة ضائعة، بألا يتكلم إلَّا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل ربح فائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوت بها كلمة هي أربح منها فلا يضيعها بهذه؟ " إلى أن
стр. 6
قال: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر إلى المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه، حتَّى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري أعراض الأحياء والأموات ولا يُبالي ما يقول؛ وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله : من ذا الَّذي يتألى (١) عليَّ أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك". فهذا العابد الَّذي عَبَدَ الله ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله، ثمَّ قال أبو هريرة -صاحب الرِّواية الأخرى من الحديث-: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (٢)(٣).
كل منا على خطر دائم ممَّا يجنيه لسانه، ولو كان مجرد كلام فيما لا يعنيه، وما أكثر ما نتكلم به فيما لا يعنينا، وقد روى التِّرْمِذِيّ في جامعه من حديث أنس ﵁ قال: "توفي رجل من الصَّحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة! فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه"، وفي لفظ: "إن غلامًا استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه
стр. 7
صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئًا لك يا بني الجَنَّة، فقال النَّبِيّ ﷺ : "وما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره".
لهذا كان الصمت أحيانًا أضمن طريق للنجاة من ورطات اللسان؛ حيث يمتنع الإنسان عن التكلم إلَّا فيما يعلم حقًا أنَّه خير، وهذه وصية رسول الله ﷺ الَّتي أخرجها الشَّيخان في صحيحيهما؛ فقد قال ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (١).
لقد كان رسول الله ﷺ يتخوف علينا من ألسنتنا، ويأمرنا بالاستقامة الَّتي يدخل فيها استقامة اللسان؛ فقد طلب سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِي من رسول الله ﷺ طلبًا عزيزًا: قال له: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: "قل: آمنت بالله، ثمَّ استقم" (٢)، فقال: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثمَّ قال: "هذا" (٣).
فاحذر أخي -رحمني الله وإياك- أن تخرج من فمك الألفاظ الضائعة الَّتي لا تعي معناها؛ فقد تكون من كلام الشر والسوء الَّذي يضرك في دنياك وآخرتك؛ فالله -تعالى- يقول: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
стр. 8
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (١).
لقد فقه السلف مسؤولية الكلمة، وعرفوا أمانتها، ووعوا خطورتها؛ فهذا صدِّيق هذه الأمة: أبو بكر ﵁ كان يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: "هذا الَّذي أوردني الموارد" (٢).
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "والله الَّذي لا إله إلَّا هو! ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان"، وقال طاووس: "لساني سبع؛ إن أرسلته أكلني" (٣).
لقد فهم سلفنا الصالح وعلموا أن النجاة في كف اللسان إلَّا من ذلك الَّذي أشار إليه القرآن في التناجي بين النَّاس؛ ولهذا سأل عُقبة بن عامر الجهني رسول الله ﷺ قائلًا: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك" (٤).
قال النَّووي ﵀: "أعلم أنَّه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلَّا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتي استوى الكلام وتركه في المصلحة؛ فالسنة الإمساك عنه؛ لأنَّه قد ينجرُّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه؛ وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء" (٥).
وقد يقول قائل عند التنبيه بما تقدَّم: "إنني عند تكلمي بالكلمة السيئة
стр. 9
الخبيثة المحرمة؛ فإنَّ نيتي تكون حسنة، ولا أعتقد ما وراء هذه الكلمة من اعتقاد سيء خبيث، ولا أعتقد حِلِّها بل أعتقد حرمتها؛ لأنَّ نيتي وقصدي حسن؛ فهل أعاقب بما أقول والحال كذلك؟ والجواب: أنَّه ينبغي أن يصحح العبد لفظه كما يصحح نيته؛ فمتي علم أن الكلمة في دين الله حرام، وجب عليه تصحيحها، أو التخلي عنها، وإن لم يعتقد حل القول بها أو جوازها، وهذا ما أجاب بنحوه الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عندما سئل: "بعض النَّاس يقول: إن تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب؛ فهل هذا صحيح؟ فأجاب ﵀: إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراؤها على اللغة العربية؛ فهذا صحيح؛ فإنَّه لا يهم أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهومًا سليمًا، أمَّا إذا أراد بتصحيح الألفاظ ترك الألفاظ الَّتي تدلُّ على الكفر والشرك، فكلام غير صحيح، بل تصحيحها مهم، ولا يمكن أن تقول للإنسان: أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النِّيَّة صحيحة، بل نقول: الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإِسلامية" ا. هـ (١).
ومن أخطر ما يمكن أن يجري على لسان الإنسان: أن يقع في الاستهزاء بدين الله أو شيء من دين الله ظانًا أن ذلك يجوز على سبيل الفكاهة واللعب؛ يقول ابن تيمية ﵀ محذرًا من عاقبة ذلك في أثناء بيانه المعنى قول الله -تعالى-: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
стр. 10
وَنَلْعَبُ﴾ (١): "فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل لهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢) فدل على أنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيَّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه؛ فدل على أنَّهم كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الَّذي عرفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه" (٣).
فانظر -يرحمني الله وإياك- خطورة الكلمة؛ حيث لا يصح الاعتذار بالنية؛ فإنَّ ذلك تلبيس إبليس؛ فالكلام الفاسد والعمل الفاسد، لا تشفع له النية الصالحة، والنية السيئة الخبيثة لا يشفع لها العمل الصحيح والكلام الحسن، وصدق من قال:
احفظ لسانك أيها الإنسان … لا يلدغنك إنَّه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه … كانت تهاب لقاءه الشجعان
وقال آخر:
يصاب الفتي من عثرة لسانه … وليس يصاب المرء من عثرة الرجِل
فعثرة في القول تُذهب رأسه … وعثرة في الرِّجل تبرأ على مَهَل
стр. 11
تجديد الخطاب الديني:
قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- تحت عنوان "ماذا يراد بتجديد الخطاب الديني": "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين. نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان واقتفي أثرهم إلى يوم الدِّين، وبعد:
تدور في هذه الأيام عبارات نسمعها ونقرؤها في وسائل الإعلام حول إصلاح الخطاب الديني. ولا ندري ماذا يقصد بها؟!
هل يقصد بها تغيير نصوص الكتاب والسُّنة الَّتي تأمرنا بجهاد الكفار والمنافقين وبغضهم ومعاداتهم إذا لم يقبلوا هدى الله الَّذي جاء به محمد ﷺ ، وتأمرنا بالقيام بالدعوة إلى الله والدخول في دينه وترك الكفر والشرك والبدع، وتأمرنا بالتقيد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
هل معني إصلاح الخطاب الديني أن نترك هذه المهمات العظيمة تحت شعار: حرية الرأي وعدم كره الآخر والرأي الآخر وحرية العقيدة كما يقولون؟ وكما قاله مَنْ قبلهم للنبي ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣). ولو كانت هذه
стр. 12
المقالة تصدر من اليهود والنصارى وحدهم لم نستغربها منهم؛ لأنَّهم حرفوا كتابهم وبدلوا وغيروا فيه، ولكن الغريب والعجيب أن تصدر هذه المقالة من بعض كتابنا وتنشر في بعض صحفنا، وقد تعقد لها ندوات ومؤتمرات تأثرًا بمقالة الكفار وتنفيذًا لها.
أمَّا إن كان المراد بإصلاح الخطاب الديني تغيير الغلط الَّذي يحل من بعض المسلمين في أسلوب الدعوة إلى الله، وفي الاعتداء على النَّاس والغدر في العهد والأمان مع الكفار اللذين يكونان بين المسلمين والكفار، فهذا الأسلوب ليس هو الخطاب الديني؛ لأنَّ الله يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ويقول لموسى وهارون ﵉ في مخاطبتهما لفرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٣) فالذي يخالف هذا التوجه الإلهي في أسلوبه مع النَّاس لا يسمي خطابه هذا الخطاب الديني، وإنَّما هذا خطابه هو، وإنَّما الخطاب الديني: وضع الأمور في مواضعها، وتسمية الأشياء بأسمائها، والتمييز بين أولياء الله وأعداء الله وإنزال النَّاس منازلهم، وتسمية المسلم مسلمًا والمنافق منافقًا والكافر كافرًا والعاصي عاصيًا أو فاسقًا، والتعامل مع كلٍّ ما يليق به من غير ظلم ولا عدوان ولا غلوٍّ، ويجب تقسيم الكفار إلى
стр. 13
محارب ومعاهد ومستأمن، وإعطاء كلِّ حكمه الشرعي من غير محاباة لأحد ولا تنازل عن شيء من أحكام الدِّين طاعة للكفار والمنافقين؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (١)؛ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) أي إلَّا يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فتوالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين، فإنها ستحصل الفتنة في الدِّين فلا يميز بين المؤمن والكافر، وبين الكفر والإيمان، وحينئذ تختلط الأمور وتفسد الأحوال ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العظيم. وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين" (٣).
اللهم بأسرار الفاتحة ارحمنا أو فَرِّج عنا:
سُئل فضيلة الشيخ عبد الرَّحمن بن ناصر البراك -حفظه الله- عن هذا الدُّعَاء، فأجاب:
стр. 14
"الحمد لله، هذا الدُّعَاء بدعة لا أصل له، وليس له نظير في الأدعية المأثورة عن النَّبِيّ ﷺ ، والسلف الصالح، فالواجب التوسل بما جعله الله وسيلة من الأسماء والصَّفات؛ كأن تقول: اللَّهُمَّ برحمتك أستجير، وبرحمتك أستغيث، وتقول: يا أرحم الراحمين ارحمنا، وتقول: اللَّهُمَّ فرج عنا يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)، فهذا الدُّعَاء المسؤول عنه من الأدعية البدعية الَّتي يخترعها بعض النَّاس ويُعجبون بها. وهذا من تسويل الشيطان، فالخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع" (٢).
مصطلح أهل القبلة
يستعمل دعاة التقريب بين أهل السُّنَّة والمبتدعة هذا المصطلح كثيرًا في كتاباتهم، محاولة منهم خلط الحق بالباطل وتمييع قضايا "السُّنَّة" و"البدعة" وما يترتب عليها من أحكام. ويزعمون أنَّه يجب أن تلتقي طوائف الأمة الإِسلامية وتتآلف مع بقاء كل منها على عقيدته وآرائه يعلنها على الملأ، وينشرها مهما كانت! ما دام يصدق عليه أنَّه من "أهل القبلة"؛ ويعنون بهم من يستقبل القبلة في صلاته مهما كانت عقائده (كفرية) أو مخالفة للكتاب والسُّنَّة! دون تفريق.
ولا يرضون -بعد هذا- لأحدٍ أن يرد على أهل البدع أو يكشف
стр. 15
انحرافاتهم؛ لأنَّ هذا -عندهم- ممَّا يفرق "أهل القبلة"!
ويجهل هؤلاء الواهمون أو يغفلون عِدَّة حقائق تبين هذا المصطلح وما يراد به عند أهل العلم. هذه الحقائق باختصار هي:
١ - أن هذا المصطلح مقتبس من حديث للنبي ﷺ يقول فيه: "من صلي صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الَّذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته" (١).
٢ - أن المقصود من هذا الحديث -كما بين العلماء- أن المسلم المصلي لا يجوز تكفيره وإخراجه من الإسلام؛ بل يبقى على هذا الأصل؛ إلَّا أن يأتي بأمر مكفِّر.
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فيه أن أمور النَّاس محمولة على الظَّاهر؛ فمن أظهر شعار الذين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك" (٢).
ولهذا فقد أخرج البُخَاري عقب هذا الحديث ما يوضحه؛ وهو قوله ﷺ : أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلَّا بحقها، وحسابهم على الله" (٣).
فهذا الحديث متعلق بمسائل "التكفير"، وأنَّه لا يجوز تكفير المسلم -وإن
стр. 16
كان مبتدعًا- بكل ذنب، ما لم تكن بدعته مكفرة.
٣ - قال الطحاوي في عقيدته: "ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين".
قال ابن أبي العز في شرحه: "قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا). ويشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحلَّه.
والمراد بقوله: "أهل قبلتنا" من يدعي الإسلام، ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ﷺ . وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند قول الشيخ: "ولا تكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه" (١).
وقال في الموضع المشار إليه (٢): "قوله: (ولا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله): أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: "ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين"، يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب.
واعلم -رحمك الله وإيانا- أن باب التكفير وعدم التكفير بابٌ عظُمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء،
стр. 17
وتعارضت فيه دلائلهم؛ فالناس فيه -في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم- على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية.
فطائفة تقول: لا نكفِّر من أهل القبلة أحدًا، فتنفي التكفير نفيا عامًا، مع العلم بأن في أهل القبلة: المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصاري بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يُظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين.
وأيضًا: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قُتل كافرًا مرتدًا.
والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره الحلال في كتاب "السنة" بسنده إلى محمد بن سيرين، أنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١).
ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب. بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج .. ". انتهى كلام ابن أبي العز ﵀.
стр. 18
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصار بعضهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع وفي تخليدهم، حتى التزم تخليدهم كل من يُعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ ما لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يُطلق كفر أحد من أهل الأهواء، وإن كانوا أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والإلحاد" (١).
وقال -أيضًا-: "قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يُكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل، إذا كان فعلًا منهيًا عنه؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر، ما لم يتضمن ترك الإيمان. وأما إن تضمن ترك ما أمر الله به من الإيمان؛ مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت؛ فإنه يكفر به" (٢).
قال الدكتور إبراهيم الرحيلي معلقًا: "لكن ينبغي مراعاة أن لا يكون الذنب منصوصًا على الكفر به كفرًا أكبر؛ كترك الشهادتين، أو ترك الصلاة .. وأن لا يكون الذنب مما ينافي الإيمان بالله" (٣).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ رادًا على بعض من اغتر
стр. 19
بمقالة "عدم تكفير أهل القبلة" ليحملها على الجهمية: "وأما ما ذكرته من استدلال المخالف بقوله ﷺ "من صلَّى صلاتنا .. " وأشباه هذه الأحاديث، فهذا استدلال جاهل بنصوص الكتاب والسنة، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري؛ فإن هذا فرضه ومحلّه في أهل الأهواء من هذه الأمة ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام؛ كالخوارج ونحوهم، فهؤلاء لا يكفرون؛ لأن أصل الإيمان الثابت لا يحكم بزواله إلا بحصول مناف لحقيقته، مناقض لأصله، والعمدة استصحاب الأصل وجودًا وعدها، لكنهم يُبَدّعون، ويضللون، ويجب هجرهم، وتضليلهم، والتحذير عن مجالستهم ومجامعتهم، كما هو طريقة السلف في هذا الصنف.
وأما الجهمية وعباد القبور: فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام" (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "الآن لما فشا الجهل واشتدت غربة الدين، ظهر ناس من الذين يتسمون بالعلم، ويقولون: لا تكفِّروا الناس، يكفي اسم الإسلام، يكفي أنه يقول: أنا مسلم، ولو فعل ما فعل؛ لو ذبح لغير الله، لو سب الله ورسوله، لو فعل ما فعل، ما دام أنه يقول: أنا مسلم فلا تكفره!! وعلى هذا يدخل في التسمي بالإسلام الباطنية والقرامطة، ويدخل فيه القبوريون، ويدخل فيه الروافض، ويدخل فيه القاديانية، ويدخل فيه كل من يدَّعي الإسلام، يقولون: لا تكفروا أحدًا، ولو فعل ما فعل، أو اعتقد ما اعتقد لا تفرقوا بين المسلمين. سبحان الله! نحن لا نفرق بين المسلمين، ولكن هؤلاء
стр. 20
ليسوا مسلمين؛ لأنهم لما ارتكبوا نواقض الإسلام خرجوا من الإسلام، فكلمة: (لا تفرقوا بين المسلمين)، كلمة حق والمراد بها باطل؛ لأن الصحابة ﵃ لما ارتد من ارتد من العرب بعد وفاة النبي ﷺ قاتلوهم، ما قالوا: لا تفرقوا بين المسلمين؛ لأنهم ليسوا مسلمين ما داموا على الردة، وهذا أشد من أنك تحكم لكافر بالإسلام، وسيأتيكم أن من الردة: من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره، فهذه المسألة وهي من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر مثله، وهؤلاء يقولون لا تكفروا أحدًا ولو فعل ما فعل، ما دام أنه يقول: لا إله إلا الله، أنتم واجهوا الملاحدة واتركوا هؤلاء الذين يدعون الإسلام!! نقول لهم: هؤلاء أخطر من الملاحدة؛ لأن الملاحدة ما ادعوا الإسلام، ولا ادعوا أن الذي هم عليه إسلام، أما هؤلاء فيخدعون الناس ويدّعون أن الكفر هو الإسلام، فهؤلاء أشد من الملاحدة، فالردة أشد من الإلحاد -والعياذ بالله- فيجب أن تعرف موقفنا من هذه الأمور ونميزها ونتبينها؛ لأننا الآن في تعمية، فهناك ناس يؤلفون ويكتبون وينتقدون ويحاضرون، ويقولون: لا تكفروا المسلمين، ونقول: نحن نكفر من خرج عن الإسلام، أما المسلم فلا يجوز تكفيره" (١).
قلت: فحق -بعد هذا- أن يقال لدعاة "التقريب الموهوم" ما قاله المتنبي:
فإن الجرح ينفر بعد حين … إذا كان البناء على فساد!
فلا لقاء ولا تآلف ولا تقارب بين الفرق الإسلامية ما لم تلتق على عقيدة السلف ومنهجهم. وأما بغير ذلك "فستبقى حزازات النفوس كما هي".
стр. 21
والخلاصة: أن هذا المصطلح لا يؤيد دعاوى العصرانيين ونحوهم من يريد أن يُلبس الحق بالباطل، ويساوي بين أصحاب الصراط المستقيم وغيرهم من المبتدعة المنحرفين. بل تبقى أحكام المبتدعة كما هي: من ارتكب منهم مكفرًا كفرناه، ومن لم تخرجه بدعته عن الإسلام ناصحناه وبينا انحرافه وخطأه، وتعاملنا معه بما هو مقرر في كتب أهل العلم (١).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: كيف يتعامل الإنسان الملتزم بالسنة مع صاحب البدعة؟ وهل يجوز هجره؟
فأجاب: "أقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع دون ذلك، وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق؛ بيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله تعالى قال للنبي: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) فندعوا أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة، فإذا وُجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب.
أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره: إن كان في هجره
стр. 22
مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه .. " (١).
مصطلح الإصلاح:
مصطلح (الإصلاح) من المصطلحات التي شاع ذكرها وكثر تداولها في وسائل الإعلام هذه السنوات القريبة -لا سيما في بلاد التوحيد- فلا يكاد يمر أسبوع أو أسبوعان -أو شهر على أكثر تقدير! - إلا ونسمع عن ندوة تعقد عن (الإصلاح)، أو مقال يُحبر في (الإصلاح) .. وهكذا. فكلٌ يدعي وصلًا بهذا (الإصلاح) مهما اختلفت المشارب أو التوجهات؛ مما أحدث ربكة في أذهان المتابعين، وعجبًا كثيرًا عندما يرون التباين الواضح والمتناقض بين مدعي (الإصلاح)؛ مما أورث تساؤلًا لديهم عن: من (المصلح) الحقيقي من هؤلاء المدعين؟! لأن (الإصلاح) مصطلح مجمل يستعمله المصلح والمفسد في آن واحد.
وكما قال ابن القيم ﵀: "أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل" (٢).
وقال -أيضًا-: "أصل ضلال بني آدم: الألفاظ المجملة، والمعاني المشبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخطبة" (٣)
قلت: ومصطلح (الإصلاح) في القرآن الكريم نوعان:
١ - الإصلاح الصادق؛ وهو إصلاح الأنبياء والرسل وأتباعهم؛ ممن
стр. 23
يدعو إلى توحيد الله وعبادته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن تنتشر الطاعات والخير، وتندثر السيئات والشر.
قال الشيخ أبن سعدي في تفسيره: "الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله والإيمان به؛ لهذا خلق الله الخلق وأسكنهم الأرض" (١).
ومن هذا الإصلاح الحق ما قاله شعيب ﵇ لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٢). ثم نهاهم عن الإفساد المضاد للإصلاح: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (٣).
قال ابن كثير في تفسيره: فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك؛ كأن أضر ما يكون على العباد" (٤).
وهذا الإصلاح الصادق إذا كثر حملته وظهروا وتصدروا الأمة كان ذلك أمنة -بإذن الله- أن تصيبهم العقوبة ويعمهم الهلاك؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٥).
قال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها، التي قص عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم
стр. 24
وطاعتهم ربهم ظلمًا. ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله، وتماديهم في غيهم، وتكذيبهم رسلهم، وركوبهم السيئات (١).
٢ - الإصلاح الكاذب: وهو إصلاح المنافقين والمفسدين ممن يُلبسون على الأمة بتسمية إفسادهم إصلاحًا! كما قال تعالى عن أسلافهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (٢) لكن الدعاوى لا تنفع أصحابها إن لم تكن حقيقة؛ ولذا رد الله عليهم وبين كذبهم بقوله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).
قال الطبري ﵀ في تفسيره: "والإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه؛ فدلك جملة الإفساد … فكذلك صفة أهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق والإيقان بحقيقته، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا؛ فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها" (٤).
وقال في تفسير قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾: "أي المخالفون
стр. 25
أمر الله ، المتعدون حدوده، الراكبون معصيته، التاركون فروضه" (١).
وذكر ابن الجوزي في تفسيره أن فسادهم هو: (الكفر) و (العمل بالمعاصي) و (النفاق) (٢).
وقال القرطبي في تفسير قول المنافقين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: "إنما قالوا ذلك على ظنهم؛ لأن إفسادهم عندهم إصلاح" (٣).
وقال الراغب: تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح؛ لما في قلوبهم من المرض؛ كما قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٦).
وقال القاشاني: "كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا -لأنفسهم خاصة- لتوغلهم في محبة الدنيا" (٧)، أي على حساب الدين.
وقال ابن سعدي في تفسيره: "جمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح! قلبًا للحقائق، وجمعًا بين فعل
стр. 26
الباطل واعتقاده حقًا. وهؤلاء أعظم جناية ممن يعمل بالمعاصي مع اعتقاد تحريمها، فهذا أقرب للسلامة، وأرجي لرجوعه" (١).
وقال سيد قطب: "والذين يفسدون أشنع الفساد ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جدًا في كل زمان. يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتي اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم. والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية" (٢).
وقال الطاهر بن عاشور في تفسيره: "إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع … -إلى أن قال- فالإفساد في الأرض منه: إفساد المساعي؛ كتكثير الجهل، وتعليم الدعارة، وتحسين الكفر، ومناوأة الصالحين المصلحين. ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حذف متعلق (تفسدوا) تأكيدًا للعموم (٣).
قلت: فليتنبه المسلم بعد هذا إلى الفرق بين الإصلاحين؛ حتى لا ينخدع بدعاوى أهل النفاق لا كثرهم الله.
مصطلح الحياد
هذا المصطلح يستخدمه البعض في مجال العلم للدلالة على "ترك الميل
стр. 27
في بحث قضية من القضايا، والوقوف موقف العدل والإنصاف" (١) ويعدون التلبس به مما يمدح به الباحث، ويدل على عدم حيفه واستجابته لعواطفه التي قد تخالف ما يظهر له من حقائق.
ولكن لو نظرنا إلى معنى هذا المصطلح في اللغة لوجدناه لا يدل على شيء من هذا؛ فقد جاء في لسان العرب (مادة: حيد): "حاد عن الشيء: يحيد حيدا وحَيَدانًا ومحيدًا وحيدودة: مال عنه وعدل". ومثله في القاموس المحيط. فلا رابط بين معناها في اللغة وما استخدمت له في مجال العلم. إلا أن يراد أن يميل الإنسان أثناء البحث عن (الهوى) الذي يصده عن الحق، كما قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢) الآية، فعندها يحسن استعمال مصطلح (العدل) الذي يغني في هذا الباب، وقد أمر الله المؤمنين في كتابه بأن يتصفوا به أثناء تصديهم للحكم بين الناس أو بين الأفكار؛ قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤) فالمسلم مطالب بالعدل في
стр. 28
ما يصدره من أحكام؛ وهو أن يضع الشيء في موضعه الذي وضعه الله فيه شرعًا، فيمدح ما مدحه الله ويذم ما ذمه، ويدور مع ما دل عليه الكتاب والسنة، ولو خالف بذلك عواطفه أو أهواءه، فضلا عن عواطف وأهواء الآخرين.
والذي يظهر أن مصطلح (الحياد) تسرب إلى المجال العلمي من المجال السياسي؛ حيث عرف هذا المصطلح حديثًا في عالم السياسة (بعد الحربين العالميتين) بمعنى عدم التحيز إلى أحد من الطرفين المتصارعين، وذلك بعد أن ذاق العالم ويلات الحربين. يقول الدكتور عبد المنعم زنابيلي: "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز ظاهرة من الظواهر السياسية لعالم كابد الحرب العالمية الثانية" (١)، وهو يعني: "عدم التحزب لأجل غير محدوده" (٢).
والحياد في السياسة نشأ كما يقول الدكتور أحمد زكي بدوي: "بتأثير الجو العام الذي كان يسود العلاقات الدولية بسبب الحرب الباردة، وقد تجسد بشكل عملي لأول مرة في مؤتمر باندونج" (٣).
وهذا الحياد "إمكانية من إمكانيات الخيار التي يحق للدول اللجوء إليها في حال قيام نزاع مسلح لا يعنيها أو لا يتعلق بها بصورة مباشرة" (٤)، ومن خلاله -كما يقول الدكتور زنابيلي-: "تهدف الدولة المحايدة … إلى تجنيب شعبها وأرضها مختلف الاحتمالات الناجمة عن الصراعات المسلحة" (٥)،
стр. 29
وأكثر من استعمل هذا المصطلح ودعا إليه الدول الآسيوية والأفريقية التي اكتشفت أنها قد أصبحت مجرد دمية تحركها الدول المتقدمة في صراعاتها المتنوعة، فبادرت إلى إطلاق هذا المصطلح لتحمي نفسها ومصالحها من شرور ذلك الصراع بين الكتلتين (الشرقية والغربية).
ثم استعمل هذا المصطلح في مجال البحث العلمي للدلالة على ترك الميل مع العواطف في بحث قضية من القضايا، والوقوف منها -كما يزعمون- موقف الإنصاف، فأصبح الباحث (المسلم المتأثر بهذا المصطلح) يعرض المسائل العلمية عرضًا دون هوية، أو ميل للانتصار للحق أو مدافعة للباطل! ليثبت للآخرين أنه (محايد)! أو لا يُحكِّم عواطفه بل عقله!.
ويتضح خطأ هذا المصطلح وخطورته في ذات الوقت عندما يتلبس به الباحث المسلم أثناء حديثه عن أمور الديانات والعقائد؛ حيث يضطره تأثره بهذا المصطلح واغتراره به إلى أن يستحيي من نصر الحق والمدافعة عنه، والفخر والفرح بالتزامه.
قد تقول: لا يلزم كل هذا؛ لأن الباحث المسلم عندما يتعرض لتلكم المسائل أو غيرها (بحياد) فإن ذلك سيوصله -حتمًا- إلى الحق والصواب فيها، وهو ما يوافق الكتاب والسنة؛ لأن الشرع والعقل (المحايد) يلتقيان ولا يتناقضان، وبهذا نضمن قبول الآخرين لهذا الحق والصواب الذي تمحض نتيجة هذا الموقف الحيادي لا العاطفي.
فأقول: قد يكون هذا صحيحًا في المسائل الظاهرة التي يدركها العقل.
стр. 30
لكنه ليس بصحيح في المسائل الكثيرة المتعلقة بالإيمان والتسليم، لا سيما في مجال الغيبيات والعقائد، أو المسائل التي يتوهم المحايدون أنها تعارض العدل! كأحكام أهل الذمة، وأحكام المرأة، أو المسائل التي لم تتبين حكمتها لكثير من الناس؛ فمثل هذه المسائل تجعل الباحث المسلم في محك خطير بين أن يرفضها وينكرها متابعة منه لما يسمى الحياد العلمي، وبين أن يقبلها ويُسلم بها استجابةً لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإن اختار الأولى صدق عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (١)، وإن اختار الثانية كان من المرحومين الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
ويتضح لك هذا بالمثال: فإن الباحث المسلم عندما يتعرض لقضية جريان الشمس من عدمه، هو بين أمرين: إما أن يمارس ما يسمى بالحياد العلمي، فيعتقد ثبوت الشمس ودوران الكواكب حولها؛ متابعة منه لما أقامه علماء الغرب من دلائل علمية -زعموا- على هذا الأمر، ويُبطل غيره ولو كان قد قرره القرآن بصراحة ووضوح؛ وهو أن الشمس ليست بثابتة، بل تجري؛ كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (٣).
والأمثلة على هذا كثيرة لا يسعها المقام، لا سيما -كما قلت سابقًا- في
стр. 31
مسائل الغيبيات، أو في أحكام المرأة، أو أحكام أهل الذمة؛ حيث تتصادم النصوص الشرعية (الصريحة) مع ما يظنه المتأثرون بالحياد إنصافًا أو عدلًا! فيبقون بعدها محتارين بين ما يعلمونه يقينًا من نصوص الشريعة، وبين ما تلبسوا به من حياد كاذب خدعهم به الآخرون. وهذا ابتلاء عظيم صرفه الله عمن عظم وحيه وشريعة نبيه ﷺ .
فعلى الباحث المسلم أن يتقي الله ربه، ويحذر من الانسياق وراء هذه المصطلحات المخادعة التي هي في حقيقة أمرها تؤول إلى تعظيم العقل البشري القاصر على حساب النصوص الشرعية، كما أنها تجعل من المسلم إنسانا ماديًا متمردًا لا يقبل التسليم لما قاله الله ورسوله الكريم ﷺ ، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١)، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
نديم الباري:
لما وصف الشيخ علي القاري أحد العلماء بقوله: " … نديم الباري" تعقبه الشيخ مشهور حسن سلمان بقوله: "في إضافة هذه اللفظة إلى المولى نظر، ولا سيما إذا علمت معنى النديم في اللغة، راجع مادة ندم في معجم مقاييس اللغة … " (٢).
قلت: راجعتُ المعجم فإذا فيه: "شريب الرجل: منادمه ونديمه" (٣)،
стр. 32
فتعالى الله عن هذا الوصف علوًا كبيرًا.
روح الإسلام:
قال الشيخ علي حسن عبد الحميد -حفظه الله-: "كلمة: (روح الإسلام) خدعة عقلانية علمانية فاسدة، تسربت -وللأسف- إلى بعض من يُطلق عليهم أنهم من رموز الحركة الإسلامية! فانظر فضحًا لها وكشفًا لحقيقتها في: "حقائق الإسلام بين الجهل والجحود" تأليف عبد المجيد صُبح" (١).
قلتُ: نظرت كتاب الأستاذ صُبح فإذا فيه: "يتكلم المعارضون كثيرًا عما يسمى (روح الإسلام)، ويتخذون هذا المصطلح قاعدتهم في ترك نصوص الشريعة، وهدم أحكامها المأخوذة مباشرة من تلك النصوص، حتى وإن كان النص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة -مع اعترافهم وشهادتهم على أنفسهم بهذا القطع- وتجد هذا في كتابات نور فرحات مكررًا مؤكدًا.
كما يتخذون (روح الإسلام) طريقًا إلى وضع أحكام جديدة من عند أنفسهم تعارض ما جاء به الإسلام، ويزعمون أنفسهم أنهم أفهم للإسلام من الدعاة الحرفيين، الذين أهملوا -بحسب قولهم- العمل بروح الإسلام، كما أهملوا -بزعمهم- إعمال العقل!
وهكذا، باسم (روح الإسلام ينتهون إلى وقف نصوص الشريعة، ووضع قانون يخترعونه، وباطل يشترعونه، بزعم أنه روح الإسلام، أو أنه يتفق وروح الإسلام.
стр. 33
ولكي نعرف حكم ما عند القوم، ولتكون معرفتنا على بصيرة: يلزم ألا نطلق القول كإطلاقهم من غير تحديد لما يريدنه من قولهم: روح الإسلام، بل يجب أن نعرف المقصود من روح الإسلام، وما فائدة العمل بها؟ وهل معرفتها، والعمل بها تبطل نصًا أو تعطل حكمًا من أحكام الشريعة بمعناها الخاص؟
تعريف (روح الإسلام):
روح الإسلام مصطلح جديد -فيما أعلم- تكلم به العلماء المحدثون ليقيسوا عليه بعض العبارات المستخدمة في المذاهب السياسية والاجتماعية وغيرها.
وأول ما تحدد معناها -عندي- كان وقت إذ سمعت أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ يتحدث عنه ويشرحه.
ويقصدون به: ما يفهمه (المجتهد) من مجموع النصوص مجموعا بعضها إلى بعض، بحيث تعطي معنى جديدًا، أو مبدأ جديدًا، من غير أن يكون هناك نص جزئي خاص بهذا الذي انطبع عند المجتهد من مجموع النصوص.
مثال ذلك: أن نقول: روح الإسلام النظافة، روح الإسلام الذوق؛ من غير أن يكون هناك نص خاص يتحدث عن النظافة أو عن الذوق بمعني الرقة والرقي في المعاملة الاجتماعية، وإنما ينظر المجتهد في قول الله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ … ﴾ (١) الخ الآية، وقوله ﷺ :
стр. 34
من أكل ثومًا أو بصلًا فليعْتزلنا" (١). وقوله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده" (٢) وأشباه هذه النصوص، فيقول: روح الإسلام: النظافة.
وهذا الذي استخلصه المجتهد، وانطبع عنده، ويسمى روح الإسلام، لا بد أن يكون قابلًا للبرهنة عليه بأحد أدلة الشرع، وأن يكون متفقًا ونصوص الشريعة، وإلا كان اجتهادًا خاطئًا، وقولًا بالهوى، وتشريعًا بالرأي الصرف غير المستند إلى الشريعة، يجب على المجتهد الرجوع عنه إذا كان يناقض الشريعة.
وهذا الذي يفهمه المجتهد من مجموع النصوص شبيه بدلالة النص على معني تابع غير معناه الذي سبق له النص، يأخذ منه المجتهد حكمًا فقهيًا، مع الحكم الأصلي الذي سبق النص من أجله. وذلك مثل قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣) فالمراد الأصلي من الآية هو: إيجاب السعي إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، ولكن المجتهد يأخذ من هذا النص الموجب للسعي حكما آخر هو: بطلان عقد البيع وفساده؛ لأنه يرى أن الدلالة على فساده لزمته من النهي عن ترك السعي، والأمر بالسعي إلى المسجد، وذلك من غير إبطال للحكم الأصلي الذي سيقت له الآية.
стр. 35
وعملية: روح الإسلام هذه أشبه بعملية الفرض في العلوم الطبيعية، وهو عبارة عن رأي ظني لتفسير الظاهرة؛ إذ يقوم العالم باستخلاص هذا الفرض من المعلومات الجزئية التي جمعها في موضوع البحث، ثم يبتدئ من هذا الفرض، لينتهي إلى نتائج تكون أحكامًا علمية في موضوع بحثه، فإذا ما تبين العالم خطأ الفرض الذي وضعه واستخلصه من الجزئيات افترض فرضًا آخر، حتى ينتهي إلى الصحيح الذي تؤيده التجارب.
ومن عملية روح الإسلام انتهى العلماء إلى وضع مبادئ كلية قالوا: إنها مقصود الإسلام، سمّوها مصالح، وهذه المصالح من حيث درجة الإلزام بها ليست على مكان سُوي، بل منها ما هو ضروري: تفوت الحياة بفوته، ومنها ما هو أقل من ذلك: لا تفوت به الحياة، بل تضطرب لفوته، ومنها ما هو للحياة زينة وجمال وكمال. وذلك مبحث معروف في علم أصول الفقه قديمًا.
ولا يزال من حق المجتهد المستوفي شروط الاجتهاد أن يستخلص من نصوص الإسلام ما يكوّن قواعد عامة، وكليات جامعة، ومبادئ للحكم والسلوك.
ولسوف يظل للمجتهدين المستحقين لصفة الاجتهاد هذا الحق الذي يفرضه الإسلام فرضًا؛ وذلك مثل مبادئ: الحرية، الكرامة، حق تقرير المصير .. إلى آخر هذه الكلمات المستحدثة في أفكار البشر، من كل ما يكون حقا في ذاته، وصحيحًا في العقل السليم، والتجارب المنتجة.
ومن خطل الرأي وخطئه أن يقول قائل: لماذا لم يقل بالحرية والكرامة … المسلمون من قبل. أو يقال: إنكم لم تقولوا بهذا إلا بعد أن اطلعتم على
стр. 36
ثقافة قوم آخرين، وأفكارهم؛ كما قال ذلك كاتب الوهم -د. فؤاد زكريا- في رده على الأستاذ خالد محمد خالد، عندما عرض (مستخلصاته، وانطباعاته) من نصوص الإسلام في الحكم الإسلامي من تعدد الصحف والأحزاب .. إلى آخر ما اجتهد فيه الأستاذ خالد.
لا يقال ذلك للآتي:
١ - لأن قاعدة الفقه الإسلامي تقرر: أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا حظر إلا بنص. قرر العلماء هذه القاعدة بحكم العقل، واستخلاصًا من مجموع نصوص الإسلام؛ فالعقل يدل على أن الأصل براءة الذمة من التكليف قبل ورود الشرع، ونصوص الشريعة التي تنكر التحريم من غير إذن الله دلت على أن الأصل إنما هو الإباحة، ليس التحريم
٢ - وقرر العلماء بطريق تلك القاعدة: أن موقف الإسلام من الأمر الجديد، ومما لم يرد في الشرع أنه مقبول ما لم يعارض الشرع معارضة حقيقية.
٣ - لا يمنع الإسلام أن يستفيد المسلم من أي أحد من الناس، ما يعينه على فهم الإسلام وتنفيذ ذلك المفهوم.
٤ - ولأن العقل -والإسلام هو الدين الوحيد الذي اعتدّ به في الاستدلال- لا يمنع أن أمرًا ما يعين المسلم على فهم أمر آخر، لم يفهمه من لم يطلع على ذلك الأمر الأول.
٥ - ولأن العقل لا يقول -عند هذه الاستعانة- إن الأمر المستعان به قد ألغي الأمر المستعان عليه، أو أنه لم يكن متضمنًا هذا المفهوم الجديد؛
стр. 37
فقد يكون أمرٌ ما متضمنًا لجملة حقائق، يستخلص بعضها قوم في زمانهم، ثم يأتي آخرون، فيهتدون إلى حقائق أخر مما كان مكنونًا في الأمر نفسه.
ومن الأمر العجيب أن هذه الحقيقة التي ينكرها د. زكريا المسلم، أدركها مسيحي من قوم خصمين؛ ذلك هو السير: (ريتشارد وود) قنصل إنجلترا في تونس، حين كانت دول أوربا إلبًا على الدولة العثمانية تعمل على هدمها واقتسام إمبراطوريتها، واتهامها بأن دينها الإسلامي هو سبب تخلفها، وأنه العقبة في تحقيق ما تعتزمه من إصلاح.
وكتب قنصل الإنجليز تقريرا في ٧/ ١١/ ١٨٧٨ إلى وزير خارجيته، ومما جاء في هذا التقرير قوله: وحاصل ما قرره الفقهاء أن النظم التي رأت الدولة العثمانية العمل بها، خصوصًا تأسيس المجلس النيابي لا ينافي أصول الشرع، بل هو مطابق لصريح قواعده ونصوصه، وإني بسطت القول في أصول الشريعة الإسلامية لإزالة ما توهمه الناس من أن الدولة العثمانية لا تقدر على إتمام ما وعدت به من أنظمة؛ لأنها مخالفة لما جاء في القرآن، ومن أوهام الناس هذه: أن الإسلام ينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة؛ لأنه لا يجيز انتشار المعارف، والتحلي بالعلوم … لكننا إذا أمعنا النظر في أصول الشريعة لا نرى فيها ما ينافي تأليف مجلس نيابي عثماني. وللعالمين الشهيرين: ابن العربي، وسعد الدين التفتازاني كلام في ذلك:
يقول ابن العربي: .... ، ويقول السعد: … ، ويقول حجة الإسلام الغزالي: … ، (ونقل كلامهم المؤيد لما قال) وعلّق بقوله: وكلهم متفقون
стр. 38
على أن اشتراك رأي الأمة في شؤون المملكة ليس جائزًا فقط، بل هو القاعدة الأساسية في الإسلام.
أقول: من قبل أن أعلم هذا التقرير، كنت أعلم قول الغزالي: "فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر باغ يجب ردّه إلى الانقياد إلى الخلق" (١).
ويقول ابن نجيم: "إذا كان فعل الإمام مبنيًا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة، لم ينفذ أمره شرعًا إلا إذا وافق الشرع، فإن خالفه لم ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج من باب إحياء الموات: وليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف" (٢).
هذه أقوال العلماء الذين مضى على أكثرهم قرون، ولا يستطيع د. زكريا القول بأنهم تأثروا بالغرب تأثر خالد محمد خالد، ولا يستطيع حسين أحمد أمين أن يقول عن القنصل البريطاني: إنه أراد أن يصدم مشاعر قومه، أو انه أراد أن يظهر بمظهر الكاتب الحر، ولا أنه كتب ذلك طمعًا في نفط العرب، كما قال عمن كتبوا صادقين عن سيرة الرسول وحقيقة الإسلام، فليست كتابة القنصل البريطاني ترجمة عن نبي الإسلام أريد بها البحث العلمي … إنما تقرير رسمي قدمه دبلوماسي إلى دولته، وشهادة بالواقع الذي رآه، وشهادة بما علم.
стр. 39
فائدة العلم (بروح الإسلام):
مما تقدم يتبين لنا أن فائدة العلم بما سماه العلماء (روح الإسلام)، وفائدة تطبيق العلم بها هي:
- استخلاص مبادئ من النصوص تحكم حياة الناس في صورتها الحاضرة.
- معرفة حكم ما يضع غير المسلمين من مبادئ تحكم حياتهم؛ فإن كانت هذه مبادئ يمكن استخلاصها من مجموع النصوص كانت مقبولة ويمكن للمسلمين العمل بها، حتى ولو لم يعرفها الأسلاف. أما إذا كانت متعارضة وبعض نصوص الإسلام كانت مرفوضة، ولا يحل العمل بها ولو أجمع عليها كل غير المسلمين.
هذه حقيقة (روح الإسلام) ووظيفتها، ومنها يتبين أن ليست وظيفتها إبطال حكم منصوص عليه كما فعل حسين أمين، وأربى عليه نور فرحات، وليست وظيفتها أيضًا تشريع ما يخالف ما شرع الله في نصوصه الجزئية، حتى ولو حاول (المجتهدون غير المؤهلين) إدخاله في نصوصه العامة، أو حاولوا إدخاله تحت مظلة روح الإسلام؛ كما فعل العلمانيون جميعًا، ومعهم خالد محيي الدين في كتيبه: "الدين والاشتراكية".
ملتزم: (وصف الإنسان المستقيم به):
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "لا ينبغي تسمية المسلم (ملتزمًا)؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة، إنما يسمى مستقيمًا؛ لقوله
стр. 40
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. (١) الآية" (٢).
الإسلام السياسي:
قال الأستاذ عطية الويشي: "أول من استخدم هذا المصطلح هو هتلر، حين التقى الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين آنذاك؛ إذ قال له: إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية، بل إنني أخشى الإسلام السياسي" (٣)!! قلت: وهتلر وأضرابه من أعداء الإسلام يريدون معاملة الإسلام كدينهم النصراني المحرف الذي حصروه في الكنيسة، فلم تعد له هيمنة على أمور حياتهم. وفاتهم أن الإسلام لا يقبل هذا الفصام النكد، بل هو يوجه جميع أطوار حياة المسلم.
وقال الدكتور جعفر شيخ إدريس: "عبارة الإسلام السياسي كأختها: الأصولية؛ صناعة غربية استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي إلى بلادنا وفرحوا بها، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه. فما المقصود بالإسلام السياسي عند الغربيين؟ كان المقصود به أولًا الجماعات الإسلامية التي انتشرت في العالم العربي وفي باكستان والهند وأندونيسيا وماليزيا وغيرها؛ تدعو إلى أن تكون دولهم إسلامية تحكم بما أنزل الله تعالى.
ما الذي يأخذه خصوم الإسلام السياسي عليه؟
أما الغربيون فاعتبروه أولًا ظاهرة غريبة بعد سني الحكم الاستعماري