Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
اللغَة: ﴿انفطرت﴾ انشقت، والفطرُ: الشقُّ ومنه فاطر نابُ البيعر ﴿انتثرت﴾ تساقطت وتهاوت ﴿بُعْثِرَتْ﴾ قُلبت يقال: بعثرت المتاع قلبته ظهراً لبطن ﴿غَرَّكَ﴾ خدعك ﴿سَوَّاكَ﴾ جعل أعضاءك سليمة سويّة ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ويذوقون لهبها وحرَّها.
التفسِير: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ أي إِذا المساء انشقت بأمر الله لنزول الملائكة كقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ أي وإِذا النجوم تساقطت وتناثرت، وزالت عن بروجها وأماكنها ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ أي وإِذا البحار فتح بعضها إِلى بعض، فاختلط عذبها بمالحها، وأصبحت بحراً واحداً ﴿وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ﴾ أي وإِذا القبور قلبت، ونش ما فيها من الموتى، وصار ما في بطنها ظاهراً على جهها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ هذا هو الجواب أي علمت عندئذٍ كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما قدمت من صالح أو طالح قال الطبري: ما قدمت من علم صالح، وما أخرت من شيء سنَّه فعمل به بعده ثم بعد ذكر أحوةال الآخرة وأهوالها، انتقلت الآيات لتذكير الإِنسان الغافل الجاهل بما أمامه من أهوال وشدائد فقال تعالى ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ أيْ أيُّ شيءٍ خدعك برك الحليم الكريم، حتى عصيته وتجرأت على مخالفة أمره، مع إِحسانه إِليك وعطفه عليك؟ وهذا توبيخ وعتاب كأنه قال: كيف قابلتَ إِحسان ربك بالعصيان، ورأفته بك بالتمرك والطغيان ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] ؟ ثم عدَّد نعمه عليه فقال ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ أي الذي أوجدك من العدم، فجعلك سوياً سالم الأعضاء، تسمع وتعقل وتبصر ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك معتدل القامة منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال ﴿في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركبك في أي صورة شاءها واختارها لك من الصور الحسنة العجيبة ولم يجعل في الشكل كالبهيمة كقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . . ثم وبَّخ المشركين على تكذيبهم بيوم الدين فقال ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين﴾ أي ارتدعوا يا أهل مكة، ولا تغتروا بحلم الله، بل أنتم تكذبون بيوم الحساب والجزاء ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أي والحالُ أن عليكم ملائكة حفظة يضبطون أعمالكم ويراقبون تصرفاتكم قال القرطبي: أي عليكم رقباء من الملائكة ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ أي كراماً على الله، يكتبون أقوالكم وأعمالكم ﴿يَعْلَمُونَ مَا
стр. 1542
تَفْعَلُونَ﴾ أي يعملون ما يصدر منكم من خير وشر، ويسجلونه في صحائف أعمالكم، لتجازوا به يوم القيامة. . ثم بيَّن تعالى انقسام الخلق يوم القيامة إِلى أبرار وفجار، وذكر مآل كلٍ من الفريقين فقال ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي إِن المؤمنين الذين اتقوا ربهم في الدنيا، لفي بهجة وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة بما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في الجنة ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي وإِن الكفرة الفجار، الذين عصوا ربهم في الدنيا، لفي نار محرقةٍ، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين﴾ أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ أي وليسوا بغائبين عن جهنم، بعيدين عنها لايرونها، بل هي أمامهم يَصْلَونَ ويذوقون سعيرها ولا يخرجون منها أبداً.
﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ تعظيمٌ له وتهويل أي ما أعلمك ما هو يوم الدين؟ وأيُّ شيءٍ هو في شدته وهوله؟ ﴿ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ ؟ كرر ذكره تعظيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره كقوله ﴿الحاقة مَا الحآقة وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾ [الحاقة: ١٣] ؟ كأنه يقول: إِن يوم الجزاء من شدته بحيث لا يدري أحدٌ مقدار هوله وعظمته، فهو فوق الوصف والبيان ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي هو ذلك اليوم الرهيب الذي لا يستطيع أحد أن ينفع أحداً بشيء من الأشياء، ولا أن يدفع عنه ضراً ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي والأمر في ذلك اليوم لله وحده لا ينازعه فيه أحد.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿قَدَّمَتْ﴾ و ﴿أَخَّرَتْ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
٢ - المقابلة اللطيفة بين الأبرار والفجار ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ فقد قابل الأقرار بالفجار، والنعيم بالجحيم وفيه أيضاً من المحسنات البديعية ما يسمى بالترصيع.
٣ - الاستعارة المكنية ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ شبَّه الكواكب بجواهر قطع سلكها فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.
٤ - الاستفهام للتوبيخ والإِنكار ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ ؟
٥ - التنكير في كلٍ من لفظة ﴿نَعِيمٍ﴾ و ﴿جَحِيمٍ﴾ للتعظيم والتهويل.
٦ - الإِطناب بإِعادة الجملة ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ ؟ لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته كأنه فوق الوصف الخيال.
٧ - السجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية مثل ﴿إِذَا السمآء انفطرت وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ ومثل ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ ومثل ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ .
لطيفَة: روي أن الخليفة «سليمان بن عبد الملك» قال لأبي حازم المزني: ليت شعري أين مصيرنا يوم القيامة؟ وما لنا عند الله؟ فقال له: أعرضْ عملك على كتاب الله تجد ما لك عند الله ﴿فقال: وأين أجد ذلك في كتاب الله﴾ ! قال: عند قوله تعالى ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ قال سليمان: فإين إِذاً هي رحمة الله؟ فأجابه بقوله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦] .
стр. 1543
اللغَة: ﴿لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ جمع مُطفّف وهو الذي ينقص في الكيل والوزن، والتطفيف: النقصان وأصله من الطفيف وهو الشيء اليسير، لأن المطفّف لا يكاد يسرف في الكيل والوزن إِلا الشيء اليسير ﴿رَانَ﴾ غطَّى وغثَّى كالصدأ يغشى السيف، وأصله الغلبة يقال: رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبته قال الشاعر:
«وكمْ رانَ من ذنبٍ على قلب فاجر» ... ﴿رَّحِيقٍ﴾ أجود الخمر وأصفاه وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر وقال الأخفش: هو الشراب الذي لا غش فيه قال الحسن:
بَرَدى يُصفِّق بالرحيقِ السَّلْسَلِ ... ﴿فَكِهِينَ﴾ معجبين متلذين ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يشيرون إِليهم بالأعين استهزاءً ﴿ثُوِّبَ﴾ جوزي ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عنيٌ عالية شرابها أشرف شراب، وأصل التسنيم الارتفاع ومنه سنام البعير.
سَبَبُ النّزولك عن ابن عباس قال «لما قدم رسول الله ﷺ َ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل اله ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك» .
التفسِير: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي هلاك وعذاب ودمار، لأولئك الفجار الذين ينقصون المكيال والميزان، ثم بيَّن أوصافهم القبيحة بقوله ﴿الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ﴾ أي إِذا أخذوا الكيل من الناس أخذوه وافياً كاملاً لأنفسهم ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي وإِذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، ينقصون الكيل والوزن قال المفسرون: نزلت في رجلٍ يُعرف ب «أبي جهينة» كان له صاعان، يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، وهو وعيدٌ لكل من طفَّف الكيل والوزن، وقد أهلك الله قوم شعيب لبخسهم المكيال والميزان، وفي الحديث «ولا طففوا الكيل إِلاّ منعوا النبات وأُخذوا بالسنين» ﴿أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي ألا يعلم ويستقين أولئك المطففون أنهم سيبعثون ليوم عصيب، شديد الهول، كثير الفزع؟! ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ أي يوم يقفون
стр. 1544
في المحشر حفاةً عراةً، خاشعين خاضعين لرب العالمين قال في البحر: وفي هذا الإِنكار والتعجيب، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس لله خاضعين، ووصفهُ برب العالمين، دليلٌ على عظم هذا الذنب وهو التطفيف، وفي الحديث عن ابن عمر أن النبي ﷺ َ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إِلى أنصاف أُذنيه. . ثم ذكر تعالى مآل الفجار، ومآل الأبرار فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي ليرتدع هؤلاء المطففون عن الغفلة عن البعث والجزاء، فإِن كتاب أعمال الأشقياء الفجار، لفي مكان ضيّق في أسفل سافلين ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ استفهام للتعظيم والتهويل أي هل تعلم ما هو سجين؟ ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ أي هو كتاب مكتوبٌ كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى، أُثبتت فيه أعمالهم الشريرة قال ابن كثير: ﴿سِجِّينٌ﴾ مأخوذ من السجن وهو الضيق، ولما كان مصير الفجار إِلى جهنم وهي أسفل سافلين، وهي تجمع الضيق والسفول، أخبر تعالى أنه كتاب مرقوم أي مكتوبٌ مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين ﴿الذين يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ أي يكذبون بيوم الحساب والجزاء ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي وما يكذب بيوم الحساب والجزاء ألا كل متجاوز الحد في الكفر والضلال، مبالغ في العصيان والطغيان، كثير الآثام، ثم وضّح من إِجرامه فقال ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي إِذا تليت عليه آيات القرآن، الناقطة بحصول البعث والجزاء، قال عنها: هذه حكايات وخرافات الأوائل، سطروها وزخرفوها في كتبهم ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر عن ذلك القول الباطل، فليس القرآن أساطير الأولين، بل غطَّى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي قال المفسرون: الرَّان هو الذنب على الذنب حتى يسودَّ القلب ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ أي ليرتدع هؤلاء المكذبون عن غيهم وضلالهم، فيهم في الآخرة محجوبون عن رؤية المولى جل وعلا فلا يرونه قال الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه وقال مالك: لما حجب أعداءه لم يروه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم﴾ أي ثم إِنهم مع الحرمان عن رؤية الرحمن، لدخلو الجحيم وذائقو عذابها الأليم ﴿ثُمَّ يُقَالُ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي ثم تقول لهم خزنة جهنم على وجه التقريع والتوبيخ: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا
﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ؟ . . وبعد الحديث عن حال الفجار، ذكر تعالى نعيم الأبرار فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿كَلاَّ﴾ ردعٌ وزجر أي ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار، بل كتابه في سجين، وكتاب الأبرار في عليين، وهو مكان عالٍ مشرَّف في أعلى
стр. 1545
الجنة، قال في التسهيل: ولفظ ﴿عليين﴾ للمبالغة، وهو مشتق من العلو لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه في مكان عليٍّ رفيع فقد روي أنه تحت العرش ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ تفخيمٌ وتعظيم لشأنه أي وما أعلمك يا محمد ما هو عليون؟ ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المقربون﴾ أي كتابٌ الأبرار كتابٌ مسطَّر، مكتوب فيه أعمالهم، وهو في عليين في أعلى درجات الجنة، يشهده المقربون من الملائكة قال المفسرون: إِن روح المؤمن إِذا قُبضت صُعد بها إِلى العرش، فيخرج لهم رقٌّ فيكتب فيه ويختم عليه بالنجاة من الحساب والعذاب يشهده المقربون ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي إِن المطيعين لله في الجنات الوارفة، والضلال الممتدة يتنعمون ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ أي هم على السرر المزينة بفاخر الثياب والستور، ينظرون إِلى ما أعدَّ الله لهم من أنواع الكرامة والنعيم في الجنة ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ أي إِذا رأيتهم تعرف أنهم أهل نعمة، لما ترى في وجوههم من النور والبياض والحسن، ومن بهجة السرور ورونقه ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ أي يُسقون من خمرٍ في الجنة، بيضاء طيبة صافية، لم تكدرها الأيدي، قد ختم على تلك الأواني فلا يفك ختمها إِلا الأبرار ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي آخر الشراب تفووح منه رائحة المسك ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ أي وفي هذا النعيم والشراب الهنيء، فليرغب بالمبادرة إِلى طاعة الله، وليتسابق المتسابقون قال الطبري: التنافسُ مأخوذ من الشيء النفيس الذي يحرص عليه الناس، وتشتهيه وتطلبه نفوسهم والمعنى فليستبقوا في طلب هذا النعيم، ولتحرص عليه نفوسهم ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي يمزج ذلك الرحيق من عينٍ عالية رفيعة، هي أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه تسمى «التسنيم» ولهذا قال بعده ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ أي هي عينٌ في الجننة يشر منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة قال في التسهيل: تسنيم أسمٌ لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار.
. ولما ذكر تعالى نعيم الأبرار، أعقبه بذكر مآل الفجار، تسليةً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم فقال ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ أي أن المجرمين الذين من طبيعتهم الإِجرام وارتكاب الآثام، كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين استهزاءً بهم قال في التسهيل: نزلت هذه الآية في صناديق قريش كأبي جهل وغيره، مرَّ بهم علي بن أبي طالب وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي وإِذا مرَّ هؤلاء المؤمنين بالكفار، غمز بعضهم بعضاً بأعينهم سخرية واستهزاءً بهم قال المفسرون: كان المشركون إِذا مرَّ بهم أصحاب رسول الله، تغامزوا بأعينهم عليهم احتقاراً لهم وازدراءً يقولون: جاءكم ملوك الدنيا، يسخرون منهم لإِيمانهم واستمساكهم بالدين ﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ أي وإِذا انصرف المشركون ورجعوا إلى
стр. 1546
منازلهم وأهليهم، رجعوا متلذيين يتفكهون بذكر المؤمنين والاستخفاف بهم قال في البحر: أي رجعوا متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم استخفافاً بأهل الإِيمان ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ﴾ أي وإِذا رأى الكفار المؤمنين قالوا: إِن هؤلاء لضالون لإِيمانهم بمحمد، وتركهم شهوات الحياة قال تعالى رداً عليهم ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي وما أُرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وفيه تهكم وسخرية بالكفار كأنه يقول: أنا ما أرسلتهم رقباء، ولا وكلتهم بفحظ أعمال عبادي المؤمنين، حتى يرشدوهم إِلى مصالحهم، فلم يشغلون أنفسهم فيما لا يعنيهم؟ ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾ أي ففقي هذا اليوم يوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، جزاءً وفاقاً ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ أي والمؤمنون على أسرَّة الدر والياقوت، ينظرون إِلى الكفار ويضحكون عليهم قال القرطبي: يقال لأهل النار وهم في النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإِذا رأوها قد فتحت أقبلوا إِليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إِليهم على الأرائك، فإِذا انتهوا إِلى أبوابها أغلقت دونهم، فيضحك منهم المؤمنون ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي هل جوزي الكفار في الآخرة بما كنوا يفعلونه بالمؤمنين من السخرية والاستهزاء؟ نعم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التنكير للتهويل والتفخيم ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ .
٢ - الطباق بي ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ و ﴿يُخْسِرُونَ﴾ .
٣ - المقابلة بين حال الفجار والأبرار ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار. .﴾ الخ و ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ. .﴾ الخ.
٤ - التفخيم والتعظيم لمراتب الأبرار ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ؟
٥ - جناس الاشتقاق ﴿فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ .
٦ - الإِطناب بذكر أوصاف ونعيم المتقين ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ .
٧ - التشبيه البليغ ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغاً.
٨ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿يَضْحَكُونَ، يَنظُرُونَ، يَكْسِبُونَ، يَفْعَلُونَ﴾ الخ.
стр. 1547
اللغَة: ﴿كَادِحٌ﴾ الكدح: الجد والاجتهاد وجهد النفس في العمل قال الشاعر:
ومضتْ بشاشةُ كل عيشٍ صالح ... وبقيتُ أكدحُ للحياةِ وأنصب
﴿يَحُورَ﴾ يرجع يقال: حار يحور إِذا رجع ومنه حديث «أعوذ بك من الحور بعد الكور» أي الرجوع إِلى النقصان بعد الزيادة ﴿الشفق﴾ الحمرة التي تكون بعد مغيب الشمس ﴿وَسَقَ﴾ جمع وضم ولف ﴿اتسق﴾ اجتمع وتكامل وتم نوره ﴿مَمْنُونٍ﴾ مقطوع.
التفسِير: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ هذه الآيات بيان لأهوال القيامة، وتصويرٌ لما يحدث بين يدي الساعة من كوارث وأهوال يفزع لها الخيال والمعنى: إِذا تشققت السماء وتصدَّعت مؤذنة بخراب الكون قال الألوسي: تنشق لهول يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وانقادت لحكمه وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع وأن تنشق من أهوال القيامة ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ﴾ أي وإِذا الأرض زادت سعة بإِزالة جبالها وآكامها، وصارت مستوية لا بناء فيها ولا وهاد ولا جبال ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز والمعادن وتخلت عنهم قال القرطبي: أخرجت أماتها وتخلت عنهم، وألقت ما في بطنها من الكنوز والمعادن كما تلقى الحامل ما في بطنها من الحمل، وذلك يؤذن بعظم الهول ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وأطاعت، وحٌقَّ لها أن تسمع وتطيع. . وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف ليكون أبلغ في التهويل أي إِذا حدث كل ما تقدم، لقي الإِنسان من الشدائد والأهوال، ما لا يحيط به الخيال. . ثم أخبر تعالى عن كدِّ الإِنسان وتعبه في هذه الحياة، وأنه يلقى جزاءه عند الله فقال ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾ الخطاب عام لكل إِنسان أي أنت يا ابن آدم جاهدٌ ومجدٌّ بأعمالك التي عاقبتها الموت، والزمانُ يطير وأنت في كل لحظة تقطع شوطاً من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرعٌ إِلى الموت، ثم تلاقي ربك فيكافئك على عملك، إِن كان خيراً فخيرٌ، وإشن كان شراً فشرٌّ قال في البحر: كادحٌ أي جاهد في عملك من خير وشر طول حياتك إِلى لقاء ربك، فملاقٍ جزاء كدحك من ثوابٍ وعقاب. . ثم ذكر تعالى انقسام الناس إِلى سعداء وأشقياء وإِلى من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كمتابه بشماله فقال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهذه علامة السعادة ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ أي فسوف يكون حسابه سهلاً هيناً، يُجازي على حسناته،
стр. 1548
ويُتجاوز عن سيئاته، وهذا هو العرضُ كما جاء في الحديث الصحيح ﴿وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة مبتهجاً مسروراً بما أعطاه الله من الفضل والكرامة ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ أي وأمَّا من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره، وهذه علامة الشقاوة ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾ أي يصيح بالويل والثبور، ويتمنى الهلاك والموت ﴿ويصلى سَعِيراً﴾ أي ويدخل ناراً مستعرة، يقاسي عذابها وحرَّها ﴿إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي لأنه كان في الدنيا مسروراً مع أهله، غافلاً لاهياً، لا يفكر في العواقب، ولا تخطر بباله الآخرة قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، ووصف أهل النار بالسرور بالدنيا والضحك فيها، فأعقبهم به الحزن الطويل ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أي إنه ظنَّ أن لن يرجع إِلى ربه، ولن يحييه الله بعد موته للحساب والجزاء، فلذلك كفر وفجر ﴿بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أي بلى سيعيده الله بعد موته، ويجازيه على أعماله كلها خيرها وشرها، فإِنه تعالى مطلع على العباد، لا تخفى عليه خافية من شئونهم ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق﴾ ﴿لاَ﴾ لتأكيد القسم أي فأقسم قسماً مؤكداً بحمرة الأفق بعد غروب الشمس ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ أي وبالليل وما جمع وضمَّ إِليه، وما لفَّ في ظلمته من الناس والدواب والأنعام، فكلٌ يأوي إِلى مكانه وسربه، ولهذا امتن تعالى على العباد فقال
﴿وَجَعَلَ الليل سَكَناً﴾ [الأنعام: ٩٦] فإِذا جاء النهار انتشروا، وإِذا جاء الليل أوى كل شيء إِلى مأواه ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾ أي وأقسمُ بالقمر إِذا تكامل ضوءه ونوره، وصار بدراً ساطعاً مضيئاً ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ هذا جواب القسم أي لتلاقُنَّ يا مشعر الناس أهوالاً وشدائد في الآخرة عصيبة قال الألوسي: يعني لتركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموتُ وما بعده من مواطن القيامة وأهولها وقال الطبري: المراد أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام يقصد به التوبيخ أي فيما لهؤلاء المشركين لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون بالعبث بعد الموت، بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على قوعه؟ ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ﴾ أي وإِذا سمعوا آيات القرآن، لم يخضعوا ولم يسجدوا للرحمن؟ ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ أي بل طبيعة هؤلاء الكفار التكذيب والعناد والجحود، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب قال ابن عباس: ﴿يُوعُونَ﴾ أي يضمرون من عداوة الرسول ﷺ َ والمؤمنين ﴿فَبَشِّرْهُمْ
стр. 1549
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فبشرهم على كفره وضلالهم بعذاب مؤلم موجع، واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم قال في التسهيل: ووضع البشارة في موضع الإِنذار تهكم بالكفار ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي لكنْ الذين صدَّقوا الله ورسوله، وجمعا بين الإِيمان وصالح الأعمال ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي لهم ثوابٌ في الآخرة غير منقوص ولا مقطوع، بل هو دائم مستمر.
ختم تعالى السورة الكريمة ببيان نعيم الأبرار، بعد أن ذكر مآل الفجار، وهو توضيح لما أجمله في أول السورة من ملاقاة كل عامل لجزائه في قوله ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾ .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين لفظ ﴿السمآء﴾ و ﴿الأرض﴾ .
٢ - المقابلة بين ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وبين ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ .
٣ - الكناية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ كنَّى به عن الشدة والأهوال التي يلقاها الإِنسان.
٤ - الجناس الناقص بين كلمتي ﴿وَسَقَ﴾ و ﴿اتسق﴾ .
٥ - الأسلوب التهكمي ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ استعمال البشارة في موضع الإِنذار تهكم وسخرية بالكفار.
٦ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ومثل ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق والليل وَمَا وَسَقَ والقمر إِذَا اتسق لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ ويسمى وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1550
اللغَة: ﴿الأخدود﴾ الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد ﴿قُتِلَ﴾ لُعن أشدَّ اللعن ﴿نَقَمُواْ﴾ عابوا وكرهوا ﴿بَطْشَ﴾ البطش: الأخذ بشدة ﴿يُبْدِىءُ﴾ يخلق ابتداءً بقدرته ﴿المجيد﴾ العظيم الجليل المتعالي.
التفسِير: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ أي وأُقسم بالسماء البديعة ذات المنازل الرفيعة، التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها قال المفسرون: سميت هذه المنازل بروجاً لظهروها، وشبهت بالصور لعلوها وارتفاعها لأنها منازل للكواكب السيارة ﴿واليوم الموعود﴾ أي وأُقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلائق بقوله ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ أي وأُقسم بمحمد والأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة، وبجميع الأمم والخلائق الذين يجتمعون في أرض المحشر للحساب كقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] وقيل: الشاهد هذه الأمة، المشهود سائر الأمم ودليله ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ هذا هو جواب القسم، والجملة دعائية أي قاتل الله ولعن أصحاب الأخدود، الذين شقوا الأرض طولاً وجعلوها أخاديد، وأضرموا فيها النار ليحرقوا بها المؤمنين قال القرطبي: الأخدودُ الشقُّ العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد، ومعنى ﴿قُتِلَ﴾ أي لعن، قال ابن عباس: كل شيءٍ في القرآن ﴿قُتِلَ﴾ لهو لعن. . ثم فصَّل تعالى المراد من الأخدود فقال ﴿النار ذَاتِ الوقود﴾ أي النار العظيمة المتأججة، ذات الحطب واللهب، التي أضرمها الكفار في تلك الأخاديد لإِحراق المؤمنين قال أبو السعود: وهذا وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما فيها من الحطب، والقصدُ وصف النار بالشدة والهول. . ثم بالغ تعالى في وصف المجرمين فقال ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ﴾ أي حين هم جلوس حول النار.
стр. 1551
يتشفون بإِحراق المؤمنين فيها، ويشهدون ذلك الفعل الشنيع والغرضُ تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم، ليرجعوا عن الإِسلام، فذكر الله تعالى قصة «أصحاب الأخدود» وعيداً للكفار، وتسليةً للمؤمنين المعذبين، ثم قال تعالى ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ أي وما كان لهم ذنب ولا انتقموا منهم، إِلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد الغالب الذي لا يُضام من لاذَ بجانبه، الحميد في جمعي أقواله وأفعاله، والغرضُ أن سبب البطش بهم، وتحرقيهم بالنار، لم يكن إِلا إيمانهم بالله الواحد الأحد، وهذا ليس بذنب يستحقون به العقوبة، ولكنه الطغيان والإِجرام ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي هذا الإله الجليل المالك لجميع الكائنات، المستحق للمجد والثناء قال في البحر: وإِنما ذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به، وهي كونه تعالى ﴿عَزِيزاً﴾ أي غالباً قادراً يُخشى عقابه ﴿حَمِيداً﴾ أي منعماً يجب له الحمد على نعمه ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له، إِنما ذكر ذلك تقريراً لأن ما نقموه منهم هو الحقُّ الذي لا ينقمه إِلا مبطلٌ منهمك في الغيّ ﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي هو تعالى مطلَّع على أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، وفيه وعدٌ للمؤمنين، ووعيدٌ للمجرمين.
. ثم شدَّد تعالى النكير على المجرمين الذين عذبوا المؤمين فقال ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾ أي ثم لم يرجعوا عن كفرهم وطغيانهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ أي فلهم عذاب جهنم المخزي بكفرهم، ولهم العذاب المحرق إِحراقهم المؤمنين. . ولما ذكر مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين فقال ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي الذين جمعوا بين الإِيمانت الصادق والعمل الصالح ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي لهم البساتين والحدائق الزاهرة، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة قال الطبري: هي أنهار الخمر واللبن والعسل ﴿ذَلِكَ الفوز الكبير﴾ أي ذلك هو الظفر العظيم بغاية المطلوب، الذي لا سعادة ولا فوز بعده. . ثم أخبر تعالى عن انتقامه الشديد من أعداء رسله وأوليائه فقال ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إِن انتقام اله وأخذه الجبابرة والظلمة، بالغ الغاية في الشدة قال أبو السعود: البطش الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾ أي هو جل وعلا الخالق القادر، الذي يبدأ الخلق من العدم، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾ أي وهو الساتر لذنوب عباده المؤمنين، اللطيف المحسن إِلى أوليائه، المحبُّ لهم قال ابن عباس: يودُّ أولياءه كما يودُّ أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة ﴿ذُو العرش﴾ أي
стр. 1552
صاحب العرش العظيم، وإنما أضاف العرش إلى الله وخصَّه بالذكر، لأن العرش أعظم المخلوقات، وأوسعُ من السمواتِ السبع، وخلقُه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه ﴿المجيد﴾ أي هو تعالى المجيدُ، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما ريد، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه قال القرطبي: أي لا يمتنع عليه شيء يريده. روي أن أبا بكر الصديق ﵁ قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إِليك الطبيبُ؟ قال: نعم، قالوا: فماذا قال لك؟ قال قال لي: (ِإِني فعَّالٌ لما أريد) ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾ ؟ استفهامٌ للتشويق أي هل بلغك يا محمد خبر الجموع الكافرة، الذين تجنَّدوا لحرب الرسل والأنبياء؟ هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب؟ قال القرطبي: يؤنسه بذلك ويسليه، ثم بيَّن تعالى من هم فقال ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي هم فرعون وثمود، أولي البأس والشدة، فقد كانوا اشد بأساً، وأقوى مراساً من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي لم يعتبر كفار قريش بما حلَّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب فهم أشد منهم كفراً وطغياناً ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي والله تعالى قادرٌ عليهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، لأنهم في قبضته في كل حينٍ وزمان ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ أي بل هذا الذي كذبوا به، كتابٌ عظيم شريف، متناهٍ في الشرف والمكانة، قد سما على سائر الكتب السماوية، في إِعجازه ونظمه وصحة معانيه ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ أي هو في اللوح المحفوظ الذي في السماء، محفوظٍ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل.
البَلاَغَة: تضمنت السورة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بي ﴿يُبْدِىءُ. . وَيُعِيدُ﴾ .
٢ - جناس الاشتقاق ﴿وَشَاهِدٍ. . وَمَشْهُودٍ﴾ .
٣ - تأكيد المدح بما يشبه الذم ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ كأنه يقول: ليس لهم جريمة إِلا إِيمانهم بالله، وهذا من أعظم المفاخر والمآثر.
٤ - المقابلة بين مصير المؤمنين ومصير المجرمين ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية قابلة قوله ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ. .﴾ الخ.
٥ - أسلوب التشويق لاستماع الققصة ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾ ؟
٦ - صيغة المبالغة مثل ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ﴿العزيز الحميد﴾ وأمثال ذلك.
٧ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿واليوم الموعود وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود النار ذَاتِ الوقود. .﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع والله أعلم.
стр. 1553
اللغَة: ﴿الطارق﴾ مأخوذ من الطرق بمعنى الضرب بشدة ومنه المطرقة، وكل ما جاء بليل يسمى طارقاً ﴿دَافِقٍ﴾ مصبوب بقوة وشدة يقال: دفق الماء دفقاً إِذا انصبَّ بدفع وشدة ﴿الترآئب﴾ عظام الصدر جمع تربية مثل فصيلة وفصائل قال امرؤ القيس:
«تَرائبُها مصقولةٌ كسجنجل» ... ﴿الرجع﴾ المطر سمي به لرجوعه إِلى الأرض مراراً ﴿الصدع﴾ النبات الذي تنشق عنه الأرض ﴿رُوَيْداً﴾ قليلاً أو قريباً.
التفسِير: ﴿والسمآء والطارق﴾ أي أٌقسم بالسماء وبالكواكب النيرة، التي تظهر ليلاً وتختفي نهاراً قال المفسرون: سُمي النجم طارقاً لأنه إِنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار، وكلُّ ما يجيء ليلاً فهو طارق ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق﴾ استفهام للتفخيم والتعظيم أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم فسره بقوله ﴿النجم الثاقب﴾ أي النجم المضيء الذي يثقب الظلام بضيائه قال الصاوي: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكرُ الشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات، لأن الصّنعة تدل على الصانع ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا جواب القسم أي ما كلُّ نفسٍ إِلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خيرٍ وشر كقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ ١١] قال ابن كثير: أي كلُّ نفسٍ عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات. . ثم أمر تعالى بالنظر والتفكر في خلق الإِنسان، تنبيهاً على إِمكان البعث والحشر فقال ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ﴾ ؟ أي فلينظر الإِنسان في أول نشأته نظرة تكفرٍ واعتبار، من أي شيءٍ خلقه الله؟ ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي خلق من المنيّ المتدفق، الذي ينصب بقوةٍ وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة فيتكون منه الولد بإِذن الله ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ أي يخرج هذا الماء من بين الصلب وعظم الصدر، من الرجل والمرأة ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أي إِن الله تعالى الذي خلق الإِنسان ابتداءً، قادر على إِعادته بعد موته قال بن كثير: نبه تعالى الإِنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وأرشده إِلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإِعادة بطريق الأول ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي يوم تمتحن القلوب وتختبر، ويُعرف ما بها من العقائد والنيات، ويميز بين ما طاب منها وما خبث ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ أي فليس للإِنسان في ذلك الوقت قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ويجيره، قال في التسهيل: لما كان دفع المكاره في الدنيا إِما بقوة الإِنسان، أو بنصرة غيره له، أخبره الله تعالى أنه يعدمها يوم القيامة، فلا قوة له في نفسه، ولا أحد ينصره من الله.
стр. 1554
ولما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد، عاد فأقسم على صدق هذا الكتاب المعجز فقال ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ أي أُقسم بالسماء ذات المطر، الذي يرجع على العباد حيناً بعد حين قال ابن عباس: الرَّجع المطرُ ولولاه لهلك الناس وهلكت مواشيهم ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ أي وأُقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات والثمار. . أقسم بالسماء التي تفيض علينا الماء، والأرض التي تخرج لنا الثمار والنبات، والسماء للخلق كالأب، والأرض لهم كالأم، ومن بينهما تتولد النعم العظيمة، والخيرات العميمة، التي بها بقاء الإِنسان والحيوان ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي إِن هذا القرآن لقولٌ فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في بيانه وتشريعه وإِعجازه ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾ أي ليس فيه شيءٌ من اللهو والباطل والعبث، بل هو جدٌّ كله، لأنه كلام أحكم الحاكمين، فجديرٌ بقارئه أن يتعظ بآياته، ويستنير بتوجيهاته وإِرشاداته ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أي إِن هؤلاء المشركين كفار مكة يعملون المكايد لإِطفاء نور الله، وإِبطال شريعة محمد ﷺ َ ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أي وأجازيهم على كيدهم بالإِمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر كقوله تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال أبو السعود: أي أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده حيث استدرجهم من حيث لا يعلمون ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي لا تستعجل في هلاكهم والانتقام منهم، وأُمهلهم قليلاً فسوف ترى ما أصنع بهم، وهذا منتهى الوعيد والتهديد.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام للتفخيم والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق﴾ ؟
٢ - الطباق بين ﴿السمآء والأرض﴾ وبين ﴿الفصل والهزل﴾ .
٣ - جناس الاشتقاق ﴿يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ .
٤ - الإِطناب بتكرار الفعل مبالغة في الوعيد ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ .
٥ - الكناية اللطيفة ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ كنَّى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأمة، وهذا من لطيف الكنايات.
٦ - السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب ورشاقته ونضارته مثل ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع﴾ ومثل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بالهزل﴾ وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1555
اللغَة: ﴿غُثَآءً﴾ الغُثاء: ما يقذف به السيل على جانب الوادي ن الحشائش والأوراق والنباتات ﴿أحوى﴾ أسود مأخوذ من الحُوة وهي السواد أو السمرة ﴿يَصْلَى﴾ يدخل ويقاسي حرّها يقال: أصليتُه ناراً وجعلته يذوق حرها.
стр. 1556
التفسِير: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ أي نزِّه يا محمد ربك العلي الكبير عن صفات النقص، وعما يقوله الظالمون، مما لا يليق به من النقائص والقبائح، وفي الحديث أنه ﷺ َ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحانه ربي الأعلى» . ثم ذكر من أوصافه الجليلة، ومظاهر قدرته الباهرة، ودلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿الذي خَلَقَ فسوى﴾ أي خلق المخلوقات جميعها، فأتقن خلقها، وأبدع صنعها، في أجمل الأشكال، وأحسن الهيئات قال في البحر: أي خلق كل شيء فسواه، بحيث لم يأت متفاوتاً، بل متناسباً على إحكام وإتقان، للدلالة على أنه صادر من عالم حكيم ﴿والذي قَدَّرَ فهدى﴾ أي قدَّر في كل شيء خواصه ومزاياه بما تجلُّ عنه العقول والأفهام، وهدى الإِنسان لوجه الانتفاع بما أودعه فيها، وهدى الإِنعام إلى مراعيها، ولو تأملت ما في النباتات من الخواص، وما في المعادن من المزايا والمنافع، واهتداء الإِنسان لاستخراج الأدوية والعقاقير النافعة من النباتات، واستخدام المعادن في صنع المدافع والطائرات، لعلمتَ حكمةَ العلي القدير، الذي لولا تقديره وهدايته لكنا نهيم في دياجير الظلام كسائر الأنعام قال المفسرون: إِنما حذف المفعول لإِفادة العموم أي قدَّر لكل مخلوق وحيوان ما يصلحه، فهداه إِليه وعَرَّفه وجه الانتفاع به ﴿والذي أَخْرَجَ المرعى﴾ أي أنبت ما ترعاه الدواب، من الحشائش والأعشاب ﴿فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى﴾ أي فصيِّره بعد الخضرة أسود بالياً، بعد أن كان ناضراً زاهياً، ولا يخفى ما في المرعى من المنفعة بعد صيرورته هشيماً ياسباً، فإنه يكون طعاماً جيداً لكثير من الحيوانات، فسبحان من أحكم كل شيء و ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] !! وبعد أن ذكر دلائل قدرته ووحدانيته، ذكر فضله وإنعامه على رسوله فقال ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ أي سنقرئك يا محمد هذا القرآن العظيم فتحفظه في صدرك ولا تنساه ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ أي لكن ما أراد الله نسخه فإنك تنساه. . وفي هذه الآية معجزة له ﵊ ُ، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل ﵇، وكونه يحفظ هذا الكتاب العظيم من غير دراسة ولا تكرار ولا ينساه أبداً، من أعظم البراهين على صدق نبوته ﷺ َ قال ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى ووعدٌ لرسوله ﷺ َ بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى﴾ أي هو تعالى عالم بما يجهر به العباد وما يخفونه من الأقوال والأفعال، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ﴿وَنُيَسِّرُكَ لليسرى﴾ أي ونوفقك للشريعة السمحة البالغة اليسر، التي هي أيسر وأسهل الشرائع السماوية، وهي شريعة الإِسلام ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى﴾ أي فذكر يا محمد بهذا القرآن حيث تنفع الموعظة والتذكرة كقوله
﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] قال ابن كثير: ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي ﵁ «ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا فتنة لبعضهم» وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله «؟ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى﴾ أي سينتفع بهذه الذكرى والموعظة من يخاف الله تعالى ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى﴾ أي ويرفضها
стр. 1557
ويبتعد عن قبول الموعظة الكافر المبالغ في الشقاوة ﴿الذى يَصْلَى النار الكبرى﴾ أي الذي يدخل نار جهنم المستعرة، العظيمة الفظيعة قال الحسن: النار الكبرى نارُ الآخرة، والصغرى نارُ الدنيا ﴿ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾ أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا الحياة الطيبة الكريمة، بل هو دائم في العذاب والشقاء ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى﴾ أي قد فاز من طهَّر نفسه بالإِيمان، وأخلص عمله للرحمن ﴿وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ أي وذكر عظمة ربه وجلاله، فصلى خشوعاً وامتثالا لأمره ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا﴾ أي بل تفضلون أيها الناس هذه الحياة الفانية على الآخرة الباقية، فتشتغلون لها وتنسون الآخرة ﴿والآخرة خَيْرٌ وأبقى﴾ أي والحال أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، لأن الدنيا فانية، والآخرة باقية، والباقي خيرٌ من الفاني، فكيف يؤثر عاقلٌ ما يفنى على ما يبقى؟ وكيف يهتم الغرور، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلود؟ قرأ ابن مسعود هذه الآية فقال لأصحابه: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قالوا: لا، قال: لأن الدنيا أحضرت وعجلت لنا بطعامها، وشرابها، ونسائها، ولذاتها، وبهجتها، وإن الآخرة غُيبتْ وزُويت عنا، فأحببنا العاجل، وتركنا الآجل ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ أي إن هذه المواعظ المذكورة في هذه السورة، مثبتة في الصحف القديمة المنزلة على إِبراهيم وموسى ﵉، فهي مما توافقت فيه الشرائع، وسطرته الكتب السماوية، كما سطره هذا الكتاب المجيد.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق ﴿لاَ يَمُوتُ. . وَلاَ يَحْيَا﴾ وكذلك ﴿الجهر. . وَمَا يخفى﴾ .
٢ - جناس الاشتقاق ﴿نُيَسِّرُكَ لليسرى﴾ و ﴿ذَكِّرْ. . والذكرى﴾ .
٣ - المقابلة بين ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى﴾ وبين ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى﴾ .
٤ - حذف المفعول ليفيد العموم في قوله ﴿خَلَقَ فسوى﴾ وفي ﴿قَدَّرَ فهدى﴾ لأن المراد خلق كل شيء فسواه، وقدر كل شيء فهداه.
٥ - السجع غير المتكلف وهو كثير في القرآن مثل ﴿أَخْرَجَ المرعى فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ وهو من المحسنات البديعية.
تنبيه: صحف موسى غير التوراة، وقد رود أنه أعطي عشر صحف وكانت كلها عبراً، قال أبو ذر: سألت رسول الله ﷺ َ عن صحف موسى ما كانت؟ قال: كانت عبراً كلها (عجبتُ لمن أيقن بالموت كيف يفرح ﴿عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك﴾ عجبتُ لمن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها ﴿عجبت لمن أيقن بالقَدَر ثم ينصب﴾ عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل!!)
стр. 1558
اللغَة: ﴿الغاشية﴾ القيامة تغشى الناس بأهوالها ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة خاضعة ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ من النصب وهو التعب ﴿ضَرِيعٍ﴾ شيء في النار كالشوك مرٌّ منتنٌ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ ذات حسن وبهجة ونضارة ﴿نَمَارِقُ﴾ وسائد ومرافق يُتكأ عليها جمع نمرقة قال زهير:
كهولاً وشباناً حساناً وجوهُهم ... على سُرر مصفوفةٍ ونمارق
стр. 1559
﴿زَرَابِيُّ﴾ بسط فاخرة جمع زريبة وقال الفراء: هي الطنافس التي لها خملٌ رقيق، ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مفرَّقة في المجالس ﴿إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم.
التفسِير: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ الاستفهام للتشويق الى استماع الخبر، وللتنبيه والتفخيم لشأنها أي هل جاءك يا محمد خبرُ الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتعمُّهم بشدائدها وأهوالها، وهي القيامة؟ قال المفسرون: سميت غاشية لأنها تشغى الخلائق بأهوالها وشدائدها، وتعمُّهم بما فيها من المكاره والكوارث العظيمة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي وجوهٌ في ذلك اليوم ذليلة خاضعةٌ مهينة ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أي دائبة العمل فيما يُتعبها ويشقيها في النار قال المفسرون: هذه الآية في الكفار، يتعبون ويشقون بسبب جر السلاسل والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإِبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ودركاتها كما قال تعالى ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل يُسْحَبُونَ فِي الحميم ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١٧٢] وهذا جزاء تكبرهم في الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في اللذات والشهوات ﴿تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾ أي تدخل ناراً مسعَّرة شديدة الحر قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله ﴿تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي تسقى من عين متناهية الحرارة، وصل حرها وغليانها درجة النهاية ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ أي ليس لأهل النار طعام إلا الضريع وهو نبتٌ ذو شوك تسمية قريش «الشبرق» وهو أخبث طعامٍ وأبشعه وهو سم قاتل قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه وأخبثه. . ذكر تعالى هنا أن طعامهم الضريع ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ وقال في الحاقَة ﴿وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ولا نافي بينهما، لأن العقاب ألوان، والمعذبون أنواع، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم من يكون طعامه الغسلين، وهكذا يتنوع العذاب ﴿لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أي لا يفيد القوة والسمن في البدن، ولا يدفع الجوع عن آكله قال أبو السعود: أي ليس من شأنه الإِسمانُ والإِشباع، كما هو شأن طعام الدنيا، وقد روي أنه يُسلَّط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، فإِذا أكلوه يُسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . . ولما ذكر حال الأشقياء أهل النار، أتبعه بذكر حال السعداء أهل الجنة فقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ أي وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة ذات بهجةٍ وحسن، وإشراق ونضارة كقوله تعالى
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ [المطفيين: ٣٤] ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي لعملها الذي عملته في الدنيا وطاعتها لله راضية مطمئنة، لأن هذا العسل أورثها الفردوس دار المتقين ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في حدائق وبساتين مرتفعة مكاناً وقدراً، وهم في الغرفات آمنون ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي لا تسمع في الجنة شتماً، أو سباً، أو فحشاً قال ابن عباس: لا تسمع أذى ولا باطلاً ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي فيها عيونٌ تجري بالماء السلسبيل لا تنقطع أبداً قال الزمخشري: التنوين في ﴿عَيْنٌ﴾ للتكثير أي عيونٌ كثيرة تجري مياهها ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ أي في الجنة أسرة مرتفعة، مكللة بالزبرجد والياقوت،
стр. 1560
عليها الحور العين، فإِذا أراد وليٌّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ أي وأقداح موضوعة على حافات العيون، معدة لشرابهم لا تحتاج إلى من يملأها ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ أي ووسائد مخدَّات قد صُفَّ بعضها إلى جانب بعض ليستندوا عليها ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ أي وفيها طنافس فاخرة لها خمل رقيق مبسوطة في أنحاء الجنة. . ثم ذكر تعالى الدلائل والبراهين الدالة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أي أفلا ينظر هؤلاء الناس نظر تكفر واعتبار، إِلى الإِبل الجمال كيف خلقها الله خلقاً عجيباً بديعاً يدل على قدرة خالقها؟ ﴿قال في التسهيل: في الآية حضٌ على النظر في خلقتها، لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها، من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها، وشرب ألبانها وغير ذلك ﴿وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أي وإلى السماء البديعة المحكمة، كيف رفع الله بناءها، وأعلى سمكها بلا عمد ولا دعائم؟ ﴿وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي إلى الجبال الشاهقة كيف نصبت على الأرض نصباً ثابتاً راسخاً لا يتزلزل؟﴾ ﴿وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي وإلى الأرض التي يعيشون عليها، كيف بسطت ومُهدت حتى صارت شاسعة واسعة يستقرون عليها، ويزرعون فيها أنواع المزروعات؟! قال الألوسي: ولا ينافي هذا، القول بأنها كرة أو قريبة من الكرة لمكان عظمها والحكمةُ في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإِنسان إِذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي يركبه فيرى نظراً عجيباً، وإن نظر فوق لم ير غير السماء، وإِن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإِن نظر تحت لم ير غير الأرض، فلذلك ذكر هذه الأشياء قال ابن كثير: نبه تعالى البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكبٌ عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم، الخالق المالك المتصرف، الذي لا يستحق العبادة سواه.
. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه ﷺ َ بوعظهم وتذكيرهم فقال ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ولا يهمنَّك أنهم لا ينظرون ولا
стр. 1561
يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإِيمان ﴿إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ﴾ أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله العلي القدير ﴿فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر﴾ أي فيعذبه الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإِنما قال ﴿الأكبر﴾ لأنهم عُذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي إِلنا وحدنا رجوعهم بعد الموت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - أسلوب التشويق ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ ؟
٢ - المجار المرسل بإِطلاق الجزء وإرادة الكل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ المراد أصحابها.
٣ - الطباق في الحرف بين ﴿إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ. . وعَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ .
٤ - جناس الاشتقاق ﴿فَذَكِّرْ. . مُذَكِّرٌ﴾ وبين ﴿يُعَذِّبُهُ. . والعذاب﴾ .
٥ - المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قابل بينها وبين سابقتها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ .
٦ - السجع الرصين غير المتكلف مثل ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ . . الخ.
تنبيه: روي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم الشام، أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين إنه نصراني؟ فقال: ذكرتُ قول الله ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾ فبكيتُ رحمةً عليه.
стр. 1562
اللغَة: ﴿حِجْرٍ﴾ عقل ولب قال الفراء: العرب تقول إِنه لذو حجر إِذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، وأصل الحجر المنع، وسمي العقل حجراً لأنه يمنع عن السفه قال الشاعر:
وكيف يُرجَّى أن يتوب وإِنما ... يُرجَّى من الفتيان من كان ذا حِجْر
﴿جَابُواْ﴾ قطعوا ومنه قولهم: فلان يجوب البلاد أي يقطعها ﴿التراث﴾ الميراث ﴿لَّمّاً﴾ شديداً وأصله الجمع ومنه قولهم: لمَّ اللهُ شعثه ﴿جَمّاً﴾ كثيراً عظيماً كبيراً قال الشاعر:
إِن تغفر اللَّهمَّ تغفر جماً ... وأيُّ عبدٍ لك ما ألمَّا
التفسِير: ﴿و الفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ هذا قسمٌ أي أُقسم بضوء الصبح عند مطادرته ظلمة الليل، وبالليالي العشر المباركات من أول ذي الحجة، لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج قال المفسرون: أقسم تعالى بالفجر لما فيه من خشوع القلب في حضرة الرب، وبالليالي الفاضلة المباركة وهي عشر ذي الحجة، لأنه أفضل أيام السنة، كما ثبت في صحيح البخاري «ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله فيهن من هذه الأيام يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيل الله، إِلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» ﴿والشفع والوتر﴾ أي وأٌقسم بالزوج والفرد من كل شيء فكأنه تعالى أقسم بكل شيء، لأن الأشياء إِما زوجٌ وإما فردٌ، أو هو قسمٌ بالخلق والخالق، فإِن الله تعالى واحد «وتر» والمخلوقات ذكرٌ وأنثى «شفع» ﴿واليل إِذَا يَسْرِ﴾ أي وأٌقسم بالليل إِذا يمضي بحركة الكون العجيبة، والتقييد بسريانه لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي هل فيما ذكر من الأشياء قسمٌ مقنع لذي لب وعقل؟ ﴿والاستفهام تقريريٌ لفخامة شأن الأمور المقسم بها، كأنه يقول: إِن هذا لقسمٌ عظيمٌ عند ذوي العقول والألباب، فمن كان ذا لُب وعقل علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيها عجائب، ودلائل تدل على توحيده وربوبيته، فهو حقيق بأن يُقسم له لدلالته على الإِله الخالق العظيم قال القرطبي: قد يُقسم الله بأسمائه وصفاته لعلمه، ويُقسم بأفعاله لقدرته كما قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] ويُقسم بمفعولاته لعجائب صنعه كما قال ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ﴿والسمآء والطارق﴾ [الطارق: ١] وجواب القسم محذوب تقديره: ورب هذه الأشياء ليعذبنَّ الكفار، ويدعل عليه قوله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ؟ أي ألم يبلغك يا محمد ويصل إِلى علمك، ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ أي عاداً الأولى أهل أرم
стр. 1563
ذات البناء الرفيع، الذين كانوا يسكنون بالأحقاف بين عُمان وحضرموت ﴿التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ أي تلك القبيلة الي لم يخلق الله مثلهم في قوتهم، وشدتهم، وضخامة أجسامهم﴾ والمقصود من ذلك تخويف أهل مكة بما صنع تعالى بعاد، وكيف أهلكهم وكانوا أطول أعماراً، وأشدَّ قوة من كفار مكة!؟ قال ابن كثير: وهؤلاء «عاد الأولى» وهم الذين بعث الله فيهم رسوله «هوداً» ﵇ فكذبوه وخالفوه، وكانوا عتاة متمردين جبارين، خارجين عن طاعة الله مكذبين لرسله، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمَّرهم، وجعلهم أحاديث وعِبراً ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد﴾ أي وكذلك ثمود الذين قطعوا صخر الجبال، ونحتوا بيوتاً بوادي القُرى
﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] وكانت مساكنهم في الحجر بين الحجاز وتبوك قال المفسرون: أو ما نحت الجبال والصخور والرخام قبيلة ثمود وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال فيجعلونها بيوتاً لأنفسهم، وقد بنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة بوادي القرى ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ أي وكذلك فرعون الطاغية الجبار، ذي الجنود والجموع والجيوش التي تشد ملكه قال أبو السعود: وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربونها في منازلهم أو لتعذيبه بالأوتاد ﴿الذين طَغَوْاْ فِي البلاد﴾ أي أولئك المتجبرين «عاداً، وثمود، وفرعون» الذين تمردوا وعتوا عن أمر الله، وجاوزوا الحدَّ في الظلم والطغيان ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد﴾ أي فأكثروا في البلاد الظلم والجور والقتل: وسائر المعاصي والآثام ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي فأنزل عليهم ربك ألواناً شديدة من العذاب بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال المفسرون: استعمل لفظ الصبّ لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب، كما قال القائل «صببنا عليهم ظالمين سياطنا» والمراد أنه تعالى أنزل على كل طائفة نوعاً من العذاب، فأُهلكت عادٌ بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون وجنوده بالغرق كما قال تعالى ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ أي إِن ربك يا محمد ليرقب عمل الناس، ويحصيه عليهم، ويجازيهم به قال في التسهيل: المرصاد المكان الذي يرتقب فيه الرصد، والمراد أنه تعالى رقيب على كل إِنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديدٌ لكفار قريش. . ولما ذكر تعالى ما حلَّ بالطغاة المتجبرين، ذكر هنا طبيعة الإِنسان الكافر، الذي يبطر عند الرخاء، ويقنط عند الضراء فقال ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ﴾ أي إِذا اختبره وامتحنه ربه بالنعمة ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ أي فأكرمه بالغنى واليسار، وجعله منعماً في الدنيا بالبنين والجاه والسلطان ﴿فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ﴾ أي فيقول ربي أحسن إليَّ بما أعطاني من النعم التي أستحقها، ولم يعلم أن هذا ابتلاء له أيشرك أم يكفر؟ ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أي وأما إِذا اختبره وامتحنه ربه بالفقر وتضييق الرزق ﴿فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ أي فيقول غافلاً عن الحكمة: إِن ربي أهانني بتضييقه الرزق عليَّ قال القرطبي: وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن
стр. 1564
بالبعث، وإِنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظّ في الدنيا وقلّته، وأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه المؤدي إِلى حظ الآخرة، وإِن وسَّع عليه في الدنيا حمده وشكره، وإِنما أنكر تعالى على الإِنسان قوله ﴿ربي أَكْرَمَنِ﴾ وقوله ﴿ربي أَهَانَنِ﴾ لأنه إِنما قال ذلك على وجه الفخر والكبر، لا على وجه الشكر، وقال: أهانن على وجه التشكي من الله وقلة الصبر، وكان الواجب عليه أن يشكر على الخير، ويصبر على الشر، ولهذا ردعه وزجره بقوله ﴿كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم﴾ أي ليس الإِكرام بالغنى، والإِهانة بالفقر كما تظنون، بل الإِكرام والإِهانة بطاعة الله ومعصيته ولكنكم لا تعلمون، ثم قال ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم﴾ أي بل أنتم تفعلون ماهو شرٌ من ذلك، وهو أنكم لا تكرمون اليتيم مع إِكرام الله لكم بكثرة المال!! ﴿وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾ أي ولا يحض بعضكم بعضاً ولا يحثه على إِطعام المحتاج وعون المسكين ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي وتأكلون الميران أكلاً شديداً، لا تسألون أمن حلالٍ هو أم من حرام؟ قال في التسهيل: هو أن يأخذ الميراث نصيب ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يُعطون من الميراث أنثى ولا صغيراً، بل ينفرد به الرجال ﴿وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ أي وتحبون المال حباً كثيراً مع الحرص والشره، وهذا ذمٌ لهم لتكالبهم على المال، وبخلهم بإِنفاقه ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً﴾ ﴿كَلاَّ﴾ للردع أي وارتدعوا أيها الغافلون وانزجروا عن ذلك، فأمامكم أهوال عظيمة في ذلك اليوم العصيب، وينعدم ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ أي وجاء ربك يا محمد لفصل القضاء بين العباد، وجاء الملائكة صفوفاً متتابعة صفاً بعد صف قال في التسهيل: قال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك، وهذه الآية وأمثالها مما يجب الإِيمان به من غير تكييفٍ ولا تمثيل وقال ابن كثير: قام الخلائق من قبورهم لربهم، وجاء ربك لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعن إِليه بسيد ولد آدم محمد ﷺ َ، فيجيء الربُ ﵎ لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ أي وأحضرت جهنم ليراها المجرمون كقوله
﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: ٣٧] وفي الحديث «يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها» ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب، والموقف العصيب، يتذكر الإِنسان علمه، ويندم على تفريطه وعصيانه، ويريد أن يقلع ويتوب ﴿وأنى لَهُ الذكرى﴾ أي ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى وقد فات أوانها؟! ﴿يَقُولُ ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي يقول نادماً متحسراً: يا ليتني قدمت عملاً صالحاً ينفعني في آخرتي، لحياتي الباقية قال تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ أي ففي ذلك اليوم ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي ولا يقيد أحدٌ بالسلاسل والأغلال مثل تقييد الله للكافر الفاجر، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، فأما
стр. 1565
النفس الزكية المطمئنة فيقال لها ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ أي يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد الله التي لا يلحقها اليوم خوفٌ ولا فزع ﴿ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ أي ارجعي إِلى رضوان ربك وجنته، راضيةً بما أعطاك الله من النعم، مرضيةٌ عنده بما قدمت من عمل قال المفسرون: هذا الخطاب والنداء يكون عند الموت، فيقال للمؤمن عند احتضاره تلك المقالة ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ أي فادخلي في زمرة عبادي الصالحين ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ أي وادخلي جنتي دار الأبرار الصالحين.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يليك
١ - الاستفهام التقريري ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد﴾ ؟
٢ - الطباق بين ﴿الشفع. . والوتر﴾ .
٣ - جناس الاشتقاق ﴿لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ﴾ ﴿يَتَذَكَّرُ. . الذكرى﴾ .
٤ - المقابلة ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ وبين ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. .﴾ الآية فقد قابل بين ﴿أَكْرَمَنِ وأَهَانَنِ﴾ وبين توسعة الرزق.
٥ - الاستعارة اللطيفة الفائقة ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ شبه العذاب الشديد الذي نزل عليهم بسياطٍ لاذعة تكوي جسد المعذَّب واستعمل الصبَّ للإِنزال.
٦ - الالتفات ﴿كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم﴾ في التفات من ضمير الغائب الى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب، والأصل ﴿بل لا يكرمون﴾ .
٧ - الإِضافة للتشريف ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ .
٨ - السجع الرصين غير المتكلف مثل ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ والشفع والوتر واليل إِذَا يَسْرِ﴾ ومثل ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد﴾ الآيات.
стр. 1566
اللغَة: ﴿كَبَدٍ﴾ الكبدُ: الشدة والمشقة، وأصله من كبد الرجل كبداً إِذا وجعته كبده ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد ﴿اقتحم﴾ الاقتحامُ: الدخول بسرعة وشدة يقال: اقتحم الأمر، واقتحم الحصن إِذا رمى نفسه فيه بدون روية ﴿العقبة﴾ الطريق الوعر في الجبل ﴿فَكُّ﴾ الفكُّ تخليص الشيء من الشيء يقال: فككت الحبل، وفككت الأسير أي خلصته من الأسر ﴿مَسْغَبَةٍ﴾ مجاعة يقال: سغبَ الرجل إذا جاع وقال الراغب: هو الجوع مع التعب ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ افتقار يقال: تربَ الرجل إِذا افتقر ولصق بالتراب، وأرتب إِذا استغنى وكذلك أثرى ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ مبطقة من أوصد الباب إِذا أغلقه وأطقبه.
التفسِير: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ هذا قسمٌ، أقسم سبحانه بالبلد الحرام «مكة» التي شرَّفها الله تعالى بالبيت العتيق قبلة أهل الشرق والغرب وجعلها مهبط الرحماتن وإِليها تجبى ثمرات كل شيء، وجعلها حرماً آمناً، وجعل حرمتها منذ خلق السموات والأرض، فلما استجمعت تلك المزايا والفضائل أقسم الله تعالى بها قال في التسهيل: أراد بالبلد «مكة» باتفاق، وأقسم بها تشريفاً لها ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ أي وأنت يا محمد ساكنٌ ومقيم بمكة بلد الله الأمين قال البيضاوي أقسم بالبلد الحرام وقيَّده بحلوله ﵇ فيه أي إقامته فيه إظهاراً لمزيد فضله، وإِشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ أي وأُقسم بآدم وذريته الصالحين قال مجاهد: الوالد آدم ﵇ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ جميع ذريته قال ابن كثير: وما ذهب إِليه مجاهد وأصحابه حسنٌ قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي المساكن، أقسم بعده بالساكن وهو «آدم» أبو البشر وولده وقال الخازن: أقسم الله تعالى بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالآنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر وإن كان من ذريته لا حرمة له حتى يقسم به ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ هذا هو المقسم عليه أي لقد خلقنا الإِنسان في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي أنواع الشدائد، من وقت نفخ الروح فيه إلى حين نزعها منه قال ابن عباس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي في مشقة وشدة، من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، ومعاشه، وحياته، وموته، وأصل الكبد: الشدة، وقيل: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق قال أبو السعود: والآية تسليةٌ لرسول الله ﷺ َ مما كان يكابده من كفار مكة. . ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان الجاحد بقدرة الله، والمكذب للبعث والنشور فقال ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أي أيظن هذا الشقي الفاجر، المغتر بقوته، أنَّ الله تعالى لا يقدر عليه لشدته وقوته؟ قال المفسرون: نزلت في «أبي الأشد بن كلدة» كان شديداً مغتراً
стр. 1567
بقوته، وكان يبسط له الأديم الجلد فيوضع تحت قدميه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعاً ولا تزلّ قدماه، ومعنى الآية: أيظن هذا القوي المارد، المستضعف للمؤمنين، أنه لن يقدر على الانتقام منه أحد؟ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ أي يقول هذا الكافر: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ َ قال الألوسي: أي يقول فخراً ومباهاة على المؤمنين: أنفقت مالاً كثيراً، وأراد بذلك ما أنفقه «رياءً وسمعةً» وعبر عن الإِنفاق بالإِهلاك، إظهاراً لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعاً، وقيل يقول ذلك إظهاراً لشدة عداوته لرسول الله ﷺ َ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ؟ أي أيظن أنَّ الله تعالى لم يره حين كان ينفق، ويظن أن أعماله تخفى على رب العباد؟ ليس الأمر كما يظن، بل إن الله رقيب مطلعٌ عليه، سيسأله يوم القيامة ويجازيه عليه.
. ثم ذكَّره تعالى بنعمه عليه ليعتبر ويتعظ فقال ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ أي ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟ ﴿وَلِسَاناً﴾ أي ولساناً ينطق به فعيبر ما في ضميره؟ ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ أي وشفتين يطبقهما على فمه، ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلكظ قال الخازن: يريد أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقرره بها كي يشكره ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ أي وبينا له طريق الخير والشر، والهدى والضلال، ليسلك طريق السعادة، ويتجنب طريق الشقاوة قال ابن مسعود: ﴿النجدين﴾ الخير والشر كقوله تعالى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإِنسان: ٣] ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ أي فهلا أنفق ماله في اجتياز العقبة الكئود، بدل أن ينفقه في عداوة محمد ﷺ َ؟! قال في البحر: والعقبةُ استعارةٌ للعمل الشاق على النفس، من حيث فيه بذل المال، تشبيهاً لها بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وقت الصعود، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها، ومعنى اقتحامها دخلها بسرعة وشدة، وهو مثلٌ ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، حتى ينال رضى الرحمن ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل. . ثم فسرها تعالى بقوله ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي هي عتق الرقبة في سبيل اله، وتخليص صاحبها من الأسر والرقِّ، فمن أعتق رقبة كانت له فداء من النار ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي أو أن يطعم الفير في يوم عصيب ذي مجاعة، قال الصاوي وقيد الإِطعام بيوم المجاعة، لأن إِخراج المال فيه أشد على النفس ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي أطعم اليتيم الذي بينه وبينه قرابة ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أو المسكين الفقير البائس الذي قد لصق بالتراب من فقره وضره، وهو كناية عن شدة الفقر والبؤس قال ابن عباس: هو المطروح على ظهر الطريق لا يقيه من التراب شيء ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي عمل هذه القربات لوجه الله تعالى، وكان مع ذلك مؤمناً صادق الإِيمان قال المفسرون: وفي الآية إشارة أن هذه القُرَب والطاعات لا تنفع إِلا مع الإِيمان ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ أي وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإِيمان وطاعة الرحمن، وبالرحمة والشفقة على الضعفاء والمساكين ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم
стр. 1568
بأيمانهم، ويسعدون بدخول جنات النعيم ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ قرن بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشرار أي والذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا بالقرآن هم أهل الشمال أهل النار لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، وعبر عنهم بضمير الغائب إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه، وكرامة أُنسه ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي عليهم نارٌ مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها روحٌ ولا ريحان، ولا يخرجون منها أبد الزمان.
. اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ونجنا من ذلك يا رب.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - زيادة ﴿لاَ﴾ لتأكيد الكلام، وهو مستفيض في كلام العرب ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أي أُقسم بهذا البلد، وفائدتها تأكيد القسم كقولك: لا والله ما ذاك كما تقول أي والله قال امرؤ القيس:
«لا وأبيك ابنة العامري» ... ٢ جناس الاشتقاق ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ فكل من الوالد والولد مشتق من الولادة.
٣ - الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ؟ ومثله ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ؟
٤ - الاستفهام التقريري للتذكير بالنعم ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ ؟
٥ - الاستفهام للتهويل والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ ؟ لأن الغرض تعظيم شأنها.
٦ - الاستعارة اللطيفة ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ أي طريقي الخير والشر، وأصل النجد الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، وسلوك طريق الشقاوة.
٧ - الاستعارة كذلك في قوله ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ لأن أصل العقبة الطريق الوعر في الجبل، واستعيرت هنا للأعمال الصالحة لأنها لا تصعب وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية.
٨ - الجناس الناقص بين ﴿مَقْرَبَةٍ﴾ و ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ لتغير بعض الحروف.
٩ - المقابلة اللطيفة بين ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ وبين ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ .
١٠ - مراعاة الفواصل ورءوس الآيات مثل ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد. . وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ ومثل ﴿عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1569
اللغَة: ﴿ضُحَاهَا﴾ ضوءها، والضحى وقت ارتفاع الشمس أول النهار قال المبرد: الضحى مشتقٌ من الضحِّ وهو نور الشمس ﴿طَحَاهَا﴾ بسطها ومدَّها قال الجوهري: طحوتُه مثل دحوته أي
стр. 1570
بسطتُه ﴿دَسَّاهَا﴾ أخفاها وأصل الكلمة دسسها أبدلت السين الثانية ألفاً تخفيفاً ﴿فَدَمْدَمَ﴾ الدمدمة: إِطباقُ الشيء على الشيء يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه والمراد به هنا إِطباقُ العذاب عليهم بمعنى إِهلاكهم بطريق الاستئصال ﴿عُقْبَاهَا﴾ عاقبتها وتبعتها.
التفسِير: ﴿والشمس وضحاهاوالليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ أي أُقسم بالشمس وضوئها الساطع إِذا أنار الكون وبدَّد الظلام ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ أي وأُقسم بالقمر إِذا سطع مضيئاً، وتبع الشمس طالعاً بعد غروبها قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إِذا غربت الشمس تلاها القمر في الإِضاءة وخلفها في النور، وحكمةُ القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإِذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقتُ الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمسُ والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على مافيهما من المنافع العظيمة ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ أي وأُقسم بالنهار إِذا جلا ظلمة الله بضيائه، وكشفها بنوره وقال ابن كثير: إِذا جلا البسيطة وأضاء الكون بنوره ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي وأقسمُ بالليل إِذا غطَّى الكون بظلامه، ولفَّه بشبحه، فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها، والليل يغطيها ويسترها، قال الصاوي: وأتى بالفعل مضارعاً ﴿يَغْشَاهَا﴾ ولم يقل ﴿غشاها﴾ مراعاةً للفواصل ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ أي وأقسم بالقادر العظيم الذي بنى السماء، وأحكم بناءها بلا عمد قال المفسرون: ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى «منْ» أي والسماء ومن بناها والمراد به الله رب العالمين، بدليل قوله بعده ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها، فدلَّ بناؤها وإحكامها على وجوده، وكمال قدرته ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ أي وأُقسمُ بالأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها ممتدة ممهَّدة، صالحة لسكنى الإِنسان والحيوان، وهذا لا ينافي كرويتها كما قال المفسرون، لأن الغرض من الآية الامتنان بجعل الأرض ممتدة واسعة، ميسَّرة للزراعة والفلاحة وسكنى الإِنسان ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي وأقسمُ بالنفس البشرية وبالذي أنشأها وأبدعها، وجعلها مستعدة لكمالها، وذلك بتعديل أعضائها، وقواها الظاهرة والباطنة، ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير والشر، والتقوى والفجور، ولهذا قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي وعرَّفها الفجور والتقوى وما تميز به بين رشدها وضلالها قال ابن عباس: بيَّن لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، وعرَّفها ما تأتي وما تتقي قال المفسرون: أقسم سبحانه بسبعة أشياء «الشمس، والقرم، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية» إِظهاراً لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، وأشارةً إِلأى كثرة مصالح تلك الأشياء وعظم نفعها وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها وقال الإِمام الفخر: لما كانت الشمس أعظم المحسوسات، ذكرها تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر سبحانه ذاته
стр. 1571
المقدسة، ووصفها جلَّ وعلا بصفاتٍ ثلاث ليحظى العقل بإِدراك جلال الله تعالى وعظمته، كما يليق به ﷻ ، فكان ذلك طريقاً إِلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إِلى بيداء أوج كبريائه جلَّ شأنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ هذا هو جواب القسم أي لقد فاز وأفلح من زكَّى نفسه بطاعة الله، وطهَّرها من دنس المعاصي والآثام ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي وقد خسر وخاب من حقَّر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة، فإِنَّ من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق بالجهلة الأغبياء.
. ثم ضرب تعالى مثلاً لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر والعصيان، فذكر ﴿ثَمُودُ﴾ قوم صالح ﵇ فقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ أي حين انطلق أشقى القةم بسرعةٍ ونشاط يعقر الناقة قال ابن كثير: وهو «قدار بن سالف» الذي قال الله فيه ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] وكان عزيزاً شريفاً في قومه، ورئيساً مطاعاً فيهم، وهو أشقى القبيلة ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله﴾ أي فقال لهم صالح ﵇ ﴿نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا﴾ أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أيضاً أن تمنعوها من سُقياها أي شربها ونصيبها من الماء كما قال تعالى ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أي فكذبوا نبيه صالحاً وقتلوا الناقة، ولم يتلفتوا إِلى تحذيره ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ أي فأهلكهم اللهُ ودمَّرهم عن آخرهم بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاكٌ باستئصال والمعنى أطبق عليهم العذاب طبقاً فلم ينفلت منهم أحد ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي فسوَّى بين القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غنيٌ ولا فقير ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي ولا يخاف تعالى عاقبة إِهلاكهم وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿الشمس والقمر﴾ و ﴿الليل والنهار﴾ وبين ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ .
٢ - المقابلة اللطيفة بين ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ وبين ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ وبين ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ وبين ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ وكلٌ من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية.
٣ - الإِضافة للتكريم والتشريف ﴿نَاقَةَ الله﴾ نسبت إِلى تشريفاً لأنها خرجت من حجرٍ أصم معجزةً لصالح ﵇.
٤ - التهويل والتفظيع ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ فإِن التعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب.
٥ - السجع المرصَّع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات وهو ظاهر جليٌ في السورة الكريمة.
стр. 1572
اللغَة: ﴿تجلى﴾ انكشف وظهر ﴿شتى﴾ متفرق ومختلف ﴿الحسنى﴾ الكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد ﴿اليسرى﴾ الخصلة المؤدية الى اليسر والراحة وهي الجنة ﴿العسرى﴾ الخصلة المؤدية إلى العسر والشدة وهي جهنم ﴿تردى﴾ هلك وسقط في الهاوية ﴿تلظى﴾ أصلها تتلظى أي تتلهب وتتوقد ﴿يَصْلاَهَآ﴾ يدخلها وياقسي حرها.
المنَاسَبَة: روي أن بلالاً ﵁ كان عبداً مملوكاً ل «أُمية بن خلف» وكان سيده يعذبه لإِسلامه، ويخرجه إِذا حميت الشمسُ فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد! ﴿فيقول وهو في تلك الحالة: أحدٌ، أحدٌ، فمرَّ به أبو بكر الصديق وهم يصنعون به ذلط، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين﴾ ! فقال له: أنت أفسدته عليَّ فأنقذه مما ترى، فاشتراه أبو بكرٍ منه وأعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إِنما أعتقه ليدٍ كانت له عنده فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى وَلَسَوْفَ يرضى﴾ .
التفسِير: ﴿و الليل إِذَا يغشى﴾ أي أُقسمُ بالليل إِذا غطَّى بظلمته الكون، وستر بشبحه الوجود ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي وأُقسمُ بالنهار إِذا تجلَّى وانكشف، وأنار العالم وأضاء الكون قال المفسرون: أقسم تعالى بالليل لأنهسكنٌ لكافة الخلق، يأوي فيه الإِنسان والحيوان إلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب والحركة، ثم أقسم بالنهار لأن فيه حركة الخلق وسعيهم إلى اكتساب الرزق، والحكمة في هذا القسم ما في تعاقب الليل والنهار من مصالح لا تُحصى فإِنه لو كان العمر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لما سكن الإِنسان إلى الراحة، ولاختلت مصالح البشر ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ أي وأُقسمُ بالقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى، من نطفةٍ إذا تمنى. . أقسم تعالى بذاته على خلق النوعين ﴿الذكر والأنثى﴾ للتنبيه على أنه الخالق المبدع الحكيم، إِذْ لا يُعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى يحصل بمحض الصدفة من طبيعة بلهاء لا شعور لها فإِن الأجزاء الأصلية في المنيّ متساوية، فتكوينُ الولد من عناصر واحدة تارةً ذكراً، وتارة أنثى، دليلٌ على أن واضع هذا النظام عالم، بما يفعل، محكم لما يصنع ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ هذا هو جواب القسم أي إن عملكم لمختلف، فمنكم تقيٌ ومنكم شقي، ومنكم صالحٌ ومنكم طالح، ثم فسَّره بقوله ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى﴾ أي فأما من أعطى ماله وأنفق ابتغاء وجه الله، واتقى ربه فكف عن
стр. 1573
محارم الله قال بان كثير: أعطى ما أُمر باخراجه، واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي وصدَّق بالجنة التي أعدَّها الله للأبرار ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ أي فسنهيئه لعمل الخير، ونسهّل عليه الخصلة المؤدية لليسر، وهي فعل الطاعات وترك المحرمات ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ أي وأمَّا من بخل بإِنفاق المال، واستغنى عن عبادة ذي الجلال قال ابن عباس: بخل بماله، واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي وكذَّب بالجنة ونعيمها ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ أي فسنهيئه للخصة المؤدية للعسر، وهي الحياة السيئة في الدنيا والآخرة وهي طريق الشر قال المفسرون: سمَّى طريقة الخير يسرى لأن عاقبتها اليسر وهي دخول الجنة دار النعيم، وسمَّى طريقة الشرِّ عسرى لأن عاقبتها العسر وهو دخول الجحيم ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى﴾ استفهام إِنكاري أيْ أيُّ شيء ينفعه ماله إذا هلك وهو في نار جهنم؟ هل نفعه المال، ويدفع عنه الوبال؟ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ أي إنَّ علينا أن نبيِّن للناس طريق الهدى من طريق الضلالة، ونوضّح سبيل الرشد من سبيل الغي كقوله
﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ أي لنا ما في الدنيا والآخرة، فمن طلبهما من غير الله فقد أخطأ الطريق ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ أي فحذرتكم يا أهل مكة ناراً تتوقَّد وتتوهج من شدة حرارتها ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ أي لا يدخلها للخلود فيها ولا يذوق سعيرها، إِلاّ الكافر الشقي. . ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿الذي كَذَّبَ وتولى﴾ أي كذَّب الرسل وأعرض عن الإِيمان ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ أي وسيبعد عن النار التقيُ النقيُّ، المبالغ في اجتناب الشرك والمعاصي. . ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي الذي ينفق ماله في وجوه الخير ليزكي نفسه ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ أي وليس لأحدٍ عنده نعمة حتى يكافئه عليها، وإِنما ينفق لوجه الله قال المفسرون: نزلت الآيات في حقِّ «أبي بكر الصديق» حين اشترى بلالاً وأعتقه في سبيل الله فقال المشركون: إِنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ أي ليس له غاية إِلا مرضاة الله ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ أي ولسوف يعطيه الله في الآخرة ما يرضيه وهو وعدٌ كريم من رب رحيم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين لفظة ﴿الأشقى﴾ و ﴿الأتقى﴾ وبين ﴿اليسرى﴾ و ﴿العسرى﴾ .
٢ - المقابلة اللطيفة ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ وبين ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ الآيات.
٣ - جناس الاشتقاق ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ لأن اليسرى من التيسير فبينهما مجانسة.
٤ - حذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع كل مذهب ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى. .﴾ الآيات.
стр. 1574
٥ - السجع الرصين غير المتكلف كقوله ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى. . وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ الخ.
كان عمر ﵁ يقول: أعتق سيدُنا سيدَنا يريد أعتق سيدنا أبو بكر سيدنا بلالاً، فما أروع هذه النفوس؟ اللهم ارزقنا محبة أصحاب الرسول جميعاً.
стр. 1575
اللغَة: ﴿سجى﴾ سجى الليل: اشتد ظلامه ﴿قلى﴾ أبغض قال الراغب: القلي: شدة البغض يقال: قلاه ويقليه أي أبغضه ﴿آوى﴾ ضمَّه إلى من يرعاه ﴿عَآئِلاً﴾ فقيراً معدماً وهو من اشتد به الفقر قال جرير:
стр. 1576
اللهُ نزَّل في الكتاب فريضةٌ ... لابن السبيل وللفقير العائل
﴿تَقْهَرْ﴾ تذله وتحقره ﴿تَنْهَرْ﴾ تزجره وتغلظ عليه في الكلام.
سَبَبُ النّزول: اشتكى رسول الله ﷺ َ فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءت امرأةٌ وهي أم جميل امرأة أبي لهب شفقالت يا محمد: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك!! لم أره قربك ليلتين أو ثلاثاً فأنزل اله : ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
التفسِير: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ أقسم تعالى بوقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمسُ، وأقسم بالليل إِذا اشتد ظلامه، وغطَّى كل شيء في الوجود قال ابن عباس: ﴿سجى﴾ أقبل بظلامه قال ابن كثير: هذا قسمٌ منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إِذا سكن فأظلم وأدلهمَّ، وذلك دليلٌ ظاهر على قدرته تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا ردٌّ على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ أي وللدارُ الآخرة خيرٌ لك يا محمد من هذه الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا كان ﵇ يقول: «اللهم لا عيش إِلا عيشُ الآخرة» ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى قال ابن عباس: هي الشفاعة في أُمته حتى يرضى، لما روي «أن النبي ﷺ َ ذكر أمته فقال: اللهم أُمتي أُمتي وبكى، فقال الله يا جبريل إِذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك: اذهب إِلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» ، وفي الحديث «لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإِني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة» الحديث قال الخازن: والأولى حملُ الآية على ظاهرها ليشمل خيري الدنيا والآخرة معاً، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا النصر والظفر على الأعداء، وكثر الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة. . ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكَّره بنعمه عليه في حال صغره ليشكر ربه فقال ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ أي ألم تكنْ يا محمد يتيماً في صغرك، فآواك الله إلى عمك أبي طالب وضمَّك إليه؟ قال ابن كثير: وذلك أن أباه توفي وهو حملٌ في بطن أمه، ثم توفيت أُمه وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده «عبد المطلب» إِلى أن تُوفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه «أبو طالب» ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين وأبو طالب على عبادة الأوثان مثل قومه ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله ﷺ َ، وكلُّ هذا من حفظ الله له، كلاءته
стр. 1577
وعنايته به ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي ووجدك تائهاً عن معرفة الشريعة والدين فهداك إِليها كقوله تعالى
﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] قال الإِمام الجلال: أي وجدك ضالاً عمان أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها، وقيل: ضلَّ في بعض شعاب مكة وهو صغير فردَّه الله إِلى جده قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، وقيل: ضلَّ وهو مع عمه طريق الشام ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ أي ووجدك فقيراً محتاجاً فأغناك عن الخلق، بما يسَّ لك من أسباب التجارة. . ولمَّا عدَّد عليه هذه النعم الثلاث، وصَّاه بثلاث وصايا مقابلها فقال ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ أي فأما اليتيم فلا تحتقره ولا تغلبه على ماله قال مجاهد: أي لا تحتقره وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله، والمراد كن لليتيم كالأب الرحيم، فقد كنت يتيماً فآواك الله ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ أي وأمَّا السائل المستجدي الذي يسأل عن حاجة وفقر، فلا تزجره إِذا سألك ولا تُغلظ له القول بل أعطه أو ردَّه رداً جميلاً قال قتادة: ردَّ المسكين برفقٍ ولين ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي حدِّثْ الناس بفضل الله وإِنعامه عليك، فإِن التحدث بالنعمة شكر لها قال الألوسي: كنت يتيماً وضالاً وعائلاً، فأواك الله وهداك وأغناك، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، فتعطَّف على اليتيم، وترحَّم على السائق، فقد ذقت اليتم والفقر، وأرشد العباد إِلى طريق الرشاد، كما هداك ربك.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿الآخِرَةُ﴾ و ﴿الأولى﴾ لأن المراد بالأولى الدنيا وهي تطابق الآخرة.
٢ - المقابلة اللطيفة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى. . وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ قابلها بقوله ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ وهي من لطائق علم البديع.
٣ - الجناس الناقص بين ﴿تَقْهَرْ﴾ و ﴿تَنْهَرْ﴾ لتغير الحرف الثاني من الكلمتين.
٤ - السجع المرصَّع كأنه الدر المنظوم في عقد كريم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ الخ.
стр. 1578
التفسِير: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ استفهامٌ بمعنى التقرير أي قد شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإِيمان، ونور القرآن كقوله تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ [الأَنعام: ١٢٥] قال ابن كثير: أي نورناه وجعلناه فسيحاً، رحيباً، واسعاً، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً، سمحاً، سهلاً، لا حرج فيه ولا إِصرْ ولا ضيق وقال أبو حيان: شرحُ الصدر تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إِليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره في
стр. 1579
صغره وهو مرويٌ عن ابن عباس ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ أي حططنا عنك حملك الثقيل ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي الذي أثقل وأوهن ظهرك قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها ﷺ َ، وَوَضْعُها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وليس المراد بالذنوب المعاصي والأثام، فإِن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، ولكن ما فعله ﵇ عن اجتهاد وعوتب عليه، كإِذنه ﷺ َ للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال في التسهيل: وإِنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمِّهم بها وتحسرهم عليهان فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في الأثر «إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه» والنقيضُ هو الصوتُ الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا والآخرة، وجعلنا اسمك مقروناً باسمي قال مجاهد: لا أَذكر إِلا ذكرت معي وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إِلا ينادي: أشهد أن لا إِله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي الحديث «أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي» قال في البحر: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة الشهادة، والأذان والإِقامة، والتشهد، والخطب، وفير غير موضع من القرآن، وأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت:
وضمَّ الإِله اسم النبي إِلى اسمه ... إِذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من إِسمه ليُجله ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمد
﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ َ كما عدَّد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنسياً له، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إِنَّ الذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسرٍ قريب، ولذلك كرره ومبالغة فقال: ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ أي سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث
«لن يغلب عسرٌ يسرين» ﴿فَإِذَا
стр. 1580
فَرَغْتَ فانصب﴾ أي فإِذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإِذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ أي اجعل همَّك ورغبتك فيما عند الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إِذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إِلى العبادة، وقم إِليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام التقريري للامتنان والتذكير بنعم الرحمن ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. .﴾ الخ.
٢ - الاستعارة التمثيلية ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ شبَّه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإِنسان ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية:
٣ - التنكير للتفخيم والتعظيم ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ نكر اليسر للتعظيم كأنه يسراً كبيراً.
٤ - الجناس الناقص بين لفظ ﴿اليُسْر﴾ و ﴿العسر﴾ .
٥ - تكرير الجملة لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ ويسمى هذا بالإِطناب.
٦ - السجع المرصَّع مراعاة لرءوس الآيات ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ ومثلها ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
следующие страницы →