← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8965

النشوز بين الزوجين

عايد الحربي

Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ سورة النساء، الآيات: ٣٤، ٣٥. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ سورة النساء، الآيات: ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠.

стр. 2

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣) . أما بعد: فإن الحياة الزوجية القائمة على أساس من التقوى لله ومراعاة ما يجب من الحقوق وحسن العشرة بين الزوجين، لهي حياة السعادة والمودة، حياة الرحمة والألفة والمحبة، الحياة التي تكفل لبيت الزوجية كل خير وهناء، وكل أنس وطمأنينة، قوامها الثقة والاحترام. وإن الإخلال بهذا المبدأ لهو السبب في سوء العشرة وزرع الفرقة والنفرة بين الزوجين، يتمثل ذلك بتعالي أحد الزوجين على الآخر، ونزوعه عن طاعته، أو تقصيره عن القيام ببعض حقوقه وما يجب له من حسن العشرة والاحترام، وهو ما يسمى بالنشوز.

стр. 3

أهمية الموضوع وسبب اختياره: لما كان هذا الأمر - النشوز - من أسباب فساد العشرة، وزرع الفتنة والعداوة بين الزوجين، بل ربما تعاظم الأمر فأوصلها إلى حد النفرة والفرقة وهدم البيوت التي حث الإسلام على رعايتها وتعاهدها بالصلاح والإصلاح وحسن العشرة، بل وسد كل طريق قد يكون سبباً للاختلاف والفرقة. ولخطورة هذا الأمر وأثره على حياة الزوجين أنزل الله جل وعلا بيانه وعلاجه في كتابه الكريم، وفي سنة رسوله ﷺ ، وذلك بأمر كلٍّ من الزوجين بالقيام بحقوق الآخر واحترامه، وتلافي أسباب الفتنة والاختلاف، فأمر الزوج - عند خوفه نشوز زوجته - بوعظها ومناصحتها وتذكيرها بحقه عليها، ثم بهجرها في المضجع إن لم تستجب لوعظه، ثم بضربها إن ألجأته لذلك ورآه ناجعاً في إصلاحها وتأديبها، كما أرشد المرأة - عند خوفها نشوز زوجها - إلى مصالحته بما تراه يستجلب رضاه، كأن تتنازل له عن بعض حقوقها عليه، أو تدفع له شيئاً من المال تستعطفه وتستميله به مقابل أن يبقيها في عصمته، وذلك برضاها واختيارها، أما إن استفحل الأمر وخيف ازدياد الشقاق، فقد أمر أهل الحل والعقد ومن له كلمة مسموعة عند الزوجين بالتدخل بقصد الإصلاح والنصح، بل وبعث الحكمين عند الحاجة واستدعاء الأمر لذلك، كل ذلك لتلافي أسباب الفرقة والنفرة، وليبقى بيت الزوجية سعيداً آمناً. لذا رأيت أن أفرد تفسير آيات النشوز بين الزوجين ببحث مستقل، مستعرضاً فيه تلك الآيات، مبينا تفسيرها، مع دراسة ما تضمنته من معاني وأحكام؛ واللهَ أسأل أن يبارك الجهد، ويسدد الخطا، ويوفقنا لكل خير. * خطة البحث: تقوم خطة البحث على مقدمة ضمنتها أهمية الموضوع والداعي للكتابة

стр. 4

فيه، ثم قسم البحث والدارسة، ثم الفهارس. وقد اشتمل قسم الدراسة على تعريف النشوز لغة واصطلاحاً، ثم الشروع في تفسير آيات النشوز، وذلك باستعراض تلك الآيات وتفسيرها تفسيراً تحليلياً مفصلاً، مع بيان ما تضمنته من معاني، وما اشتملت عليه من دلائل وأحكام، وذلك في موضعه من الآية عند وروده في معرض تفسيرها. وكان مما اشتملت عليه تلك الدراسة ما يلي: بيان المعاني اللغوية للمفردات، وكذا ما يلزم من أوجه الإعراب والقراءات والبيان. بيان المعاني التفسيرية للمفردات والجمل. إيضاح ما دلت عليه تلك الآيات من معاني، وما استنبط منها من دلائل ومسائل وأحكام، وذلك بدراسة تلك المعاني والأحكام، دراسةً مفصلةً مستفيضة، مع بسط الأقوال والأدلة، ثم الترجيح حسب الإمكان. ومن أبرز تلك المسائل والأحكام التي تضمنتها الدراسة: مفهوم النشوز من قبل الزوجة، وحكمه، وكيفية معالجته، وبيان ما يترتب عليه من أحكام. بعث الحكمين وما يتعلق بهما من وصف، وما يترتب على حكمهما من مسائل. مفهوم النشوز والإعراض من قبل الزوج، وكيفية معالجته. الحقوق الزوجية وما يترتب على الإخلال بها من مفاسد وآثام. إلى غير ذلك مما ورد في ثنايا البحث من مسائل ومباحث شتى. كل ذلك تمت دراسته في موضعه من الآية، عند وروده في معرض تفسيرها. الفهارس: فهرس المصادر، فهرس الموضوعات.

стр. 5

قوامة الرجل على المرأة، مفهومها، وحكمتها وسبب استحقاقها قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ مناسبة الآية للآيات قبلها: لما نهى سبحانه كلاً من الرجال والنساء عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض، في أمر الكسب والمعاش، فقال تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (١) . وقد ورد أنها نزلت في قول أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فذكر هنا أسباب ذلك التفضيل (٢) . وقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن الحسن البصري: أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبي ﷺ فأراد أن يقصها منه فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ ، فتلاها

стр. 6

عليه، وقال: "أردت أمراً وأراد الله غيره " (١) . وأخرج نحوه عن قتادة، وابن جريج، والسدي (٢) . وبالنظر إلى ما تقدم في آيات المواريث من تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث بإعطائه مثل حظ الأنثيين، ثم النهي عن تمني الرجال والنساء ما فضل الله به بعضهم على بعض، كما ورد في سبب نزول قوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ... ﴾ الآية، يأتي قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ... ﴾ بياناً وإيضاحاً لسبب ذلك التفضيل، وتعليلاً وجواباً لما قد يرد من تساؤل حول تفضيل الرجال على النساء في أمور: كالميراث، والغزو، والإمامة، والشهادة، والدية، والولاية في النكاح، والطلاق، والرجعة، وغيرها؛ والله أعلم. وقوام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر، بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوام على امرأته، كما يقوم الولي على رعيته بالأمر والنهي، والحفظ والصيانة (٣) . يقول محي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي: القوام: اسم لمن يكون مبالغاً في القيام بالأمر، مسلطاً عليه، نافذ الحكم في حقه، ليصير كأنه أمير عليه، والقوام والقيم بمعنىً واحد، والقوام أبلغ، وهو القائم بالمصالح والتدبير والاهتمام بالحفظ (٤) .

стр. 7

وعلى هذا فقوامة الرجل على المرأة تستلزم رعايته لها، وتربيتها، وإصلاحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالباً، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها، يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها (١) . هذا مع ما أوتي الرجل من قوة وهيبة ليست لها، لذا استحق عليها شرعاً وعقلاً وفطرة الرئاسة والقوامة، ووجبت له عليها الطاعة بالمعروف. قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: جعل الله القوامة للرجال على النساء لسببين: أحدهما: وهبي فطري، والآخر: كسبي. وأشار إلى الأول بقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، أي: يقومون عليهن بالحماية والرعاية والولاية والكفاية قيام الولاة على الرعية بسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء، وذلك بما جعل لهم ما ليس لهن من الحول والقوة والاستعداد الفطري في أصل الخلقة، وكمال العقل والإدراك، واعتدال العاطفة، مع سداد في الرأي، وقوة في العزم، والحزم، والتحمل، وكذا بعد النظر، ومزيد القوة في العلوم والأعمال والطاعات. وهذا لا يعني انعدام تلك الصفات في النساء، لكنها في الرجال أقوى وأكمل وأتم. فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد. ثم إن تلك القوامة إنما استحقت بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وأما السبب الآخر في استحقاق الرجال القوامة على النساء فهو كسبي، وأشار إليه بقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والسكنى

стр. 8

ونحوها مما أوجبه الله عليهم لهن في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فالرجال أقدر على الكسب والتحصيل والتصرف في سائر الأمور، فلأجل هذا كانوا هم المكلفين بنفقة النساء ورعايتهن وحمايتهن، والقائمين بأمر الولاية والرئاسة عليهن. وفي تفسير المنار: قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ومن ذلك المهور، فإن في المهور تعويضاً للنساء ومكافأة على دخولهن بعقد الزوجية تحت رئاسة الرجال، فالشريعة كرمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة، وهو أن يكون زوجها قيماً عليها، فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع الناس عليها بالعقود لأجل المصلحة ... فلا ينبغي للرجل أن يبغي بفضل قوته على المرأة، ولا للمرأة أن تستثقل فضله وتعده خافضاً لقدرها ... وقد مضت الحكمة في فضل الرجل على المرأة في القوة والقدرة على الكسب والحماية، وذلك هو الذي يتيسر لها به القيام بوظيفتها الفطرية، وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال، وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمر رزقها ... (١) . وجاء في تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي الصابوني: قضت السنة الكونية وظروف الحياة الاجتماعية أن يكون في الأسرة قيم يدير شؤونها، ويتعهد أحوالها، وينفق من ماله عليها، لتؤدي رسالتها على أكمل الوجوه، ولتكون نواةً للمجتمع الإنساني الذي ينشده الإسلام، إذ في صلاح الأسرة صلاح المجتمع، وفي فساد الأسرة وخرابها خراب المجتمع. ولما كان الرجل أقدر على تحمل هذه المسؤولية من المرأة، بما وهبه الله من العقل وقوة العزيمة والإرادة، وبما كلفه من السعي والإنفاق على المرأة

стр. 9

والأولاد، كان هو الأحق بهذه القوامة، التي هي في الحقيقة درجة مسؤولية وتكليف ... وليست للسيطرة والاستعلاء، إذ لابد لكل أمر هام من رئيس يتولى شؤون التدبير والقيادة. وقد جعل الله للرجال حق القيام على النساء بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة (١) . والحاصل: أن الرجل أكمل من المرأة، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والدنيوية، والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض، وغير ذلك من الأعمال والصنائع. ويقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: هذا خبر وأمر، أي: الرجال قوامون على النساء في أمور الدين والدنيا، يلزمونهن بحقوق الله، والمحافظة على فرائضه، ويكفونهن عن جميع المعاصي والمفاسد، وبتقويمهن بالأخلاق الجميلة والآداب الطيبة. وقوامون أيضا عليهن بواجباتهن من النفقة والكسوة والمسكن وتوابع ذلك؛ ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، أي: ذلك بسبب فضل الرجال عليهن وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات كلها مختصة بالرجال، وكذا النبوة والرسالة، وباختصاصهم بالجهاد البدني، ووجوب الجماعة والجمعة ونحو ذلك، وبما تميزوا به عن النساء من العقل والرزانة والحفظ والصبر والجلد والقوة التي ليست للنساء، وكذلك يده هي العليا عليها بالنفقات المتنوعة، بل وكثير من النفقات الأخر والمشاريع الخيرية، فإن الرجال يفضلون النساء بذلك كما هو مشاهد، ولهذا حذف المتعلق في قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، ليدل على التعميم، فعلم من ذلك أن الرجل

стр. 10

كالوالي والسيد على امرأته، وهي عنده أسيرة عانية تحت أمره وطاعته، فليتق الله في أمرها، وليقومها تقويما ينفعه في دينه ودنياه، وفي بيته وعائلته، يجد ثمرات ذلك عاجلاً وآجلاً، وإلا يفعل فلا يلومن إلا نفسه (١) . وحول بعض المباحث اللغوية والبلاغية في الآية يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي بتفضيل الله بعضهم على بعض، وبإنفاقهم من أموالهم إن كانت ((ما)) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضل الله به بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم إن كانت ((ما)) فيهما موصولة ... فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذب عنها وحراستها ... وهذا التفضيل ظهرت آثاره على مر العصور والأجيال، فصار حقا مكتسباً للرجال، وهذه حجة برهانية على كون الرجال قوامين على النساء، فإن حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة، وإن كانت تقوى وتضعف. وقولُه: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أن ذلك أمر قد تقرر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة، من أزواج وبنات. وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال، لأن الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارة والأبنية ونحو ذلك، وهذه حجة خطابية، لأنها ترجع إلى مصطلح غالب البشر، لاسيما العرب.. ومن بديع الإعجاز صوغ قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ

стр. 11

بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في قالب صالح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأن القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق. والموصولية مشعرة بأن سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم، ليصلح الخطاب للفريقين، عالمهم وجاهلهم ... ولأن في الإتيان بـ ((ما)) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا توجد في قولنا: بتفضيل الله وبالإنفاق، لأن العرب يرجحون الأفعال على الأسماء في طرق التعبير (١) .

стр. 12

صلاح الزوجة، مفهومه، وأثره في حياة الزوجين قال الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ قال القرطبي: هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج (١) . فقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي المستقيمات الدين، العاملات بالخير. وقولُه: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي مطيعات لله ولأزواجهن. وأصل القنوت مداومة الطاعة، ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. وقولُه: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره. وقولُه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي حفظ الله إياهن من معاصيه وما أمدهن به من معونته وتوفيقه (٢) . " وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسوله الله ﷺ : "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك"، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية. ثم قال ابن جرير: وهذا الخبر عن رسول الله ﷺ يدل على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه: صالحات في أديانهن، مطيعات لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهن وأموالهم (٣) .

стр. 13

ويقول محي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي: قولُه تعالى: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي مطيعات، والطاعة عام في طاعة الله وطاعة الأزواج، والصالحات: جمع محلى باللام، فيحمل على الاستغراق، فيدل على أن كل امرأة صالحة لابد أن تكون مطيعة لله تعالى دائماً ولزوجها كذلك، وأن تكون عند غيبة الزوج حافظة لموجوب الغيبة، وظاهر الآية إخبار، والمراد الأمر، فعلم منه أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لله تعالى ولزوجها حال حضوره، وحافظة لحق الزوج وحرمته حال غيبته (١) . وفي فتح القدير للشوكاني: قوله: (َالصَّالِحَاتُ) أي من النساء (قَانِتَاتٌ) أي مطيعات لله قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله وحقوق أزواجهن، (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن، من حفظ نفوسهن وحفظ أموالهم، و ((ما)) في قوله: (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) مصدرية، أي بحفظ الله، والمعنى: أنهن حافظات لغيب أزواجهن بحفظ الله لهن ومعونته وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهن من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة. ويجوز أن تكون ((ما)) موصولة والعائد محذوف. وقرأ أبو جعفر (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) بنصب الاسم الشريف، والمعنى: بما حفظن الله، أي حفظن أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم به. و ((ما)) على هذه القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى، أي بحفظهن الله، أو بالذي حفظن الله به (٢) .

стр. 14

وهذا الصنف من النساء، الموصوف بما تقدم في الآية يستدعي من الرجال إزاء تلك الصفات كل إكرام واحترام وشفقة وإحسان، مع القيام بكامل حقوقهن وحسن معاشرتهن، دون منٍ أو أذى، بل بكل مودة ورحمة وحسن أداء. أما الصنف الآخر منهن فله شأن آخر، وهو المذكور في الجزء الآتي من الآية.

стр. 15

نشوز الزوجة، مفهومه، وكيفية معالجته من قبل الزوج قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ هذا هو القسم الثاني من قسمي النساء اللاتي جعل الله للرجال عليهن حق القيام كما سبق، وهو خطاب للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن. (واللاتي) جمع التي، (تخافون) الخوف: هو ما يحصل للمرء من شعور بالفزع، وعدم الأمن عند توقع ضرر أو مكروه، وذلك بظهور بعض الإمارات الدالة عليه. (نشوزهن) : نشوز المرأة ترفعها على الزوج بمخالفته ومعصيته فيما يلزمها من طاعته، مأخوذ من نشز الأرض، وهو الموضع المرتفع منها (١) . يقول ابن جرير الطبري ﵀: وأما قوله: (نشوزهن) فإنه يعني استعلاءهن على أزواجهن، وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن، والخلاف عليهم فيما لزمهن طاعتهم فيه، بغضاً منهن وإعراضاً عنهم. وأصل النشوز: الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نشز، ونشاز (٢) . ونقل الفخر الرازي عن الإمام الشافعي ﵀ قوله: النشوز قد يكون قولاً وقد يكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها، ثم تغيرت، والفعل مثل أن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنها تغيرت

стр. 16

عن كل ذلك، فهذه إمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظُنّ نشوزها، ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز (١) . وفي تفسير المنار: قوله : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ... ﴾ النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع، فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه، وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يقال لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف، أو لِمَ لم يقل: واللاتي ينشزن؟، لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة، وهي: أن الله تعالى لما كان يحب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء إسناداً يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلاً، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع، لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو أولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية، فعليه أولاً أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها ... (٢) .

стр. 17

مراحل معالجة نشوز الزوجة المرحلة الأولى: مرحلة الوعظ قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ هذه أول مرحلة ينبغي أن يسلكها الزوج عند ظهور بعض إمارات النشوز من زوجته، فيذكرها ما أوجب الله له عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، وما له عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله وعذابه، فهو ترغيب بأجر الطاعة، وترهيب من عقوبة المعصية، فيما يتعلق بحق الزوج عليها. وقد قال الرسول ﷺ : "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها " (١) . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح" (٢) . وبالجملة ينبغي أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، وهذا يختلف باختلاف حال المرأة، فمنهن من يؤثر في نفسها التذكير بحكم الله ورسوله في وجوب طاعة الزوج وما يترتب على ذلك من الثواب، والتحذير من معصيته وما يترتب عليها من العقاب. ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من

стр. 18

سوء العاقبة في الدنيا، بذكر ما يترتب على ذلك من قطع حقوقها وإباحة هجرها وضربها ومنعها بعض طلباتها ورغباتها ونحو ذلك. واللبيب لا يخفى عليه الوعظ الذي له المحل في قلب امرأته (١) .

стр. 19

المرحلة الثانية: مرحلة الهجر في المضاجع قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ هذا لمن لم يتقومن بالوعظ والتذكير، ومعنى ((واهجروهن)) : من الهجران، وهو البعد، يقال: هجره أي تباعد منه ونأى عنه وتركه. والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع. قال ابن عباس: هجرها بأن يوليها ظهره في الفراش، ولا يلتفت إليها، وفي ضمنه ترك كلامها وجماعها. وإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فدل على كمال نشوزها. وقيل: المضاجع المبايت، والمراد تركهن منفردات في حجرهن ومحل مبيتهن، وفي ذلك ترك جماعهن وكلامهن. وقيل: الهجران في المضاجع كناية عن ترك الجماع، لأن إضافة الهجران إلى المضاجع يفيد ذلك. وقيل: (في) للسببية، أي اهجروهن بسبب المضاجع، أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس ﵄، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول. وقيل: اهجروهن: أي شدوهن بالوثاق في بيوتهن، من قولهم: هجر البعير، أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به البعير (٢) . واختاره

стр. 20

الطبري ﵀ دون سائر الأقوال، وانتصر له (١) . وهو وجه بعيد في تفسير الآية، وقد رده المفسرون؛ جاء في تفسير المنار: وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها، ويشق عليها هجره إياها، وذهب بعض المفسرين - ومنهم ابن جرير الطبري - أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها، بمعنى إعراضه عنها، وقالوا: إن معنى ((واهجروهن)) قيدوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار وهو القيد الذي يقيد به، وليس هذا الذي قالوه بشيء، وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن، فإن منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه، ومنهن من تنشز امتحاناً لزوجها، ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها ... ومنهن من تنشز لتحمل زوجها على إرضائها بما تطلب من الحلي والحلل أو غير ذلك، ومنهن من يغريها أهلها بالنشوز لمآرب لهم ...، وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه، لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى صفصف الموافقة (٢) . وفي في ظلال القرآن: قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ : والمضجع هو موضع الإغراء والجاذبية التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها، فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من يد المرأة الناشز

стр. 21

أمضى أسلحتها التي تعتز بها، وكانت في الغالب أميل إلى التراجع والملاينة أمام هذا الصمود من زوجها، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه في أحرج مواضعها ... على أن هناك أدباً معينا في هذا الإجراء إجراء الهجر في المضاجع، وهو ألا يكون هجراً ظاهراً في غير مكان خلوة الزوجين، لا يكون هجرا أمام الأطفال، يورث نفوسهم شراً وفساداً، ولا هجراً أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزاً، فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ولا إفساد الأطفال، وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء (١) . قلت: وإذا كان المقصود من الهجر في المضجع هو التأديب وإصلاح الحال، فينبغي أن يكون ذلك على قدر ما يفي بالغرض، دون التعدي والتشفي وما يلحق ذلك من البغض والكراهية، فإن هذا ليس من الهجر الجميل النافع، بل ذلك من الهجر المذموم الذي لا يحصل به تقويم ولا مصلحة، إنما يجر إلى مزيد من التنافر والتباعد والاختلاف، وما ينتج عنه من حقد وكراهية وهدم للحياة الزوجية.

стр. 22

المرحلة الثالثة: مرحلة الضرب قوله تعالى: ﴿َاضْرِبُوهُنَّ﴾ حين يستنفد الزوج وسائل الأدب الأخرى، من الوعظ والهجر، ثم لا يرى لذلك أثراً من إنابة وصلاح، فإن رأى - حينئذ - ضربها ناجعاً فله ذلك؛ وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. على أن يكون الضرب على قدر ما يحصل به الغرض، دون تجاوز أو تعد، لأن المقصود هو الزجر والتأديب،

стр. 23

لا الإيلام والإيذاء. وذلك هو ضرب الأدب غير المبرح وغير الشائن، بحيث لا يكسر عظماً ولا يتلف عضواً، ولا يورث شيناً أو جرحاً، ويتجنب الوجه، ولا يوالي به في موضع واحد، لئلا يعظم الضرر، ويقتصر فيه على قدر الكفاية (١) . ومع أن الضرب مباح إلا أن تركه أفضل، فقد أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذئاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله"؛ فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن (٢) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم " (٣) . وأخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤) . ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن، إلا لداع قوي. قال الفخر الرازي: وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في

стр. 24

المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق ... قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز، أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل (١) . وقال أبو حيان في تفسيره: قال الرازي ما ملخصه: يبدأ بلين القول في الوعظ، فإن لم يفد فبخشنه، ثم بترك مضاجعتها، ثم بالإعراض عنها كلية، ثم بالضرب الخفيف، كاللطمة واللكزة ونحوها، مما يشعر بالاحتقار وإسقاط الحرمة، ثم بالضرب بالسوط والقضيب اللين ونحوه، مما يحصل به الألم والإنكاء، ولا يحصل عنه هشم ولا إراقة دم ... وأي شيء من هذه رجعت به عن نشوزها على ما رتبناه لم يجز له أن ينتقل إلى غيره، لقولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ (٢) . والقرآن عندما أباح ضرب المرأة إنما جعله علاجاً يحتاج إليه عند الضرورة، فالمرأة إذا أساءت عشرة زوجها، وتمادت في صلفها ونشز غرورها، لا تكف ولا ترعوي عن عصيانها واستعلائها، فماذا يصنع الزوج في مثل هذه الحالة؟، أيهجرها ويستمر في هجرها، دون أن يرى لذلك أثراً؟، أم يطلقها؟، أم

стр. 25

يتركها تصنع ما تشاء؟. لقد أرشد القرآن الكريم إلى اتخاذ الطرق الحكيمة في معالجة هذا النشوز والعصيان، فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنفع كل هذه الوسائل، ورأى الزوج أن في ضربها كسراً لشأفة كبريائها واستعلائها، وخفضاً لصلفها ونشوزها، فيباح له - حينئذ - أن يضربها ضرباً غير مبرح، حيث اضطرته إلى ذلك، وللضرورة أحكامها. فضربها للتأديب والإصلاح أقل ضرراً من إيقاع الطلاق عليها إذا هي تمادت في عصيانها، ولم ترجع للطاعة وأداء الحق؛ إذ الطلاق هدم لكيان الأسرة وتمزيق لشملها. ثم إن الضرب ليس إهانة للمرأة - كما قد يظن البعض - وإنما هو طريق من طرق التقويم والتأديب والإصلاح، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس التي لا ينفع معها الجميل، ولا يقيمها إلا التأديب (١) . وفي تفسير المنار: يستكبر بعض مقلدة الإفرنج في آدابهم منا مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز وتترفع عليه، فتجعله وهو رئيس البيت مرؤوساً، بل محتقراً، وتصر على نشوزها حتى لا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ولا أدري بم يعالجون هؤلاء النواشز، وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به، لعلهم يتخيلون امرأة ضعيفة نحيفة، مهذبة أديبة، يبغي عليها رجل فظ غليظ، فيطعم سوطه من لحمها الغريض، ويسقيه من دمها العبيط، ويزعم أن الله تعالى أباح له مثل هذا ... وحاش لله أن يأذن بمثل هذا الظلم أو يرضى به ... (٢) .

стр. 26

والحاصل: أن الضرب علاج مر، قد يضطر إليه الزوج حين تصر المرأة على نشوزها، ولا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، فيباح له - حينئذ- أن يضربها ضرباً غير مبرح، يخفض من صلفها، ويردها عن نشوزها، فشرع تلك الوسائل والتوجيهات لمعالجة أعراض النشوز قبل استفحالها، وأحاطها بالتحذيرات من سوء استعمالها، وحدد صفتها، والنية المصاحبة لها، والغاية من ورائها. ومن المعلوم أن تلك الوسائل التأديبية لا مكان لها حال الوفاق بين الزوجين، فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما، يستدعي المعالجة، فحين لا تجدي الموعظة ولا يجدي الهجر في المضجع، فلا بد أن يكون هذا الإنحراف من نوع آخر، قد تجدي فيه وسيلة أخرى، وسيلة الضرب غير مبرح، لعل وعسى. وربما استنكر البعض ضرب المرأة الناشز، وعده ظلماً وجوراً واعتداءً بكل حال، وقد جار في حكمه هذا وما أنصف، نعم ((ولن يضرب خياركم)) ، وقد يستغني عن ذلك الخيّر الكريم، لكن بالمقابل قد يضطر إليه من ابتلي بمن لا ترجع عن صلفها ونشوزها إلا به، وللضرورة حكمها وقدرها. ثم إن الذي شرع ذلك وأباحه عند الحاجة إليه هو الخالق سبحانه، وهو أعلم بخلقه وما يناسب أحوالهم، وما يصلح به شأنهم، فجعل لكل حال حكم يناسبها في شرعه. وأي فساد يقع في الأرض إذا أبيح للرجل التقي الفاضل أن يخفض من صلف إحداهن ويردها عن نشز غرورها بلطمة أو لكزة خفيفة، أو ضربة يسيرة بسوط أو عصا، تؤدب وتصلح، ولا تؤذي أو تجرح؛ وذلك عندما تفسد الطباع وتسوء الأخلاق، ولم ير الرجل بداً منه، ولا ترجع المرأة عن نشوزها إلا به. أما عند ما تستجيب المرأة للنصح، أو تزدجر بالهجر، فلا مكان للضرب ولا سبيل إليه، فهو ضرورة زالت بزوال سببها، إذ نحن مأمورون بالرفق بالنساء

стр. 27

واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان (١) . أخرج أبو داود في سننه من حديث حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟، قال: " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت " (٢) . أما إذا ما استمرت المرأة في نشوزها وتعاليها على زوجها، فلم تستجب لنصحه وطلبه، ولم تقم بما عليها من حقه، فإن ذلك يسقط حقها في النفقة وغيرها، حتى ترجع عن نشوزها. وهذا من الأحكام المترتبة على النشوز من قبل المرأة. جاء في تفسير القرطبي: قال ابن خويزمنداد: والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح، والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها، وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها. وقال ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعاً بالغين، إلا الناشز منهن الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله، سقطت عنه نفقتها، إلا أن تكون حاملاً (٣) . قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾

стр. 28

أي فإن رجعن وانقدن إلى ما أوجب الله عليهن من طاعتكم، وحصل المقصود بواحدة من تلك الخصال التأديبية ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي فلا سبيل لكم عليهن بعد ذلك بالتعنت والإيذاء بالهجران والضرب ونحوه. فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة، فالمضي في تلك الإجراءات بعد الرجوع عن النشوز إلى الطاعة المعروفة بغي وتحكم، فمتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عما في السرائر ولا تكلفوهن ما ليس بأيديهن، من محبتكم وميول قلوبهن إليكم، كما ينبغي تناسي الأمور السالفة وعدم ذكرها، فإن ذلك أحرى لدوام الوفاق والائتلاف، والبعد عن أسباب الفرقة والاختلاف. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ أي له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. الكبير الذي لا أكبر منه، ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات (١) . وفي ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين تمام المناسبة، فإنه لما كان في تأديبهن بما أمر الله تعالى به الزوج اعتلاء للزوج على المرأة، ختم تعالى الآية بصفة العلو والكبر، لينبه العبد على أن المتصف بذلك حقيقة هو الله تعالى، وإنما أذن لكم فيما أذن على سبيل التأديب لهن، فلا تستعلوا عليهن، ولا تتكبروا عليهن، فإن ذلك ليس مشروعاً لكم، وفي هذا وعظ عظيم للأزواج وإنذار لهم بأن قدرة الله عليكم فوق قدرتكم عليهن (٢) ، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر، كبير قادر،

стр. 29

ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن، وأكبر درجة، فالله أعلى وأكبر، فاتقوه، واحذروا عقوبته وانتقامه.

стр. 30

خوف الشقاق بين الزوجين، مفهومه، وأسبابه قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ سورة النساء: ٣٥. قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الخوف هنا بمعنى العلم والتيقن، لا مجرد الظن، أي وإن علمتم وتأكدتم حصول الشقاق والمخالفة المؤدي إلى التخاصم والترافع، بسبب استمرار النشوز وشدة الاختلاف والتنازع؛ وبهذا قال جمهور المفسرين (١) ، وهو الظاهر من سياق الآية ودلالتها، كالأمر ببعث الحكمين والحث على إرادة الإصلاح والتوفيق ونحوه. وقيل: الخوف هنا بمعنى الظن وتوقع حصول الشقاق بظهور أسبابه (٢) . ولعل مراد القائلين بالظن هنا هو ظن ازدياد الشقاق وتفاقم أمره فوق ما هو عليه، أما الشقاق من حيث وجوده وظهوره، فظاهر موجود، وإلا لما كان لبعث الحكمين معنى. جاء في تفسير الفخر الرازي: قال ابن عباس: ((خفتم)) علمتم، قال: وهذا بخلاف قوله: ﴿َاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له إمارات النشوز، فعند ذلك يحصل الخوف، وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزاً، فوجب حمل الخوف هاهنا على العلم (٣) .

стр. 31

والحاصل أن حال المرأة مع زوجها إما الطواعية، وإما النشوز، والنشوز إما تعقبه الطواعية، وإما النشوز المستمر، فإن أعقبته الطواعية فتعود كالطائعة أولاً، وإن استمر النشوز واشتد، بعث الحكمان (١) ، وهو المراد بخوف الشقاق هنا. والشقاق، والمشاقة: غلبة العداوة والخلاف، شاقه مشاقة وشقاقاً: خالفه، فالشقاق: العداوة بين فريقين، والخلاف بين اثنين، سمي ذلك شقاقاً، لأن كل فريق من فرقتي العداوة قصد شقاً أي ناحية غير شق صاحبه؛ كذا في اللسان (٢) . ويقول ابن جرير الطبري: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حق الله عليها، الذي ألزمها الله لزوجها؛ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان. والشقاق: مصدر من قول القائل: شاق فلان فلاناً، إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقاً، وذلك قد يكون عداوة (٣) . فاشتقاقه من الشق - بكسر الشين - وهو الجانب، لأن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر. ويمكن أن يكون مشتقا من الشق - بفتح الشين - وهو الصدع والتفرع، ومنه قولهم: شق عصا الطاعة، فإن كل واحد من المتخالفين يقول أو يفعل ما يشق على الآخر (٤) .

стр. 32

وجملة ذلك أن أصل الشقاق إما من الشق، وهو الجانب، فإن كل واحد من المتخالفين صار في شق غير شق الآخر. وإما المشاقة، مفاعلة من الشقاق، وهو الخلاف، فإن كلا من المتخالفين يفعل ما يشق على الآخر. وقولُه: (شقاق بينهما) أصله: شقاقاً بينها، فأضيف الشقاق إلى الظرف ((بين)) على سبيل الاتساع، إما لإجراء الظرف مجرى المفعول به، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ (١) ، أصله: بل مكر في الليل والنهار. أو مجرى الفاعل، بجعل البين مشاقاً، والليل والنهار ماكرين، كما في قولهم: نهاره صائم (٢) . وفي تفسير القرطبي: قوله: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ المراد: وإن خفتم شقاقاً بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، كقولك: يعجبني سير الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة، وفي التنْزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ (٣) ؛ وقيل: إن ((بين)) أجري مجرى الأسماء، وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما (٤) . والضمير في ((بينهما)) عائد على الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداءً من قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ .

стр. 33

الحكمان، وما يتعلق ببعثهما، ووصفهما، ووظيفتهما، وما يترتب على حكمهما وقوله: ﴿َابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ الخطاب في ((وإن خفتم)) وفي ((فابعثوا)) للحكام، ومن يتولى الفصل بين الناس، وهو قول الجمهور (١) . وذلك أن الإمام أو نائبه هو الذي يلي أمر الناس في العقود والفسوخ، وله نصب الحكمين، وهو الذي يتولى فصل الخصومات وفض النزاعات، والمنع من التعدي والظلم، وإليه يكون الترافع وتنفيذ الأحكام. ثم إنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأن للزوج أن يعظها، ثم يهجرها في المضجع إن لم تنْزجر، ثم يضربها إن أصرت على نشوزها، ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم، ويتوجه حكمه عليهما، وهو السلطان الذي بيده سلطة الحكم والتنفيذ. وقيل: الخطاب في ذلك عام، ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما، فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك، وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك. فهو خطاب لكل أحد من صالحي الأمة، لأن قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ خطاب للجمع، وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يكون أمراً لآحاد الأمة، سواء وجد الإمام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكماً من أهله

стр. 34

وحكماً من أهلها، وأيضاً فهو يجري مجرى دفع الضرر، فلكل واحد أن يقوم به (١) . قال صاحب تفسير المنار: وكلا القولين وجيه، فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة، والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض، ويعينه على ما تحسن به حاله (٢) . قلت: والظاهر - والله أعلم - أن بعث الحكمين إن كان لأجل الفصل والقضاء فإن ذلك مما يتعلق بمن بيده سلطة الحكم والتنفيذ، وهو الحاكم أو من يقوم مقامه. أما إن كان بعثهما للتوفيق وإصلاح ذات البين فيترجح القول بالعموم؛ والله أعلم. وقد ذكر ابن جرير الطبري في ذلك قولين: أحدهما: ما أخرجه عن سعيد ابن جبير والضحاك: أن المأمور بذلك هو السلطان. والآخر: ما أخرجه عن السدي: أن المأمور بذلك الزوجان. ثم يقول الطبري بعد ذلك: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ إن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض، وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين، وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.

стр. 35

واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومن المأمور بالبعثة في ذلك، الزوجان، أو السلطان، ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله ﷺ ، والأمة فيه مختلفة. وإذا كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصاً من الآية من أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شملهم حكم الآية (١) . والحكم: هو من يصلح للحكومة بين الناس، والفصل بين المتنازعين، والسعي لإصلاح ذات البين. ويشترط في الحكمين الصفات التي تخولهما الحكم في الخلاف بين الزوجين، بأن يكونا ثقتين، عدلين، حسني السياسة والنظر في حصول المصلحة، عالمين بحكم الله في الواقعة التي حكّما فيها. وظاهر الآية أنه يشترط في الحكمين أن يكونا من الأقارب، لقوله تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، وأن ذلك على سبيل الوجوب، ولكن العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا: إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشد طلباً للإصلاح، وأبعد عن الظنة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كل من الزوجين من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل

стр. 36

الزوج، والآخر من أهل الزوجة (١) . وظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة (٢) . والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين، لينظرا في شكوى كل منهما، وما يدعيه على الآخر، وليعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما. وذلك إذا أشكل أمر الزوجين بسبب استمرار النزاع المعبر عنه بالشقاق، كأن يدعي عليها الزوج النشوز، وتدعي عليه هي ظلمه وتقصيره في حقوقها، ثم لا يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية (٣) . وظاهر النص الأمر ببعث الحكمين عند حصول الشقاق بين الزوجين، ليجتهدا في الإصلاح والتوفيق بينهما، وإزالة ما بينهما من الوحشة والشقاق، ومعرفة مصدر الشكوى من كل منهما، وإقناع كل منهما بالحق، وتذكيره بما أوجب الله عليه لصاحبه من حسن الصحبة وجميل العشرة، وما يلحقه من الإثم والعقاب بالمخالفة والعصيان، وما عسى أن يترتب على ذلك من انحلال عرى الزوجية، وهدم كيان الأسرة، وضياع الولد إن كان. فإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما، فهل لهما ذلك دون الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذن منهما؟.

стр. 37

المسألة خلافية: ١- فذهبت طائفة إلى أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريان فيه المصلحة، من جمع وتفريق، بعوض وغير عوض، ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما. والتفريق في ذلك طلاق بائن؛ وبهذا قال مالك، وإسحاق، والأوزاعي، وهو مروي عن علي، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، وابن المنذر (١) . واستدلوا بقولِه تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين. قالوا: فهذا نص من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كل واحد منهما فلا ينبغي أن يركب معنى أحدهما على الآخر (٢) . وأخرج ابن جرير الطبري بسنده من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره

стр. 38

ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ قال: هما الحكمان يوفق الله بينهما (١) . كما أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني، قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى علي ﵁، مع كل واحد منهما فئام (٢) من الناس، فقال علي ﵁: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي ﵁: كذبت، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (٣) . وجه الدلالة: أن الحكمين لو كانا وكيلين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما. كما أن قوله: ((عليكما إذا رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا)) دليل على أن لهما سلطة القاضي. قالوا: وليس المراد من قول علي ﵁ للرجل: ((حتى تقر)) أن رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة لما رضيت بما في كتاب الله تعالى، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني ليست الفرقة في كتاب الله، فقال له علي: كذبت، حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، فإن قوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ يشتمل على الفراق وعلى غيره، لأن التوفيق أن يخرج كل

стр. 39

واحد منهما من الإثم والوزر، وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حاليهما في الوصلة (١) . وأخرج الطبري بسنده عن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة، فكان بينهما كلام، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما وقد اصطلحا (٢) . والشاهد فيه: قول ابن عباس: ((لأفرقن بينهما)) ، وقول معاوية: ((ما كنت لأفرق)) حيث جعل أحدهما التفريق إليه، دون إذن الزوجين أو رضاهما، وجعل الآخر إليه عدم التفريق، فدل ذلك على أنهما بمنزلة القاضي، فهو يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه. وممن اختار القول في المبعوثين بأنهما حاكمان لا وكيلان العلامة ابن القيم (٣) ، والقاضي أبو بكر ابن العربي (٤) ، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٥) ﵏ جميعاً. قال ابن القيم: وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين، هل هما حاكمان أو وكيلان؟، على قولين: أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في قول، وأحمد في رواية.

стр. 40

والثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر، وهذا هو الصحيح. والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلاً من أهله، ولتبعث وكيلاً من أهلها. وأيضا: فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل. وأيضا: فإنه جعل الحكم إليهما، فقال: ﴿إِِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. وأيضا: فإن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص. وأيضا: فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضا: فإن الحكم أبلغ من حاكم، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل، دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه. وأيضا: فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: (وإن خفتم شقاق بينهما) فمروهما أن يوكلا وكيلين، وكيلاً من أهله، ووكيلا من أهلها، ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح ... فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم؛ والله أعلم (١) . ا?.
следующие страницы →