← Акыда

Акыда · id 895

المستدرك على معجم المناهي اللفظية

سليمان الخراشي

Полный текст (423 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثقافة قوم آخرين، وأفكارهم؛ كما قال ذلك كاتب الوهم -د. فؤاد زكريا- في رده على الأستاذ خالد محمد خالد، عندما عرض (مستخلصاته، وانطباعاته) من نصوص الإسلام في الحكم الإسلامي من تعدد الصحف والأحزاب .. إلى آخر ما اجتهد فيه الأستاذ خالد. لا يقال ذلك للآتي: ١ - لأن قاعدة الفقه الإسلامي تقرر: أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا حظر إلا بنص. قرر العلماء هذه القاعدة بحكم العقل، واستخلاصًا من مجموع نصوص الإسلام؛ فالعقل يدل على أن الأصل براءة الذمة من التكليف قبل ورود الشرع، ونصوص الشريعة التي تنكر التحريم من غير إذن الله دلت على أن الأصل إنما هو الإباحة، ليس التحريم ٢ - وقرر العلماء بطريق تلك القاعدة: أن موقف الإسلام من الأمر الجديد، ومما لم يرد في الشرع أنه مقبول ما لم يعارض الشرع معارضة حقيقية. ٣ - لا يمنع الإسلام أن يستفيد المسلم من أي أحد من الناس، ما يعينه على فهم الإسلام وتنفيذ ذلك المفهوم. ٤ - ولأن العقل -والإسلام هو الدين الوحيد الذي اعتدّ به في الاستدلال- لا يمنع أن أمرًا ما يعين المسلم على فهم أمر آخر، لم يفهمه من لم يطلع على ذلك الأمر الأول. ٥ - ولأن العقل لا يقول -عند هذه الاستعانة- إن الأمر المستعان به قد ألغي الأمر المستعان عليه، أو أنه لم يكن متضمنًا هذا المفهوم الجديد؛

стр. 37

فقد يكون أمرٌ ما متضمنًا لجملة حقائق، يستخلص بعضها قوم في زمانهم، ثم يأتي آخرون، فيهتدون إلى حقائق أخر مما كان مكنونًا في الأمر نفسه. ومن الأمر العجيب أن هذه الحقيقة التي ينكرها د. زكريا المسلم، أدركها مسيحي من قوم خصمين؛ ذلك هو السير: (ريتشارد وود) قنصل إنجلترا في تونس، حين كانت دول أوربا إلبًا على الدولة العثمانية تعمل على هدمها واقتسام إمبراطوريتها، واتهامها بأن دينها الإسلامي هو سبب تخلفها، وأنه العقبة في تحقيق ما تعتزمه من إصلاح. وكتب قنصل الإنجليز تقريرا في ٧/ ١١/ ١٨٧٨ إلى وزير خارجيته، ومما جاء في هذا التقرير قوله: وحاصل ما قرره الفقهاء أن النظم التي رأت الدولة العثمانية العمل بها، خصوصًا تأسيس المجلس النيابي لا ينافي أصول الشرع، بل هو مطابق لصريح قواعده ونصوصه، وإني بسطت القول في أصول الشريعة الإسلامية لإزالة ما توهمه الناس من أن الدولة العثمانية لا تقدر على إتمام ما وعدت به من أنظمة؛ لأنها مخالفة لما جاء في القرآن، ومن أوهام الناس هذه: أن الإسلام ينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة؛ لأنه لا يجيز انتشار المعارف، والتحلي بالعلوم … لكننا إذا أمعنا النظر في أصول الشريعة لا نرى فيها ما ينافي تأليف مجلس نيابي عثماني. وللعالمين الشهيرين: ابن العربي، وسعد الدين التفتازاني كلام في ذلك: يقول ابن العربي: .... ، ويقول السعد: … ، ويقول حجة الإسلام الغزالي: … ، (ونقل كلامهم المؤيد لما قال) وعلّق بقوله: وكلهم متفقون

стр. 38

على أن اشتراك رأي الأمة في شؤون المملكة ليس جائزًا فقط، بل هو القاعدة الأساسية في الإسلام. أقول: من قبل أن أعلم هذا التقرير، كنت أعلم قول الغزالي: "فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر باغ يجب ردّه إلى الانقياد إلى الخلق" (١). ويقول ابن نجيم: "إذا كان فعل الإمام مبنيًا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة، لم ينفذ أمره شرعًا إلا إذا وافق الشرع، فإن خالفه لم ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج من باب إحياء الموات: وليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف" (٢). هذه أقوال العلماء الذين مضى على أكثرهم قرون، ولا يستطيع د. زكريا القول بأنهم تأثروا بالغرب تأثر خالد محمد خالد، ولا يستطيع حسين أحمد أمين أن يقول عن القنصل البريطاني: إنه أراد أن يصدم مشاعر قومه، أو انه أراد أن يظهر بمظهر الكاتب الحر، ولا أنه كتب ذلك طمعًا في نفط العرب، كما قال عمن كتبوا صادقين عن سيرة الرسول وحقيقة الإسلام، فليست كتابة القنصل البريطاني ترجمة عن نبي الإسلام أريد بها البحث العلمي … إنما تقرير رسمي قدمه دبلوماسي إلى دولته، وشهادة بالواقع الذي رآه، وشهادة بما علم.

стр. 39

فائدة العلم (بروح الإسلام): مما تقدم يتبين لنا أن فائدة العلم بما سماه العلماء (روح الإسلام)، وفائدة تطبيق العلم بها هي: - استخلاص مبادئ من النصوص تحكم حياة الناس في صورتها الحاضرة. - معرفة حكم ما يضع غير المسلمين من مبادئ تحكم حياتهم؛ فإن كانت هذه مبادئ يمكن استخلاصها من مجموع النصوص كانت مقبولة ويمكن للمسلمين العمل بها، حتى ولو لم يعرفها الأسلاف. أما إذا كانت متعارضة وبعض نصوص الإسلام كانت مرفوضة، ولا يحل العمل بها ولو أجمع عليها كل غير المسلمين. هذه حقيقة (روح الإسلام) ووظيفتها، ومنها يتبين أن ليست وظيفتها إبطال حكم منصوص عليه كما فعل حسين أمين، وأربى عليه نور فرحات، وليست وظيفتها أيضًا تشريع ما يخالف ما شرع الله في نصوصه الجزئية، حتى ولو حاول (المجتهدون غير المؤهلين) إدخاله في نصوصه العامة، أو حاولوا إدخاله تحت مظلة روح الإسلام؛ كما فعل العلمانيون جميعًا، ومعهم خالد محيي الدين في كتيبه: "الدين والاشتراكية". ملتزم: (وصف الإنسان المستقيم به): قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "لا ينبغي تسمية المسلم (ملتزمًا)؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة، إنما يسمى مستقيمًا؛ لقوله

стр. 40

تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. (١) الآية" (٢). الإسلام السياسي: قال الأستاذ عطية الويشي: "أول من استخدم هذا المصطلح هو هتلر، حين التقى الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين آنذاك؛ إذ قال له: إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية، بل إنني أخشى الإسلام السياسي" (٣)!! قلت: وهتلر وأضرابه من أعداء الإسلام يريدون معاملة الإسلام كدينهم النصراني المحرف الذي حصروه في الكنيسة، فلم تعد له هيمنة على أمور حياتهم. وفاتهم أن الإسلام لا يقبل هذا الفصام النكد، بل هو يوجه جميع أطوار حياة المسلم. وقال الدكتور جعفر شيخ إدريس: "عبارة الإسلام السياسي كأختها: الأصولية؛ صناعة غربية استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي إلى بلادنا وفرحوا بها، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه. فما المقصود بالإسلام السياسي عند الغربيين؟ كان المقصود به أولًا الجماعات الإسلامية التي انتشرت في العالم العربي وفي باكستان والهند وأندونيسيا وماليزيا وغيرها؛ تدعو إلى أن تكون دولهم إسلامية تحكم بما أنزل الله تعالى. ما الذي يأخذه خصوم الإسلام السياسي عليه؟ أما الغربيون فاعتبروه أولًا ظاهرة غريبة بعد سني الحكم الاستعماري

стр. 41

الذي ظنوا أنه وطَّد الحكم العلماني على المنهاج الغربي، ووضع أسسًا متينة للتبعية وضمان المحافظة على المصالح الغربية، فشق عليهم أن تنبت في بلاد المسلمين نابتة تعارض هذه العلمانية التي يرونها تعم العالم بأسره. كيف تنشأ جماعات تسير عكس هذا التيار العالمي، وتدعو إلى الرجوع إلى حكم ديني إسلامي؟ وثانيًا: لأن الرأي السائد بينهم -لا أقول الذي يعتقده كل واحد منهم- هو أن الدين ينبغي أن يكون شأنًا فرديًا بين العبد وربه، لا مدخل له في الحياة العامة، ولا سيما السياسية منها التي يرون أن تكون متروكة لما يراه الناس، وأن تكون مبنية على المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. وثالثا: لأن الرأي الشائع بينهم أن النصوص الدينية محدودة بزمانها ومكانها الذي ظهرت فيه، وأنها لذلك ينبغي أن لا تفهم على ظاهرها، بل يجب أن تؤول تأويلًا يجعلها متناسبة مع ثقافة العصر. ورابعا: لأن منهم من ظن أن الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله -تعالى- ظاهرة جديدة لم تكن في الإسلام من قبل؛ فلذلك ناسب أن توصف بالإسلام السياسي تمييزًا له عن الإسلام الديني. وخامسا: لأنهم رأوا فيها صورة من صور استغلال الدين للمآرب السياسية. لهذه الأسباب وأمثالها كانوا وما يزالون شديدي العداوة الفكرية

стр. 42

والعملية للجماعات التي تتسم بما أسموه بالإسلام السياسي؛ يحرشون الحكومات عليها، ويدعونها لكبتها حتى لو كان ذلك على حساب الديمقراطية التي كانت سائدة آنذاك في العالم الإسلامي، والتي استفادت منها تلك الجماعات، ويكتبون الكتب والمقالات، ويسخرون سائر وسائل الإعلام لحربها. ينصرهم في هذه الحرب أذنابهم المنافقون في بلاد المسلمين الذين يقتاتون على فضلات فكرهم ودعاياتهم، وقد امتدت حربهم في أيامنا هذه للدول التي تؤمن بمبدأ تطبيق الشريعة. ولما كان الغربيون يرون أن ما هم عليه من دين أو فكر أو ثقافة أو حتي عادات في المأكل والملبس والجد واللعب، بل وما كان لهم من تاريخ وما مارسوه من تجارب، وسائر ما ألفوا من جوانب الحياة، هو الأمر الطبيعي، وأن ما خالفه هو الشذوذ الذي يحتاج إلى تفسير؛ فقد اجتهد بعضهم في أن يجد تفسيرًا لهذه (الظاهرة). فكان مما سلُّوا به أنفسهم أنها نتيجة لظروف طارئة هي: الحكم القهري، والتخلف الاقتصادي، والضعف العسكري الذي ابتليت به البلاد التي ظهرت فيها هذه الحركات -ولا سيما العالم العربي- وأن علاجها لذلك هو الضغط على تلك الحكومات لتكون أكثر انفتاحًا وديمقراطية، ومساعدتهم على شيء من النمو الاقتصادي يحسن من أوضاع الشباب المتذمرين؛ فإذا ما حدثت هذه الإصلاحات، وزالت الأوضاع القديمة زالت بزوالها نتائجها التي من أهمها ظاهرة الإسلام السياسي. ونقول: إن ما ذكروه من أسباب ربما كان فعلًا من عوامل تشجيع ما يسمونه بظاهرة الإسلام السياسي، لكن مما لا شك فيه أنه ليس منشأها؛

стр. 43

فكل من له أدنى معرفة بدين المسلمين وتاريخهم يعلم أن قضية الالتزام بما أنزل الله في شؤون السياسية والحكم هي أمر عريق فية: في نصوص كتابه، وسنة نبيه، وأقوال علمائه، وأن تصديق ذلك في واقعة التاريخي الذي لم يعرف شيئًا اسمه الحكم العلماني، وأن هذا الحكم إنما فرض عليه من خارجه يوم استولت جيوش الغرب على بلاده. وحتى هذه العلمانية الدخيلة لم تبلغ مبلغ علمانيتهم في مدى بُعدها عن الدين، حتى إن الكثيرين منهم لينفون أن تكون حكومة من حكومات العالم الإسلامي علمانية، ويرون أنه من الخطأ لذلك أن توضع الإسلامية (بمعنى النشاط السياسي للحركات الإسلامية) في مقابل العلمانية. وإذن فالقول بأنه مجرد استغلال للدين لتحقيق أهداف سياسية ليس بصحيح أيضًا؛ أولا: لأن من أعظم من دعا إلى الحكم بما أنزل الله وبين أنه جزءٌ لا يتجزأ عن دين الإسلام علماء أعلام لم تكن لهم أطماع سياسية، ولا كانت لهم في يوم من الأيام علاقة بالأحزاب الإسلامية السياسية؛ علماء من أمثال: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز بن باز. هل استغل بعض الأفراد وبعض الجماعات الدين لتحقيق أهداف دنيوية سياسية أو غير سياسية؟ نعم! وقد ظل كثير منهم يفعل ذلك على مر التاريخ، ومع كل رسالات السماء، ولا أعرف كتابا تطرق لهذه المشكلة وبيَّن أسبابها وأنواع مرتكبيها ونتائجها وحذر منها مثل كتاب الله تعالى. فعلى الذين يتحدثون عن هذه المشكلة أن يعلموا أنهم لم يأتوا بجديد. إن

стр. 44

هؤلاء يدعوننا لأن نترك ديننا؛ لأن بعض الناس استغله الأسباب سياسية، ولو تابعنا منطقهم هذا لتركنا بناء المساجد؛ لأن بعض المنافقين استغل بناءها لأسباب سياسية، فاتخذها: ﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (١). وكانوا مع ذلك يحلفون بأنهم ما أرادوا إلا الحسني: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ (٢) ولو اتبعناه لتركنا الإنفاق في سبيل الله؛ لأن بعض الناس يتخذ ما ينفق مغرمًا (أي غرامة) ويتربص بنا الدوائر، وأقررنا أن لا يكون لنا علماء؛ لأن بعض علماء السوء يستغل علمه لأغراض دنيوية: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وكما أن بعض الناس يستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية فيكون انحرافه بسبب سوء قصده، فإن آخرين ينحرفون بسبب سوء فهمهم وقلة

стр. 45

علمهم، فيحاولون تحقيق بعض الأهداف السياسية بوسائل وطرق مخالفة لدين الله، وتحريفًا له وفتنة للناس عنه؛ فهل نترك العمل السياسي على أساس ديني؛ لأن بعض الناس يسيء فهم الدين؟ يقول بعض الغربيين: (لكن المشكلة أن كل إنسان يمكن أن يدَّعي أن فهمه هو الفهم الصحيح للتوراة أو الإنجيل أو القرآن، بل يزعم بعضهم أنه -يعني القرآن- كالكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد؛ بإمكانك أن تجد فيه أيًا ما تريد لتسوغ به كل ما تريد تقريبًا)، نقول فرق بين أن يدّعي مدّع أن ما استدل به من قول يدل على ما يريد وأن يكون دالًا فعلًا على ما يريد. أما القرآن فنحن نعلم أنه -وهو كتاب الله- لا يمكن أن يدل على الشيء ونقيضه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). يقول بعضهم: (إذا سلّمنا بهذا فتبقى مشكلة هي: أن النص بحسب معناه الذي تدل عليه ألفاظه ويدل عليه سياقه لا يتناسب مع ثقافة العصر؛ فلا بد إذن من تأويله لجعله مناسبًا معها)، لكن أليست هذه دعوة إلى خداع النفس؟ أنت تقرأ نصًا تقول: إنه كلام الله، وتفهمه على وجهه الصحيح، ثم تقول: إن هذا الذي فهمته لا يتناسب مع ما أريد، لذلك يجب أن أغيِّره لكي أجعله مناسبًا مع ما أهوى، ثم تقول: إن هذا الذي هويت هو ما عناه الله تعالى بكلامه. هل يقول هذا إنسان مؤمن؟ بل هل يقول هذا إنسان

стр. 46

أمين يحترم نفسه؟ إنك إما أن تعتقد أن ما يقوله الله هو الحق كما قاله، وإما أن تعتقد أنه ليس بالحق أو ليس بالعدل، فتقول: إنه لا يمكن أن يكون كلام الله، فتكفر بالكتاب الذي كنت تظن أنه كلام الله. أمَّا أن تجمع بين الفهم الصحيح والتحريف فلا. وهذا الأمر المنكر خُلُقًا ودينًا هو الذي حذرنا الله تعالى من الاطمئنان إلى ممارسيه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). تأمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي إنهم فهموا ما قال الله تعالى وتصوروه على وجهه الصحيح، ثم عمدوا إلى تحريفه وهم يعلمون أنهم محرفون له. ثم نقول: إن الدين الحق إنما جاء لنفع الناس في دنياهم وآخرتهم، فلا يمكن أن يكون فيه ما يمنع من الأخذ بشيء هو من ضرورات العصر، أما أهواء العصر وما يشيع فيه من قيم وأفكار وعادات وتقاليد؛ فإن الدين لم يأت لموافقتها، بل جاء لإقرار ما فيها من حق وإنكار ما فيها من باطل؛ فالمعيار هو كلام الله لا أهواء البشر. ثم إن كثيرًا مما يسمى بثقافة العصر مما يخالف الدين الحق ليس هو في حقيقته بالأمر الجديد الذي يقال إنه مما امتاز به عصرنا، وإنما هو الثقافة التي اتسمت بها الجاهلية على مر العصور. خذ مثلًا استبشاعهم للحدود -ولا سيما حد الزنا- ودعوتهم إلى تغييره. هذا الحد موجود في التوارة، لكن

стр. 47

اليهود غيروه حتى قبل مجيء النبي محمد ﷺ ، وكان الذي دعاهم إلى ذلك هو فُشُوُّ الزنا بينهم، ولا سيما في أشرافهم. وهذا هو عين السبب الذي يدعو الغربيين وأمثالهم إلى استبشاع هذا الحد. إن الناس إذا فشت فيهم الفاحشة واعتادوها مات فيهم الشعور بأنها فاحشة، ودعك أن تكون جريمة تستحق هذا العقاب الأليم! " (١). وقال الدكتور محمد عمارة في كتابه "الإسلام السياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي": "إني لا أستريح كثيرًا لمصطلح الإسلام السياسي، رغم شيوع هذا المصطلح، وصدور كثير من الكتابات حول هذا الموضوع، وتحت هذا العنوان، وفيما أذكر وفي حدود قراءتي؛ فإن أول من استخدم مصطلح الإسلام السياسي هو الشيخ محمد رشيد رضا، لكنه استخدمه في التعبير عن الحكومات الإسلامية التي سماها الإسلام السياسي، ويعني الذين يسوسون الأمة في إطار الأمة الإسلامية، لكن مصطلح الإسلام السياسي يستخدم الآن ومنذ العقود الثلاثة الماضية وصعود المد الإسلامي والظاهرة الإسلامية بمعنى الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة. وهذا المصطلح "الإسلام السياسي" شبهة اختزال الإسلام في السياسة؛ لأنه ليس هناك إسلام بدون سياسة" (٢). حظ: قال الشيخ محمد خليل هراس ﵀:

стр. 48

"كلمة حظ إذا أريد منها ما قدره الله على العبد أن يكون نصيبًا له في هذه الحياة؛ كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (١)؛ يعني: ينالهم حظهم الذي كتبه الله لهم: فهي بهذا المعنى صحيحة. أما إذا أريد بالحظ: أن الأمور تجري بالصدفة والاتفاق دون تقدير سابق، فمعتقد هذا كافر. فإن من أركان الإيمان: أن يؤمن العبد بالقدر كله؛ خيره وشره، حلوه ومره، من الله تعالى. والله أعلم" (٢). منصف: (تسمية الله بذلك): سئل الشيخ محمد خليل هراس ﵀: "هل يمكن إطلاق الصفات الآتية على الله : موجود، منصف، معطي، بالرغم من عدم وجودها في القرآن؟! فأجاب: "لا. المعنى صحيح، ولكن إطلاقها كأسماء لا يجوز؛ لأن أسماء الله توقيفية، فلا يجوز أن نسمِّي الله إلا بما سمَّي به نفسه، أو سمَّاه به رسوله ﷺ ، الأسماء التسعة والتسعين التي ورد بها الحديث الصحيح: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" (٣). موجود: الله موجود صحيح نخبر عنه هذا خبر؛ يعني إذا قيل: الله

стр. 49

موجود، فنحن لا نسميه بموجود إنما نخبر عنه بأنه موجود، وفرق بين الإخبار والتبليغ، فأنا أقول: (أنت موجود) ليس اسمك موجود. إنت اسمك محمد أو إبراهيم لكن كون (أنت موجود) يعني: (لست معدومًا) يعني: (لست ميتًا)، فلا يقصد بموجود أن يكون اسمًا من الأسماء. إنما يقصد الإخبار عنه، فيجوز الإخبار عن الله بأنه موجود. أما لفظ منصف: فاسم: (العدل) أحسن من (منصف)، والله سمَّى نفسه العدل، ونحن نسميه العدل ولا نسميه المنصف، وإن كان المنصف بمعني العدل، لكن نطلق الاسم الذي ورد، ولا نعدل عنه إلى اسم غيره. وأما المعطي: فالله هو المعطي، لكن لا يجوز أن يفرد هذا الاسم عن قرينه؛ لأن هناك أسماء مزدوجة لا يجوز إفراد اسم منها عن قرينه، فلا يقال: المعطي فقط، بل يقال: المعطي المانع، الضار النافع، المعز المذل، الخافض الرافع، القابض الباسط؛ فهذه أسماء مزدوجة، فالكمال في أن تذكر معًا ولا تفرد. فقولك: المعطي صحيح، لكن لكي يكون اسما كاملًا من الأسماء الحسني يجب أن يقرن به الاسم الآخر، فيقال: المعطي المانع" (١). موسي بدين وعيسى بدين: سئل الشيخ ابن جبرين -حفظه الله-: ما الحكم الشرعي في هذه العبارة التي يرددها بعض عوام المسلمين: (موسي بدين وعيسي بدين) حيث يفهم من هذه العبارة أن الأنبياء دينهم مختلف، نرجو توضيح هذا الأمر؟

стр. 50

فأجاب: "هذا الكلام ليس صحيحًا على إطلاقه؛ فإن دين الأنبياء واحد في باب الاعتقاد والتوحيد؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) فأخبر بأن رسول كل أمة دعاهم قائلا: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، أي أخلصوا له العبادة واتركوا عبادة الطواغيت؛ وهي كل ما يعبد من دون الله، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). أي كل واحد من الرسل أوحى الله تعالى إليه أن يدعو إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، وأخبر تعالى أن كل رسول بدأ دعوته بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣). وقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتي ودينهم واحد" (٤). وروى البخاري عن أبي سلمة وأبي عمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتي ودينهم واحد" (٥)، وفي رواية لأحمد: "إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتي" (٦). وفي الباب أحاديث بهذا

стр. 51

المعنى، فأخبر بأن دينهم واحد: يعني في التوحيد، وأمهاتهم شتي: أي الملل والشرائع، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. (١) أي سبيلًا وسنة في الفروع؛ فالعبادات الفرعية في زمن موسي مخالفة لمن قبله بعض المخالفة، وكذا وجد خلاف في شريعة عيسى؛ فقد أحل لهم بعض الأشياء التي كانت محرمة عليهم، والله أعلم" (٢). السلطان المغتصب من الله ؛ سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن مقولة أحد المؤلفين: "فإذا جاء الرسول من عند الله يقول: ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣). وهو ما قاله كل رسول لقومه، فهو في الحقيقة ينادي برد السلطان المغتصب إلى الله صاحب الحق وحده في التشريع للناس، وفي تقرير الحلال والحرام والمباح وغير المباح". فأجابت: "لا نعلم بأسًا فيما ذكرته من حيث المعنى؛ ولكن الأسلوب فيه سوء أدب مع الله؛ لأنه سبحانه لا يستطيع أحد أن يقهره على أخذ حقه، بل هو القاهر فوق عباده، ولكن المشرك والحاكم بغير ما أنزل الله قد اعتديا على حق الله وحكمه وخالفا شرعه" (٤).

стр. 52

تسمية الله أو وصفه بأسماء وصفات مخترعة: كقول بعضهم: إن الله هو "العقل العام"، وإنه: "مجموع عقول الكون صغيرها وكبيرها" (١). أو: "إن الله يعقل ذاته ولا يعقل ما دونها" (٢). وإنه: "العقل الفعال" (٣). وكقولهم: "الإسلام يؤله العمل؛ لأن الله ذاته عمل في خلق السماوات والأرض" (٤). وكقولهم: "الله وراء المادة" (٥) .. أو "الله مادة له" (٦). أو إنه: "حقيقة مطلقة" (٧)، أو وصف الله تعالى بـ "الوجود الكلي" (٨)، "والعلة الأولى" (٩). أو: "السبب الأول" (١٠) .. "والإرادة الكلية" (١١)، أو: "إنه هو أصل

стр. 53

المكونات" (١). أو: "المحيط الأعظم الذي تخرج منه الحياة جميعها ثم تصب فيه" (٢). "وأنه تعالى هو الأثير" (٣). أو: إن وحدانية الله تشمل "الوحدة في الوجود" (٤)، "والوحدة في التركيب" (٥). ومثله قول خالد محمد خالد عن الله تعالى: " … إن ذراعيه مفتوحتان … "! (٦) إلخ. ونحو ذلك من العبارات والأسماء والصفات المبتدعة التي تطلقها المدرسة العقلية الحديثة على الله تعالى، وبعضها مستمد من العقلانيين القدامي، كالفلاسفة وغلاة الصوفية، وأتباع الديانات والنحل الضالة، وبعضها من نسج خيالاتهم الفاسدة" (٧). الشهر الكريم قد أظلنا ببركاته وفيوضه: قال الشيخ حمود التويجري ﵀:

стр. 54

"وفي كلام مصطفى العطار كلمة يجب التنبيه عليها؛ وهي قوله: "والشهر الكريم قد أظلنا ببركاته وفيوضه". والجواب أن يقال: ليست البركات والفيوض من الأشهر ولا من غيرها من المخلوقات، وإنما هي من الله وحده لا شريك له؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (٣). وقال تعالى مخبرًا عن عيسي ﵊: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ (٥) الآية. وقال تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا

стр. 55

عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢). وفي الحديث الصحيح: "وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا. ومن أضاف البركات والفيوض إلى غير الله تعالى فقد جعل ذلك الغير شريكا لله تعالى فيما هو من خصائص ربوبيته. وحيث إن هذا قد خفي على العطار أحببنا أن ننبه عليه" (٣). يوضع سره في أضعف خلقه: هذه من العبارات المنتشرة بين القبوريين لإضفاء هالات من التعظيم على قبور من يدعون فيهم الولاية. وقد كشفها وغيرها من العبارات القبورية الأستاذ خالد أبو الفتوح في مقاله: "دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها" (٤). وقال: "المفهوم من كلمة: (سره) أنها القدرة المستندة إلى أسباب غيبية ومحيرة. و (أضعف خلقه) مقصود بهم: المجانين والمجاذيب … الخ"! إننا نحترم جميع الأديان السماوية: قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في تعليقه على أحد الكتاب:

стр. 56

"أمَّا قول الكاتب: (وإننا نحترم جميع الأديان السماوية) فهذا حق، ولكن ينبغي أن يعلم القارئ أن الأديان السماوية قد دخلها من التحريف والتغيير ما لا يحصيه إلَّا الله سبحانه، ما عدا دين الإسلام الَّذي بعث الله به نبيه وخليله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ؛ فقد حماه الله وحفظه من التغيير والتبديل، وذلك بحفظه لكتابه العزيز وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصَّلاة والتسليم؛ حيث قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). فقد حفظ الله الدِّين وصانه من مكائد الأعداء بجهابذة نقاد أمناء ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وكذب المفترين، وتأويل الجاهلين. فلا يقدم أحد على تغيير أو تبديل إلَّا فضحه الله وأبطل كيده. أمَّا الأديان الأخرى فلم يضمن حفظها سبحانه، بل استحفظ عليها بعض عباده، فلم يستطيعوا حفظها؛ فدخلها من التغيير والتحريف ما الله به عليم … " (٢). اسم النبي حارسك: بعض النِّساء في بعض البلاد إذا رأت من تنظر إلى طفلها، وخافت عليه من الحسد قالت: "اسم النَّبِي حارسك"، وهذا اعتقاد باطل؛ لأنَّ النَّبِيّ ﷺ وهو أفضل البشر لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا

стр. 57

رَشَدًا﴾ (١)، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢). قول "زمزم" للمتوضئ: بعض النَّاس إذا رأى رجلًا يتوضأ قال له: (زمزم) ويعني بذلك الدُّعَاء للمتوضئ أن يوفقه الله للحج أو العمرة ويتوضأ من زمزم، فيرد عليه المتوضئ قائلًا: (جمعًا) أي: نسأل الله أن يرزقنا ذلك جميعًا، أو يجمعنا الله هناك. وهذا أمر ظاهرة الدُّعَاء والخير، ولكنه في هذا الموطن يُعَدُّ بدعةً؛ لأنَّه زيادة في عبادة لم يفعله النَّبِيّ ﷺ وأصحابه الكرام؛ حيث كانوا يتوضؤون في المدينة بعيدًا عن مكة، ولم ينقل عنهم هذا الدُّعَاء عند الوضوء، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، والنبي ﷺ يقول: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أَمْرُنَا فهو رد" (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم" (٤). المصطلح اليهودي: التطبيع: التطبيع يعني باختصار: تحويل السلوك الطارئ أو الجديد إلى ما يشبه الطبيعي ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان، أي إقامة علاقات تجنح

стр. 58

نحو الطبيعي الَّذي يسود علاقة النَّاس بحيث تصبح اعتيادية في القبول والتعامل المتبادلين. ومن خلال مسيرة الصراع مع اليهود نجد أن الكيان اليهودي هو الَّذي أصر على جعل العلاقات مع العرب تبدو وكأنها طبيعية؛ حيث طرح استراتيجيات كبرى تطالب بالسلام والتعايش مع اليهود الغاصبين لضمان بقائهم في المنطقة. والتطبيع برز كمصطلح واستراتيجية لتذويب العداء مع اليهود وكيانهم المغتصب الأرض فلسطين، ولإجراء عملية تغيير في النفسية العربية والإِسلامية وتعديلها لتتواءم وتتعايش وتتقبل الكيان اليهودي كجزء طبيعي مع حفاظ اليهود الصهاينة على مشروعهم العدواني. وعمل الإعلام اليهودي للوصول بالعقل العربي إلى الاقتناع بأن التعايش مع العدو اليهودي هو المفتاح للأمن والاستقرار والسلام والرخاء، والذي يعني القبول بالكيان اليهودي كدولة مستقلة ذات حدود يسهل الدفاع عنها، والتسليم بالكيان اليهودي كحقيقة قائمة، والاستسلام لإرادة العدو ومخططاته، ولهذا أصبحت مصطلحات السلام والتعايش مع اليهود مصطلحات تتكرر على مسامعنا ويشدو بها الإعلام صباح مساء، وتُعقد لها المؤتمرات والندوات. والتطبيع أي: جعل العلاقات طبيعية؛ وكان من لم يرتبط بمعاهدات سلام مع اليهود يكون أمره غير طبيعي، فأسموه السلام العادل والشامل،

стр. 59

وهذه كلها مصطلحات يحاولون التأثير بها علينا وعلى أدمغتنا بجعلها أمرًا واقعًا، باعتبار ذلك هو الأقرب للعقلانية. وأصبحوا ينعتون كل من هو رافض للعلاقة والتعايش السلمي مع اليهود بالجهل؛ لأنَّهم لا يقبلون وجهة نظر الطرف الآخر!! " (١). المصطلح اليهودي: هيكل سليمان: " يزعم اليهود أن المسلمين بنوا المسجد الأقصى مكان المعبد الَّذي يعتقدون سليمان ﵇ قد بناه، ولهذا يطلقون على البقعة المقام عليها المسجد الأقصى -وهو كل ما دار عليه السور ويحوي مبنى المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة- "هيكل سليمان"؛ وذلك للتهيئة والعمل لهدم المسجد الأقصى، وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه. هذه الخرافات والأكاذيب أشاعها اليهود ويعملون على ترويجها؛ حتَّى أقنعوا بذلك أنفسهم والكثير من نصارى العالم - وخاصة البروتستانت- لأنَّهم يتوقعون أن النصارى سيساعدونهم في بناء هيكلهم، وأن بناءه سوف يُعَجل بقدوم المسيح الَّذي سيتخذُ من الهيكل مقرًا لحكمه، لذا فهم يستعطفون النصارى للعمل من أجل بناء الهيكل. وعلى الرغم من التناقض الشديد عند اليهود وعدم اتفاقهم حول شكل الهيكل وموقعه، إلَّا أنَّهم متفقون جميعًا على هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، ولهذا تُوزع الملصقات والرسومات على اليهود من طلاب المدارس

стр. 60

والجامعات الَّتي تُجَسِّد الهيكل المزعوم، هذا بالإضافة لإنتاج نماذج صغيرة للهيكل المزعوم، حيث تقوم المنظمات والجامعات اليهودية بتوزيعها داخل وخارج فلسطين من أجل كسب الدعم والتعاطف المادي والمعنوي لهذه القضية، ووصل الأمر بأن يهدي قادة اليهود للزائرين لكيانهم مجسمًا ونقشًا للحي القديم في القدس، يظهر فيه الهيكل المزعوم!! بدلًا من المسجد الأقصى المُبَارَك. والثابت في مصادرنا الإِسلامية أن ما قام به سليمان ﵇ في بيت المقدس ليس بناء الهيكل، وإنَّما هو تجديد للمسجد الأقصى المُبَارَك الَّذي هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ فهو قبل سليمان وموسي ﵉، والمسجد الأقصى لم يكن معبدا لليهود، ولكنه كان ولا يزال وسيبقى إن شاء الله مسجدًا للأمة المسلمة ممن صَدَّقَ بدعوة نبيه. جاء بالسند عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص عن النَّبِيّ ﷺ : "إن سليمان بن داود ﷺ لما بني بيت المقدس سأل الله خلالًا ثلاثة؛ سأل الله حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلَّا الصَّلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه" (١). وما عليه جمهور العلماء أن بناء سليمان ﵇ بناء تجديد وليس بناء تأسيس، كما بناه عمر بن الخطاب ﵁، والخلفاء من بعده تجديدًا" (٢).

стр. 61

الإسلام لا يصلح لهذا الزمان ! هذه كلمة كفرية روجت لها المذاهب الهدامة؛ كالشيوعية والعلمانية، فصدقتها عقول بعض الجهلة من المسلمين. وإلَّا كيف يقول هذا القول مسلم؟ وهو يعلم من نصوص القرآن والسنة أن الإسلام هو خاتم الأديان الَّذي ارتضاه الله لعباده إلى قيام الساعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) فكيف يرضاه الله لعباده تعالى وهو لا يصلح لهذا الزمان؟! ألا ساء ما يحكمون؟! ألا يرى هؤلاء المفاسد والشرور الَّتي جرتها المذاهب المنحرفة عندما حكمت ديار المسلمين فأورثتهم الذل والمهانة والتخلف الديني والدنيوي؟! (٥) بيان بعضٍ من (مظاهر) البراءة من المشركين: قال الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم ﵀ تعليقًا على هذه العبارة: "الصَّواب: (بيان بعضٍ من صور البراءة من المشركين)؛

стр. 62

كلمة مظاهر: عصرية لا تشمل الباطن. قد يتبرأ من الظَّاهر ولا يتبرأ من الباطن" (١). وكان الشيخ محمد ﵀ يقول عن الشرك الَّذي حول القبور والأضرحة: "لا تقولوا: مظاهر الشرك، فمعناه أن باطنهم خلاف ذلك! بل هذا هو الشرك! " (٢). التيار الإِسلامي: " إن هذا الوصف من اختراع المناوئين للدعوة إلى الله والدعاة إلى سبيله سبحانه. ومن المسلمات أن هذا العصر قد كثر فيه خصوم الإسلام والدعوة إليه؛ ليس في بلاد الكفر، بل وفي بلاد الإسلام، ومنهم من وُلدوا لأبوين مسلمين ولكنهم ضلوا الطريق نسأل الله لهم الهداية. أقول لقد أطلق هذا الوصف على الدعاة إلى الله وذلك لتحقيق غايات منها: ١ - اعتبار الإسلام والدعوة إليه فكرة من الأفكار وحزبًا من الأحزاب وعقيدة من العقائد الموجودة في الساحة، أو في أي بلد من بلاد المسلمين؛ فالدعاة إلى الله بهذا يعدون فئة مثلها مثل الفئات الأخرى الَّتي تدعو إلى العقائد والملل والأفكار الأخرى؛ كالقومية والوطنية والشيوعية والليبرالية والوجودية والديمقراطية والعلمانية، فلكل عقيدة وفكرة من هاته الأفكار والعقائد تيار يمثلها ويدافع عنها ويدعو إليها،

стр. 63

وهنا مكمن الخطورة؛ لأنَّ الأمر أمر دعوة إلى التساوي بين من يدعو إلى الله وإلى دين الله الَّذي هو الإسلام وبين من يدعو إلى الإلحاد أو الشهوانية العلمانية الليبرالية أو الطاغوتية الديموقراطية. ٢ - ترسيخ فكرة أن الدعاة إلى الله باعتبارهم تيارًا إنَّما يريدون السلطة والحكم، وأنَّه لا يعنيهم الإسلام في شيء، بل هم تيار اجتمع من أجل غرض الحكم بأعيانهم وأسمائهم، وأنهم ما ساروا في طريق الدعوة إلى تطبيق شرع الله وحكمه إلَّا من أجل السلطة فقط، وهم في هذا متماثلون مع من يدعو إلى المذاهب والعقائد الأخرى، ولا شكَّ أن هذا التشويه للدعوة إلى الله ليس جديدًا، بل لقد وصف النَّبِيّ ﷺ بأوصاف مثل هذه الأوصاف، وذهب المشركون إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن كان محمد يريد جمالًا زوجناه أجمل النِّساء، وإن كان يريد مالًا أعطيناه حتَّى يكون أغنانا، وإن كان يريد حكمًا واستعلاء ملكناه، وقالوا: هو ساحر أو مجنون، وقالوا: كاذب، وهم يعلمون أنَّهم هم الكاذبون، كما أنَّ أعداء وخصوم الدعوة إلى الله يعلمون أنَّهم كاذبون في ادعاءاتهم وتخرصاتهم على الدعاة إلى الله في هذا العصر. ٣ - تدعيم الفكرة الَّتي يحاول خصومُ الإسلام وخصوم شريعته أن يكرسوها في عقول النَّاس؛ وهي -وبناء على ما تقدَّم- أن الدعاة إلى الله لا يمثلون الأمة، بل هم يمثلون أنفسهم، وما هم إلَّا تبار من التيارات لا يمثلون إلَّا أعيانهم وأسماءهم، وأنهم بهذا لا يمثلون المسلمين، وأن بقيَّة المواطنين -وفي بعض الأقطار جميعهم مسلمون أي ١٠٠ %- ليسوا معنيين بالدعاة،

стр. 64

بينما الحق في هذا أن الدعاة هم في الواقع الأمة بأسرها؛ لأنَّهم الذين يعملون من أجل دين الله، الَّذي هو دين كل مسلم، وقد أمر الله تعالى بموالاة المؤمنين والبراءة من غيرهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وهذه الآية دليل كاف على أن هذه الأمة أمة دعوة، وأن المؤمنين جميعًا يد واحدة وجسد واحد، وأن الدعاة إلى الله -بالمعنى الخاص- هم في القلب من هذه الأمة الواحدة، ولذا فالدعاة إلى الله الذين فرغوا أنفسهم لهذا الأمر يمثلون الأمة كلها، والمسلمون جميعًا هم دعاة إلى الله، وتأمل في الآية الكريمة السابقة، حيث الولاية والتولي للمؤمنين جميعًا، وهذه هي الأمة، وحيث الدعوة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحيث إقامة الصَّلاة والزكاة وطاعة الله، وهذه صفات المؤمنين جميعًا، وفي هذا رد وتكذيب لمن تخرص وسمى الدعاة تيارًا من التيارات الموجودة في البلد، بل هو الأمة جمعاء وهم البلد جميعًا. ولنسأل الواقع كما قد آمنا بما جاء في النُّصوص الشرعية، فسيؤكد الواقع لنا هذه الحقيقة، فالحمد لله وله المنة والفضل. وأمَّا التيارات الهدامة؛ كالأحزاب العلمانية، والتجمعات الفكرية الضالة فهي الدخيلة على الأمة وهي السموم الَّتي دخلت إلى بلاد الإسلام، ولكن

стр. 65

الجسد الإِسلامي جدير بطردها، كما طرد سلفها من قبل. إن من الخطورة أن يتقبل كثير من الدعاة هذا اللَّفظِ أو وصف: (تيار إسلامي)، ومطابقة: (الإِسلاميون)، بل هو الإسلام وهم المسلمون، ولسنا تيارًا من التيارات، ويجب أن نبين هذا وأن نحذره وأن نحذِّر منه، واللهُ غالب على أمره. ومثل وصف (التيار الإِسلامي) في الخطورة ومجافاة الحق: وصف: (التيارات الإِسلامية)، وهو وصف يحاول من خلاله أعداء الإسلام تصوير الإسلام على أنَّه إسلامات وليس إسلامًا واحدًا؛ وذلك لهدف تفريق كلمة الأمة والتشكيك في صحة الإسلام والتشكيك في مصدريه الربانيين: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد استغل هؤلاء كثيرًا من أخطاء بعض المنتسبين إلى سبيل الدعوة إلى الله -إن حقًا وإن باطلًا-، فمن كان من الدعاة سائرًا في دعوته على هدي الكتاب والسنة فهو المهدي، وقد تقع منه أخطاء لأنَّه لا عصمة لبشر، وهنا يستغل أعداء الدعوة وخصوم الإسلام هذه الأخطاء، بل لقد استغلوا الاختلاف في مسائل الأحكام بين العلماء، وهذا أمر معلوم في الفقه الإِسلامي؛ فالاختلاف في كثير من الأحكام قائم وليس -كما زعم الكاذبون والمغرضون- دليلًا على أن هناك أكثر من إسلام، فالحوادث مستمرة والمتغيرات والمستجدات في حياة النَّاس دائمة ولا بد لها من حكم شرعي يضبطها، وهكذا احتاجت الأمة إلى الاجتهاد منذ عصر الصَّحابة، والعقول والأفهام متفاوتة، وبناء عليه تتفاوت نتائج

стр. 66

الاجتهاد وتتفاوت الأحكام الاجتهادية، وقد ثبت أن النَّبِيّ ﷺ لم ينكر اجتهاد من صلَّى العصر في الطريق إلى بني قُرَيْظَة من الصَّحابة ﵃ في وقتها، ومن صلاها في بني قُرَيْظَة بعد وصولهم وبعد فوات وقتها، حين أمر أَلَّا يصلينّ أحد العصر إلَّا في بني قُرَيْظَة، فالاختلاف موجود وهذه سُنَّةٌ من سنن الله تعالى، غير أن هناك فرقًا بين اختلاف في استنباط حكم مع إيمان ثابت بالإسلام كاملًا كما أراده الله وبلغه نبيه ﷺ وبلغنا إياه صحابته ﵃، وبين اختلاف ينسف أصول الإسلام وأسسه، وقد استغل أعداء الدعوة هذا الأمر ووسعوه حتَّى جعلوا الاختلاف في أساس العقيدة وفي أركان الإسلام وأركان الإِيمان من الاختلاف السائغ! ولبَّسوا على النَّاس، ولكن الله سينقض ما دبروا؛ قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وأمَّا من انتسب إلى الدعوة إلى الله وهو من أهل الباطل فمعلوم، ولسنا هنا في حاجة إلى التفصيل؛ فالباطنية والفرق الهدامة الَّتي تنتسب للإسلام كذبًا وزورًا لأنها قد خالفت كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما كان عليه الصَّحابة ﵃ وجماعة المسلمين، فهذه فرق ضالة، ولكن أعداء الدعوة إلى الله يعتبرونها تيارات إسلامية، ومن ثمَّ يحاولون أن يقنعوا النَّاس أن هنالك (إسلامات) أو أنواع متعددة من الإسلام، وليس إسلامًا واحدًا.

стр. 67

إنَّه من الضروري أن يتداعى الدعاة والعلماء وأهل النظر من المسلمين إلى الحذر والتحذير من الأوصاف والألفاظ الَّتي تُلقي في ساحة الرأي والتداول، وخاصة فيما يتعلق بالأوصاف المتعلقة بالدعوة والدعاة وبالأمة المسلمة الواحدة، وأن يحذروا ممَّا يدسّه خصومُ وأعداء الدعوة في ثنايا الخطاب الدعوي، وأن يبينوا الحق في ذلك؛ وذلك لأنَّ اللَّفظِ إذا سُكِتَ عنه ذاع وانتشر على عِلَّاته، وهو بانتشاره كما يريد خصوم الدعوة المناوئون لها يسيء كثيرًا إلى الدعوة إلى الله، ويفتك بكثير من حصون الدعوة ويقلص كثيرًا من مكاسبها، واللهُ المستعان" (١). القرون الوسطى (المظلمة) ! درج الغربيون المؤرخون على استعمال لفظ (القرون الوسطى) على الفترة التاريخية الَّتي قبل عصر النهضة في أوروبا والثورة الفرنسية، وتسمية ما بعد ذلك بالقرون الحديثة. والواقع أن ما أسموه بالقرون الوسطى كانت قرون الأزدهار في تاريخ الإسلام. وقد يكون هذا السبب الدافع لهم لتسميتها هكذا؛ حقدًا على المسلمين. ولذا فلا داعي لاستعمال هذا اللَّفظ" (٢). قال الأستاذ أنور الجندي ﵀: ما تزال كلمة العصور الوسطى في إطلاقها تعني الفترة ما بين القرن الخامس الميلادي والقرن الخامس عشر الميلادي أيضًا، وهي الفترة الَّتي

стр. 68

سقطت فيها الحضارة الرومانية خلال عشرة قرون كاملة إلى أن بدأت حركة النهضة الأوربية، وتحاول كتب الغرب أن تصف هذه الفترة بالعصور المظلمية، وهذا المفهوم صحيح وصادق بالنسبة لأوربا، ولكنه كاذب ومضلل بالنسبة للعالم كله وللفكر البشري عامّة. ذلك أنَّه خلال هذه الفترة ظهر الإسلام في القرن السادس الميلادي وأشرقت شمسه فعمت العالم كله وامتدت من حدود الصين شرقًا إلى حدود فرنسا، وقدمت للإنسانية مجدًا أقيم على التوحيد والعدل والإخاء كمقومات الحضارة إنسانية كانت بعيدة المدى والأثر في الحضارة البشرية وفي النهضة الَّتي بزغت في أوربا بعد ذلك. لذلك فإنَّ إطلاق القول بأن فترة العصور الوسطى كانت فترة ظلام دامس هو قول باطل، وهي محاولة لتجاهل العصر الإِسلامي الزاهر، وذلك وفق اتجاه الفكر الغربي الَّذي يحاول أن يربط بين الحضارة الرومانية المنهارة وبين الحضارة الأوربية الجديدة؛ كأنما ليس في العالم إلَّا أوربا وحدها. ولذلك فإنَّ إطلاق كلمة العصور الوسطى على العالم كله إنَّما هو إطلاق ظالم؛ فالعصور الوسطى المظلمة إنَّما كانت كذلك بالنسبة للغرب وحده، ولكنها كانت مضيئة مشرقة بالنسبة للعالم الإِسلامي (الهند وفارس والأمة العربية والأندلس). وتعبير العصور الوسطى تعبير غربي ينطبق على أوربا وحدها؛ فقد سقطت هذه القارة في الظلمات فترة ما بين سقوط الحضارة الرومانية وعصر النهضة)، أمَّا في العالم الإِسلامي فإنَّ هذه الفترة بالذات كانت الفترة الذهبية بالنسبة للإسلام وحضارته.

стр. 69

فإذا أراد دعاة التَّغريب إذاعة هذا المفهوم فإنَّما يراد به إنكار فضل الحضارة الإِسلامية على العالم" (١). الثقافة: قال الأستاذ جمال سلطان: "يمثل مصطلح (الثقافة) واحدًا من أشهر المصطلحات الَّتي عرفها الفكر الإنساني في "تاريخه المعاصر، وذلك على الرغم من أنَّه مصطلح حديث نسبيًا، ولم يعرفه الفكر القديم بتلك الدلالات الَّتي حملها في القرن الميلادي الأخير، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ معظم من كتبوا عن هذا المصطلح وتاريخه أجمعوا على صعوبة وضع تعريف واضح ومحدد له، وهذه هي آفة المصطلحات المعاصرة بشكل عام، وربما كان الأمر فيه قُصد قصدًا؛ حيث تفعل مساحات التطاوع والغموض في المصطلح فعلها الكبير في إمكانيات توجيه المصطلحات إلى غير ما وجهة وبحيث يكون لها عند كل فريق معنى، وبطبيعة الحال يكون من يملك الإمكانات التسويقية والإعلامية الأكثر هو الأكثر قدرة على تسويق المعني الَّذي يريد والإيحاءات الَّتي يرغب. ومن أجل ذلك حذَّرتُ وحذَّر كثير من الناصحين في (الفكر الإِسلامي) من خطورة التسليم بالمصطلحات الوافدة، وخطورة أن نخلي لها في خطابنا الدعوي مكانًا أو ركنًا، والأخطر أن نستبدلها بمصطلحاتنا التراثية والعلمية الأصيلة الَّتي ضُبطت وحُررت واختُبرت على مر القرون حتي ضبطت لنا معالم الشَّريعة وعالمنا الفكري الإِسلامي. ولا يمكن التساهل في هذا السياق

стр. 70

وفق مقولة: "لا مُشاحَّة في المصطلح"؛ إذ إن هذه وإن كانت كلمة حق إلَّا أنَّها توضع في غير مكانها وتاريخها وسياقها، بل إن أصل النزاع الحضاري الآن إنَّما مفتاحه ومدخله هو المصطلح؛ فكيف لا تكون فيه مشاحة ومنازعة؟! وبعيدًا عن هذا الاستطراد الضروري نعود إلى مصطلح (الثقافة) فنجد أنَّه حمل أكثر من معنى وأكثر من دلالة؛ فهناك من وَجَّهه وجهة المعرفة والعلم؛ فكانت الثقافة عنده أن تعلم شيئًا عن كل شيء؛ بحيث تكون لك رؤية موسوعية ولو سطحية عن مختلف الأفكار والآراء والعلوم والمعارف والفنون والآداب ونحو ذلك، وهناك من جعلها دلالة نخبوية بمعنى: أن المثقف هو من استجمع بعضًا من قيم وخصوصيات فكرية وفنية رفيعة في المجتمع، وهناك من جعلها دلالة على مجمل القيم العامة في المجتمع والسلوك الإنساني فيه، وهي تلك القيم الحاضنة للنمو الاجتماعي وتواصل الأجيال وفق أذواق معينة ومفاهيم إنسانية وأخلاقية معينة، وهذا هو الأكثر قبولًا في أوساط دارسي المصطلح، وهو الألصق بالاشتقاق اللغوي للمصطلح في كثير من اللغات الأوروبية المعاصرة، حيث تشتق الثقافة من مادة الحرث والنماء (cultuer)، وفي تقديري أن هذا هو التوجيه الأكثر دقة، والأكثر قربًا وضبطًا لمصطلح الثقافة، وهو الأكثر قربًا من الإطار الإِسلامي كذلك؛ لأنَّه يعطي دلالة أقرب إلى مفهوم (العرف) (١) في السياق الإِسلامي، ومن المعروف أن (العرف) معتبر لدى الجمهور من الأصوليين بوصفه مصدرًا من مصادر التشريع له حجيته وإلزاميته في بعض القضايا والأحكام، وقد

стр. 71

خرَّج بعضهم على ذلك قاعدة: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"، ولعل هذا الربط بين دلالة مصطلح الثقافة ومصطلح العرف -إن صح وجاز- يعطي ثقافة المجتمع موقعًا شديد الحساسية والخطورة في الوعي الإِسلامي المعاصر، ويكشف الغطاء عن محاولات التزوير والتخدير الَّتي تمارس ضد العقل الإِسلامي لحرمانه من ممارسة واجبه المشروع في حماية ثقافته من عمليات الاختراق الأجنبي المتنوعة؛ حيث شاعت في العقود الأخيرة الكتابات الَّتي تهزأ من الحديث عن (الغزو الثقافي)، وتحاول أن تربط ذلك بالتشدد أو التطرف الديني، أو العنصرية القومية، أو ما شابه ذلك من اتهامات وتلويحات؛ يحدث ذلك على الرغم ممَّا تحمله لنا التقارير والأخبار من حالات سخط واستنفار في دوائر المثقفين والأجهزة الرسمية في بعض الدول الأوروبية -مثل فرنسا- ضد ما يسمونه: "الغزو الثقافي الأمريكي"؛ وذلك من خلال المسلسلات والأفلام والمطاعم الأمريكية وغيرها الَّتي تصبغ المجتمع بصبغة غربية وطارئة، وتمزق العرف العام في المجتمع وتشوه الأجيال الجديدة، وهذا كله صحيح بالنسبة لفرنسا، ولكنه أكثر صحة وخطرًا بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وذلك أن أواصر القربي بين الثقافتين الأمريكية والفرنسية أكثر من أن تحصى، فإذا كان الفرنسيون يفزعون من الغزو الثقافي الأمريكي، وهم على هذا الوجه من القربي؛ فكيف بنا ونحن على النقيض من الثقافة الأمريكية قيمًا وأخلاقًا، ونظام حياة وسلوكًا أسريًا، ودينًا وحضارة؟! إن (الثقافة) أو (العرف) -إن شئنا الدقة- هو البوتقة الَّتي تنصهر فيها

стр. 72

فعاليات البشر في المجتمع، وهي ماء الحياة فيه؛ لأنها تمنح النَّاس الحساسية الإنسانية تجاه الذوق الاجتماعي، وتجاه محددات (العيب)، و (الجائز وغير الجائز) من السلوك. إن النَّاس قد ينسون الأصل الشرعي لحرمة الفعل أو عيبه أو نكرته، ولكنه يبقى في وعيهم أن هذا عيب أو حرام أو منكر. وعندما يقع التشتت والتمزق في الوعي الثقافي يتبعه التمزق في النسيج الاجتماعي، والتمرد على القيّم والتقاليد الحافظة لتواصل المجتمع ونقائه ومجمل أخلاقه؛ ولذا فلا غرو في أن الغزو الثقافي يؤثر جوهريًا في الأصل العام في الإسلام؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ وذلك أن (المعروف والمنكر) رغم أنهما ينبعان من الأصل الديني مباشرة إلَّا أنهما -في السلوك الاجتماعي- وعي ثقافي عند العامة بشكل أساس، وعرف عام تغلغل في نسيج المجتمع، وعندما يضعف إلمام النَّاس بالشريعة وعلومها وحججها يبقى هذا العرف الاجتماعي أو "الثقافة" الَّتي تصبغ نسيج المجتمع وعفويته تبقى هي الحافظة المعنى المنكر والمعروف. صحيح أن بعضًا من الخلط والانحراف يقع، وهذا أمر محتوم، ولكن يبقى أن النسيج العام للمجتمع يعرف المعروف وينكر المنكر. ولعل القرآن الكريم قد ضرب لنا مثلًا واضحًا في خطورة التخريب الثقافي الَّذي يصل إلى حد الانقلاب في العرف العام في المجتمع من خلال قصة "قوم لوط" ومقولتهم العجيبة: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ

стр. 73

أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١)، ولعلنا نرى الآن في بعض الدول الأوروبية كيف أن العرف قد انتكس بالفطرة الإنسانية إلى قريب من هذا الدمار الَّذي حَدَثَ مع قوم لوط في أخلاق النَّاس وفوضى السلوك الاجتماعي، وينبغي أن نتذكر جيدًا أن هذه الانتكاسات لم تأت عبر خطب أو بيانات أو إقناعات مباشرة أو منطق مفترض، وإنَّما أتت عبر عمليات التآكل المستمرة في القيم والأعراف، والتي تؤدي مع الوقت إلى اختراق "ثقافة المجتمع" وإفقادها مناعتها وحصانتها، وبذلك تخرج أجيال جديدة متمردة ومفرغة من كل قيمة أو وعي رشيد؛ فإنَّ استمر هذا التفريغ انتهى الأمر إلى انتكاسة الفطرة بكاملها، أو أن يقيض الله للمجتمع من يوقف هذا الانهيار ويجدد عهد النَّاس بالقيم والدين منبع العرف في المجتمع الإِسلامي والبوتقة الَّتي تنصهر فيها كل فعاليات المجتمع المسلم على مر التاريخ، لتتحول إلى وعي ثقافي عام يطبع نسيج المجتمع بطابعه، بل يصبح هو نسيج المجتمع ولُحمته. ويبقى أن نشير إلى باب آخر من أبواب الغزو الثقافي ينبغي التحذير منه في هذا السياق؛ ألا هو الحديث الشيق الطريف عن العالم الَّذي أصبح قرية واحدة"، وهي المقولة الَّتي تتسرب الآن في المقالات والكتابات -حتَّى الإِسلامية منها مع الأسف- غير متنبهة إلى أنَّها مزلق يُستغل لتخدير الوعي الإِسلامي وشله عن المقاومة للغزو الثقافي، بل لإصابته باليأس أصلًا باعتبار أن الطوفان التغريبي قدر مقدور، ولأن العالم أصبح قرية واحدة؛ فكيف نستطيع أن نتحوط منه ونتحصن ثقافيًا وقيميًا؟! ورغم أننا في هذا العالم الَّذي أصبح قرية

стр. 74

واحدة نجد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا العديد من حالات مصادرة الكتب أو المحاكمات على أفكار نشرت، وحظر برامج تلفزيونية أو حتَّى حجب مواقع على الإنترنت، وهذا يعني أن العالم لم يكن قرية واحدة ولن يكون، صحيح أن قدرات التواصل مع ما يدور في العالم أصبحت أكثر وأوفر، ولكن تبقى هناك حواجز مهمة وخنادق يمثلها قوة العرف في المجتمع وحيويته الثقافية بما في ذلك حضور الدين حيًا وفاعلًا في ضمير أجياله الجديدة" (١). المسجد الأقصى ثالث الحرمين: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: "هل يُطلق على المسجد الأقصى اسم الحرم؟ وما تعليق فضيلتكم على كلمة: المسجد الأقصى ثالث الحرمين؟ ". فأجاب ﵀: "أمَّا المسجد الأقصى فإنَّه لا يطلق عليه حرم، وليس محرم. وقولهم: (ثالث الحرمين) توهم أنَّه منها. وليس كذلك" (٢). رجم الجمار: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ ضمن فتوىً له في أحكام الحجّ: " .. ولكن عندي ملاحظة على قولها (ترجم)؛ لأن الأولى أن لا يكون التعبير بترجم، وإنما يكون التعبير بالرمي. فيقال: رمي الجمار. ولا يقال: رجم الجمار". (٣).

стр. 75

وقال ﵀ في فتوى أخرى: "أحب أن يكون تعبيره عن رمي الجمرات بلفظ (الرمي) لا (الرجم)؛ وذلك لأن هذا هو التعبير الَّذي عبر به النَّبِيّ ﷺ في قوله: "إنَّما جعل الطَّواف بالبيت، والسعي بين الصَّفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله". وكلما كان الإنسان في لفظه متبعًا لما في الكتاب والسنة كان أولى وأحسن" (١). العلوم الحديثة: وقد وصل الأمر أنَّه حينما طالب بعض العلماء بدراسة بعض العلوم الَّتي أهملت دراستها وقرر الأَزْهَر إضافتها إلى مناهج الدراسة، أن أطلق عليها اسم (العلوم الحديثة). وفي رأينا هذه التسمية خاطئة ومضللة. فهي خاطئة لأنها تعكس الحقيقة التاريخية الثابتة؛ فكل هذه العلوم الَّتي سميت خطأ "حديثة" ليست حديثة إطلاقًا على الحضارة الإِسلامية، فالعلوم الإِسلامية الَّتي لا تزال المؤلفات فيها باقية، وطبعته ونشرت، تشتمل على جميع فروع العلوم من هندسة وطب وزراعة وكيمياء، ممَّا كانت تدرسة الجامعات الأوربية في بدء عصر النهضة ولقرون تالية (٢). وهذه التسمية مضللة لأنها توحي إلى الدارسين في المعاهد والجامعات الإِسلامية وغيرهم بأن هذه العلوم حديثة بمعنى أن علماء المسلمين الأوائل
следующие страницы →