Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
اللهُ نزَّل في الكتاب فريضةٌ ... لابن السبيل وللفقير العائل
﴿تَقْهَرْ﴾ تذله وتحقره ﴿تَنْهَرْ﴾ تزجره وتغلظ عليه في الكلام.
سَبَبُ النّزول: اشتكى رسول الله ﷺ َ فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءت امرأةٌ وهي أم جميل امرأة أبي لهب شفقالت يا محمد: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك!! لم أره قربك ليلتين أو ثلاثاً فأنزل اله : ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
التفسِير: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ أقسم تعالى بوقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمسُ، وأقسم بالليل إِذا اشتد ظلامه، وغطَّى كل شيء في الوجود قال ابن عباس: ﴿سجى﴾ أقبل بظلامه قال ابن كثير: هذا قسمٌ منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إِذا سكن فأظلم وأدلهمَّ، وذلك دليلٌ ظاهر على قدرته تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا ردٌّ على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ أي وللدارُ الآخرة خيرٌ لك يا محمد من هذه الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا كان ﵇ يقول: «اللهم لا عيش إِلا عيشُ الآخرة» ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى قال ابن عباس: هي الشفاعة في أُمته حتى يرضى، لما روي «أن النبي ﷺ َ ذكر أمته فقال: اللهم أُمتي أُمتي وبكى، فقال الله يا جبريل إِذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك: اذهب إِلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» ، وفي الحديث «لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإِني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة» الحديث قال الخازن: والأولى حملُ الآية على ظاهرها ليشمل خيري الدنيا والآخرة معاً، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا النصر والظفر على الأعداء، وكثر الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة. . ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكَّره بنعمه عليه في حال صغره ليشكر ربه فقال ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ أي ألم تكنْ يا محمد يتيماً في صغرك، فآواك الله إلى عمك أبي طالب وضمَّك إليه؟ قال ابن كثير: وذلك أن أباه توفي وهو حملٌ في بطن أمه، ثم توفيت أُمه وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده «عبد المطلب» إِلى أن تُوفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه «أبو طالب» ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين وأبو طالب على عبادة الأوثان مثل قومه ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله ﷺ َ، وكلُّ هذا من حفظ الله له، كلاءته
стр. 1577
وعنايته به ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي ووجدك تائهاً عن معرفة الشريعة والدين فهداك إِليها كقوله تعالى
﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] قال الإِمام الجلال: أي وجدك ضالاً عمان أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها، وقيل: ضلَّ في بعض شعاب مكة وهو صغير فردَّه الله إِلى جده قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، وقيل: ضلَّ وهو مع عمه طريق الشام ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ أي ووجدك فقيراً محتاجاً فأغناك عن الخلق، بما يسَّ لك من أسباب التجارة. . ولمَّا عدَّد عليه هذه النعم الثلاث، وصَّاه بثلاث وصايا مقابلها فقال ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ أي فأما اليتيم فلا تحتقره ولا تغلبه على ماله قال مجاهد: أي لا تحتقره وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله، والمراد كن لليتيم كالأب الرحيم، فقد كنت يتيماً فآواك الله ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ أي وأمَّا السائل المستجدي الذي يسأل عن حاجة وفقر، فلا تزجره إِذا سألك ولا تُغلظ له القول بل أعطه أو ردَّه رداً جميلاً قال قتادة: ردَّ المسكين برفقٍ ولين ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي حدِّثْ الناس بفضل الله وإِنعامه عليك، فإِن التحدث بالنعمة شكر لها قال الألوسي: كنت يتيماً وضالاً وعائلاً، فأواك الله وهداك وأغناك، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، فتعطَّف على اليتيم، وترحَّم على السائق، فقد ذقت اليتم والفقر، وأرشد العباد إِلى طريق الرشاد، كما هداك ربك.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿الآخِرَةُ﴾ و ﴿الأولى﴾ لأن المراد بالأولى الدنيا وهي تطابق الآخرة.
٢ - المقابلة اللطيفة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى. . وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ قابلها بقوله ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ وهي من لطائق علم البديع.
٣ - الجناس الناقص بين ﴿تَقْهَرْ﴾ و ﴿تَنْهَرْ﴾ لتغير الحرف الثاني من الكلمتين.
٤ - السجع المرصَّع كأنه الدر المنظوم في عقد كريم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ الخ.
стр. 1578
التفسِير: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ استفهامٌ بمعنى التقرير أي قد شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإِيمان، ونور القرآن كقوله تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ [الأَنعام: ١٢٥] قال ابن كثير: أي نورناه وجعلناه فسيحاً، رحيباً، واسعاً، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً، سمحاً، سهلاً، لا حرج فيه ولا إِصرْ ولا ضيق وقال أبو حيان: شرحُ الصدر تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إِليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره في
стр. 1579
صغره وهو مرويٌ عن ابن عباس ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ أي حططنا عنك حملك الثقيل ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي الذي أثقل وأوهن ظهرك قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها ﷺ َ، وَوَضْعُها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وليس المراد بالذنوب المعاصي والأثام، فإِن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، ولكن ما فعله ﵇ عن اجتهاد وعوتب عليه، كإِذنه ﷺ َ للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال في التسهيل: وإِنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمِّهم بها وتحسرهم عليهان فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في الأثر «إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه» والنقيضُ هو الصوتُ الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا والآخرة، وجعلنا اسمك مقروناً باسمي قال مجاهد: لا أَذكر إِلا ذكرت معي وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إِلا ينادي: أشهد أن لا إِله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي الحديث «أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي» قال في البحر: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة الشهادة، والأذان والإِقامة، والتشهد، والخطب، وفير غير موضع من القرآن، وأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت:
وضمَّ الإِله اسم النبي إِلى اسمه ... إِذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من إِسمه ليُجله ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمد
﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ َ كما عدَّد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنسياً له، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إِنَّ الذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسرٍ قريب، ولذلك كرره ومبالغة فقال: ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ أي سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث
«لن يغلب عسرٌ يسرين» ﴿فَإِذَا
стр. 1580
فَرَغْتَ فانصب﴾ أي فإِذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإِذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ أي اجعل همَّك ورغبتك فيما عند الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إِذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إِلى العبادة، وقم إِليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام التقريري للامتنان والتذكير بنعم الرحمن ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. .﴾ الخ.
٢ - الاستعارة التمثيلية ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ شبَّه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإِنسان ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية:
٣ - التنكير للتفخيم والتعظيم ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ نكر اليسر للتعظيم كأنه يسراً كبيراً.
٤ - الجناس الناقص بين لفظ ﴿اليُسْر﴾ و ﴿العسر﴾ .
٥ - تكرير الجملة لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ ويسمى هذا بالإِطناب.
٦ - السجع المرصَّع مراعاة لرءوس الآيات ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ ومثلها ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1581
اللغَة: ﴿طُورِ سِينِينَ﴾ هو جبل الطور الذي كلم الله عليه موسى ومعنى ﴿سِينِينَ﴾ المبارك ﴿تَقْوِيمٍ﴾ تعديل يقال: قوَّم العود أي عدَّله وجعله مستقيماً، وقوَّمه الدهر جعله متزناً حصيف الرأي والعقل ﴿مَمْنُونٍ﴾ مقطوع ﴿بالدين﴾ الجزاء مأخوذ من دان بمعنى جاز ومنه الحديث الشريف «كما تدين تُدان» أي كما تفعل تُجازى.
التفسِير: ﴿و التين والزيتون﴾ هذا قسمٌ أي أُقسمُ بالتين والزيتون لبركتهما وعظيم منفعتهما قال
стр. 1582
ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت وقال عكرمة: أقسم الله تعالى بمنابت التين والزيتون، فإِن التين ينبتُ كثيراً بدمشق، والزيتون ببيت المقدس. . وهو الأظهر، ويدل عليه أن الله تعالى عطف عليه الاماكن «جبل الطور» و «البلد الأمين» فيكون قسماً بالبقاع المقدسة التي شرَّفها الله تعالى بالوحي والرسالات السماوية ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أي وأُقسم بالجبل المبارك الذي كلَّم الله عليه موسى وهو «طور سيناء» ذو الشجر الكثير، الحسن المبارك قال الخازن: سمي «سينين» و «سيناء» لحسنه ولكونة مباركاً، وكلُّ جبلٍ فيه أشجارٌ مثمرة يسمى سينين وسيناء ﴿وهذا البلد الأمين﴾ أي وأٌقسم بالبلد الأمين «مكة المكرمة» التي يأمن فيها من دخلها على نفسه وماله كقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ! ﴿قال الألوسي: هذه أقسام ببقاع مباركة شريفة على ما ذهب إِليه الكثيرون، فأما البلد الأمين فمكة المكرمة حماها الله بلا خوف، وأما طور سينين فالجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه، ويقال له: طور سيناء، وأما التين والزيتون فروي عن قتادة أن المراد بهما جبلان: أحدهما بدمشق، والثاني ببيت المقدس، وعنى بالتين والزيتون منبتيهما، وقيل: المراد بهما الشجران المعروفان وهو قول ابن عباس ومجاهد، والغرض من القسم بتلك الأشياء الإِبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير والبركة ببعثة الأنبياء والمرسلين وقال ابن كثير: ذهب بعض الأئمة إِلى أن محالٌ ثلاث، بعث الله في كلٍ منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار فالأول: محلة التين والزيتون وهي «بيت المقدس» التي بعث الله فيها عيسى ﵇ والثاني: طور سينين وهو «طور سيناء» الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران والثالث: البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذر أرسل الله فيه محمداً صلى الله عليه والسلم، وقد ذكر في آخر التوراة هذه الأماكن الثلاثة «جاء اللهُ من طور سيناء الجبل الذي كلم الله عليه موسى وأشرق من ساعير يعني جبل المقدس الذي بعث الله منه عيسى واستعلن من جبال فاران يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً ﷺ َ» فذكرهم بحسب ترتيبهم بالزمان، وأقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما، وجواب القسم هو قوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أي خلقنا جنس الإِنسان في أحسن شكل، متصفاً بأجمل وأكمل الصفات، من حسن الصورة، وانتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، مزيناً بالعلم والفهم، والعقل والتمييز، والنطق والأدب، قال مجاهد: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أحسن صورة، وأبدع خلق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي ثم أنزلنا درجته إِلى أسفل سافلين، لعدم قيامه بموجب ما خلقناه عليه، حين لم يشكر نعمة خلقنا له في أحسن صورة، ولم يستعمل ما خصصناه به من المزايا في طاعتنا، فلذلك سنرده إِلى أسفل سافلين وهي جهنم قال مجاهد والحسن: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أسفل دركات النار وقال الضحاك: أي رددناه إِلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة قال
стр. 1583
الألوسي: والمتبادرُ من السياقِ الإِشارة الى حالة الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي إِلا المؤمنين المتقين الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي فلهم ثواب دائم غير مقطوع عنهم، وهو الجنة دار المتقين ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ الخطاب للإِنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك أيها الانسان، بعد هذا البيان وبعد وضوح الدلائل والبراهين؟ فإِن خلق الإِنسان من نطفة، وإيجاده في أجمل شكل وأبدع صورة، من أوضح الدلائل على قدرة الله على البعث والجزاء، فما الذي يدعوك إِلى التكذيب بيوم الدين بعد هذه البراهين؟ ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي أليس الله الذي خلق وأبدع، بأعدل العادلين حكماً وقضاءً وفصلاً بين العباد؟﴾ وفي الحديث
«أن النبي ﷺ َ كان إِذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - المجاز العقلي بإِطلاق الحال وإِرادة المحل ﴿والتين والزيتون﴾ أراد موضعهما الشام وبيت المقدس على القول الراجح.
٢ - الطباق بين ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وبين ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ .
٣ - جناس الاشتقاق ﴿أَحْكَمِ الحاكمين﴾ .
٤ - الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ ؟ ﴿
٥ - الاستفهام التقريري ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ؟
٦ - السجع المرصَّع ﴿البلد الأمين. . أَسْفَلَ سَافِلِينَ. . أَحْكَمِ الحاكمين﴾ والله أعلم.
لطيفَة: ذكر الإِمام القرطبي: أن «عيسى الهاشمي» كان يحب زوجته جباً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إِن لم تكوني أحسن من القمر﴾ ! فاحتجبت عنه وقالت طلقتني، فحزن حزناً شديداً وذهب إِلى الخليفة «المنصور» وأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طُلّقت، إِلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة فقد بقى ساكتاً فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال له الرجل يا أمير المؤمنين: يقول الله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ فليس شيء أحسن من الإِنسان، فقال صدقت، وردها إِلى زوجها.
стр. 1584
اللغَة: ﴿عَلَقٍ﴾ جمع علقة وهي الدم الجامد، سميت علقة لأنها تعلق بالرحم ﴿نَسْفَعاً﴾ السَّفع: الجذب بشدة وقوة أهل اللغة: سفعت بالشيء إِذا قبضتُ عليه وجذبته جذباً شديداً، وسفع بناصية فرسه جذبها قال الشاعر:
قومٌ إِذا كثر الصياح رأيتهم ... مابين ملجم مهره أو سافع
﴿الناصية﴾ شعر مقدَّم الرأس ﴿الزبانية﴾ مأخوذ من الزَّبن وهو الدفع، والمراد بهم ملائكة العذاب، الغلاظ الشداد، والعرب يطلقون هذا الاسم على من اشتد بطشه قال الشاعر:
مطاعيم في القُصْوى، مطاعين ... في الوغى زبانيةٌ غلبٌ عظام حلومها
«روي أن أبا جهل قال لأصحابه يوماً: هل يُعفِّر محمد وجهه بين أظهرهم؟ يريد هل يصلي ويسجد أمامكم قالوا: نعم، فقال: واللأَّت والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنَّ على رقبته، ولأُعفرنَّ وجهه في التراب، فجاء يوماً فوجد رسول الله ﷺ َ يصلي، فأقبل يريد أن يطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إِن بني وبينه خندقاً من نار، وهولاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ َ:» لو دنا مني لاختفطته الملائكةُ عضواً عظواً «فأنزل الله ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إِلى آخر السورة.
التفسير: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ هذا أول خطاب إِلهي إِلى النبي ﷺ َ وفيه دعوةٌ إِلى القراءة والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإِسلام أي إقرأ يا محمد القرآن مبتدئاً ومستعيناً باسم ربك الجليل، الذي خلق المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، ثم فسَّر الخلق تفخيماً لشأن الإِنسان فقال ﴿خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ﴾ أي خلق هذا الإِنسان البديع الشكل، الذي هو أشرف المخلوقات من العلق ة هي الدودة الصغيرة وقد أثبت الطبُّ الحديث أن المنيّ الذي خلق منه الإِنسان محتوٍ على حيواناتٍ وديدان صغيرة لا تُرى بالعين، وإنما ترى بالمجهر الدقيق الميكرسكوب وأن لها رأساً وذنباً، فتبارك الله أحسن الخالقين قال القرطبي: خصَّ الإِنسان بالذكر تشريفاً له، والعلقةُ قطعة من ادمٍ رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمرُّ عليه ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ أي اقرأ يا محمد وربك العظيم الكريم، الذي لا يساويه ولا يدانيه كريم، وقد دلَّ على كمال كرمه أنه علَّم العباد ما لم يعلموا ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي الذي علَّم الخطَّ والكتابة بالقلم، وعلَّم البشر ما لم يكونوا يعرفونه من العلوم والمعارف، فنقلهم من ظلمة
стр. 1585
الجهل إِلى نور العلم، فكما علَّم سبحانه بواسطة الكتابة بالقلم، فإِنه يعلمك بلا واسطة وإِن كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب قال القرطبي: نبَّه تعالى على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دُونت العلوم ولا قُيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتبُ الله المنزَّلة إِلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدنيا والدين.
. وهذه الآيات الخمس هي أول ما تنزَّل من القرآن، كما ثبت في الصحاح أن النبي ﷺ َ نزل عليه الملك وهو يتعبَّد بغار حراء، فقال: اقرأ، فقال ما أنا بقارىء. . الخ قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات المباركات، وهنَّ أول رحمةٍ رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإِنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علَّم الإِنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرَّمه وبالعلم، وهو القدر الذي امتاز به «آدم» على الملائكة. . ثم أخبر تعالى عن سبب بطر الإِنسان وطغيانه فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ أي حقاً إِن الإِنسان ليتجاوز الحد في الطغيان، واتباع هوى النفس، ويستكبر على ربه ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ أي من أجل أن رأى نفسه غنياً، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وأبطر، ثم توعَّده وتهدده بقوله ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ أي إنَّ إِلى ربك أيها الإِنسانُ المرجعُ والمصير فيجازيك على أعمالك، وفي الآية تهديدٌ وتحذير لهذا الإِنسان من عاقبة الطغيان، ثم هو عام لكل طاغٍ متكبر قال المفسرون: نزلت هذه الآيات إِلى آخر السورة في «أبي جهل» بعد نزول صدر السورة بمدة طويلة، وذلك أن أبا جهل كان يطغى بكثرة ماله، ويبالغ في عداوة الرسول ﷺ َ والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تعجبٌ من حال ذلك الشقي الفاجر أي أخبرني يا محمد عن ذلك المجرم الأثيم، الذي ينهى عبداً من عباد الله عن الصلاة، ما استخفعقله، وما أشنع فعله! ﴿قال أبو السعود: هذه الآية تقبيحٌ وتشنيعٌ لحال الطاغي وتعجيب منها، وإِيذان بأنها من الشناعة الغرابة بحيث يقضى منها العجب، وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد ﷺ َ، وأن الذي نهاه هو اللعين «أبو جهل» حيث قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأن على عنقه ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى﴾ أي أخبرني إن كان هذا العبد المصلي وهو النبي ﷺ َ الذي تنهاه عن الصلاة صالحاً مهتدياً، على الطريقة المستقيمة في قوله وفعله﴾ ﴿ ﴿أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي أو كان آمراً بالإِخلاص والتوحيد، داعياً إِلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه﴾ ﴿فما أبلهك أيا الغبي الذي تنهى من هذه أوصافه: عبدٌ لله
стр. 1586
مطيعٌ مهتدٍ منيب، داعٍ إِلى الهدى والرشاد؟﴾ وما أعجب هذا؟ ﴿ثم عاد لخطاب الرسول ﷺ َ فقال ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ أي أخبرني يا محمد إِن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى﴾ أي ألم يعلم ذلك الشقي أن الله مطَّلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها﴾ ﴿ويله ما أجهله وأغباه؟﴾ ثم ردعه وزجره فقال ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر «أبو جهل» عن غيه وضلاله، فوالله لئن لم ينته عن أذى الرسول، ويكف عمَّا هو عليه من الكفر والضلال ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ أي لنأخذنه بناصيته مقدم شعر الرأس فلنجرنه إِلى النار بعنفٍ وشدة ونقذفه فيها ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي صاحب هذه الناصية كاذبٌ، فاجرٌ، كثر الذنوب والإِجرام قال في التسهيل: ووصفها بالكذب والخطيئة مجازٌ، والكاذب الخاطىء في الحقيقة صاحبها، والخاطىء الذي يفعل الذنب متعمداً، والمخطىء الذي يفعله بدون قصد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي فليدع أهل ناديه وليستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ أي سندعوا خزنة جهنم، الملائكة الغلاظ الشداد، روي
«أن أبا جهل مرَّ على النبي ﷺ َ وهو يصلي عند المقام فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد ﴿فأغلظ له رسول الله ﷺ َ القول، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد﴾ والله إِني لأكثر أهل الوادي هذا نادياً فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ » قال ابن عباس: لو دعا نادية لأخته ملائكة العذاب من ساعته ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إِليه من ترك الصلاة ﴿واسجد واقترب﴾ وأي وواظب على سجودك وصلاتك، وتقرَّب بذلك إِلى ربك وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ. .﴾ ثم قال: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم.
٢ - الجناس الناقص بين ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿عَلَقٍ﴾ .
٣ - طباق السلب ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
٤ - الكناية ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً﴾ كنَّى بالعبد عن رسول الله ﷺ َ ولم يقل: ينهاك تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقدره.
٥ - الاستفهام للتعجيب من شأن الناهي ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ ؟ ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى﴾ ؟
٦ - المجاز العقلي ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي كاذب صاحبها خاطىء فأسند الكذب إِليها مجازاً.
٧ - السجع المرصَّع مثل ﴿ ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ﴾ .
стр. 1587
التفسِير: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ أي نحن أنزلنا هذا القرآن المعجز في ليلة القدر والشرف قال المفسرون: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، والمرادُ بإِنزال القرآن إِنزالهُ من اللوح المحفوظ إِلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل إِلى الأرض في مدة ثلاث وعشرين سنة كما ابن عباس: أنزل الله القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ َ ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾ تعظيمٌ وتفخيمٌ لأمرها أي وما أعلمك يا محمد ما ليلةٌ القد والشرف؟ قال الخازن: وهذا على سبيل التعظيم لها والتشريق لخبرها كأنه قال: أي شيء يبلغ علمك بقدرها ومبلغ فضلها؟ ﴿ثم ذكر فضلها من ثلاثة أوجه فقال تعالى ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي ليلة القدر في الشرف والفضل خيرٌ من ألف شهر، لما اختصت به من شرف إِنزال القرآن الكريم فيها قال المفسرون: العمل الصالح في ليلة القدر خيرٌ من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد روي أن رجلاً لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله والمسلمون من ذلك، وتمنى رسول الله ﷺ َ لأُمته فقال يا رب: جعلت أُمتي أقصر الأمم أعماراً، وأقلها أعمالاً﴾ ! فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلةُ القدر خيرٌ لك ولأمكت من ألف شهر، جاهد فيها ذلك الرجل قال مجاهد: عملها وصيامها
стр. 1588
وقيامها خيرلإ من ألف شهر، وهذا هو الوجه الأول من فضلها ثم قال تعالى ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي تنزل الملائكةُ وجبريل إِلى الأرض في تلك الليلة بأمر ربهم من أجل كل أمرٍ قدَّره الله وقضاه لتلك السنة إِلى السنة القابلة، وهذا هو الوجه الثاني من فضلها، والوجه الثالث قوله تعالى ﴿سَلاَمٌ هِيَ حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ أي هي سلام من أول يومها إِلى طلوع الفجر، تسلّم فيها الملائكة على المؤمنين، ولا يُقدّر الله فيها إِلا الخير والسلامة لبني الإِنسان.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الإِطناب بذكر ليلة القدر ثلاث مرات، زيادة في الاعتناء بشأنها، وتفخيماً لأمرها.
٢ - الاستفهام بغرض التفخيم والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾ ؟
٣ - ذكر الخاص بعد العام ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح﴾ فذكر جبريل بعد الملائكة لينبه على جلالة قدره.
٤ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿القدر، شَهْرٍ، أَمْرٍ، الفجر﴾ وهو من المحسنات البديعية اللفظية والله أعلم.
стр. 1589
اللغَة: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ منتهين زائلين، وأصلُ الفك: الفتحُ ومنه فكُّ الكتاب، وفكُّ الخلخال ﴿البينة﴾ الحجة الواضحة، والدلالة القاطعة ﴿مُّطَهَّرَةً﴾ منزهة عن الباطل والشبهات ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة ﴿حُنَفَآءَ﴾ مائلين عن الباطل إِلى الدين الحق، وأصل الحنف: الميلُ ﴿البرية﴾ الخلق من قولهم: برأ اللهُ الخلق، ومنه البارىء أي الخالق.
التفسِير: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ أي لم يكن أهل الكفر والجحود، الذين كفروا بالله وبرسوله، ثم بيَّنهم بقوله ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ أي من اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن المشركين عبدة الأوثان والأصنام ﴿مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي منفصلين ومنتهين عما هم عليه من الكفر، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي بعثة محمد ﷺ َ ولهذ فسَّرها بقوله ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أي هذه البيّنة هي رسالة محمد ﷺ َ المرسل من عند الله تعالى ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ أي يقرأ عليهم صحفاً منزَّهة عن الباطل عن ظهر قلب، لأن النبي ﷺ َ أميٌ لا يقرأ ولا يكتب قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب، لأنه ﵇ كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ قال ابن عباس: ﴿مُّطَهَّرَةً﴾ من الزور، والشك والنفاق، والضلالة وقال قتادة: مطهَّرة عن الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي فيها أحكام قيمة لا عوج فيها، تبيّن الحق من الباطل قال الصاوي: المراد بالصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب الأحكام المكتوبة فيها، وإِنما قال ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ لأن القرآن جمع ثمرة كتب الله المتقدمة. . ثم ذكر تعالى من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ أي وما اختلف اليهود والنصارى في شأن محمد ﷺ َ، إِلا من بعد ما جاءتم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم قال ابو السعود: والآية مسوقةٌ لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان أن تفرقهم لم يكن إِلا بعد وضوح الحق، وتبيّن الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم﴾ [آل عمران: ١٩] وقال في التسهيل: أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد ﷺ َ إلا من بعد ما علموا أنه حق، وإنما خصَّ أهل الكتاب هنا بالذكر، لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي والحال أنهم ما أُمروا في التوراة والإِنجيل إِلا بأن يعبدوالله وحده، مخلصين العبادة جلّ وعلا، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا، فعبودوا أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى
﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ
стр. 1590
وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً﴾ [التوبة: ٣١] ﴿حُنَفَآءَ﴾ أي مائلين عن الأديان كلها إِلى دين الإِسلام، مستقيمين على دين إِبراهيم، دين الحنيفية السمحة، الذي جاء به خاتم المرسلين ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة﴾ أي وأُمروما بأن يؤدوا الصلاة على الوجه الأكمل، في أوقاتها بشروطها وخشوعها وآدابها، ويعطوا الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس قال الصاوي: وخصَّ الصلاة والزكاة لشرفهما ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي وذلك المذكور من العبادة والإِخلاص، وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة، هنو دين الملة المستقيمة دين الإِسلام فلماذا لا يدخلون فيه؟ ثم ذكر تعالى مآل كل من الآبرار والأشرار، في دار الجزاء والقرار فقال ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ أي إِنَّ الذين كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد ﵇، من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، هؤلاء جميعهم يوم القيامة في نار جهنم، ماكثين فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ أي أولئك هم شر الخلق على الإِطلاق قال الامام الفخر: فإن قيل: لم ذكر ﴿كَفَرُواْ﴾ بلفظ الفعل، ﴿والمشركين﴾ باسم الفاعل؟ فالجواب تنبيهاً على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر، لأنهم كانوا مصدقين بالتوارة والإِنجيل، ومقرين بمبعث محمد ﷺ َ ثم أنهم كفروا بذلك بعد مبعثه ﵇، بخلاف المشركين فإِنهم ولدوا على عبادة الأوثان، وإِنكار الحشر والقيامة، وقوله ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ لإِفادة الحصر أي شرٌ من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد ﷺ َ وشرُّ من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق عن الخلق، ولما ذكر مقرٍ الأشقياء، ذكر بعده مقر السعداء فاقل ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال ﴿أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ أي هم خير الخليقة التي خلقها الله ويرأها ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي ثوابهم في الآخرة على ما قدموا من الإِيمان والأعمال الصالحة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي جنات إِقامة تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي ما كثين فيها أبداً، لا يموتون ولا يخرجون منها، وهم في نعيم دائم لا ينقطع ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي ﵃ بما قدموا في الدنيا من الطاعات وفعل الصالحات، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخيرات والكرامات ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي ذلك الجزاء والثواب الحسن لمن خالف الله واتقاه، والنتهى عن معصية مولاه.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الإِجمال ثم التفصيل ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ ثم فصلها بقوله ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ .
٢ - الطباق بين ﴿خَيْرُ البرية﴾ و ﴿شَرُّ البرية﴾ .
٣ - الاستعارةى التصريحية ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ لفظة مطهرة فيها استعارة حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن النجاس.
٤ - المقابلة بين نعيم الأبرار وعذب الفجار ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب. .﴾ الآية وبين ﴿
стр. 1591
إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
٥ - توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل ﴿البينة، القَيِّمَةٌ، خَيْرُ البرية، شَرُّ البرية﴾ ونحو ذلك.
تنبيه: الإِخلاص هو لبُّ العبادة وقد جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه» وقد قسم العلماء الأعمال الى ثلاثة أقسام: «مأمورات، ومنهيات، ومباحات» فأما المأمورات فالإِخلاص فيها بأن يقصد بعمله وجه الله، وإن كانت النية لغير وج الله، فالعمل رياء محض مردود، وأما المنهيات فإن تركها بدون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها، وإِن تكرها ابتغاء وجه الله كان مأجوراً على تركها، وأما المباحاتن كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك، فإِن فعلها بغير نية لم يكن بها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إِذا قصد به وجه الله، مل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفُّف عن الحرام.
стр. 1592
اللغَة: ﴿زُلْزِلَتِ﴾ حركت تحريكاً عنيفاً ﴿أَثْقَالَهَا﴾ الموتى الذين في جوفها، جمع ثقل وهو الشيء الثقيل ومنه ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] قال الأخفش: إِذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإن كان فوقها فهو ثقل عليها ﴿يَصْدُرُ﴾ ينصرف ويخرج، والصدور ضد الورود، فالوارد الآتي، والصادر المنصرف ﴿أَشْتَاتاً﴾ متفرقين جمع شت يقال: ذهبوا أشتاتاً أي متفرقين.
التفسِير: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ أي إِذا حركت الأرض تحريكاً عنيفاً، واضطربت اضطراباً شديداً، واهتزت بمن عليها اهتزازاً يقطع القلوب ويُفزع الألباب كقوله تعالى ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] قال المفسرون: إِنما أضاف الزلزلة إِليها ﴿زِلْزَالَهَا﴾ تهويلاً كأنه يقول: الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها، وذلك عند قيام الساعة تتزلزل وتتحرك تحريكاً
стр. 1593
متتابعاً، وتضطرب بمن عليها، ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل وشجر وبناءٍ وقلاع ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ أي وأخرجت الأرض ما في بطنها من الكنوز والموتى قال ابن عباس: أخرجت موتاها وقال منذر ابن سعيد: أخرجت كنوزها وموتاها وفي الحديث «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطواننة من الذهب والفضة، فجيء القاتل فيقول في هذا قتلتُ، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعتُ رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» ﴿وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا﴾ ؟ أي وقال الإِنسان: ما للأرض تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! يقول ذلك دهشة وتعجباً من تلك الحالة الفظيعة ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي في ذلك اليوم العصيب يوم القيامة تتحدث الأرض وتخبر بما عُمل عليها من خير أو شر، وتشهد على كل إِنسان بما صنع على ظهرها، عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله ﷺ َ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فقال:» أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلم، قال: فإِن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا، كذا وكذا، فهذه أخبارها «وفي الحديث» تحفَّظوا من الأرض فإِنها أمكم، وإِنه ليس من أحدٍ عاملٍ عليها خيراً أو شراً إِلا وهي مخبرة به « ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ أي ذلك الإِخبار بسبب أن الله جلت عظمته أمرها بذلك، وأذن لها أن تنطق بكل ما حدث وجرى عليها، فهي تشكو العاصي وتشهد عليه، وتشكر المطيع وتثني عليه، والله على كل شيء قدير ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ أي في ذلك اليوم يرجع الخلائق من موقف الحساب، وينصرفون متفرقين فرقاً فرقاً، فآخذٌ ذات اليمين إِلى الجنة، وآخذٌ ذات الشمال إِلى النار ﴿لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي لينالوا جزاء أعمالهم من خير أو شر ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ أي فمن يفعل من الخير زنة ذرةٍ من التراب، يجده في صحيفته يوم القيامة ويلق جزاءه عليه قال الكلبي: الذرةُ أصغرُ النمل وقال ابن عباس: إِذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها، فكلُّ واحد مما لصق به من التراب ذرة ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ أي ومن يفعل من الشر زنة ذرةٍ من التراب، يجده كذلك ويلق جزاءه عليه قال القرطبي: وهذا مثل ضربه الله تعالى في أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى
﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] .
البَلاَغة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع نجزها فيما يلي:
١ - الإِضافة للتهويل والتفظيع ﴿زِلْزَالَهَا﴾ .
٢ - الإِظهار في مقام الإِضمار ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض﴾ لزيادة التقرير والتوكيد.
٣ - الاستفهام للتعجب والاستغراب ﴿وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا﴾ ؟
٤ - جناس الاشتقاق ﴿زُلْزِلَتِ. . زِلْزَالَهَا﴾ .
٥ -
стр. 1594
المقابلة بين ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً. .﴾ وبين ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً. .﴾ .
٦ - السجع المرصَّع كأنه الذهب السبيك أو الدر والياقوت مثل ﴿زِلْزَالَهَا، أَثْقَالَهَا، أوحى لَهَا، أَخْبَارَهَا، مَا لَهَا﴾ وهو من المحسنات البديعية.
فَائِدَة: سمَّى رسول الله ﷺ َ هذه الآية ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. .﴾ الجامعة الفاذَّة حين سئل عن زكاة الحُمر فقال: ما أنزل الله فيها شيئاً إِلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ أخرجه البخاري.
стр. 1595
اللغَة: ﴿ضَبْحاً﴾ الضبح: صوت أنفاس الخيل إِذا عدت قال عنترة: والخيلُ تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحاً ﴿أَثَرْنَ﴾ هيَّجن ﴿نَقْعاً﴾ النقعُ: الغبار ﴿كَنُودٌ﴾ كفور جحود لنعمة الله من كند النعمة إِذا كفرها ولم يشكرها قال الشاعر:
كنودٌ لنعماء الرجال ومن يكن ... كنوداً لنعماء الرجالِ يبعَّد
﴿بُعْثِرَ﴾ أثير من بعثرت المتاع إِذا جعلت أسفله أعلاه.
التفسِير: ﴿و العاديات ضَبْحاً﴾ أي أُقسمُ بخيل المجاهدين المسرعات في الكرّ على العدو، يُسمع لأنفاسها صوتٌ جهير هو الضبحُ قال ابن عباس: الخيل إِذا عدت قالت: أُحْ، أُحْ فذلك ضبحها قال أبو السعود: أقسم سبحانه بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو وتضبح ضبحاً وهو صوت
стр. 1596
أنفاسها عند عدوها ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي فالخيل التي تخرج شرر النار من الأرض بوقع حوافرها على الحجارة من شدة الجري ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ أي فالخيل التي تغير على العدو وقت الصباح قبل طلوع الشمس قال الألوسي: هذا هو المعتادُ في الغارات، كانوا يعدون ليلاً لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون صباحاً ليروا ما يأتون وما يذرون ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ أي فأثارت الخيل الغبار الكثيف لشدة العدو، في الموضع الذي إغرن به ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ أي فتوسطن به جموع الأعداء، وأصبحن وسط المعركة. . أقسم بأقسام ثلاثة على أمور ثلاثة، تعظيماً للمقسم به وهو خيل المجاهدين في سبيل الله، التي تسرع على أعداء الله، وتقدح النار بحوافرها، وتُغير على الأعداء وقت الصباح، فتثير الغبار، وتتوسط العدو فتصيبه بالرعب والفزع، أما الأمور التي أقسم عليها فيه قوله ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي إِن الإِنسان لجاحد لنعم ربه، شديد الكفران قال ابن عباس: جاحدٌ لنعم الله وقال الحسن: يذكر المصائب وينسى النعم ﴿وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي وإِن الإِنسان لشاهد على كنوده، لا يقدر أن يجحده لظهور أثره عليه ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ أي وإِنه لشديد الحب للمال حريصٌ على جمعه، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيفٌ متقاعس. . ثم بعد أن عدَّد عليه قبائح أفعاله خوَّفه فقال ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ أفلا يعلم هذا الجاهل إِذا أُثير ما في القبور وأُخرج ما فيها من الأموات ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور﴾ أي وجمع وأبرز ما في الصدور من الأسرار والخفايا التي كانوا يسرونها ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ إي إنَّ ربهم لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، وإِنما خص علمه بهم في ذلك اليوم يوم القيامة لأنه يوم الجزاء، بقصد الوعيد والتهديد، فهو تعالى عالم بهم في ذلك اليوم وغيره.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - التأكيد بإِنَّ واللام في مواضع مثل ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ زيادة في التقرير والبيان.
٢ - الجناس غير التام بين ﴿لَشَهِيدٌ﴾ و ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وكذلك ﴿ضَبْحاً﴾ و ﴿صُبْحاً﴾ .
٣ - الاستفهام الإِنكاري للتهديد والوعيد ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ ؟
التضمين ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ضمَّن لفظ ﴿لَّخَبِيرٌ﴾ معنى المجازاة أي يجزيهم على أعمالهم.
٥ - توافق الفواصل مثل ﴿شَهِيدٌ﴾ و ﴿شَدِيدٌ﴾ الخ. ويسمى «السجع المرصَّع» وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1597
اللغَة: ﴿القارعة﴾ اسم من أسماء القيامة، سميت بها لأنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها، وأصلُ القرع الضرب بشدة وقوة، تقول العرب: قرعتهم القارعة وفقَرتهم الفاقرة، إِذا وقع بهم أمر فضيع ﴿المبثوث﴾ المنتشر المتفرق ﴿العهن﴾ الصوف ذو الألوان أو المصبوغ ﴿الهَاوِيَةٌ﴾ اسم لجهنم سميت بذلك لأنَّ الناس يهْوون بها أي يسقطون.
التفسِير: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ أي القيامة وأيُّ شيء هي القيامة؟ إِنها في الفظاعة والفخامة بحيث لا يدركها خيال، ولا يبلغها وهمُ انسان فهي أعظم من أن توصف أو تصوَّر، ثم زاد في التفخيم والتهويل لشأنها فقال ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ؟ أي أيُّ شيء أعلمك ما شأن القارعة في هولها على النفوس؟ إِنها تُفزع القلوب فحسب، بل تؤثّر في الاجرام العظيمة، فتؤثر في السموات بالإِنشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدكّ والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر بالتكوير والانكدار إِلى غير ما هنالك قال أبو السعود: سميت القيامة قارعة لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأهوال والأفزاع، ووضع الظاهر موضع الضمير ﴿مَا القارعة﴾ تأكيداً للتهويل، والمعنى أيُّ شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، ثم أكد هولها وفظاعتها بقوله ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ؟ ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، بحيث لا تكاد تنالها دراية أحد. . وبعد هذا التخويف والتشويق إِلى معرفة شيءٍ من أحوالها، جاء التوضيح والبيان بقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ أي ذلك يحدث عندما يخرج الناسُ من قبورهم فزعين، كأنهم فراش متفرق منتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعض من شدة الفزع والحيرة قال الرازي: شبه تعالى الخلق وقت البعث ههنا بالفراش المبثوث، وفي آية أُخرى بالجراد المنتشر، أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن
стр. 1598
الفراش إِذا ثار لهم يتجه إِلى جهةٍ واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إِلى غير جهة الأُخرى، فدلَّ على أنهم إِذا بُعثوا فزعوا، وأما وجه التشبيه بالجراج فهو في الكثرة، يصبحونن كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً، فكذلك الناس إِذا بُعثوا يموج بعضُهم في بعض كالجراد والفراش كقوله تعالى ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ هذا هو الوصف الثاني من صفات ذلك اليوم المهول أي وتصير الجبال كالصوف المنتثر المتطاير، تتفرق أجزاؤها وتتطاير في الجو، حتى تكون كالصوف المتطاير عند الندف قال الصاوي: وإِنما جمع بين حال الناس وحال الجبال، تنبيهاً على أن تلك القارعة أثَّرت في الجبال العظيمة الصلبة، حتى تصير كالصوف المندوف مع كونها غير مكلفة، فكيف حال الإِنسان الضعيف المقصود بالتكليف والحساب!! ثم ذكر تعالى حالة الناس في ذلك اليوم، وانقسامهم إِلى شقي وسعيد فقال ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي رجحت موازين حسناته، وزادت حسناتُه على سيئاته ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي فهو في عيشة هنيءٍ رغيد سعيد، في جنان الخلد والنعيم ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي نقصت حسناته عن سيئاته، أول يكن له حسناتٌ يُعتدُّ بها ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي فمسكنه ومصيره نار جهنم يهوي في قعرها، سَّماها أُماّ لأ، الأم مأوى الولد ومفرزعة، فنار جهنم تؤوي هؤلاء المجرمين، كما يأوي الأولاد إِلى أمهم، وتضمهم إِليها كما تضم الأم الأولاد إِليها قال أبو السعود: ﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسم من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مهواها، روي أن أهل النار يهوون فيها سبعين خريفاً ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ؟ استفهام للتفخيم والتهويل أي وما أعلمك ما الهاوية؟ ثم فسَّرها بقوله ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي هي نار شديدة الحرارة، قد خرجت عن الحد المعهود، فإِن حرارة أي نارٍ إِذا سُعرت وأُلقي فيها أعظم الوقود لا تعادل حرارة جهنم، أجارنا الله منها بفضله وكرمه.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزه فيما يلي:
١ - الاستفهام للتفخيم والتهويل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ؟ ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ؟
٢ - وضع الظاهر مكان الضمير للتخويف والتهويل ﴿القارعة مَا القارع﴾ ؟ والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟
٣ - التشبيه المرسل المجمل ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، ومثله ﴿كالعهن المنفوش﴾ أي في تطايرها وخفة سيرها فيسمى مرسلاً مجملاً.
٤ - المقابلة ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ثم قابلها بقوله ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
٥ - المجاز العقلي ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي راضٍ بها صاحبها ففيه اسناد مجازي.
стр. 1599
٦ - الاحتباك وهو أن يحذف من موازينه ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ حذف من الأول (فأمه الجنة) وذكر فيها ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ وحذف من الآية الثانية (فهو في عيشة ساخطة) وذكر ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ فحذف من كلٍ نظير ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعية.
٧ - توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو واضح في السورة الكريمة.
تنبيه: الجمهور على أن الميزان حقيقي له كفتان ولسان، توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات، وروي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة، فتوضح في الميزان، فمن رجحت حسناته سعد، ومن رجحت سيئاته شقي، والله أعلم.
стр. 1600
اللغَة: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ الإِلهاء: الشغل والانصراف عن الشيء الهام إِلى ما يدعو إِليه الهوى، وأصل اللهو الغفلةُ ثم شاع في كل شاغلٍ قال الراغب: اللهو ما يشغلك عما يعني ويهمُّ ﴿التكاثر﴾ التباهي بكثرة المال والجاه وهو بمعنى المكاثرة ﴿المقابر﴾ القبور جمع مقبرة، والقبور جمع القبر قال الشاعر:
أبى أهل القُصور إِذا أُميتوا ... بَنَوْا فوق المقابر بالصخور
أبو إِلاّ مباهاةً وفخراً ... على الفقراء حتى في القبور
التفسِير: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ أي شغلكم أيها الناسُ التفاخر بالأموال والأولاد والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ أي حتى أدرككم الموت، ودفنتم في المقابر، والجملةُ خيرٌ يراد به الوعظ والتوبيخ قال القرطبي: المعنى شغلكم المباهاة بكثرة المال والأولاد عن طاعة الله، حتى مُتُّم ودفنتم في المقابر ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ زجرٌ وتهديدٌ أي ارتدعوا أيها الناس وانزجروا عن الاشتغال بما لا ينفع ولا يفيد، فسوف تعلمون عاقبة جهلكم وتفريطكم في جنب الله، وانشغالكم بالفاني عن الباقي ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ إِثر وعيد، زيادة في الزجر والتهديد أي سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إِذا نزل بكم الموت وعاينتم أهواله وشدائده قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي في الآخرة إِذا حلَّ بكم العذاب ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ أي ارتدعوا
стр. 1601
وانزجروا فلو علمتم العلم الحقيقي الذي لا شك فيه ولا امتراء، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ لقصد التهويل أي لو عرفتم ذلك لما ألهاكم التكاثر بالدنيا عن طاعة الله، ولما خُدعتم بنعيم الدنيا عن أهوال الآخرة وشدائدها كما قال ﷺ َ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» الحديث قال في التسهيل: وجوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديره: لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، وإِنما حذف لقصد التهويل، فيقدر السامع، أعظم ما يخطر بباله كقوله تعالى ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ أي أُقسم وأؤكد بأنكم ستشاهدون الجحيم عياناً ويقيناً قال الألوسي: هذا جواب قسم مضمر، أكد به الوعيد، وشدَّد به التهديد، وأوضح به ما أنذره وبعد إِبهامه تفخيماً أي والله لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ أي ثم لترونها رؤية حقيقية بالمشاهدة العينية قال في البحر: زاد التوكيد بقوله ﴿عَيْنَ اليقين﴾ نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ أي ثم لتسألنَّ في الآخرة عن نعيم الدنيا من الأمن والصحة، وسائر ما يُتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومركب، ومفرش.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الوعد والتوبيخ ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ فقد خرج الخبر عن حقيقته إِلى التذكير والتوبيخ.
٢ - التكرار للتهديد والإِنذار ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعطفه ب ﴿ثُمَّ﴾ للتنبيه على الثاني أبلغ من الأول، كما يقول العظيم لعبده: أقول لك ثم أقول لك لا تفعل، ولكونه أبلغ نُزّل منزلة المغايرة فعطف بثم.
٣ - حذف جواب ﴿لَوْ﴾ للتهويل ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ أي لرأيتم ما تشيب له الرءوس، وتفزع له النفوس من الشدائد والأهوال.
٤ - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ لبيان شدة الهول.
٥ - الكناية ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ كنَّى عن الموت بزيارة القبور والمراد حتى مُتُّم.
٦ - المطابقة بين ﴿النعيم. . الجحيم﴾ .
٧ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية.
تنبيه: روى الترمذي عن عبد الله بن الشخِّير قال: «انتيهت إِلى رسول الله ﷺ َ وهو يقرأ هذه الآية ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ فقال:» يقول ابن آدم مالي، مالي، وهل لك من مالك إِلا ما أكلت فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيت «
لطيفَة: روى مسلم عن أبي هريرة قال:» خرج رسولُ الله ﷺ َ ذات يوم أو ليلة، فإِذا هو بأبي بكر وعمر، فقال ﷺ َ ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال: الجوعُ يا رسول الله، قال: زوأنا
стр. 1602
والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ﴿فقوموا فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار فإِذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله ﷺ َ: أين فلان﴾ قالت: ذهب يستغذب لنا الماء، إِذ جاء الأنصاري فنظر إِلى رسول الله وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاءهم بعذق عنقود فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا، وأخذ المدية السكين فقال له رسول الله ﷺ َ: إِياك والحلوب! فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذْق وشربوا، فملا شبعوا ورَووْا قال رسول الله ﷺ َ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم «.
стр. 1603
التفسِير: ﴿و العصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ أي أُقسمُ بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإِنسان في خسران، لأنه يفضِّل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب وقال قتادة: العصرُ هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة. . وإنما أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإِنسان، فكل لحظةٍ تمضي فإِنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل:
إِنا لنفرحُ بالأيام نقطعها ... وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجل
قال القرطبي: أقسم الله بالعصر وهو الدهر لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلائل على الصانع، وقيل: هو قسمٌ بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات ﴿
стр. 1604
إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضاً عن الشهوات العاجلات ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، وهو الخير كله، من الإِيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات. . حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إِلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإِيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإِن نجاة الإِنسان لا تكون إِلا إِذا كمَّل الإِنسان نفسه بالإِيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالنصح والإِرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السرُّ في تخصيص هذه الأمور الأربعة.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - إِطلاق البعض وإرادة الكل ﴿إِنَّ الإنسان﴾ أي الناس بدليل الاستثناء.
٢ - التنكير للتعظيم ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي في خسرٍ عظيم ودمار شديد.
٣ - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ لإِبراز كمال العناية به.
٤ - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ بعد قوله ﴿بالحق﴾ فإن الصبر داخل في عموم الحق، إِلا أنه أفرده بالذكر إِشادة بفضيلة الصبر.
٥ - السجع غير المتكلف مثل ﴿العصر، الصبر، خُسْرٍ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن «أبي حذيفة» وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ َ إِذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿والعصر﴾ ثم يسلم أحدهما على الآخر.
стр. 1605
اللغَة: ﴿هُمَزَةٍ﴾ الهَّماز: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم، وبناء «فُعلة» يدل على الاعتياد فلا يقال: لُعنة وضُحكة إِلا للمكثر المعتاد ﴿لُّمَزَةٍ﴾ اللماز: الذي يعيب الناس وينال منهم بالحاجب والعين ﴿الحطمة﴾ نار جهنم سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يُلقى فيها وتحطمه وتهشميه ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة من أوصد الباب إِذا أغلقه.
التفسِير: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ أي عذاب شديد وهلاك ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سراً بعينه أو حاجبه قال المفسرون: نزلت السورة في «الأخنس بن شريق» لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، يلمزهم ويعيبهم مقبلين ومدبرين، والحكم عامٌ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ﴿الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ﴾ أي الذي جمع مالاً كثيراً وأحصاه، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات قال الطبري: أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حقَّ الله فيه ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن
стр. 1606
هذا الجاهل لفرط غفلته أن ماله سيتركه مخلداً في الدنيا لا يموت ﴿كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة﴾ أي ليرتدع عن هذا الظنّ فواللهِ ليطرحنَّ في النار الت تحطم كل ما يُلقى فيها وتلتهمه ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ تفخيمٌ وتهويلٌ لشأنها أي وما الذي أعلمك ما حقيقة هذه النار العظيمة؟ إِنها الحطمة التي تحطم العظام وتأكل اللحوم، حتى تهجم على القلوب، ثم فسرها بقوله ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ أي هي نار الله المسعَّرة بأمره تعالى وإِرادته، ليست كسائر النيران فإِنها لا تخمد أبداً، وفي الحديث «أُوقد على النار ألفُ سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة» ﴿التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب فتحرقها قال القرطبي: وخصَّ الأفئدة لأن الألم إِذا صار إِلى الفؤاد مات صاحبه، فإِنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] فهم إِذاً أحياء في معنى الأموات ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي إِن جهنم مطبقة مغلقةٌ عليهم، لا يدخل إِليهم روح ولا ريحان ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ أي وهم موثوقون في سلاسل وأغلال، تشدُّ بها أيديهم وأرجلهم، بعد إطباق أبواب جهنم عليهم، فقد يئسوا من الخروج بإِطباق الأبواب عليهم، وتمدد العمد إِيذاناً بالخلود إِلى غير نهاية. .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - صيغة المبالغة ﴿هُمَزَةٍ، لُّمَزَةٍ﴾ لأن بناء «فُعلة» يدل على أنها عادة مستمرة.
٢ - التنكير للتفخيم ﴿جَمَعَ مَالاً﴾ أي مالاً كثيراً لا يكاد يحصى.
٣ - التفخيم والتهويل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ؟ تهويلاً لشأن جهنم.
٤ - الجناس غير التام بين ﴿هُمَزَةٍ﴾ و ﴿لُّمَزَةٍ﴾ ويسمى الجناس الناقص.
٥ - توافق الفواصل مثل ﴿عَدَّدَهُ، أَخْلَدَهُ، الموقدة، مُّمَدَّدَةِ﴾ ويسمى بالسجع.
стр. 1607
اللغَة: ﴿أَبَابِيلَ﴾ جماعات جماعات بعضها في إِثر بعض قال الجوهري: وهو من الجمع الذي لا واحد له يقال: جاءت إِبلك أبابيل أي فرقاً وجماعات قال الشاعر:
كادتْ تهدُّ من الأصوات راحلتي ... إِذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
﴿سِجِّيلٍ﴾ طين متحجر ﴿عَصْفٍ﴾ ورق الزرع بعد الحصاد كالتين وقشر الحنطة، سمى عصفاً لأن الريح تعصف به فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال.
التفسِير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ أي ألم يبلغك يا محمد وتعلم علماً يقينياً كأنه مشاهد العين، ماذا صنع الله العظيم الكبير بأصحاب الفيل الذين قصدوا الاعتداء على البيت الحرام؟ قال المفسرون: روى أن «أبرهة الأشرم» ملك اليمن، بنى كنيسةً بصنعاء وأراد أن يصرف إِليها الحجيج، فجاء رجلٌ من كنانة وتغوَّط فيها ليلاً ولطخ جدرانها بالنجاسة احتقاراً لها، فغعضب «أبرهة» وحلف أن يهدم الكعبة، وجاء مكة بجيش كبير على أفيال، يتقدمهم فيل هو أعظم الفيلة،
стр. 1608
فلما وصل قريباً من مكة فرَّ أهلها الى الجبال، خوفاً من جنده وجبورته، وأرسل الله تعالى على جيش أبرهة طيوراً سوداً، مع كل طائر ثلاثة أحجار، جحر في منقاره وحجران في رجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يدخل في رأس الرجل ويخرج من دبره فيرميه جثة هامدة، حتى أهلكهم الله ودمَّرهم عن آخرهم، وكانت قصتهم عبرة للمعتبرين قال ألبو السعود: وتعليقُ الرؤية بكيفية فعله جل وعلا ﴿كَيْفَ فَعَلَ﴾ لا بنفسه بأن يقال: «ألم تر ما فعل ربك» الخ لتهويل الحادثة، والإِيذان بوقوعها على كيفية هائلة، وهيئةٍ عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته وشرف رسوله ﷺ َ فإن ذلك من الإرهاصات لما روي أ، القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبي ﵊ ُ ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي ألم يهلكهم ويجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة في ضياعٍ وخسار؟! ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ أي وسلَّط عليهم من جنوده طيراً أتتهم جماعات، متتابعة بعضها في إثر بعض، وأحاطت بهم من كل ناحية ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي تقذفهم بحجارة صغيرة من طين متحجر، كأنها رصاصات ثاقبة لا تصل إلى إلى أحدٍ إِلا قتلته ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ أي فجعلهم كورق الشجر الذي عصفت به الريح، وأكلته الدواب ثم راثته، فأهلكهم عن بكْرة أبيهم، وهذه القصة تدل على كرامة الله للكعبة، وإِنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوا لله ويشكروه على نعمائه، وفيها مع ذلك عجائب وغرائب من قدرة الله على الانتقام من أعدائه قال في البحر: كان صرف ذلك العدو العظيم عام مولده السعيد ﵇، إرهاصاً بنبوته إِذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء ﵈، وقد أهلكهم الله تعالى بأضعف جنوده وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام للتقرير والتعجيب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ. .﴾ الآية.
٢ - الخطاب للنبي ﷺ َ بإِضافته إِلى اسم الجلالة ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تشريف للنبي العظيم، وإِشادةٌ بقدرة الله تعالى.
٣ - التشبيه المرسل المجمل ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه.
٤ - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿الفيل، تَضْلِيلٍ، سِجِّيلٍ، أَبَابِيلَ﴾ الخ.
стр. 1609
التفسِير: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ﴾ هذه اللام متعلقة بالفعل الذي بعدها ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ ومعنى ﴿لإِيلاَفِ﴾ الإِلفُ والاعتياد يقال: ألف الرجل الأمر إِلفاً؛ وآلفه غيره إيلافاً والمعنى: من أجل تسهيل الله على قريش وتيسيره لهم ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إِلى اليمن، وفي الصيف إِلى الشام كما قال تعالى: ﴿رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ أي في رحلتي الشتاء والصيف، حيث كانوا يسافرون للتجارة، ويأتون بالأطعمة والثياب، ويربحون في الذهاب والإِياب، وهم آمنون مطمئنون لا يتعرض لهم أحد بسوء، لأن الناس كانوا يقولون: هؤلاء جيرانُ بيت الله وسُكان حرمه، وهم أهل الله لأنهم ولاة الكعبة، فلا تؤذهم ولا تظلموهم، ولما أهلك الله أصحاب الفيل، وردَّ كيدهم في نحورهم، ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم الأمراء والملوك لهم، فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلذلك جاء الامتنان على قريش، وتذكيرهم بنعم الله ليوحدوه ويشكروه ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ أي فليعبدوا الله العظيم الجليل، ربَّ هذا البيت العتيق، وليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة الجليلة التي خصَّهم بها قال المفسرون: وإِنما دخلت الفاء ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لما في الكلام من معنى الشرط كأنه قال: إِن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه من أجل إِفهم الرحتلين، التي هي من أظهر نعمه عليهم، لأنهم في بلادٍ لا زرع فيها ولا ضرع، ولهذا قال بعده ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي هذا الإِله الذي أطعمهم بعد شدة جوع، وآمنهم بعد شدة خوف، فقد كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يُغير عليهم أحد لا في سفرهم ولا في حضرهم كما تعالى ﴿أَوَلَمْ
стр. 1610
يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وذلك ببركة دعوة أبيهم الخليل إِبراهيم ﵇ حيث قال ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] وقوله ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: ١٢٦] أفلا يجب على قريش أن يفردوا بالعبادة هذا الإِله الجليل، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟!
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿الشتآء. . والصيف﴾ وبين الجوع والإِطعام ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ وبين الأمن والخوف ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ .
٢ - الإِضافة للتكريم والتشريف ﴿رَبَّ هذا البيت﴾ .
٣ - تقديم ما حقه التأخير ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ والأصل ﴿لْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت لإِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ فقدَّم الإِيلاف تذكيراً بالنعمة.
٤ - التنكير في لفظة ﴿جُوعٍ﴾ ولفظة ﴿خَوْفٍ﴾ لبيان شدتهما أي جوع شديد، وخوفٍ عظيم.
تنبيه: قال الإِمام الفخر: إِعلم أنَّ الإِنعام على قسمين: أحدهما دفع ضر وهو ما ذكره في سورة الفيل، والثاني: جلب النفع وهو ما ذكره في هذه السورة، ولما دفع الله عنهم الضر، وجلب لهم النفع، وهما نعمتان عظيمتان أمرهم بالعبودية وأداء الشكر ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت. .﴾ الآيات.
стр. 1611
اللغَة: ﴿يَدُعُّ﴾ يدعف بعنفٍ وشدة يقال: دعَّه دعّاً أي دفعه دفعاً ومنه ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿يَحُضُّ﴾ الحضُّ: الحثُّ والترغيب ﴿سَاهُونَ﴾ جمع ساهي يقال: سها عن كذا يسهو سهواً إِذا تركه عن غفلة ﴿الماعون﴾ الشيء القليل من المعن وهو القلة تقول العرب: «ماله معنة ولا سعنة» أي ماله قليل ولا كثير من المال، قال المبّرد والزجاج: الماعون كل ما فيه منفعة كالفأس والقدر والدلو وغير ذلك.
التفسِير: ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ ؟ استفهام للتعجيب والتشويق أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء والحساب في الآخرة؟ هل عرفت من هو، وما هي أوصافه؟ إِن أردت تعرفه ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ أي فذلك هو الذي يدفع اليتيم دفعاً عنيفاً بجفوة وغلظة، ويقهره ويظلمه ولا يعطيه
стр. 1612
حقه ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ أي ولا يحث على إِطعام المسكين قال أبو حيان: وفي قوله ﴿وَلاَ يَحُضُّ﴾ إِشارة إِلى أنه هو لا يُطعم إِذا قدر، وهذا من باب الأولى لأنه إِذا لم يحضَّ غيره بخلاً، فلأن يترك هو ذلك فعلاً أولى وأحرى وقال الرازي: فإِن قيل: لِم قال ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ ولم يقل: ولا يُطعم المسكين؟ فالجواب أنه إِذا منَع اليتيم حقه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسه؟ بل هو بخيل من مال غيره، وهذا هو النهاية في الخسة، ويدل على نهاية بخله، وقاسة قلبه، وخساسة طبعه، والحاصل أنه لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإِطعامه، لأنه يكذّب بالقيامة، ولو آمن بالجزاء وأيقن بالحساب لما صدر عنه ذلك ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أي هلاكٌ وعذابٌ للمصلين المناقين، المتصفين بهذه الأوصاف القبيحة ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي الذين هم غافلون عن صلاتهم، يؤخرونها عن أوقاتها تهاوناً بها قال ابن عباس: هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثواباً، وإن تركها لم يخش عليها عقاباً وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، وقد «سئل رسول الله ﷺ َ عن الآية فقال:» هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها «قال المفسرون: لمَّا قال تعالى ﴿عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ بلفظة ﴿عَن﴾ عُلم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ ولم يقل» في صلاتهم «لأنه لو قال» في صلاتهم «لكانت في المؤمنين، والمؤمنُ قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، فإن سهو المنافق سهو تركٍ وقلة التفات إِليها، فهو لا يتذكرها ويكون مشغولاً عنها، والمؤمن إِذا سها في صلاته تداركه في الحال وجبره بسجود السهو، فظهر الفارق بين السهوين، ثم اد في بيان أوصافهم الذميمة فقال ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ أي يصلون أمام الناس رياءً ليقال إِنهم صلحاء، ويتخشعون ليقال إِنهم أتقياء، ويتصدقون ليقال إنهم كرماء، وهكذا سائر أعمالهم للشهوة والرياء ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ أي ويمنعون الناس المنافع اليسيرة، من كل ما يستعان به كالإِبرة، والفأس، والقدر، والملح، والماء وغيرها قال مجاهد: الماعون العارية للأمتعة وما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية وقال الطبري: أي يمعنون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته.
. وفي الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القلية الحقيرة فإِن البخل بها نهاية البخل وهو مخل بالمروءة.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام الذي يراد به تشويق السامع إلى الخبر والتعجيب منه ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ ؟
٢ - الإِيجاز بالحذف ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ حذف منه الشرط أي إِن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدعُّ اليتيم، وهذا من أساليب البلاغة.
стр. 1613
٣ - الذم والتوبيخ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ووضع الظاهر مكان الضمير ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ﴾ زيادة في التقبيح لأنهم مع التكذيب ساهون عن الصلاة.
٤ - الجناس الناقص ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ .
٥ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿سَاهُونَ، يُرَآءُونَ، الماعون﴾ الخ.
стр. 1614
اللغَة: ﴿الكوثر﴾ الخير الكثير وهو مبالغة من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد، والقدْر الخطر كوْثراً قال الشاعر:
وأنت كثيرٌ يا ابن مروان طيّبٌ ... وكانَ أبوك ابنُ العقائل كوثرا
﴿انحر﴾ النحر خاصٌ بالإِبل، وهو بمنزلة الذبح في البقر والغنم ﴿شَانِئَكَ﴾ الشانيء: المبغض من الشنآن بمعنى العداوة والبغض ومنه ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] أي بغضهم ﴿الأبتر﴾ المنقطع عن كل خير، من البتر وهو القطعُ يقال: بترتُ الشيء بتراً قطعته، والسيف الباترُ: القاطعُ، ويقال للذي لا نسل له أبتر، لأنه انقطع نسبه، وسميت خطبة زياد بالخطبة البتراء لأنه لم يحمد اله فيها ولم يصلّ على النبي ﷺ َ.
التفسِير: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ الخطاب للرسول ﷺ َ تكريماً لمقامه الرفيع وتشريفاً أي نحن أعطيناك يا محمد الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومن هذا الخير «نهر الكوثر» وهو كما ثبت في الصحيح «نهرٌ في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدذُ والياقوت، تربتُه أطيبُ من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلح، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً» عن أنس قال «بينا رسول الله ﷺ َ ذات يوم بين أظهرنا، إِذْ غفى إِغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا
стр. 1615
رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ السورة ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهرٌ وعدنيه ربي ، فيه خيرٌ كثير، هو حوضٌ ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيتُه عدد النجوم، فيختلج العبد أي ينتزع ويقتطع منهم فأقول: إِنه من أمتي! فيقال إِنك لا تدري ما أحدث بعدك» قال أبو حيان: وذكر في الكوثر ستة وعشرون قولاً، والصحيحُ هو ما فسره به رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: «هو نهرٌ في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربتُه أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل» وعن ابن عباس: الكوثرُ: الخير الكثير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ أي فصلِّ لربلك الذي أفاض عليك م نالخير خالصاً لوجهه الكريم، وانحر الإِبل التي هي خيار أمال العرب شكراً له على ما أولاك ربك من الخيرات والكرامات قال في التسهيل: كان المشركون يصلون مكاءً وتصدية، وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه ﷺ َ: صلِّ لربك وحده، وانحر لوجهه لا لغيره، فيكون ذلك أمراً بالتوحيد والإِخلاص ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي إِن مبغضك يا محمد هو المنقطع عن كل خير قال المفسرون: لما مات «القاسم» ابن النبي ﷺ َ قال العاص بن وائل: دعوه فإِنه رجلٌ أبتر لا عقب له أي لا نسله له فإِذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأخبر تعالى أن هذا الكافر هو الأبتر وإِن كان له أولاد، لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها ولأنه لا يُذكر إِلا ذكر باللعننة، بخلاف النبي ﷺ َ فإِن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المآذن والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى، والمؤمنون من زمانه إِلى يوم القيامة أتباعه فهو كالوالد لهم صلوات الله وسلامه عليه.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - صيغة الجمع الدالة على التعظيم ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: أنا أعطيتك.
٢ - تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم ﴿إِنَّآ﴾ لأن أصلها إِنَّ ونحن.
٣ - صيغة الماضي المفيدة للوقوع ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: سنعطيك لأن الوعد لما كان محققاً عبَّر عنه بالماضي مبالغة كأنه حدث ووقع.
٤ - المبالغة في لفظة الكوثر.
٥ - الإِضافة للتكريم والتشريف ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ .
٦ - إِفادة الحصر ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ .
٧ - المطابقة بين أول السورة وآخرها بين ﴿الكوثر والأبتر﴾ فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة على وجازتها جمعت فنون البلاغة والبيان فسبحان منزل القرآن!!
следующие страницы →