← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8965

النشوز بين الزوجين

عايد الحربي

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الزوج، والآخر من أهل الزوجة (١) . وظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة (٢) . والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين، لينظرا في شكوى كل منهما، وما يدعيه على الآخر، وليعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما. وذلك إذا أشكل أمر الزوجين بسبب استمرار النزاع المعبر عنه بالشقاق، كأن يدعي عليها الزوج النشوز، وتدعي عليه هي ظلمه وتقصيره في حقوقها، ثم لا يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية (٣) . وظاهر النص الأمر ببعث الحكمين عند حصول الشقاق بين الزوجين، ليجتهدا في الإصلاح والتوفيق بينهما، وإزالة ما بينهما من الوحشة والشقاق، ومعرفة مصدر الشكوى من كل منهما، وإقناع كل منهما بالحق، وتذكيره بما أوجب الله عليه لصاحبه من حسن الصحبة وجميل العشرة، وما يلحقه من الإثم والعقاب بالمخالفة والعصيان، وما عسى أن يترتب على ذلك من انحلال عرى الزوجية، وهدم كيان الأسرة، وضياع الولد إن كان. فإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما، فهل لهما ذلك دون الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذن منهما؟.

стр. 37

المسألة خلافية: ١- فذهبت طائفة إلى أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريان فيه المصلحة، من جمع وتفريق، بعوض وغير عوض، ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما. والتفريق في ذلك طلاق بائن؛ وبهذا قال مالك، وإسحاق، والأوزاعي، وهو مروي عن علي، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، وابن المنذر (١) . واستدلوا بقولِه تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين. قالوا: فهذا نص من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كل واحد منهما فلا ينبغي أن يركب معنى أحدهما على الآخر (٢) . وأخرج ابن جرير الطبري بسنده من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره

стр. 38

ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ قال: هما الحكمان يوفق الله بينهما (١) . كما أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني، قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى علي ﵁، مع كل واحد منهما فئام (٢) من الناس، فقال علي ﵁: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي ﵁: كذبت، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (٣) . وجه الدلالة: أن الحكمين لو كانا وكيلين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما. كما أن قوله: ((عليكما إذا رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا)) دليل على أن لهما سلطة القاضي. قالوا: وليس المراد من قول علي ﵁ للرجل: ((حتى تقر)) أن رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة لما رضيت بما في كتاب الله تعالى، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني ليست الفرقة في كتاب الله، فقال له علي: كذبت، حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، فإن قوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ يشتمل على الفراق وعلى غيره، لأن التوفيق أن يخرج كل

стр. 39

واحد منهما من الإثم والوزر، وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حاليهما في الوصلة (١) . وأخرج الطبري بسنده عن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة، فكان بينهما كلام، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما وقد اصطلحا (٢) . والشاهد فيه: قول ابن عباس: ((لأفرقن بينهما)) ، وقول معاوية: ((ما كنت لأفرق)) حيث جعل أحدهما التفريق إليه، دون إذن الزوجين أو رضاهما، وجعل الآخر إليه عدم التفريق، فدل ذلك على أنهما بمنزلة القاضي، فهو يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه. وممن اختار القول في المبعوثين بأنهما حاكمان لا وكيلان العلامة ابن القيم (٣) ، والقاضي أبو بكر ابن العربي (٤) ، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٥) ﵏ جميعاً. قال ابن القيم: وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين، هل هما حاكمان أو وكيلان؟، على قولين: أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في قول، وأحمد في رواية.

стр. 40

والثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر، وهذا هو الصحيح. والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلاً من أهله، ولتبعث وكيلاً من أهلها. وأيضا: فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل. وأيضا: فإنه جعل الحكم إليهما، فقال: ﴿إِِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. وأيضا: فإن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص. وأيضا: فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضا: فإن الحكم أبلغ من حاكم، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل، دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه. وأيضا: فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: (وإن خفتم شقاق بينهما) فمروهما أن يوكلا وكيلين، وكيلاً من أهله، ووكيلا من أهلها، ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح ... فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم؛ والله أعلم (١) . ا?.

стр. 41

٢- وذهب آخرون إلى أن الحكمين وكيلان للزوجين، أحدهما عن الزوج والآخر عن المرأة، ولا يملكان تنفيذ أمر يلزم الزوجين، من تفريق أو مخالعة أو غيره إلا بإذن الزوجين ورضاهما، (وهو القول الثاني في المسألة) ؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأحد القولين للشافعي، والرواية الأخرى لأحمد، وهو قول عطاء، وقتادة، والحسن، وبه قال أهل الظاهر (١) ؛ واختاره ابن جرير الطبري (٢) . واستدلوا لذلك بما يلي: قولُه تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ حيث اقتصر في مهمة بعث الحكمين على ذكر الإصلاح بين الزوجين، دون التفريق، وذلك يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما. وأيضا: قول علي ﵁ للرجل في الأثر السابق ذكره: (( ... كذبت والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به)) . حيث فوضت المرأة، وامتنع الزوج من تفويض الطلاق، فقال له علي: كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به، وذلك يعني أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق، وإن رآه الحكمان. وأيضا: فإن الأصل أن التطليق بيد الزوج، فلو رأى الحكمان التطليق عليه، وهو كاره، كان ذلك مخالفة لدليل الأصل، ثم إن شأن الحكمين السعي في الإصلاح لا التفريق، ولا يعرف: أصلحت بين الزوجين: أي طلقتها عليه. وأيضا: فإن البضع حق للزوج، والمال حق للمرأة، وهما رشيدان، فلا

стр. 42

يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما، أو ولاية عليهما (١) . يقول أبو بكر الجصاص: لو أقر الزوج بالإساءة إليها لم يفرق بينهما، ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد مهرها، فإذا كان كذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتها من غير رضى الزوج وتوكيله، ولا إخراج المهر من ملكها من غير رضاها ... ولأن الحاكم لا يملك ذلك فكيف يملكه الحكمان (٢) . ويقول ابن جرير الطبري في معرض ترجيحه لهذا القول: وأي الأمرين كان، فليس لهما - أي للحكمين - ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها، فأما غير ذلك فليس ذلك لهما، ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان ولا غيره، وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها، الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، - على ما قد بيناه في سورة البقرة - وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس. وإن بعث الحكمين السلطان، فلا

стр. 43

يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضا المرأة، يدل على ذلك ما قد بيناه قبل من فعل علي بن أبي طالب ﵁ بذلك والقائلين بقوله، ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرفا الظالم من المظلوم، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما ... (١) . وعلل أصحاب هذا القول تسميتهما حكمين: بأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه، وإنفاذ القضاء بالحق والعدل، فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما، وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو تفريق مضى ما أنفذاه، فسميا حكمين من هذا الوجه، فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليها بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح سميا حكمين، ويكونان مع ذلك وكيلين لهما، إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على الزوجين من خلع أو طلاق إلا بأمرهما. فالحكمان إنما يبعثان للصلح بين الزوجين، فإن أعياهما ذلك شهدا على الظالم منهما، ووعظاه وأنكرا عليه ظلمه، وليس بأيديهما فرقة أو مخالعة دون إذن الزوجين ورضاهما، فهما في حال شاهدان، وفي حال مصلحان، وفي حال آمران بمعروف وناهيان عن منكر، وفي حال وكيلان فيما فوض إليهما من جمع أو تفريق (٢) . وعلى هذا فقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ يعني أن الذي من أهله وكيل له، والذي من أهلها وكيل لها، كأنه قال: فابعثوا رجلا من قبله

стр. 44

ورجلا من قبلها. أما عن الترجيح بين القولين في المسألة، فظاهر الآية محتمل للوجهين فيها، فمن أخذ بالقول الأول تمسك منها بلفظ الحكم، فإن الله تعالى سمى كلا منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه. ومن أخذ بالقول الثاني تعلق بقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ حيث جعل مهمة الحكمين السعي في إرادة الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما. ولما كانت الآية محتملة لوجهة كل من الفريقين، ولم يصح في المسألة شيء عن النبي ﷺ ، فالمسألة اجتهادية، والذي يقتضيه النظر - والله أعلم - ترجيح القول الثاني، لوجاهة ما استدلوا به، ولأن إساءة أحد الزوجين إلى الآخر لا ينبغي أن تكون سبباً للتفريق بينهما، إذ الحياة الزوجية لا تخلو من مثل هذا غالباً. فالزوج إن كان هو المسيء للمرأة الظالم لها، فهناك السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها، الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لأحد التفريق بين رجل وامرأته بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس، على ما أفاده ابن جرير الطبري ﵀ (١) . وكذلك فإنه لا خلاف - كما سبق - أن الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها، لم يجبره الحاكم على الطلاق، وأن الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز، لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز

стр. 45

إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملك المرأة من غير رضاها (١) ؛ والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في قولِه: (إن يريدا) عائد على الحكمين، كما في قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وجمهور المفسرين (٢) ، لأنهما المسوق لهما الكلام في قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، أي إن يرد الحكمان (إصلاحاً) بين الزوجين وتأليفاً، فينظرا في أمر الزوجين نظراً منبعثاً عن نية الإصلاح بينهما والنصح لهما (يوفق الله بينهما) أي بين الحكمين، فتتفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما. وقيل: الضمير في (بينهما) عائد على الزوجين: أي إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه الله بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسيهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة (٣) . وقيل: الضميران عائدان على الزوجين، أي إن يريد الزوجان إصلاح ما بينهما من الشقاق، فخلصت نيتهما، وحسن قصدهما، أوقع الله تعالى بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقاً، وبالبغضاء مودة (٤) .

стр. 46

وقيل: الضمير في (إن يريدا) عائد على الزوجين، وفي (يوفق الله بينهما) عائد على الحكمين، أي إن يريد الزوجان إصلاحاً واتفاقاً يوفق الله تعالى بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه (١) ، فتجتمع كلمتهما على النصح، ويبارك مسعاهما في الإصلاح والتوفيق. وأظهر هذه الأقوال - والله أعلم - هو القول الأول، وهو ما قال به الجمهور، وأن الضميرين معاً عائدان على الحكمين، وذلك أنهما أقرب مذكور في السياق، وأن السعي في الإصلاح بين الزوجين من شأنهما، فكانت الآية حثاً لهما على إرادة الإصلاح وتحريه، وإن كان لفظ الآية محتملاً للوجوه الأخرى أيضاً. ولأيٍ كان الضمير، ففيه التنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه. ثم إن عدم التعرض لذكر عدم إرادة الإصلاح للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يفرض صدوره عنهما، وأن الذي يليق بشأنهما ويتوقع صدوره عنهما هو إرادة الإصلاح، كما أن عدم ذكر ما يقابل التوفيق بينهما، وهو التفريق، للإشعار بأن ذلك ليس من شأنه أن يقع (٢) . قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ أي عالماً بجميع الظواهر والبواطن، مطلعاً على خفايا الأمور وأسرارها، فلذلك شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة، التي هي الطريق إلى القيام بالحقوق. فهو سبحانه العليم بما أراده الحكمان أو الزوجان من خير وإصلاح، خبير بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه،

стр. 47

حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه واستحقاقه (١) . كما أن في ذلك مزيد ترغيب وتأكيد للحكمين والزوجين في إرادة الإصلاح، وتحذير عن المساهلة في هذا الأمر. وفي تفسير المنار: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ أي إنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم (عليماً) بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم، (خبيراً) بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة، فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما. وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيراً من الخلاف يقع بين الزوجين، فيظن أنه مما يتعذر تلافيه هو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربهما منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، إذا ما حسنت النية وصحت الإرادة (٢) . قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ الروايات والآثار الواردة حول المراد بالآية وسبب نزولها: أخرج أبو داود بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه

стр. 48

عندنا، وكان قلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت (١) أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها، أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ (٢) . وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك (٣) . وأخرجه البخاري أيضا في موضع آخر من صحيحه بسياق أتم، ولفظه: عن عائشة ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ... ﴾ قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة عليَّ والقسمة لي، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) . وأخرج سعيد بن منصور في سننه، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله تعالى في سودة وأشباهها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففزعت

стр. 49

أن يفارقها رسول الله ﷺ ، وظنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنْزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فقبل ذلك النبي ﷺ (١) . وذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁، فسأله عن قول الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ قال علي: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج (٢) . قال ابن كثير: وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن حماد بن سلمة، وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل عن سماك به، وكذا فسرها ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد بن جبر، والشعبي، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية العوفي، ومكحول، والحكم بن عتبة، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم خلافا في أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. انتهى (٣) . وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بسنده عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ إلى تمام الآيتين، أن

стр. 50

المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، فإن استقرت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثرة في القسم من ماله ونفسه، صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه، كذلك ذكر سعيد بن المسيب، وسليمان الصلح الذي قال الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) . وبعد ذكر تلك الروايات والآثار حول المراد بالآية وسبب نزولها، هذا شروع في تحليل مفرداتها وتفصيل معناها ودلالاتها: نشوز الزوج، وإعراضه، مفهومه، وأسبابه، وكيفية معالجته قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ الخوف هنا مستعمل في حقيقته، بظهور إمارات تدل عليه، كأن ترى المرأة من زوجها تجافياً عنها وترفعا عن صحبتها، بترك مضاجعتها، أو التقصير في بعض حقوقها؛ وقيل: هو التوقع لما يكره، بوقوع بعض أسبابه؛ وقيل: معنى خافت: علمت، وقيل: ظنت (٢) . والأول هو المتبادر من ظاهر اللفظ ودلالة السياق؛ والله أعلم.

стр. 51

قال أبو حيان: والخوف هنا على بابه، لكنه لا يحصل إلا بظهور أمارات ما تدل على وقوع الخوف، ولا ينبغي أن يخرج عن الظاهر، إذ المعنى معه يصح (١) . والبعل: هو الزوج، وجمعه بعولة، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢) ، والأصل في البعل أنه السيد، وسمي الزوج بعلاً لكونه كالسيد لزوجته (٣) . قولُه: (نشوزاً) : النشوز بين الزوجين هو كراهة أحدهما صاحبه وترفعه عن رتبة حسن العشرة معه، لعدم رضاه، فالنشوز الترفع والكبر وما يترتب عليهما من سوء المعاملة، مشتق من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، وقد تقدم بيانه. وهو كما يكون من المرأة في حق زوجها - كما سبق إيضاحه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِيتَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ - يكون من الرجل في حق امرأته، كما هنا. والمراد به هنا: استعلاء الرجل بنفسه عن امرأته وترفعه وتجافيه عنها، بأن يمنعها نفسه ومودته، فيسيء معاشرتها، ويترك مضاجعتها، ويقصر في حقوقها، إما كراهة لها، أو رغبة عنها إلى غيرها، أو لغير ذلك من الأسباب (٤) . قولُه: (أو إعراضاً) الإعراض: الميل والانحراف عن الشيء، والمراد هنا: انصراف الرجل عن امرأته بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، مثل أن

стр. 52

يقلل محادثتها، أو مجالستها ومؤانستها، لسبب من الأسباب، كطعن في سن، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك. والإعراض أخف من النشوز (١) . قال محي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي: والنشوز لاستلزامه الترفع والتعدي والإطالة يستلزم الإعراض، من غير عكس، لأن الإعراض يتحقق بمجرد تقليل المحادثة والمؤانسة، لبعض الأسباب، كطعن سن، ودمامة، وتعلق القلب بأخرى (٢) . وقيل: (أو إعراضاً) أي تطليقاً (٣) . وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة، تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها باختلاف أحوال الأنفس، لكن على الزوجة أن تتحرى معرفة الدافع لنشوز زوجها وإعراضه عنها، والسبب فيما طرأ عليه نحوها من تغير وتحول، وعليها أن تتثبت فيما تراه من إمارات النشوز والإعراض، فربما كان ذلك لسبب خارجي، لا تعلق له بكراهتها، والجفوة عنها وعن مسامرتها ومعاشرتها بالمعروف. فحينئذ عليها أن تعذره، وأن تصبر على ما لا تحب من ذلك. أما إن لمست ما يدل على كراهته إياها ورغبته عنها، مما ظهر لها من مبادئ الفتور والنفور، ودلائل الكراهية والابتعاد، مما يبعث في نفسها القلق على استمرار الحياة الزوجية، فقد أباح الله تعالى لهما أن يتفاهما ويتصالحا صلحاً يتفقان عليه بينهما، كأن تسمح لزوجها ببعض حقها عليه في النفقة أو القسمة، أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما،

стр. 53

أو تهبه شيئاً من مهرها، أو تعطيه مالاً لتستعطفه وتستديم المقام معه والبقاء في عصمته، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ (١) . وإنما يحل له ذلك منها إذا كان برضاها، لاعتقادها أن في ذلك الخير لها، من غير أن يكون ملجئا إياها إليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها (٢) .

стр. 54

الصلح بين الزوجين، مفهومه، وكيفيته، والحث عليه قولُه: (فلا جناح عليهما) أي لا إثم ولا حرج (عليهما) حينئذ (أن يصلحا بينهما صلحاً) بأن تسقط المرأة حقها أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من حقوقها على زوجها، أو تهب له مالاً تستميله وتستعطفه بذلك، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، على أن يكون ذلك برضاها، وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها، فإن المقصد هو التراضي والمعاشرة بالمعروف، أو التسريح بإحسان. فأرشد الله في حال خوف المرأة نشوز زوجها، بترفعه عليها وعدم رغبته فيها، وإعراضه عنها، أرشدها في هذه الحال إلى طريق يستقيم به أمرها مع زوجها، وهو طريق الصلح بينهما، كأن ترضى بالصلح على إسقاط حقها أو بعضه، أو بذل شيء من مالها، على أن تبقى في عصمته، فمتى ما اتفقا على شيء من ذلك تصلح به حالهما، فلا حرج ولا بأس، وهو خير من المقاصاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو الفراق (١) . يقول الإمام ابن عطية ﵀: هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضرراً يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتريد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح

стр. 55

الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضاً ... وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر على الأثرة، فهذا كله مباح (١) . وفي في ظلال القرآن: لقد نظّم - من قبل - حالة النشوز من ناحية الزوجة، والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة، فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج، فتهدد أمن المرأة وكرامتها، وأمن الأسرة كلها. إن القلوب تتقلب، وإن المشاعر تتغير، والإسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها، ويتعرض لكل ما يعرض لها في نطاق مبادئه واتجاهاته ... فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة، وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هناك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءاً أو كلا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها، هذا كله إذا رأت هي - بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها - أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها (٢) . ولا يكون ما أخذه الزوج من مال امرأته بذلك الصلح الذي اتفقا

стр. 56

وتراضيا عليه أكلا بالباطل أو أخذاً بالإكراه، وذلك حين يكون نشوز الزوج وإعراضه عن زوجته حقيقة في رغبته عنها وإرادة فراقها، لسبب من الأسباب، لا تحايلاً وذريعة لاجتلاب مال المرأة أو إنقاصها حقها، فإن أخذ المال بهذه الوسيلة أكل له بالباطل، وأخذ له بغير مسوغ شرعي، وقد حرم الله أكل أموال الناس بالباطل، وحرم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (١) . إنما أباح الله تعالى في الآية ذلك الصلح بين الزوجين في حق رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته، لسبب ما، وامرأة تريد المقام معه، فإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه، في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه، وهو الطلاق، جاز لهما ذلك، ولا جناح عليهما فيه (٢) . وفي قوله: (أن يصلحا) قراءتان سبعيتان: فقرأ الكوفيون، عاصم، وحمزة، والكسائي: ((يُصْلِحا)) بضم الياء، وتخفيف الصاد، وكسر اللام، من أصلح على وزن أكرم، بمعنى أصلح الزوج والمرأة بينهما، بأن يوقعا بينهما أمراً يرتضيانه، ويصلحان به شأنهما بما يبدو من وجوه المصالحة (٣) . قال الفخر الرازي: من قرأ ((يُصْلِحا)) فوجهه أن الإصلاح عند التنازع

стр. 57

والتشاجر مستعمل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) ، وقال: ﴿َوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢) (٣) . وقرأ الباقون من السبعة: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ((أن يَصَّالَحا)) بفتح الياء، وتشديد الصاد، وألف بعدها، وفتح اللام، من التصالح، وأصله: يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، فصارتا صاداً مشددة (٤) . ووجهه - كما قال ابن جرير الطبري - أن التصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى، وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح، والإصلاح في خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التصالح (٥) . وقال القرطبي: من قرأ ((يَصَّالَحا)) فوجهه: أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال: تصالح القوم، ولا يقال: أصلح القوم، ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحاً (٦) . وقولُه: (صلحاً) منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر حذفت زوائده، أو يكون الصلح اسما للشيء المصالح عليه، كالعطاء من أعطيت، والكرامة من أكرمت، فأصلحت صلحاً مثل أصلحت أمراً، وعلى هذا

стр. 58

يكون انتصابه على المفعولية، ويحتمل أن يكون انتصابه على إسقاط حرف الجر، أي بصلح، أي بشيء يصطلحان عليه. وقوله: (بينهما) ظرف للفعل، أو في محل نصب على الحال (١) . قال الآلوسي: و (صلحاً) على قراءة أهل الكوفة إما مفعول به، على معنى يوقعا الصلح، ... و (بينهما) ظرف، ذكر تنبيها على أنه ينبغي أن لا يطلع الناس على ما بينهما، بل يسترانه عنهم، أو حال من (صلحاً) أي كائنا بينهما ... أو يكون (صلحاً) مصدراً محذوف الزوائد ... و (بينهما) هو المفعول، على أنه اسم بمعنى التباين والتخالف، أو على التوسع في الظرف، لا على تقدير ما بينهما كما قيل، ويجوز أن يكون (بينهما) ظرفاً، والمفعول محذوف أي حالهما ونحوه، وعلى قراءة غيرهم [أي غير الكوفيين] يجوز أن يكون واقعاً موقع تصالحاً واصطلاحاً، وأن يكون منصوبا بفعل مترتب على المذكور، أي فيصلح حالهما صلحاً، واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيد، ويجوز أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجر، أي يصالحا أو يصلحا بصلح، أي بشيء تقع بسببه المصالحة (٢) . قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي الصلح الذي يتوصل به إلى التوفيق بين المتنازعين - وفق ما شرع الله - خير كله، وهو أصل عظيم في جميع الأشياء، وخصوصاً في الحقوق المتنازع فيها، فإن المصالحة فيها خير من المقاصاة، لما في الصلح من بقاء الألفة والتسامح، فقوله: (والصلح خير) لفظ عام مطلق، يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على

стр. 59

الإطلاق، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك. فالصلح على ترك بعض الحق استدامة لحرمة النكاح وتمسكاً بعقد الزوجية خير من طلب الفرقة والطلاق، فإن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ والوفاء (١) . والمراد هنا أنه إذا تصالح الزوجان على شيء فذلك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة، فالألف واللام في الصلح للعهد، ويعني به ((صلحاً)) السابق في قوله: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ . وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير، أي إن يكن فيه خير فهذا أخير منه، وإلا فلا خيرية فيما ذكر، ويجوز أن لا يراد بـ ((خير)) التفضيل، بل يراد به المصدر أو الصفة، أي أنه خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور، فاللام للجنس، وقيل: إن اللام على التقدير تحتمل العهدية والجنسية، وجملة ((والصلح خير)) اعتراضية مؤكدة ومقررة لما قبلها، وفائدتها الترغيب في المصالحة (٢) . ويرجح الإمام محمد الطاهر بن عاشور ﵀: أن التعريف في قوله: (والصلح خير) تعريف الجنس، وليس تعريف العهد، قال: لأن المقصود إثبات أن ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه ... ، ولأن فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النّزاع في الخيرية، مع أن النّزاع لا خير فيه أصلاً ... وقولُه: ((خير)) ليس هو تفضيلاً ولكنه صفة مشبهة، وزنه

стр. 60

((فَعْل)) ، كقولهم: سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور، أو هو مصدر مقابل الشر، فتكون إخباراً بالمصدر ... أي والصلح في ذاته خير عظيم، كما أن الحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضل عليه هو النشوز والإعراض، وليس فيه كبير معنىً. وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة، وهي المصدر المؤكد في قوله: ((صلحاً)) ، والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ((والصلح خير)) ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة، فإنها تدل على فعل سجية (١) . وبالجملة فالصلح خير من الفرقة وما يفضي إلى التدابر والتباغض والتمادي في التنازع والاختلاف، فكم به ألفت قلوب وسويت خلافات وأزيلت نزاعات، ويندرج في ذلك عامة ضروب الصلح فيما بين الناس أفراداً وجماعات، ذكوراً وإناثاً، وفي الآية الكريمة يحث ﵎ الزوجين على التصالح فيما بينهم بما يرتضونه ويرونه خيراً لهم ويؤكد ذلك سبحانه ويرغب فيه، مراعيا بذلك - وهو العليم الخبير - أحوال كل من الزوجين وظروفه وما جبلت عليه نفسه وفطرته، فللنفس إقبال وإدبار، وغريزة وميول، ومشاعر وأحاسيس. ومادام الصلح يراعي تلك الأحوال وتلك الظروف والمشاعر، يحصل به التسامح والائتلاف بين الزوجين، في ظل حياة زوجية متماسكة، متفاهمة، قد عرف كل من الزوجين ظرف صاحبه فقدره، وتلمس أحاسيسه ومشاعره فعذره، فهو بلا شك خير عظيم ومسلك كريم، وإن استلزم ذلك بذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق، فإن ذلك يسير بالنظر إلى ما يقابله من الحفاظ على عقد الزوجية متماسكاً، وكيان الأسرة قائماً.

стр. 61

وعلى كل حال فالأمر في ذلك متروك للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ : والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊، ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، بل الطلاق بغيض إليه ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، وابن ماجة عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق" ١) .

стр. 62

معنى إحضار الأنفس الشح، وما في ذلك من الحث على الصلح قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ هذا تأكيد لأمر الصلح والحث عليه باتقاء ما قد يحول دونه مما جبلت عليه النفوس من الشح بحظوظها، ومعنى إحضار النفس أي أنها عرضة له، فإذا استدعى أمر الصلح بذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق ألَمّ بها ذلك الشح، ونهاها أن تبذل ما يقتضي الأمر بذله أو التنازل عنه والتسامح فيه. وليتذكر كل منهما أن هذا من ضعف النفس ودناءة الهمة المؤدي إلى المشاحة والجفاء، بل - وربما - التدابر والتنافر والافتراق، مما لا يليق فعله بمن بينهما نزاع من آحاد الناس، فكيف بزوجين قد أفضى بعضهما إلى بعض، وارتبطا بعقد الزوجية - المبني على المودة والرحمة والتسامح - ارتباطاً وثيقاً. فقوله: (وأحضرت الأنفس الشح) بيان لما جبل عليه الإنسان وفطرت عليه نفسه من الشح، وهو الإفراط في الحرص على الشيء، فشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، والمراد هنا: شح كل من الزوجين بحقه قبل صاحبه، فلا الرجل يكاد يجود بإبقاء المرأة في عصمته مع القيام بحقوقها وحسن عشرتها، وهو راغب عنها، لدمامة أو ملال أو طعن في سن أو إيثار أخرى عليها أو غير ذلك. ولا المرأة تكاد تطيب نفسها ببذل شيء من مالها لزوجها أو التنازل له عن بعض حقوقها لتستميله بذلك وتتعطفه عليها (١) . قال العلامة أبو السعود ﵀: قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي

стр. 63

جعلت حاضرة له، مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبداً، فلا المرأة تسمح بحقوقها من الرجل، ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها، فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له، بحث كل منهما عليه، لكن لا بالنظر إلى حال نفسه، فإن ذلك يستدعي التمادي في المماكسة والشقاق، بل بالنظر إلى حال صاحبه، فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة، مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها، مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير لا يكلفها بذل الكثير، فيتحقق بذلك الصلح (١) . وفي هذا المعنى يقول الشيخ السعدي ﵀: واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلباً له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي جبلت النفوس على الشح، وهو الاستئثار والتفرد في الحقوق، وعدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعاً، أي فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم وتقليله وتلطيفه، وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة ببذل جميع الحقوق التي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك والإغضاء عن التقصير، فمتى وفق العبد لهذا الخلق الطيب سهل عليه الصلح بينه وبين كل من بينه وبينه منازعة ومعاملة، وتسهلت الطريق الموصلة إلى المطلوب، ومن لم يكن

стр. 64

بهذا الوصف تعسر عليه الصلح أو تعذر، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله كاملاً، ولا يهون عليه أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (١) . وعلى هذا فالمراد بالأنفس الشح هنا: أنفس كل من الزوجين، وشحها بحقها تجاه الآخر؛ وهذا وجه في تفسير الآية (٢) . وثمت وجه آخر في تفسيرها، وهو أن الأنفس الشح هنا مراد بها أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أزواجهن في المبيت والقسم والنفقة (٣) . وهو ما اختاره ابن جرير الطبري ﵀. والوجه الأول أظهر - والله أعلم - لما فيه من حمل اللفظ على عمومه، وهو الأولى، وإن كانت المرأة أظن وأشح بنصيبها من زوجها في القسم والفراش، بيد أن الشح ملازم للنفس البشرية، فهو في كل أحد، فطرة جبلة، لذا فإن كبح جماح شح تلك النفوس، ببذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق - سعياً في الخير، وطلباً للصلح والوفاق - يعد كرماً وسماحة ونبلاً، كما أن المشاحة والمقاصاة في ذلك بخل وشح وضعف في النفوس والهمم. ولكي يتحقق للزوجين الوفاق المأمول والصلح الذي هو خير فلابد لهما من مراعاة ما يتطلبه أمر الصلح من تسامح وكرم نفس وتضحية. وعليه فحمل معنى الآية على احتمال عود ذلك الشح إلى نفس كل من

стр. 65

الزوجين وشحها بحقها قبل الآخر هو الأظهر، والله أعلم. يقول الفخر الرازي: يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها، مع دمامة وجهها، وكبر سنها، وعدم حصول اللذة بمجانستها (١) . وقد ذكر ابن جرير الطبري ﵀ الوجهين السابقين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ مرجحاً ما اختاره منهما، حيث يقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهن. ثم أخرج هذا المعنى مسنداً عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والسدي، ثم قال: وقال أخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وأخرج هذا المعنى بسنده عن ابن زيد، قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها فتعطفه عليها. ثم يقول ابن جرير بعد ذلك: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشح: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها؛ فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهوائهن من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن (٢) . وفي في ظلال القرآن: قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ : أي أن الشح

стр. 66

حاضر دائماً في الأنفس، وهو دائماً قائم فيها، الشح بأنواعه، الشح بالمال، والشح بالمشاعر، وقد تترسب في حياة الزوجين، أو تعرض أسباب تستثير هذا الشح في نفس الزوج تجاه زوجته، فيكون تنازلها له عن شي من مؤخر صداقها أو من نفقتها، إرضاءً لهذا الشح بالمال، تستبقي معه عقدة النكاح، وقد يكون تنازلها عن ليلتها، إن كانت له زوجة أخرى أثيرة لديه، والأولى لم تعد فيها حيوية أو جاذبية، إرضاءً لهذا الشح بالمشاعر، تستبقي معه عقدة النكاح، والأمر على كل حال متروك في هذا للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها ... (١) . أما من جهة اللغة والإعراب: فقد جاء في اللسان: تعريف الشح، بأنه: حرص النفس على ما ملكت، وبخلها به. قال ابن منظور: وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٣) . وأصل الشح في كلام العرب: البخل بالمال، أو هو البخل مع حرص، فهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف (٤) . وجاء في البحر المحيط لأبي حيان: وقال الماتريدي: ويحتمل أن يراد بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه، يقال: هو شحيح بمودتك، أي حريص على بقائها، ولا يقال في هذا

стр. 67

بخيل، فكأن الشح والحرص واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع الشح للمنع، والحرص للطلب، فأطلق على الحرص الشح، لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأن البخل يحمل على الحرص، والحرص يحمل على البخل (١) . والحاصل: أن الشح يطلق على حرص النفس على حقوقها وقلة التسامح فيها، فالمقصود التنبيه والتحذير من التلبس بتلك المشاحة والعوارض الحائلة دون الصلح. وفي إعراب قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يقول أبو حيان: التركيب القرآني يقتضي أن الأنفس جعلت حاضرة للشح لا تغيب عنه، لأن الأنفس هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي التي كانت فاعلة قبل دخول همزة النقل، إذ الأصل: حضرت الأنفس الشح على أنه يجوز عند الجمهور في هذا الباب إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل، على تفصيل في ذلك، وإن كان الأجود عندهم إقامة الأول، فيحتمل أن تكون الأنفس هي المفعول الثاني، والشح هو المفعول الأول، وقام الثاني مقام الفاعل، والأولى حمل القرآن على الأفصح المتفق عليه (٢) . ويقول الآلوسي: قولُه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ جملة اعتراضية، وفائدتها تمهيد العذر في المماكسة والمشاقة ... وحضر متعد لواحد، وأحضر لاثنين، والأول هو (الأنفس) القائم مقام الفاعل، والثاني (الشح) ، والمراد: أحضر الله تعالى الأنفس الشح، وهو البخل مع الحرص، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل هو الثاني، أي أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، أو أنها جعلت حاضرة له مطبوعة عليه ... (٣) .

стр. 68

قوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي وإن تحسنوا العشرة فيما بينكم، فتتراحموا وتتعاطفوا، ويعذر بعضكم بعضاً، وتتقوا النشوز والإعراض وما يترتب عليهما من سوء المعاملة ومنع الحقوق، (فإن الله كان بما تعملون) من الإحسان والتقوى، والعفو والمسامحة، مراعاةً لحقوق الزوجية واستدامة للصحبة وحسن العشرة (خبيراً) فيجازيكم ويثيبكم على ذلك (١) . وقيل: هذا خطاب للأزواج، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة والصبر على ما يكرهون، أي وإن تحسنوا العشرة مع النساء، وتتقوا النشوز والإعراض، وإن تظافرت الأسباب الداعية إليهما، وتتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن، ولم تضطروهن على فوت شيء من حقوقهن، أو بذل ما يعز عليهن، فإن الله عليم بذلك مطلع عليه، فيثيبكم عليه خيراً، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (٢) . وقد أورد الشيخ محمد علي السايس في كتابه تفسير آيات الأحكام تساؤلاً ثم أجاب عنه، وذلك ضمن فوائد ولطائف أوردها حول قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ... ﴾ الآية، ولا بأس بنقل ذلك التساؤل وجوابه: يقول: قال الله تعالى في نشوز المرأة: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ، وقال في نشوز الرجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ ، فجعل لنشوز

стр. 69

المرأة عقوبة من زوجها، يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفاً، فما معنى ذلك؟. الجواب عن ذلك من وجوه: ١- قد علمت أن الله جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس. ٢- أن الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين، ومن قضية ذلك ألا يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء تتوهمه سبباً، فلا جرم أن جعل لنشوزهن عقوبة، حتى يرتدعن ويحسن حالهن، وإن في مساق الآيتين ما يرشد إلى أن النشوز في النساء كثير وفي الرجال قليل، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع، إشارة إلى أن النشوز محقق في جماعتهن، وفي نشوز الرجل عبر بـ ((إن)) التي للشك وبصيغة الإفراد، وجعل الناشز بعلاً وسيداً مهما كان، كل ذلك يشير إلى أن النشوز في الرجال غير محقق، وأنه مبني على الفرض والتقدير.. ٣- أن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة، ولم يجعل للمرأة عليه سبيلاً إذا هو أراد فرقتها، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلاً إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة (١) . قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ النساء: ١٢٩. بعد أن أرشد جل وعلا كلا من الزوجين إلى سلوك سبيل المصالحة

стр. 70

والوفاق فيما بينهما حسبما يرتضيانه، وحث على ذلك ورغب فيه، وذلك في معالجة ما قد يحدث بينهما من نشوز أو إعراض، وما يترتب عليه من سوء العشرة والمعاملة. وكان من لوازم ذلك الصلح العدل والتراضي، والتعايش بكرامة واحترام، بعيدا عن حياة الظلم والجور، والذل والإهانة. ثم هنا يبين ﵎ أن ذلك العدل الذي أمر به الأزواج تجاه زوجاتهم، والتسوية بينهن، إنما هو في حدود وسعهم واستطاعتهم، وما يكون في مقدورهم واختيارهم، من الأفعال والأقوال، كالتسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى، ونحو ذلك من كل ما يملكه الزوج ويكون في مقدوره. أما ما لا يملكه الزوج، ولا يدخل تحت اختياره واستطاعته، من المودة والمحبة وميل القلب، وما يتبع ذلك من لوازم الحب الطبيعية كالجماع وزيادة الإقبال ونحو ذلك، فهذا قد عفا الله عنه، وعذر الأزواج فيه (١) . قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ يقول ابن كثير ﵀ في تفسيرها: أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل القسم الصوري: ليلة ليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قال ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم (٢) . ثم ذكر ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة، يعني: أن النبي ﷺ

стр. 71

كان يحبها أكثر من غيرها (١) . وكذا أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية في عائشة (٢) . وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٣) ، يغني القلب. وقال القرطبي: قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض (٤) . وقولُه: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي على إقامة العدل، وبالغتم في ذلك، فإن الميل يقع في القلب بلا اختيار. قولُه: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي لا تميلوا بدافع تلك المودة والميل القلبي إلى إحداهن عن الأخرى ميلا كثيراً، فتعرضوا بذلك عن الأخرى، ولا تؤدون ما يجب لها من حق وحسن معاشرة، بل يجب عليكم أن تتقوا الله في هذا الأمر، وتفعلوا ما في وسعكم واستطاعتكم من القيام بالعدل بينهن في النفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش ونحو ذلك مما هو في مقدوركم واختياركم.

стр. 72

فإن عجزتم عن حقيقة العدل والمساواة بينهن فيما لا تملكون أمره من المحبة القلبية والميول الطبيعية لا يعفيكم من تكليفكم العدل فيما دون ذلك من المراتب التي تستطيعونها. ولا يسوغ لكم اتخاذ ذلك ذريعة للتفضيل في المعاملات الاختيارية، أو الإهمال والتقصير في الحقوق الزوجية؛ ذلك أن لهذا الحب، وهذا الميول نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها، وتختارونها، وتقدرون عليها، فما أظهرتم من تلك الأقوال والأفعال موافقين به ميل القلب إلى إحداهن دون الأخرى، فهو الذي فيه الإثم والمؤاخذة، بخلاف ما أكننتم في قلوبكم من محبة وميل نفسي، وما يتبع ذلك ويجري مجراه، مما لا تملكون جلبه أو دفعه أو اختياره، كزيادة الإقبال والأنس والجماع ونحو ذلك، فهذا مما عذركم الله فيه، وعفا عنه وتجاوز (١) ؛ رحمة منه ولطفاً وعدلا وإحساناً. قال ابن عطية ﵀: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ : وهو أن يفعل فعلاً يقصده من التفضيل، وهو يقدر أن لا يفعله (٢) . قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي تعرضوا عنها ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي لا هي ذات زوج ولا مطلقة، تشبيه بالشيء المعلق من شيء، فلا هو على الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل: ((أرض من المركب بالتعليق)) (٣) . وقيل: معناه: كالمحبوسة أو المسجونة (٤) ، لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي

стр. 73

ذات بعل فيحسن إليها. والمراد أن هذا نهي وتوبيخ للأزواج، أي لا ينبغي لكم ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر، فتدعوا التي أعرضتم ورغبتم عنها إلى غيرها كالمعلقة، فلا هي تتمتع بحقوقها الزوجية، كسائر الزوجات، ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه. فاتقوا الله في أمرهن، فإما أن تقوموا بما يجب لهن من العدل والمساواة، كما أمركم الله، وإلا فالفرقة أولى، كما قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) . يقول الشيخ السعدي ﵀: قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته وزهد فيها، ولم يقم بحقوقها الواجبة، وهي في حباله، أسيرة عنده، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها (٢) . وقد جاء الوعيد الشديد لمن تعمد ذلك الميل والجور بين امرأتيه أو نسائه الضرائر، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط" (٣) . وفي معنى ما تقدم من الآية يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀: قد عذر الله الناس في شأن النساء، فقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ أي تمام العدل، وجاء بـ ((من)) للمبالغة في النفي، لأن أمر النساء يغالب النفس،

стр. 74

لأن الله جعل حسن المرأة وخلقها مؤثرا أشد التأثير ... فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ ، وأقام ميزان العدل بقولِه: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي لا يفرط أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن أشد الميل حتى يسوء الأخرى، بحيث تصير الأخرى كالمعلقة، ... والمعلقة: هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلقة ولا هي زوجة ... ، وقد دل قوله: ((ولن تستطيعوا)) إلى قوله: ((فلا تميلوا كل الميل)) على أن المحبة أمر قهري، وأن للتعلق بالمرأة أسبابا توجبه، قد لا تتوفر في بعض النساء، فلا يكلف الزوج بما ليس في وسعه من الحب والاستحسان ... (١) . وفي في ظلال القرآن: إن الله الذي فطر النفس البشرية، يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها، ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاماً لينظم حركتها، من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات، ويؤثرها على الأخريات، فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى، والأخريات، وهذا ميل لا حيلة له فيه، ولا يملك محوه، والإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه، ولا يجعل هذا إثماً يعاقبه عليه، فيدعه موزعاً بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه، بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء ولو حرصوا، لأن الأمر خارج عن إرادتهم، ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم، هناك العدل في المعاملة، العدل في القسمة، العدل في النفقة، العدل في الحقوق الزوجية كلها، حتى الابتسامة في الوجه، والكلمة الطيبة باللسان، وهذا ما هم مطالبون به. ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ فهذا هو المنهي عنه، الميل في المعاملة

стр. 75

الظاهرة، والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها، فلا تكون زوجة ولا مطلقة (١) . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي وإن تصلحوا فيما بينكم وبين أزواجكم بوجه من وجوه الصلح، وتقوموا بما يلزم من العدل والتسوية بينهن فيما يملكون، وتتقوا ظلمهن وتفضيل بعضهن على بعض فيما يدخل تحت إرادتهم من المعاملات الاختيارية، كالقسم والنفقة ونحوها، فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ يغفر لكم ما دون ذلك، مما لا يدل في اختياركم، وعجزتم عن القيام به لضعفكم، ويرحمكم في دنياكم وأخراكم، فإنه تعالى كان وما زال غفوراً للتائبين، رحيما بالمؤمنين، فشأنه سبحانه المغفرة والرحمة لعباده (٢) . يقول ابن جرير الطبري ﵀: قوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى، فتظلموها في حقها، فما أوجبه الله لها عليكم؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً﴾ يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطي ذلك عليكم
следующие страницы →