Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
اللغَة: ﴿تَحِلَّةَ﴾ تحليل اليمين بالكفارة ﴿صَغَتْ﴾ مالت عن الحقِّ وزاغت، وأصغى الإِناء أماله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات من القنوت وهو ملازمة الطاعة مع الخضوع ﴿نَّصُوحاً﴾ خالصة صادقة، والتوبةُ النَّصوح هي التي لا عودة بعدها إِلى الذنب، سميت نصوحاً لما فيها من الصدق والإِخلاص يقال: هذا عسلٌ ناصح إِذا خلص من الشمع ﴿اغلظ﴾ من الغلظة وهي الشدة ﴿أَحْصَنَتْ﴾ عفَّت وصانت نفسها عن مقارنة الفاحشة.
سَبَبُ النّزول: أروي «أنَّ النبي ﷺ َ كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ َ في زيارة أبويها فأذن لها، فلما خرجت أرسل إِلى جاريته» مارية القبطية «فعاشرها في بيت حفصة، فرجعت فوججتها في بيتها، فغارت غيرةً شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في
стр. 1437
غيابي وعاشرتها على فراشي؟ ﴿ما أراك فعلت هذا إِلا لهواني عليك﴾ فقال لها رسول الله ﷺ َ مسترضياً لها: إِني حرمتها عليَّ ولا تخبري بذلك أحداً، فلما خرج من عندها قرعت فحصة الجدار الذي بينها وبين عائشة وكانتا متصافيتين وأخبرتها بسرِّ النبي ﷺ َ فغضب رسول الله وحلفت ألا يدخل على نسائه شهراً واعتزلهن» فأنزل الله ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ. .﴾ الآية.
ب وروي «أن رسول الله ﷺ َ كان يدخل على زوجه» زينب «﵂ فيشرب عندها عسلاً، فاتفقت عائشة وحفصة على أن تقول له كل واحد إِذا دنا منها: أكلتَ معافير وهو طعام حلٌ كريه الريح فلما مرَّ على حفصة قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له مثل ذلك وكان ﷺ َ يكره أن توجد منه رائحة كريهة فقال ﵇: لا ولكني شربت عسلاً عند زينب ولن أعود له وحلف» فنزلت ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ. .﴾ الآيات.
التفسِير: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ الخطاب بلفظ النبوة مشعرٌ بالتوقير والتعظيم، والتنويه بمقامه الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله «يا إِبراهيم، يا نوحٌ، يا عيسى بن مريم» وإنما خاطبه بلفظ النبوة أو الرسالة، وذلك أعظم دليلٍ وبرهانٍ على أنه صلوات الله عليه أفضل الأنبياء والمرسلين ومعنى الآية: يا أيها الموحى إِليه من السماء، المنبأ بواسطة الأمين جبريل ﵇، لما تمنع نفسك ما أحلَّ الله لك من النساء؟! قال المفسرون: إِن رسول الله ﷺ َ خلا بأم ولده «مارية» في بيت حفصة وعلمت بذلك فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي فنزلت الآية ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ وفي افتتاح العتاب من حسن التلطف ما لا يخفى، فقد عاتبه على إِتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضاة أزواجه، كأنه يقول: لا تتعب نفسك في سبيل أزواجك، وأزواجك يسعين في مرضاتك، فأرح نفسك من هذا العناء ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ؟ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحلَّ الله لك؟
стр. 1438
قال في التسهيل: يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية، وإِنما عاتبك رحمة بك، وفي هذه إشارة إِلى أن عتابه في ذلك إِنما كان كرامةً له، وإِنما وقع العتاب لتضييقه ﵇ على نفسه، وامتناعه مما كان له فيه أُنسٌ ومتعة، وبئس ما قاله الزمخشري في أن هذا كان منه ﷺ َ زلة لأنه حرَّم ما أحل الله له الخ فإِن هذا القول قلة أدب مع مقام النبوة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه صلوات الله عليه تحريمٌ للحلال كما زعم حتى تعبتر مخالفة ومعصية، وإِنما امتنع عن بعض إِمائه تطييباً لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقاً به، وتنويهاً بقدره، وإِجلالاً لمنصبه ﵇ أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جرياً على ما أُلف من لطف الله تعالى به ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي قد شرع الله لكم يا معشر المؤمنين ما تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة ﴿والله مَوْلاَكُمْ﴾ أي واللهُ وليْكم ونارصكم ﴿وَهُوَ العليم الحكيم﴾ أي وهو العليم بخلقه الحكيم في صنعه، فلا يأمر ولا ينهى إِلا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
. ثم شرع تعالى في بيان القصة التي حدثت لرسول الله ﷺ َ مع بعض زوجاته فقال ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ أي واذكر حين أسرَّ النبي محمد ﷺ َ إِلى زوجاته حفصة خبراً واستكتمها إِياه قال ابن عباس: هو ما أسرَّ إِلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه، كما أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبي بكر وعمر، وطلب منها ألا تخبر بذلك أحداً ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي فلما أخبرت بذلك السرِّ عائشة وأفشته لها ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي وأطلع الله نبيه بواسطة جبريل الامين على إفشائها للسرِّ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي أعلمها وأخبرها رسول الله ﷺ َ ببعض الحديث الذي أفشته معاتباً لها، ولم يخبرها بجميع ما حصل منها حياءً منه وكرماً، فإِن من عادة الفضلات التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب قال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام قال الخازن: المعنى أن النبي ﷺ َ أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية على نفسه، وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه ﷺ َ كره أن ينتشر ذلك في الناس ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي فلما أخبر الرسول حفصة بأنها قد أفشت سرِّه ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي قالت: من أخبرك يا رسول الله بأني أفيشتُ سرك؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة أن عائشة فضحتها وكانتك قد استكتمتها فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبيت، فأخبرها أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به فسكتت وسلَّمت ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ أي فقال ﵇: أخبرني بذلك ربُّ العزة، العليم بسرائر
стр. 1439
العباد، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ الخطاب لحفصة وعائشة، خاطبهما بطريق الالتفات ليكون أبلغ من معاتبتهما وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإِيذاء لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إِن تبتما كان خيراً لكما من التعاون على النبي ﷺ َ بالإِيذاء ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الإِخلاص لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي وإِن تتعاونا على النبي ﷺ َ بما يسوءه، من الوقيعة بينه وبين سائر نسائه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي فإنَّ الله تعالى هو وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عوناً له ﵊ ُ عليهما قال في التسهيل: معنى الآية: إِن تعاونتما عليه ﷺ َ بما يسوءه من إِفراط الغيرة، وإِفشاء سره ونحو ذلك، فإِنَّ له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إِلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: ما يشقُّ عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهنَّ فإنَّ الله معك وملائكته وجبريل، وأبو بكر وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح المؤمنين أعوانٌ لرسول الله ﷺ َ على من عاداه، فماذا يفيد تظاهر أمرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصارهُ؟! أفرد ﴿جِبْرِيلُ﴾ بالذكر تعظيماً له، وإِظهاراً لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذُكر مرتين: مرةً بالإِفراد، ومرةً في العموم، ووسَّط ﴿صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بين جبريل والملائكة تشريفاً لهم، واعتناءً بهم، وإِشادةً بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر ﴿الْمَلاَئِكَةُ﴾ أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي ﵇ ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إِذ هم بمثابة جيشٍ جرارس، يملأ القفار، نصرةً للنبي المختار، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوىء الرسول ﷺ َ بعد ذلك؟ ثم خوَّف تعالى نساء النبي بقوله ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ قال المفسرون: ﴿عسى﴾ من الله واجبٌ أي حقٌّ واجب على الله إِن طلقكنَّ رسوله ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي أن يعطيه ﵇ بدلكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ خيراً وأفضل منكنَّ قال القرطبي: هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساءً خيراً منهن، والله عاملٌ بأنه لا يطلقهن، ولكنْ أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو طلقهن، لأبدله خيراً منهن، تخويفاً لهنَّ.
. ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهنَّ فقال ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي خاضعات مستسلماتٍ لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي مصدقاتٍ بالله وبرسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي مطيعات لما يُؤمرن به، مواظباتٍ على الطاعة ﴿تَائِبَاتٍ﴾ أي تائباتٍ من الذنوب، ولا يصررن على معصية ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي متعدباتٍ لله تعالى يكثرن العبادة، كأنَّ العدباة امتزجت بقلوبهن حتى صارت
стр. 1440
سجيةً لهن ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي مسافراتٍ مهاجراتٍ إِلى الله ورسوله ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ أيم منهنَّ ثيباتٍ، ومنهم أبكاراً قال ابن كثير: قسمهن إِلى نوعين ليكون ذلك أشهى إِلى النفس، فإنَّ التنوع يبسط النفس، وإِنما دخلت واو العطف على هنا ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سرَّ القرآن. . ولما وعظ نساء الرسول موعظةً خاصة، أتبع ذلك بموعظةٍ للمؤمنين فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي يا من صدقتم بالله ورسوله وأسلمتم وجوهكم لله، احفظوا أنفسكم، وصونوا أزواجكم وأولادكم، من نارٍ حامية مستعرة، وذلك بترك المعاصي وفعل الطاعات، وبتأديبهم وتعليمهم قال مجاهد: أي اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله وق لالخازن: أي مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم حتى تقوهم بذلك من النار، والمراد بالأهل النساءُ والأولاد وما ألحق بهما ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ أي حطبها الذي تُسعَّر به نار جهنم هو الخلائق والحجارة قال المفسرون: أرد بالحجارة حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حراً، وأسرع اتِّقاداً، وعنى بذلك أنها مفرطة الحرارة، تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه قال ابن مسعود: حطبها الذي يلقى فيها بنو آدم، وحجارةٌ من كبريت، أنتن من الجيفة ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ أي على هذه النار زبانيةٌ غلاظ القلوب، لا يرحمون أحداً، مكلفون بتعذيب الكفار قال القرطبي: المراد بالملائكة الزبانية، وهم غلاظ القولب لا يرحمون إِذا استرحموا، لأنهم خلقوا من الغضب، وحُبّب إِليهم عذاب الخلق كما حُبب لبني آدم أكل الطعام والشراب ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي لا يعصون أمر الله بحالٍ من الأحوال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي وينفِّذون الأوامر بدون إِمهال ولا تأخير.
. ثم يقال للكفار عند دخولهم النار ﴿ياأيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم﴾ أي لا تعتذروا عن ذنوبكم وإِجرامكم، فلا ينفعكم اليوم الاعتذار، لأنه قد قُدّم إِليكم الإِنذار والإِعذار ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إِنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئاً كقوله تعالى ﴿اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ [غافر: ١٧] ثم دعا المؤمنين إِلى التوبة الصادقة الناصحة فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي توبوا إِلى الله من ذنوبكم توبةً صادقةً خالصة، بالغةً في النصح الغاية القصوى، سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: هي أن يتوب ثم لا يعود إِلى الذنب، كما لا يعود اللبن إِلى الضَّرْع قال العلماء: التوبة النصوح هي التي جمعت ثلاثة شروط: الإِقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، والعزم على عدم العودة إِليه، وإِن كان الحق
стр. 1441
لآدمي زيد شرط رابع وهو: ردٌّ المظالم لأصحابها ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي لعل الله يرحمكم فيمحو عنكم ذنوبكم قال المفسرون: «عسى» من الله واجبة بمنزلة التحقيق، وهذا إِطماعٌ من الله لعباده في قبول التوبة، تفضلاً منه وتكرماً، لأن العظيم إِذا وعد وَفَّى، وعادة الملوك أنهم إِذا أرادوا فعلا قالوا «عسى» فهو بمنزلة المحقق ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي ويدخلكم في الآخرة حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ أي يوم لا يفصح الله النبي وأتباعه المؤمنين أمام الكفار، بل يعزهم ويكرمهم قال أبو السعود: وفيه تعريضٌ بمن أخزاهم اللهُ تعالى من أهل الكفار والفسوق ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أي نور هؤلاء المؤمنين يضيء لهم على الصراط، ويسطع أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، كإِضاءة القمر في سواد الليل ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي يدعون الله قائلين: يا ربنا أكمل علينا هذا النور وأدمه لنا، ولا تتركنا نتخبط في الظلمات قال ابن عباس: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، يدعون ربهم به إِشفاقاً حتى يصلوا إِلى الجنة ﴿واغفر لَنَآ﴾ أي وامح عنا ما فرط من الذنوب ﴿إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إنك أنت القادر على كل شيء، من المغفرة والعقاب، والرحمة والعذاب. . ثم أمر تعالى بجهاد أعداء الله من الكفرة والمنافقين فقال ﴿ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ أي جاهد الكفار بالسيف والسِّنان، والمنافقين بالحجة والبرهان، لأن المنافقين يظهرون الإِيمان، فيهم مسلمون ظاهراً فلذلك لم يؤمر ﵊ ُ بقتالهم ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ أي وشدِّد عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم بالرأفة واللين، إِرعاباً وإِذلالاً لهم، لتنكسر صلابتهم وتلين شكيمتهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي ومستقرهم في الآخرة جهنم ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي وبئست جهنم مستقراً ومصيراً للمجرمين.
. ثم ضرب الله تعالى مثلاً للكفار في عدم انتفاعهم بصلة القرابة أو المصاهرة أو النكاح، لأن الأسباب لكها تنقطع يوم القيامة ولا ينفع إِلا العمل الصالح فقال ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ﴾ أي مثلَّل تعالى للكفار في عدم استفادتهم بقرابة المؤمنين، بحال امرأة نوحٍ وامرأة لوط ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي كانتا في عصمة نبيين عظيمين هما «نوح و» لوط «﵉، وإِنما وصفهما بالعبودية تشريفاً وتكريماً لهما بإِضافتهما إِليه تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي فخانت كل واحدة زوجها بالكفر وعدم الإِيمان، فلم يدفعا عن امرأتيهما
стр. 1442
مع نبوتهما شيئاً من عذاب الله ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ أي وتقول لهما خزنة النار يوم القيامة: ادخلا نار جهنم مع سائر الداخلين، من الكفرة المجرمين قال القرطبي: ضرب تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني في الآخرة أحدٌ عن قريبٍ ولا نسيب، إِذا فرَّق بينهما الدين، كما لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصتا شيئاً من عذاب الله ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ﴾ وهذا مثلٌ آخر للمؤمن في عدم تضرره ببقاء قريبه على الكفر إِذا كان هو مؤمناً قال أبو السعود: أي جعل حالها مثلاً لحال المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم، حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله» فرعون «وهي في أعلى غرف الجنة قال المفسرون: واسمها» آسية بنت مزاحم «آمنت بموسى ﵇، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقلتها، فنجَّاها الله من شره، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ أي حين دعت ربها قائلةً: يا ربِّ اجعل لي قصراً مشيداً بجوار رحمتك في جنة النعيم قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام فقد اختارت الجار قبل الدار حيث قالت ﴿ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور، وفي الآية دليل على إِيمانها وتصديقها بالبعث ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ أي وأنقذني من كفر فرعون وطغيانه ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي وأنقذني من الأقباط، أتباع فرعون الطاغين، قال الحسن: لما دعت بالنجاة نجَّاها الله تعالى أكرم نجاة، فرفعها إِلى الجنة تأكل وتشرب وتتنعم ﴿وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ﴾ أي ومريم ابنة عمران مثلٌ آخر في الإِيمان ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي حفظت فرجها وصانته عن مقارنة الفواحش، فهي عفيفةٌ شريفة طاهرة، لا كما زعم اليهود عليهم لعنة الله، أنها زنت وأن ولدها عيسى ابن زنى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ أي فنفخ رسولنا جبريل في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إِلى فرجها فحملت بعيسى قال ابن كثير: إن الله بعث جبريل فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى ﵇ ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي وآمنت بشرائع الله القدسية، وكتبه السماوية ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ أي وكانت من القوم المطيعين، العابدين لله ، وهو ثناءٌ عليها بكثرة العبادة والطاعة، والخشوع، وفي الحديث
«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إِلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بن خوليد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين حرَّم وأحلَّ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ﴾ وبين ﴿عَرَّفَ. . وَأَعْرَضَ﴾ وبين ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ وكلها من المسحنات البديعية التي تزيد في جمال الكلام.
стр. 1443
٢ - الإلتفات من الغيبة إِلى الخطاب ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ زيادةً في اللوم والعتاب.
٣ - صيغ المبالغة ﴿العليم الخبير﴾ ﴿نَّصُوحاً﴾ ﴿ظَهِيرٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ الخ.
٤ - ذكر العام بعد الخاص ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ فقد خصَّ جبريل بالذكر تشريفاً، ثم ذكره ثانية مع العموم اعتناءً بشأن الرسول ﷺ َ ووسَّط صالح المؤمنين بين الملائكة المقربين.
٥ - المجاز المرسل ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ ذكر المسبِّب وأراد السبب أي لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله.
٦ - المقابلة بين مصير أهل الإِيمان ومصير أهل الطغيان ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ و ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ .
٧ - التغليب ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ غلَّب الذكور على الإِناث.
٨ - السجع المرصَّع كأنه اللؤلؤ والمرجان، وهو كثير في القرآن فتدبره بإِمعان.
стр. 1444
اللغَة: ﴿طِبَاقاً﴾ بعضها فوق بعض، من طابق النعل بالنعل إِذا قطعه بقدره وجعله فوقه ﴿فُطُورٍ﴾ شقوق وخروق، من فطر بمعنى شق قال الشاعر:
بنى لكمو بلا عَمدٍ سماءً ... وسوَّاها فما فيها فُطور
﴿حَسِيرٌ﴾ كليل من الحسور وهو الإِعياء يقال حسر البعير إِذا كلَّ وانقطع قال الشاعر:
نظرتُ إِليها بالمحصب من منى ... فعاد إِليَّ الطَّرف وهو حسير
стр. 1445
﴿شَهِيقاً﴾ صوتاً منكراً كصوت الحمير ﴿تَمَيَّزُ﴾ تتقطع وينفصل بعضها من بعض، وأصلها تتميَّز حذفت احدى التاءين تخفيفاً ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ أطرافها ونواحيها، وأصل المنكب: الجانب ومنه منكب الرجل ﴿لَّجُّواْ﴾ تمادوا وأصروا ﴿تَمُورُ﴾ ترتج وتضطرب ﴿زُلْفَةً﴾ قريباً منهم ﴿غَوْراً﴾ غائراً ذهباً في الأرض.
التفسِير: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي تمجَّد وتعالى اللهُ العلي الكبير، المفيض على المخلوقات من فنون الخيرات، الذي بقبضة قدرته ملك السموات والأرض، يتصرف فيهما كيف يشاء قال ابن عباس: بيده الملك، يعزُّ من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وهو القادر على كل شيء له القدرة التامة، والتصرف الكامل في كل الأمور، من غير منازع ولا مدافع. . ثم بيَّن تعالى آثار قدرته، وجليل حكمته فقال ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ أي أوجد في الدنيا الحياة والموت، فأحيا من شاء وآمات من شاء، وهو الواحد القهار، وإِنما قدم الموت لأنه أهيب في النفوس وأفزع قال العلماء: ليس الموت فناءاً وانقطاعاً بالكلية عن الحياة، وإِنما هو انتقال من دار إِلى دار، ولهذا ثبت في الصحيح أن الميت يسمع، ويرى، ويُحسُّ وهو في قبره كما قال ﵇ «إنَّ أحدكم إِذا وضع في قبره وتولَّىعنه أصحابه وإِنه ليسمع قرع نعالهم» الحديث وقال ﷺ َ: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم لكنهم لا يجيبون» فالموتُ هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقتها للجسد ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي ليمتحنكم ويختبركم أيها الناس فيرى المحسن منكم من المسيء قال القرطبي: أي يعاملكم معالمة المختبر، فإن الله تعالى عالم بالمطيع والعاصي أزلاً ﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي الغالبُ في انتقامه ممن عصاه ﴿الغفور﴾ لذنوب من تاب وأناب إِليه ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً﴾ أي لست ترى أيها السامع في خلق الرحمن البديع من نقص أو خلل، أو اختلاف أو تنافر، بل هي في غاية الإِحكام والإِتقان، وإِنما قال ﴿فِي خَلْقِ الرحمن﴾ ولم يقل «فيهن» تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على باهر قدرة الله ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ ؟ أي فكرّر النظر في السموات وردّده في خلقهن المحكم، هل ترى من شقوق وصدوع؟ ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي ثم ردِّد النظر مرةً بعد أُخرى، وانظر بعين الاعتبار في هذه السموات العجيبة، مرةً بعد مرة ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً﴾ أي يرجع إِليك بصرك خاشعاً ذليلاً، لم ير ما تريد ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي وهو كليلٌ متعب قد بلغ الغاية في الإِعياء قال الإِمام الفخر: المعنى إِنك إِذا كررت نظرك لم يرجع إِليك بصرك بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل رجع خاسئاً مبعداً لم ير ما يهوى مع الكلال والإِعياء وقال القرطبي: أي ارددك طرفك وقلّب البصر في السماء ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أي مرةً بعد أخرى، يرجع إِليك البصر خاشعاً صاغراً، متباعداً عن أن يرى شيئاً من ذلك العيب والخلل، وإنما أمر بالنظر كرتين، لأن
стр. 1446
الإِنسان إِذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه، ما لم ينظر إِليه مرة أخرى، والمراد بالكرتين التكثير بدليل قوله ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وهو دليلٌ على كثرة النظر.
. ثم بيَّن تعالى ما زين به السماء من النجوم الزاهرة والكواكب الساطعة فقال ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ أي خلق سبع سمواتٍ متطابقة، بعضها فوف بعض، كل سماء كالقبة للأُخرى ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ اللام لام القسم و ﴿قد﴾ للتحقيق والمعنى والله لقد زينا السماء القريبة منكم أيها الناس بكواكب مضيئة ساطعة، هي السماء الأولى أقرب السموات إِلى الأرض قال المفسرون: سميت الكواكب مصابيح لإِضاءتها بالليل إضاء السراج ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ أي وجعلنا لها فائدةً أُخرى وهي رجم أعدائكم الشياطين، الذين يسترقون السمع قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاثٍ: زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر وقال الخازن: فإِن قيل: كيف تكون زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وكونها زينة يقتضي بقاءها، وكونها رجوماً يقتضي زوالها، فيكف الجمع بين هاتين الحالتين؟ فالجواب أنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة وتُرمى الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب، ومثلها كمثل قبسٍ يؤخذ من النار وهي على حالها، أقول: ويؤيده قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فعلى هذا، الكواكب لا يرجم بها؛ وإِنما يكون الرجم بالشهب ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ أي وهيأنا وأعددنا للشياطين في الآخرة بعد الإِحراق بالشهب في الدنيا العاذب المستعر، وهو النار الموقدة ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي وللكافرين بربهم عذاب جهنم أيضاً، فليس العذاب مختصاً بالشياطين بل هو لكل كافر بالله من الإِنس والجن ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي وبئست النار مرجعاً ومصيراً للكافرين. . ثم وصف تعالى جهنم وما فيها من العذاب والأهوال والأغلال فقال ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا﴾ أي إِذا قذفوا وطرحوا في جهنم كما يطرح الحطبُ في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي سمعوا لجهنم صوتاً منكراً فظيعاً كصوت الحمار، لشدة توقدها وغليانها قال ابن عباس: الشهيقُ لجهنم عند إِلقاء الكفار فيها، تشهق إِليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفرُ زفرة لا يبقى أحدٌ إِلا خاف ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي وهي تغلي بهم كما يغلي المرجل القدر من شدة الغضب ومن شدة اللهب قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحبُّ القليل في الماء الكثير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ أي تكاد جهنم تتقطع وينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها وحنقها على أعداء الله ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ أي كلما طرح فيها جماعةٌ من الكفرة ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ أي سألتهم الملائكة الموكلون على جنهم وهم الزبانية سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي ألم يأتكم رسولٌ ينذركم ويخوفكم من هذا اليوم الرهيب؟ قال المفسرون: وهذا السؤال زيادة لهم في الإِيلام، ليزدادوا حسرةً فوق حسرتهم، وعذاباً فوق عذابهم ﴿قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ أي أجابوا نعم لقد جاءنا رسول منذر، وتلا علينا
стр. 1447
آيات الله، ولكننا كذبناه وأنكرنا رسالته ﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ﴾ أي وقلنا إِمعاناً في التكذيب وتمادياً في النكير: ما أنزل الله شيئاً من الوحي على أحدٍ قال الرازي: هذا اعترافٌ منهم بعدل الله، وإِقرار بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل الكرام، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا ما نزَّل الله من شيء ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ هذا من تتمة كلام الكفار أي ما أنتم يا معشر الرسل إِلا من بعدٍ عن الحق، وضلال واضح عميق ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ أي وقال الكفار: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو كنا نسمع سماع طالب للحق، ملتمسٍ للهدى ﴿مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ أي ما كنا نستوجب الخلود في جهنم ﴿فاعترفوا بِذَنبِهِمْ﴾ أي فأقروا بإِجرامهم وتكذيبهم للرسل ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ أي فبعداً وهلاكاً لأهل النار قال ابن كثير: عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، والجملة دعائية أي أبعدهم الله من رحمته وسحقهم سحقاً.
. ثم لما ذكرحال الأشقياء الكفار أتبعه بذكر حال السعداء الأبرار فقال ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ أي يخافون ربهم ولم يروه، ويكفُّون عن المعاصي طلباً لمرضاة الله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي لهم عند الله مغفرةٌ عظيمة لذنوبهم، وثواب جزيل لا يعلم قدره غير الله تعالى ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ الخطاب لجميع الخلق أي أخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوا وأظهروه، فسواءٌ أخفيتموه أو أظهرتموه فإنَّ الله يعلمه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي لأنه تعالى العالم بالخفايا ولنوايا، يعلم ما يخطر في القلوب، وما توسوس به الصدور قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله ﷺ َ فيخبره جبريل بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسرُّوا قولكم حتى لا يسمع إِله محمد، فأخبره الله أنه لا تخفى عليه خافية ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ؟ أي ألا يعلم الخالق مخلوقاته؟ كيف لا يعلم من خلق الأشياء وأوجدها سرَّ المخلوق وجهره؟ ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ أي والحال أنه اللطيف بالعباد، الذي يعلم دقائق الأمور وغوامضها، الخبير الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا تتحرك ذرة، ولا تسكن أو تضطرب نفسٌ إِلا وعنده خبرها.
. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته، وآثار فضله وأمتنانه على العباد فقال ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ أي الله جل وعلا جعل لكم الأرض لينةً سهلة المسالك ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أي فاسلكوا أيها الناس في جوانبها وأطرافها قال ابن كثير: أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها للمكاسب والتجارات ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ أي وانتفعوا بما أنعم به جل وعلا عليكم من أنواع الكسب والرزق قال الألوسي: كثيراً ما يُعبر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم، وفي الآية دليل على ندب التسبب والكسب، وهو لا ينافي التوكل، فقد مرَّ عمر ﵁ بقومٍ فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون فقال: بل أنتم المتواكلون، إِنما المتوكل رجلٌ ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه ﴿وَإِلَيْهِ النشور﴾ أي وإِليه تعالى المرجع بعد الموت والفناء، للحساب والجزاء. . ثم توعّد تعالى كفار مكة المكذبين لرسول الله ﷺ َ فقال ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن
стр. 1448
يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ أي هل أمنتم يا معشر الكفار ربكم العليَّ الكبير أن يخسف بكم الأرض فيغيبكم في مجاهلها، بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها؟ ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي فإِذا بها تضطرب وتهتز بكم هزاً شديداً عنيفاً قال الرازي: والمراد أنَّ الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرضُ فوقهم تمور فتلقيهم إِلى أسفل سافلين ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي أم أمنتم الله العليَّ الكبير أن يرسل عليكم حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل؟ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي فستعلمون عند معاينة العذاب، كيف يكون إِنذاري وعقابي للمكذبين!! وفيه وعيد وتهديدٌ شديد، وأصلها ﴿نذيري﴾ و ﴿نكيري﴾ حذفت الياء مراعاةً لرءوس الآيات ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي ولقد كذب كفار الأمم السابقة رسلهم، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود وأمثالهم، وهذا تسلية للرسول ﷺ َ وتهديد لقومه المشركين ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول والفظاعة؟ ثم لما حذَّرهم ما عسى أن يحل بهم من الخسف وإِرسال الحاصب، نبَّههم على الاعتبار بالطير، وما أحكم الله من خلقها، وعن عجز آلهتهم المزعومة عن خلق شيءٍ من ذلك فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي أولم ينظروا نظر اعتبار الى الطيور فوقهم، باسطاتٍ أجنحتهن في الجو عند طيرانها وتحلقيها، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي ويضممنها إِذا ضربن بها جنوبهن وقتاً بعد وقت؟ ولما كان الغالب هو فتح الجناحين فكأنه هو الثابت عبَّر عنه بالإِسم ﴿صَافَّاتٍ﴾ وكان القبض متجدداً عبَّر عنه بالفعل ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ قال في التسهيل: فإِن قيل: لِمَ لم يقل «قابضات» على طريقة ﴿صَافَّاتٍ﴾ ؟ فالجواب أن بسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مدَّ الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكره بصيغة اسم الفاعل ﴿صَافَّاتٍ﴾ لدوامه وكثرته، وأما قبضُ الجناحين فإِنما يفعله الطائر قليلاً للاستراحة والاستعانة، فلذلك ذكره بلفظ الفعل لقلته ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ أي ما يمسكهن في الجو عن السقوط في حال البسط والقبض، إِلا الخالق الرحمن الذي وسعت رحمته كل ما في الأكوان قال الرازي: وذلك أنها مع ثقلها وضخامة أجسامها، لم يكن بقاؤها في جو الهواء إِلا بإِمساك الله وحفظه، وإِلهامها الى كيفية البسط والقبض المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي يعلم كيف يخلق، وكيف يبدع العجائب، بمقتضى عمله وحكمته.
. ثم وبَّخ تعالى المشركين في عبادتهم لما لا ينفع ولا يسمع فقال ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ؟ أي من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم الله من الأنصار والأعوان؟! قال ابن عباس: أي من ينصركم مني إِن أردتُ عذابكم؟ ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ أي ما الكافرون في اعتقادهم أن آلهتهم تنفع أو تضرُّ إِلا في جهل عظيم، وضلال مبين، حيث ظنوا الأوهام حقائق، فاعتزوا بالأوثان والأصنام ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ؟ أي من هذا الذي يرزقكم غير الله إِن منع الله عنكم رزقه؟ والخطاب في الآيتين للكفار على وجه التوبيخ
стр. 1449
والتهديد، وإِقامة الحجة عليهم ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل تمادوا في الطغيان، وأصرّوا على العصيان، ونفروا عن الحق والإِيمان. . ثم ضرب تعالى مثلاً للكافر والمؤمن فقال: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؟ أي هل من يمشي منكساً رأسه، لا يرى طريقه فهو يخبط خبط عشواءً، مثل الأعمى الذي يتعثر كل ساعة فيخرّ لوجهه، هل هذا أهدى أم من يمشي منتصب القامة، ويرى طريقه ولا يتعثر في خطواته، لأنه يسير على طريق بيّن واضح؟ قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر كالأعمى الماشي على غير هدى وبصيرة، لا يهتدي الى الطريق فيتعسف ولا يزال ينكب على وجهه، والمؤمن كالرجل السويّ الصحيح البصر، الماشي على الطريق المستقيم فهو آمن من لخبط والعثار، هذا مثلهما في الدنيا، وكذلك يكون حالهما في الآخرة، المؤمن يحشر يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم، والكافر يحشر يمشي على وجهه إِلى دركات الجحيم قال قتادة: الكافر أكبَّ على معاصي الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فحشره الله على الطريق السويّ يوم القيامة وقال ابن عباس: هو مثلٌ لمن سلك طريق الضلالة ولمن سلك طريق الهدى.
. ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه الجليلة، ليعرفوا قبح ما هم عليه من الكفر والإِشراك فقال ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ أي قل لهم يا محمد: الله جل وعلا هو الذي أوجدكم من العدم، وأنعم عليكم بهذه النعم «السمع والبصر والعقل» وخصَّ هذه الجوارح بالذكر لأنها أداة العلم والفهم ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي قلَّما تشكرون ربكم على نعمه التي لا تُحصى قال الطبري: أي قليلاً ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي خلقكم وكثَّركم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وإِليه وحده مرجعكم للحساب والجزاء ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي متى يكون الحشر والجزاء الذي تعدوننا به؟ إِن كنتم صادقين فيما تخبروننا به من مجيء الساعة الحشر، وهذا استهزاء منهم ﴿قُلْ إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ أي قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة ووقت العذاب عند الله تعالى لا يعمله غيره ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي وما أنا إِلا رسولٌ منذر أخوفكم عذاب الله امتثالاً لأمره. . ثم أخبر تعالى عن حال المشركين في ذلك اليوم العصيب فقال ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ أي فلما رأوا العذاب قريباً منهم، وعاينوا أهوال القيامة ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي ظهرت على وجوههم آثار الاستياء، فعلتها الكآبة والغم والحزن، وغشيها
стр. 1450
الذل والانكسار، قال افي البحر: أي ساءت رؤية العذاب وجوههم، وظهر فيها السوء والكآبة، كمن يساق الى القتل ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي وقالت لهم الملائكة توبيخاً وتبكيتاً: هذا الذي كنتم تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه استهزاءً وتكذيباً ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذي يتمنون هلاكك: أخبروني إِن أماتني الله ومن معي من المؤمنين، أو رحمنا بتأخير آجالنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فمن يحميكم من عذاب الله الأليم، ووضع لفظ ﴿الكافرين﴾ عوضاً عن الضمير «يجيركم» تشنيعاً وتسجيلاً عليهم بالكفر قال المفسرون: كان الكفار يتمنون هلاك النبي ﷺ َ والمسلمين، فأمره الله أن يقول لهم: إِن أهلكني الله بالإِماتة وأهلك من معي، فأي راحةٍ وأي منفعة لكم فيه، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إِذا نزل بكم؟ هل تظنون أن الأصنام تخلصكم وتنقذكم من العذاب الأليم؟ ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي قل لهم: آمنا بالله الواحد الأحد، وعليه اعتمدنا في جميع أمورنا، لا على الأموال والرجال ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي فسوف تعلمون عن قريب من هو في الضلالة نحن أم أنتم؟ وفيه تهديد للمشركين ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي قل لهم يا محمد: أخبروني إِذا صار الماء غائراً ذاهباً في أعماق الأرض، بحيث لا تستطيعون إِخراجه ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي فمن الذي يخرجه لكم حتى يكون ظاهراً جارياً على وجه الأرض؟ هل يأتيكم غير الله به؟ فلم تشركون مع الخالق الرازق غيره من الأصنام والأوثان؟
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿الموت.
. والحياة﴾ وبين ﴿وَأَسِرُّواْ أَوِ اجهروا﴾ وبين ﴿صَافَّاتٍ. . وَيَقْبِضْنَ﴾ لأن المعنى صافات وقابضات.
٢ - وضع الموصول للتفخيم والتعظيم ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي له الملك السلطان، والتصرف في الأكوان.
٣ - الإِطناب بتكرار الجملة مرتين زيادة في التذكير والتنبيه ﴿فارجع البصر. . ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ وكذلك ﴿مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير. . فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ .
٤ - الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؟
٥ - المقابلة ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ قابله بقوله ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
٦ - الاستعارة المكنية ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ شبَّه جهنم في شدة غليانها ولهبها بإِنسان شديد الغيظ والحنق على عدوه يكاد يتقطع من شدة الغيظ، وحذف المشبه به ورمز إِليه بشيء من لوازمه وهو الغيظ الشديد بطريق الاستعارة المكنية.
٧ - الاستعارة التمثيلية ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ
стр. 1451
مُّسْتَقِيمٍ﴾ هذا بطريق التمثيل للمؤمن والكافر، فالمؤمن من يمشي سوياً على صراط مستقيم، والكافر يمشي مكباً على وجهه إِلى طريق الجحيم، ويا لها من استعارة رائعة!!
٨ - السجع المرصَّع مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ ؟ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ومثل ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ الخ.
стр. 1452
اللغَة: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ يكتبون، سَطَر العلمَ كتبه ب القلم ﴿مَمْنُونٍ﴾ مقطوع يقال: مننتُ الحبل إذا قطعته ﴿عُتُلٍّ﴾ العُتل: الغليظ الجافي، السريع إلى الشر، مأخوذ من العَتل وهو الجر ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: ٤٧] قال في الصحاح: عَتلت الرجل إذا جذبته جذباً عنيفاً ﴿زَنِيمٍ﴾ الزنيمُ: الملصق بالقوم وليس منهم، وهو الدعيُّ الذي لا يعرف أبوه قال الشاعر:
стр. 1453
زنيمٌ ليس يُعرف من أبوه ... بغيُّ الأم ذو حَسبٍ لئيم
﴿صَارِمِينَ﴾ صرم الشيء قطعه، وصرم النخلة قطع ثمرها ﴿حَرْدٍ﴾ قصد وعزم ﴿زَعِيمٌ﴾ كفيل وضمين ﴿مَكْظُومٌ﴾ مملوءٌ غيظاً وغماً.
التفسِير: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ نون حرف من الحروف المقطعة، ذكر للتنبيه على إِعجاز القرآن. . أقسم تعالى بالقلم الذي يكتب الناس به العلوم والمعارف، فإِن القلم أخو اللسان ونعمة من الرحمن على عباده والمعنى: أُقسم بالقلم وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته مما نسبه إِليه المجرمون من السفه والجنون، وفي القسم بالقلم والكتابة إِشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإِنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة ليفصح عما في ضميره ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤٥] وحسبك دليلاً على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة تمجيداً لشأن الكتابين، ورفعاً من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى ﴿والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أنه جنس من القلم الذي يكتب به، وهو قسم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي لست يا محمد بفضل الله وإنعامه عليك بالنبوة بمجنون، كما يقول الجهلة المجرمون، فأنت بحمد الله عاقل لا كما قالوا ﴿ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] قال ابن عطية: هذا جواب القسم، وقوله ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ اعتراض كما تقول للإِنسان: أنت بحمد الله فاضل ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي وإنّ لك لثوابا على ما تحملت من الأذى في سبيل تبليغ دعوة الله غير مقطوع ولا منقوص ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي وإِنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيك الفضائل والكمالات. . يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فرب العزة جل علا يصف محمداً بهذا الوصف الجليل ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقد كان من خلقه ﷺ َ العلم والحلم، وشد الحياء، وكثرة العبادة والسخاء، والصبر والشكر، والتواضع والزهد، والرحمة والشفقة، وحسن المعاشرة والأدب، إلى غير ذلك من الخلال
стр. 1454
العلية، والأخلاق المرضية ولقد أحسن القائل:
إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ أي فسوف ترى يا محمد، ويرى قومك ومخالفوك كافر مكة إذا نزل به العذاب ﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ أي أيكم الذي فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم على الهدى؟ قال القرطبي: والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، ومعظم السورة نزل في «الوليد بن المغيرة» و «أبي جهل» وقد كان المشركون يقولون: إن بمحمد شيطاناً، وعنوا بالمجنون هذا، فقال الله تعالى سيعلمون غداً بأيهم المجنون أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي هو سبحانه العالم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي وهو العالم بالتقي المهتدي إِلى الدين الحق، وهو تعليل لما قبله وتأكيد للوعد والوعيد كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم ويسعدهم ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ أي فلا تطع رؤساء الكفر والضلال الذين كذبوا برسالتك وبالقرآن، فيما يدعونك إليه قال الرازي: دعاه رؤساء أهل مكة إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطعيهم، وهذا من الله إلهاب وتهييج للتشدد في مخالفتهم ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي تمنوا لو تلين لهم يا محمد، وتترك بعض ما لا يرضونه مصانعة لهم، فيلينوا لك ويفعلوا مثل ذلك في التسهيل: المداهنة: هي الملاينة والمداراة فيما لاينبغي، روي أن الكفار قالوا النبي ﷺ َ: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت الآية ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ﴾ أي ولا تطع يا محمد كثير الحلق بالحق والباطل، الذي يكثر من الحلف مستهيناً بعظمة الله ﴿مَّهِينٍ﴾ أي فاجر حقير ﴿هَمَّازٍ﴾ أي مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعيب ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي يمشي بالنميمة بين الناس، وينقل حديثهم ليوقع بينهم وهو الفتان، وفي الحديث الصحيح «لا يدخل الجنة نمام» ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ أي بخيل ممسك عن الإِنفاق في سبيل الله ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي ظالم متجاوز في الظلم والعدوان، كثير الآثام والإِجرام، وجاءت الأوصاف ﴿حلاف، هماز، مشاء، مناع﴾ بصيغة المبالغة للدلالة على الكثرة ﴿عُتُلٍّ﴾ أي جاف غليظ، قاسي القلب عديم الفهم ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد تلك الأوصاف الذميمة التي تقدمت ﴿زَنِيمٍ﴾ أي ابن زنا، وهو أشد معايبه واقبحُها، أنه لصيق دعي ليس له نسب صحيح قال المفسرون: نزلت في «الوليد بن المغيرة» فقد كان داعياً في قريش وليس منهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة أي تبناه ونسبه لنفسه بعد أن كان لا يعرف له أب قال ابن عباس: لا نعلم أحداً وصفه الله بهذه العيوب غير هذا، فألحق به عاراً لا يفارقه أبداً، وإِنما ذُمَّ بذلك لأن النطفة إِذا خبثت خبث الولد، وروي أن الآية لما نزلت جاء الوليد إِلى أمه فقال لها: إن محمداً وصفني بتسع صفات، كلها ظاهرة فيَّ اعرفها غير التاسع منها يريد أنه ﴿زَنِيمٍ﴾ فإن لم تصدقيني ضربت عنقك بالسيف، فقال له: إن أباك كان عنيناً أي لا يستطيع معاشرة النساء فخفت على المال فمكنت راعياً من نفسي فأنت ابن ذلك الراعي، فلم يعرف أنه ابن زنا حتى
стр. 1455
نزلت الآية ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي لأن كان ذا مال وبنين قال في القرآن ما قال، وزعم أنه أساطير الأولين؟ وكان ينبغي أن يقابل النعمة بالشكر لا بالجحود والتكذيب ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي إذا قرئت آيات القرآن على ذلك الفاجر قال مستهزئاً ساخراً: إنها خارفات وأباطيل المتقدمين اختلقلها محمد ونسبها إِلى الله، قال تعالى رداً عليه متوعداً له بالعذاب ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي سنجعل له علامة على أنفه بالخطم عليه يعرف بها إِلى موته، وكنى بالخرطوم عن أنفه على سبيل الاستخفاف به، لأن الخرطوم للفيل والخنزير، فإِذا شبه أنف الإِنسان به كان ذلك غاية في الإِذلال والإِهانة كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، قال ابن عباس: سنخطم أنفه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، وقد خطم يوم بدر بالسيف قال الإِمام الفخر: لما كان الوجه أكرم موضع الجسد، والأنف أكرم موضع في الوجه لارتفاعه عليه، وذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأَنفَة، وقالوا في الذليل: رغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإِذلال والإِهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم موضع من الوجه!! ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحديقة وما ابتلاهم تعالى به من إتلاف الزروع والثمار وضربه مثلاً لكفار مكة فقال ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ أي إنا اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله ﷺ َ كما اختبرنا أصحاب البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، وكلفنا أهل مكة أن يشكروا ربه على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب صنعاء بستان فيه من أنواع النخيل والزروع والثمار، وكان إذا جان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم نصيباً وافراً منه وأكرمهم غاية الإِكرام فلما مات الأب ورثه أبناؤه الثلاثة فقالوا: عيالنا كثير والمال قليل ولا يمكننا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا يعطوا أحداً من الفقراء شيئاً، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح خفية عنهم، وحلفوا على ذلك، فأرسل الله تعالى ناراً على الحديقة ليلاً أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، فلما أصبحوا ذهبوا إِلى حديقتهم فلم يروا فيها شجراً ولا ثمراً، فظنوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم تبين لهم أن بستانهم وحديقتهم وعرفوا أن الله تعالى عاقبهم فيها بنيتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان ﴿إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي حين حلفوا ليقطعن ثمرها وقت الصباح، قبل أن يخرج اليهم المساكين ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ أي ولم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا، كأنهم واثقون من الأمر ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ أي فطرقها طارق من عذاب الله، وهم في غفلة عما حدث لأنهم كانوا نياماً، قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء
стр. 1456
فاحترقت وهم نائمون ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي فأصبحت كالزرع المحصود إِذا أصبح هشيماً يابساً قال ابن عباس: أصبحت كالرماد الأسود، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ أي نادى ب عضهم بعضاً حين أصبحوا ليمضوا على الميعاد إِلى بستانهم ﴿أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي اذهبوا مبكرين إلى ثماركم وزروعكم وأعنابكم إن كنتم حاصدين للثمار تريدون قطعها ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ أي فانطلوا نحو البستان وهم يخفون كلامهم خوفاً من أن يشعر بهم المساكين قائلين ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ أي لا تدخلوا في هذا اليوم أحداً من الفقراء إلى البستان ولا تمكنوه من الدخول ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي ومضوا على قصد وقدرة في أنفسهم يظنون أنه تمكنوا من مرادهم قال ابن عباس: ﴿على حَرْدٍ﴾ على قدرة وقصد وقال السدي: على حنق وغضب وقال الحسن: على فاقة وحاجة، وقول ابن عباس أظهر ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قالوا إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ أي فلما رأوا حديقتهم سوداء محترقة، قد استحالت من النضارة والبهجة إلى السواد والظلمة، قالوا لقد ضللنا الطريق إليها وليست هذه حديقتنا قال أبو حيان: كان قولهم ذلك في أول وصولهم إليها، أنكروا أنها هي واعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم وضح لهم أنها هي وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب خيرها فقالوا عند ذلك ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي لسنا مخطئين للطريق بل نحن محرومون، حرمنا ثمرها وخيرها بجنايتنا على أنفسنا ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ ؟ أي قال أعقلهم وأفضلهم رأياً: هلا تسبحون الله فتقولون «سبحان الله» أو «إن شاء الله» قال في البحر: نبههم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من التسبيح، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين، واقتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر الله وعزموا على منع المساكين ابتلاهم الله وقال الرازي: إن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغتروا بمالهم وقوتهم، قال الأوسط لهم توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا حالة البستان ذكرهم بالكلام الأول، فاشتغلوا بالتوبة ولكن بعد خراب البصرة ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي فقالوا حينئذٍ: تنزه الله ربنا عن الظلم فيما فعل، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا في منعنا حق المساكين ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ أي يلوم بعضهم بعضاً يقول هذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك: بل أنت، ويقول آخر: أنت الذي خوفتنا الفقر ورغبتنا في جمع المال، فهذا هو التلاوم ﴿قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي قالوا يا هلاكنا وتعاستنا إن لم يغفر لنا ربنا، فقد كنا عاصين وباغين في منعنا الفقراء، وعد التوكل على الله، فقال الرازي: والمراد أنهم استعظموا جرمهم ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي لعل الله يعطينا أفضل منها بسبب توبتنا واعترافنا بخطيئتنا ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي فنحن راجون لعفوه، طالبون لإِحسانه وفضله.
. ساق تعالى هذه
стр. 1457
القصة ليعلمنا أن مصير البخيل ومانع الزكاة إِلى التلف، وأنه يضن ببعض ماله في سبيل الله فيهلك كل ماله مصحوباً بغضب الله، ولذلك عقب تعالى بعد ذكر هذه القصة بقوله ﴿كَذَلِكَ العذاب وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل هذا العذاب الذي نزل بأهل الجننة ينزل بقريش، ولعذاب الآخرة أعظم وأشد من عذاب الدنيا لو كان عندهم فهم وعلم، قال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إِلى بدر، وحلفوا ألا يرجعوا إلى مكة حتى يقتلوا محمداً ﷺ َ وأصحابه، ويشربوالخمور، وتضرب القينات المغنيات على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، فقلتوا وأُسروا وانهزموا كأهل هذه الجننة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا. . ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين المتقين بعد أن ذكر حال المجرمين من كفار مكة فقال ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ أي إن للمتقين في الآخةر حدائق وبساتين ليس فها إلا النعيم الخالص، الذي لا يشوبه كدر ولا منغص كما هو حال الدنيا ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ؟ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أفنساوي بين المطيع والعاصي، المحسن والمجرم؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ؟ تعجب منهم حيث أنهم يسوُّون المطبع بالعاصي، والمؤمن بالكافر، فإن مثل هذه لا يصدر عن عاقل ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ؟ أي هل عندكم كتاب منزل من السماء تقرءون وتدرسون فيه ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ هذه الجملة مفعول لتدرسون أي تدرسون في هذا الكتاب أن لكم ما تشتهون وتطلبون؟ وهذا توبيخ آخر للمشركين فيما كانوا يزعمونه من الباطل حيث قالوا: إن كان ثمة بعث وجزاء، فسنعطى خيراً من المؤمنين كما أعطينا في الدنيا قال الطبري: وهذا توبيخ لهؤلاء القوم وتقريع لهم فيما كانوا يقولون من الباطل، ويتمنون من الأماني الكاذبة ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي هل لكم عهود ومواثيق مؤكدة من جهتنا ثابتة إلى يوم القيامة؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ هذا جوابه أي إن لكم الذي تريدونه وتحكمون به؟ قال ابن كثير: المعنى أمعكم عهود ومواثيق مؤكدة أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي سل يا محمد هؤلاء المكابرين أيهم كفيل وضامن بهذا الذي يزعمون؟ وفيه نوع من السخرية والتهكم بهم، حيث يحكمون بأمور خارجة عن العقول، يرفضها المنطق وتأباها العدالة ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي أم لهم شركاء وأرباب يكلفون لهم بذلك، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم قال في التسهيل: وهذا تعجيز للكفار والمراد إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء، فأتوا بهم وأحضروهم حتى نرى حالهم.
. ولما أبطل مزاعمهم وسفه أحلامهم، شرع في بيان أهوال الآخةر وشدائدها فقال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ أي اذكر يا محمد لقومك ذلك اليوم العصيب الذي يكشف فيه عن أمر فظيع شديد في غاية الهول والشدة، قال ابن عباس: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة قال القرطبي: والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها موضع الشدة كقول الراجز:
стр. 1458
قد كشفت عن ساقها فشدوا ... وجدَّت الحرب بكم فجدوا
﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ويدعى الكفار للسجود لرب العالمين فلا يستطيعون لأن ظهر أحدهم يصبح طبقاً واحداً، وفي الحديث «يسجد لله كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي ذليلة متواضعة أبصارهم لا يستطيعون رفعها ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي تغشاهم وتلحقهم الذلة والهوان ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ أي والحال أنهم كانوا في الدينا يدعو إلى السجود وهم أصحاء الجسم معافون فيأبون قال الإِمام الفخر: لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى يسلب عنهم القدرة على السجود ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمو الأطراف والمفاصل ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ أي اتركني يا محمد ومن يكذب بهذا القرآن لأكفيك شره وأنتقم لك منه!! وهذا منتهى الوعيد ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي سنأخذهم بطريق الاستدراج بالنعم، إلى الهلاك والدمار، من حيث لا يشعرون قال الحسن: كم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه قال الرازي: الاستدراج أن يستنزله إليه درجة درجة حتى يورطه فيه، فكلما أذنبوا ذنباً جدَّد الله لهم نعمة وأنساهم الاستغفار، فالاستدراج إنما حصل لهم من الإِنعام عليهم، لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي أُمهلهم وأُطيل في اعمارهم ليزدادوا إثماً ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي إن انتقامي من الكفارين قوي شديد وفي الحديث
«إن الله ليملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ ﷺ َ ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وإنما سمي إِحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد، فما وقع لهم من سعة الأرزاق، وطول الأعمار، وعافية الأبدان، إحسانٌ في الظاهر، وبلاء في الباطن، لأن المقصود معاقبتهم وتعذيبهم به ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي أتسألهم يا محمد غرامة مالية على تبليغ الرسالة، فهم معرضون عن الإِيمان بسبب ذلك التكليف الثقيل ببذلهم المال؟ والغرض توبيخهم في عدم الإِيمان فإن الرسول لا يطلب منهم شيئاً من الأجر قال الخازن: المعنى أتطلب منهم أجراً فيثقل عليهم محمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم عن الإِيمان ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي أم ههل عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب، فهم ينقلون منه أنهم خير من أهل الإِيمان، فلذلك أصروا على الكفر والطغيان؟ وهو استفهام على سبيل الإِنكار والتوبيخ ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي فاصبر يا محمد على أذاهم، وامض لما أُمرت به من تبليغ رسالة ربك ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ أي ولا تكن في الضجر والعجلة، كيونس بن متى ﵇، لما غضب على قومه لأنهم لم يؤمنوا فتركهم وركب البحر ثم التقمه الحوت،
стр. 1459
وكان من أمره ما كان ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي حين دعا ربه في بطن الحوت وهو مملوء غماً وغيظاً بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧] ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي لولا أن تداركته رحمة الله ﴿لَنُبِذَ بالعرآء وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي لطرح في الفضاء الواسع الخالي من الأشجار والجبال، وهو ملام على ما ارتكب، ولكن الله أنعم عليه بالتوفيق للتوبة فلم يبق مذموماً ﴿فاجتباه رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ أي فاصطفاه ربه واختاره لنفسه فجعله من المقربين قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في قومه ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أي ولقد كاد الكفار من شدة عداوتهم لك يا محمد أن يصرعوك بأعينهم ويهلكوك، من قولهم نظر إلي نظراً كاد يصرعني قال ابن كثير: وفي الآية دليل على أن العين وإصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ، ويؤيده حديث «لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين» ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي حين سمعوك تقرأ القرآن، ويقولون من شدة بعضهم وحسدهم لك، إن محمداً مجنون، قال تعالى رداً عليهم ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي وما هذا القرآن المعجز إلا موعظة وتذكير للإِنس والجن، فكيف ينسب من نزل عليه إلى الجنون؟! ختم تعالى السورة ببيان عظمة القرآن، كما بدأها ببيان عظمة الرسول، ليتناسق البدء مع الختام في أروع بيان وأجمل ختام.
البَلاَغَة: تمضنت السورة الكريمة وجوهاً من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الجناس الناقص بين لفظي ﴿مَجْنُونٍ﴾ و ﴿مَمْنُونٍ﴾ لا ختلاف الحرف الثاني.
٢ - الوعيد والتهديد ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ وحذف المفعول للتهويل.
٣ - صيغ المبالغة في ﴿حَلاَّفٍ، هَمَّازٍ، مَّشَّآءٍ، مَّنَّاعٍ﴾ وكذلك في ﴿أَثِيمٍ. . وزَنِيمٍ﴾ .
٤ - الاستعارة القائمة ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ استعار الخرطوم للأنف لأن أصل الخرطوم للفيل، واستعارته لأنف الإِنسان تجعله في غاية الإِيداع لأن الغرض الاستهانة به والاستخفاف.
٥ - الطباق بين ﴿المسلمين والمجرمين﴾ وبين ﴿ضَلَّ. . والمهتدين﴾ وهو من المحسنات البديعية.
٦ - جناس الاشتقاق ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ .
٧ - التقريع والتوبيخ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ؟ والجمل التي بعدها.
٨ - التشبيه المقلوب بجعل المشبه به مشبهاً والعكس ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ؟ لأن الأصل أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والمثوبة؟ فقلب التشبيه ليكون أبلغ وأروع.
٩ - الكناية الرائقة الفائقة ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ كناية عن شدة الهول، وتفاقم الخطب يوم القيامة.
стр. 1460
١٠ - السجع المرصع المحبوك، كأنه الدر المنظوم إقرأ الآيات الكريمة ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ الخ وتدبر روعة القرآن!!
стр. 1461
اللغَة: ﴿الحاقة﴾ القايمة سيمت حاقة لأنها حقٌّ مقطوع بوقوعها ﴿صَرْصَرٍ﴾ شديدة الصوت والبرد ﴿حُسُوماً﴾ متتابعة لا تنقطع من الحسم وهو القطع قال الشاعر:
«فدارت عليهم فكانت حُسوماً» ... ﴿رَّابِيَةً﴾ زائدة في الشِّدة والعذاب ﴿وَاهِيَةٌ﴾ ساقطة القوة، ضعيفة متراخية من قولهم: وهي البناء اذا ضعف وتداعى للسقوط ﴿هَآؤُمُ﴾ اسم فعل أمر بمعنى خذوا ﴿قُطُوفُهَا﴾ جمع قطف وهو ما
стр. 1462
يجتنى من الثمر ويقطف ﴿غِسْلِينٍ﴾ صديد أهل النار قال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح والصديد والدم إذا عذبوا فهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فعلين من الغسل ﴿الوتين﴾ عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه ويسمى الأبهر وفي الحديث «ما زالت أكلةُ خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري» ﴿حَسْرَةٌ﴾ ندامة عظيمة.
التفسير: ﴿الحاقة﴾ اسم للقيامة سميت بذلك لتحقق وقوعها، فهي حقٌ قاطع، وأمر واقع، لا شك فيه ولا جدال ﴿مَا الحآقة﴾ ؟ التكرار لتفخيم شأنها، وتعظيم أمرها، وكان الأصل أن يقال: ما هي؟ ولكنه وضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التعظيم والتهويل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾ ؟ وما أعلمك يا محمد ما هي القيامة؟ إنك لا تعلمها إذ لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال، فإِنها من العظم والشدة بحيث لا يحيط بها وصف ولا خيال، وهذا على طريقة العرب فإنهم إِذا أرادوا تشويق المخاطب لأمرٍ أتوا بصغية الاستفهام يقولن: أتدري ماذا حدث؟ والآية من هذا القبيل زيادة في التعظيم والتهويل كأنه قال: إِنها شيء مريع وخطب فظيع. . ثم بعد أن عظَّم أمرها وفخَم شأنها، ذكر من كذَّب بها وما حلَّ بهم بسبب التكذيب، تذكيراً لكفار مكة وتخويفاً لهم فقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾ أي كذب قوم صالح، وقوم هود بالقيامة، التي تقرع القلوب بأهوالها ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ أي فأمَّا ثمود قوم صالح فأُهلكوا بالصيحة المدمرة، التي جاوزت الحدَّ في الشدة قال قتادة: هي الصيحة التي خرجت عن حدِّ كل صيحة ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي وأما قوم هود فأُهلكوا بالريح العاصفة ذات الصوت الشديد وهي الدَّبور وفي الحديث «نصرتُ بالصبا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبور» ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي متجاوزة الحدَّ في الهبوب والبرودة، كأنها عتت على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها، قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إِلا بمكيال، ولا أنزل قطرة قطُّ إِلا بمكيال، إِلا يوم نوحِ ويوم عاد، فإِن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ أي سلطها الله عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام متتابعة لا تفتر ولا تنقطع ﴿فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى﴾ أي فترى أيها المخاطب القوم في منازلهم موتى، لا حراك بهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أي كأنهم أصول نخلٍ متآكلة الأجواف قال المفسرون: كانت الريح تقطع رؤوسهم كما تقطع رءوس النخل، وتدخلْ من أفواههم وتخرج من أدبارهم حتى تصرعهم، فيصبحوا كالنخلة الخاوية الجوف ﴿
стр. 1463
فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أي فهل ترى أحداً من بقاياهم؟ أو تجد لهم أثراً؟ لقد هلكوا عن آخرهم كقوله تعالى ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ﴾ أي وجاء فرعون الجبار، ومن تقدَّمه من الأمم الطاغية التي كفرت برسلها ﴿والمؤتفكات﴾ أي والأمم الذين انقلبت بهم ديارهم قرى قوم لوط حيث جعل الله عاليها سافلها قال الصاوي: ﴿المؤتفكات﴾ أي المنقلبات وهي قرى قوم لوط، التي اقتلعها جبريل ورفعها على جناحه قرب السماء ثم قلبها، وكانت خمس قرى ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفعلة الخائطة المنكرة، وهي الكفر والعصيان ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أي فعصى فرعون رسول الله موسى، وعصى قوم لوطٍ رسولهم لوطاً ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي فأخذهم الله أخذةً زائدةً في الشدة، على عقوبات من سبقهم، كما أن جرائمهم زادت في القبح والشناعة على سائر الكفار ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ أي لما تجاوز الماء حدَّه حتى علا كل شيء وارتفع فوقه حملناكم في السفينة ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ أي لنجعل تلك الحادثة عظةً للناس وعبرة، تدل على انتقام الله ممن كذَّب رسله ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي وتحفظها وتذكرها أذن واعية للمواعظ، تنتفع بما تسمع قال القرطبي: والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حلَّ بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول ﷺ َ، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال قتادة: الواعية هي التي عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت من كتاب الله .
. ولما ذكر قصص المكذبين، أتبعه بذكر أهوال القايمة وشدائدها فقال ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي فإِذا نفخ إِسرافيل في الصور نفخةً واحدة لخراب العالم قال ابن عباس: هي النفخة الأولى التي يحصل عنها خراب الدنيا ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أي ورفعت الأرض والجبال عن أماكنها، فضرب بعضها ببعضٍ حتى تندق وتتفتَّت وتصير كثيباً مهيلاً ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾ أي ففي ذلك الحين قامت القيامة الكبرى، وحدثت الداهية العظمى ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ أي وانصدعت السماء فهي يومئذٍ ضعيفة مسترخية، ليس فيها تماسك ولا صلابة ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ أي والملائكة على أطرافها وجوانبها قال المفسرون: وذلك لأن السماء مسكن الملائكة، فاذا انقشت المساء وقفوا على أطرافها فزعاً مما داخلهم من هو ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، الكبير المتعال ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي ويحمل عرض الرحمن ثمانية من الملائكة العظام فوق رءوسهم وقال ابن عباس: ثمانية صفوفٍ من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب، تعرضون على ملك الملوك ذي الجلال للحساب والجزاء، لا يخفى عليه منكم أحدٌ، ولا يغيب عنه سرٌّ من أسراركم، لأنه العالم بالظواهر والسرائر والضمائر.
. ثم بيَّن تعالى حال السعداء
стр. 1464
والأشقياء في ذلك اليوم فقال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فأما من أُعطي كتاب أعماله بيمينه لأنه من السعداء ﴿فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ أي فيقول ابتهاجاً وسروراً: خذوا اقرءوا ك تابي، والهاء في ﴿كِتَابيَهْ﴾ هاء السكت وكذلك في ﴿حِسَابِيَهْ﴾ و ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ قال الرازي: ويدل قوله ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ على أنه بلغ الغاية في السرور، لأنه لما أُعطي كتابه بيمينه، علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أي إِني أيقنت وتحققت بأني سألقى حسابي وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإِيمان، والعمل الصالح قال الحسن: إِن المؤمن أحسن الظنَّ بربه فأحسن العمل، وإِنَّ المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل وقال الضحاك: كل ظنٍ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. . قال تعالى مبيناً جزاءه ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي فهو في عيشة هنيئة مرضية، يرضى بها صاحبها، لما ورد في الصحيح «أنهم يعيشون فلا يموتون أبداً، ويصحون فلا يمرضون أبداً، وينعمون فلا يرون بؤساً أبداً» ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في جنةٍ رفيعة القدر، وقصور عالية شاهقة ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ أي ثمارها قريبة، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع قال في التسهيل: القطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالنعقود، روي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها وهو قائم أو قاعد أو مضطجع ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً﴾ أي يقال لهم تفضلاً وإِنعاماً: كلوا واشربوا أكلاً وشرباً هنيئاً، بعيداً عن كل أذى، سالماً من كل مكروه ﴿بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾ أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني أيام الدنيا. . ولما ذكر حال السعداء أعقبه بذكر حال الأشقياء فقال ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ أي وأما من مأعطي كتابه بشماله وهذه علامة الشقاوة والخسران ﴿فَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ أي فيقول اذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من الخجل والافتضاح فيتمنى عندئذٍ أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ أي ولم أعرف عظم حسابي وشدته، والاستفهام للتعظيم والتهويل ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ أي يا ليت الموتة الأولى التي متُّها في الدنيا، كانت القاطعة لحياتي، فلم أبعث بعدها ولم أُعذب قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره من الموت، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمرَّ ممَّا ذاقه من الموت ﴿مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ أي ما نفعني مالي الذي جمعته ولا دفع عني من عذاب الله شيئاً ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي زال عني ملكي وسلطاني، ونسبي وجاهي، فلا معين لي ولا مجير، ولا صديق ولا نصير ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي يقول تعالى لزبانية جهنم: خذوا هذا المجرم الأثيم فشدوه بالأغلال قال القرطبي: فيبتدره مائة ألف ملك، ثم تجمع يده الى عنقه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ﴾ أي ثم أدخلوه النار العظيمة المتأججة، ليصلى حرَّها ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ أي ثم أدخلوه في سلسلةٍ حديدية طولها سبعون ذراعاً قال ابن عباس: بذراع الملك، تدخل السلسلة من دبره، وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته
стр. 1465
وقدميه والسلسلة هي حلق منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، يلف بها حتى لا يستطيع حراكاً.
. لمّا بيَّن العذاب الشديد بيَّن سببه فقال ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم﴾ أي كان لا يصدق بوحدانية الله وعظمته قال في البحر: بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله، وهو تعليلٌ مستأنف كأن قائلاً قال: لم يعذِّب هذا العذاب البليغ؟ فأجيب إِنه كان لا يؤمن بالله ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ أي ولا يحُثُّ نفسه ولا غيره على إِطعام المسكين قال المفسرون: ذكر الحضَّ دون الفعل للتنبيه على أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الإِحسان والصدقة؟ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ أي فليس له في الآخرة صديق يدفع عنه العذاب، لأن الأصدقاء يتحاشونه، ويفرُّون منه ﴿وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ أي وليس له طعام إِلا صديد أهل النار، الذي يسيل من جراحاتهم ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ أي لا يأكله إِلا الآثمون المجرمون المرتكبون للخطايا والآثام قال المفسرون: ﴿الخاطئون﴾ جمع خاطىء وهو الذي يعتمد الذنب، والمخطىء الذي يفعل الشيء خطاأ دون قصد، ولهذا قال ﴿الخاطئون﴾ ولم يقل المخطئون. . ولما ذكر أحوال السعداء من أهل الجنة، ثم أحوال الأشقياء من أهل النار، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي فأقسم بالمشاهدات والمغيبات، أُقسم بما ترونه وما لا ترونه، مما هو واقعٌ تحت الأبصار، وما غاب وخفي عن الأنظار، و ﴿لا﴾ في قوله ﴿فَلاَ أُقْسِمُ﴾ لتأكيد القسم وليست نافية قال الإِمام الفخر: والآية تدل على العموم والشمول، لأنها لا تخرج عن قسمين: مبصرٍ وغير مبصر، فشملت الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإِنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة قال قتادة: هو عام في جميع مخلوقاته جلاَّ وعلا، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي إن هذا القرآن لكلام الرحمن، يتلوه ويقرأه رسولٌ كريم، هو محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم قال القرطبي: والرسول ههنا محمد ﷺ َ ونسب القول إِليه لأنه تاليه ومبلغه عن الله تعالى ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ أي وليس القرآن كلام شاعر كما تزعمون، لأنه مباين لأوزان الشعر كلها، فليس شعراً ولا نثراً ﴿قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ أي قلَّما تؤمنون بهذا القرآن قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، بمعنى لا يؤمنون به أصلاً، والعرب تقول: قلَّما يأتينا يريدون لا يأتينا ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ أي وليس هو بقول كاهنٍ يدعي معرفة الغيب، لأن القرآن يغاير بأسلوبه سجع الكهان ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قلَّما تتذكرون وتتعظون ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ أي هو تنزيلٌ من ربِّ العزة جل وعلا كقوله تعالى
﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين
стр. 1466
نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢١٩٥] والغرض من الآية تبرئة الرسول ﷺ َ مما نسبه إِليه المشركون من دعوى السحر والكهانة، ثم أكَّد ذلك بأعظم برهان على أن القرآن من عند الله فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل﴾ أي لو اختلق محمد الأقوال، ونسب إِلينا ما لم نقله ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ أي لانتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ أي ثم لقطعنا نياط قلبه حتى يموت قال القرطبي: والويتنُ عرق يتعلق به القلب، إِذا انقطع مات صاحبه والغرض أنه تعالى يعاجله بالعقوبة ولا يمهله، لو نسب إِلى الله شيئاً ولو قليلاً، فإِن تسمية الأقوال بالأقاويل للتصغير والتحقير ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه، لو أردنا حينئذٍ عقوبته، ولا أن يدفع عنه عذابنا قال الخازن: المعنى إِن محمداً لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلم لعاقبناه، ولا يقدر أحدٌ على دفع عقوبتنا عنه ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي وإِن هذا القرآن لعظةٌ للمؤمنين والمتقين الذين يخشون الله، وخصَّ المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾ أي ونحن نعلم أن منكم من يكذب بهذا القرآن مع وضوح آياته، ويزعم أنه أساطير الأولين، وفي الآية وعيدٌ لمن كذب بالقرآن ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين﴾ أي وإِنه لحسرة عليهم في الآخرة، لأنهم يتأسفون إِذا رأوا ثواب من آمن به ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ أي وإِنه لحقٌ يقينيٌ لا يحوم حوله ريب، ولا يشك عاقل أنه كلام رب العالمين ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ أي فنزَّه ربك العظيم عن السوء والنقائص، واشكره على ما أعطاك من النعم العظيمة، التي من أعظمها نعمة القرآن.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الإِطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ الخ.
٢ - التفصيل بعد الإِجمال زيادة في البيان ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾ ثم فصله بقوله ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ﴾ الآية وفيه لفٌ ونشر مرتب.
٣ - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه.
٤ - الاستعارة اللطيفة الفائقة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء﴾ الطغيان من صفات الإِنسان، فشبه ارتفاع الماء وكثرته، بطغيان الإِنسان على الإِنسان بطريق الاستعارة.
٥ - جناس الاشتقاق مثل ﴿وَقَعَتِ الواقعة﴾ ومثل ﴿لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
٦ - المقابلة البديعة ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ قابلها بقوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ. .﴾ الخ وهي من المحسنات البديعية.
стр. 1467
٧ - طباق السلب ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ .
٨ - الكناية ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ لفظ اليمين كناية عن القوة والقدرة.
٩ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ومثل ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ ويسمى في علم البديع السجع والمرصَّع والله أعلم.
تنبيه: روى الحفاظ ابن كثير عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ َ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني الى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال فقلت في نفسي: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ فقلت: كاهن، فقرأ ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ الخ السورة، قال: فوقع في قلبي الإِسلام كل موقع، حتى هداني الله تعالى له.
стр. 1468
اللغَة: ﴿المعارج﴾ المصاعد والمدارج التي يرتقي بها الإِنسان جمع معرج وهو المصعد، والعروج الارتفاع إِلى السماء ومنه معراج النبي ﷺ َ ﴿المهل﴾ النحاس المذاب ﴿العهن﴾ الصوف المنفوش ﴿فَصِيلَتِهِ﴾ الفصيلة: العشيرة الذي فصل عنهم وتولد منهم ﴿لظى﴾ اسم لجهنم سميت بذلك لأن نيرانها تتلظى أي تلتهب ﴿الشوى﴾ جمع شواة وهي جلدة الرأس قال الأعشى:
стр. 1469
قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيباً شواته؟
﴿هَلُوعاً﴾ كثير الجزع والضجر، قال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي اذا مسَّه الخير لم يشكر، وإِذا مسَّه الضر لم يصبر ﴿عِزِينَ﴾ جماعات متفرقين جمع عزة وهي الجماعة المتفرقة قال الشاعر:
فجاءوا يَهْرعون إِليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا
﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون يقال: أوفض البعير اذا أسرع السير.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن النضر بن الحارث قال حين خوَّفهم رسول الله ﷺ َ من عذاب الله ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: ٣٢] فأنزل الله ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ .
التفسِيْر: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ أي دعا داعٍ من كفار مكة لنفسه ولقومه عذاب واقع لا محالة قال المفسرون: السائل هو «النضر بن الحارث» من صناديد قريش وطواغيتها، لمَّا خوفهم رسول الله عذاب الله قال ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فأهلكه الله يوم بدر، ومات شرب ميتة، ونزلت الآية بذمه ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي دعا بهذا العذاب على الكفارين ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ أي لا رادَّ له إِذا أراد الله وقوعه، وهو نازل به لا محالة، سواءً طلبوه أو لم يطلبوه، وإِذا نزل العذاب فلن يرفع أو يُدفع ﴿مِّنَ الله ذِي المعارج﴾ أي هو صادر من الله العظيم الجليل، صاحب المصاعد التي تصعد بها الملائكة، وتنزل بأمره ووحيه، ثم فصَّل ذلك بقوله ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ﴾ أي تصعد الملائكة الأبرار وجبريل الأمين الذي خصه الله بالوحي الى الله ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي في يومٍ طوله خمسون ألف سنة من سني الدنيا قال ابن عباس: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار قال المفسرون: الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] أن القايمة مواقف ومواطن، فيها خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وأن هذه المدة الطويلة تخف على المؤمن حتى تكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ أي فاصبر يا محمد على استهزاء قومك وأذاهم ولا تضجر، فإِن الله ناصرك عليهم، وهذا تسليةٌ له ﵊ ُ، لأن استعجال العذاب إِنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله ﷺ َ فأمره الله بالصبر قال القرطبي:: والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ أي إن هؤلاء المستهزئين يستبعدون العذاب ويعتقدون أنه
стр. 1470
غير نازل، لإِنكارهم للبعث والحساب ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ أي ونحن نراه قريباً لأن كل ما هو آتٍ قريب.
. ثم أخبر تعالى عن هول العذاب وشدته وعن أهوال يوم القيامة فقال ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ أي تكون السماء سائلة غير متماسكة، كالرصاص المذاب قال ابن عباس: كدردي الزيت أي كعكر الزيت ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ أي وتكون الجبال متناثرة متطايرة، كالصوف المنفوش إِذا طيَّرته الريح قال القرطبي: العهن الصوف الأحمر أو ذو الألوان، شبَّه الجبال به في تلونها ألواناً، وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثم عهناً منفوشاً، ثم هباءً منثوراً. . هذه حال السماء والأرض في ذلك اليوم المفزع، أما حال الخلائق فهي كما قال تعالى ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ أي لا يسأل صديق صديقه، ولا قريب قريبه عن شأنه، لشغل كل إِنسانٍ بنفسه، وذلك لشدة ما يحيط بهم من الهول والفزع ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي يرونهم ويعرفونهم، حتى يرى الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، فلا يسأله ولا يكلمه بل يفر منه كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤٣٧] قال ابن عباس: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون بينهم، ثم يفرُّ بعضهم من بعض ﴿يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ أي يتمنى الكافر مرتكب جريمة الجحود والتكذيب لو يفدي نفسه من عذاب الله، بأعز من كان عليه في الدنيا من ابنٍ، وزوجةٍ، وأخٍ ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ أي وعشيرته التي كانت تضمه إِليها، ويتكل في نوائبه عليها، وليس هذا فحسب بل يتمنى لو يفتدي بجميع أهل الأرض ﴿وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ أي وبجميع من في الأرض من البشر وغيرهم ثم ينجو من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينجو المجرم من العذاب، أو ينقذه ذلك من شدة الكرب، وفادح الخطب، قال الإِمام الفخر: ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإِنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده، وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى﴾ ﴿كَلاَّ﴾ أداة زجر وتعنيف أي لينزجر هذا الكافر الأثيم وليرتدع عن هذه الأماني، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم، تتلظَّى نيرانها وتلتهب ﴿نَزَّاعَةً للشوى﴾ أي تنزعٍ بشدة حرها جلدة الرأس من الإِنسان كلما قلعت عادت كما كانت زيادة في التنكيل والعذاب، وخصَّها بالذكر لأنها أشد الجسم حساسيةً وتأثيراً بالنار ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ أي تنادي جهنم وتهتف بمن كذب بالرحمن، وأعرض عن الإِيمان، قال بان عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح تقول: إِليَّ يا كافر، إِليَّ يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ أي وتدعو من جمع المال وخبأه وكنزه في الخزائن والصناديق، ولم يؤد منه حقَّ الله وحق المساكين قال المفسرون: والآية وعيدٌ شديد لمن يبخل بالمال، ويحرص على جمعه، فلا ينفقه في سبيل الخير، ولا يخرج منه حقك الله
стр. 1471
حقَّ المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم سمعتَ وعيدَ الله ثم أوعيت الدنيا جمعتها من حلالٍ وحرام!! ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا فقال ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي إِن الإِنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإِنسان العموم بدليل الاستثناء، والاستثناء معيار العموم، ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ أي إِذا نزل به مكروه من فقر، أو مرضٍ، أو خوف، كان مبالغاً في الجزع مكثراً منه، واستولى عليه اليأس والقنوط ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ أي وإِذا أصابه خيرٌ من غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغاً في المنع والإِمساك، فهو إِذا أصابه الفقر لم يصبر، وإِذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله الإِنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبَّده بإِنفاق ما يحب والصبر على ما يكره ﴿إِلاَّ المصلين﴾ استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ أي في أموالهم نصيبٌ معيَّن فرضه الله عليهم وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ أي للفقير الذي يسأل وتكيفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيُظن أنه غنيٌ فيحرم كقوله تعالى
﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدِّقون بمجيئه تصديقاً جازماً لا يشوبه شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة ﴿والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ أي خائفون على أنفسهم من عذا بالله، يرجون الثواب ويخافون العقاب ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه، إِنسان، إِلاَّ من آمنَّه الرحمن والأمور بخواتيمها. . إِنَّ هؤلاء المصدقين المشفقين قلَّما تزدهيهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواءٌ عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إِذ أن لديهم من الكفر في جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إِذا مسَّهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إِذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات فقال ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ أي أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي يقتصرون على ما أحلَّ الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي فإِنهم غير مؤاخذين لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلالٌ يؤجر عليه الإِنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون﴾ أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدَّى حدود الله وعرَّض نفسه لعذاب الله قال الطبري: من التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إِلى ما
стр. 1472
حرَّمه عليهم، فهم الملومون ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإِذا ائتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحه، وخصَّها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيهاً على فضلها لأن في إِقامتها إِحياء للحقوق، وفي تركها تضييع للحقوق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله إِلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإِلاَّ كانت حركات صورية لا يجني البعد ثمرتها، فإِن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم
﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولما كانت الصلاة عمود الإِسلام بولغ في التوكيد فيها، فذكرت في أول الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي بني عليها الإِسلام، قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ ثم قال في الختم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ والدوام غير المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا يشتغلون عها بشيءٍ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إِسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفوظها من الإِحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع الى نفس الصلوات، والمحافظة ترجع الى أحوانها، وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم وعاقبتهم فقال ﴿أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، والمناقب الرفيعمة، مستقرون في جنات النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإِنعام والتكريم بأنواع الملاذ والمشتهيات، لا تصافهم بمكارم الأخلاق ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ؟ أي ما لهؤلاء الكفرة المجرمين، مسرعين نحوك يا محمد، ما دين أعناقهم إِليك، م مقبلين بأبصارهم عليك؟ قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي ﷺ َ حلقاً حلقاً، يسمعون كلامه ويستهزئون به وبأصحابه، ويقولون: إِن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محد فلندخلنها قبلهم فنزلت الآية ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ﴾ أي جالسين عن يمينك وعن شمالك فرقاً فرقاً، وجماعات جماعاتٍ يتحدثون ويتعجبون؟ قال أبو عبيدة: عزين أي جماعات جماعات في تفرقة ومنه «مالي أراكم عزين؟ ألا تصفون كما تصفُّ الملائكة عند ربها» ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ استفهام إِنكاري مع التقريع والتوبيخ أي أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار، أن يدخله الله جنات النعيم، وقد كذب خاتم
стр. 1473
المرسلين؟ ﴿كَلاَّ﴾ ردع وزجر أي ليس الأمر كما يطمعون، فإِنهم لا يدخلونها أبداً ثم قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي خلقناهم من الأشياء المستقذرة، من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فمن أين يتشرفون بدخول جنات النعيم قبل المؤمنين، وليس لهم فضل يستوجبون به دخول الجنة؟ وإِنما يستوجب دخول الجنة من أطاع الله قال القرطبي: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ أي فأقسم برب مشارق الشمر والقمر والكواكب ومغاربها ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ أي قادرون على إهلاكهم، واستدالهم بقومٍ أفضل منهم وأطوع لله ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي ولسنا بعاجزين عن ذلك ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ أي اتركهم يا محمد يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، واشتغل أنت بما أُمرت به، وهو أمرٌ على جهة الوعيد والتهديد للمشركين ﴿حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ أي حتى يلاقوا ذلك اليوم العصيب الرهيب، الذي لا ينفعهم فيه توبة ولا ندم ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً﴾ ويخرجون من القبور إِلى أرض المحشر مسرعين ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي كأنهم يسعون ويستبقون إِلى أصنامهم التي نصبوها ليعبدوها، شبَّه حالة إِسراعهم إِلى موقف الحساب، بحالة إسراعهم وتسابقهم في الدنيا، الى آلهتهم وطواغيتهم، وفي هذا التشبيه تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، إِذ عبدوا ما لا يستحق العبادة، وتركوا عبادة الواحد الأحد ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي خاضعة منكسرة أبصارهم إِلى الأرض لا يرفعونها خجلاً من الله ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي يغشاهم الذل والهوان من كل مكان، وعلى وجوههم آثار الذلة والانكسار ﴿ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ أي هذا هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا وكانوا يهزءون ويكذبون، فاليوم يرون عقابهم وجزائهم!!
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿بَعِيداً.
. قَرِيباً﴾ وبين ﴿اليمين. . والشمال﴾ وبين ﴿المشارق والمغارب﴾ .
٢ - جناس الاشتقاق ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ وكذلك ﴿تَعْرُجُ المعارج﴾ .
٣ - ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً لفضله وتشريفاً له ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح﴾ الورح هو جبريل.
٤ - التشبيه المرسل المجمل ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ لحذف وجه الشبه.
٥ - ذكر العام بعد الخاص ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. . وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ جاء بالعموم بعد الخصوص لبيان هو الموقف.
٦ - المقابلة اللطيفة ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ قابله بقوله ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ .
٧ - الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ؟
٨ -
стр. 1474
الكناية الفائقة الرائقة ﴿كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ كناية عن المني القذر، مع النزاهة التامة في التعبير، وحسن الإِيقاظ والتذكير، بألطف عبارة وأبلغ إِشارة.
٩ - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ وفي تشبيههم بذلك تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين بالإِسراع في عبادة غير من يستحق العبادة،
١٠ - السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً للشوى تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ الخ.
تنبيه: نبَّه تعالى بقوله ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ الآيات إِلى طبائع البشر، فبيَّن أنَّ الإِنسان يتسرع إِلى مشتهاه، اتباعاً لهواه، وأنه مفرط في الهلع والجزع، فإِن مسه خير شحت به نفسه، وإِن نزل به شر اشتد له قلقه، ثم استنثى من ذلك الخلق الذميم أصنافاً من البشر، وهم الذين جمعوا مع الإِيمان صالح الأعمال.
стр. 1475
اللغَة: ﴿استغشوا﴾ غطوا غشَّاه أَي غطاه، والغشاء الغطاء ﴿مِّدْرَاراً﴾ غزيراً متتابعاً ﴿أَطْوَاراً﴾ أحوالاً مختلفة طوراً بعد طور قال الشاعر:
«والمرء يخلق طوراً بعد أطوار» ... ﴿فِجَاجاً﴾ واسعات جمع فج وهو الطريق الواسعة ﴿كُبَّاراً﴾ كبيراً بالغ الغاية في الكبر ﴿دَيَّاراً﴾ أحداً يدور أو يتحرك على ظهر الأرض ﴿تَبَاراً﴾ هلاكاً ودماراً.
التفسِيْر: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوح اً إلى قَوْمِهِ﴾ أي بعثنا شيخ الأنبياء نوحاً ﵇ إِلى سكان جزيرة العرب قال الألوسي: واشتهر أنه ﵇ كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي بأن خوف قومك وحذرهم إن لم يؤمنوا من عذاب شديد مؤلم، وهو عذاب الطوفان في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي فدعاهم إلى الله وقال لهم: إني لكم منذر، موضح لحقيقة الأمر، أُنذركم وأُخوفكم عذاب الله، فأمري واضح ودعوتي ظاهرة قال المفسرون: نوح ﵇ أول نبي أرسل، ويقال له: شيخ
следующие страницы →