Полный текст (1 630 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الخلق من العدم، ثم يعيدهم بعد موتهم للحساب والجزاء ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي إِعادة الخلق أهونُ عليه من بدئه قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: الإِعادة أهون من البداءة، والبداءة عليه هنيّه قال المفسرون: خاطب تعالى العباد بما يعقلون، فإِذا كانت الإِعادة أسهل من الابتداء في تقديركموحكمكم، فإِن من قدر على الإِنشاء كان البعث أهون عليه حسب منطقكم وأصولكم ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فيه من الجلال والكمال، والعظمة والسلطان ﴿فِي السماوات والأرض﴾ أي يصفه به من فيهما وهو أنه الذي ليس كمثله شيء ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي القاهر لكل شيء الحكيم الذي كل أفعاله على مقتضى الحكمة والمصلحة، ثم وضّح تعالى بطلان عبادتهم للأوثان بمثل فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي ضرب لكم أيها القوم ربكم مثلاً واقعياً من أنفسكم ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده ومملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى؟ فإِذا لم يرض أحدكم لنفسه ذلك فكيف ترضون لله شريكاً له وهو في الأصل مخلوق وعبدٌ لله؟ ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ هذا من تتمة المثل أي لستم وعبيدكم سواءٌ في أموالكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، وأنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في أموالكم، فكيف رضيتم لله شريكاً في خلقه وملكه؟ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح نبيّن الآيات لقومٍ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال ﴿بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بلْ للإِضراب أي ليس لهم حجة ولا معذرة في إِراكهم بالله بل ذلك بمجرد هوى النفس بغير علم ولا برهان قال القرطبي: لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها، وتقليد الأسلاف في ذلك ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إِضلاله ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي ليس لهم من عذاب الله منقذٌ ولا ناصر ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي أخلص دينك لله وأقبل على الإِسلام بهمة ونشاط ﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلاً عن كل دين باطل إلأى الدين الحق وهو الإِسلام ﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ أي هذا الدين الحق الذي أمرناك بالاستقامة عليه هو خلقة الله التي خلق الناس عليها وهو فطرة التوحيد كما الحديث
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه» الحديث ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ أي لا تغيير لتلك الفطرة السليمة من جهته تعالى قال ابن الجوزي: لفظة لفظ النفي ومعناه النهي أي لا تبدلوا خلق الله فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها ﴿ذَلِكَ الدين القيم﴾ أي ذلك هو الدين المستقيم ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق حال كونكم منيبين إِلى ربكم أي راجعين إِليه بالتوبة وإِخلاص العمل، وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على
стр. 982
الوجه الذي يُرضي الله ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ أي لا تكونوا ممن أشرك بالله وعبد غيره ثم فسَّرهم بقوله ﴿مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيّروه وبدَّلوا فأصبحوا شيعاً وأحزاباً، كلٌ يتعصب لدينه، وكلٌ يعبد هواه ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي كل جماعة وفرقة متمسكون بما أحدثوه، مسرورون بما هم عليه من الدين المعوج، يحسبون باطلهم حقاً قال ابن كثير: أي لا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة - مما عدا أهل الإِسلام - فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ أي إِذا أصاب الناس شدةٌ وفقر ومرض وغير ذلك من أنواع البلاء ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي أفردوه تعالى بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إِلا الله تعالى، فلهم في ذلك الوقت إِنابة وخضوع ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي ثم إِذا أعطاهم السعة والرخاء والصحة وخلّصهم من ذلك الضر والشدة، إِذا جماعة منهم يشركون بالله ويعبدون معه غيره، والغرض من الآية التشنيعُ على المشركين، فإِنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أمرٌ على وجه التهديد أي ليكفروا بنعم الله، وليتمتعوا في هذا الدنيا فيسوف تعلمون أيها المشركون عاقبة تمتعكم بزينة الحياة ونعيمها الفاني ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين حجة واضحة قاهرة على شركهم، أو كتاباً من السماء فهو ينطق ويشهد بشركهم وبصحة ما هم عليه؟ ليس الأمر كما يتصورون، والمراد ليس لهم حجة بذلك ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي وإِذا أنعمنا على الناس بالخصب ولاسعة والعافية استبشروا وسروا بها ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي وإِن أصابهم بلاءً وعقوبة بسبب معاصيهم إِذا هم ييأسون من الرحمة والفرج قال ابن كثير: وهذا إِنكار على الإِنسان من حيث هو إِلا من عصمة الله، إِذا أصابته نعمة بطر، وإِذا أصابته شدة قنط وأيس ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي أولم يروا قدرة الله في البسط والقبض، وأنه تعالى يوسّع الخير في الدنيا لمن يشاء ويضيّق على من يشاء؟ فلايجب أن يدعوهم الفقر إِلى القنوط من رحمته تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إِن في المذكور لدلالة واضحة على قدرة الله لقومٍ يصدقون بحكة الخالق الرازق ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل﴾ أي فأعط العقريب حقَّه من البر ولاصلة وكذلك المسكين والمسافر الذي انقطع في سفره اعطه من الصَّدقة والإِحسان قال القرطبي: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق وبقدر، أمر من وسَّع عليه الرزق أن بعطي الفقير كفايته، ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي ﵇ والمراد هو وأُمته ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي ذلك الإِيتء والإِحسان خيرٌ للذين يبتغون بعملهم وجه الله ويريدون ثوابه ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً
стр. 983
لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ أي وما أعطيتم من أموالكم يا معشر الأغنياء على وجه الربا ليزيد مالكم ويكثر به، فلا يزيد ولا يزكو ولا يضاعف عند الله لأنه كسبٌ خبيثٌ لا يبارك الله فيه قال الزمخشري: هذه الآية كقوله تعالى
﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦] سواءً بسواء ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي وما أعطيتم من صدقةٍ أو إِحسان خالصاً لوجه الله الكريم ﴿فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي فأولئك هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب، الذين تضاعف لهم الحسنات ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي الله جل وعلا هو الخالق الرازق للعباد، يُخرج الإِنسان من بطن أمه عُرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر، ثم يرزقه بعد ذلك المال والمتاع والأملاك ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة، ليجازيكم على أعمالكم ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ﴾ ؟ أي هل يستطيع أحد ممن تعبدونهم من دون الله أن يفعل شيئاً من ذلك؟ بل الله تعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإِحياء والإِماتة ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه جل وعلا وتقدس ع ن ان يكون له شريك أو مثيل وتعالى عما يقول المشركون علواً كبيراً.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين قوله ﴿خَوْفاً. . وَطَمَعاً﴾ وبين ﴿يَبْسُطُ. . وَيَقْدِرُ﴾ وبين ﴿يُمِيتُكُمْ. . يُحْيِيكُمْ﴾ وبين ﴿يَبْدَؤُاْ. . ويُعِيدُ﴾ .
٢ - جناس الاشتقاق ﴿دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ﴾ .
٣ - المقابلة بين قوله ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ وبين ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ .
٤ - المجاز المرسل ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل أي توجه إلى الله بكليتك.
٥ - السجع المرصَّع كأنه الدرُّ المنظوم مثل ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. .﴾ الخ.
стр. 984
المنَاسَبَة: لما شنَّع على المشركين في عبادتهم لغير الله، ذكر في هذه الآيات الأسباب الموجبة للمحنة والابتلاء وهي الكفر، وانتشار المعاصي، وكثر الفجور والموبقات، التي بسببها نقل الخيرات وترتفع البركات، وضرب الأمثال بهلاك الأمم السابقة، تنبيهاً لقريش وأمراً لهم بالاعتبار بمن سبقهم من المشركين المكذبين كيف أهلكهم الله بسبب طغيانهم وإِجرامهم.
اللغَة: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون يقال: تصدَّع القوم إِذا تفرقوا ومنه الصداع لأنه يُفرِّق شعب الرأس ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يجعلون لهم مهداً ويوطئون لهم مسكناً، والمهاد: الفراش ﴿كِسَفاً﴾ جمع كسفة وهي القطعة ﴿الودق﴾ المطر ﴿مُبْلِسِينَ﴾ يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم من شدة اليأس ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون، والإِفك: الكذب ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.
التفسِير: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ أي ظهرت البلايا والنكبات في بر الأرض وبحرها بسبب معاصي الناس وذنوبهم قال البيضاوي: المراد بالفساد الجدب وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات، وكثرةُ المضار بشؤم معاصي الناس أو بكسبهم إِياه وقال ابن كثير: أي بانَ النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ أي ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بها جميعاً في الآخرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يتوبون ويرجعون عمّا هم عليه من المعاصي والآثام ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: سيروا في
стр. 985
البلاد فانظروا إلى مساكن الذين ظلموا كيف كان آخر أمرهم وعاقبة تكذيبهم للرسل، ألم يخرب الله ديارهم ويجعلهم عبرةً لمن يعتبر ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي كانوا كافرين بالله فأُهلكوا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم﴾ أي فتوجَّه بكليتك إلى الدين المستقيم دين الإِسلام، واستقم عليه في حياتك قال القرطبي: أي أقم قصدك واجعلْ جهتك اتباع الدين القيم يعني الإِسلام ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، الذي لا يقدر أحدٌ على ردِّه، لأن الله قضى به وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يومئذٍ يتفرقون، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي من كفر بالله فعليه أوزار كفره مع خلوده في النار المؤبدة ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي ومن فعل خيراً وأطاع الله فلأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح، ومهَّدت الفراش أي بسطته ووطأته ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ﴾ أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله الذي وعد به عباده المتقين ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ أي لا يحب الكافرين بل يمقتهم ويبغضهم، يجازي المؤمنين بفضله، والكافرين بعدله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ أي ومن آياته الدالة على كمال قدرته أن يرسل الرياح تسوق السحاب مبشرة بنزول المطر والإِنبات والرزق ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي ولينزل عليكم من رحمته الغيث الذي يجيي به البلاد والعباد ﴿وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ أي ولتسير السفن في البحر عند هبوب الرياح بإِذنه وإِرادته ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي ولتطلبوا الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا نعم الله الجليلة عليكم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ﴾ تسلية للرسول وتأنيس له بقرب النصر أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً كثيرين إِلى قومهم المكذبين كما أرسلناك رسولاً إلى قومك ﴿فَجَآءُوهُم بالبينات﴾ أي جاؤوهم بالمعجزات الواضحات والحجج الساطعات الدالة على صدقهم ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ أي فكذبوهم فانتقمنا من الكفرة المجرمين ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ أي كان حقاً واجباً علينا أن ننصر المؤمنين على الكافرين، والآية اعتراضية جاءت بين الآيات المفصّلة لأحكام الرياح تسليةً للنبي ﵇ قال أبو حيان: والآية اعتراضٌ بين قوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ وبين قوله ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ جاءت تأنيساً للرسول ﷺ َ وتسلية له، ووعداً له بالنصر، ووعيداً لأهل الكفر ثم ذكر تعالى الحكمة من هبوب الرياح وهي إِثارة السحب وإِخراج الماء منه فقال ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي يبعث الرياح فتحرك السحاب وتسوقه أمامها ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي فينشره في أعالي الجو كيف يشاء خفيفاً أو كثيفاً، مطبقاً أو غير مطبق ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي ويجعله أحياناً قطعاً متفرقة ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي فترى المطر يخرج من بين السحاب ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فإِذا أنزل ذلك الغيث على من يشاء من خلقه إِذا هم يسرون ويفرحون بالمطر ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ أي وإِن كانوا قبل نزول المطر عليهم
стр. 986
يائسين قانطين، قال البيضاوي: والتكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ أي فانظر أيها العاقل نظر تدبر واستبصار إلى ما ينشأ عن آثار نعمة الله بالمطر من خضرة الأشجار، وتفتح الأزهار، وكثرة الثمار، وكيف أن الله يجعل الأرض تنبت بعد أن كانت هامدة جامدة؟ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى﴾ أي إِنَّ ذلك القادر على إِحياء الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي مبالغ في القدرة على جميع الأشياء، لا يعجزه شيء ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ أي ولئن أرسلنا على الزرع بعد خضرته ونموه ريحاً ضارة مفسدة فرأوا الزرع مصفراً من أثر تلك الريح ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي لمكثوا بعد اصفرره يجحدون النعمة، فشأنهم أنهم يفرحون عند الخصب، فإِذا جاءتهم مصيبة في زرعهم جحدوا سابق نعمة الله عليهم، ثم نبه تعالى إِلى أن هؤلاء الكفار كالأموات لا ينفع معهم نصح ولا تذكير فقال ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ أي فإِنك يا محمد لا تسمع الأموات ولا تسمع من كان في أذنيه صممٌ تلك المواعظ المؤثرة، ولو أن أصمَّ ولّى عنك مدبراً ثم ناديته لم يسمع فكذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع قال المفسرون: هذا مثلٌ ضربه الله للكفار فشبههم بالموتى وبالصم والعمي ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العمي عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ أي ولست بمرشد من أعماه الله عن الهدى ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي ما تسمع إِلا من يصدق بآياتنا فهم الذين ينتفعون بالموعظة لخضوعهم وانقيادهم لطاعة الله ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ أي الله الذي خلقكم أيها الناس من أصل ضعيف وهو النطفة، وجعلكم تتقلبون في أطوار «الجنين، الوليد، الرضيع، المفطوم» وهي أحوال في غاية الضعف، فصار كأن الضعف مادة خلقتكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي ثم جعل من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الهرم والشيخوخة، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي يخلق ما يشاء من ضعف وقوة، وشبابٍ وشيب ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ أي وهو العليم بتدبير الخلق، القدير على ما يشاء قال أبو حيان: وجعل الخلق من ضعف لكثرة ضعف الإِنسان أول نشأته وطفولته، ثم حال الشيخوخة والهرم، والترداد في هذه الهيئات شاهد بقدرة الصانع وعلمه ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ أي ويوم تقوم القيامة ويُبعث الناس للحساب يحلف الكافرون المجرمون بأنهم ما مكثوا في الدنيا غير ساعة قال البيضاوي: وإِنما استقلوا مدة لبثهم في الدنيا بالنسبة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسياناً منهم ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي كذلك كانوا في الدنيا يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث﴾ أي وقال العقلاء من أهل الإِيمان والعلم رداً عليهم وتكذيباً لهم: لقد مكثتم فيا كتبه الله في سابق علمه إِلى يوم البعث الموعود ﴿فهذا يَوْمُ البعث ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه، ولكنكم لم تصدقوا به لتفريطكم في طلب الحق واتباعه، قال تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾
стр. 987
أي ففي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين اعتذارهم ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة أو طاعة، لأنه قد ذهب أوان التوبة ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي ولقد بينا في هذا القرآن العظيم ما يحتاج الناس إِليه من المواعظ والأمثال والأخبار والعبر مما يوضّح الحقَّ ويزيل اللبس ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ أي ووالله لئن جئتهم يا محمد بما اقترحوا من الآيات كالعصا والناقة واليد ليقولنَّ المشركون من قومك لفرط عنادهم ما أنت وأصحابك إِلا قوم مبطلون، تُدجلون علينا وتكذبون ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ذلك الطبع على قلوب الجهلة المجرمين، يختم الله على قلوب الكفرة الذين لا يعلمون توحيد الله ولا صفاته ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي فاصبر يا محمد على تكذيبهم وأذاهم فإِن وعد الله بنصرتك وإِظهار دينك حقٌ لا بدَّ من إِنجازه ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي لا يحملنك على الخفة والقلق جزعاً مما يقوله أولئك الضالون الشاكون، ولا تترك الصبر بسبب تكذيبهم وإٍيذائهم.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿البر. . والبحر﴾ .
٢ - المجاز المرسل بإطلاق الجزء وإرادة الكل ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ .
٣ - جناس الاشتقاق ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم﴾ .
٤ - الاستعارة اللطيفة ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ شبَّه من قدَّم الأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويوطئه للنوم عليه لئلا يصيبه في مضجعه ما يؤذيه وينغص عليه مرقده.
٥ - أسلوب الإِطناب ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ. .﴾ الآية وذلك لتعداد النعم الكثيرة وكان يكفي أن يقول: ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ولكنه أسهب تذكيراً للعباد بالنعم.
٦ - جناس الاشتقاق ﴿أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً﴾ .
٧ - الإِيجاز بالحذف ﴿فَجَآءُوهُم بالبينات فانتقمنا﴾ حذف منه فكذبوهم واستهزءوا بهم.
٨ - الاستعارة التصريحية ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ شبه الكفار بالموتى وبالصم في عدم إِحساسهم وسماعهم للمواعظ والبراهين بطريق الاستعارة التصريحية.
٩ - الطباق بين ﴿ضَعْفٍ. . قُوَّةً﴾ .
١٠ - صيغة المبالغة ﴿العليم القدير﴾ لأن معناه المبالغ في العلم والقدرة.
١١ - الجناس التام ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ المراد بالساعة أولاً القيامة وبالثانية المدة الزمنية فبينهما جناس كامل، وهذا من المحسنات البديعية.
تنبيه: الصحيح أن الميت يسمع لقوله ﷺ َ «ما أنتم منهم» وقوله «وإِن الميت ليسمع قرع نعالهم» وأما قوله تعالى ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ المراد منه سماع التدبير والاتعاظ، والله أعلم.
стр. 988
اللغَة: ﴿الحكيم﴾ المحكم الذي لا خلل فيه ولا تناقض ﴿يُوقِنُونَ﴾ اليقين: التصديق الجازم ﴿لَهْوَ الحديث﴾ الباطل الملهي عن الخير والعبادة ﴿وَقْراً﴾ ثِقلاً وصمماً يمنع من السماع ﴿عَمَدٍ﴾ جمع عِماد وهو الدعامة التي يرتكز عليها الشيء ﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالاً وثوابت، ورست السفينة: إِذا ثبتت واستقرت ﴿تَمِيدَ﴾ تتحرك وتضطرب ﴿وَبَثَّ﴾ نشر وفرَّق.
سَبَبُ النّزول: روي أن «النضر بن الحارث» كان يشتري المغنِّيات، فلا يظفر بأحدٍ يريد الإِسلام إِلا انطلق به إِلى قينته «المغنية» فيقول لها: أطعميه، واسقيه الخمر، وغنّيه، ويقول: هذا خيرٌ مما يدعوك إِليه محمد، من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه فأنزل الله ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿الم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن، وللإِشارة إِلى أن هذا الكتاب المعجز الذي أفحم العلماء والأدباء والفصحاء والبلغاء منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية «ألف، لام، ميم» وهي في متناول أيدي الناطقين بالعربية، وهم عاجزون ان يؤلفوا منها كتاباً مثل هذا الكتاببعد التحدي والإِفحام، وهذا من أظهر الدلائل وأوضح البراهين على أنه تنزيل الحكيم العليم ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب﴾ أي هذه آيات الكتاب البديع، الذي فاق كل كتاب في بيانه، وتشريعه، وأحكامه ﴿الحكيم﴾ أي ذي الحكمة الفائقة، والعجائب الرائقة، الناطق بالحكمة والبيان، والإِشارة بالبعيد عن القريب «تلك» للإِيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ أي هداية ورحمة للمحسنين الذين أحسنوا العمل في الدنيا، وإِنما خُصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون بما فيه، ثم وضح تعالى صفاتهم فقال ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ أي يؤدونها على الوجه الأكمل بأركانها وخشوعها وآدابها ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أي يدفعونها إلى مستحقيها طيبةً بها نفوسهم ابتغاء مرضاة الله ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي يصدّقون بالدار الآخرة ويعتقدون بها اعتقاداً جازماً لا يخالطه شك ولا ارتياب، وكرَّر الضمير «هم» للتأكيد وإِفادة الحصر ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة على نور وبصيرة، ومنهج واضح سديد، من الله العزيز الحميد ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي هم الفائزون السعداء في الدنيا والآخرة قال أبو حيان: وكرر الإِشارة ﴿وأولئك﴾ تنبيهاً على عظم قدرهم وفضلهم، ولما ذكر تعالى حال السعداء، الذين أهتدوا بكتاب الله وانتفعوا بسماعه، عطف عليهم بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله،
стр. 989
وأقبلوا على استماع الغناء والمزامير فقال ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث﴾ أي ومن الناس من يشتري ما يُلهي عن طاعة الله، ويَصُد عن سبيله، مما لا خير ولا فائدة فيه قال الزمخشري: واللهو كل باطلٍ ألهى عن الخير، نحو السمر بالأساطير، والتحدث بالخرافات المضحكة، وفضول الكلام وما لا ينبغي، وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سئل عن الآية فقال: والله الذي لا إِله إِلا هو - يكررها ثلاثاً - إٍنما هو الغناء، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ليُضل الناس عن طريق الهدى، ويُبعدهم عندينه القويم، بغير حجة ولا برهان ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي ويتخذ آيات الكتاب المجيد سخرية واستهزاءً، وهذا أدخل في القبح، وأعرقُ في الضلال ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي لهم عذاب شديد مع الذلة والهوان ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ أي وإِذا قرئت عليه آيات القرآن ﴿ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي أعرض وأدبر متكبراً عنها كأنه لم يسمعها، شأن المتكبر الذي لا يلتفت إِلى الكلام، ويجعل نفسه كأنها غافلة ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي كأن في أذنيه ثقلاً وصمماً يمنعانه عن استماع آيات الله ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي أنذره يا محمد بعذاب مؤلمٍ، مفرطٍ في الشدة والإِيلام، ووضع البشارة بأشد العذاب.
. ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين من جنات النعيم فقال ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح، وبين حسن النيّة وإِخلاص العمل ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم﴾ أي لهم على إِيمانهم واستقامتهم على شريعة الله جناتُ الخلد يتنعمون فيها بأنواع الملاذّ، من المآكل والمشارب والملابس، والنساء والحور العين، وسائر ما أكرمهم الله به من الفضل والإِنعام، مما لا عينٌ رأتْ ولا أذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي دائمين في تلك الجنات، لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حولاً ﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ أي وعداً من الله قاطعاً، كائناً لا محالة، لا خلف فيه لأنه الله لا يخلف الميعاد ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي هو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء ليمنعه عن إِنجاز وعده، الحكيم الذي لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. . ثم نبّه تعالى إِلى دلائل قدرته، وآثار عظمته وجلاله لإِقامة البراهين على وحدانيته فقال ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي خلق السماوات في سعتها وعظمتها وإِحكامها بدون دعائم ترتكز عليها، حال كونكم تشاهدونها كذلك واقفة من غير أن تستند على شيء، ولا تمسكها إِلا قدرة الله العليّ الكبير ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي جعل فيها جبالاً ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب بكم فتهلككم بأن تقلبكم عن ظهرها، أو تهدم بيوتكم بتزلزلها قال الإِمام الفخر: واعلم أن الأرض ثباتُها بسبب ثقلها، وإِلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه
стр. 990
والرياح، ولو خلقها تعالى مثل الرمل لما كانت تثبتُ للزراعة، كما نرى الأراضي الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، فهذه هي حكمة إِرسالها بالجبال، فسبحان الكبير المتعال ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي ونشر وفرَّق في أرجاء الأرض من كل أنواع الحيوانات والدواب من مأكول ومركوب، مما لا يعلم عدد أشطالها وألوانها إِلا الذي خلقها ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي وأنزلنا لحفظكم وحفظ دوابكم المطر من السحاب ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي فأنبتنا في الأرض من كل نوع من النبات، ومن كل صنفٍ من الأغذية والأدوية ﴿كَرِيمٍ﴾ أي كثير المنافع، بديع الخلق والتكوين ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ أي هذا الذي تشاهدونه وتعاينونه أيها المشركون هو من مخلوقات الله، فانظروا في السماوات والأض، والإِنسان، والنبات، والحيوان، وسائر ما خلق الله ثم تفكروا في آثار قدرته، وبديع صنعته ﴿فَأَرُونِي﴾ ثم أخبروني ﴿مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ أي أيَّ شيءٍ خلقته آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من الأوثان والأصنام؟ وهو سؤال على جهة التهكم والسخرية بهم وبآلهتهم المزعومة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الواضح فقال ﴿بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي بل المشركون في خسران ظاهر، وضلالٍ واضح ما بعده ضلال، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، فهم أضل من الحيوان الأعجم، لأن من عبد صنماً جامداً، وترك خالقاً عظيماً مدبراً، يكون أحطَّ شأناً من الحيوان.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - وضع المصدر للمبالغة ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ .
٢ - الإِشارة بالبعيد ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ عن القريب ﴿هذه﴾ لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن.
٣ - الإِطناب بتكرار الضمير واسم الإِشارة ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ﴾ لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي هم المفلحون لا غيرهم.
٤ - الاستعارة التصريحية ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث﴾ شبّه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية.
٥ - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ ذكرت أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه «مرسل مجمل» .
٦ -
стр. 991
أسلوب التهكم ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم.
٧ - الالتفات من الغيبة إِلى التكلم ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء﴾ بعد قوله ﴿خَلْقُ، وألقى، وَبَثَّ﴾ وكلها بضمير الغائب، ثم التفت فقال ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ لشأن الرحمن، وتوفيةً لمقام الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية.
٨ - إِطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ أي مخلوقة.
٩ - الاستفهام للتوبيخ والتبكيت ﴿مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ ؟
١٠ - وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل ﴿بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلالٍ مبين.
١١ - مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ويسمى هذا النوع في علم البديع «سجعاً» وأفضله ما تساوت فقره، وكان سليماً من التكلف، خالياً من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في نهاية الآيات الكريمة.
فَائِدَة: وصفُ الكتاب بالحكمة في هذه السورة ﴿الكتاب الحكيم﴾ مناسبٌ لجو السورة الكريمة لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد، على طريقة القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع.
стр. 992
المنَاسَبَة: لمّا بيَّن تعالى فساد اعتقاد المشركين، بسبب عنادهم وإِشراكهم من لا يخلق شيئاَ بمن هو خالق كل شيء، ذكر هنا وصايا «لقمان» الحكيم، وهي وصايا ثمينة في غاية الحكمة والدعوة إِلى طريق الرشاد، وقد جاءت هذه الوصايا مبدوءةً بالتحذير من الشرك الذي هو أقبح الذنوب، وأعظم الجرائم عند الله.
اللغَة: ﴿الحكمة﴾ الإِصابة في القول العمل، وأصلها وضع الشيء في موضعه قال في اللسان: أحكم المر أتقنه ويُقال للرجل إِذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب، والحكيم: المتفن للأمور ﴿يَعِظُهُ﴾ ينصحه ويذركه، والعظةُ والموعظة: النصح والإِرشاد ﴿وَهْناً﴾ الوهن: الضعف ومنه ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] أي ضعف ﴿فِصَالُهُ﴾ الفصال: الفطام وهو لفظ يستعمل في الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعم، وفصلت المرأة ولدها أي فطمته وتركت إرضاعه ﴿أَنَابَ﴾ رجع، والمنيب الراجع إِلى ربه بالتوبة والاستغفار ﴿تُصَعِّرْ﴾ الصَّعر: بفتحتين في الأصل داءٌ يصيب البعير فيلوي منه عنقه ثم استعمل في ميل العنق كبراً وافتخاراً قال عمرو التغلبي:
وكنَّا إِذا الجبَّار صعَّر خدَّه ... أقمنا له من ميله فتقومّ
﴿مَرَحاً﴾ فرحاً وبطراً وخيلاء ﴿مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيته ﴿اقصد﴾ توسَّط، والقصد: التوسط بين الإِسراع والبطء ﴿اغضض﴾ عضَّ الصوت خفضه قال جرير:
فغُضَّ الطرف إِنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
التفسِيْر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ أي والله لقد أعطينا لقمان الحكمة وهي الإصابة في القول، والسَّداد في الرأي، والنطق بما يوافق الحق، قال مجاهد: الحكمة: الفقه والعقل، والإِصابة في القول، ولم يكن نبياً إِنما كان حكيماً ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ أي وقلنا له: أشكر الله على إِنعامه وإِفضاله عليك حيث خصَّك بالحكمة وجعلها على لسانك قال القرطبي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن «لقمان» كان حكيماً ولم يكن نبياً وفي الحديث «لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً كثير التفكر، حسن اليقين، أحبَّ الله تعالى فأحبَّه، فمنَّ عليه بالحكمة» ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي ومن يشكر ربه فثواب شكره راجع لنفسه، وفائدته إنما تعود عليه، لن الله تعالى لا ينفعه شكر من شكر، ولا يضره كفر من كفر ولهذا قال بعده ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي ومن جحد نعمة الله فإِنما أساء إلى نفسه، لأن الله مستغنٍ عن العباد، محمودٌ على كل حال، مستحقٌ للحمد لذاته وصفاته قال الرازي: المعنى أن الله غير محتاج إِلى شكر حتى يتضرَّر بكفر الكافر، فهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أم لم يشكروه، ثم ذكر تعالى بعض نصائح لقمان لابنه وبدأ بالتحذير له من الشرك، الذي هو نهاية القبح والشناعة فقال ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ أي واذكر لقومك موعظة لقمان الحكيم لولده، حين قال له واعظاً ناصحاً مرشداً: يا بني كن عاقلاً ولا تشرك بالله أحداً، بشراً أو صنماً أو ولداً ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي إِن ال شر ك قبيح،
стр. 993
وظلم صارخ لأنه وضعٌ للشيء في غير موضعه، فمن سوَّى بين الخالق والمخلوق، وبين الإِله والصنم فهو - بلا شك - أحمق الناس، وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة، وحري به أن يوصف بالظلم ويجعل في عداد البهائم ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ أي أمرناه بالإِحسان إِليهما لا سيما الوالدة ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ أي حملته جنيناً في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفاً على ضعف، من حين الحمل إِلى حين الولادة، لأن الحمل كلما ازداد وعظم، إِزدادت به ثقلاً وضعفاً ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي وفطامه في تمام عامين ﴿أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي وقلنا له: اشكر ربك على نعمة الإِيمان والإِحسان، واشكر والديك على نعمة التربية ﴿إِلَيَّ المصير﴾ أي إِليَّ المرجع والمآب فأجازي المحسن على إِحسانه، والمسيء على إِسائته قال ابن جزي: وقوله ﴿أَنِ اشكر﴾ تفسيرٌ للوصية، واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ليبيّن ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم حقها، ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ أي وإِن بذلا جهدهما، وأقصى ما في وسعهما، ليحملاك على الكفر والإِشراك بالله فلا تطعهما، إِذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ أي وصاحبهما في الحياة الدنيا بالمعروف والإِحسان إلأيهما - ولو كان مشركين - لأن كفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحمَّلاها في تربية الولد، ولا التنكر بالجميل ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي واسلك طريق من رجع إلى الله بالتوحيد والطاعة والعمل الصالح ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي مرجع الخلق إِلى الله فيجازيهم على أعمالهم، والحكمةُ من ذكر الوصية بالوالدين - ضمن وصايا لقمان - تأكيد ما أفادته الآية الأولى من تقبيح أمر الشرك ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فكأنه تعالى يقول: مع أننا وصينا الإِنسان بوالديه، وأمرناه بالإِحسان إِليهما والعطف عليهما، وألزمناه طاعتهما بسبب حقهما العظيم عليه، مع كل هذا فقد نهيناه عن طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأن الإِشراك بالله من أعظم الذنوب، وهو في نهاية القبح والشناعة.
. ثم رجع الكلام إِلى وصايا لقمان فقال تعالى ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ أي يا ولدي إِن الخطيئة والمعصية مهما كانت صغيرة حتى ولو كانت وزن حبة الخردل في الصغر ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله﴾ أي فتكن تلك السيئة - مع كونها في أقصى غايات الصغر - في أخفى مكان أحرزه، كجوف الصخرة الصماء، أو في أعلى مكان في السماء أو في الأرض يحضرها الله سبحانه ويحاسب عليه، والغرض التمثيلُ بأن الله لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي هو سبحانه لطيف بالعباد خبير أي عالم ببواطن الأمور ﴿يابني أَقِمِ الصلاة﴾ أي حافظ على الصلاة في أوقاتها وبخشوعها وآدابها ﴿وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر﴾ أي وأمر الناس بكل خير وفضيلة، وأنههم عن كل شر ورذيلة ﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ﴾ أي اصبر على المحن والبلايا، لأنَّ الداعي إِلى الحق معرَّض لإِيصال الأذى إِليه قال أبو حيان: لما نهاه أولاً عن الشرك، وأخبره ثانياً بعلمه تعالى وباهر قدرته، أمره با يتوسل به إِلى الله من الطاعات، فبدأ بأشرفها
стр. 994
وهي الصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر بالمعروف، فكثيراً ما يُؤذى فاعل ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي إِن ذلك المكذور مما عزمه الله وأمر به قال ابن عباس: من حقيقة الإِيمان الصبر على المكاره وقال الرازي: معناه إِن ذلك من الأمور الواجبة المعزومة أي المقطوعة، فالمصدر بمعنى المفعول ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي لا تمل وجهك عنهم تكبراً عليهم قال القرطبي: أي لا تمل خدك للناس كبراً عليهم وإِعجاباً، وتحقيراً لهم، وهو قول ابن عباس ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾ أي لا تمش متبختراً متكباراً ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ تعليلٌ للنهي أي لأن الله يكره المتكبر الذي يرى العظمة لنفسه، ويتكبر على عباد الله، المتبختر في مشيته، والفخور الذي يفتخر على غيره، ثم لما نهاه عن الخُلُق الذميم، أمره بالخُلُق الكريم فقال ﴿واقصد فِي مَشْيِكَ﴾ أي توسَّط في مشيتك واعتدل فيها بين الإِسراع والبطء ﴿واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ أي اخفض من صوتك فلا ترفعه عالياً فإِنه قبيح لا يجمل بالعاقل ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ أي إِن أوحش الأصوات صوتُ الحمير فمن رفع صوته كان مماثلاً لهم، وأتى بالمنكر القبيح قال الحسن: كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات فرد عليهم بأنه لو كان خيراً لفضلتهم به الحمير، وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿شْكُرْ. . وكَفَرَ﴾ .
٢ - صيغة المبالغة ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وكذلك ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ و ﴿فَخُورٍ﴾ لأن فعيل وفعول من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر.
٣ - ذكر الخاص بعد العام ﴿بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص.
٤ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر مثل ﴿إِلَيَّ المصير﴾ ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي لا إِلى غيري.
٥ - التمثيل ﴿إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ مثَّل ذلك لسعة علم الله وإِحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإِنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة.
٦ - التتميم ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ تَّمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع.
٧ - المقابلة ﴿وَأْمُرْ بالمعروف﴾ ثم قال ﴿وانه عَنِ المنكر﴾ فقابل بين اللفظين.
٨ - الاستعارة التمثيلية ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ شبَّه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير عن رفع الصوت.
стр. 995
تنبيه: حين أمر تعالى بشكر الوالدين قدَّم شكره تعالى على شكرهما فقال ﴿أَنِ اشكر لِي﴾ ثم أردفه بقوله ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وذلك لإِشعارنا بأن حق الله أعظم من حق الوالدين، لأنه سبحانه هو السبب الحقيقي في خلق الإِنسان، والوالدان سبب في الصورة والظاهر، ولهذا حرَّم تعالى طاعتهما على الإِنسان إِذا أرادا إِجباره على الكفر.
стр. 996
المنَاسَبَة: لما حذَّر تعالى من الشرك، وأكده بوصايا لقمان الحكيم في الإِيمان ومكارم الأخلاق، ذكر هنا الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانيته تعالى، ونبّه بالصنعة على الصانع، وما له من نعمٍ لا تُحصى من تسخير السماوات بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، وتسخير الأرض وما فيها من الحيوان، والنبات، والمعادن، والبحار، وغير ذلك من الأدلة الشاهدة بوحدانيته، وختم السورة الكريمة ببيان «المغيبات الخمس» .
стр. 997
اللغَة: ﴿أَسْبَغَ﴾ أتم وأكمل يقال: سبغت النعمة سبوغاً إِذا تمت ﴿استمسك﴾ تمسك وتعلق واعتصم ﴿نَفِدَتْ﴾ فنيت وفرغت ﴿يُولِجُ﴾ يدخل والإِيلاج: الإِدخال ومنه ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] ﴿الفلك﴾ السفن ﴿كالظلل﴾ الظلل: جمع ظلَّة وهي كل ما أظلَّلك من جبل أو سحاب ﴿خَتَّارٍ﴾ الختَّار: الغدار، والختر: أسوء الغدر قال الشاعر:
فإِنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر
﴿الغرور﴾ ما يغرُّ ويخدع من شيطان وغيره، وغرَّه الأمل: خدعه.
التفسِير: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي ألم تعلموا أيها الناس أن الله العظيم الجليل سخر لكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم لتنتفعوا بها، وسخَّر لكم ما في الأرض من جبالٍ وأشجار وثمارٍ وأنهار وغير ذلك مما لا تُحصى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ أي وأتمَّ عليكم أيها الناس نعمه العديدة، الظاهرة المرئية كنعمة السمع والبصر والصحة والإِسلام، والباطنة الخفية كالقلب والعقل والفهم والمعرفة وما أشبه ذلك قال البيضاوي: أي أسبغ عليكم نعمه المحسوسة والمعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه ﴿وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي ومن الناس فريق جاحدون يخاصمون ويجادلون في توحيد الله وصفاته بغير علم ولا فهم، ولاحجة ولا برهان، ولا كتاب منزل من عند الله قال القرطبي: نزلت في يهودي جاء إِلى النبي ﷺ َ فقال يا محمد: أخبرني عن ربك من أيّ شيء هو؟ فجاءت صاعقةٌ فأخذته، والمنيرُ: الواضح البيّن المنقذ من ظلمة الجهل والضلال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله﴾ أي وإِذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، وصدّقوا به فإِنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ أي قالوا نسير على طريقة آبائنا ونقتدي بهم في عبادة الأوثان والأصنام ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أيتبعونهم ولو كانوا ضالين، حتى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار المستعرة ذات العذاب الشديد؟ ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله﴾ أي ومن يقبل على طاعة الله وينقاد لأوامره، ويخلص قصده وعبادته لله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي وهو مؤمن موحد قال القرطبي: لأن العبادة من غير احسانٍ ولا معرفة القلب لا تنفع، ونظير الآية
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] فلا بدَّ من الإِيمان والإِحسان ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي تمسك بحبلٍ لا انقطاع له، وتعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب قال صاحب الكشاف: هاذ من باب التمثيل، مثلت حال المتوكل بحال من تدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة، من حبلٍ متين مأمونٍ انقطاعه وقال الرازي: أوثق العرى جانب الله، لأن كل ما عداه هالك منقطع، وهو باقٍ لا
стр. 998
انقطاع له ﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾ أي إِلى الله وحده - لا إِلى أحد سواه - مرجع ومصير الأمور كلها فيجازي العامل عليها أحسن الجزاء ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ تسلية للرسول ﷺ َ أي لا يهمنك يا محمد كفر من كفر، ولا ضلال من ضلَّ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإِنا سننتقم منهم إِن عاجلاً أو آجلاً ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عملوا﴾ أي إِلينا رجوعهم، فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي عليم بما في قلوبهم من المكر والكفر والتكذيب فيجازيهم عليها ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي ثم نلجئهم في الآخرة إِلى عذاب شديد هو عذاب النار، الفظيع الشاق على النفس، ثم لما بيَّن تعالى استحقاقهم للعذاب، بيَّن تناقضهم في الدنيا وهو اعترافهم بأن الله خالق السماوات والأرض، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها ملك له وأنها مخلوقاته فقال ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من كفار مكة من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن - لغاية وضوح الأمر - الله خلقهن فقد اضطروا إِلى الاعتراف به ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ أي قل لهم: الحمد لله على ظهور الحجة عليكم، وعلى أن دلائل الإِيمان ظاهرة للعيان ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي بل أك ثر هؤلاء المشركين لا يفكّرون ولا يتدبرون فلذلك لا يعلمون، ثم قال تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي له جلَّ وعلا ما في الكائنات ملكاً وخلقاً وتدبيراً ﴿إِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ أي المستغني عن خلقه وعن عبادتهم، المحمود في صنعه وآلائه ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ أي ولو أنَّ جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً ﴿والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أي وجعل البحر بسعته حبراً ومداداً وأمده سبعة أبحر معه فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ أي لانتهت وفنيت تلك الأقلام والبحار وما انتهت كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية قال القرطبي: لما ذكر تعالى أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأنه أسبغ النعم، نبّه على أن الأشجار لو كانت أقلاماً، والبحار لو كانت مداداً، فكتب بها عجائب صنع الله، الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب وقال ابن الجوزي: وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله، لتكسرت الأقلام ونفدت البحور ولم تنفد كلمات الله أي لم تنقطع ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب لا يعجزه شيء، حكيم لا يخرج عن علمه وحكمته أمر ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي ما خلقكم أيها الناس ابتداءً، ولا بعثكم بعد الموت انتهاءً إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها، لأنه إِذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، قال الصاوي: المعنى أن الله لا يصعب عليه شيء، بل خلق العلم وبعثه برُمته كخلق نفسٍ واحدةٍ وبعثها ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال العباد، بصير بأعمالهم، ثم أشار تعالى إلى دلائل قدرته في الآفاق فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي ألم تعلم أيها المخاطب علماً قوياً
стр. 999
جارياً مجرى الرؤية، أن الله العظيم الجليل يدخل ظلمة الليل على ضوء النهار، ويدخل ضوء النهار على ظلمة الليل، ويزيد في هذا ويُنقص من هذا حسب الحكمة الأزلية ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي ذلّلهما بالطلوع والأقوال تقديراً للآجال، وإِتماماً للمنافع، كلٌ منهما يسير في فلكه إِلى غاية محدودة هي يوم القيامة ﴿وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي وأنه تعالى عالم بأحوالكم وأعمالكم لا تخفى عليه خافية، فإِن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه جل وعلا محيطاً بكل أعماله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾ أي ذلك الذي شاهدتموه من عجائب الصنع وباهر القدرة، لتتأكدوا أن الله هو الإِله الحق الذي يجب أن يعبد وحده ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل﴾ أي وأن كل ما يعبدون من دون الله من الأوثان والأصنام باطل لا حقيقة له كما قل لبيد «ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل» فالجميع خلقه وعبيده، ولا يملك أحدٌ منهم تحريك ذرةٍ إِلا بإِذنه ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير﴾ أي وأنه تعالى هو العليُّ في صفاته، الكبير في ذاته ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله﴾ تذكيرٌ بنعمة أُخرى أي ألم تر أيها العاقل أن السفن العظيمة تسير في البحر بقدرة الله، وبتسخيره ولطفه بالناس وإِحسانه إِليهم، لتهيئة أسباب الحياة قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه هو الذي سخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره أي بلطفه وتسخيره، فإِنه لولا ما جعل في الماء من قوةٍ يحمل بها السفن ما جرت، ولهذا قال بعده ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي ليريكم عجائب صنعه، ودلائل قدرته ووحدانيته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إِن في تسخير هذه السفن وما تحمله من الطعام والأرزاق والتجارات، لآيات باهرة، وعبراً جليلة لكك عبد منيب، صبَّار في الضراء، شكور في الرخاء.
ولفظه «صبَّار» و «شكور» مبالغة في الصبر والشكر ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل﴾ أي وإِذا علا المشركين وغطّاهم وهم في البحر موج كثيف كالجبال ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي أخلصوا دعاءهم لله حين علموا أنه لا منجي لهم غيره فلا يدعون لخلاصهم سواه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر﴾ أي فلما أنقذهم من شدائد البحر، واخرجهم إِلى شاطئ النجاة في البر ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ في الآية حذف تقديره فمنهم مقتصد، ومنهم جاحد، ودلَّ عليه قوله ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ والمقتصد: المتوسط في العمل قال ابن كثير: وهذا من باب الإِنكار على من شاهد تلك الأهوال، والأمور العظام، ورأى الآيات الباهرة في البحر، ثم بعدما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والمبادرة إٍلى الخيرات، والدؤوب في العبادات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصْراً ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي وما يكذب بآياتنا إِى كل غدَّار، مبالغ في كفران نعم الله تعالى ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾ أي اتقوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ أي وخافوا يوماً رهيباً عصيباً لا ينفع والد فيه ولده، ولا يدفع عنه مضرةً، أو يقضي عنه شيئاَ مما تحمَّله ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ أي ولا ولدٌ يغني أو يدفع عن والده شيئاً، أو يقضي عنه شيئاً من جنايته ومظالمه قال الطبري: المعنى لا يغني ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسلية من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي
стр. 1000
وعده بالثواب والعقاب، والبعث والجزاء حقٌ لا يتخلف ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ أي لا تخدعكم الحياة الدنيا بمفاتنها ولذاتها فتركنوا إِليها ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ أي ولا يخدعنكم الشيطان الماكر الذي يغر الخلق ويمنيهم بأباطيله ويلهيهم عن الآخرة ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ هذه هي مفاتح الغيب التي اختص الله بعلمها وهي خمس كما جاء في الحديث الصحيح «مفاتح الغيب خمسٌ لا يعلمهن إِلا الله وتلا الآية» أي عنده تعالى معرفة وقت قيام الساعة التي تقوم فيها القيامة ﴿وَيُنَزِّلُ الغيث﴾ أي وعنده معرفة وقت نزول المطر ومحل نزوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام﴾ أي من ذكرٍ أو أنثى، شقي أو سعيد ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي ما يدري أحد ماذا يحدث له في غد، وماذا يفعل من خير أو شر ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي ما يدري أحدٌ أين يموت، ولا في أي مكانٍ يُقبر ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي مبالغ في العلم، يعلم كل الأمور، خبير بظواهر الأشياء وبواطنها.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين قوله ﴿ظَاهِرَةً. . وَبَاطِنَةً﴾ وكذلك بين لفظ ﴿الحق. . والباطل﴾ .
٢ - الإِنكار والتوبيخ مع الحذف ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ﴾ أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ.
٣ - المجاز المرسل ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل ففيه مجاز مرسل.
٤ - التشبيه التمثيلي ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إِلى شاهق جبل فتمسك بأوثق جبل، وحذف أداة التشبيه للمبالغة.
٥ - المقابلة بين ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وبين ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ الآية.
٦ - الاستعارة ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ استعار الغلظ للشدة لأنه إِنما يكون للاجرام فاستعير للمعنى.
٧ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر ﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾ أي إليه لا إلى غيره.
٨ - صيغ المبالغة في التالي ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ و ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ و ﴿عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ و ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ كما أنَّ فيها توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع.
стр. 1001
اللغَة: ﴿افتراه﴾ اختلق القرآن من تلقاء نفسه ﴿يَعْرُجُ﴾ يصعد ويرتفع إِليه ﴿يُدَبِّرُ﴾ التدبير: رعايةُ شئون الغير ﴿سُلاَلَةٍ﴾ خلاصة ﴿مَّهِينٍ﴾ ضعيف حقير ﴿سَوَّاهُ﴾ قوَّمه بتصوير أعضائه وتكيملها ﴿ضَلَلْنَا﴾ ضعنا وهلكنا وأصله من قول العرب: ضلَّ اللبن في الماء إِذا ذهب وضاع ﴿نَاكِسُواْ﴾ مطرقوا يقال: نكس رأسه إِذا أطرقه ﴿الجنة﴾ الجن.
التفسِير: ﴿الم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن ﴿تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ أي هذا الكتاب الموحى به إِليك يا محمد هو القرآن الذي لا شك أنه من عند الله ، تنزيلٌ من رب العالمين ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ الضمير يعود لكفار قريش و ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل والهمزة أي بل أيقول المشركون اختلق محمد القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ لا ليس الأمر كما يدَّعون ﴿بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي بل هو القول الحق، ولكلام الصدق المنزل من ربك قال البيضاوي: أشار أولاً إِلى إِعجازه، ثم رتَّب عليه أنه تنزيلٌ من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عن، ثم أضرب عن ذلك إِلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكاراً له وتعجباً منه، ثم بين المقصود من إِنزاله بقوله ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي أنزله إليك لتنذر به قوماً ما جاءهم رسول قبلك يا محمد، قال المفسرون: هم أهل الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، وقد جاء الرسل قبل ذلك كإِبراهيم وهو وصالح، ولكنْ لما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله إِليهم محمداً ﷺ َ
стр. 1002
لينذرهم عذاب الله، ويقيم عليهم الحجة بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي كي يهتدوا إِلى الحق ويؤمنوا بالله العزيز الحميد، ثم شرع تعالى في ذكر أدلة التوحيد فقال ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي الله جلَّ وعلا هو الذي خلق السماوات في ارتفاعها وإِحكامها، والأرض في عجائبها وإِبداعها، وما بينهما من المخلوقات في مقدار ستة أيام قال الحسن: من أيام الدنيا ولو شاء لخلقها بلمح البصر ولكن أراد أن يعلّم عباده التأني في الأمور قال القرطبي: عرَّفهم تعالى كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه، ومعنى ﴿خَلَقَ﴾ أبدع وأوجد بعد العدم، وبعد أن لم تكن شيئاً ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ استواء يليق بجلاله ن غير تشبيه ولا تمثيل ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي ليس لكم أيها الناسُ من غير الله ناصرٌ يمنعكم من عذابه، ولا شفيع يشفع لكم عنده إِلا بإِذنه، بل هو الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ؟ أي أفلا تتدبرون هذا فتؤمنون؟ ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض﴾ أي يدبّر أمر الخلائق جميعاً في العالم العلوي والسفلي، لا يُهمل شأن أحد قال ابن عباس: أي ينزل القضاء والقدر من السماء إِلى الأرض، ويُنزل ما دبره وقضاه ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي ثم يصعد إِليه ذلك الأمر كله يوم القيامة ليفصل فيه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي في يومٍ عظيم - هو يوم القيامة - طوله ألف سنة من أيام الدنيا لشدة أهواله ﴿ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ أي ذلك المدبر لأمور الخلق هو العالم بكل شيء، يعلم ما هو غائب عن المخلوقين، وما هو مشاهد لهم قال القرطبي: وفي الآية معنى التهديد والوعيد، كأنه يقول: أخلصوا أعمالكم وأقوالكم فإِني مجازيكم عليها، ومعنى «الغيب والشهادة» ما غاب عن الخلق وما حضرهم ﴿العزيز الرحيم﴾ أي الغالب على أمره، الرحيم بعباده في تدبيره لشئونهم ﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي أتقن وأحكم كل شيءٍ أوجده وخلقه قال أبو حيان: وهذا أبلغ في الامتنان ومعناه أنه وضع كل شيء في موضعه، ولهذا قال ابن عباس: ليست القردة بحسنة، ولكنها متقنةٌ محكمة قال بعض العلماء: لو تصورتَ مثلاً أن للفيل مثل رأس الجمل، وأنَّ للأرنب مثل رأس الأسد، وأنَّ للإِنسان مثل رأسِ الحمار، لوجدت في ذلك نقصاً كبيراً، وعدم تناسب وانسجام، ولكنك إِذا علمت أن طول عنق الجمل، وشقَّ شفته ليسهل تناوله الكلأ عليه أثناء السير، وأن الفيل لولا خرطومه الطويل لما استطاع أن يبرك بجسمه الكبير لتناول طعامه وشرابه، لو علمتَ كل هذا لتيقنتَ أنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولقلت: تبارك الله أحسن الخالقين.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ﴾ أي خلق أبا البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي جعل ذريته يتناسلون من خلاصة من ماءٍ ضعيف حقير هو المنيُّ ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي قوَّم أعضاءه، وعدَّل خلقته في رحم أُمه، ونفخ بعد ذلك فيه الروح، فإِذا هو في أكمل صورةٍ وأحسن تقويم قال أبو السعود: وأضاف الروح إِليه تعالى تشريفاً للإنسان، وإِيذاناً بأنه خلقٌ
стр. 1003
عجيب، وصنعٌ بديع، وأن شأناً جليلةً مناسبةً إِلى حضرة الربوبية ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ أي وخلق لكم هذه الحواس: السمع لتسمعوا به الأصوات، والبصر لتبصروا به الأشخاص، والعقل لتدركوا به الحق والهدى ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي قليلاً شكركم لربكم و ﴿مَّا﴾ لتأكيد القلة ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ أي وقال كفار مكة المنكرون للبعث والنشور: أئذا هلكنا وصارت عظامنا ولحومنا تراباً مختلطاً بتراب الأرض حتى غابت فيه ولم تتميز عنه ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي سوف نخلق بعد ذلك خلقاً جديداً، ونعود إِلى الحياة مرةً ثانية؟ وهو استبعادٌ للبعث مع الاستهزاء ولهذا قال تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي بل هناك ما هو أبلغ وأشنع من الاستهزاء، وهو كفرهم وجحودهم بلقاء الله في دار الجزاء ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي قل لهم رداً على مزاعمهم الباطلة: يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بقبض أرواحكم هو وأعوانه ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي ثم مرجعكم إِلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء قال ابن كثير: والظاهر أنَّ ملك الموت شخص معين، وقد سُمي في بعض الآثار ب «عزرائيل» وهو المشهور، وله أعوان - كما ورد في الحديث - ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إِذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت وقال مجاهد: جُمِعت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، ثم أخبر تعالى بحال المجرمين يوم القيامة وما لهم فيه من الذل والهوان فقال ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي ولو ترى أيها المخاطب حال المجرمين يوم القيامة وهم مطرقو رءوسهم أمام ربهم من الخجل والحياء لرأيت العجب العجاب قال أبو السعود: وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديره لرأيت أمراً فظيعاً لا يُقادر قدره من هوله وفظاعته ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي يقولون ربنا أبصرنا حقيقة الأمر وسمعنا ما كنا ننكر من أمر الرسل، وكنا عُمياً وصماً ﴿فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي فردنا إِلى دار الدنيا لنعمل صالحاً ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي فنحن الآن مصدّقون تصديقاً جازماً، وموقنون أن وعدك حق، ولقاءك حق قال الطبري: أي فنحن الآن بوحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب سواك، وأنك تحيي وتميت وتفعل ما تشاء، قال تعالى رداً عليهم ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي لو أردنا هداية جميع الخلق لفعلنا ولكنَّ ذلك ينافي حكمتنا، لأنا نريد منهم الإِيمان بطريق الاختيار، لا بطريق الإِكراه والإِجبار ﴿ولكن حَقَّ القول مِنِّي﴾ أي ولكن ثبت ووجب قولي بعذاب المجرمين، وتقرر وعيدي ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ أي لأملأنَّ جهنم بالعصاة من الجِنّ والإِنس جميعاً ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ﴾ أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا - بسبب نسيانكم الدار الآخرة وانهماككم في الشهوات - هذا العذاب المخزي الأليم ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي نترككم اليوم في العذاب كما تركتم العمل بآياتنا ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي وذوقوا العذاب الدائم الخالد في جهنم بسبب كفركم وتكذيبكم، ثم لما ذكر حال الأشقياء وعاقبتهم الوخيمة، أبتعه بذكر حال السعداء وما أعدَّه
стр. 1004
لهم من النعيم المقيم في دار الجزاء، ليظل العبد بين الرهبة والرغبة فقال ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الذين إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي إِنما يصدّق بآياتنا المؤمنون المتقون الذين إِذا وعظوا بآياتنا سقطوا على وجوههم ساجدين لله تعظيماً لآياته ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي وسبحوا ربهم على نعمائه وهم لا يستكبرون عن طاعته وعبادته ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ أي تتنحى وتتباعد أطرافهم عن الفرش ومواشع النوم، والغرض أن نومهم بالليل قليل لانقطاعهم للعبادة كقوله
﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] قال مجاهد: يعني بذلك قيام الليل ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي يدعون ربهم خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته وثوابه ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي ومما أعطيناهم من الرزق ينفقون في وجوه البر والحسنات ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي فلا يعلم أحد من الخلق مقدار ما يعطيهم الله من النعيم، مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ثواباً لما قدموه في الدنيا من صالح الأعمال.
стр. 1005
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال المجرمين في الآخرة، وحال المؤمنين المتقين، وما أعدَّه لهم من الكرامة في دار النعيم، ذكر هنا أنه لا يتساوى الفريقان: فريق الأبرار، وفريق الفجار لأن عدالة الله تقتضي التمييز بين المؤمن الصالح، والفاسق الفاجر.
اللغَة: ﴿فَاسِقاً﴾ الفاسقُ: الخارج عن طاعة الله ﴿نُزُلاً﴾ ضيافةً وعطاءً، والنُّزل ما يهُيأ للنازل والضيف قال الشاعر:
وكنا إِذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً
стр. 1006
﴿الجرز﴾ اليابسة الجرداء التي لا نبات فيها، والجرزُ: القطع قال الزمخشري: الجرُز: الأرضُ التي جرز نباتها أي قطع، إِمّا لعدم الماء أو لأنه رُعي وأُزيل، ولا يقال للتي لا تنبتُ كالسباخ جُرز ﴿الفتح﴾ الحاكم ويقال للحاكم: فاتح وفتاح لأنه يفصل بين الناس بحكمه ﴿يُنظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤخرون.
سَبَبُ النّزول: روي أنه كان بين «علي بن أبي طالب» و «عُقبة بن أبي مُعيط» تنازع وخصومة، فقال الوليد بن عُقبة لعلي: أُسكت فإِنك صبيٌ، وأنا والله أبسط منك لساناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي: اسكتْ فإِنك فاسق فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ .
التفسِير: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ ؟ أي أفمن كان في الحياة الدنيا مؤمناً متقياً لل، كمن كان فاسقاً خارجاً عن طاعة الله؟ ﴿لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ أي لا يستوون في الآخرة بالثواب والكرامة، كما لم يستووا في الدنيا بالطاعة والعبادة، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ [القلم: ٣٥] ؟ قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عدله وكرمه، أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة، من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله، بمن كان فاسقاً أي خارجاً عن طاعة ربه، مكذباً رسل الله، ثم فصَّل تعالى جزاء الفريقين فقال ﴿أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي أما المتقون الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى﴾ أي لهم الجنات التي فيها المساكن والدور والغرف العالية يأوون إِليها ويستمتعون بها قال البيضاوي: فالجنة هي المأوى الحقيقي، والدنيا منزل مرتحلٌ عنه لا محالة ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ضيافةً مهيأةً ومعدةً لإِكرامهم كما تهيأ التُحف للضيف وذلك بسبب ما قدموه من صالح الأعمال ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار﴾ أي وأمّأ الذين خرجوا عن طاعة الله فملجؤهم ومنزلهم نار جهنم ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ أي إِذا دفعهم لهب النار إِلى أعلاها ردُّوا إِلى موضعهم فيها قال الفُضيل بن عياض: والله إِن الأيدي لموثقة، وإِنَّ الأرجل لمقيَّدة، وإِنَّ اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي وتقول لهم خزنة جهنم تقريعاً وتوبيخاً: ذوقوا عذاب النار المخزي الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتهزءون منه، ثم توعدهم بعذاب عاجلٍ في الدنيا فقال ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى﴾ أي ولنذيقنَّهم من العذاب الأقرب وهو عذاب الدنيا من القتل والأسر والبلايا والمحن قال الحسن: العذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها مما يُبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقال أبو مجاهد: القتل والجوع ﴿دُونَ العذاب الأكبر﴾ أي قبل العذاب الأكبر الذي ينتظرهم وهو عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يتوبون عن الكفر والمعاصي، ثُم بعد أن توعدهم وهددهم بيَّن استحقاقهم للعذاب فقال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾ أي لا أحد أظلم لنفسه
стр. 1007
ممَّن وعظ وذكر بآيات الرحمن، ثم ترك الإِيمان وتناساها؟ ﴿إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ﴾ أي سأنتقم ممن كذَّب بآياتي أشدَّ الانتقام، ووضع الاسم الظاهر مكان الضمير لتسجيل الإِجرام عليهم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ أي أعطينا موسى التوراة ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي فلا تكن يا محمد في شكٍ من تلقي القرآن كما تلقَّى موسى التوراة، والمقصود تقرير رسالته ﵇، وتحقيق أن ما معه من الكتاب وحيٌ سماويٌ وكتابٌ إِلهي ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ﴾ أي جعلنا التوراة هدايةً لبني إِسرائيل من الضلالة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي جعلا منهم قادةً وقدوة يقتدى بهم في الخير ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي يدعون الخلق إِلى طاعتنا ويرشدونهم إِلى الدين بأمرنا وتكليفنا ﴿لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي حين صبروا على تحمل المشاق في سبيل الله، وكانوا يصدقون بآياتنا أشد التصديق وأبلغه قال ابن الجوزي: وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم وآمنتم جعلت منكم أئمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي إِن ربك يا محمد يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيميز بين المحقِّ والمبطل يوم القيامة، ويجازي كلاً بما يستحق، فيما اختلفوا فيه من أمور الدين قال الطبري: فيما كانوا فيه يختلفون من أمور الدين، والبعث، والثواب والعقاب، ثم بنه تعالى على آثار قدرته في مخلوقاته، وأقام الحجة على الكفار بالأمم السالفة الذين كفروا فأُهلكوا فقال ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ القرون﴾ أي أغفل هؤلاء المشركون ولم يتبيَّن لهم كثرة من أهلكناهم من الأمم الماضية الذين كذبوا رسل الله؟ ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي حال كون أهل مكة يسيرون في دورهم، ويشاهدون في أسفارهم منازل هؤلاء المهلكين أفلا يعتبرون؟ قال ابن كثير: أي وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك الظالمين، فلا يرون فيها أحداً ممن كان يسكنها ويعمرها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي إِن في إِهلاكهم لدلالات عظيمة على قدرتنا، أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ؟ ثم ذكر تعالى دلائل الوحدانية فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز﴾ أي أولم يشاهدوا كمال قدرتنا في سوقنا الماء إِلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها من شدة العطش لنحييها؟ ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي فنخرج بذلك الماء أنواع الزروع والثمار، تأكل منه دوابهم من الكلأ والحشيش، وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه والبقول ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي أفلا يبصرون ذلك فيستدلون به على كمال قدرته تعالى وفضله، ويعلمون أن الذي أحيا الأرض الميتة قادر على إِعادتهم بعد وفاتهم؟ ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ويقول كفار مكة للمسلمين على سبيل السخرية والتهكم: متى ستنصرون علينا ويكون لكم الغلبة والفتح علينا؟ إٍن كنتم صادقين في دعواكم قال الصاوي: كان المسلمون إٍن الله سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إِذا سمعوهم يقولون بطريق الاستعجال تكذيباً واستهزاءً: متى هذا الفتح فنزلت ﴿قُلْ يَوْمَ
стр. 1008
الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ﴾ أي قل لهم يا محمد توبيخاً وتبكيتاً: إِن يوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي الذي يفصل تعالى فيه بيننا وبينكم، ولا ينفع فيه الإِيمان ولا الاعتذار فلماذا تستعجلون؟ ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي ولا هم يؤخرون ويمهلون للتوبة قال البيضاوي: ويوم الفتح هو يوم القيامة فإِنه يوم نصر المؤمنين على الكافرين والفصل بينهم، وقيل هو يوم بدر ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء الكفار ولا تبالِ بهم ﴿وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي وانتظر ما يحل بهم من عذاب الله، إِنهم منتظرون كذلك ما يحل بكم قال القرطبي: أي ينتظرون بكم حوادث الزمان.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - جناس الاشتقاق مثل ﴿تُنذِرَ. . ونَّذِيرٍ﴾ وكذلك مثل ﴿انتظر. . إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ .
٢ - الطباق بين ﴿الغيب. . والشهادة﴾ وبين ﴿خَوْفاً. . وَطَمَعاً﴾ .
٣ - الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ والأصل «وجعل له» والنكتة أن الخطاب إِنما يكون مع الحيّ فلما نفخ تعالى الروح فيه حسن خطابه مع ذريته.
٤ - الاستفهام الإِنكاري وغرضه الاستهزاء ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؟
٥ - الإِضمار ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا.
٦ - الاختصاص ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي إِليه لا إِلى غيره مرجعكم يوم القيامة.
٧ - حذف جواب لو للتهويل ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ أي لرأيت أمراً مهولاً.
٨ - المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى ﴿نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ. . إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ فإِن الله تعالى لا ينسى وإِنما المراد نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي.
٩ - المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار وجزاء الفجار ﴿أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى. .﴾ ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار﴾ وهو من المحسنات البديعية.
١٠ - الكناية عن كثرة العبادة والتبتل ليلاً ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ .
١١ - الاستفهام للتقريع والتوبيخ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ ؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء﴾ ؟ ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؟ ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ وكلها بقصد الزجر والتوبيخ.
١٢ - السجع مراعاةً للفواصل ورءوس الآيات مثل ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ وهذا من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن الكريم.
стр. 1009
اللغَة: ﴿أَدْعِيَآءَكُمْ﴾ جمع دعيِّ وهو الولد المتبنَّى من أبناء الغير قال في اللسان: والدَّعيُ: المنسوب إلى غير أبيه، قال الشاعر:
دعيُّ القوم ينصرُ مدَّعيهِ ... لِيُلْحقه بذي النَّسب الصميم
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سِواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
﴿أَقْسَطُ﴾ أعدلُ يقال: أقسط الرجلُ إذا عدل، وقسطَ إذا ظلم، والقسطُ: العدلُ. ﴿مَسْطُوراً﴾ أي مسطَّراً مكتوباً لا يُمحى. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ الميثاقُ: العهد المؤكد بيمين أو نحوه. ﴿الحناجر﴾ جمع حنْجرة وهي نهاية الحلقوم مدخل الطعام والشراب. ﴿يَثْرِبَ﴾ اسم المدينة المنورة وسماها رسول الله ﷺ َ طيبة. ﴿عَوْرَةٌ﴾ خالية من الرجال غير محصَّنة يقال: دارً مُعْورة إذا كان يسهل دخولها، قال الجوهري: العَوْرة كلُّ خلل يُتخوف منه في ثغر أو حرب. ﴿أَقْطَارِهَا﴾ جمع قُطْر وهو الناحية والجانب. ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ يمنعكم. ﴿المعوقين﴾ المثبطين مشتق من عاقة إذا صرفه.
سَبَبَ النّزول: أ - روي أن رجلاً من قريش يُدعى «جميل بن مَعْمر» كان لبيباً حافظاً لما يسمع فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه فأنزل الله ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. .﴾ الآية.
ب - وروي أن النبي ﷺ َ لما أراد غزوة تبوك أمر الناس بالتجهز والخروج لها، فقال أناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فأنزل الله ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿ياأيها النبي اتق الله﴾ النداء على سبيل التشريف والتكرمة لأن لفظ النبوة مُشعر بالتعظيم والتكريم أي اثبتْ على تقوى الله ودُمْ عليها، قال أبو السعود: في ندائه ﷺ َ بعنوان النبوة تنويهٌ بشأنه، وتنبيهٌ على سمو مكانه، والمراد بالتقوى المأمور به الثباتُ عليه والازديادُ منه، فإنَّ له باباً واسعاً ومكاناً عريضاً لا ينال مداه ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ أي ولا تطع أهل الكفر والنفاق فيما يدعونك إليه من اللين والتساهل، وعدم التعرض لآلهتهم بسوء، ولا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، قال المفسرون: دعا المشركون رسول الله ﷺ َ أن يرفض ذكر آلهتهم بسوء، وأن يقول إن لها شفاعة، فكره ﷺ َ ذلك ونزلت الآية ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي إنه تعالى عالم بأعمال العباد وما يضمرونه في نفوسهم، حكيم في تدبير شؤونهم ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي واعمل بما يوحيه إليك ربك من الشرع القويم، والدين الحكيم، واستمسك بالقرآن المنزل عليك ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي خبير بأعمالكم لا تخفى عليه خافية من شؤونكم، وهو مجازيكم عليها ﴿وَتَوَكَّلْ على الله﴾ أي اعتمد عليه، والجأ في أمورك إليه ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي حسبك أن يكون الله حافظاً وناصرا لك ولأصحابك، ثم ردَّ تعالى مزاعم الجاهليين ببيان الحق الساطع فقال: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أي ما خلق الله لأحدٍ من الناس أياً كان قلبين في صدره،
стр. 1010
قال مجاهد: نزلت في رجل من قريش كان يُدعى «ذا القلبين» من دهائه وكان يقول: إنَّ في جوفي قلبين أعقل بكل واحدٍ منهما أفضل من عقل محمد ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي وما جعل زوجاتكم اللواتي تظاهرون منهنَّ أمهاتكم، قال ابن الجوزي: أعلمَ تعالى أن الزوجة لا تكونُ أُماً، وكانت الجاهلية تُطلّق بهذا الكلام وهو أن يقول لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ أي وما جعل الأبناء من التبني الذين ليسوا من أصلابكم أبناءً لكم حقيقةً ﴿ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي دعاؤهم أبناء مجرد قول بالفم لا حقيقة له من الواقع ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي والله تعالى يقول الحقَّ الموافق للواقع، والمطابق له من كل الوجوه ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى الصراط المستقيم، والغرضُ من الآية التنبيهُ على بطلان مزاعم الجاهلية، فكما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، فكذلك لا يمكن أن تصبح الزوجة المُظاهر منها أماً، ولا الولد المتبنَّى ابناً، لأن الأم الحقيقية هي التي ولدته، والابن الحقيقي هو الذي وُلد من صلب الرجل، فكيف يجعلون الزوجات المظاهر منهن أمهات؟ وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناءً لهم مع أنهم ليسوا من أصلابهم؟ ثم أمر تعالى بردّ نسب هؤلاء إلى آبائهم فقال: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي انسبوا هؤلاء الذين جعلتموهم لكم أبناء لآبائهم الأصلاء ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي هو أعدلُ وأقسط في حكم الله وشرعه قال ابن جرير: أي دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله وأصدقُ وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي فإن لم تعرفوا آباءهم الأصلاء فتنسبوهم إليهم فهم إخوانكم في الإسلام ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي أولياؤكم في الدين، فليقل أحدكم: يا أخي ويا مولاي يقصد أخوَّة الدين وولايته، قال ابن كثير: أمر تعالى بردّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عُرفوا، فإن لم يُعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله ﷺ َ لزيد بن حارثة:
«أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا» وقال ابن عمر: ما كنا ندعو «زيد ابن حارثة» إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي وليس عليكم أيها المؤمنون ذنبٌ أو إثم فيمن نسبتموهم إلى غير آبائهم خطأً ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي ولكنَّ الإثم فيما تقصدتم وتعمدتم نسبته إلى غير أبيه ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي واسع المغفرة عظيم الرحمة يعفو عن المخطئ ويرحم المؤمن التائب، ثم بيَّن تعالى شفقة الرسول ﷺ َ على أمته ونصحه لهم فقال: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي هو ﵇ أرأف بهم وأعطف عليهم، وأحقُّ بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ وطاعته أوجب ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهنَّ، قال أبو السعود: أي منزّلات منزلة
стр. 1011
الأمهات، في التحريم واستحقاق التعظيم، وأما فيما عدا ذلك فهنَّ كالأجنبيات ﴿وَأُوْلُو الأرحام﴾ أي أهل القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين﴾ أي أحقُّ بالإرث من المهاجرين والأنصار في شرع الله ودينه ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلاّ أن تحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين والمهاجرين في حياتكم، أو توصوا إليهم عند الموت فإن ذلك جائز، وبسط اليد بالمعروف مما حثَّ الله عباده عليه، قال المفسرون: وهذا نسخٌ لما كان في صدر الإسلام من توارث المسلمين من بعضهم بالأخوة الإيمانية وبالهجرة ونحوها ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ أي كان حكم التوارث بين ذوي الأرحام مكتوباً مسطراً في الكتاب العزيز لا يبدل ولا يُغير، قال قتادة: أي مكتوباً عند الله أَلاَّ يرث كافر مسلماً ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ﴾ أي اذكر وقت أخذنا من النبيين عهدهم المؤكد باليمين، أن يفوا بما التزموا، وأن يصدِّق بعضهم بعضاً وأن يؤمنوا برسالة محمد ﷺ َ ورسالاتهم ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ أي وأخذنا منك يا محمد الميثاق ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء هم أولو العزم ومشاهير الرسل، وإنما قدَّمه ﷺ َ في الذكر لبيان مزيد شرفه وتعظيمه، قال البيضاوي: خصَّهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع، وقدَّم نبينا ﵊ ُ تعظيماً له وتكريماً لشأنه وقال ابن كثير: بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبياناً لعظم مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ أي وأخذنا من الأنبياء عهداً وثيقاً عظيما ً على الوفاء بما التزموا به من تبليغ الرسالة ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ﴾ أي ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الصادقين عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، قال الصاوي: والحكمة في سؤال الرسل مع علمه تعالى بصدقهم هو التقبيح على الكفار يوم القيامة وتبكيتهم وقال القرطبي: وفي الآية تنبيه على أن الأنبياء إذا كانوا يُسألون يوم القيامة فكيف بمن سواهم؟ وفائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال تعالى لعيسى:
﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي وأعد الله للكافرين عذاباً مؤلماً موجعاً، بسبب كفرهم وإعراضهم عن قبول الحق، ثم شرع تعالى في ذكر «غزوة الأحزاب» وما فيها من نِعَم فائضة، وآيات باهرة للمؤمنين فقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي اذكروا فضله وإنعامه عليكم ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ أي وقت مجيء جنود الأحزاب وتألبهم عليكم، قال أبو السعود: والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة وبني النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً، فلما سمع رسول الله صلى الله ﵇ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة «سلمان الفارسي» ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندقُ بينه وبين المشركين، واشتد الخوف وظنَّ المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق في المنافقين حتى قال «معتب بن قشير» : يعدنا محمد كنوز كسرى
стр. 1012
وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي فأرسلنا على الأحزاب ريحاً شديدة وجنوداً من الملائكة لم تروهم وكانوا قرابة ألف، قال المفسرون: بعث الله عليهم ريحاً عاصفاً وهي ريح الصبا في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم، وكفأت قدروهم، وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل الله الملائكة فزلزلتهم ولم تقاتل بل ألقت في قلوبهم الرغب ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي وهو تعالى مطلع على ما تعملون من حفر الخندق، والثبات على معاونة النبي ﷺ َ في ذلك الوقت ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي حين جاءتكم الأحزاب من فوق الوادي يعني من أعلاه قِبل المشرق، ومنه جاءت أسد وغطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي ومن أسفل الوادي يعني أدناه قِبل المغرب، ومنه جاء قريش وكنانة وأوباش العرب، والغرض أن المشركين جاؤوهم من جهة المشرق والمغرب، وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم، وأعانهم يهود بني قريظة فنقضوا العهد مع الرسول وانضموا إِلى المشركين، فاشتد الخوف، وعظُم البلاء ولهذا قال تعالى ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ أي وحين مالت الأَبصار عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصاً لشدة الهول والرعب ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تبلغ الحناجر، وهذا تمثيلٌ لشدة الرغب والفزع الذي دهاهم، حتى كأن أحدهم قد وصل قلبه إِلى حنجرته من شدة ما يلاقي من الهول ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة، قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يُستأصلون، وظنَّ المؤمنون أنهم يُنصرون، فالمؤمنون ظنوا خيراً، والمنافقون ظنوا شراً، وقال ابن عطية: كاد المؤمنون يضطربون ويقولون: ما هذا الخُلف للوعد؟ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فتعجلوا ونطقوا وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إِلا غروراً ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ أي في ذلك الزمان والمكان امتحن المؤمنون واختبرونا، ليتميز المخلص الصادق من المنافق، قال القرطبي: وكان هذا الإِبتلاءُ بالخوف والقتال، والجوع والحصر والنزال ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي وحرّكوا تحريكاً عنيفاً من شدة ما دهاهم، حتى لكأن الأرض تتزلزل بهم وتضطرب تحت أقدامهم، قال ابن جزي: وأصل الزلزلة شدةُ التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب وتزعزعها ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي واذكر حين يقول المنافقون، والذين في قلوبهم مرض النفاق، لأن الإِيمان لم يخالط قلوبهم ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي وما وعدنا الله ورسوله إِلا باطلاً وخداعاً، قال الصاوي: والقائل هو «متعب بن قشير» الذي قال: يعندا محمدٌ بفتح فارس والروم، وأحدُنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً، ما هذا إِلا وعد غرور
стр. 1013
يغرنا به محمد ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي واذكر حين قالت جماعة من المنافقين وهم: أوس بن قيظي وأتباعه، وأُبيُّ بن سلول وأشياعه ﴿ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي يا أهل المدينة لا قرار لكم ههنا ولا إِقامة ﴿فارجعوا﴾ أي فارجعوا إِلى منازلكم واتركوا محمداً وأصحابه ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ ويستأذن جماعة من المنافقين النبي ﷺ َ في الإِنصراف متعللين بعلل واهية ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي غير حصينة فنخاف عليها العدوَّ والسُّرّاق ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ تكذيب من الله تعالى لهم أي ليس الأمر كما يزعمون ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي ما يريدون بما طلبوا من الرسول صلى الله عليهوسلم إِلا الهرب من القتال، والفرار من الجهاد، والتعبريُ بالمضارع ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾ لاستحضار الصورة في النفس، فكأن السامع يبصرهم الآن وهم يستأذنون، ثم فضحهم تعالى وبيَّن كذبهم ونفاقهم فقال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي ولو دخل الأعداء على هؤلاء المنافقين من جميع نواحي المدينة وجوانبها ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا﴾ أي ثم طلب إليهم أن يكفروا وأن يقاتلوا المسلمين لأعطوها من أنفسهم ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً﴾ أي لفعلوا ذلك مسرعين، ولم يتأخروا عنه لشدة فسادهم، وذهاب الحق من نفوسهم، فهم لا يحافظون على الإِيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، وهذا ذمٌ لهم في غاية الذم ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ أي ولقد كان هؤلاء المنافقون أعطوا ربهم العهود والمواثيق من قبل غزوة الخندق وبعد بدر ألاَّ يفروا من القتال ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي وكان هذا العهد منهم جديراً بالوفاء لأنهم سيسألون عنه، وفيه تهديدٌ ووعيد، قال قتادة: لما غاب المنافقون عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدرٍ من الكرامة والنصر، قالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل﴾ أي قل يا أيها النبي لهؤلاء المنافقين، الذين يفرون من القتال طمعاً في البقاء وحرصاً على الحياة، إن فراركم لن يطوّل أعماركم ولن يؤخر آجالكم، ولن يدفع الموت عنكم أبداً ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي ولئن هربتم وفررتم فإِذاً لا تمتعون بعدة إلا زمناً يسيراً، لأن الموت مآل كل حي، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ﴿قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي من يستطيع أن يمنعكم منه تعالى ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سواءا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي إن قدَّر هلاككم ودماركم، أو قدَّر بقاءكم ونصركم؟ ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي وليس لهم من دون الله مُجير ولا مغيث، فلا قريب ينفعهم ولا ناصر ينصرهم ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ أي لقد علم الله تعالى ما كان من أمر أولئك المنافقين، والمثبطين للعزائم، م الذين يعّوقون الناس عن الجهاد، ويصدونهم عن القتال ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي والذين يقولون لإِخوانهم في الكفر والنفاق: تعالوا إِلينا واتركوا محمداً وصبحه يهلكوا ولا تقاتلوا معهم، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي ولا يحضرون القتال إِلا قليلاً منهم رياءً وسمعة، قال الصاوي: لأن شأن من يثبّط غيره عن الحرب ألاّ يفعله إلآ قليلاً لغرضٍ خبيث وقال في البحر: المعنى: لا يأتون القتال إلا إتياناً قليلاً، يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم،
стр. 1014
ولا تراهم يقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه، فقتالُهم رياء ليس بحقيقة ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي بخلاء عليم بالمودة والشفقة والنصح لأنهم لا يريدون لكم الخير ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي فإذا حضر القتال رأيت أولئك المنافقين في شدة رغب لا مثيل لها، حتى إنهم لتدور أعينهم في أحداقهم كحال المغشي عليه من معالجة سكرات المت حَذراً وخَوراً، قال القرطبي: وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يميناً وشمالاً محدّداً بصره، وربما غُشي عليه من شدة الخوف ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي فإذا ذهب الخوف عنهم وانجلت المعركة آذوكم باكلام بألسنة سَليطة، وبالغوا فيكم طعناً وذماً، قال قتادة: إِذا كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون: أعطونا أعطونا فإنا قد شهدنا معكم، ولستم أحقَّ بها منا، فأما عند البأس فأجبن قومٍ وأخذلهم للحق، وأمّا عند الغنيمة فأشح قوم وأبسطهم لساناً ﴿أَشِحَّةً عَلَى الخير﴾ أي خاطبوكم بما خاطبوكم به حال كونهم أشحة أي بخلاء على المال والغنيمة ﴿أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ﴾ أي أولئك الموصوفون بماذكر من صفات السوء، لم يؤمنوا حقيقةً بقلوبهم وإن أسلموا ظاهراً ﴿فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها بسبب كفرهم ونفاقهم، لأن الإِيمان شرط في قبول الأعمال ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي وكان ذلك الإِحباط سهلاً هيناً على الله، ثم أخبر تعالى عنهم بما يدل على جبنهم فقال: ﴿يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي بحسب المنافقون نم شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب وهم كفار قريش ومن تحزب معهم بعد انهزامهم لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد انصرفوا ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب﴾ أي وإن يرجع إليهم الكفار كرة ثانية للقتال يتمنوا لشدة جزعهم أن يكونوا في البادية من الأعراب لا في المدينة معكم حذراً من القتل وتربصاً للدوائر ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ﴾ أي يسألون عن أخباركم وما وقع لكم فيقولون: أهلك المؤمنون؟ أغلب أبو سفيان؟ ليعرفوا حالكم بالإِستخبار لا بالمشاهدة ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي ولو أنهم كانوا بينكم وقت القتال واحتدام المعركة ما قاتلوا معكم إلا قتالاً قليلاً، لجبنهم وذلتهم وحرصهم على الحياة.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التنكير لإِفادة الإِستغراق والشمول ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ﴾ وإدخال حرف الجر الزائد لتأكيد الإِستغراق، وذكر الجوف ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لزيادة التصوير في الإِنكار.
٢ - جناس الإشتقاق ﴿وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ .
٣ - الطباق بين ﴿أَخْطَأْتُمْ. . و. . تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وبين ﴿سواء. . و. . رَحْمَةً﴾ لأن المراد بالسوء الشر، وبالرحمة الخير.
٤ - التشبيه البليغ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ حُذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغاً، وأصل الكلام: وأزواجه مثل أمهاتهم في حروب الإحترام والتعظيم، والإِجلال والتكريم.
٥ - المجاز بالحذف ﴿أولى بِبَعْضٍ﴾ أي أولى بميراث بعض.
стр. 1015
٦ - ذكر الخاص بعد العام للتشريف ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة النبيين ولكنه خصهم بالذكر تنويهاً بشأنهم وتشريفاً لهم.
٧ - الاستعارة ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ استعار الشيء الحسي وهو الغلظُ الخاص بالأجسام للشيء المعنوي وهو بيان حرمة الميثاق وعظمه وثقل حمله.
٨ - الالتفات ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين﴾ وغرضه التبكيت والتقبيح للمشركين.
٩ - الطباق بين ﴿مِّن فَوْقِكُمْ. . و. . أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ .
١٠ - التشبيه التمثيلي ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
١١ - المبالغة في التمثيل ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ صوَّر القلوب في خفقاتها واضطرابها كأنها وصلت إِلى الحلقوم.
١٢ - الكناية ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ كناية عن الفرار من الزحف.
١٣ - الإستعارة المكنية ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ شبَّه اللسان بالسيف المصلت وحذف ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق بمعنى الضرب على طريق الاستعارة المكنية، ولفظ ﴿حِدَادٍ﴾ ترشيح.
١٤ - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً. . مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ونحوه وهو يزيد في رونق الكلام وجماله، لما له من وقع رائع، وحرْس عذب.
تنبيه: خاطب الله تعالى الأنبياء بأسمائهم فقال ﴿يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ [هود: ٤٨] ، ﴿ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾ [الصافات: ١٠٤١٠٥] ، ﴿ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولم يخاطب الرسول إلا بلفظ النبوة والرسالة
﴿ياأيها النبي حَسْبُكَ الله﴾ [الأنفال: ٦٤] ، ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الخ ولا نجد في القرآن العظيم كله نداءٌ له باسمه، وإنما النداء بلفظ النبوة والرسالة، وفي هذا تفخيم لشأنه، وتعظيم لمقامه، وإِشارة إلى أنه سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، وتعليم لنا الأدب معه ﷺ َ، فلا نذكره إِلا مع الإِجلال والإِكرام، ولا نصفه إلا بالوصف الأكمل ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] ، ﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ [الحجرات: ٣] الآية.
لطيفَة: إن قيل: ما الفائدة بأمر الله رسوله بالتقوى وهو سيد المتقين؟ فالجواب أنه أمرٌ بالثبات والاستدامة على التقوى كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] أي اثبتوا على الإيمان وكقول المسلم: ﴿
١٦٤٩ - ;هْدِنَا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] وهو مهتد إليه وغرضه ثبتنا على الصراط المستقيم، أو نقول: الخطاب للرسول ﷺ َ والمراد أمته.
стр. 1016
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى غزوة الأحزاب، وموقف المنافقين المذبذبين منها، بالقعود عن الجهاد، وتثبيط العزائم، أمر المؤمنين في هذه الآيات بالإقتداء بالرسول الكريم في صبره وثباته، وتضحيته وجهاده، ثم جاء الحديث عن زوجات رسول الله الطاهرات، وأمرهنَّ بالإقتداء برسول الله ﷺ َ في زهده، وعدم التطلع إلى زهة الدنيا لأنهم قدوة لسائر نساء المؤمنين.
اللغَة: ﴿أُسْوَةٌ﴾ الأسوة: القدورة وفيها لغتان كسر الهمزة وضمها يقال: أئتسى فلان بفلان أي اقتدى به. ﴿نَحْبَهُ﴾ النَّحب: النذرُ والعهد يقال: نَحَبَ ينحب من باب قَتل نَذر، ومن باب ضَرب بَكى، قال لبيد:
стр. 1017
ألا تسْألانِ المرءَ ماذا يُحاول ... أنحْبٌ فيُقضى أم ضلال وباطل
ويقال: قضى نحبه إِذا مات، وعبَّر به عن الموت لأن كل حي لا بدَّ أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره. ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ حصونهم جمع صيصية وهو ما يُتحصن به، قال الشاعر:
فأصبحت الثيرانُ صَرْعى وأصبحت ... نساءُ تميم يبْتدرنَ الصَّياصيا
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ متعة الطلاق، وأصل المتاع ما يُتبلَّغ به من الزاد، ومنه متعة المطلقة لأنها تنتفع وتتمتع به. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أطلقكنَّ، وأصل التسريح في اللغة: الإِرسال والإِطلاق. ﴿تَبَرَّجْنَ﴾ تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب، وأصله من الظهور ومنه سمي البرج لسعته وظهوره. ﴿وَقَرْنَ﴾ الزمن بيوتكن من قولهم: قررتُ بالمكان أقرُّ به إذا بقيت فيه ولزمته، والقرار: مصدر، وأصل «قرن» قررن حذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. ﴿الرجس﴾ في اللغة: القذر والنجاسة، وعُبّر به هنا عن الآثام لأن عرض المقترف للقبائح يتلوث بها ويتندس، ما يتلوث بدنه بالنجاسات.
سَبَبُ النّزول: أأخرج ابن جرير الطبري عن أنس بن مالك قال: عاب عمي «أنس بن النضر» عن قتال يوم بدر، فقال: غبتُ عن أول قتالٍ مع رسول الله ﷺ َ؟ لئن أشهدني الله قتالاً ليرينَّ الله ما أصنع؟ فلما كان يوم أُحُد انكشف المسلمون انهزموا فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء يعني المسلمين ثم مشى بسيفه فلقيه «سعد بن معاذ» فقال: أي سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أُحد! ثم قاتل حتى قتل، فقال سعد يار سول الله: ما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة بين ضربةٍ بسيق، أو طعنةٍ برمح، أو رمية بسهم، فما عرفناه حتى جاء أخته فعرفته ببنانه رؤوس الأصابع قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ.
.﴾ نزلت فيه وفي أصحابه.
ب وروي الإِمام أحمد عن جابر ﵁ قال: «أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ َ والناسُ ببابه جلوس فلم يُؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فلم يُؤذن له، ثم أُذن لأبي بكرٍ وعمر فدخلا والنبي ﷺ َ جالسٌ وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمنَّ النبي ﷺ َ لعله يضحك ﴿فقال يا رسول الله: لو رأيت انبة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ َ حتى بدتْ نواجذه، وقال:» هُنَّ حَوْلِي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ «﴾ فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصه كلاهما يقولان: تسألانِ رسول الله ما ليس عنده؟ فنهاهما
стр. 1018
رسول الله ﷺ َ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ َ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله آية الخيار ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ فبدأ بعائشة ﵂ فقال لها:» إِنِّي أَذْكُرُ لَكَ أَمْراً ما أُحِبُّ ِأَنْ تَعْجَلِي فِيه حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ «، قالت: ما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية فقالت: أفيك أستأمرُ أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألاّ تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال:» إِنَّ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنَّفاً وَلكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّماً وَمُيَسِّراً، لا تَسْأَلُنِي امْرَأةٌ مِنْهُنَّ إلا أَخْبَرْتُهَا «.
ج عن أم سلمة ﵂ أنها قالت للنبي صلى لله عليه وسلم يا نبيُّ الله: ما لي أسمع الرجال يُذكرون في القرآن، والنساء لا يُذكرن ﴿؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في هذا الرسول العظيم قدوةٌ حسنة، تقتدون به ﷺ َ في إخلاصه، وجهاده، وصبره، فهو المثل الأعلى الذي يجب أن يُقتدى به، في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحي وتنزيل، فلذلك وجب عليكم تتبع نهجه، وسلوك طريقه ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر﴾ أي لمن كان مؤمناً مخلصاً يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه ﴿وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ أي وأكثر من ذكر ربه، بلسانه وقلبه، قال ابن كثير: أمر ﵎ الناسَ بالتأسي بالنبي ﷺ َ في صبره ومصابرته، ومجاهدته ومرابطته، ولهذا قال للذين تضجَّروا وتزلزلوا، واضطربوا يوم الأحزاب ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والمعنى: هلاّ اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ﷺ َ﴾ ! ثم حكى تعالى موقف المؤمنين الصادقين في غزوة الأحزاب أثناء رؤيتهم جنود قريش ومن تحزَّب معهم، وما صدر عن المؤمنين من إخلاصٍ ويقين، تُظهر بوضوح روح الإِيمان والتضحية فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ أي ولمَّا رأى المؤمنون الكفار قادمين نحوهم، وقد أحاطوا بهم من كل جانب إِحاطة السوار بالمعصم، قالوا: هذا ما وعدنا به الله ورسولُه، من المحنة والابتلاء، ثم النصر على الأعداء ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ أي صدق الله في وعده، ورسولُه فيم بشرنا به، قال المفسرون:
«لما كان المسلمون يحفرون الخندق اعترضتهم صخرة عظيمة عجزوا عن تكسيرها، فأخبروا الرسول ﷺ َ بها فجاء وأخذ المعول وضربها ثلاث ضربات أضاءت له منها مدائن كسرى، وقصور الروم، فقال:» أَبْشِرُوا باِلنَّصْرِ «، لما أقبلت جموع المشركين ورأوهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ أي وما زادهم ما رأوه من كثرة جند الأحزاب، ومن شدة الضيق والحصار، إِلا إِيماناً قوياً عميقاً بالله، واستسلاماً وانقياداً لأوامره ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي ولقد كان من أولئك المؤمنين رجالٌ صاقدون، نذروا أنهم إِذا أدركوا حرباً مع رسول الله ﷺ َ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا ﴿فَمِنْهُمْ مَّن
стр. 1019
قضى نَحْبَهُ﴾ أي فمنهم من وفّى بنذره وعهده حتى استشهد في سبيل الله كأنس بن النضر وحمزة ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ أي ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيل الله ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي وما غيَّروا عهدهم الذي عاهدوا عليه ربهم أبداً ﴿لِّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ﴾ أي ليجزي الله الصادقين بسبب صدقهم وحُسن صنيعهم أحسن الجزاء في الآخرة ﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي ويعذّب المنافقين الناقضين للعهود بأن يُميتهم على النفاق فيعذبهم، أو يتوب عليهم فيرحمهم ﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي واسع المغفرة رحيماً بالعباد، قال ابن كثير: ولما كانت رحمته ورأفته ﵎ هي الغالبة لغضبه ختم بها الآية الكريمة ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ أي وردَّ الله الأحزاب الذين تألبوا على غزو المدينة خائبين خاسرين، مغيظين محنقين، لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا ﴿لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً﴾ أي حال كونهم لم ينالوا أيَّ خير لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل قد اكتسبوا الآثام في مبارزة الرسول ﵇ وهمّهم بقتله ﴿وَكَفَى الله المؤمنين القتال﴾ أي كفاهم شرَّ أعدائهم بأن أرسل عليهم الريح والملائكة حتى ولّوا الأدبار منهزمين ﴿وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي قادراً على الانتقام من أعدائه، عزيزاً غالباً لا يُقهر، ولهذا كان ﵇ يقول:» لا إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأْحَْابَ وَحْدَهُ «
﴿وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكتاب مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي وأنزل اليهود وهم بنو قريظة الذين أعانوا المشركين ونقضوا عهدهم وانقلبوا على النبي وأصحابه، أنزلهم من حصونهمه وقلاعهم التي كانوا يتحصنون فيها ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ أي ألقى الله في قلوبهم الخوف الشديد حتى فتحوا الحصون واستسلموا، قال ابن جزي: نزلت الآية في يهود «بني قريظة» وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله ﷺ َ فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انهزم المشركون وانصرفت قريش عن المدينة حاصر رسول الله ﷺ َ بني قريظة حتى نزلوا على حكم «سعد بن معاذ» فحكم بأن يُقتل رجالهم، ويُسبى نساءهم وذريتهم فذلك قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني الرجال وقتل منهم يومئذٍ مابين الثمانمائة والتسعمائة ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والذرية ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي قادراً على كل ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال أبو حيان: ختم تعالى هذه الآية ببيان قدرته على كل شيء، وكأن في ذلك إشارة إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، فكما ملَّكهم هذه الأراضي فكذلك هو قادر على أن يملّكهم غيرها من البلاد ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ أي قل لزوجاتك اللاتي تأذيتَ منهن بسبب سؤالهن إياك الزيادة في النفقة ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ أي إن رغبتُنَّ في سعة الدنيا ونعيمها، ويهرجها الزائل ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أي فتعالينَ حتى أدفع لكنَّ متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي
стр. 1020
وأطلقكُنَّ طلاقاً من غير ضرار ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة﴾ أي وإِن كنتُنَّ ترغبن في رضوان الله ورسوله، والفوز بالنعيم الوفير في الدار الآخرة ﴿فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ جواب الشرط أي فإن الله تعالى قد هيأ للمحسنات منكنَّ بمقابلة إحسانهن ثواباً كبيراً لا يوصف، وهو الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمت، ولا خطر على قلب بشر، قال في البحر: لما نصر الله نبيه، وفرَّق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنظير، ظنَّ أزواجه أنه اختصَّ بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول الله: بناتُ كسرى وقيصر في الحُليّ والحُلَل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق!! وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهنَّ بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما أنزل في أمرهنَّ، وأزواجه إذ ذاك تسع زوجات ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ أي وأورثكم يا معشر المؤمنين أرضي بني قريظة وعقارهم وخيلهم ومنازلهم وأموالهم التي تركوها ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ أي وأرضاً أخرى لم تطؤوها بعدُ بأقدامكم، وهي خيبر لأنها أُخذت بعد قريظة، وكل أرض فتحها المسلمون بعد ذلك ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي من تفعل منكن كبيرةً من الكبائر، أو ذنباً تجاوز الحدَّ في القبح، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ أي يكون جزاؤها ضعف جزاء غيرها من النساء، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي كان ذلك العقاب سهلاً يسيراً على الله، لا يمنعه منه كونهنَّ أوزاج ونساء النبي ﷺ َ، وفي الآية تلوين للخطاب، فبعد أن كانت المخاطبة لهن على لسان رسول الله ﷺ َ وجَّه الخطاب إِليهنَّ هنا مباشرةً لإِظهار الاعتناء بأمرهن ونصحهن، قال الصاوي: وهذه الآيات خطاب من الله لأزواج النبي ﷺ َ إظهاراً لفضلهن، وعِظم قدرهن عند الله تعالى، لأن العتاب والتشديد في الخطاب مشعر برفعة رتبتهن، لشدة قربهن من رسول الله ﷺ َ ولأنهن أزواجه في الجنة، فبقدر القرب من رسول الله يكون القرب من الله ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ومن تواظب منكنَّ على طاعة الله وطاعة رسوله ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي وتتقرب إِلىلله بفعل الخير وعمل الصالحات ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي نعطها الثواب مضاعفاً ونثيبها مرتين: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على طلبهنَّ رضاء رسول الله ﷺ َ بالقناعة وحسن المعاشرة ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي وهيأنا لها في الجنة زيادة على ما لها من أجر رزقاً حسناً مرضياً لا ينطقع، ثم أظهر فضيلتهنَّ على النساء فقال: ﴿يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء﴾ أي أنتن تختلقن عن سائر النساء من جهة أنكنَّ أفضل وأشرف من غيركن، لكونكن زوجات خاتم الرسل، وأفضل الخلق محمد عليه أفضل الصةلا والتسليم، فليست الواحدة منكنَّ كالواحدة من آحاد النساء ﴿إِنِ اتقيتن﴾ شرطٌ حذف جوابه لدلالة ما قبله أي إن اتقيتنَّ الله فأنتُنَّ بأعلى المراتب، قال القرطبي: بيَّن تعالى أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى، لما منحنَّ الله من صحبة رسوله سيد الأولين والآخرين، وقال ابن عباس: يريد في هذه الآية: ليس قدركنَّ عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتُنَّ أكرمُ عليَّ وثوابكنَّ أعظم إن اتقيتُن، فشرط عليهن التقوى بياناً أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله
следующие страницы →