Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1611–1630 · переход к 1616.
стр. 1611
اللغَة: ﴿يَدُعُّ﴾ يدعف بعنفٍ وشدة يقال: دعَّه دعّاً أي دفعه دفعاً ومنه ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿يَحُضُّ﴾ الحضُّ: الحثُّ والترغيب ﴿سَاهُونَ﴾ جمع ساهي يقال: سها عن كذا يسهو سهواً إِذا تركه عن غفلة ﴿الماعون﴾ الشيء القليل من المعن وهو القلة تقول العرب: «ماله معنة ولا سعنة» أي ماله قليل ولا كثير من المال، قال المبّرد والزجاج: الماعون كل ما فيه منفعة كالفأس والقدر والدلو وغير ذلك.
التفسِير: ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ ؟ استفهام للتعجيب والتشويق أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء والحساب في الآخرة؟ هل عرفت من هو، وما هي أوصافه؟ إِن أردت تعرفه ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ أي فذلك هو الذي يدفع اليتيم دفعاً عنيفاً بجفوة وغلظة، ويقهره ويظلمه ولا يعطيه
стр. 1612
حقه ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ أي ولا يحث على إِطعام المسكين قال أبو حيان: وفي قوله ﴿وَلاَ يَحُضُّ﴾ إِشارة إِلى أنه هو لا يُطعم إِذا قدر، وهذا من باب الأولى لأنه إِذا لم يحضَّ غيره بخلاً، فلأن يترك هو ذلك فعلاً أولى وأحرى وقال الرازي: فإِن قيل: لِم قال ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ ولم يقل: ولا يُطعم المسكين؟ فالجواب أنه إِذا منَع اليتيم حقه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسه؟ بل هو بخيل من مال غيره، وهذا هو النهاية في الخسة، ويدل على نهاية بخله، وقاسة قلبه، وخساسة طبعه، والحاصل أنه لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإِطعامه، لأنه يكذّب بالقيامة، ولو آمن بالجزاء وأيقن بالحساب لما صدر عنه ذلك ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أي هلاكٌ وعذابٌ للمصلين المناقين، المتصفين بهذه الأوصاف القبيحة ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي الذين هم غافلون عن صلاتهم، يؤخرونها عن أوقاتها تهاوناً بها قال ابن عباس: هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثواباً، وإن تركها لم يخش عليها عقاباً وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، وقد «سئل رسول الله ﷺ َ عن الآية فقال:» هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها «قال المفسرون: لمَّا قال تعالى ﴿عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ بلفظة ﴿عَن﴾ عُلم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ ولم يقل» في صلاتهم «لأنه لو قال» في صلاتهم «لكانت في المؤمنين، والمؤمنُ قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، فإن سهو المنافق سهو تركٍ وقلة التفات إِليها، فهو لا يتذكرها ويكون مشغولاً عنها، والمؤمن إِذا سها في صلاته تداركه في الحال وجبره بسجود السهو، فظهر الفارق بين السهوين، ثم اد في بيان أوصافهم الذميمة فقال ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ أي يصلون أمام الناس رياءً ليقال إِنهم صلحاء، ويتخشعون ليقال إِنهم أتقياء، ويتصدقون ليقال إنهم كرماء، وهكذا سائر أعمالهم للشهوة والرياء ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ أي ويمنعون الناس المنافع اليسيرة، من كل ما يستعان به كالإِبرة، والفأس، والقدر، والملح، والماء وغيرها قال مجاهد: الماعون العارية للأمتعة وما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية وقال الطبري: أي يمعنون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته.
. وفي الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القلية الحقيرة فإِن البخل بها نهاية البخل وهو مخل بالمروءة.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الاستفهام الذي يراد به تشويق السامع إلى الخبر والتعجيب منه ﴿أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين﴾ ؟
٢ - الإِيجاز بالحذف ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ حذف منه الشرط أي إِن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدعُّ اليتيم، وهذا من أساليب البلاغة.
стр. 1613
٣ - الذم والتوبيخ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ووضع الظاهر مكان الضمير ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ﴾ زيادة في التقبيح لأنهم مع التكذيب ساهون عن الصلاة.
٤ - الجناس الناقص ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ .
٥ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿سَاهُونَ، يُرَآءُونَ، الماعون﴾ الخ.
стр. 1614
اللغَة: ﴿الكوثر﴾ الخير الكثير وهو مبالغة من الكثرة، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد، والقدْر الخطر كوْثراً قال الشاعر:
وأنت كثيرٌ يا ابن مروان طيّبٌ ... وكانَ أبوك ابنُ العقائل كوثرا
﴿انحر﴾ النحر خاصٌ بالإِبل، وهو بمنزلة الذبح في البقر والغنم ﴿شَانِئَكَ﴾ الشانيء: المبغض من الشنآن بمعنى العداوة والبغض ومنه ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] أي بغضهم ﴿الأبتر﴾ المنقطع عن كل خير، من البتر وهو القطعُ يقال: بترتُ الشيء بتراً قطعته، والسيف الباترُ: القاطعُ، ويقال للذي لا نسل له أبتر، لأنه انقطع نسبه، وسميت خطبة زياد بالخطبة البتراء لأنه لم يحمد اله فيها ولم يصلّ على النبي ﷺ َ.
التفسِير: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ الخطاب للرسول ﷺ َ تكريماً لمقامه الرفيع وتشريفاً أي نحن أعطيناك يا محمد الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومن هذا الخير «نهر الكوثر» وهو كما ثبت في الصحيح «نهرٌ في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدذُ والياقوت، تربتُه أطيبُ من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلح، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً» عن أنس قال «بينا رسول الله ﷺ َ ذات يوم بين أظهرنا، إِذْ غفى إِغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا
стр. 1615
رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ السورة ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهرٌ وعدنيه ربي ، فيه خيرٌ كثير، هو حوضٌ ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيتُه عدد النجوم، فيختلج العبد أي ينتزع ويقتطع منهم فأقول: إِنه من أمتي! فيقال إِنك لا تدري ما أحدث بعدك» قال أبو حيان: وذكر في الكوثر ستة وعشرون قولاً، والصحيحُ هو ما فسره به رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: «هو نهرٌ في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربتُه أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل» وعن ابن عباس: الكوثرُ: الخير الكثير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ أي فصلِّ لربلك الذي أفاض عليك م نالخير خالصاً لوجهه الكريم، وانحر الإِبل التي هي خيار أمال العرب شكراً له على ما أولاك ربك من الخيرات والكرامات قال في التسهيل: كان المشركون يصلون مكاءً وتصدية، وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه ﷺ َ: صلِّ لربك وحده، وانحر لوجهه لا لغيره، فيكون ذلك أمراً بالتوحيد والإِخلاص ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي إِن مبغضك يا محمد هو المنقطع عن كل خير قال المفسرون: لما مات «القاسم» ابن النبي ﷺ َ قال العاص بن وائل: دعوه فإِنه رجلٌ أبتر لا عقب له أي لا نسله له فإِذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأخبر تعالى أن هذا الكافر هو الأبتر وإِن كان له أولاد، لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها ولأنه لا يُذكر إِلا ذكر باللعننة، بخلاف النبي ﷺ َ فإِن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المآذن والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى، والمؤمنون من زمانه إِلى يوم القيامة أتباعه فهو كالوالد لهم صلوات الله وسلامه عليه.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - صيغة الجمع الدالة على التعظيم ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: أنا أعطيتك.
٢ - تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم ﴿إِنَّآ﴾ لأن أصلها إِنَّ ونحن.
٣ - صيغة الماضي المفيدة للوقوع ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ ولم يقل: سنعطيك لأن الوعد لما كان محققاً عبَّر عنه بالماضي مبالغة كأنه حدث ووقع.
٤ - المبالغة في لفظة الكوثر.
٥ - الإِضافة للتكريم والتشريف ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ .
٦ - إِفادة الحصر ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ .
٧ - المطابقة بين أول السورة وآخرها بين ﴿الكوثر والأبتر﴾ فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة على وجازتها جمعت فنون البلاغة والبيان فسبحان منزل القرآن!!
стр. 1616
التفسِير: ﴿قُلْ ياأيها الكافرون﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين يدعونك إِلى عبادة الأوثان والأحجار ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي لا أعبد هذه الأصنام والأوثان التي تعبدونها، فأنا برىءٌ من آلهتكم ومعبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ولا تغني عن عابدها شيئاً قال المفسرون: إن قريشاً طلبت من الرسول ﷺ َ أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، فقال، معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إِلهك، فنزلت السورة فغدا رسول الله ﷺ َ إِلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقام على رءوسهم فقرأها عليهم فأيسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه وفي قوله ﴿قُلْ﴾ دليل على أنه مأمور بذلك من عند الله، وخطابه ﷺ َ لهم بلفظ ﴿ياأيها الكافرون﴾ ونسبتهم إِلى الكفر وهو يعلم أنهم يغضبون من أن يُنسبوا إِلى ذلك دليلٌ على أنه محروسٌ من عند الله، فهو لا يبالي بهم ولا بطواغيتهم ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي ولا أنتم يا معشر المشركين عابدون إِلهي الحق الذي أعبده وهو الله وحده، فأنا أعبد الإِله الحقَّ هو الله ربُّ العالمين، وأنتم تعبدون الأحجار والأوثان، وشتان بين عبادة الرحمن، وعبادة الهوى والأوثان!! ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ تأكيدٌ لما سبق من البراءة من عبادة الأحجار، وقطعٌ لأطماع الكفار كأنه قال: لا أعبد هذه الأوثان في الحال ولا في الاستقبال، فأنا لا أعبد ما تعبدونه أبداً ما عشتُ، لا أعبد أصنامكم الآن، ولا فيما يستقبل من الزمان ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي ولستم أنتم في المستقبل بعابدين إِلهي
стр. 1617
الحق الذي أعبد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي لكم شرككم، ولي توحيدي، وهذا غاية في التبرؤ من عبادة الكفار، والتأكيد على عبادة الواحد القهار، قال المفسرون: معنى الجملتين الأولتين: الاختلاف التام في المعبود، فإِله المشركين الأوثان، وإِله محمد الرحمن، ومعنى الجملتين الآخرتين: الاختلاف التام في العبادة، كأنه قال: لا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة.
البَلاَغَة: تضمن السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الخطاب بالوصف ﴿ياأيها الكافرون﴾ للتوبيخ والتشنيع على أهل مكة.
٢ - طباق السلب ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فالأول نفيٌ والثاني إِثبات.
٣ - المقابلة بين كلٍ من الجملتين الأوليين ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي في الحال، والمقابلة بين الجملتين الأخريين ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي في الاستقبال، وفي هذه المقابلة نفيٌ لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال وهو من المحسنات البديعية.
٤ - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿ياأيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .
стр. 1618
التفسِير: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ َ، يذكّره ربه بالنعمة والفضل عليه وعلى سائر المؤمنين، والمعنى: إِذا نصرك الله يا محمد على أعدائك، وفتح عليك مكة أم القرى قال المفسرون: الإِخبارُ بفتح مكة قبل وقوعه إخبارٌ بالغيب، فهو من أعلام النبوَّة ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾ أي ورأيت العرب يدخلون في الإِسلام جماعاتٍ جماعات من غير حربٍ ولا قتال، وذلك بعد فتح مكة صارت العرب تأتي من أقطار الأرض طائعة قال ابن كثير: إنَّ أحياء العرب كانت تنظر فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيٌّ، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إِيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إِلا مظهرٌ للإِسلام ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي فسبّح ربك وعظمه ملتبساً بحمده على هذه النعم، واشكره على ما أولاك من النصر على الأعداء، وفتح البلاد، وإِسلام العباد ﴿واستغفره﴾ أي اطلب منه المغفرة لك ولأُمتك ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ أي إِنه جلّ وعلا كثير التوبة، عظيم الرحمة لعباده المؤمنين.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ -
стр. 1619
ذكر الخاص بعد العام ﴿نَصْرُ الله والفتح﴾ نصر الله يشمل جميع الفتوحات فعطف عليه (فتح مكة) تعظيماً لشأن هذا الفتح واعتناءً بأمره.
٢ - إِطلاق العموم وإِرادة الخصوص ﴿وَرَأَيْتَ الناس﴾ لفظ الناس عام والمراد به العرب.
٣ - دين الله هو الإِسلام ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله﴾ وأضافه اليه تشريفاً وتعظيماً، كبيت الله وناقة الله.
٤ - صيغة المبالغة ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ لأن صيغة «فعال» للمبالغة.
تنبيه: هذه السورة الكريمة فيها نعيُ النبي ﷺ َ ولهذا تسمى سورة (التوديع) وحين نزلت قال رسول الله صلى اله عليه وسلم لعائشة: ما أراه إِلا حضور أجلي، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية فعاش بعدهما النبي ﷺ َ ثمانين يوماً. وروى الإِمام البخاري عن ابن عباس قال: «كان عمر يدْخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إِنه من علمتم!! فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم قال فما رأيت أنه دعاني إِلا ليريهم فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ ؟ فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره إِذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذا تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ َ أعلمه إياه فقال ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ فقال عمر: والله ما أعلم منها إِلا ما تقول» .
стр. 1620
اللغَة: ﴿تَبَّتْ﴾ هلكت والتبابُ: الهلاك والخسران ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وقال الشاعر:
«فتباً للذي صنعوا» ... ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ذات اشتعال وتلهب ﴿جِيدِهَا﴾ عنقها قال امرؤ القيس:
«وجيدٍ كجيد الريم ليس بفاحش» ... ﴿مَّسَدٍ﴾ ليف قال الواحدي: المسد في كلام العرب: القتل، يقال مسد الحبل يمسده مسداً إِذا أجاد فتله، وكلُّ شيء فتل من الليف والخَوْص فهو مسد.
سبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ َ على الصفا ونادى: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون من قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو الخبر، فاجتمعت قريش وجاء عمه» أبو لهب «فقالوا: ما وراءك؟ فقال ﷺ َ: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً قط، قال: فإِني ﴿نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] فقال له أبو لهب: تباً لك يا محمد سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ . .» السورة.
ب
стр. 1621
وعن طارق المحاربي قال «بينا أنا بسوق ذي المجاز إِذْ بشاب حديث السن يقول أيها الناس:» قولوا لا إِله إِلا الله تفلحوا «وإِذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه مؤخر القدم ويقول: يا أيها الناس إنه كذابٌ فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا هو محمد بزعم أنه نبي، وهذا عمه» أبو لهب «يزعم أنه كذاب» .
التفسِير: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ أي هلكت يد ذلك الشقي ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ وخاب وخسر وضلَّ عمله ﴿وَتَبَّ﴾ أي وقد هلك وخسر، الأول دعاءٌ، والثاني إِخبارٌ كما يقال: أهلكه اللهُ وقد هلك قال المفسرون: التباب هو الخسار المفضي إِلى الهلاك، والمراد من اليد صاحبُها، على عادة العرب من التعبير ببعض الشيء عن كله وجميعه، وأبو لهب هو «عبد العُزى بن عبد المطلب» عم النبي ﷺ َ وامرأته العوراء «أم جميل» أخت أبي سفيان، وقد كان كلٌ منهما شديد العداوة للرسول ﷺ َ فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها، «أتت رسول الله ﷺ َ وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر ﵁، وفي يدها فهْر قطعة من الحجارة، فلما دنت من الرسول ﷺ َ أخذ الله بصرها عنه فلم تر إِلاّ أبا بكر، فقالت يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك يهجوني، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه، ثم أنشدت تقول:»
مُذمًّماً عصينا وأمره أبينا ودينه قليْنا ... «ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله: أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني لقد أخذ الله بصرها عني» ، وكانت قريش يسبون الرسول ﷺ َ يقولون: مذمماً بدل «محمد» وكان يقول صلوات الله عليه: ألا تعجبون كيف صرف الله عني أذى قريش؟ يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد!؟ قال الخازن: فإِن قلت: لم كناه وفي التكنية تشريف وتكرمة؟ فالجواب من وجوه: أحدهما: أنه كان مشتهراً بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف، الثاني: أنه كان سامه «عبد العزى» فعلد عن إِلى الكنية لما فه من الشرك لأن العزَّى صنم فلم تضف العبودية إِل صنم الثالث: أنه لما كان من أهل النار، ومآله إِلى النار، والنرُ ذاتُ لهب، وافقت حاله كنيته وكان جديراً بأن يذكرها بها ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ أي لم يفده ماله الذي جمعه، ولا جاهه وعزه الذي اكتسبه قال ابن عباس ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ من الأولاد، فإِن ولد الرجل من كسبه. . روي أن الرسول ﷺ َ لما دعا قومه إِلى الإِيمان، قال أبو لهب: إِن كان ما يقول ابن أخي حقاً، فإِني أفتدي نفسي من العذاب بمالي وولدي فنزلت قال الألوسي: كان لأبي لهب ثلاثة أبناء «عُتبة» و «متعب» و «عُتيبة» وقد أسلم الأولان يوم الفتح، وشهدا حنيناً والطائف، وأما «عُتيبة» فلم يسلم، وكانت «أم كلثوم» بنت رسول الله ﷺ َ عنده، وأختها «رُقية» عند أخيه عُتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إِن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهما ولما أراد «عُتيبة» بالتصغير الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتينَّ محمداً وأوذينَّه فأتاه
стр. 1622
فقال يا محمد: إِن كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل أمام النبي ﷺ َ وطلَّق ابنته «أم كلثوم» فغضب ﷺ َ ودعا عليه فقال: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فافترسه الأسد، وهلك أبو لهب بعد وقعة بدر بسب ليالٍ بمرضٍ معدٍ كالطاعون يسمى «العدسة» وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، فلما خافوا العار حفروا له حفرة ودفعوه إِليها بعود حتى وقع فيها ثم قذفوه بالحجارة حتى واروه، فكان الأمر كما أخبر به القرآن ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أي سيدخل ناراً حامية، ذات اشتعال وتوقُّد عظيم، وهي نار جهنم ﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ أي وستدخل معه نار جهنم، امرأته العوراء «أم جميل» التي كانت تمشي بالنميمة بين الناس، وتوقد بينهم نار العداوة والبغضاء قال أبو السعود: كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق النبي ﷺ َ لإِذائه وقال ابن عباس: كانت تمشي بالنميمة بين الناس لتفسد بينهم ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أي في عنقها جبلٌ من ليف قد فتل فتلاً شديداً، تعذب به يوم القيامة قال مجاهد: هو طوقٌ من حديد وقال أبن المسيب: كان لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللاتِ والعُزَّى لأنفقتها في عداوة محمد، فأعقبها الله منها حبلاً في جيدها من مسد النار.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الجناس المرسل ﴿يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل أي هلك أبو لهب.
٢ - الجناس بين ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ وبين ﴿نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ فالأول كنية والثاني وصف للنار.
٣ - الكنية للتصغير والتحقير ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ فليس المراد تكريمه بل تشهيره، كأبي جهل.
٤ - الاستعارة اللطيفة ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ مستعار للنميمة وهي استعارة مشهورة قال الشاعر: «ولم يمش بين احلي بالحطب والرطب.
٥ - النصب على الشتم والذم ﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ أي أخص بالذم حمالة الحطب.
٦ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية.
стр. 1623
اللغَة: ﴿الصمد﴾ السيد المقصود في قضاء الحاجات قال الشاعر:
ألا بكرَّ الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
﴿كُفُواً﴾ الكُفُوءُ: النظير والشبيه قال أبو عبيدة: ياقل: كفُو، وكفء وكفاء كلها بمعنى واحد وهو المِثْل والنظير.
سَبَبُ النّزول: روي أن بعض المشركين جاءوا إِلى رسول الله ﷺ َ فقالوا: يا محمد صف لنا ربَّك، أمن ذهبٍ هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من ياقوت؟! فنزلت ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد. .﴾ السورة.
التفسِير: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستهزئين: إِن ربي الذي أعبده، والذي أدعوكم لعبادته هو واحد أحد لا شريك له، ولا شبيه له ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو جل وعلا واحد أحد، ليس كما يعتقد النصارى بالتثليث «الآب، والابن، وروح القدس» ولا كما يعتقد المشركون بتعدد الآلهة قال في التسهيل: واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاث معانٍ، كلها صحيحة في حقه تعالى: الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفيٌ للعدد، والثاني: أنه واحد لا نظير له ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد في عصره أي لا نظير له
стр. 1624
والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والمراد بالسورة نفي الشريك رداً على المشركين، وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته تعالى، وذلك كثير جداً، وأوضحها أربعة براهين: الأول؛ قوله تعالى ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ؟ وهذا دليل الخلق والإِيجاد فإِذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات، لم يصح أن يكون واحد منها شريكاً له والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وهو دليل الإِحكام والإِبداع الثالث: قوله تعالى ﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإِسراء: ٤٢] وهو دليل القهر والغلبة الرابع: قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وهو دليل التنازع والاستعلاء ثم أكد تعالى وحدانيته واستغناءه عن الخلق فقال ﴿الله الصمد﴾ أي هو جل وعلا المقصود في الحوائج على الدوام، يحتاج إِليه الخلق وهو مستغنٍ عن العالمين قال الألوسي: الصَّمد السيدُ الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمدُ إِليه أي يلجأ إِليه الناسُ في حوائجهم وأمروهم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أي لم يتخذ ولداً، وليس له أبناء وبنات، فكما هو متصف بالكمالات، منزَّه عن النقائص قال المفسرون: في الآية ردٌّ على كل من جعل لله ولداً، كاليهود في قولهم
﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] والنصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وكمشركي العرب في زعمهم أن (الملائكة بنات الله) فردَّ الله تعالى على الجميع في أنه ليس له ولد، لأن الولد لا بدَّ أن يكون من جنس والده، والله تعالى ليس له زوجة وإِليه الإِشارة بقوله تعالى ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ؟! ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي ولم يولد من أبٍ ولا أُمٍ، لأن كل مولود حادث، والله تعالى قديم أزلي، فلا يصح أن يكون مولوداً ولا أن يكون له والد، وقد نفت الآية عنه تعالى إِحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لا ابتداء لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ أي وليس له جل وعلا مثيلٌ، ولا نظير، ولا شبيه أحدٌ من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] قال ابن كثير: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظيرٌ يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدَّس وتنزَّه، وفي الحديث القدسي «يقول الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إِياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إِعادته، وأما شتمه إِياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد» .
стр. 1625
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن ﴿قُلْ هُوَ﴾ للتعظيم والتفخيم.
٢ - تعريف الطرفين ﴿الله الصمد﴾ لإِفادة التخصيص.
٣ - الجناس الناقص ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لتغير الشكل وبعض الحروف.
٤ - التجريد فإِن قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يقتضي نفي الكف، والولد، وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ هو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في العموم وذلك زيادة في الايضاح والبيان.
٥ - السجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ .
لطيفَة: هذه السورة الكريمة مؤلفة من أربع آيات، وقد جاءت في غاية الإِيجاز والإِعجاز، وأوضحت صفات الجلال والكمال، ونزهت الله جل وعلا عن صفات العجز والنقص، فقد أثبتت الآية الأولى الوحدانية، ونفت التعدد ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ وأثبتت الثانية كماله تعالى، ونفت النقص والعجز ﴿الله الصمد﴾ وأثبتت الثالثة أزليته وبقاءه ونفت الذرية والتناسل ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وأثبتت الرابعة عظمته وجلاله ونفت الأنداد والأضداد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فالسورة إثبات لصفات الجلال والكمال، وتنزيه للرب بأسمى صور التنزيه عن النقائص.
فَائِدَة: روي عن النبي ﷺ َ أنه قال: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ بثلث القرآن» قال العلماء: وذلك لما تضمنته من المعاني والعلوم والمعارف، فإِن علوم القرآن ثلاثة: «توحيد، وأحكام وقصص» وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد، فهي ثلاث القرآن بهذا الاعتبار، وقيل: إِن ذلك في الثواب أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، والله أعلم.
стр. 1626
اللغَة: ﴿الفلق﴾ الفَلَق: الصبح تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، والفِلْق بالكسر الداهية والأمر العجب، وأصله من فلقتُ الشيء أي شققته، فكل ما انفلق من شيء من حيوان، وحب، ونوى فهو فلق، ومنه «فالق الإِصباح» قال ذو الرمة: «حتى إِذا ما انجلى عن وجهه فلق» أي انجلى الصبح عن وجهه ﴿غَاسِقٍ﴾ الغاسق: الليل إِذا اشتد ظلامه، والغسق أول ظلمة الليل يقال: غسق الليل أي أظلم قال الشاعر:
إنَّ هذا الليل قد غسقا ... واشتكيتُ الهمَّ والأرقا
﴿وَقَبَ﴾ دخل بظلامه، والوقوب: الدخول ﴿النفاثات﴾ النفث: شبه النفخ دون تفلتٍ بالريق، فإِذا كان معه ريق فهو التفل قال عنترة:
فإِنْ يبرأ فلم أنفث عليه ... وإِن يُفْقد فحُقَّ له الفُقود
التفسِير: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ أي قل يا محمد ألتجىء وأعتصم برب الصبح الذي ينفلق عنه الليل، وينجلي عنه الظلام قال ابن عباس: ﴿الفلق﴾ الصبحُ كقوله تعالى ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وفي أمثال العرب: هو أبينُ من فلق الصبح قال المفسرون: سبب تخصيص الصبح بالتعوذ أن
стр. 1627
انبثاق نور الصبح بعد شدة الظلمة، كالمثل لمجيء الفرج بعد الشدة، فكما أن الإِنسان يكون منتظراً لطلوع الصباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أي من شر جميع المخلوقات من الإِنس، والجن، والدواب، والهوام، ومن شر كل مؤذٍ خلقه الله تعالى ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي ومن شر الليل إِذ أظلم واشتد ظلامه، فإِن ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الإِنس والجن ولهذا قالوا في المثل «الليلُ أخفى للويل» قال الرازي: وإِنما أُمر أن يتعوذ من شر الليل، لأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من مكانها، ويهجم السارقُ والمكابر، ويقع الحريق، ويقل فيه الغوث ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ أي ومن شر السواحر اللواتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن أي ينفخن فيها ليضروا عباد الله بسحرهن، ويفرقوا بين الرجل وزوجه ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ١٠٢] قال في البحر: وسبب نزول المعوذتين قصة «لبيد بن الأعصم» الذي سحر رسول الله ﷺ َ في مشطٍ ومشاطه وجف قشر الطلع طلعةٍ ذكر، ووترٍ مقعود فيه إِحدى عشرة عقدة، معروزٍ بالإِبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد في نفسه خفة ﷺ َ حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام فكأنما نشط من عقال ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أي ومن شر الحاسد الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، ولا يرضى بما قسمه الله تعالى له.
البَلاَغَة: تضمنت السرة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الجناس الناقص بين ﴿فَلَقِ﴾ و ﴿خَلَقَ﴾ .
٢ - الإِطناب بتكرار الاسم ﴿شَرِّ﴾ مراتٍ في السورة ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات﴾ الخ تنبيهاً على شناعة هذه الأوصاف.
٣ - ذكر الخاص بعد العام للاعتناء بالذكور ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فإِنه عموم يدخل تحته شر الغاسق، وشر النفاثات، وشر الحاسد.
٤ - جناس الاشتقاق بين ﴿حَاسِدٍ﴾ و ﴿حَسَدَ﴾ .
٥ - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات.
стр. 1628
اللغَة: ﴿الوسواس﴾ الشيطان الموسوس، مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي وحديث النفس قال الأعشى:
«تسمعُ لِلحَلْي وسْواساً إِذا انصرفت» ... ﴿الخناس﴾ الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويختفي ويتأخر يقال: خنس الظبي إِذا اختفى، وسمي الشيطان خناساً لأنه يتوارى ويختفي إِذا ذكر العبد ربه، فإِذا غفل عن ذكر الله عاد فوسوس له والخنوس: التأخر ﴿الجنة﴾ بكسر الجيم الجنُّ جمع جني، وبضم الجيم الوقاية وفي الحديث «الصوم جُنة» أي وقاية من عذاب الله.
التفسِير: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي قل يا محمد أعتصم وألتجىء وأستجير ﴿بِرَبِّ الناس﴾ أي بخالق الناس ومربيهم ومدبر شئونهم، الذي أحياهم وأوجدهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم قال المفسرون: إِنما خصَّ الناس بالذكر وإِن كان جلت عظمته رب جميع الخلائق تشريفاً وتكريماً لهم، من حيث إنه تعالى سخَّر لهم ما في الكون، وأمدهم بالعقل والعلم، وأسجد لهم ملائكة قدسه، فهم أفضل المخلوقات على الإِطلاق ﴿مَلِكِ الناس﴾ أي مالك جميع الخلق حاكمين
стр. 1629
ومحكومين، ملكاً تاماً شاملاً كاملاً، يحكمهم، ويضبط أعمالهم، ويدبّر شئونهم، فيعز ويذل، ويغني ويُفقر ﴿إله الناس﴾ أي معبودهم الذي لا ربَّ لهم سواه قال القرطبي: وإِنما قال ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد مغيره فذكر إِنه إِلههم ومعبودهم، وأنه الذي يجب إن يستعاذ به ويُلجأ إِليه، دون الملوك والعظماء، وترتيب السورة بهذا الشكل في منتهى الإِبداع، وذلك لأن الإِنسان أولاً يعرف أن له رباً، لما يشاهده من أنواع التربية ﴿رَبِّ الناس﴾ ثم إِذا تأمل عرف أن هذا الرب متصرفٌ في خلقه، غني عن خلقه فهو الملك لهم ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم إِذا زاد تأمله عرف أنه يستحق أن يُعبد، لأن لا عبادة إِلا للغني عن كل ما سواه، المفتقر إِليه كل ما عداه ﴿إله الناس﴾ إِنما كرر لفظ الناس ثلاثاً ولم يكتف بالضمير، لإِظهار شرفهم وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما حسن التكرار في قوله الشاعر:
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيء ... نغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا
قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الرب «الربوبية» و «الملك» و «الإِلهية» فهو ربُّ كل شيء ومليكه وإِله، وجميع الأشياء مخلوقة ومملوكة له، فأُمر المستعيذُ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ أي من شر الشيطان الذي يلقي حديث السوء في النفس، ويوسوس للإِنسان ليغريه بالعصيان ﴿الخناس﴾ الذي يخنص أن يختفي ويتأخر إِذا ذكر العبد ربه، فإِذا غفل عن الله عاد فوسوس له وفي الحديث «إِن الشيطان واضح خطمه أنفه على قلب ابن آدم، فإِذا ذكر الله خنس، وإِذا نسي الله التقم قلبه فوسوس»
« ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ أي الذي يلقي لشدة خبثه في قلوب البشر صنوف الوساوس والأوهام قال القرطبي: ووسوستُه هو الدعاء لطاعته بكلام خفي يصل مفهومه الى القلب من غير سماع صوت ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ ﴿مِنَ﴾ بيانية أي هذا الذي يوسوس في صدور الناس، هو من شياطين الجن والإِنس كقوله تعالى ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢] فالآية استعاذة من شر الإِنس والجن جميعاً، ولا شك أن شياطين الإِنس، أشدُّ فتكاً وخطراً من شياطين الجن، فإِن شيطان الجن يخنس بالاستعاذة، وشيطان الإِنس يزين له الفواحش ويغريه بالمنكرات، ويثنيه عن عزمه شيء، والمعصوم من عصمه الله.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
١ - الإِضافة للتشريف والتكريم ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ وفي الآيتين بعدها.
٢ - الأطناب بتكرار الاسم ﴿رَبِّ الناس مَلِكِ الناس﴾ زيادة في التعظيم لهم، والاعتناء بشأنهم، ولو قال (ملكهم، إِلههَم) لما كان لهم هذا الشأن العظيم.
٣ - الطباق بين ﴿الجنة﴾ و ﴿الناس﴾ .
٤ -
стр. 1630
جناس الاشتقاق ﴿يُوَسْوِسُ. . الوسواس﴾ ثم ما في السورة من الجرس الموسيقي، الذي يفضل الألحان بعذوبة البيان، وذلك من خصائص القرآن.
تنبيه: عن عائشة ﵂ قالت:» كان رسول الله ﷺ َ إِذا أوى إِلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص: ١] والمعوذتين، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثاً «.