Полный текст (1 630 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
مقيماً في أهل مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي ولكنا أرسلناك في أهل مكة وأخبرناك بتلك الإخبار، ولولا ذلك لما علمتها ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي وما كنتَ أيضاً بجانب جبل الطور وقت ندائنا لموسى وتكليمنا إياه ﴿ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي لم تشاهد شيئاً من أخبار وقصَص الأنبياء، ولكنّا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك، رحمةً من ربك لتخوّف قوماً ما جاءهم رسول قبلك يا محمد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لعلهم يتعظون بما جئتهم به من الآيات البينات، فيدخلوا في دينك قال المفسرون: المراد بالقوم الذي نكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وهي نحوٌ من ستمائة سنة ﴿ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ولولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ أي فيقولوا عند ذلك ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يبلغنا آياتك فتتبعها ونكون من المصدقين بها! ﴿قال القرطبي: وجواب ﴿لولا﴾ محذوف وتقديره لما بعثنا الرسل، وقال في التسهيل: ﴿لولا﴾ الأولى حرف امتناع، و ﴿لولا﴾ الثانية عرضٌ وتخضيض، والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإِعذار وإقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا ربَّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتَّبع آياتك ونكون من المؤمنين، ثم أخبر تعالى عن عناد المشركين وتعنتهم في ردِّ الحق فقال ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى﴾ أي فلما جاء أهل مكة الحقُّ المبين وهو محمد بالقرآن المعجز من عندنا قالوا - على وجه التعنت والعناد - هلاّ أُعطي محمد من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة مثل ما أُعطي موسى من العصا واليد﴾ ﴿قال تعالى رداً عليهم ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ؟﴾ أي أو لم يكفر البشر بما أُوتي موسى من تكل الآيات الباهرة؟﴾ قال مجاهد: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد: ائتنا بمثل ما جاء به موسى من المعجزات، فردَّ الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، فالضمير في ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ﴾ لليهود، وهذا اختيار ابن جرير وقال أبو حيان: ويظهر عندي أن الضمير عائد على قريش الذين قالوا لولا أُوتي محمد مثل ما أُوتي موسى، وذلك أن تكذيبهم لمحمد ﷺ َ تكذيبٌ لموسى، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى، إذ الأنبياء من وادٍ واحدٍ فمن نسب إلأى أحدٍ من الأنبياء ما لا يليق كان ناسباً ذلك إلى جميع الأنبياء، وتتناسق حينئذٍ الضمائر كلُّها ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أي وقال المشركون ما التوراة والقرآن إلا من قبيل السحر، فهما سحران تعاونا بتصديق كل واحدٍ منهما الآخر قال السُدّي: صدَّق كل واحدٍ منهما الآخر ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي إنّا بكل من الكتابين كافرون قال أبو السعود: وهذا تصريحٌ بكفرهم بهما وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ﴾ أمرٌ على وجه التعجيز أي قل لهم يا محمد إنكم إذْ
стр. 947
كفرتم بهذين الكتابين مع ما تضمنا من الرائع والأحكام ومكارم الأخلاق فائتوني بكتاب منزلٍ من عند الله أهدى منهما وأصلح أَتمسك به ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي في انهما سحران قال ابن كثير: وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب ان الله تعالى لم ينزل كتاباً من السماء أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم من الكتاب الذي أنزله على محمد ﷺ َ وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى، وهو الكتاب الذي قال فيه
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] والإِنجيلُ إنما أُنزل متمماً للتوراة ومُحلاً لبعض ما حُرم على بني إسرائيل ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي فإن لم يجيبوك إلى ما طلبته منهم فاعلم أن طفرهم عنادٌ واتباع للأهواء لا بحجةٍ وبرهان ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله﴾ أي لا أحد أضلُّ ممن اتبع هواه بغير رشادٍ ولا بيانٍ من الله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي لا يوفق للحق من كان معانداً ظالماً، بالانهماك في اتباع الهوى، والإِعراض عن سبيل الهدى ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي ولقد تابعنا ووالينا لقريش القرآن يتبع بعضُه بعضاً، وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ ليتعظوا ويتذكروا بما فيه قال ابن الجوزي: المعنى أنزلنا القرآن يتبع بعضُه بعضاً، ويخبر عن الأمم الخالية كيف عُذبوا لعلهم يتعظون ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي الذين أعطيناهم التوراة والإِنجيل من قبل هذا القرآن - من مسلمي أهل الكتاب - هم بهذا القرآن يصدقون قال ابن عباس: يعني من آمن بمحمد ﷺ َ من أهل الكتاب ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ﴾ أي وإذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي كنا من قبل نزوله موحدين لله، مستسلمين لأمره، مؤمنين بأنه سيبعث محمد ونيزل عليه القرآن قال تعالى ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ أي أولئك الموصوفون بالصفات الجميلة يعطون ثوابهم مضاعفاً، مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرةً على إيمانهم بالقرآن وفي الحديث
«ثلاثة يُؤْتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم آمن بي. .» الحديث ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي بسبب صبرهم على اتباع الحقِّ، وتحملهم الأذى في سبيل الله قال قتادة: نزلت في أناسٍ من أهل الكتاب، كانوا على شريعةٍ من الحق يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعث الله محمداً ﷺ َ فآمنوا به وصدَّقوه، فأعطاهم الله أجرهم مرتين بما صبروا، وذُكر أن منهم سلمان وعبد الله بن سلام ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي ويدفعون الكلام القبيح كالسب والشتم بالحسنة أي الكلمة الطيبة الجميلة قال ابن كثير: لا يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي ومن الذي رزقناهم من الحلال ينفقون في سبيل الخير ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي وإذا سمعوا الشتم والأذى من الكفار وسمعوا ساقط الكلام، لم يلتفتوا إليه ولم يردُّوا على أصحابه ﴿وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي لنا طريقنا ولكم طريقكم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلام متاركة ومباعدة قال
стр. 948
الزجاج: لم يريدوا التحية وإنما أرادوا بيننا وبينكم المتاركة ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ أي لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم قال الصاوي: كان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تباً لك أعرضتم عن دينكم وتركتموه! فيعرضون عنهم ويقولون لنا أعمالكم. مدحهم تعالى بالإِيمان، ثم مدحهم بالإِحيان، ثم مدحهم بالعفو والصفح عن أهل العدوان، ثم قال تعالى مخاطباً رسوله ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد، مهما بذلت فيه من مجهود، وجاوزت في السعي كل حدٍّ معهود إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد، مهما بذلت فيه من مجهود، وجاوزت في السعي كل حدٍّ معهود ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي ولكنه تعالى بقدرته يهدي من قدر له الهداية، فسلم أمرك إليه فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاوة ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي هو تعالى العالم بمن فيه استعداد للهداية والإِيمان فيهديه قال المفسرون: نزلت في عمه «أبي طالب» حين عرض عليه الإِسلام عند موته فأبى قال أبو حيان: ومعنى ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي لا تقدر على خلق الهداية فيه، ثم قال: ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لأن معنى هذا: وإنك لترشد، وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في «أبي طالب» ثم ذكر تعالى شبهةً من شبهات المسركين وردَّ عليها بالبيان الواضح فقال ﴿وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾ أي وقال كفار قريش: إن اتبعناك يا محمد على دينك وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب فيجتمعون على محاربتنا، ويخرجوننا من ارضنا، قال المبرد: والتخطُّف الانتزاع بسرعة، قال تعالى رداً عليهم ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي أولم نعصمْ دماءهم ونجعل مكانهم حرماً ذا أمن، بحرمة البيت العتيق؟ فكيف يكونالحرم آمناً لهم في حال كفرهم، ولا يكون آمناً لهم في حال إسلامهم؟ ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ أي تُجْلب إليه الأرزاق من كل مكان مع أنه بوادٍ غيرذي زرع رزقاً لهم من عندنا ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أكثرهم جهلة لا يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون قال أبو حيان: قطع الله حجتهم بهذا البيان الناصع إذْ كانوا وهم كفارٌ بالله، عباد أصنام قد أمِنوا في حرمهم، والناصُ في غيره يتقاتلون وهم مقيمون في بلدٍ غير ذي زرع، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي وكثيرمن أهل قريةٍ طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فدمَّر الله عليهم وخرب ديارهم ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي فتلك مساكنهم خاويةً بما ظلموا لم تسكن من بعد تدميرهم إلاَّ زماناً قليلاً إذْ لا يسكنها إلا المارَّةُ والمسافرون يوماً أو بعض يومٍ ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ أي وكنا نحن الوارثين لأملاكهم ودجيارهم قال في البحر: والآية تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن، وخفض العيش، فكفروا النعمة وقابلوها بالاشر والبطر فدمرهم الله وخرب ديارهم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى﴾ أي ما جرت عادة الله جل شأنه أن يهلك أهل القرى الكافرة ﴿حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي حتى يبعث في أصلها وعاصمتها رسولاً يبلغهم رسالة الله لقطع الحجج والمعاذير ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أي وما كنا لنهلك القرى إلا وقد استحق أهلها
стр. 949
الإِهلاك، لإِصرارهم على الكفر بعد الإِعذار إليهم ببعثة المرسلين قال القرطبي: أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإِهلاك بظلمهم، وفي هذا بيانٌ لعدله وتقدّسه عن الظلم، ولا يهلكهم - مع كونهم ظالمين - إلاّ بعد تأكيد الحجة والإِلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه تعالى بأحوالهم حجة عليهم ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا﴾ أي وما أعطيتم أيها الناس من مالٍ وخيرٍ فهو متاعٌ قليل تتمتعون به في حياتكم ثم ينقضي ويفنى قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية، بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من النعيم العظيم المقيم ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ أي وما عنده من الأجر والثواب، والنعيم الدائم الباقي خير وأفضل من هذا النعيم الزائل ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؟ توبيخٌ لهم أي أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟ قال الإِمام الفخر: بيَّن تعالى ان منافع الدنيا مشوبةٌ بالمضارِّ، بل المضارُّ فيها أكثر، ومنافع الآخرة غير منقطعة، بينما منافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً، فكيف ونصيب كل أحدٍ من الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر، فمن لم يرجَّح منافع الآخرة على منافع الدنيا يكون كأنه خارجٌ عن حدّ العقل ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ أي أفمن وعدناه وعداً قاطعاً بالجنة وما فيها من النعيم المقيم الخالد، فوه لا محالة مدركه لن وعد الله لا يتخلف ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ ؟ أي كمن متعناه بمتاع زائل، مشوب بالأكدار، مملوءٍ بالمتاعب، مستتبع للحسرة على انقطاعه؟ ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ أي ثم هو في الآخرة من المحضرين للعذاب، فهل يساوي العاقل بينهما؟ قال ابن جزي: والآية ايضاحٌ لما قبلها من البون الشاسع بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه المؤمنين، وبمن متعناه الكافرين ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي واذكر حال المشركين يوم يناديهم الله فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتقريع: أين هؤلاء الشركاء والآلهة من الأصنام والأنداد الذين عبدتموهم من دوني، وزعمتم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم؟ ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي قال رؤساءهم وكبراؤهم الذين وجب عليهم العذاب لضلالهم وطغيانهم ﴿رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ﴾ أي هؤلاء أتباعنا الذين أضللناهم عن سبيلك ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أي أضللناهم كما ضللنا، لا بالقس والإِكراه ولكن بطريق الوسوسة وتزيين القبيح فضلّوا كما ضللنا نحن ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ أي بترأنا إليك يا ألله من عبادتهم إيانا، فما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي وقيل للكفار استغيثوا بالتهكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم عذاب الله، وهذا على سبيل التهكم بهم ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ أي فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، وهذا من سخافة عقولهم ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وتمنَّوا حين شاهدوا العذاب لو كانوا مهتدين قال الطبري: أي فودُّوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ توبيخٌ آخر للمشركين
стр. 950
أي ويم يناديهم الله ويسألهم: ماذا أجبتم رسلي؟ هل صدقتموهم أم كذبتموهم؟ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي فخفيت عليهم الحجج، وأظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون، فهم حيارى واجمون، لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة والحيرة ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ أي فأمّا من تاب من الشرك، وجمع بين الإِيمان والعمل الصالح فعسى أنيكون من الفائزين بجنات النعيم قال الصاوي: والترجي في القرآن بمنزلة التحقق، لأنه وعد كريم من ربٍّ رحيم، ومن شأنه تعالى أنه لا يخلف وعده ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ أي هو تعالى الخالق المتصرف، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا اعتراض لأحدٍ على حكمه قال مقاتل: نزلت في «الوليد بن المغيرة» حين قال
﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ أي مان أحدٍ من العباد اختيار، إنما الاختيار والإِرادة لله وحده ﴿سُبْحَانَ الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه الله العظيم الجليل وتقدس أن ينازعه أحدٌ في ملكه، أو يشاركه في اختياره وحكمته قال القرطبي: المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار من يشاء لنبوته، والخيرة له تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة، فليس لأحدٍ من خلقه أن يختار عليه ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي هو تعالى العالم بما تخفيه قلوبهم من الكفر والعداوة للرسول والمؤمنين، وما يظهرونه على ألسنتهم من الطعن في شخص رسوله الكريم حيث يقولون: ما أنزل الله الوحي إلا على يتيم أبي طالب! ﴿وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي هو جل وعلا اللهُ المستحقُ للعبادة، لا أحد يستحقها إلا هو ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ أي له الثناء الكامل في الدنيا والفصل بين العباد ﴿وَلَهُ الحكم﴾ أي وله القضاء النافذ والفصل بين العباد ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عاملٍ بعمله.
البَلاَغَة: تضمنت الآياتُ الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التشبيه البليغ ﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغاً قال في حاشية البيضاوي: أي مشبهاً بأنوار القلوب من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تستبصر، ولا تعرف حقاً من باطل.
٢ - المجاز العقلي ﴿أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ المرادبه الأمم لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة فنسب إلأى القرون بطريق المجاز العقلي.
٣ - جناس الاشتقاق ﴿تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ﴾ .
٤ - المجاز المرسل ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ والمراد بما كسبواوهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي.
стр. 951
٥ - حذف الجواب لدلالة السياق ﴿ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ﴾ حذف منه الجواب وتقديره: ما أرسلناك يا محمد رسولاً إليهم وهو من باب الإِيجاز بالحذف.
٦ - التخضيض ﴿لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى﴾ أي هلاَّ أُوتي فهي للتحضيض وليست حرف امتناع لوجود.
٧ - التعجيز ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ﴾ فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز.
٨ - طباقُ السلب ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي. . ولكن الله يَهْدِي﴾ .
٩ - المجاز العقلي ﴿حَرَماً آمِناً﴾ نسب الأمن إلى الحرم وهو لأهله.
١٠ - أسلوب السخرية والتهكم ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ؟ .
١١ - التشبيه المرسل ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ . ١٢ - الاستعارة التصريحية التبعية ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء﴾ قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وأصله «فعموا عن الأنباء» وضُمّن معنى الخفاء فعدي ب ﴿على﴾ ففيه أنواعٌ من البلاغة: الاستعارة، والقلب، واتلضمين.
١٣ - الطباق بين ﴿مَا. . ويُعْلِنُونَ﴾ وبين ﴿الأولى. . والآخرة﴾ وهو من المحسنات البديعية.
стр. 952
تنبيه: ما ذُكر أن «أبا طالب» مات على غير الإِيمان هو الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، ونقل عن بعض شيوخ الصوفية أنه أسلم قبل موته، وهو معارضٌ للنصوص الكريمة ولعلهم أخذوه من بعض أشعار أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمتُ بأنَّ دين محمدٍ ... من خير أديان البرية ديناً
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أُوسَّد في التراب دفيناً
أقول: ماذا يعني هذا الكلام بعد امتناعه عن الدخول في الإسلام والنطق بالشهادة؟
стр. 953
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أنه هو الخالق المختار، وسفَّه المشركين في عبادتهم لغير الله، عقَّبه بذكر بعض الأدلة والبراهين الدالة على عظمته وسلطانه، تذكيراً للعباد بوجوب شكر المنعم، ثم ذكر قصة «قارون» وهي قصة الطغيان بالمال، وما كان من نهايته المشئومة حيث خسف الله به وبكنوزه الأرض، وهذه نتيجة الاستعلاء والغرور والطغيان.
اللغَة: ﴿سَرْمَداً﴾ السرمد: الدائم الذي لا ينقطع ومنه قول طرفه:
لعمرك ما أمري عليَّ بغمةٍ ... نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمد
﴿مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وأما المفتاح فجمعه مفاتيح. ﴿تَنُوءُ﴾ ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله قال ذو الرمَّة:
تنوء بأُخراها فلأْياً قيامها ... وتمشي الهُوينى عن قريبٍ فتبهر
﴿العصبة﴾ الجماعة الكثيرة ومثلها العصابة ومنه قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] سميت الجماعة
стр. 954
عُصبة لأن بعضهم يتعصب لبعض ويتقوى به ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ قال الجوهري: «ويْ» كلمةُ تعجب وقد تدخل على «كأن» فتقول: ويكأنَّ، وقيل إنها كلمة تستعمل عند التنبه للخطأ وإظهار الندم قال الخليل، إن القوم تنهوا وقالوا نادمين على ما سلف منهم وَيْ ﴿ظَهيراً﴾ معيناً ومساعداً.
التفسِير: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من كفار مكة: أخبروني لو جعل الله عليكم اللل دائماً مستمراً بلا انقطاع إلى يوم القيامة ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ ؟ أي من هو الإِله الذي يقدر على أن يأتيكم بالنور الذي تستضيئون به في حياتكم غيرُ الله تعالى؟ ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ أي أفلا تسمعون سماع فهمٍ وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى؟ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي أخبروني لو جعل الله عليكم النهار دائماً مستمراً بلا انقطاع ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي من هو الإِله القادر على أن يأتيكم بليلٍ تستريحون فيه من الحركة والنصب غير الله تعالى؟ ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال؟ ثم نبه تعالى إلى كمال رحمته بالعباد فقال ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار﴾ أي ومن آثار قدرته، ومظاهر رحمته أن خلق لكم الليل والنهار يتعاقبان بدقةٍ وإحكام ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي لتستريحوا بالليل من نصب الحياة وهمومها وأكدارها، ولتلتمسوا من رزقه بالمعاش والكسب في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا ربكم على نعمه الجليلة التي لا تُحصى، ومنها نعمةُ الليل والنهار قال الإِمام الفخر: نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولولا الراحة والسكون بالليل، فلا بدَّ منهما في الدنيا، وأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ قال ابن كثير: هذا نداءٌ ثانٍ على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب على رءوس الأشهاد: أين شركائي الذين زعمتموهم في الدنيا؟ ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ أي أخرجنا من كل أمةٍ شهيداً منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيُّهم ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، هذا إعذار لهم وتوبيخٌ وتعجيز ﴿فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ﴾ أي فلموا حينئذٍ أن الحقَّ لله ولرسله، وأنه لا إله إلا هو ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ما كانوا يتخرصونه في الدنيا من الشركاء والأنداد، ثم ذكر تعالى قصة «قارون» ونتيجة الغرور والطغيان فقال ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ أي من عشيرته وجماعته قال ابن عباس: كان ابن عم موسى ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾ أي تجبر وتكبر على قومه، واستعلى عليهم بسبب ما منحه الله من الكنوز والأموال قال الطبري: أي تجاوز حدَّه في الكبر والتجبر عليهم ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة﴾ أي أعطيناه من الأموال الوفيرة، والكنوز الكثيرة ما يثقل على الجماعة أصحاب القوة حمل مفاتيح
стр. 955
خزائنه لكثرتها وثقلها فضلاً عن حمل الخزائن والأموال والآية تصويرٌ لما كان عليه قارون من كثرة المال والغنى والثراء ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ﴾ أي لا تأشر ولا تبطر ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾ أي لا يحب البطرين الذين لا يشكرون الله على إنعامه، ويتكبرون بأموالهم على عباد الله ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة﴾ أي اطلب فيما أعطاك الله من الأموال رضى الله، وذلك بفعل الحسنات والصدقات والإِنفاق من الطاعات ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ قال الحسن: أي لا تضيّع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إيّاه ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ أي أحسن إلى عبادِ الله كما أحسن الله إليك ﴿وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض﴾ أي لا تطلب بهذا المال البغي والتطاول على الناس، والإِفساد في الأرض بالمعاصي ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ أي لا يحب من كان مجرماً باغياً مفسداً في الأرض ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي﴾ لمَّا وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم والتكبر عن قبول الموعظة والمعنى: إنما أُعطيت هذا المال على علمٍ عندي بوجوه المكاسب، ولولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي واستحقاقي له ما أعطاني هذا المال ﴿قال تعالى رداً عليه ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ أي أولم يعلم هذا الأحمق المغرور أنَّ الله قد أهلك من قبله من الأمم الخالية من هو أقوى منه بدناً وأكثر مالاً؟﴾ قال البيضاوي: والآية تعجبٌ وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة، وسمعه من حفاظ التواريخ ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ أي لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها لنه عالمٌ بكل شيء، ولا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤالهم بل متى حقَّ عليهم العذاب أهلكهم بغتة، ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بنصيحة قومه، بل تمادى في غطرسته وغيِّه فقال تعالى ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ أي فخرج قارون على قومه في أظهر زينةٍ وأكملها قال المفسرون: خرج ذات يوم في زينةٍ عظيمة بأتباعه الكثيرين، ركباناً متحلين بملابس الذهب والحرير، علىخيولٍ موشحةٍ بالذهب، ومعها اجواري والغلمان في موكبٍ حافلٍ باهر ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ أي فلما رآه ضعفاء الإِيمان ممن تخدعهم الدنيا ببريقها وزخرفها وزينتها قالوا: يا ليت لنا مثل هذا الثراء والغنى الذي أُعطيه قارون ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي ذو نصيب وافرٍ من الدنيا ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾ أي وقال لهم العقلاء من أهل العلم والفهم والاستقامة ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عن مثل هذا الكلام فإن جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين خيرٌ مما ترون وتتمنَّون من حال قارون قال الزمخشري: أصل ﴿وَيْلَكُ﴾ الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع، والبعث على ترك ما لا يرتضى ﴿وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون﴾ أي ولا يُعطى هذه المرتبة والمنزلة في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله قال تعالى تنبيهاً لنهايته المشئومة ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ أي جعلنا الأرض تغور به وبكنوزه، جزاءً على عتوه وبطره ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ﴾ أي ما كان له أحد من الأنصار والأعوان يدفعون عنه
стр. 956
عذاب الله ﴿الله وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين﴾ أي وما كان المنتصرين بنفسه بل كان من الهالكين ﴿وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالأمس﴾ أي وصار الذين تمنوا منزلتُه وغناه بالأمس القريب بعد أن شاهدوا ما نزل به من الخسف ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي يقولون ندماً وأسفاً على ما صدر منهم من التمني: اعجبوا أيها القوم من صنع الله، كيف أن الله يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده - بحسب مشيئته وحكمته - لا لكرامته عليه، ويضيّق الرزق على من يشاء من عباده - لحكمته وقضائه ابتلاءً - لا لهوانه عليه!! قال الزمخشري: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمتان «وَيْ» مفصولة عن «كأنَّ» وهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم، ومعناه أن القوم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم منزلة قارون وتندموا وقالوا ﴿لولا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا﴾ أل لولا أنَّ الله لطف بنا، وتفضَّل علينا بالإِيمان والرحمة، ولم يعطنا ما تمنيناه ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي لكان مصيرنا مصير قارون، وخسف بنا الأرض كما خسفها به ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ أي أعجبُ من فعل الله حيث لا ينجح ولا يفوز بالسعادة الكافرون لا في ادنيا، ولا في الآخرة.
. وإلى هنا تنتهي «قصة قارون» وهي قصة الطغيان بالمال، بعد أن ذكر تعالى قصة الطغيان بالجاه والسلطان في قصة فرعون وموسى، ثم يأتي التعقيب المباشر في قوله تعالى ﴿تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾ الإِشارة للتفخيم والتعظيم أي تلك الدار العالية الرفيعة التي سمعت خبرها، وبلغك وصفها هي دار النعيم الخالد السرمدي، التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نجعلها للمتقين الذين لا يريدون التكبر والطغيان، ولا الظلم والعدوان في هذه الحياة الدنيا ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي العاقبة المحمودة للذين يخشون الله ويراقبونه، ويبتغون رضوانه ويحذرون عقابه ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ من الحسنات فإن الله يضاعفها له أضعافاً كثيرة ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ومن جاء يوم القيامة بالسيئات فلا يجزى إلا بمثلها، وهذا من فضل الله على عباده أنه يضاعف لهم الحسنات ولا يضاعف لهم السيئات ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ أي إن الذي أنزل عليك يا محمد القرآن وفرض عليك العمل به ﴿لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ أي لرادُّك إلى مكة كما أخرجك منها، وهذا وعدٌ من الله بفتح مكة ورجوعه ﵇ إليها بعد أن هاجر منها قال ابن عباس: معناه لرادك إلى مكة، وقال الضحال: لما خرج النبي ﷺ َ من مكة فبلغ الجُحْفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه هذه الآية ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ربي أعلم بالمهتدي والضال هل أنا أو أنتم؟ فهو جلَّ وعلا الذي يعلم المحسن من المسيء، ويجازي كلاً بعمله، وهو جواب لقول كفار مكة: إنك يا محمد في ضلالٍ مبين ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي وما كنت تتطمع أن تنال النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتابُ ولكن رحمك الله بذلك ورحم العباد ببعثتك قال
стр. 957
الفراء: وهذا استثناء منقطع والمعنىإلا أنّ ربك رحمك فأنزله عليك ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي لا تكن عوناً لهم على دينهم، ومساعداً لهم على ضلالهم، بالمداراة والمجاملة ولكن نابذهم وخالفهم قال المفسرون: دعا المشركون الرسول إلى دين آبائه، فأُمر بالتحرز منهم وأن يصدع بالحق، والخطابُ بهذا وأمثاله له ﵇، والمراد أمته لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي ولا تلتفت إلى هؤلاء المشركين، ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع ما أنزل الله إليك من الآيات البينات ﴿وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي وادع الناس إلى توحيد ربك وعبادته ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ أي بمسايرتهم على أهوائهم، فإن من رضي بطريقتهم كان منهم ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ أي لا تعبد إلهاً سوى الله ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود بحقٍ إلا الله تعالى قال البيضاوي: وهذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أي كل شيء يفنى وتبقى ذاتُه المقدسة، أطلق الوجه وأراد ذات الله جلَّ وعلا قال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي، الحيُّ القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبَّر بالوجه عن الذات كقوله
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] ﴿لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي له القضاء النافذ في الخلق، وإليه مرجعهم جميعاً يوم المعاد لا إلى أحدٍ سواه.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التبكيت والتوبخ ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ ؟ ومثله ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ﴾ ؟ .
٢ - اللَّف والنشر المرتب ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار﴾ جمع الليل والنهار ثم قال ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ فأعاد السكن إلى الليل، والابتغاء لطلب الرزق إلى النهار، ويسمى هذا عند علماء البديع اللف والنشر المرتب، لأن الأول عاد على الأول، والثاني عاد على الثاني وهو من المحسنات البديعية.
٣ - جناس الاشتقاق ﴿لاَ تَفْرَحْ. . الفرحين﴾ ومثله ﴿الفساد. . المفسدين﴾ .
٤ - تأكيد الجملة ب ﴿إِنَّ﴾ و (اللام) ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لأن السامع شاك ومتردّد.
٥ - الكناية ﴿تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالأمس﴾ كنَّى عن الزمن الماضي القريب بلفظ الأمس.
٦ - الطباق ﴿يَبْسُطُ الرزق. . وَيَقْدِرُ﴾ .
٧ - المقابلة اللطيفة ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى. .﴾ الآية.
٨ - المجاز المرسل ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل أي ذاته المقدسة ففيه مجاز مرسل.
لطيفَة: قال بعض العلماء: من لم تشبعه القناعة لم يكفه ملك قارون وأنشدوا:
هي القناعة لا تبتغي بها بدلاً ... فيها النعيم وفيها راحةُ البدن
انظر لم ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن؟
стр. 958
اللغَة: ﴿فِتْنَةَ﴾ الفتنة: الابتلاء والاختبار ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ جمع ثقل وهو الحمل الثقيل الذي ينوء به الإِنسان، والمراد بالأثقال هنا الذنوب والأوزار ﴿لَبِثَ﴾ أقام ومكث ﴿إِفْكاً﴾ كذباً وزوراً ﴿تُقْلَبُونَ﴾ تُرجعون وتُردون.
سَبَبُ النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: «كنت رجلاً باراً بأمي فلما أسلمتُ، قالت: ما هذا الدين الذي أحدثت يا سعد؟ لتدَعن دينك هذا أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت فتعيَّر بي فيقال: يا قاتل أمه، قلتُ: لا تفعلي يا أماه، فإِني لا أدع ديني هذا لشيءٍ أبداً، قال: فمكثتْ يوماً وليلةً لا تأكل، فأصبحت قد جُهدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلةً لا تأكل، فلما رأيتُ ذلك قلت: تعلمين واللهِ يا أُمَّاه لو كانت لكِ مائةُ نفسٍ فخرجت نفساً نفْساً ما تركتُ ديني هذا لشيءٍ أبداً، فإِن شئت فكلي، وإِن شئتِ فَدعي، فلم رأتْ ذلك أكلت فأنزل الله هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿الم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ ؟ الهمزة للاستفهام الإِنكاري أي أظنَّ الناسُ أن يُتركوا من غير افتتنان لمجرد قولهم باللسان آمنا؟ لا ليس كما ظنوا بل لا بدَّ من امتحانهم ليتميز الصادق من المنافق قال ابن جزي: نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين، منهم» عمار بن ياسر «وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإِسلام، فضاقت صدورهم بذلك فآنسهم الله بهذه الآية ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار، لوطنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبات على الإِيمان، وأعلمهم أن تلك سيرته في عباده يسلّط الكفار على المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إِيمانه من الكاذب ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي ولقد اختبرنا وامتحنا من سبقهم بأنواع التكاليف والمصائب والمحن قال البيضاوي: والمعنى أن ذلك سنة قديمة، جارية في الأمم كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ أي فليميزنَ الله بين الصادقين في دعوى الإِيمان، وبين الكاذبين فيه، وعبَّر عن الصادقين بلفظ الفعل ﴿الذين صَدَقُواْ﴾ وعن الكاذبين باسم الفاعل ﴿الكاذبين﴾ للإِشارة إلى أن الكاذبين وصفهم مستمر وأن الكذب راسخ فيهم بخلاف
стр. 959
الصادقين فإِن الفعل يفيد التجدد، قال الإِمام الفخر: إِن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر ورسوخه فيه، والفعل الماضي لايدل عليه كما يقال: فلانٌ شرب الخمر، وفلانٌ شاربُ الخمر، فإِنه لايفهم من صيغة الفعل الثبوتُ والرسوخ ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي أيظن المجرمون الذين يرتكبون المعاصي والموبقات أنهم يفوتون من عقابنا ويعجزوننا؟ ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يظنون قال الصاوي: والآية انتقال من توبيخ إلى توبيخ أشد، فالأول توبيخ للناس على ظنهم أنهم يفوتون عذاب الله ويفرون منه مع دوامهم على كفرهم ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ لما بيَّن تعالى أن العبد لا يترك في الدنيا سُدى، بيَّن هنا أن من اعترف بالآخرة وعمل لها لا يضيع عمله، ولا يخيب أمله والمعنى من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله فيجازيه، فإِن لقاء الله قريب الإِتيان، وكلُّ ما هو آتٍ قريب، والآية تسلية للمؤمنين ووعدٌ لهم بالخير في دار النعيم ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي هو تعالى السميع لأقوال العباد، العليم بأحوالهم الظاهرة والباطنة ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي ومن جاهد نفسه بالصبر على الطاعات، والكف عن الشهوات، فمنفعة جهاده إِنما هي لنفسه ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي مستغنٍ عن العباد، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي لنمحونَّ عنهم سيئاتهم التي سلفت منهم بسبب إِيمانهم وعملهم الصالح ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ونجزيهم بأحسن أعمالهم لاصالحة وهو الطاعات ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أي أمرناه أمراً مؤكداً بالإِحسان إِلى والديه غاية الإِحسان، لأنهما سبب وجوده ولهما عليه غاية الفضل والإِحسان، الوالد بالإِنفاق والوالدة بالإِشفاق قال الصواي: وإِنما أمر الله الأولاد ببر الوالدين دون العكس، لأن الأولاد جُبلوا على القسوة وعدم طاعة الوالدين، فكلفهم الله بما يخالف طبعهم، والآباء مجبولون على الرحمة والشفقة بالأولاد فوكلهم لما جُبلوا عليه ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ﴾ أي وإِن بذلا كلَّ ما في وسعهما، وحرصا كلَّ الحرص على أن تكفر بالله وتشرك به شيئاً لا يصح أن يكون إِلهاً ولا يستقيم، فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إِليَّ مرجع الخلائق جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فأجازي كلاً بما عمل، وفيه وعدٌ حسن لمن برَّ والديه وابتع الهدى، ووعيدٌ لمن عقَّ والديه واتبع سبيل الرَّدى ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي لندخلنَّهم في زمرة الصالحين في الجنة قال القرطبي: كرَّر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحريك النفوس إلى نيل مراتبهم، وفي ﴿الصالحين﴾ مبالغة أي الذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته، ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين الخلَّص ذكر حال المنافقين المذبذبين فقال ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ أي ومن الناس
стр. 960
فريقٌ يقولون بألسنتهم آمنا بالله، فإِذا أُوذي أحدهم بسبب إِيمانه ارتد عن الدين وجعل ما يصيبه من أذى الناس سبباً صارفاً له عن الإِيمان كعذاب الله الشديد الذي يصرف الإِنسان عن الكفر قال المفسرون: التشبيه ﴿كَعَذَابِ الله﴾ من حيث إِن عذاب الله مانع للمؤمنين من الكفر، فكذلك المنافقون جعلوا أذاهم مانعاً لهم من الإِيمان، وكان مقتضى إِيمانهم أن يصبروا ويتشجعوا، ويروا في العذاب عذوبة، وفي المحنة منحة، فإن العاقبة للمتقين قال الإِمام الفخر: أقسام المكلفين ثلاثة: مؤمنٌ ظاهر بحسن اعتقاده، وكافرٌ مجاهر بكفره وعناده، ومذبذبٌ بينهما يظهر الإِيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده، فلما ذكر تعالى القسمين بقوله ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ ذكر القسم الثالث هنا ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله﴾ واللطيفة في الآية أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر، وخسَّة المنافق الكافر، فقال هناك: أُوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم ويكون قلبه مطمئناً بالإِيمان، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي ولئن جاء نصر قريب للمؤمنين، وفتح ومغانم قال أولئك المذبذبون: إنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، فقاسمونا فيما حصل لكم من الغنائم قال تعالى رداً عليهم ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين﴾ ؟ استفهام تقرير أي أوليس الله هو العالم بما انطوت عليه الضمائر من خير وشر، ولما في قلوب الناس من إِيمان ونفاق؟ بلى إِنه بكل شيء عليم، ثم أكد تعالى ذلك بقوله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ أي وليُظهرنَّ الله لعباده حال المؤمنين وحال المنافقين حتى يتميزوا فيفتضح المنافق، ويظهر شرف المؤمن الصادق قال المفسرون: والمراد ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله﴾ إِظهار علمه للناس حتى يصبح معلوماً لديهم، وإِلا فالله عالم بما كان، وما يكون، وما هو كائن لا تخفى عليه خافية، فهو إِذاً علمٌ إِظهار وإِبداء، لا علمُ غيبٍ وخفاء بالنسبة لله تعالى، وقد فسَّر ابن عباس العلم بمعنى الرؤية ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي قال الكفار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا، واتَّبعوا ديننا ونحن نحمل عنكم الإِثم والعقاب، إِن كان هناك عقاب قال ابن كثير: كما يقول القائل: افعلْ هذا وخطيئتك في عنقي، فإِن قيل ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ صيغة أمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول: الصيغةُ أمرٌ والمعنى شرطٌ وجزاء أي إِن اتبعتمونا حملنا خطاياكم ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي وما هم حاملين شيئاً من خطاياهم، لأنه لا يحمل أحدٌ وزر أحد ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي وإِنهم لكاذبون في ذلك، ثم قال تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي وليحملُنَّ أوزارهم وأوزار من أضلوهم دون أن ينقص من أزوار أولئك شيء كما في الحديث
«ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتّبعه من غير أن يَنْقص من آثامهم» ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة﴾ أي وليسألنَّ سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي
стр. 961
عما كانوا يختلقونه من الكذب على الله ، ثم ذكر تعالى لرسوله صلى الله عيه وسلم قصة نوح تسليةً له عما يلقاه من أذى المشركين فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ أي ولقد بعثنا نوحاً إلى قومه فمكث فيهم تسعمائة وخمسين سنة سنة يدعوهم إلى توحيد الله جلَّ وعلا، وكانوا عبدة أصنام فكذبوه ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي فأهلكهم الله بالطوفان وهم مصرّون على الكفر والضلال قال أبو السعود: والطوفان: كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة، من السيل والريح والظلام، وقد غلب على طوفان الماء قال الرازي: وفي قوله ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ إِشارة إلى لطيفة، وهي أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم، وإِنما يعذب على الإِصرار على الظلم ولهذا قال ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ يعني أهلكهم وهم على ظلمهم ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ أي فأنجينا نوحاً من الغرق ومن ركب معه في السفينة من أهله وأولاده وأتباعه المؤمنين ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي وجعلنا تلك الحادثة الهائلة عظة وعبرة للناس بعدهم يتعظون بها ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه﴾ قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله «إِبراهيم» إِمام الحنفاء، أنه دعا قومه إِلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإِخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده، وتوحيده في الشكر فإِنه المشكور على النعم لا مُسدي لها غيره ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي عبادة الله وتقواه خير لكم من عبادة الله الأوثان إِن كنتم تعلمون الخير من الشر وتفرقون بينهما ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أي أنتم لا تعبدون شيئاً ينفع أو يضر، وإِنما تعبدون أصناماً من حجارة صنعتموها بأيديكم ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ أي وتصنعون كذباً وباطلاً قال ابن عباس: تنحتون وتصورون إِفكاً ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ أي إِن هؤلاء الذين تعبدونهم لا يقدرون على أن يرزقوكم ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ أي فاطلبوا الرزق من الله وحده، فإِنه القادر على ذلك ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ﴾ أي وخصوه وحده بالعبادة واخشعوا واخضعوا له، واشكروه على نعمة التي أنعم بها عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي إِليه لا إِلى غيره مرجعكم يوم القيامة فيجازي كل عاملٍ بعمله ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد أي وإِن تكذبوني فلن تضروني بتكذيبكم وإِنما تضرون بأنفسكم فقد سبق قبلكم أمم كذبوا رسلهم فحلَّ بهم عذاب الله، وسيحل بكم ما حلَّ بهم ﴿وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين﴾ أي وليس على الرسول إِلا تبليغ أوامر الله، وليس عليه هداية الناس قال الطبري: ومعنى ﴿البلاغ المبين﴾ أي الذي يبينُ لمن
стр. 962
سمعه ما يُراد به، ويفهم منه ما يعني به ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الاستفهام لتلوبيخ لمنكري الحشر أي أولم ير المكذبون بالدلائل الساطعة كيف خلق تعالى الخلق ابتداءً من العدم، فيستدلون بالخلقة الأولى على الإِعادة في الحشر؟ قال قتادة: المعنى أولم يروا بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعيد الله الأجسام بعد الموت؟ ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي سهل عليه تعالى فكيف ينكرون البعث والنشور؟ فإِن من قدر على البدء قدر على الإِعادة، قال القرطبي: ومعنى الآية على ما قاله البعض: أولم يروا كيف يبدئ الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبداً، وكذلك يبدأ خلق الإِنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولد ولداً، وكذلك سائر الحيوان، فإِذا رأيتم قدرته على الإِبداء والإِيجاد، فهو القادر على الإِعادة لأنه إِذا أراد أمراً قال له كن فيكون ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق﴾ أي قل لهؤلاء المنكرين للبعث سيروا في أرجاء الأرض فانظروا كيف أن الله العظيم القدير خلق الخلق علىكثرتهم وتفاوت هيئاتهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إِلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم الله، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله ! ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة﴾ أي ثم هو تعالى ينشئهم عند البعث نشأةً أخرى ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لا يعجزه تعالى شيء ومنه البدء والإِعادة ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي وإِليه تُرجعون يوم القيامة ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ أي لا تفوتون من عذاب الله، وليس لكم مهربٌ في الأرض ولا في السماء قال القرطبي: والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله كقوله
﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي ليس لكم غير الله وليٌّ يحميكم من بلائه، ولا نصير ينصركم من عذابه ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ﴾ أي كفروا بالقرآن والبعث ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ أي أولئك المنكرون الججاحدون قنطوا من رحمتي قال ابن جرير: وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب ﴿وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لهم عذاب موجع مؤلم ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ أي فما كان ردُّ قومه عليه حين دعاهم إلأى الله ونهاهم عن الأصنام إِلا أن قال كبراؤهم المجرمون: اقتلوه لتستريحوا منه أو حرّقوه بالنار ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار﴾ أي فألقوه في النار فجعلها برداً وسلاماً عليه ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إِنَّ في إِنجائنا لإِبراهيم من النار لدلائل وبراهين ساطعة على قدرة الله لقوم يصدقون بوجود الله وكمال قدرته وجلاله ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أي قال إبراهيم لقومه توبيخاً لهم وتقريعاً: إِنما عبدتم هذه الأوثان والأصنام وجعلتموها آلهة مع الله ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ أي من أجل أن تدوم المحبة والألفة بينكم في هذه الحياة باجتماعكم على عبادتها ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي ثم في الآخرة ينقلب الحال فتصبح هذه الصداقة والمودة عداوةً وبغضاء
стр. 963
حيث يقع التناكر ويتبرأ القادة من الأتباع ويلعن الأتباع القادة، لأن صداقتهم في الدنيا لم تكن من أجل الله ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي ومصيركم جميعاً جهنم وليس لكم ناصر أو معين يخلصكم منها ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي فآمن معه لوط وصدَّقه وهو ابن أخيه وأول من آمن به لما رأى من الآيات الباهرة ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ أي وقال الخليل إِبراهيم، إِني تاركٌ وطني ومهاجر من بلدي رغبة في رضى الله قال المفسرون: هاجر من سواد العراق إلأى فلسطين والشام ابتغاء إِظهار الدين والتمكن من نشره ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم﴾ أي هو العزيز الذي لا يذل من اعتمد عليه، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ أي وهبنا لإِبراهيم - لما فارق قومه في الله - ولداً صالحاً هو إِسحق وولد ولدٍ وهو يعقوب بن اسحاق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ أي خصصناه بهذا الفضل العظيم حيث جعلنا كل الأنبياء بعد إِبراهيم من ذريته، وجعلنا اللكتب السماوية نازلةً على الأنبياء من بنيه قال ابن كثير: وهذه خصلة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إِياه خليلاً، وجعله إِماماً للناس، أن جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فل يوجد نبيٌ بعد إِبراهيم إِلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إِسرائيل من سلالة ولده «يعقوب» ولم يوجد نبي من سلالة «إسماعيل» سوى النبي العربي عليه أفضل الصلاة والتسليم ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا﴾ أي وتركنا له الثناء الحسن في جميع الأديان ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي وهو في الآخرة في عداد الكاملين في الصلاح، وهذا ثناءٌ عظيم على أب الأنبياء إبراهيم ﵇.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع فيما يلي:
١ - الاستفهام للتقريع والتوبيخ والإِنكار ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا﴾ .
٢ - الطباق بين ﴿صَدَقُواْ.
. والكاذبين﴾ وبين ﴿آمَنُواْ. . والمنافقين﴾ وبين ﴿يُعَذِّبُ. . وَيَرْحَمُ﴾ وبين ﴿يُبْدِئُ. . يُعِيدُهُ﴾ .
٣ - التأكيد بإِنَّ واللام ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ لأن المخاطب منكر.
٤ - صيغة المبالغة ﴿السميع العليم﴾ .
٥ - الجناس غير التام ﴿يَسِيرٌ. . وسِيرُواْ﴾ .
٦ - التشبيه المرسل المجمل ﴿فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ حذف منه وجه الشبه فهو مجمل.
٧ - التفنن في التعبير ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ لم يقل إِلا خمسين سنة تفنناً لأن التكرار في الكلام الواحد مخالف للبلاغة إِلا إِذا كان لغرضٍ من تفخيم أو تهويل مثل ﴿القارعة مَا القارعة﴾ .
٨ - أسلوب الإِطناب ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً. . إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ لغرض التشنيع عليهم في عبادة الأوثان.
٩ - أسلوب الإِيجاز ﴿اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ أي حرقوه في النار ثم قال ﴿فَأَنْجَاهُ الله﴾ أي ففعلوا فأنجاه الله من النار.
١٠ - الاستعارة اللطيفة ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ شبّه الذنوب بالأثقال لأنها تثقل كاهل الإنسان.
стр. 964
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة نوح وإِبراهيم، وما فيهما من مواطن العظة والعبرة، ذكر هنا قصص الأنبياء «لوط، شعيب، هود، صالح» على سبيل الاختصار لبيان عاقبة الله في المكذبين. . وكلُّ ذلك لتأكيد ما ورد في صدر السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة، وأنه من السنن الكونية على مر العصور والدهور.
اللغَة: ﴿الفاحشة﴾ الفعلة المتناهية في القبح قال أهل اللغة: الفاحشةُ: القبيح الظاهر قبحه، وكل فعلٍ زاد في القبح والشناعة فهو فاحشة ﴿نَادِيكُمُ﴾ النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم للسَّمر أو المشورة أو غيرهما ﴿تَعْثَوْاْ﴾ العُثُوُّ والعُثيُّ أشدُّ الفساد يقال: عثي يعثى، وعثا يعثو بمعنى
стр. 965
واحد ﴿رِجْزاً﴾ عذاباً ﴿جَاثِمِينَ﴾ جثم: إِذا قعد على ركبتيه ﴿سَابِقِينَ﴾ فائتين من عذابنا ﴿أَوْهَنَ﴾ أضعف، والوهنُ: الضعف.
التفسِير: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي واذكر رسولنا لوطاً ﵇ حين قال لقومه ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ أي إِنكم يا معشر القوم لترتكبون الفعلة المتناهية في القبح ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين﴾ أي لم يسبقكم بهذه الشنيعة، والفعلة القبيحة - وهي اللواطة - أحدٌ من الخلق، ثم فسر تلك الشنيعة فقال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ أي إِنكم لتأتون الذكور في الأدبار وذلك منتهى القذارة والخسَّة قال المفسرون: لم يقدم أحد قبلهم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإِفراط قبحها حتى أقدم عليها قوم لوط، ولم ينز ذكرٌ على ذكر قبل قوم لوط ﴿وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ أي وتقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال، وكانوا قطاع الطريق قال ابن كثير: كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ أي وتفعلون في مجلسكم ومنتداكم ما لا يليق من أنواع المنكرات علناً وجهاراً، أما كفاكم قبحُ فعلكم حتى ضممت إِليه قبح الإِظهار!؟ قال مجاهد: كانوا يأتون الذكور أمام الملأ يرى بعضهم بعضاً، وقال ابن عباس: كانوا يحذفون بالحصى من مرَّ بهم مع الفحش في المزاح، وحل الإِزار، والصفير وغير ذلك من القبائح ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ أي فما كان ردُّ قومه عليه حين نصحهم وذكرهم وحذَّرهم ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله﴾ أي إِلا أن قالوا على سبيل الاستهزاء: ائتنا يا لوط بالعذاب الذي تعدنا به ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي كنت صادقاً فيما تهددنا به من نزول العذاب قال الإِمام الفخر: فإِن قيل إِن الله تعالى قال هاهنا ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا﴾ وقال في موضع آخر ﴿إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦] فكيف وجه الجمع بينهما؟ فنقول: إِن لوطاً كان ثابتاً على الإِرشاد، مكرراً عليهم النهي والوعيد، فقالوا أولاً: ائتنا بعذاب الله، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا آل لوط، ثم إِن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله ﴿قَالَ رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ أي قال لوط ربّ أهلكهم وانصرني عليهم فإِنهم سفهاء مفسدون لا يُرجى منهم صلاح وقد أغرقوا في الغيّ والفساد قال الرازي: واعلم أن نبياًمن الأنبياء ما طلب هلاك قوم إِلا إِذا علم أن عدمهم خير من وجودهم كما قال نوح
﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٧] فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، ولا يرجى منهم صلاح في المآل طلب لهم العذاب ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ المراد بالرسل هنا «الملائكة» والبشرى هي تبشير إبراهيم بالولد، أي لما جاءت الملائكة تبشّر إِبراهيم بغلام حليم ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ أي جئنا لنهلك قرية قوم لوط ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي لأنَّ أهلها ممعنون في الظلم والفساد، طبيعتهم البغيُ والعناد قال المفسرون: لما دعا لوط على قومه، استجاب الله دعاءه، وأرسل ملائكته لإِهلاكهم، فمروا بطريقهم على إِبراهيم أولاً فبشروه بغلامٍ وذرية
стр. 966
صالحة، ثم أخبروه بما أُرسلوا من أجله، فجادلهم بشأن ابن أخيه لوط ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي كيف تهلكون أهل القرية وفيهم هذا النبي الصالح «لوط» ؟ ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ أي نحن أعلم به وبمن فيها من المؤمنين قال الصاوي: وهذا بعد المجادلة التي تقدمت في سورة هود ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] حيث قال لهم: أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، إِلى أن قال: أفرأيتم إِن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا فقال لهم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ فأجابوه بقولهم ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ثم بشروه فإِنجاء لوط والمؤمنين ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ أي سوف ننجيه مع أهله من العذاب، إِلا امرأته فستكون من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على الكفر، ثم ساروا من عنده فدخلوا على «لوط» في صورة شبان حسان ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي ولما دخلوا على لوط حزن بسببهم، وضاق صدره من مجيئهم لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم من قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه ﴿وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ أي لا تخف علينا ولا تحزن بسببنا، فلن يصل هؤلاء المجرمون إِلينا ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ أي كانت من الهالكين الباقين في العذاب ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي منزلون عليهم عذاباً من السماء بسبب فسقهم المستمر قال ابن كثير: وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وأرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل مكانها بحيرةً خبيثةً منتنة، وجعلهم عبرةً إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي ولقد تركنا من هذه القرية علامةً بينةً واضحة، هي آثار منازلهم الخربة ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي لقومٍ يتفكرون ويتدبرون ويستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، ثم أخبر تعالى عن قصة شعيب فقال ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي وأرسلنا إلى قوم مدين أخاهم شعيباً ﴿فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر﴾ أي فقال لقومه ناصحاً ومذكراً: يا قوم وحّدوا الله وخافوا عقابه الشديد في اليوم الآخر ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ أي لا تسعوا بالإِفساد في الأرض بأنواع البغي والعدوان ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ أي فكذبوا رسولهم شعيباً فأهلكهم الله برجفةٍ عظيمة مدمرة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي فأصبحوا هلكى باركين على الركب ميتين ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي وأهلكنا عاداً وثمود، وقد ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آيتنا في هلاكهم أفلا يعتبرون؟ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ أي وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي حتى رأوها حسنة ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي فمنعهم عن طريق الحق، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، لكنهم لم يفعلوا تكبراً وعناداً ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ أي وأهلكنا كذلك الجبابرة الظالمين، ﴿قَارُونَ﴾ صاحب الكنوز الكثيرة ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾ صاحب الملك والسلطان، ووزيره ﴿وَهَامَانَ﴾ الذي كان يُعينُه على الظلم والطغيان ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ أي ولقد جاءهم موسى بالحجج الباهرة،
стр. 967
والآيات الظاهرة ﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي فاستكبروا عن عبادة الله وطاعة رسوله ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي وما كانوا ليفلتوا من عذابنا قال الطبري: أي ما كانوا ليفوتونا بل كنا مقتدرين عليهم ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي فكلاً من هؤلاء المجرمين أهلكناه بسبب ذنبه وعاقبناه بجنايته قال ابن كثير: أي وكانت عقوبته بما يناسبه ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي ريحاً عاصفة مدمرة فيها حصباء «حجارة» كقوم لوط ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ أي ومنهم من أخذته صيحةُ العذاب مع الرجفة كثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ أي خسفنا به وبأملاكه الأرض حتى غاب فيها كقارون وأصحابه ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ أي أهلكناه بالغرق كقوم نوح وفرعون وجنده ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي وما كان الله ليعذبهم من غير ذنب فيكون لهم ظالماً ﴿ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ولكن ظلموا أنفسهم فاستحقوا العذاب والدمار، ثم ضرب تعالى مثلاً للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله فقال ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ أي مثل الذين اتخذوا من دون الله أصناماً يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي وإِن أضعف البيوت لبيتُ العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ما عبدوها ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ أي هو تعالى عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك، وسيجازيهم على كفرهم ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي وهو جل وعلا العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي وتلك الأمثال نبينها للناس في القرآن لتقريبها إلى أذهانهم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي وما يدركها ويفهمها إِلا العالمون الراسخون، الذين يعقلون عن اللع مراده ﴿خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي خلقهما بالحق الثابت لا على وجه العبث واللعب ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إِن في خلقهما بذلك الشكل البديع، ولاصنع المحكم لعلامة ودلالة للمصدقين بوجود الله ووحدانيته ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ أي اقرأ يا محمد هذا القرآن المجيد الذي أوحاه إِليك ربك، وتقرّب إِليه بتلاوته وترداده، لأن فيه محاسن الآداب ومكارم الأخلاق ﴿وَأَقِمِ الصلاة﴾ أي دم على إِقامتها بأركانها وشروطها وآدابها فإِنها عماد الدين ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ أي إِنَّ الصلاة الجامعة لشروطها وآدابها، المستوفية لخشوعها وأحكامها، إِذا أداها المصلي كما ينبغي، وكان خاشعاً في صلاته، متذكراً لعظمة ربه، متدبراً لما يتلو، نهته عن الفواحش والمنكرات ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ أي ولذكر الله أكبر من كل شيء في الدنيا، وهو أن تتذكر عظمته وجلاله، وتذكره في صلاتك وفي بيعك وشرائك، وفي أمور حياتك ولا تغفل عنه في جميع شؤونك ﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها أحسن المجازاة، قال أبو العالية: إن الصلاة فيهاثلاث خصال: الإِخلاص، والخشية، وذكر الله؛ فالإِخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله -
стр. 968
القرآن - يأمره وينهاه فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التأكيد بعده مؤكدات والاطناب بتكرار الفعل تهجيناً لعملهم القبيح وتوبيخاً ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة. . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ الآية.
٢ - الاستهزاء والسخرية ﴿ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وجواب الشرط محذوف دل عليه السابق أن إِن كنت صادقاً فائتنا به.
٣ - التنكير لإِفادة التهويل ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ أي رجزاً عظيماً هائلاً.
٤ - تقديم المفعول للعناية والاهتمام، والإِجمال ثم التفصيل ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ الخ.
٥ - التشبيه التمثيلي ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ شبَّه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتاً ضعيفاً واهياً يتهاوى من هبة نسيم أو من نفخة فم، وسمي تمثيلياً لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد.
٦ - توافق الفواصل في الحرف الأخير وما فيه من جرس عذب بديع مثل ﴿انصرني عَلَى القوم المفسدين. . إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ومثل ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت﴾ ومثل ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ. . آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الخ وهو من خصائص القرآن.
تنبي: أفادت الآية أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ َ لما قيل له: إِن فلاناً يصلي الليل سرق فقال: «ستمنعه صلاته» رواه البزار، يريد ﵇ أن الصلاة إذا كانت على الوجه الأكمل، تنهى صاحبها عن الفحشاء، ولا تزيده بعداً بل تزيده قرباً.
стр. 969
المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى ضلال من اتخذ أولياء من دون الل، وضرب المثل ببيت العنكبوت، أمر هنا بالتلطف في دعوة أهل الكتاب إلى الإِيمان، ث ذكر البارهين القاطعة على صدق محمد ﷺ َ وصحة القرآن، وختم السورة الكريمة ببيان المانع من التوحيد وهو اغترار الناس بالحياة الدنيا الفانية، وبيَّن أن المشركين يوحدون الله وقت الشدة، وينسونه وقت الرخاء.
اللغَة: ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة يقال: بَغَتَه إذا دهمه على حين غفلة ﴿يَغْشَاهُمُ﴾ يجللهم ويغطيهم من فوقهم، والغشاء: الغطاء ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بوَّاه: أنزله في لمكان على وجه الإِقامة ﴿غُرَفَاً﴾ منازل رفيعة عالية في الجنة ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرفون عن الحق إلى الباطل ﴿يَبْسُطُ﴾ يوسّع ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق ﴿مَثْوًى﴾ المكان اليذي يقيم فيه الإِنسان.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن النبي ﷺ َ أمر المؤمنين بالهجرة حين آذاهم المشركون فقال لهم: اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا الظلمة، قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا ولا من يسقينا فنزلت ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تدعو أهل الكتاب إلى الإِسلام وتناقشوهم في أَمر الدين إلا بالطريقة الحسنى كالدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه وبيناته ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ أي إلا من كان ظالماً، محارباً لكم، مجاهداً في عداوتكم،
стр. 970
فجادلوهم بالغلظة والشدة قال الإِمام الفخر: إن المشرك لما جاء بالمكر الفظيع كان اللائق أن يُجادل بالأخشن، ويُبالغ في توهين شبهه وتهجين مذهبه، وأما أهل اكلتاب فإنهم آمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل إلا الاعتراف بالنبي ﵇، فلمقابلة إحسانهم يُجادلون بالأحسن إلا الذين ظلموا منهم بإثبات الولد لله، والقول بثلاث ثلاثة فإنهم يُجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم، وتين جهالتهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي وقولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أُنزل إلينا وبالتوراة والإِنجيل التي أنزلت إليكم، قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسورنها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ َ: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ﴿وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي ربنا وربكم واحد لا شريك له في الألوهية، ونحن له مطيعون، مستسلمون لحكمه وأمره ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد وأمره ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي فالذين أعطيناهم الكتاب كعبد الله ابن سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى يؤمنون بالقرآن ﴿وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أي ومن أهل مكة من يؤمن بالقرآن كذلك ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ أي وما يكذب بآياتنا وينكرها مع ظهورها وقيام الحجة عليها إلا المتوغلون في الكفر، المصرّون على العناد قال قتادة: وإنما يكون الجحود بعد المعرفة ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي وما كنتَ يا محمد تعرف القراءة ولا الكتابة قبل نزول هذا القرآن لأنك أميٌ قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ َ أمياً لا يقرأ شيئاً ولا يكتب ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾ أي لو كنت تقرأ أو تكتب إذاً لشك الكفار في القرآن وقالوا؛ لعله التقطه من كتب الأوائل ونسبه إلأى الله، والآيةُ احتجاجٌ على أن القرآن من عند الله، لأنه النبي أميّ وجاءهم بهذا الكتاب المعجز، المتضمن لأخبار الأمم اسابقة، والأمور الغيبية، وذلك أكبر برهان على صدقه ﷺ َ قال ابن كثير: المعنى قد لبثت في قومك يا محمد - من قبل أن تأتي بهذا القرآن - عمراً لا تقرأ كتاباً، ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك يعرف أنك أميٌ لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا كان رسول الله ﷺ َ دائماً إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة، ولا يخط حرفاً ولا سطراً بيده، بل كان له كتَّاب يكتبون له الوحي ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم﴾ ﴿بَلْ﴾ للإِضراب أي ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون بل هو آيات واضحاتُ الإِعجاز، ساطعات الدلالة على أنها من عند الله، محفوظة في صدور العلماء، قال المفسرون: من خصائص القرآن العظيم أنَّ الله حفظه من التبديل والتغيير بطريقين: الأول: الحفظُ في السطور، والثاني: الحفظُ في الصدور، بخلاف غيره من الكتب فإنها مسطْرة لديهم غير محفوظة في صدروهم ولهذا دخلها التحريف، وقد جاء في صفة هذه الأمة «أنا جيلُهم في صدروهم» وقال الحسن: أُعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم
стр. 971
إلا نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظ ما فيه إلا النبيّون ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون﴾ أي وما يكذب بها إلا المتجاوزون الحد في الكفر والعناد ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي وقال كفار مكة: هلاَّ أُنزل على محمد آيات خارقة من ربه تدل على صدقه مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى!! ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ أي قل لهم يا محمد: إنما أمر هذه الخوارق والمعجزات لله وليست بيدي، إن شاء أرسلها، وإن شاء منعها، وليس لأحدٍ دخلٌ فيها ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي وإنما أنا منذر أخوفكم عذاب الله، وليس من شأني أن آتي بالآيات ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ ؟ الاستفهام للتوبيخ أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي لا يزال يقرع أسماعهم؟ وكيف يطلبون آيةً والقرآن أعظم الآيات وأوضحها دلالة على صحة نبوتك؟ قال ابن كثير: بيَّن تعالى كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آياتٍ تدل على صدق محمد ﷺ َ، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة سورة منه، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم وأنت رجلٌ أميٌ لا تقرأ ولا تكتب، وجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى؟ ولهذا قال بعده ﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في إنزال هذا القرآن لنعمةً عظيمة على العباد بإنقاذهم من الضلالة، وتذكة بليغة لقوم غرضهم الإِيمان لا التعنت ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أي قل لهم: كفى أن يكون الله جلَّ وعلا شاهداً على صدقي، يسهد لي أني رسولُه ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، فلو كنتُ كاذباً عليه لانتقم مني ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي والذين آمنوا بالأوثان وكفروا بالرحمن، أولئك هم الكاملون في الخسران حيث اشتروا الكفر بالإِيمان ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ أي يستعجلك يا محمد المشركون بالعذاب يقولون
﴿أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو استعجال على جهة التكذيب والاستهزاء ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ أي لولا أن الله قدَّر لعذابهم وهلاكهم وقتاً محدوداً لجاءهم العذاب حين طلبوه ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي وليأتينهم فجأة وهم ساهون لاهون لا يشعرون بوقت مجيئه ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ تعجبٌ من قلة فطنتهم ومن تعنتهم وعنادهم والمعنى: كيف يستعجلون العذاب والحال أن جهنم محيطةٌ بهم يوم القيامة كإحاطة السوار بالمعصم، لا مفرَّ لهم منها؟ ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم بهم فقال ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي يوم يجللهم العذاب ويحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، ومن جميع جهاتهم ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ويقول الله لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا من الاستهزاء والإِجرام، وسيء الأعمال، ثم لما بيَّن تعالى حال المكذبين الجاحدين، أعقبه بذكر حال الأبرار المتقين فقال ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ خطابُ تشريفٍ للتحريض على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام أي يا من شرفكم الله بالعبودية له هاجروا من مكة إن كنتم في ضيق من إظهار الإِيمان فيها،
стр. 972
ولا تجاوروا الظلمة فأرضُ الله واسعة قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة ﴿فَإِيَّايَ فاعبدون﴾ أي فخصوني بالعبادة ولا تعبدوا أحداً سواي ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي أينما كنتم يدرككم الموتُ، فكنوا دائماً وأبداً في طاعة الله، وحيث أُمرتم فهاجروا فإن الموت لا بدَّ منه ولا محيد عنه، ثم إلأى الله المرجع والمآب ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جمعوا بيت إخلاص العقيدة وإخلاص العمل ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ أي لننزلنَّهم أعالي الجنة ولنسكننهم منازل رفيعة فيها ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تجري من تحت أشجارها وقصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها إلى غير نهاية لا يخرجون منها أبداً ﴿نِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي نعمت تلك المساكن العالية في جناتِ النعيم أجراً للعاملين ﴿الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذا بيانٌ للعاملين أي هم الذين صبروا على تحمل المشاقّ من الهجرة والأذى في سبيل الله، وعلى ربهم يعتمدون في جميع أمورهم قال في البحر: وهذان جماع الخير كله: الصبر، وتفويض الأمر إلأيه تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي كم من دابة ضعيفة لا تقدر على كسب رزقها ولكنَّ الله يرزقها مع ضعفها ﴿الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي الله تعالى يرزقها كما يرزقكم، وقد تكفل برزق جميع الخلق، فلا تخافوا الفقر إن هاجرتم، فالرازق هو الله قال في التسهيل: والقصدُ بالآية التقوية لقلوب المؤمنين إذا خافوا الفقر والجوع في الهجرة من أوطانهم، فكما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي هو السميع لأقوالكم، العليمُ بأحوالكم، ثم عاد الحديث إلى توبيخ المشركين في عبادة غير الله فقال ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله﴾ أي ولئن سألت المشركين من خلق العالم العلوي والسفلي وما فيهما من العجائب والغرائب؟ ومن ذلَّل الشمس والقمر وسخرهما لمصالح العباد يجريان بنظام دقيق؟ ليقولون: الله خالق ذلك ﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف يُصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟ ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي هو جلَّ وعلا الخالق وهو الرازق، يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده امتحاناً، ويضيّق الرزق على من يشاء ابتلاءً، ليظهر الشاكر والصابر ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي إنه تعالى واسع العلم يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله﴾ توبيخٌ آخر وإقامة حجة أخرى عليهم أي ولئن سألت المشركين من الذي أنزل المطر من السماء فأخرج به أنواع الزروع والثمار بعد جدب الأرض ويبسها؟ ليقولون: الله فاعلُ ذلك ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي قل يا محمد: حمداً لله على ظهور الحجة، بل أكثرهم لا يعقلون، حيث يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون غيره ﴿وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي سريعاً ويزول، كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان﴾ أي وإن الآخرة لهي الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا تنغيص ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان عندهم علم لم يُؤْثروا دار الفناء على دار البقاء،
стр. 973
لأن الدنيا حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضه، ولقد أحسن من قال
تأملْ في الوجود بعين فكر ... ترى الدنيا الدنيَّة كالخيال
ومَنء فيها جميعاً سوف يفنى ... ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال
﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ إقامة حجة ثالثة على المشركين في دعائهم الله عند الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء والمعنى إذا ركبوا في السفن وخافوا الغرق دعوا الله مخلصين له الدعاء، لعلمهم أنه لا يكشف الشدائد عنهم إلاّ هو، وفي لفظ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ ضربٌ من التهكم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي فلما خلَّصهم من أهوال البحر، ونجاهم إلى جانب البر إذا هم يعودون إلى كفرهم وإشراكهم، ناسين ربهم الذي أنقذهم من الشدائد والأهوال ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ أمرٌ على وجه التهديد أي فليكفروا بما أعطيناهم من نعمة الإِنجاء من البحر، وليتمتعوا في هذه الحياة الدنيا بباقي أعمارهم، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي أولم ير هؤلاء الكفار، رؤية تفكر واعتبار، أنا جعلنا بلدهم «مكة» حرماً مصوناً عن السلب والنهب، آناً أهله من القتل والسبي، والناسُ حولهم يُسبون ويقتلون؟ قال الضحاك: ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي يقتل بعضُهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ﴾ أي أفبعد هذه النعم الجليلة يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَآءَهُ﴾ أي لا أحد أظلم ممن عبد غير الله وكذَّب بالقرآن حين جاءه ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ؟ أي أليس في جهنم مأوى وموضع إقامة للكافرين بآيات الله جزاء افترائهم وكفرهم؟ ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي والذين جاهدوا النفس والشيطان والهوى ولكفرة أعداء الدين ابتغاء مرضاتنا لنهدينهم طريق السير إلينا ﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ أي مع المؤمنين بالنصر والعون.
البّلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التحضيض ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ .
٢ - الطباق ﴿آمَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله﴾ .
٣ - إفادة القصر ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي لا غيرهم.
٤ - الإطناب بذكر العذاب مراتٍ للتشينع على المشركين ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب﴾ الخ.
٥ - الإضافة للتشريف والتكريم ﴿ياعبادي الذين آمنوا﴾ .
٦ - الطباق ﴿يَبْسُطُ الرزق. . وَيَقْدِرُ﴾ ومثله ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ﴾ .
٧ - المجاز العقلي ﴿حَرَماً آمِناً﴾ أي آمناً أهله.
٨ - التشبيه البليغ ﴿وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي كاللهو وكاللعب حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً على حد قولهم: «زيدٌ أسد» .
стр. 974
٩ - الإِيجاز بحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كانوا يعلمون لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولا الفانية على الباقية.
١٠ - مراعاة الفواصل لما لها من وقع عظيم على السمع يزيد الكلام رونقاً وجمالاً مثل ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ﴾ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ الخ.
تنْبيه: لا ينبغي لمسلمٍ أن يبقى بأرض لا يتيسر له فيها عبادة الله، فأرض الله واسعة، وقد أشارت الآيات إلى وجوب الهجرة إلى دار الإِسلام وكما قيل «وكل مكان يُنبت العزَّ طيّب» .
стр. 975
اللغّة: ﴿يَغْلِبُونَ﴾ يهزمون ويُقهرون ﴿أَثَارُواْ الأرض﴾ حرثوها وقلبوها للزراعة ﴿السواءى﴾ تأنيث الأسوء وهو الأقبح كما أن الحُسنى تأنيث الأحسن، والسُّوءى: العقوبة المتناهية في السوء ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسرون يقال: حبره إِذا سرَّه سروراً تهلَّل له وجهه وظهر عليه أثره قال الجوهري: الحبور: السرور، ويحُبرون: يُنعمون ويُسرون ﴿عَشِيّاً﴾ العشي: من صلاة المغرب إِلى العتمة ﴿تُظْهِرُونَ﴾ تدخلون وقت الظهيرة.
التفسِير: ﴿الم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن ﴿غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض﴾ أي هُزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلى فارس ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس وينتصرون عليهم ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام، والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع قال المفسرون: كان بين فارس والروم حربٌ، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ َ وأصحابه فشقَّ ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك لأن أهل فارس كانوا مجوساً ولم يكن لهم كتاب، والرومُ أصحاب كتاب فقال المشركون
стр. 976
لأصحاب رسول الله ﷺ َ إِنكم أهل كتاب، والروم أهل كتاب، ونحن أُميون، وقد ظهر إِخواننا من أهل فارس على إِخوانكم من الروم، فلنظهرنَّ عليكم فقال أبو بكر: لا يقرُّ الله أعينكم فأنزل الله ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وقد التفى الجسيشان في السنة السابعة من الحرب، وغلبت الرومُ فارس وهزمتهم، وفرح المسلمون بذلك قال أبو السعود: وهذه الآياتُ من البينات الباهرة، الشاهدة بصحة النبوة، وكون القرآن من عند الله حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إِلا العليم الخبير، ووقع كما أخبر، وقال البيضاوي: والآية من دلائل النبوة لأنها إِخبارٌ عن الغيب ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ أي لله الأمر أولاً وآخراً، من قبل الغلبة ومن بعد الغلبة، فكل ذلك بأمر الله وإرادته، ليس شيء منهما إِلا بقضائه قال ابن الجوزي: المعنى إِن غلبة الغالب، وخذلان المغلوب، بأمر الله وقضائه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله﴾ أي ويوم يهزم الروم الفرس ويتغلبون عليهم، ويحل ما وعده الله من غلبتهم يفرح المؤمنون بنصر الله لأهل الكتاب على المجوس، لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر قال ابن عباس: كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان، وعبدة النيران ﴿يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ أي ينصر من يشاء من عبادة، وهو العزيز بانتقامه من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه وأحبابه ﴿وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ﴾ أي ذلك وعدٌ مؤكد وعد الله به فلا يمكن أن يتخلف، لأنه وعده حق وكلامه صدق ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون ذلك لجهلهم وعدم تفكرهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ أي يعلمون أمور الدنيا ومصالحها وما يحتاجون إِليه فيها من أمور الحياة كالزارعة والتجارة والبناء ونحو ذلك قال ابن عباس: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبنون ﴿وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ أي وهم عميٌ عن أمر الآخرة، ساهون غافلون عن التفكر فيها والعمل لها قال الإِمام الفخر: ومعنى الآية أن علمهم منحصرٌ في الدنيا، وهم مع ذلك لا يعلمون الدنيا كما هي وإِنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارُّها ومتاعبها، ويعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها وهم عن الآخرة غافلون، ولعل في التعبير بقوله ﴿ظَاهِراً﴾ إِشارة إلى أنهم عرفوا القشور، ولم يعرفوا اللباب فكأن علومهم إِنما هي علوم البهائم ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي أولم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله العظيم الجليل ما خلق السماوات والأرض عبثاً، وإِنما خلقهما بالحكمة البالغة لإِقامة الحق لوقتٍ ينتهيان إِليه وهو يوم القيامة؟ قال القرطبي: وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوقٍ أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ أي وأكثر الناس منكرون جاحدون للبعث والجزاء ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي أولم يسافروا فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أُهلكوا بتكذيبهم رسلهم فيعتبروا!! ﴿كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي كانوا أقوى
стр. 977
منهم أجساداً، وأكثر أموالاً وأولاداً ﴿وَأَثَارُواْ الأرض وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي وحرثوا الأرضَ للزراعة، وحفروها لاستخراج المعادن، وعمروها بالأبنية المشيدة، والصناعات الفريدة أكثر مما عمرها هؤلاء قال البيضاوي: وفي الآية تهكم بأهل مكة من حيث إِنهم مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهم أضعف حالاً فيها، إِذ مدار أمرها على السعة في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجئون إلى دار لا نفع فيها ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ أي وجاءتهم الرسل بالمعجزات الواضحات والآيات البينات فكذبوهم ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي فما كان الله ليهلكهم بغير جُرم ﴿ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب فاستحقوا الهلاك والدمار ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذين أَسَاءُواْ السواءى﴾ أي ثم كان عاقبة المجرمين العقوبة التي هي أسوأ العقوبات وهي نار جهنم ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي لأجل أنهم كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا واستهزءوا بها ﴿الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي الله جل وعلا بقدرته ينشئ خلق الناس ثم يعيد خلقهم بعد موتهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي ثم إِليه مرجعكم للحساب والجزاء ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون﴾ أي ويوم تقوم القيامة ويُحْشر الناس للحساب يسكت المجرمون وتنقطع حجتهم، فلا يستطيعون أن ينسبوا ببنت شفة قال ابن عباس: ﴿يُبْلِسُ المجرمون﴾ ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون قال القرطبي: والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إِذا سكت وانقطعت حجته ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ أي ولم يكن لهم من الأصنام التي عبدوها شفعاء يشفعون لهم ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي تبرءوا منها وتبرأت منهم ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ كرر لفظ قيام الساعة للتهويل والتخويف لأن قيام الساعة أمر هائل أي ويوم تقوم القيامة يومئذٍ يتفرق المؤمنون والكافرون، ويصبحون فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، ولهذا قال ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي فأما المؤمنون المتقون الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي فهم في رياض الجنة يُسرون وينعمون ﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرة﴾ أي وأما الذين جحدوا بالقرآن وكذبوا بالبعث بعد الموت ﴿فأولئك فِي العذاب مُحْضَرُونَ﴾ أي فأوؤئك في عذاب جهنم مقيمون على الدوام ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي سبحوا الله ونزّهوه عما لا يليق به من صفات النقص، حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح ﴿وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي وهو جل وعلا المحمود في السماوات والأرض قال ابن عباس: يحمده أهل السماوات وأهلُ الأرض ويُصلون له، قال المفسرون: ﴿وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض﴾ جملة اعتراضية وأصل الكلام: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ والحكمة في ذلك الإِشارة إلى أن التوفيق للعبادة نعمةٌ ينبغي أن يحمد عليها، والعشي: من صلاة المغرب إلى العتمة، ﴿تُظْهِرُونَ﴾ أي تدخلون وقت الظهر ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي يخرج المؤمن من الكافر، والكافرون من المؤمن، والنبات من
стр. 978
الحب، والحبّ من النبات، والحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان ﴿وَيُحْي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي ويحيي الأرض بالنبات بعد يبسها وجدبها ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي كما يخرج الله النبات من الأرض كذلك يخرجكم من قبوركم للبعث يوم القيامة، قال القرطبي: بيَّن تعالى كمال قدرته، فكما يحيي الأرض بإِخراج النبات بعد همودها كذلك يحييكم بالبعث.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿غُلِبَتِ. . يَغْلِبُونَ﴾ وبين ﴿قَبْلُ. . وبَعْدُ﴾ .
٢ - طباق السلب ﴿لاَ يَعْلَمُونَ. . يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ .
٣ - صيغة المبالغة ﴿وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ أي المبالغ في العز، والمبالغ في الرحمة.
٤ - تكرير الضمير لإِفادة الحصر ﴿وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ ووردوها اسمية للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها.
٥ - الإِنكار والتوبيخ ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ﴾ الآية.
٦ - جناس الاشتقاق ﴿أَسَاءُواْ السواءى﴾ .
٧ - الطباق بين ﴿يَبْدَأُ. . ويُعِيدُهُ﴾ وبين ﴿تُمْسُونَ.
. وتُصْبِحُونَ﴾ .
٨ - المقابلة بين حال السعداء والأشقياء ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرة فأولئك فِي العذاب مُحْضَرُونَ﴾ .
٩ - الاستعارة اللطيفة ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ استعار الحيَّ للمؤمن، والميت للكافر، وهي استعارة في غاية الحسن الإِبداع والجمال.
١٠ - مراعاة الفواصل في الحرف الأخير لما له من أجمل الوقع على السمع مثل ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿فِي العذاب مُحْضَرُونَ﴾ .
لطيفَة: قال الزمخشري: دلَّ قوله تعالى ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ على أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها معبرٌ للآخرة، يتزود منها إِليها بالطاعة والأعمال الصالحة. ولقد أحسن من قال:
أبنيَّ إِن من الرجال بهيمةً ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطِنٌ بكل مصيبةٍ في ماله ... فإِذا أُصيب بدينة لم يشعر
стр. 979
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال الناس في الآخرة، وقدرته على البدء والإِعادة، ذكر هنا الأدلة على الربوبية والوحدانية، في خلق البشر، واختلاف الألسنة والصور، وإِحياء الأرض بالمطر، وفي قيام الناس ومنامهم، ثم ضرب الأمثال للمشركين في عبادتهم لغير الله مع أنه وحده الخالق الرازق.
اللغَة: ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية وهي العلامة على الربوبية والوحدانية ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ تتصرفون في شؤون معايشكم ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ لتميلوا إِليها وتألفوها ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون منقادون لإرادته ﴿المثل الأعلى﴾ الوصف الأعلى في الكمال والجلال ﴿القيم﴾ المستقيم الذي لا عوج فيه ﴿مُنِيبِينَ﴾ الإِنابة: الرجوع بالتوبة والإِخلاص.
التفسِير: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ أي ومن آياته الباهر الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق أصلكم «آدم» من تراب، وإِنما أضاف الخلق إِلى الناس ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لأن آدم أصل البشر ﴿ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ أي ثم أنتم تتطورون من نطفة إِلى علقة إِلى مضغة إِلى بشر عقلاء،
стр. 980
تتصرفون فيما هو قوام معايشكم قال ابن كثير: فسبحان من خلقهم ويسَّرهم وسخّرهم وصرّفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة!! ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أي من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لكم من صنفكم وجنسكم نساءً آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من جنسٍ آخر قال ابن كثير: ولو أنه تعالى جعل الإِناث من جنسٍ آخر، من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل النفرة، وذلك من تمام رحمته ببني آدم ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ أي لتميلوا إِليهن وتألفوهن ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي وجعل بين الأزواج والزوجات محبة وشفقة قال ابن عباس: المودة: حب الرجل امرأته، والرحمةُ شفقته عليها أن يصيبها بسوء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إِنَّ فيما ذكر لعبراً عظمية لقوم بتفكرون في قدرة الله وعظمته، فيدركون حكمته العلية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ أي ومن آياته العظيمة الدالة على كمال قدرته خلقُ السماوات في ارتفاعها واتساعها، وخلق الأرض في كثافتها وانخفاضها، واختلاف اللغات من عربيةٍ وعجمية، وتركية، ورومية، واختلاف الألوان من أبيض وأسود وأحمر، حتى لا يشتبه شخص بشخص، ولا إِنسان بإِنسان، مع أنهم جميعاَ من ذرية آدم ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي لمن كان من ذوي العلم والفهم والبصيرة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار﴾ أي ومن آياته الدالة على كمال قدرته نومكم في ظلمة الليل، ووقت الظهيرة بالنهار راحةً لأبدانكم ﴿وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ﴾ أي وطلبكم للرزق بالنهار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يسمعون سماع تفهم واستبصار ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أنه يريكم البرق خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث والمطر قال قتادة: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي وينزل المطر من السماء فينبت به الأرض بعد أن كانت هامدة جامدة لا نبات فيها ولا زرع ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إِن في ذلك المذكور لعبراً وعظاتٍ لقومٍ يتدبرون بعقولهم آلاء الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ أي ومن آياته الباهرة الدالة على عظمته أن تستمسك السماواتُ بقدرته بلا عمد، وأن تثبت الأرض بتدبيره وحكمته فلا تنكفئ بسكانها ولا تنقلب بأهلها ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي إِذا دعيتم إِلى الخروج من القبور، إِذا أنتم فوراً تخرجون للجزاء والحساب، لا يتأخر خروجكم طرفة عين قال المفسرون: وذلك حين ينفخ إِسرافيل في الصور النفخة الثانية ويقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمةٌ من الأولين والآخرين، إِلا قامت تنظر ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي وله جل وعلا كل من في السماوات والأرض من الملائكة والإِنس والجن ملكاً وخلقاً وتصرفاً لا يشاركه فيها أحد ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي جميعهم خاشعون خاضعون منقادون لأمره تعالى ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي وهو تعالى يُنشئ
стр. 981
الخلق من العدم، ثم يعيدهم بعد موتهم للحساب والجزاء ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي إِعادة الخلق أهونُ عليه من بدئه قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: الإِعادة أهون من البداءة، والبداءة عليه هنيّه قال المفسرون: خاطب تعالى العباد بما يعقلون، فإِذا كانت الإِعادة أسهل من الابتداء في تقديركموحكمكم، فإِن من قدر على الإِنشاء كان البعث أهون عليه حسب منطقكم وأصولكم ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فيه من الجلال والكمال، والعظمة والسلطان ﴿فِي السماوات والأرض﴾ أي يصفه به من فيهما وهو أنه الذي ليس كمثله شيء ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي القاهر لكل شيء الحكيم الذي كل أفعاله على مقتضى الحكمة والمصلحة، ثم وضّح تعالى بطلان عبادتهم للأوثان بمثل فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي ضرب لكم أيها القوم ربكم مثلاً واقعياً من أنفسكم ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده ومملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى؟ فإِذا لم يرض أحدكم لنفسه ذلك فكيف ترضون لله شريكاً له وهو في الأصل مخلوق وعبدٌ لله؟ ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ هذا من تتمة المثل أي لستم وعبيدكم سواءٌ في أموالكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، وأنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في أموالكم، فكيف رضيتم لله شريكاً في خلقه وملكه؟ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح نبيّن الآيات لقومٍ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال ﴿بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بلْ للإِضراب أي ليس لهم حجة ولا معذرة في إِراكهم بالله بل ذلك بمجرد هوى النفس بغير علم ولا برهان قال القرطبي: لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها، وتقليد الأسلاف في ذلك ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إِضلاله ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي ليس لهم من عذاب الله منقذٌ ولا ناصر ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي أخلص دينك لله وأقبل على الإِسلام بهمة ونشاط ﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلاً عن كل دين باطل إلأى الدين الحق وهو الإِسلام ﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ أي هذا الدين الحق الذي أمرناك بالاستقامة عليه هو خلقة الله التي خلق الناس عليها وهو فطرة التوحيد كما الحديث
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه» الحديث ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ أي لا تغيير لتلك الفطرة السليمة من جهته تعالى قال ابن الجوزي: لفظة لفظ النفي ومعناه النهي أي لا تبدلوا خلق الله فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها ﴿ذَلِكَ الدين القيم﴾ أي ذلك هو الدين المستقيم ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق حال كونكم منيبين إِلى ربكم أي راجعين إِليه بالتوبة وإِخلاص العمل، وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على
стр. 982
الوجه الذي يُرضي الله ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ أي لا تكونوا ممن أشرك بالله وعبد غيره ثم فسَّرهم بقوله ﴿مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيّروه وبدَّلوا فأصبحوا شيعاً وأحزاباً، كلٌ يتعصب لدينه، وكلٌ يعبد هواه ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي كل جماعة وفرقة متمسكون بما أحدثوه، مسرورون بما هم عليه من الدين المعوج، يحسبون باطلهم حقاً قال ابن كثير: أي لا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة - مما عدا أهل الإِسلام - فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ أي إِذا أصاب الناس شدةٌ وفقر ومرض وغير ذلك من أنواع البلاء ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي أفردوه تعالى بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إِلا الله تعالى، فلهم في ذلك الوقت إِنابة وخضوع ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي ثم إِذا أعطاهم السعة والرخاء والصحة وخلّصهم من ذلك الضر والشدة، إِذا جماعة منهم يشركون بالله ويعبدون معه غيره، والغرض من الآية التشنيعُ على المشركين، فإِنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أمرٌ على وجه التهديد أي ليكفروا بنعم الله، وليتمتعوا في هذا الدنيا فيسوف تعلمون أيها المشركون عاقبة تمتعكم بزينة الحياة ونعيمها الفاني ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين حجة واضحة قاهرة على شركهم، أو كتاباً من السماء فهو ينطق ويشهد بشركهم وبصحة ما هم عليه؟ ليس الأمر كما يتصورون، والمراد ليس لهم حجة بذلك ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي وإِذا أنعمنا على الناس بالخصب ولاسعة والعافية استبشروا وسروا بها ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي وإِن أصابهم بلاءً وعقوبة بسبب معاصيهم إِذا هم ييأسون من الرحمة والفرج قال ابن كثير: وهذا إِنكار على الإِنسان من حيث هو إِلا من عصمة الله، إِذا أصابته نعمة بطر، وإِذا أصابته شدة قنط وأيس ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي أولم يروا قدرة الله في البسط والقبض، وأنه تعالى يوسّع الخير في الدنيا لمن يشاء ويضيّق على من يشاء؟ فلايجب أن يدعوهم الفقر إِلى القنوط من رحمته تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إِن في المذكور لدلالة واضحة على قدرة الله لقومٍ يصدقون بحكة الخالق الرازق ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل﴾ أي فأعط العقريب حقَّه من البر ولاصلة وكذلك المسكين والمسافر الذي انقطع في سفره اعطه من الصَّدقة والإِحسان قال القرطبي: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق وبقدر، أمر من وسَّع عليه الرزق أن بعطي الفقير كفايته، ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي ﵇ والمراد هو وأُمته ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي ذلك الإِيتء والإِحسان خيرٌ للذين يبتغون بعملهم وجه الله ويريدون ثوابه ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً
стр. 983
لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ أي وما أعطيتم من أموالكم يا معشر الأغنياء على وجه الربا ليزيد مالكم ويكثر به، فلا يزيد ولا يزكو ولا يضاعف عند الله لأنه كسبٌ خبيثٌ لا يبارك الله فيه قال الزمخشري: هذه الآية كقوله تعالى
﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦] سواءً بسواء ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي وما أعطيتم من صدقةٍ أو إِحسان خالصاً لوجه الله الكريم ﴿فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي فأولئك هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب، الذين تضاعف لهم الحسنات ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي الله جل وعلا هو الخالق الرازق للعباد، يُخرج الإِنسان من بطن أمه عُرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر، ثم يرزقه بعد ذلك المال والمتاع والأملاك ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة، ليجازيكم على أعمالكم ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ﴾ ؟ أي هل يستطيع أحد ممن تعبدونهم من دون الله أن يفعل شيئاً من ذلك؟ بل الله تعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإِحياء والإِماتة ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه جل وعلا وتقدس ع ن ان يكون له شريك أو مثيل وتعالى عما يقول المشركون علواً كبيراً.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين قوله ﴿خَوْفاً. . وَطَمَعاً﴾ وبين ﴿يَبْسُطُ. . وَيَقْدِرُ﴾ وبين ﴿يُمِيتُكُمْ. . يُحْيِيكُمْ﴾ وبين ﴿يَبْدَؤُاْ. . ويُعِيدُ﴾ .
٢ - جناس الاشتقاق ﴿دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ﴾ .
٣ - المقابلة بين قوله ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ وبين ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ .
٤ - المجاز المرسل ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل أي توجه إلى الله بكليتك.
٥ - السجع المرصَّع كأنه الدرُّ المنظوم مثل ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. .﴾ الخ.
стр. 984
المنَاسَبَة: لما شنَّع على المشركين في عبادتهم لغير الله، ذكر في هذه الآيات الأسباب الموجبة للمحنة والابتلاء وهي الكفر، وانتشار المعاصي، وكثر الفجور والموبقات، التي بسببها نقل الخيرات وترتفع البركات، وضرب الأمثال بهلاك الأمم السابقة، تنبيهاً لقريش وأمراً لهم بالاعتبار بمن سبقهم من المشركين المكذبين كيف أهلكهم الله بسبب طغيانهم وإِجرامهم.
اللغَة: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون يقال: تصدَّع القوم إِذا تفرقوا ومنه الصداع لأنه يُفرِّق شعب الرأس ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يجعلون لهم مهداً ويوطئون لهم مسكناً، والمهاد: الفراش ﴿كِسَفاً﴾ جمع كسفة وهي القطعة ﴿الودق﴾ المطر ﴿مُبْلِسِينَ﴾ يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم من شدة اليأس ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون، والإِفك: الكذب ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.
التفسِير: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ أي ظهرت البلايا والنكبات في بر الأرض وبحرها بسبب معاصي الناس وذنوبهم قال البيضاوي: المراد بالفساد الجدب وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات، وكثرةُ المضار بشؤم معاصي الناس أو بكسبهم إِياه وقال ابن كثير: أي بانَ النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ أي ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بها جميعاً في الآخرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يتوبون ويرجعون عمّا هم عليه من المعاصي والآثام ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: سيروا في
стр. 985
البلاد فانظروا إلى مساكن الذين ظلموا كيف كان آخر أمرهم وعاقبة تكذيبهم للرسل، ألم يخرب الله ديارهم ويجعلهم عبرةً لمن يعتبر ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي كانوا كافرين بالله فأُهلكوا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم﴾ أي فتوجَّه بكليتك إلى الدين المستقيم دين الإِسلام، واستقم عليه في حياتك قال القرطبي: أي أقم قصدك واجعلْ جهتك اتباع الدين القيم يعني الإِسلام ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، الذي لا يقدر أحدٌ على ردِّه، لأن الله قضى به وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يومئذٍ يتفرقون، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي من كفر بالله فعليه أوزار كفره مع خلوده في النار المؤبدة ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي ومن فعل خيراً وأطاع الله فلأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح، ومهَّدت الفراش أي بسطته ووطأته ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ﴾ أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله الذي وعد به عباده المتقين ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ أي لا يحب الكافرين بل يمقتهم ويبغضهم، يجازي المؤمنين بفضله، والكافرين بعدله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ أي ومن آياته الدالة على كمال قدرته أن يرسل الرياح تسوق السحاب مبشرة بنزول المطر والإِنبات والرزق ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي ولينزل عليكم من رحمته الغيث الذي يجيي به البلاد والعباد ﴿وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ أي ولتسير السفن في البحر عند هبوب الرياح بإِذنه وإِرادته ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي ولتطلبوا الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا نعم الله الجليلة عليكم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ﴾ تسلية للرسول وتأنيس له بقرب النصر أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً كثيرين إِلى قومهم المكذبين كما أرسلناك رسولاً إلى قومك ﴿فَجَآءُوهُم بالبينات﴾ أي جاؤوهم بالمعجزات الواضحات والحجج الساطعات الدالة على صدقهم ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ أي فكذبوهم فانتقمنا من الكفرة المجرمين ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ أي كان حقاً واجباً علينا أن ننصر المؤمنين على الكافرين، والآية اعتراضية جاءت بين الآيات المفصّلة لأحكام الرياح تسليةً للنبي ﵇ قال أبو حيان: والآية اعتراضٌ بين قوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ وبين قوله ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ جاءت تأنيساً للرسول ﷺ َ وتسلية له، ووعداً له بالنصر، ووعيداً لأهل الكفر ثم ذكر تعالى الحكمة من هبوب الرياح وهي إِثارة السحب وإِخراج الماء منه فقال ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي يبعث الرياح فتحرك السحاب وتسوقه أمامها ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي فينشره في أعالي الجو كيف يشاء خفيفاً أو كثيفاً، مطبقاً أو غير مطبق ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي ويجعله أحياناً قطعاً متفرقة ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي فترى المطر يخرج من بين السحاب ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فإِذا أنزل ذلك الغيث على من يشاء من خلقه إِذا هم يسرون ويفرحون بالمطر ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ أي وإِن كانوا قبل نزول المطر عليهم
следующие страницы →