← Тафсир

Тафсир · id 8967

صفوة التفاسير

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

حقَّ المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم سمعتَ وعيدَ الله ثم أوعيت الدنيا جمعتها من حلالٍ وحرام!! ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا فقال ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي إِن الإِنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإِنسان العموم بدليل الاستثناء، والاستثناء معيار العموم، ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ أي إِذا نزل به مكروه من فقر، أو مرضٍ، أو خوف، كان مبالغاً في الجزع مكثراً منه، واستولى عليه اليأس والقنوط ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ أي وإِذا أصابه خيرٌ من غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغاً في المنع والإِمساك، فهو إِذا أصابه الفقر لم يصبر، وإِذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله الإِنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبَّده بإِنفاق ما يحب والصبر على ما يكره ﴿إِلاَّ المصلين﴾ استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ أي في أموالهم نصيبٌ معيَّن فرضه الله عليهم وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ أي للفقير الذي يسأل وتكيفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيُظن أنه غنيٌ فيحرم كقوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدِّقون بمجيئه تصديقاً جازماً لا يشوبه شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة ﴿والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ أي خائفون على أنفسهم من عذا بالله، يرجون الثواب ويخافون العقاب ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه، إِنسان، إِلاَّ من آمنَّه الرحمن والأمور بخواتيمها. . إِنَّ هؤلاء المصدقين المشفقين قلَّما تزدهيهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواءٌ عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إِذ أن لديهم من الكفر في جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إِذا مسَّهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إِذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات فقال ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ أي أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي يقتصرون على ما أحلَّ الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي فإِنهم غير مؤاخذين لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلالٌ يؤجر عليه الإِنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون﴾ أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدَّى حدود الله وعرَّض نفسه لعذاب الله قال الطبري: من التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إِلى ما

стр. 1472

حرَّمه عليهم، فهم الملومون ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإِذا ائتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحه، وخصَّها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيهاً على فضلها لأن في إِقامتها إِحياء للحقوق، وفي تركها تضييع للحقوق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله إِلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإِلاَّ كانت حركات صورية لا يجني البعد ثمرتها، فإِن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولما كانت الصلاة عمود الإِسلام بولغ في التوكيد فيها، فذكرت في أول الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي بني عليها الإِسلام، قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ ثم قال في الختم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ والدوام غير المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا يشتغلون عها بشيءٍ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إِسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفوظها من الإِحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع الى نفس الصلوات، والمحافظة ترجع الى أحوانها، وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم وعاقبتهم فقال ﴿أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، والمناقب الرفيعمة، مستقرون في جنات النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإِنعام والتكريم بأنواع الملاذ والمشتهيات، لا تصافهم بمكارم الأخلاق ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ؟ أي ما لهؤلاء الكفرة المجرمين، مسرعين نحوك يا محمد، ما دين أعناقهم إِليك، م مقبلين بأبصارهم عليك؟ قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي ﷺ َ حلقاً حلقاً، يسمعون كلامه ويستهزئون به وبأصحابه، ويقولون: إِن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محد فلندخلنها قبلهم فنزلت الآية ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ﴾ أي جالسين عن يمينك وعن شمالك فرقاً فرقاً، وجماعات جماعاتٍ يتحدثون ويتعجبون؟ قال أبو عبيدة: عزين أي جماعات جماعات في تفرقة ومنه «مالي أراكم عزين؟ ألا تصفون كما تصفُّ الملائكة عند ربها» ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ استفهام إِنكاري مع التقريع والتوبيخ أي أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار، أن يدخله الله جنات النعيم، وقد كذب خاتم

стр. 1473

المرسلين؟ ﴿كَلاَّ﴾ ردع وزجر أي ليس الأمر كما يطمعون، فإِنهم لا يدخلونها أبداً ثم قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي خلقناهم من الأشياء المستقذرة، من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فمن أين يتشرفون بدخول جنات النعيم قبل المؤمنين، وليس لهم فضل يستوجبون به دخول الجنة؟ وإِنما يستوجب دخول الجنة من أطاع الله قال القرطبي: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ أي فأقسم برب مشارق الشمر والقمر والكواكب ومغاربها ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ أي قادرون على إهلاكهم، واستدالهم بقومٍ أفضل منهم وأطوع لله ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي ولسنا بعاجزين عن ذلك ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ أي اتركهم يا محمد يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، واشتغل أنت بما أُمرت به، وهو أمرٌ على جهة الوعيد والتهديد للمشركين ﴿حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ أي حتى يلاقوا ذلك اليوم العصيب الرهيب، الذي لا ينفعهم فيه توبة ولا ندم ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً﴾ ويخرجون من القبور إِلى أرض المحشر مسرعين ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي كأنهم يسعون ويستبقون إِلى أصنامهم التي نصبوها ليعبدوها، شبَّه حالة إِسراعهم إِلى موقف الحساب، بحالة إسراعهم وتسابقهم في الدنيا، الى آلهتهم وطواغيتهم، وفي هذا التشبيه تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، إِذ عبدوا ما لا يستحق العبادة، وتركوا عبادة الواحد الأحد ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي خاضعة منكسرة أبصارهم إِلى الأرض لا يرفعونها خجلاً من الله ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي يغشاهم الذل والهوان من كل مكان، وعلى وجوههم آثار الذلة والانكسار ﴿ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ أي هذا هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا وكانوا يهزءون ويكذبون، فاليوم يرون عقابهم وجزائهم!! البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الطباق بين ﴿بَعِيداً. . قَرِيباً﴾ وبين ﴿اليمين. . والشمال﴾ وبين ﴿المشارق والمغارب﴾ . ٢ - جناس الاشتقاق ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ وكذلك ﴿تَعْرُجُ المعارج﴾ . ٣ - ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً لفضله وتشريفاً له ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح﴾ الورح هو جبريل. ٤ - التشبيه المرسل المجمل ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ لحذف وجه الشبه. ٥ - ذكر العام بعد الخاص ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. . وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ جاء بالعموم بعد الخصوص لبيان هو الموقف. ٦ - المقابلة اللطيفة ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ قابله بقوله ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ . ٧ - الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ؟ ٨ -

стр. 1474

الكناية الفائقة الرائقة ﴿كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ كناية عن المني القذر، مع النزاهة التامة في التعبير، وحسن الإِيقاظ والتذكير، بألطف عبارة وأبلغ إِشارة. ٩ - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ وفي تشبيههم بذلك تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين بالإِسراع في عبادة غير من يستحق العبادة، ١٠ - السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً للشوى تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ الخ. تنبيه: نبَّه تعالى بقوله ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ الآيات إِلى طبائع البشر، فبيَّن أنَّ الإِنسان يتسرع إِلى مشتهاه، اتباعاً لهواه، وأنه مفرط في الهلع والجزع، فإِن مسه خير شحت به نفسه، وإِن نزل به شر اشتد له قلقه، ثم استنثى من ذلك الخلق الذميم أصنافاً من البشر، وهم الذين جمعوا مع الإِيمان صالح الأعمال.

стр. 1475

اللغَة: ﴿استغشوا﴾ غطوا غشَّاه أَي غطاه، والغشاء الغطاء ﴿مِّدْرَاراً﴾ غزيراً متتابعاً ﴿أَطْوَاراً﴾ أحوالاً مختلفة طوراً بعد طور قال الشاعر: «والمرء يخلق طوراً بعد أطوار» ... ﴿فِجَاجاً﴾ واسعات جمع فج وهو الطريق الواسعة ﴿كُبَّاراً﴾ كبيراً بالغ الغاية في الكبر ﴿دَيَّاراً﴾ أحداً يدور أو يتحرك على ظهر الأرض ﴿تَبَاراً﴾ هلاكاً ودماراً. التفسِيْر: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوح اً إلى قَوْمِهِ﴾ أي بعثنا شيخ الأنبياء نوحاً ﵇ إِلى سكان جزيرة العرب قال الألوسي: واشتهر أنه ﵇ كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي بأن خوف قومك وحذرهم إن لم يؤمنوا من عذاب شديد مؤلم، وهو عذاب الطوفان في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي فدعاهم إلى الله وقال لهم: إني لكم منذر، موضح لحقيقة الأمر، أُنذركم وأُخوفكم عذاب الله، فأمري واضح ودعوتي ظاهرة قال المفسرون: نوح ﵇ أول نبي أرسل، ويقال له: شيخ

стр. 1476

المرسلين، لأنه أطولهم عمراً فقد مكث في قومه كما قص القرآن الكريم ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: ١٤] يدعوهم إلى الله، ومع طول هذه المدة لم يؤمن معه إلا قليل، وقد أفرد القرآن قصته في هذه السورة الكريمة التي تسمى «سورة نوح» من بدء الدعوة إِلى نهايتها، حيث أهلك الله قومه بالطوفان، وهو أحد الرسل الكبار من أولي العزم وهم خمسة «نوح، ابراهيم، موسى، عيسى، محمد» صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد شاع الكفر في زمانه وذاع، واشتهر قومه بعبادة الأوثان، واكثروا من البغي والظلم والعصيان، فبعث الله لهم نوحاً عليه اسلام وكان من خبرهم مع نبيهم ما قصه الله علينا في القرآن ﴿أَنِ اعبدوا الله واتقوه وَأَطِيعُونِ﴾ أي فقال لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا محارمه، واجتنبوا مآثمه، وأطيعوني فيما أمرتكم به من طاعة الله، وترك عبادة الأوثان والأصنام ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي إنكم إن فعلتم ما أمرتكم به، يمحو الله عنكم ذنوبكم التي اقترفتموها، وإنما قال ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي بعض ذنوبكم التي حصلت قبل الإِسلام، لأن الإِيمان يجب ما قبله من الذنوب لا ما بعده ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي ويمد في أعماركم إن أطعتم ربكم، إلى وقت مقدر ومقرر في علم الله تعالى، مع التمتع بالحياة السعيدة، والعيش الرغيد قال المفسرون: المراد بتأخير الأجل هو التأخير بلا عذاب، أي يمهلهم في الدنيا بدون عذاب إلى انتهاء آجالهم، وأما العمر فهو محدود لا يتقدم ولا يتأخر ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ولهذا قال بعده ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي إن عمر الإِنسان عند الله محدود، لا يزيد ولا ينقص، وإنما أضيف الأجل إلى الله سبحانه لأنه هو الذي كتبه وأثبته ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإِيمان ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ أي قال نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل: يا رب إِني دعوت قومي إلى الإِيمان والطاعة، في الليل والنهار، من غير فتور ولا توانٍ ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإِيمان إلا هرباً، وشروداً عن الحق، وإعراضاً عنه. . ثم وصف نفورهم وصور إعراضهم أبلغ تصوير فقال ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي ك لما دعوتهم إلى الإِقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته، ليكون سبباً في مغفرة ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر المغفرة التي هي سبب عن الإِيمان، والعمل بطاعته، ليكون سبباً في مغفرة ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر المغفرة التي هي سبب عن الإِيمان، ليظهر قبح إعراضهم عنه، فإنهم أعرضوا عن سعادتهم ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا دعوتي ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ أي غطوا رؤوسهم ووجوههم بثابهم، لئلا يسمعوا كلامي أو يروني قال في البحر: والظاهر أن ذلك حقيقة، سدوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ما دعاهم إِليه، وتغَطَّوا بثيابهم حتى لا ينظروا إليه، كراهة وبغضاً من سماع النصح ورؤية الناصح، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في إعراضهم عمَّا دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سد سمعه، ومنع بصره ﴿

стр. 1477

وَأَصَرُّواْ واستكبروا استكبارا﴾ أي واستمروا على الكفر والطغيان، واستكبروا عن الإِيماتن استكباراً عظيماً، وفيه إشارة إلى فرط عنادهم، وغلوهم في الضلال ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً﴾ أي دعوتهم علناً على رؤوس الأشهاد، مجاهراً يدعوتي لهم دون خوف أو تحفظ ﴿ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ أي أخبرتهم سراً وعلناً، خيفةً وجهراً، وسلكت معهم كل طريق في الدعوة إِليك قال المفسرون: والعطف بثُمَّ يشعر بأن الإِعلان والإِسرار الأخيرين، كانا طريقة ثالثة سلكها نوح في الدعوة، غير طريقة السر المحضة، وغير طريقة الجهر المحضة، فكان في الطريقة الثالثة يعلن لهم الدعوة مرة حيث يصلح الإِعلان، ويسرها لهم أخرى حيث يتوقع نفع الإِسرار، ثم وضح ما وعظهم به سراً وعلانية فقال ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ أم آمنوا بالله وتوبوا عن الكفر والمعاصي، فإن ربكم تواب رحيم، يغفر الذنب ويقبل التوب ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ أي ينزل المطر عليكم غزيراً متتابعاً، شديد الانسكاب ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي يكثر أموالكم وأولادكم ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ أي ويجعل لكم الحدائق الفسيحة، ذات الأشجار المظلمة المثمرة، ويجعل لكم الأنهار تجري خلالها. . أطمعهم نوح ﵇ بالحصول على بركات السماء وبركات الأرض، إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتح هذه الخزائن، وأتاهم من طريق القلب لتحريك العواطف، ولبيان أن ما هم في من انحباس الأمطار، وما حرموه من الرزق والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده إرسال المطر، وإِغداق الرزق، والإِمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا بهذا الإِله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر ولا تنفع، ثم عاد فهزَّ نفوسهم هزاً، وعطفها نحو الإِيمان بأسلوب آخر من أساليب البيان فقال ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ أي ما لكم أيها القوم لا تخافون عظمة الله وسلطانه، ولا ترهبون له جانباً! ﴿قال ابن عباس: اي ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته﴾ ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ أي وقد خلقكم في أطوار مختلفة، وأدوار متباينة، طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، إلى سائر الأحوال العجيبة، فتبارك الله أحسن الخالقين. . ثم نبههم إلى دلائل القدرة والوحدانية، منبثة في هذا الكون الفسيح فقال ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سماوات طِبَاقاً﴾ أي ألم تشاهدوا يا معشر القوم عظمة الله وقدرته، وتنظروا نظر اعتبار، وتفكر وتدبر، كيف أن الله العظيم الجليل خلق سبع سموات سماء فوق سماء، متطابقة بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإِبداع والإِتقان!! ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ أي وجعل القمر في السماء الدنيا، منوراً لوجه الأرض في ظلمة الليل قال الإِمام الفخر: القرم في السماء الدنيا وليس في السموات بأسرها، وهذا كما يقال: السلطان في العراق ليس المراد ان ذاته حاصلة في كل أنحائها، بل إن ذاته في حيز من جملة أنحاء العراق، فكذا ههنا وقال في البحر: والقمر في السماء الدنيا، وصح كون السموات ظرفاً للقمر لأنه لا يلزممن الظرف أن يملأ المظروف، تقول

стр. 1478

زيد في المدينة وهو في جزء منها ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ أي وجعل الشمس مصباحاً مضيئاً يستضيء به أهل الدنيا كما يستضيء الناس بالسراج في بيوتهم، ولما كان نور الشمس أشدّ، وأتم، وأكمل في الانتفاع من نور القمر، عبر عن الشمس بالسراج لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نورها، فسبحان من أحاط بكل شيء علماً ﴿والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ بعد أن ذكر دليل الآفاق، ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك لأن في ذكر هذه الأمور، دلالة واضحة على عظمة الله، وقدرته وباهر مصنوعاته والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلَّكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها قال المفسرون: لما كان إخراجهم وإِنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض، كانوا من هذه الجهة متشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمى خلقهم وإنشاءهم إنباتاً، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ أي يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم فتدفنون فيها، ثم يخرجكم منها يوم البعث والحشر للحساب والجزاء، وأكده بالمصدر ﴿إِخْرَاجاً﴾ لبيان أن ذلك واقع لا محالة، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥] ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً﴾ أي جعلها فسيحة ممتدة ممهدة لكم، تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه قال في التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم من الآية أنها غير كروية، وفي ذلك نظر وقال الألوسي: وليس الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية، لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحاً، ثم إن اعتقاد الكرية أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كريتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطاً أي تتقلبون عليها كالبساط ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ أي لتسلكوا في الأرض طرقاً واسعة في أسفاركم، وتنقُّلكم في أرجائها؟؟ ولما أصروا على العصيان، وقابلوه بأقبح الأقوال والأفعال، حكى عنهم ما قصه القرآن ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ أي إنهم بالغوا في تكذيبي وعصيان أمري ﴿واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾ أي واتَّبعوا اغنياءهم ورؤساءهم، الذين أبطرتهم الأموال والأولاد،

стр. 1479

فهلكوا وخسروا سعادة الدارين، فصاروا أسوة لهم في الخسار ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ أي ومكر بهم الرؤساء مكراً عظيماً متناهياً في الكبر قال الألوسي: ﴿وكُبَّاراً﴾ مبالغة في الكبر أي كبيراً في الغاية، وذلك احتيالهم في الدين، وصدهم الناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح ﵇ ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي لاتتركوا عبادة الأوثان والأصنام، وتعبدوا رب نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ أي ولا تتركوا على جه الخصوص هذه الأصنام الخمسة وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً قال الصاوي: وهذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمهم عندهم، ولذا خصوها بالذكر، وهذا من شدة كفرهم، وفرط تعنتهم في المكر والاحتيال، فقد كانوا يلبسون ثوب المتنصح المخلص، ويسلكون في تثبيت الضعفاء على عبادة الآباء شتى الأساليب في المكر والخداع ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ أي وقد أضل كبراؤهم خلقاً وناساً كثيرين، بما زينوا لهم من طرق الغواية والضلال، ثم دعا عليهم بالضلال فقال ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً﴾ أي ولا تزدهم يا رب على طغيانهم وعدوانهم، إلا ضلالاً فوق ضلالهم قال المفسرون: دعا عليهم لما يئس من إيمانهم بإِخبار الله له بقوله ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فاستجاب الله دعاءه وأغرقهم، ولهذا قال تعالى ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ أي من أجل ذنوبهم وإجرامهم، وإصرارهم على الكفر والطغيان، أُغرقوا بالطوفان وأدخلوا النيران قال في التسهيل: وهاذ من كلام الله تعالى إخباراً عن أمرهم، و ﴿ما﴾ في ﴿مما﴾ زائدة للتأكيد، وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضاً، ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر وسائر المعاصي ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾ أي لم يجدوا من ينصرهم أو يدفع عنهم عذاب الله قال أبو السعود: وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ أي لا تترك أحداً على وجه الأرض من الكافرين قال في التسهيل: و ﴿دَيَّاراً﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال: ما في الدار ديار أي ما فيها أحد. . ثم علل ذلك بقوله ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ أي إنك إن أبقيت منهم أحداً، أضلوا عبادك عن طريق الهدى ﴿وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ أي ولا يأتي من أصلابهم إلا كل فاجر وكافر قال الإِمام الفخر: فإِن قيل: كيف عرف نوح ذلك؟ قلنا بالاستقراء، فإِنه لبث فيهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، فعرف طباعهم وجربهم، وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول: يا بني إحذر فإِنه كذاب، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، فلذلك قال ﴿وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ . . ولما دعا على الكفار أعقبه بالدعاء للمؤمنين فقال ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ بدأ بنفسه ثم بأبويه، ثم عمَّم لجميع المؤمنين والمؤمنات، ليكون ذلك أبلغ وأجمع ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ أي ولا تزد يا رب من جحد بآياتك وكذب رسلك، إلا هلاكاً وخساراً في الدنيا والآخرة.

стр. 1480

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الطباق بين ﴿أَعْلَنْتُ. . وَأَسْرَرْتُ﴾ وبين ﴿جِهَاراً. . وإِسْرَاراً﴾ وبين ﴿لَيْلاً. . وَنَهَاراً﴾ وبين ﴿يُعِيدُكُمْ. . وَيُخْرِجُكُمْ﴾ . ٢ - المجاز المرسل ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ المراد رؤوس الأصابع فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء. ٣ - الاستعارة التبعية ﴿والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ شبه إِنشاءهم وخلقهم في أدوار بالنبات الذي تخرجه الأرض، واشتق من لفظ البنات أنبتكم على طريق الاستعارة التعبية. ٤ - ذكر المصدر للتأكيد مثل ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ و ﴿أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ و ﴿استكبروا استكبارا﴾ ويسمى هذا في علم البديع بالإِطناب. ٥ - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً﴾ الآية وعكسه ذكر العام بعد الخاص ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ وكلاهما من باب الإِطناب، وهو من المحسنات البديعية. ٦ - السجع المرصع مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿مِّدْرَاراً، أَنْهَاراً، وَقَاراً، أَطْوَاراً﴾ الخ. فَائِدَة: استدل العلماء على عذاب القبر بقوله تعالى ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ قالوا: المراد بها نار القبر وعذابه، لأنه تعالى عطف بالفاء، والفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، ونار الآخرة لم يذوقوها بعد، فدل على أن المراد عذاب القبر، وهو استدلال لطيف.

стр. 1481

اللغَة: ﴿الرشد﴾ الحق والصواب ﴿جَدُّ﴾ الجد لغة: العظمة والجلال والسلطان يقال: جد فلان في عيني أي عظم وجل، والجد: الحظُّ، وأبو الأب ﴿حَرَساً﴾ جمع حارس او اسم جمع كخدم يقال: حرس وحُراس، والحارس: الحافظ للشيء يرعاه ويرقبه ﴿قِدَداً﴾ متفرقة مختلفة جمع قدة قال الشاعر: «إذ هم طرائق في أهوائهم قدد» ... ﴿غَدَقاً﴾ كثيراً واسعاً ﴿القاسطون﴾ الجائرون عن

стр. 1482

طريق الحق، يقال قسط الرجل إِذا جار ﴿صَعَداً﴾ شاقاً يعلو الإِنسان ويغلبه فلا يطيقه يقال: فلان في صعد من أمره أي في مشقة ﴿يَسْلُكْهُ﴾ يدخله ﴿لِبَداً﴾ متراكمين بعضهم فوق بعض يقال: تلبد الشيء أي تراكم بعضه فوق بعض ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملجأ وحرزاً يتحصن به الإِنسان. التفسِير: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ أي قل يا محمد لقومك: إن ربي أوحى إلي جماعة من الجن استمعوا لتلاوتي للقرآن، فآمنوا به وصدقوه وأسلموا ﴿فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ أي فقالوا لقومهم حين رجعوا إِليهم: إنا سمعنا قرآناً عجيباً، مؤثراً في حسن نظمه، وبلاغة أسلوبه، وما حواه من بديع الحِكَم والعظات و ﴿عَجَباً﴾ مصدر وصف به للمبالغة قال المفسرون: استمعوا إلى رسول الله ﷺ َ وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ولم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما أخبر به الرسول بواسطة الوحي بدليل قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ويؤيده ما قصه الله على نبيه في سورة الأحقاف من خبرهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] والغرض من الإِخبار عن استماع الجن، توبيخ وتقريع قريش والعرب في كونهم تباطئوا عن الإِيمان، إذ كانت الجن خيراً منهم وأسرع إلى الإِيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا واستهزءوا وهم يعلمون أنه كلام معجز، وأن محمداً أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإِنس والجن!! ﴿يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ﴾ أي يهدي هذا القرآن إلى الحق والرشاد والصواب فصدقنا به ﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، ولن نجعل الله شريكاً بعد اليوم من خلقه قال الخازن: وفي الآية دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي تعالت عظمة ربنا وجلاله ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ أي ليس له زوجة ولا ولد، لأن الزوجة تتخذ للحاجة، والولد للاستئناس، والله تعالى منزه عن النقائص ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾ أي وأن الأحمق الجاهل فينا كان ينسب إلى الله ما لا يليق بجلاله وقدسيته ويقول قولاً شططاً بعيداً عن الحق وحدِّ الاعتدال قال مجاهد: السفيه هو إبليس دعاهم إلى عبادة غير الله ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ أي كنا نظن أن أحداً لن يكذب على الله تعالى لا من الإِنس ولا من الجن في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك قال الطبري: وإنما أنكر هؤلاء النفر من الجن أن تكون علمت أن أحداً يجترىء على الكذب على الله لما سمعت القرآن، لأنهم قبل أن يسمعوه وقبل أن يعلموا تكذيب الله للزاعمين لله الصاحبة والولد كانوا يحسبون أن إِبليس صادق، فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في ذلك فسموه سفيهاً ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ

стр. 1483

الجن﴾ أي كان خلائق من الإِنس يستجيرون برجال من الجن ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أي فزاد الإِنس الجن باستعاذتهم بهم إِثماً وطغياناً، وعتواً وضلالاً قال أبو السعود: كان الرجل إِذا أمسى في واد قفر وخالف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإِنس والجن، فزاد الرجال الجن تكبراً وعتواً، فذلك قوله ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً﴾ أي وأن كفار الإِنس ظنوا كما ظننتم يا معشر الجن، أن الله لن يبعثُ أحداً بعد الموت، فقد أنكروا البعث كما أنكرتموهن أنتم ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ يقول الجن: وأنا طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها، فوجدانها قد ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي تقذف من يحاول الاقتراب منها ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أي كنا قبل بعثة محمد نطرق السماء لنستمع إلى أخبارها ونلقيها إلى الكهان ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ أي فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد شهاباً ينتظره بالمرصاد يحرقه ويهلكه ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض﴾ أي لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا نعلم هل امتلاء السماء بالحرس والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل الأرض؟ ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ أي أم لخير يريده الله بهم، بأن يبعث فيهم رسولاً مرشداً يرشدهم إلى الحق؟ وهذا من أدب الجن حيث نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه فقالوا ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ قال ابن كثير: وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فرأوا رسول الله ﷺ َ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فدنوا منه حرصاً على سماع القرآن ثم أسلموا ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي منا قوم صالحون أبرار، عاملون بما يرضي الله، ومنا قوم ليسوا صلحاء قال في التسهيل: وأرادوا بقولهم ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أي الذي ليس صلاحهم كاملاً، أو الذين ليس لهم صلاح ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ أي كنا فرقاً شتى، ومذاهب مختلفة، فمنا الصالح ومنا الطالح، وفينا التقي والشقي ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ أي علمنا وأيقنا أن الله قادر علينا، وأننا في قبضته وسلطانه أينما كنا، لن نعجزه بهرب، ولن نتفلت من عقابه إذا أراد بنا سوءاً قال القرطبي: أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله، أنا في قبضته وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره. . ثم عادوا إلى شكر الله تعالى على نعمة الإِيمان واهتدائهم بسماع آيات القرآن فقالوا ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى آمَنَّا بِهِ﴾ أي لما سمعنا القرآن العظيم آمنا به وبمن أنزله، وصدقنا محمداً ﷺ َ في

стр. 1484

رسالته ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ أي فمن يؤمن بالله تعالى فلا يخشى نقصاناً من حسناته ولا ظلماً بزيادة سيئاته قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته، لأن البخس النقصان، والرهق العدوان ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون﴾ أي وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد ﷺ َ، ومنا من جار عن الحق وكفر قال المفسرون: يقال قسط الرجل إذا جار، وأقسط إِذ عدل، اسم الفاعل من الأول قاسط، ومن الثاني مقسط ومنه ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] وأما القاسط فهو الظالم الجائر ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ أي فمن اعتنق الإِسلام واتبع الرسول ﵇، فأولئك الذين قصدوا الرشد، واهتدوا إلى طريق السعادة والنجاة ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ أي وأما الكافرون الجائرون عن طريق الحق والإِيمان، فسيكونون وقوداً لجهنم، توقد بهم كما توقد بكفار الإِنس. . وإلى هنا انتهى كلام الجن، مما يدعل على قوة إيمانهم، وصدقهم وإِخلاصهم، ثم قال تعالى مخبراً عن أهل مكة ﴿وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة﴾ أي لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً﴾ أي لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا، زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم الدائم، وبذلك يحوزون عز الدنيا والآخرة قال في التسهيل: الماء الغدق: الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي الإِسلام وطاعة الله والمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي لنختبرهم به أيشركون أم يكفرون؟ ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ أي ومن يعرض عن طاعة الله وعبادته، يدخله ربه عذاباً شديداً شاقاً لا راحة فيه قال قتادة: ﴿صَعَداً﴾ عذاباً لا راحة فيه وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإِذا انتهى إِلى أعلاها حُدِر إلى جهنم ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ هذا من جملة الموحى به للرسول ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ والمعنى وأوحي إلى أن المساجد وبيوت العبادة هي مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غيره وأخلصوا له العبادة فيها قال مجاهد: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله فيها، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد كلها ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ أي وأنه لما قام محمد ﷺ َ يعبد ربه ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي كاد الجن يركب بعضهم بعضاً من شدة الازدحام، حرصاً على سماع القرآن قال ابن عباس: كادوا ينقضون عليه لاستماع القرآن، وإنما وصفه تعالى بالعبودية، ولم يذكره باسمه زيادة في تشريفه وتكريمه ﵇ ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن ترجع عن دينك: إنما أعبد ربي وحده، ولا أشرك مع الله غيره بشراً ولا صنماً قال الصاوي: سبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت

стр. 1485

بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك وننصرك فنزلت ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾ أي قل يا محمد في محاجَّة هؤلاء: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً، ولا أجلب لكم نفعاً، وإنما الذي يملك هذا هو الله رب العالمين ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي قل لهم أيضاً: إنه لن ينقذني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد لي نصيراً ولا ملجأًمنه، فكيف أجيبكم إلى ما طلبتم؟ قال قتادة: ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملجأً ونصيراً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي لا أجد ملجأً إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم وأرشدتكم كما أمرني الله فحينئذ يجيرني ربي من العذاب كقوله تعالى ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قال ابن كثير: أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها عليَّ ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي ومن كذب الله ورسوله، ولم يؤمن بلقاء الله، وأعرض عن سماع الآيات وتدبر الرسالات، فإن جزاءه جهنم لا يخرج منها أبداً وإنما جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ حملاً على معنى ﴿مَنْ﴾ لأن لفظها مفرد ومعناها جمع ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي حتى إذا رأى المشركون ما يوعدون من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ أي فسيعلمون حنيئذ من هم أضعف ناصراً ومعيناً، وأقل نفراً وجنداً؟ هل هم؟ أم المؤمنون الموحدون؟ ولا شك أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصراً والأكثر عدداً، لأن الله معهم وملائكته الأَبرار ﴿قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ ؟ أي قل لهم يا محمد: ما أدري هل هذا العذاب الذي وعدتم به قريب زمنه ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾ أي أم هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟ قال المفسرون: كان ﷺ َ كلما خوف المذكبين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة، أظهروا الاسخفاف بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟ ومتى تقوم هذه الساعة؟ فأمره تعالى أن يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب أم بعيد؟ ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً﴾ أي هو جل وعلا عالم بما غاب عن الأبصار، وخفي عن الأنظار، فلا يطلع على غيبه أحداً من خلقه ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ أي إلا من اختاره الله وارتضاه لرسالته ونبوته، فيظهره الله على ما يشاء من الغيب قال المفسرون: لا يطلع الله على غيبه أحداً إلا بعض الرسل، فإنه يطلعهم على بعض الغيب، ليكون معجزة لهم، فإن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإِخبار عن بعض المغيبات، كما قال عن عيسى ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ أي فإنه تعالى يرسل من أمام الرسول ومن خلفه، ملائكة وحرساً يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إليه من علم الغيب قال الطبري: أي فإنه تعالى يرسل من أمامه ومن خلفه حرساً وحفظةً يحفظونه من الجن ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾ أي ليعلم الله علم ظهور فإنه تعالى عالم بما كان وما

стр. 1486

يكون أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظاً من الزيادة والنقصان قال ابن كثير: المعنى أن الله يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعاً لا محالة ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي أحاط علمه بما عند الرسل، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم ﴿وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي علم تعالى علم ضبط واستقصاء جميع الأشياء، المنبثَّة في الأرضين والسموات من القطر، والرمل، وورق الشجر، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يفخى عليه أمر، فكيف لا يحيط علماً بما عند رسله من رسالاته ووحيه، التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟ وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا أو ينقصوا أو يحرفوا فيها أو يغيروا، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء جليلها وحقيرها؟ ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الوصف بالمصدر للمبالغة ﴿قُرْآناً عَجَباً﴾ أي عجيباً في حسن إيجازه، وروعة إعجازه. ٢ - طباق السلب ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ لأن الإِيمان نفي للشرك. ٣ - جناس الاشتقاق ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ لما بين اللفظتين من الاشتقاق اللطيف. ٤ - الأسلوب الرفيع بنسبة الخير إلى الله، دون الشر أدباً مع الخالق ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ ؟ وبين لفظ «الشر» و «الرشد» طباقٌ في المعنى. ٥ - الطباق بين ﴿الإنس. . والجن﴾ وبين ﴿ضَرّاً. . ورَشَداً﴾ وبين ﴿المسلمون والقاسطون﴾ . ٦ - الاستعارة اللطيفة ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ استعارة الطرائق للمذاهب المختلفة، وهو من لطيف الاستعارة. ٧ - توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿أَحَداً، وَلَداً، رَّصَداً، رَشَداً، صَعَداً، عَدَداً﴾ الخ وهو ما يسمى في علم البديع بالسجع المرصع والله أعلم.

стр. 1487

اللغَة: ﴿المزمل﴾ المتلفف بثيابه يقال: تزمَّل بثوبه أي التف به وتغطَّى، وزمَّل غيره إِذا غطاه قال امرؤ القيس: كبير إناسٍ في بجادٍ مزمَّل ﴿سَبْحَاً﴾ تصرفاً وتقلباً في مهماتك، وأصل السَّبْح العومُ على وجه الماء، واستعير للتصرف والتقلب في شئون الحياة ﴿أَنكَالاً﴾ جمع نِكْلٍ وهو القيد الثقيل الذي يقيد به المجرم ﴿كَثِيباً﴾ الكثيب: الرمل المجتمع ﴿مَّهِيلاً﴾ سائلاً متناثراً منهاراً قال أهل اللغة: المهيل الذي إذا وطأته بالقدم زلَّ من تحتها، وإذا أخذ أسفله انهال، وأصله مهيول كمكيل أصله مكيول ﴿وَبِيلاً﴾ شديداً وخيم العاقبة. التفسِير: ﴿ياأيها المزمل﴾ أي يا أيها المتلفف بثيابه، وأصله المتزمل وهو الذي تلفف وتغطى، وخطابه ﷺ َ بهذا الوصف ﴿ياأيها المزمل﴾ فيه تأنيسٌ وملاطفة له ﵇ قال السهيلي؛ إن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي ﷺ َ لعلي حين غاضب فاطمة وقد نام ولصف بجنبه التراب قم أبا تراب، إشعاراً بأ، هـ ملاطفٌ له، وغير عاتب عليه، والفائدة الثانية، التنبيهُ لكل متزمل راقد ليله، لتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأنه الاسم المشتق من الفعل، يشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك

стр. 1488

الصفة، وسبب هذا التزمل ما روي في الصحيح «أن رسول الله ﷺ َ لما جاءه جبريل وهو في غار حراء في ابتداء الوحي رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي، وأخبرها بما جرى، فنزلت ﴿ياأيها المزمل﴾ » أي يا أيها الذي تلفف بقطيفته، واضطجع في زاوية بيته، وقد أشبه من يُؤثر الراحة والسكون، ويحاول التخلص مما كُلف به من مهمات الأمور ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي دع التزمل والتلفف، وانشط لصلاة الليل، والقيام فيه ساعات في عبادة ربك، لتستعد للأمر الجليل، والمهمة الشاقة، ألا وهي تبليغ دعوة ربك للناس، وتبصيرهم بالدين الجديد. . ثم وضَّح المقدار الذي ينبغي أن يصرفه في عبادة الله فقال ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي قم للصلاة والعبادة نصف الليل، أو أقل من النصف قليلاً، أو أكثر من النصف، والمراد أن تكون هذه الساعات طويلة بحيث لا تقل عن ثلث الليل، ولا تزيد على الثلثين قال ابن عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله ﷺ َ لقوله ﴿قُمِ اليل﴾ ثم نسخ بقوله تعالى ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة، وهذه هي السورة التي نسخه آخرها أولها، حيث رحم الله المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم بقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ﴾ الآية ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ أي اقرأ القرآن أثناء قيامك في الليل قراءة تثبت وتؤده وتمهل، ليكون عوناً لك على فهم القرآن وتدبره، قال الخازن: لما أمره تعالى بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتفكر والتأمل في حقائق الآيات ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر بقلبه عظمة الله وجلاله، وعند ذكر الوعد والوعيد يحصل له الرجاء والخوف، وعند ذكر القصص والأمثال يحصل له الاعتبار، فسيتنير القلب بنور معرفة الله، والإِسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، فظهر بذلك أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة، وقد كان رسول الله ﷺ َ يقطِّع القراءة حرفاً حرفاً أي يقرأ القرآن بتمهل، ويخرج الحروف واضحة لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذابٍ إلا وقف وتعوَّذ. . ثم بعد أن أمره تعالى باطراح النوم، وقيام الليل، وتدبر القرآن وتفهمه، انتقل إلى بيان السبب في هذه الأوامر الثلاثة، ذات التكليف الصعب الشاق فقال ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ أي سننزل عليك يا محمد كلاماً عظيماً

стр. 1489

جليلاً، له هيبة وروعةٌ وجلال، لأنه كلام الملك العلاَّم قال الإِمام الفخر: والمراد من كونه ثقيلاً هو عِظَم قدره، جلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقيل، وهذا معنى قول ابن عباس: ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ يعني كلاماً عظيماً، وقيل المراد ما في القرآن من الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، ووجه النظم عندي أنه لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سنلقي عليك قولاً عظيماً، ولا بد وأن تصيّر نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بصلاة الليل، فإن الإِنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على ذكره والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإِشراق وجلال الله فيها أقول: وهذا المعنى لطيف في الربط بين قيام الليل، وتلاوة القرآن، فإن الله تعالى كلَّف رسوله أن يدعو الناس إلى دين جديد، فيه تكاليف شاقة على النفس، وأن يكلفهم العمل بشرائعه وأحكامه، ولا شك أن مثل هذا التكليف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومصابرة، لما فيه من حملهم على ترك ما ألفوه من العقائد، ونبذ ما ورثوه من أسلافهم من العادات، فأنت يا محمد معرَّضٌ لمتاعب كثيرة، وأخطار جمة في سبيل هذه الدعوة، وحمل الناس على قبولها، فكيف يمكنك أن تقوم بهذه المهمة الكبيرة، وأنت على ما أنت عليه من التزل والتلفف، والخلود إلى الراحة والسكون، والبعد عن المشاقِّ، ومجاهدة النفس بطول العبادة وكثرة التهجد، ودراسة آيات القرآن دراسة تفهم وتدبر؟ فانشط من مضجعك إِذاً، واسهر معظم ليلك في مناجاة ربك، استعداداً لتحمل مشاق الدعوة، والتبشير بهذا الدين الجديد، ويا لها من لفتةٍ كريمة، تيقَّظَ لها قلبُ النبي الكريم ﵊ ُ، فشمَّر عن ساعد الجد والعمل، وقام بين يدي ربه حتى تشققت قدماه. . ثم بيَّن تعالى فضل إحياء الليل بالعبادة فقال ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ أي إن ساعات الليل وأوقاته التي فيها التفرغ والصفاء، وما ينشئه المرء ويحدثه من طاعةٍ وعابدة، يقوم لها من مضجعه بعد هدأةٍ من الليل ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي هي أشد على المصلي وأثقل من صلاة النهار، لأن الليل جعل للنوم والراحة، فقيامه على النفس أشد وأثقل، ومن شأن هذه الممارسة الصعبة أن تقوّي النفوس، وتشد العزائم، وتصلب الأبدان، ولا ريب أن مصاولة الجاحدين أعداء الله تحتاج إلى نفوس قوية، وأبدان صلبة ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي أثبتُ وأبينُ قولاً، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، فتكون النفس أصفى، والذهن أجمع، فإن هدوَّ الصوت في الليل، وسكون البشر فيه، أعون للنفس على التدبر والتفطن، والتأمل في أسرار القرآن ومقاصده ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ أي إن لك في النهار تصرفاً وتقلباً، واشتغالاً طويلاً في شئونك، فاجعل ناشئة الليل لتهجدك وعبادتك قال في التسهيل: السبحُ هنا عبارة عن التصرف في الأعمال والأشغل والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في أشغالك، وتفرغ بالليل لعبادة ربك. . وربع أن قرر الخطاب الإِلهي هذه المقدمات التي هي بمثابة تمهيدٍ وبساطٍ للدعوة، انتقل إلى أمر الرسول ﷺ َ بتبليغ الدعوة، وتعليمه كيفية السير فيها عملاً، بعد أن مهدها له نظراً فقال ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي استعن على دعوتك بذكر الله ليلاً ونهاراً، وانقطع إليه انقطاعاً تاماً في عبادتك وتوكلك عليه، ولا تعتمد في

стр. 1490

شأنٍ من شئونك على غيره تعالى قال ابن كثير: أي أكثر من ذكره وانقطع إليه جلا وعلا، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك مع إخلاص العبادة له ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ أي هو جل وعلا الخالق المتصرف بتدبير شئون الخلق، وهو المالك لمشارق الأرض ومغاربها، لا إله غيره ولا ربَّ سواه، فاعتمد عليه وفوّض أمورك إليه ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أي اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: «ساحر، شاعر، مجنون» فإن الل ناصرك عليهم ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ أي اتركهم ولا تتعرض لهم بأذى ولا شتيمة، قال المفسرون: الهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه، ولا يشوبه أذى ولا شتم، وقد كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال كما قال سبحانه ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأَنعام: ٦٨] ثم أُمر ﷺ َ بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر وبالمجاهدة الليلية، حتى يُعدُّوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة فينبغي الصر والاقتصار على الدعوة باللسان. . ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً صناديد قريش ﴿وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة﴾ أي دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي، أصحاب الغنى، والتنعم في الدنيا، والترف والبطر فأنا أكفيك شرهم قال الصاوي: المعنى اتركني أنتقم منهم، ولا تشفع لهم، وهذا من مزيد التعظيم له ﷺ َ، وإِجلال قدره ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي وأمْهِلهمْ زمناً يسيراً حتى ينالوا العذاب الشديد قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله ﷺ َ من مكة، فلما خرج منها سلَّط عليهم السنين المجدبة وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر وهو العذاب الخاص. . ثم وصف تعالى ما أعده لهم من العذاب في الآخرة فقال ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً﴾ أي إنَّ لهم عندنا في الآخرة قيوداً عظيمة ثقيلة يقيدون بها، وناراً مستعرة هي نار الجحيم يحرقون بها قال في التسهيل: الأنكال جمع نِكْل وهو القيد من الحديد، وروي أنها قيود سودٌ من نار ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ أي وطعاماً كريهاً غير سائق، يغصُّ به الإِنسان وهو الزقوم والضريع قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلقوهم لا يخرج ولا ينزل ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ أي وعذاباً وجيعاً مؤلماً، زيادة على ما ذكر من النكال والأغلال. . ثم ذكر تعالى وقت هذا العذاب فقال ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ أي يوم تتزلزل الأرض وتهتز بمن عليها اهتزازاً عنيفاً شديداً هي وسائر الجبال، وذلك يوم القيامة ﴿وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ أي وتصبح الجبال على صلابتها تلاً من الرمل سائلاً متناثراً، بعد أن كانت صلبة جامدة قال ابن كثير: أي تصير الجبال ككثبان الرمال، بعد ما كانت جحارة صماء، ثم إنها تُنسف نسفاً فلا يبقى منها شيء إلا ذهب كقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٥١٠٧] أي لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع. . ذكر تعالى العذاب

стр. 1491

المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه وهو الجحيم، وآلاته وهي القيود وطعام الزقوم، ووقته وهو عند اضطراب الأرض وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله، إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله ﵊ ُ، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حلَّ بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت وتمردت فأنزل بها من أمره ما أنزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ أي بعثنا لكم يا أهل مكة محمداً ﷺ َ شاهداً على أعمالكم، يشهد عليكم بما صدر منكم من الكفر والعصيان ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ أي كما بعثنا إلى ذلك الطاغية فرعون الجبار، رسولاً من أولئك الرسل العظام «أولي العزم» وهو موسى بن عمران قال الخازن: وإِنما خصَّ فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل، لأن محمداً ﷺ َ آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه وُلد فيهم، كما أن فرعون أزدرى بموسى وآذاه لأنه ربَّاه ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ أي فكذب فرعون بموسى ولم يؤمن به، وعصى أمره كما عصيتم يا معشر قريش محمداً ﷺ َ وكذبتم برسالته ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي فأهلكناه إهلاكاً شديداً فظيعاً، خارجاً عن حدود التصور، وذلك بإِغراقه في البحر مع قومه قال أبو السعود: وفي الآية التنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة، و «الوبيلُ» الثقيل الغليظ من قولهم كلأٌ وبيل أي وخيم لا يستمرأ لثقله. . وبعد أن ذكر الله أخذه لفرعون، وأن ملكه وجبروته لم يدفعا عنه العذاب، عاد فذكَّر كفار مكة بالقيامة وأهوالها ليبيّن لهم أنهم لن يفلتوا من العذاب كما لم يفلت فرعون مما حدث له فقال ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ أي كيف لا تحذون وتخافون يا معشر قريش عذاب يوم هائل إن كفرتم بالله ولم تؤمنوا به؟ وكيف تأمنون ذلك اليوم الرهيب الذي يشيب فيه الوليد من شدة هوله، وفظاعة أمره؟ قال الطبري: وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه، وذلك حين يقول الله لآدم: أخرج من ذريتك بعث النار، من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون، فيشيب هنالك كل وليد. . ثم زاد في وصفه وهوْله فقال ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ أي السماء متشققة ومتصدّعة من هول ذلك اليوم الرهيب العصيب ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي كان وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم واقعاً لا محالة، لأن الله لا يخلف الميعاد ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ أي إن هذه الآيات المخوّفة، التي فيها القوارع والزواجر، عظةٌ وعبرةٌ للناس ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي فمن شاء من الغافلين الناسين، أن يستفيد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، فليسلك طريقاً موصلاً إلى الرحمن، بالإِيمان والطاعة، فالأسبابُ ميسرة، والسبل معبَّدة، قال المفسرون: والغرض الحضُّ على الإِيمان وطاعة الله ، والترغيب في الأعمال الصالحة، لتبقى ذخراً في الآخرة. . ثم عادت الآيات الكريمة للحديث عمَّا بدأته في أول السورة من قيام الليل فقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ﴾ أي إن

стр. 1492

ربك يا محمد يعلم أنك تقوم مع أصحابك للتهجد والعبادة أقل من ثلثي الليل، وتارة تقومون نصفه، وتارةً ثلثه كقوله تعالى ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧١٨] ﴿والله يُقَدِّرُ الليل والنهار﴾ أي والله جلا وعلا هو العالم بمقادير الليل والنهار، وأجزائهما وساعاتهما، لا يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في غلس الظلام ابتغاء رضوانه، وهو تعالى المدبّر لأمر الليل والنهار ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي علم تعالى أنكم لن تطيقوا قيام الليل كله ولا معظمه، فرحمكم ورجع عليكم بالتخفيف قال الطبري: أي علم ربكم أن لن تطيقوا قيامه، فتاب عليكم بالتخفيف عنكم ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبَّر عن الصلاة بالقراءة، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة قال ابن عباس: سقط عن أصحاب رسول الله قيام الليل وصارت تطوعاً، وبقي ذلك فرضاً على رسول الله ﷺ َ. . ثم بين تعالى الحكمة في هذا التخفيف فقال ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ أي علم تعالى أنه سيوجد فيكم من يعجزه المرضُ عن قيام الليل، فخفف عنكم رحمة بكم ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله﴾ أي وقوم آخرون يسافرون في البلاد للتجارة، يطلبون الرزق وكسب المال الحلال ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي وقوم آخرون وهم الغزاة المجاهدون، يجاهدون في سبيل الله لإِعلاء كلمته ونشر دينه، وكل من هذه الفرق الثلاثة يشقُّ عليهم قيام الليل، فلذلك خفف الله عنهم، ذكر تعالى في هذه الآية الأعذار التي تكون للعباد تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض، ومنها السفر للتجارة، ومنها الجهاد في سبيل الله، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن تأكيداً للتخفيف عنهم قال الإِمام الفخر: أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فيهم مشغولون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتواليت أسباب المشقة عليهم، فلذلك خفف الله عنهم وصار وجوب التهجد منسوخاً في حقهم ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي فصلوا ما تيسَّر لكم من صلاة الليل، واقرءوا في صلاتكم ما تيسر من القرآن ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ أي وأدوا الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، والزكاة الواجبة عليكم إلى مستحقيها قال المفسرون: قلَّما يُذكر الأمر بالصلاة في القرآن، إلا ويُقرن معه الأمر بالزكاة، فإن الصلاة عماد الدين بين العبد وربه، والزكاة عماد الدين بينه وبين إِخوانه، والصلاة أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ أي تصدقوا في

стр. 1493

وجوه البر والإِحسان ابتغاء وجه الله قال ابن عباس: يريد سائر الصدقات سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى الضيف وغيرهما ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ أي أيَّ شيء تفعلوه أيها الناس من وجوه البر والخير تلقوا أجره وثوابه عند ربكم ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ أي تجدوا ذلك الأجر والثواب يوم القيامة خيراً لكم مما قدمتم في الدنيا من صلح الأعمال، فإن الدنيا فانية والآخةر باقية، وما عند الله خيرٌ للأبرار ﴿واستغفروا الله﴾ أي اطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، فإن الإِنسان قلَّما يخلو من تقصير أو تفريط ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة. . ختم تعالى السورة بإِرشاد المنفقين المحسنين، إلى أن يطلبوا من الله الصفح والعفو، إذ ربما كانوا لم يخلصوا النية في الإِنفاق، أو لم يحسنوا العمل في الإِقراض، فيضعوا النفقة في غير مواضعها، أو ينفقوها فيما لهم فيه غرض وشهوة، وهو ختم يتناسق مع موضوع الإِنفاق، فسبحان منزل القرآن بأوضح بيان!! البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الطباق بين ﴿انقص مِنْهُ. . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ وبين ﴿المشرق. . والمغرب﴾ وبين ﴿الليل والنهار﴾ . ٢ - جناس الاشتقاق ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ . ٣ - تأكيد الفعل بالمصدر مثل ﴿رَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ﴿رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ زيادة في البيان والإِيضاح. ٤ - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ ولو جرى على الأصل لقال إنا أرسلنا إليهم، والغرض من الالتفات التقريع والتوبيخ على عدم الإِيمان. ٥ - المجاز المرسل ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ أراد به الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة. ٦ - ذكر العام بعد الخاص ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ عمَّم بعد ذكر الصلاة، والزكاة، والإِنفاق ليعم جميع الصالحات. ٧ - الاستعارة التبعية ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ شبَّه الإِحسان إلى الفقراء والمساكين بإقراض رب العالمين، وهو من لطيف الاستعارة. ٨ - السجع المرصَّع مثل ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ الخ.

стр. 1494

اللغَة: ﴿المدثر﴾ المتغطي بثيابه، تدثر: لبس الدثار وهو الثوب الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، ومنه حديث «الأنصار شعار، والناس دثار» ﴿الناقور﴾ الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب الصوت، سمي ناقوراً لأنه يخرج منه صوت عظيم رهقب، يفزع الناس منه ويموتون ﴿عَبَسَ﴾ قطب بين عينيه ﴿بَسَرَ﴾ كلح وجهه وتغير لونه قال الليث: عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل كلح، فإن اهتم في الأمر وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل: بسل ﴿أَسْفَرَ﴾ أضاء وانكشف ﴿الكبر﴾ الدواهي وعظائم المصائب والعقوبات قال الراجز:

стр. 1495

يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر ... داهية الدهر وصمَّاء الغير ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ أسد، من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، وقيل هو جماع الرماة الذين يتصيدون قال الأزهري: هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه قال لبيد: إذا ما هتفنا هتفة في ندَّينا ... أتانا الرجال الصَّائدون القساور سَبَبُ النّزول: روي أنه لما نزل قوله تعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يعني محمداً ﷺ َ يتوعدنا ويخوفنا بجهنم، ويخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!! فقال «أبو الأسد الجمحي» : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، واكفوني اثنين، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ... ﴾ الآية. التفسِير: ﴿ياأيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ أي يا أيها المتغطي بقطيفته يريد النوم والراحة، قم من مضجعك قيام عزم وتصميم، وحذر الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، خوطب ﷺ َ بهذا اللفظ «المدثر» مؤانسة له ﷺ َ وتلطفاً، كما خوطب بلفظ ﴿المزمل﴾ في السورة السابقة قال المفسرون: «كان ﷺ َ يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات الكريمة ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ. .﴾ [العلق: ١] الآيات وهي أول ما نزل عليه من القرآن، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني، زملوني فنزلت ﴿ياأيها المزمل قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ » [المزمل: ١٢] الآيات ثم فتر الوحي فحزن ﷺ َ فبينا هو يمشي سمع صوتاً من السماء، فرفع رأسه فإِذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فعراه ﷺ َ من رؤيته الرغب والفزع، فجاء إلى أهله فقال: دثروني، دثروني فأنزل الله ﴿ياأيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قال القرطبي: وفي هذا النداء ملاطفة في الخطاب، من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بوصفه ولم يقل «يا محمد» ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبي ﷺ َ لحذيفة بن اليمان يوم الخندق: «قم يا نومان» ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي عظمربك، وخصه بالتمجيد والتقديس، وأفرده بالعظمة والكبرياء، فليس هناك من هو أكبر من الله قال الألوسي: أي اخصص ربك بالتنكير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة، اعتقاداً وقولاً، وإنما ذكرت هذه الجملة بعد الأمر بالإِنذار، تنبيهاً للنبي ﷺ َ على عدم الاكتراث بالكفار، فإن نواصي الخلائق بيد الجبار، فلا ينبغي أن يبالي الرسول بأحد من الخلق، ولا أن يرهب سوى الله، فإن كل كبير مقهور تحت عظمته تعالى وكبريائه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي وثيابك فطهرها من النجاسات والمستقذرات، فإن المؤمن طيبٌ طاهر، لا يليق منه أن يحمل الخبيث، قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه وقال ابن عباس: كنَّى بالثياب

стр. 1496

عن القلب والمعنى وقلبك فطهر من الإِثم والمعاصي واستشهد بقول غيلان وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع يقول العرب: فلان طاهر الثياب أو نقي الثياب، يريدون وصفه بالنقاء من المعايب وذميم الصفات، ويقولون: فلان دنس الثياب إذا كان موصوفاً بالأخلاق الذميمة قال الرازي: والسبب في حسن هذه الكناية، أن الثوب كالشيء الملازم للإِنسان، فلهذا السبب جعلوا الثوب كناية عن الإِنسان، فقالوا: المجدُ في ثوبه، والعفة في إزاره ﴿والرجز فاهجر﴾ أي اترك عبادة الأصنام والأوثان ولا تقربها قال ابن زيد: الرجز: الآلهة التي كانوا يعبدونها، فأمره أن يهجرها فلا يأتيها ولا يقربها وقال الإِمام الفخر: الرجز: اسم للقبيح المستقذر كالرجس قال تعالى ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] وقوله ﴿والرجز فاهجر﴾ كلام جامع لمكارم الأخلاق، كأنه قيل له: اهجر الجفاء، والسفه، وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين، والمراد بالهجر الأمر بالمداومة على ذلك الهجران، كما يقول المسلم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] ليس معناه أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ أي ولا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيراً، واعط عطاء من لا يخاف الفقر وقال ابن عباس: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها بمعنى: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وسر النهي أن يكون العطاء خالياً عن انتظار العوض تعففاً وكمالاً، فإن النبي ﷺ َ مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ أي اصبر على أذى قومك، ابتغاء وجه ربك. . ثم أخبر تعالى هن أهوال القيامة وشدائدها فقال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ أي فإِذا نفخ في الصور، نفخة البعث والنشور، وعبر عن النفخ وعن الصور، بالنقر في الناقور لبيان هول الأمر وشدته، فإن النفر في كلام العرب معناه الصوت وإذا اشتد الصوت أصبح مفزعاً فكأنه يقول: إصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك، ولهذا قال بعده ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي فذلك اليوم يوم شديد هائل، يشتد فيه الهول ويعسر الأمر عليهم، والإِشارة بالبعيد ﴿فَذَلِكَ﴾ للإِيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة ﴿عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي هو عسير على الكافرين، غير هين ولا يسير عليهم، لأنهم ينشاقون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقاً، ويفتضحون على رءوس الأشهاد، قال الصاوي: ودلت الآية على أنه يسير على المؤمنين، لأنه قيد عسرة بالكافرين، وفيها زيادة وعيد وغيظ للكافرين، وبشرى وتسلية للمؤمنين. . ثم أخبر عن قصة ذلك الشقي الكافر «الوليد بن المغيرة» وقوله الشنيع في القرآن فقال ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ أي دعني يا محمد وهذا الشقي، الذي خلقته في بطن أُمه وحيداً فريداً، لا ما له ولا ولاد، ولا حول له ولا مدد، ثم

стр. 1497

كفر بي وكذب بآياتي قال المفسرون: نزلت في «الوليد بن المغيرة» كان من أكابر قريش، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش، وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين، وأغدق عليه الرزق فكان ماله كالنهر الدافق، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفاً ولا شتاء، فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء علهيا، وفيه نزل ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ وهو أسلوب بليغ في التهديد، كما نزلت فيه الآيات المتقدمة في سورة نون، ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ. .﴾ إلى ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ [القلم: ١٠١٦] وهو الذي آذى رسول الله ﷺ َ وكاد له، فإن صناديد قريش لما برموا برسول الله، وضاقت عليهم الحيل في إسكاته، وإطفاء نور دعوته، لجأوا إلى الوليد فأشار عليهم بأن يلقبوه ﷺ َ بالساحر، ويأمروا عبيدهم وصبيانهم أن ينادوا بذلك في مكة، فجعلوا ينادون إن محمداً ساحر، فحزن لذلك رسول الله ﷺ َ فنزلت الآيات الكريمة في معرض تهديده وتخويفه، ليكون ذلك أدعى للكسر من كبريائه ثم قال تعالى ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ أي جعلت له المال الواسع المبسوط، من الإِبل، والخيل، والغنم، والبساتين النضرة قال البيضاوي: ﴿مَّمْدُوداً﴾ أي مبسوطاً كثيراً، وكان له الزرع والضرع والتجارة قال ابن عباس: كان ماله ممدوداً ما بين مكة والطائف وقال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفاً ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ أي وأولاداً مقميمن معه في بلده، يحضرون معه المحافل والمجامع، يستأنس بهم ولا يتنغَّص عيشه لفراقهم قال المفسرون: كان له عشرة بنين لا يفارقونه سفراً ولا حضراً، وكان مستأنساً بهم وله بهم عز ومنعة، أسلم منهم ثلاثة: «خالد، وهشام، والوليد» . . وبعد أن ذكر من مظاهر النعم المال والبنين عاد فعمم الخيرات الدنيوية التي أنعم بها الله عليه فقال ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ أي بسطت بين يديه الدنيا بسطاً، ويسرت له تكاليف الحياة، ومظاهر الجاه والعز والسيادة، فكان في قريش عزيزاً منيعاً، وسيداً مطاعاً ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أي ثم بعد هذا العطاء الجزيل يطمع أن أزيد له في ماله وولده وقد كفر بي قال الفخر الرازي: لفظ ﴿ثُمَّ﴾ هنا للإِنكار والتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك داري، وأطعمتك وأكرمتك ثم أنت تشتمني! ﴿أي ومع كل هذه الإِنعام والإِكرام فقد كفر وجحد، وبدل أن يشكر الوليد لربه هذا الإِحسان، ويقابله بالطاعة والإِيمان، عكس الأمر وقابله بالجحود والكفران ﴿كَلاَّ﴾ ردع وزجر أي ليرتدع هذا الفاجر الأثيم عن ذلك الطمع الفاسد، ثم علل ذلك بقوله ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ أي لأنه معاند للحق، جاحد بآيات الله، مكذب لرسوله، فكيف يطمع بالزيادة هذا الشقي العنيد؟ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ أي سأكلفه وألجئه إلى عذاب صعب شاق لا يطاق، تضعف عنه قوته كما تضعف

стр. 1498

قوة من يصعد في الجبل قال القرطبي: ﴿صَعُوداً﴾ صخرة ملساء يكلف صعودها، فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، فيهوي ألف عام قبل أن يبلغ قرارها وفي الحديث «الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي فيه كذلك أبداً» ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أي إنه فكر في شأن النبي والقرآن، وأجال رأية وذهنه الثاقب، ثم رتب وهيأ كلاماً في نفسه، ماذا يقول في القرآن؟ وبماذا يطعن فيه؟ قال تعالى دعاء عليه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي قاتله الله وأخزاه على تلك الكلمة الحمقاء التي أجالها في نفسه، حيث قال عن القرآن، إنه سحر، وقال عن محمد إنه ساحر، وفي الآية استهزاء به وتهكم، حيث قدر ما لا يصح تقديره، ولا يسوغ أن يقوله عاقل قال في البحر: يقول العرب عند استعظام الأمر والتعجب منه: قاتله الله، ومرادهم أنه قد بلغ المبلغ الذي يحسد عليه ويدعي عليه من حُسَّاده، والاستفهام في قوله ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ؟ في معنى ما أعجب تقديره وما أغربه به؟ كقولهم أي رجل هذا؟ أي ما أعظمه؟ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ كرر العبارة تأكيداً لذمه وتقبيحاً لحاله، ولغاية التهكم به، كأنه قال: قاتله الله ما أروع تفكيره، وأبدع رأيه الحصيف؟ حيث قال عن القرآن إنه سحر يؤثر؟ قال المفسرون: مر الوليد بالنبي ﷺ َ وهو يصلي ويقرأ القرآن، فاستمع لقراءته وتأثر بها، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً، ما هو من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها﴾ فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد: ما لي أراك حزيناً يا ابن أخي؟ ﴿فقال: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالاً ليعينوك به على كبر سنك، ويزعمون أنك زيَّنت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه، وتنال من ماله﴾ ﴿فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالاً وولداً؟﴾ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموهن يخنف؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا اللهم لا، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده، وما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر، فذلك قوله تعالى ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ الآيات تركنا الوليد يفكر ويقدر، ولنرجع إليه لنرى ماذا فعل بعد، قال تعالى ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أي أجال النظر مرة أُخرى متفكراً في شأن القرآن ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي ثم قطب وجهه وكلحه ضيقاً بما يقول ﴿وَبَسَرَ﴾ اي وزاد في القبض

стр. 1499

والكلوح، كالمتهم المتفكر في أمر يدبره قال في التسهيل: البسور تقطيب الوجه وهو أشد من العبوس ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر﴾ أي ثم أعرض عن الإِيمان، وتكبر عن اتباع الهدى والحق ﴿فَقَالَ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي فقال: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقله ويرويه عن السحرة ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ أي ليس هذا كلام الله، وما هو إلا كلام المخلوقين، يخدع به محمد القلوب، ويؤثر فيها كما يؤثر السحر بالمسحور قال الألوسي: هذا كالتأكيد للجملة الأولى، لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا أو من كلام الله تعالى، ولذلك لم يعطف عليها بالواو، وفي وصف إشكاله واستنباطه هذا القول السخيف استهزاء به، وإشارة إلى أنه عن الحق بمعزل، ويظهر من تتبع أحوال الوليد، أنه إنما قال ذلك عناداً وحمية جاهلية، لا جهلاً بحقيقة الحال، ألا ترى ثناءه على القرآن ونفيه عنه جمعي ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون!! ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أي سأدخله جهنم يتلظى حرها، ويذوق عذابها ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ استفهام للتهويل والتفظيع أي وما أعلمك أي شيء هي سقر؟ ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي لا تبقي على شيء فيها إلا أهلكته، ولا تترك أحداً من الفجار إلا أحرقته قال ابن عباس: لا تبقي من الدم والعظم واللحم شيئاً، فإذا أعيد خلقهم من جديد تعاود إحراقهم بأشد مما كانت وهكذا أبداً ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ أي تلوح وتظهر لأنظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهو لها كقوله تعالى ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: ٣٦] قال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها عياناً فهي بارزة إلى أنظارهم، يرونها من غير استشراف ولا مدِّ أعناق ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي خزنتها الموكلون عليها تسعة عشر ملكاً من الزبانية الأشداء كقوله تعالى ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] قال ابن عباس: «ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف انسان في قعر جهنم» قال الألوسي: روي عن ابن عباس أنها لما نزلت ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يعني محمداً يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم أي العدد الشجعان، أفيعجز كل عشرةٍ منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأشد الجمحي: وكان شديد البطش أنا أكفيكم سبعة عشر فأكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ أي وما جعلنا خزنة النار إِلا من الملائكة الغلاظ الشداد، ولم نجعلهم من البشر حتى يصارعوهم ويغالبوهم ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي لم نجعل ذلك العدد إلاَّ سبباً لفتنة وضلال المشركين، حين استقلوا بعددهم واستهزءوا حتى قال أبو جهل:

стр. 1500

أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحدٍ منهم ثم تخرجون من النار؟ قال الطبري: وإِنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنةً للكافرين، لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم لأصحابه على سبيل الاستهزاء أنا أكفيكموهم ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي ليتيقن أهل الكتاب من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله، إِذ يجدون هذا العدد في كتبهم المنزَّلة ﴿وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً﴾ أي ويزداد المؤمنون تصديقاً لله ورسوله، بما يشهدن من صدق أخبار نبيهم ﷺ َ وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقاً للتوراة والإِنجيل ﴿وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون﴾ أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في عددهم، وهذا تأكيدٌ لما قبله لأنه لما ذكر اليقين نفى عنهم الشك، فكان قوله ﴿وَلاَ يَرْتَابَ﴾ مبالغة وتأكيداً، وهو ما يسميه علماء البلاغة الإِطناب ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ أي وليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق والكافرون من أهل مكة: أيَّ شيء أراد الله بهذا القول العجيب، الذي هو مثل في الغرابة والبداعة؟ ولماذا يخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر؟ قال الرازي: إِثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي حصول الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إِعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب، وقد كان ﷺ َ يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإِنهم يستهزئون به ويضحكون منه، ولذلك بيَّن تعالى الغاية من ذكر هذا الخبر أوضح بيان ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي مثل ما أضلَّ الله أبا جهل وأصحابه، يضلُّ الله عن الهداية والإِيمان من أراد إِضلاله، ويهدي من أراد هدايته، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي وما يعلم عدد الملائكة، وقوتهم وضخامة خلقهم، وكثرتهم إِلا الله رب العالمين، وفي الآية ردٌّ على أبي جهل حين قال: أما لربِّ محمد أعوان إِلاّ تسعة عشر؟ ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ أي وما هذه النار التي وصفها لكم الجبار، إِلا موعظة وتذكرة للخلق ليخافوا ويطيعوا ﴿كَلاَّ والقمر﴾ ﴿كَلاَّ﴾ كلمة ردع وزجر ثم أقسم الله تعالى بالقمر على أن سقر حق، والمعنى ليرتدع أولئك المستهزئون بالوحي والقرآن عن فعلهم وسوء صنيعهم،

стр. 1501

وأُقسم بالقمر ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي وأُقسم بالليل حين ولَّى بظلمته ذاهباً ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ أي وبالصبح إِذا تبلَّج وأضاء، ونشر ضياءه على الأرجاء ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر﴾ أي إِن جهنم لإِحدى الدواهي الكبيرة، والبلايا الخطيرة، فكيف يستهزئون بها ويكذبون؟ قال أبو حيان: أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفاً لها، وتنبيهاً على ما يظهر فيها من عجائب الله وقدرته، وقوام الوجود بإِيجادها، أقسم على أن جهنم إِحدى الدواهي العظيمة الي تلا نظضير لها وفي الآية إِيماء إلى أن الشمس والقمر مخلوقان لله، وأنهما في حركاتهمها وإدبارهما وإٍسفارهما، ونشوء الليل والنهار عنهما، مسخران لأمره تعالى، ساجدان بين يدي قدرته وقهره، فكيف يحسن بالبشر أن يعبدوهما ويكفروا بالإِله الذي خلقهما؟ ثم قال تعالى عن جهنم ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾ أي هي إِنذار للخلق ليتقوا ربهم ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أي لمن أراد من العباد أن يتقرب الى ربه بفعل الخيرات أو يتأخر بفعل الموبقات قال في البحر: والمراد بالتقدم والتأخر: السبق الى الخير والتخلف عنه كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها بمعصيته ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي كل نفس محبوسة بعملها، مرهونةٌ عند الله بكسبها، ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ أي إِلا فريق السعداء المؤمنين، فإِنههم فكوا رقابهم وخلَّصوها من السجن والعذاب، بالإِيمان وطاعة الرحمن ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ أي هم في جناتٍ وبساتين لا يدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضاً عن حال المجرمين الذين في النار، والسؤال لزيادة تبكيت أولئك المجرمين وتوبيخهم، وإِدخال الألم والحسرة على نفوسهم، يقولون لهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال في البحر: وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير، وإِلاّ فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي قال المجرمون مجيبين للسائلين: لم نكن من المصلين في الدنيا لرب العالمين ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي ولم نكن نتصدق ونحسن إِلى الفقراء والمساكين قال ابن كثير: مرادهم في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إِلى خلقه من جنسنا ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ أي وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل قال في التسهيل: والخوض هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء والمعاد، وإِنما أخر التكذيب بيوم الدين تعظيماً له، لأنه أعظم جرائمهم وأفحشها ﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي حتى جاءنا الموت ونحن في تلك المنكرات والضلالات، قال تعالى معقباً على اعترافهم بتلك الجرائم ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ أي ليس لهم شافع ينقذهم من عذاب الله، ولو شفع لهم أهل الأرض ما قبلت شفاعتهم فيهم قال ابن كثير: من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإِنه لا تنفعه بيوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن

стр. 1502

الشفاعة إنما تنجع إِذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى الله كافراً فإِنه مخلد في النار أبداً. . ولما ذكر تعالى قبائحهم وشنائعهم عاد بالتوبيخ والتقريع عليهم فقال ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ ؟ فما لهؤلاء المشركين معرضين عن القرآن وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة والنصائح والإِرشادات؟ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ أي كأن هؤلاء الكفار حمر وحشية نافرة وشاردة ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي هربت ونفرت من الأسد من شدة الفزع قال في البحر: شبههم تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم وتهجيناً وقال ابن عباس: الحمر الوحشية إِذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إِذا رأوا محمداً ﷺ َ هربوا منه كما يهرب الحمار من الأسد ثم قال: والقسورة: الأسد ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ أي بل يطمع كل واحد من هؤلاء المجرمين أن ينزل عليه كتاب من الله كما أُنزل على محمد ﷺ َ، ويريد أن يتنزَّل عليه الوحي كما تنزَّل على الرسل والأنبياء، والغرض من الآية بيان إمعانهم في الضلالة وكأنه يقول: دع عنك ذكر إِعراضهم وغباوتهم ونفارهم نفار العجماوات مما فيه خيرهم وسعادتهم، واستمع لما هو أعجب وأغرب، وذلك طمع كل فردٍ منهم أن يكون رسولاً يوحى إِليه، وهيهات أن يصل الاشقياء إلى مراتب الأنبياء، ثم قال تعالى ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي ليرتدعوا وينزجروا عن مثل ذلك الطمع، بل الحقيقة أنهم قوم لا يصدقون بالبعث والحساب، ولا يؤمنون بالنعيم والعذاب، وهذا هو الذي أفسدهمه وجعلهم يعرضون عن مواعظ القرآن ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ كرَّر الردع والزجر لهم بقوله ﴿كَلاَّ﴾ ثم قال ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي إِنَّ هذا القرآن موظعة بليغة، كافية لاتعاظهم لو أرادوا لأنفسهم السعادة ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي فمن شاء اتعظ بما فيه، وانتفع بهداه ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ أي وما يتعظون به إِلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا، وفيه تسلية للنبي ﷺ َ وترويح عن قلبه الشريف، مما كان يخامره من إِعراضهم وتكذيبهم له ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ أي هو جل وعلا أهلٌ لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل لأن يغفر لمن آمن به وأَطاعه وفي الحديث عن أنس «أن رسول الله ﷺ َ قرأ هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ثم قال» قال ربكم: أنا أهل أن أُتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إِلهاً فأنا أهلٌ أن أغفر له «. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الطباق بين ﴿عَسِيرٌ. . ويَسِيرٍ﴾ كما أن بين اللفظتين جناس الاشتقاق. ٢ - المقابلة بين ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ وبين ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ . ٣ - الإِطناب بتكرار الجملة ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ زيادة في التوبيخ والتشنيع. ٤ - جناس الاشتقاق ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ . ٥ -

стр. 1503

تقديم المفعول لإِفادة الاختصاص ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ والرجز فاهجر﴾ . ٦ - الطباق بين ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ وبين ﴿يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ . ٧ - أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ ؟ ٨ - التشبيه التمثيلي ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. ٩ - الإِيجاز بحذف بعض الجمل ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ أي قائلين لهم: ما سلككم في سقر، فحذف اعتماداً على فهم المخاطبين. ١٠ - الاستفهام للتهويل والتفخيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ ١١ - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ خصَّه بالذكر مع أنه داخل في الخوض بالباطل مع الخائضين لبيان تعظيم هذه الذنب. ١٢ - السجع المرصَّع مثل ﴿كَلاَّ والقمر والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر﴾ ومثل ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين حتى أَتَانَا اليقين﴾ الخ.

стр. 1504

اللغَة: ﴿بَنَانَهُ﴾ البَنان: أطراف الأصابع أو الأصابع نفسها جمع بنانة قال النابغة: بمخضَّبٍ رَخْصٍ كأنه بَنَانَهُ ... عَنمٌ يكاد اللطافة يُعْقد ﴿بَرِقَ﴾ فزع وبُهت وتحيَّر، وأصله النظر إلى البرق فيدهش البصر قال ذو الرمة: وَلو أنَّ لُقمان الحكيم تعرضتْ ... لِعينيه ميٌّ سافراً كاد يبرق ﴿وَزَرَ﴾ ملجأ وحصن يتلجىء إليه ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ حسنة مشرقة متهلّلة، والنُضرة: النعمة وجمال البشرة والإِشراقة الجميلة ﴿بَاسِرَةٌ﴾ شديدة الكلوحة والعبوس يقال: بَسرَ وجهه إِذا اشتد في عبوسه وكلاحته ﴿فَاقِرَةٌ﴾ الفاقرة: الداهية والأمر العظيم يقال: فَقَرته المصيبة أي كسرت فَقَار ظهره ﴿يتمطى﴾ يتبختر في مشيته اختيالاً وكبراً. التفسِير: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ أي أقسم بيوم القيامة، يوم الحساب والجزاء ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ أي وأقسم بالنفس المؤمنة التقية، التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات، وفعل الموبقات قال المفسرون: ﴿لاَ﴾ لتأكيد القسم، وقد اشتهر في كلام العرب زيادة ﴿لاَ﴾ قبل القسم لتأكيد الكلام، كأنه من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى قسم، وجوابُ القسم محذوف تقديره «

стр. 1505

لتبعثنَّ ولتحاسبنَّ» دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ؟ . . أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمة وهوله، وأقسم بالنفس التي تلوم صاحبها على التقصير في جنب الله، وتستغفر وتنيب مع طاعتها وإِحسانها قال الحسن البصري: هي نفس المؤمن، إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه: ماذا أردتُ بكلامي؟ وماذا أردتُ بعملي؟ وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، أي أيظن هذا الإِنسان الكافر، المكذب للبعث والنشور، أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في «عدي بن ربيعة» جاء إلى رسول الله ﷺ َ فقال يا محمد: حدثني عن يوم القيامة، متى يكون؟ وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله ﷺ َ فقال: لو عاينتُ ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن بك، كيف يجمع الله العظام؟ فنزلت هذه الآية، قال تعالى رداً عليه ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نعيد أطراف أصابعه، التي هي أصغر أعضائه، وأدقها أجزاءً وألطفها التئاماً، فكيف بكبار العظام؟ وإنما ذكر تعالى البنان، وهي رءوس الأصابع لما فيها من غرابة الوضع، ودقة الصنع، لأن الخطوط والتجاويف الدقيقة التي في أطراف أصابع إنسان، لا تماثلها خطوطٌ أُخرى في أصابع شخص آخر على وجه الأرض، ولذلك يعتمدون على بصمات الأصابع في تحقيق شخصية الإِنسان في هذا العصر ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ أي بل يريد الإِنسان بهذا الإِنكار أن يستمر على الفجور، ويقدم على الشهوات والآثام، دون وازع من خُلُق أو دين، وينطلق كالحيوان ليس له همٌ إلا نيل شهواته البهيمية، ولذلك ينكر القيامة ويكذب بها ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ أي يسأل هذا الكافر الفاجر على سبيل الاستهزاء والتكذيب متى يكون هذا اليوم يوم القيامة؟ قال الرازي: والسؤال هنا سؤال متعنت ومستبعد لقيام الساعة، ونظيره ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ [يونس: ٤٨] ؟ ولذلك ينكر المعاد ويكذب بالبعث والنشور، والغرض من الآية ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ أن الإِنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يُقر بالحشر والنشر، وبعث الأموات، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبداً منكراً لذلك، قائلاً على سبيل الهزء والسخرية: أيَّان يومُ القيامة، قال تعالى رداً على هؤلاء المنكرين ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ أي فإِذا زاغ البصر وتحيَّر، وانبهر من شدة الأهوال والمخاطر ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ أي ذهب ضوءه وأظلم ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ أي جمع بينهما يوم القيامة، وأُلقيا في النار ليكونا عذاباً على الكفار

стр. 1506

قال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يُقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى ﴿يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾ أي يقول الفاجر الكافر في ذلك اليوم: أين المهرب؟ وأين الفرار والمنجى من هذه الكارثة الداهية؟ يقول قول الآيس، لعلمه بأنه لا فرار حنيئذٍ ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ ردعٌ له عن طلب الفرار، أي ليرتدع وينزجر عن ذلك القول، فلا ملجأ له، ولا مغيث من عذاب الله ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ أي إلى الله وحده مصير ومرجع الخلائق قال الألوسي: إليه جل وعلا وحده استقار العباد، لا ملجأ ولا منجى لهم غيره ... والمقصود من الآيات بيان أهوال الآخرة، فاأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع وتحار من شدة الأهوال؛ ومن عظم ما تشاهده من الأمور العظيمة، والإِنسان يطيش عقله، ويذهب رشده، ويبحث عن النجاة والمخلص، ولكن هيهات فقد جاءت القيامة وانتهت الحياة ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ أي يُخبر الإِنسان في ذلك اليوم بجميع أعماله، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، ما قدَّمه منها في حياته، ما أخره بعد مماته، من سنةٍ حسنة أو سيئة، ومن سمعة طيبةٍ أو قبيحة وفي الحديث «من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنةً سيئة فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ أي بل هو شاهد على نفسه، وسوء عمله، وقبح صنيعه، لا يحتاج إلى شاهد آخر كقوله ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإِسراء: ١٤] والهاءُ في ﴿بَصِيرَةٌ﴾ للمبالغة كرواية وعلاَّمة قال ابن عباس: الإِنسان شاهد على نفسه وحده، يشهد عليه سمعُه، وبصره، ورجلاه، وجوارحه ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ أي ولو جاء بكل معذرة ليبرِّر إجرامه وفجوره، فإنه لا ينفعه ذلك، لأنه شاهدٌ على نفسه، وحجةٌ بينه عليها قال الفخر: المعنى أن الإِنسان وإن اعتذر عن نفسه، وجادل عنها، وأتى بكل عذر وحجة، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه بما جنت واقترفت من الموبقات. . وبعد هذا البيان انتقل الحديث إلى القرآن، وطريقة تلقي الوحي عن جبريل فقال تعالى مخاطباً رسوله ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي عليك بواسطة جبريل، لأجل أن تتعجل بحفظه مخافة أن يتفلَّت منك ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي إن علينا أن نجمعه في صدرك يا محمد وأن تحفظه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ أي فإِذا قرأه عليك جبريل، فأنصت لاستماعه حتى يفرغ، ولا تحرك شفيتك أثناء قراءته ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي ثم إن علينا بيان ما أشكل عليك فهمه يا محمد من معاينة وأحكامه، قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ َ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه، مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ. .﴾ الآيات، فكان رسول الله ﷺ َ بعد ذلك إذا أتاه جبريل ﵇ أطرق واستمع، فإِذا

стр. 1507

ذهب قرأه كما وعد الله قال ابن عباس ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمعْ وأَنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: أن نبينه بلسانك وقال ابن كثير: كان ﷺ َ يبادر إلى أخذ القرآن، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوتُه، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه ثم عاد الحديث عن المكذبين بيوم الدين فقال تعالى مخاطباً كفار مكة ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي ارتدعوا يا معشر المشركين، فليس الأمر كما زعمتم أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء، بل أنتم قومٌ تحبون الدنيا الفانية، وتتركون الآخرة الباقية، ولذلك لا تفكرون في العمل للآخرة مع أنها خيرٌ وأبقى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ لما ذكر تعالى أن الناس يؤثرون الدنيا ولذائذها الفانية على الآخرة ومسراتها الباقية، وصف ما يكون يوم القيامة من انقسام الخلق إلى فريقين: أبرار، وفجار والمعنى وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة مضيئة، من أثر النعيم، وبشاشة السرور عليها، كقوله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي تنظر إلى جلال ربها، وتهيم في جماله، أعظم نعيم لأهل الجنة رؤية المولى جلا وعلا والنظر إلى وجهه الكريم بلا حجاب قال الحسن البصري: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وبذلك وردت النصوص الصحيحة ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ أي ووجوهٌ يوم القيامة عابسة كالحة، شديدة العبوس والكلوح، وهي وجوه الأشقياء أهل الجحيم ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ أي تتوقع أن تنزل بها داهية عظمى، تقسم فقار الظهر، قال ابن كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة عابسة، تستيقن أنها هالكة، وتتوقع أن تحل بها داهية تكر فقار الظهر ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ ﴿كَلاَّ﴾ ردعٌ وزجر عن إِيثار العاجلة أي ارتدعوا يا معشر المشركين عن ذلك، وتنبهوا لما بين أيديكم من الأهوال والمخاطر، فإن الدنيا دار الفناء، ولا بد أن تتجرعوا كأس المنية، وإِذا بلغت الروح ﴿التراقي﴾ أعالي الصدر، وشارف الإِنسان على الموت ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي وقال أهله وأقرباؤه: من يرقيه ويشفيه ممَّا هو فيه؟ قال في البحر: ذكَّرهم تعالى بصعوبة الموت، وهو أول مراحل الآخرة، حين تبلغ الروح التراقي وهي عظام أعلى الصدر فقال أهله: من يرقي ويطب ويشفي هذا المريض؟ ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ أي وأيقن المحتضر أنه سيفارق الدنيا والأهل والمال، لمعاينته

стр. 1508

ملائكة الموت ﴿والتفت الساق بالساق﴾ أي والتفت إحدى ساقي المحتضر على الأخرى، من شدة كرب الموت وسكراته قال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، وروي عن ابن عباس أن المراد اجتمعت عليه شدة مفارقة الدنيا، مع شدة كرب الآخرة، كما يقال: شمَّرت الحرب عن ساق، استعارة لشدتها ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ أي إلى الله جل وعلا مساق العباد، يجتمع عنده الأبرار والفجار، ثم يُساقون إلى الجنة أو النار قال الخازن: أي مرجع العباد الى الله تعالى، يساقون إليه يوم القيامة ليفصل بينهم. . ثم أخبر تعالى عن حال الجاحد المكذب فقال ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ أي لم يصدق بالقرآن، ولم يصل للرحمن قال أبو حيان: والجمهور على أ، ها نزلت في «أبي جهل» وكادت أن تصرح به في قوله ﴿يتمطى﴾ فإنها كانت مشيته ومشية قومه بني مخزوم، وكان يكثر منها ﴿ولكن كَذَّبَ وتولى﴾ أي ولكن كذب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾ أي ذهب يتبختر في مشيته، وذلك عبارة عن التنكير والخيلاء ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ أي ويلٌ لك يا أيها الشقي ثم ويلٌ لك قال المفسرون: هذه العبارة في لغة العرب ذهبت مذهب المثل في التخويف والتحذير والتهديد، وأصلها أنها أفعل تفضيل من وليه الشيء إِذا قاربه ودنا منه أي وليك الشر وأوشك أن يصيبك، فاحذر وانتبه لأمرك ... روي أن النبي ﷺ َ أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: ﴿أولى لَكَ فأولى ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ فقال أبو جهل: أتتوعدني يا محمد وتهددني؟ والله لا تستطيع أنتَ وربُك أن تفعلا بي شيئاً، والله إني لأعزُّ أهل الوادي، ثم لم يلبث أن قتل ببدر شر قتلة ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ كرره مبالغة في التهديد والوعيد، كأنه يقول: إني أكرر عليك التحذير والتخويف، فاحذر وانتبه لنفسك، قبل نزول العقوبة بك. . ولما ذكر في أول السورة إمكان البعث، ذكر في آخر السورة الأدلة على البعث والنشور فقال ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ؟ أي أفيظن الإِنسان أن يُترك هملاً، من غير بعثٍ ولا حساب ولا جزاءٍ؟ وبدون تكليف بحيث يبقى كالبهائم المرسلة؟ لا ينبغي له ولا يليق به هذا الحُسبان ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى﴾ الاستفهام للتقرير أي أما كان هذا الإِنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، يراق ويُصب في الأرحام؟ والغرض بيان حقارة حاله كأنه يقول إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى البول ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى﴾ أي ثم أصبح بعد ذلك قطعة من دم غليظ متجمد يشبه العلقة، فخلقه الله بقدرته في أجمل صورة، وسوَّى صورته وأتقنها في أحسن تقويم ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ أي فجعل من هذا الإِنسان صنفين، ذكراً وأنثى بقدرته تعالى، هذا هو أصل الإِنسان وتركيبه، فكيف يليق بمثل هذا الضعيف أن يتكبر على طاعة الله؟ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ أي أليس ذلك الإِله الخالق الحكيم، الذي أنشأ هذه الأشياء العجيبة، وأوجد الإِنسان من ماءٍ مهين، بقادرٍ على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه على كل شيء قدير روي «أن النبي ﷺ َ إذا قرأ هذه الآية قال:» سبحانك اللهم بلى «.

стр. 1509

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - الطباق بين ﴿قَدَّمَ. . وَأَخَّرَ﴾ وكذلك بين ﴿صَدَّقَ. . وكَذَّبَ﴾ . ٢ - الاستفهام الإِنكاري بغرض التوبيخ ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ؟ ومثله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ؟ لأن الغاية التوبيخ والتقريع. ٣ - استبعاد تحقق الأمر ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ فالغرض من الاستفهام الاستبعاد والإِنكار. ٤ - الجناس غير التام بين ﴿بَنَانَهُ﴾ و ﴿بَيَانَهُ﴾ لاختلاف بعض الحروف. ٥ - المقابلة اللطيفة بين نضارة وجوه المؤمنين، وكلاحة وجوه المجرمين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وبين ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. .﴾ الخ. ٦ - الجناس الناقص بين لفظ ﴿الساق﴾ و ﴿المساق﴾ . ٧ - المجاز المرسل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ عبر بالوجه عن الجملة فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. ٨ - الالتفات ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ فيه التفات من الغية إلى المخاطب تقبيحاً له وتشنيعاً. ٩ - توافق الفواصل ويسمى في علم البديع السجع المرصَّع مثل ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر وَخَسَفَ القمر وَجُمِعَ الشمس والقمر يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾ وهذا من خصائص القرآن، معجزة محمد ﵊ ُ.

стр. 1510

اللغَة: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ أخلاط جمع مشج ومشيج مثل شريف أو أشراف، يقال للشيء اذا خلط بغيره: مشيجٌ كخليط لفظاً ومعنى ﴿مُسْتَطِيراً﴾ منتشراً غاية الانتشار يقال: استطار الشيء انتشر ﴿قَمْطَرِيراً﴾ القمطرير: الشديد العصيب الذي يطول بلاؤه قال الأخفش: القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ﴿وَدَانِيَةً﴾ قريبة ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ سخرت وقربت ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ السلسبيل: الشراب اللذيذ الذي هو غاية في السلالة، والذي يسهل في الحلق لعذوبته وصفائه ﴿سُندُسٍ﴾ السندس: الرقيق من ثياب الحرير ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ ثباب الحرير الغليظة ويسمى الديباج ﴿أَسْرَهُمْ﴾ الأسر في
следующие страницы →