← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8973

النقص من النص حقيقته وحكمه وأثر ذلك في الاحتجاج بالسنة الآحادية

عمر بن عبد العزيز بن عثمان

Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بأن جواز تراخي المخصص يوجب الشك في كل فرد على سبيل البدل، بينما تأخير النسخ يوجب الشك في الجميعِ: هل يبقى الحكم بالنسبة لهم أو ينسخ؟ فكان تأخير النسخ أحق بالمنع - لو كان هذا مانعا من تأخير التخصيص. فلما جاز تأخير الناسخ بالاتفاق لزم أن يجوز تأخير المخصص أيضاً١. الموازنة والترجيح ينبغي - ونحن في صدد الموازنة والترجيح - أن نقف وقفات تأمل عند الأمور الآتية: أولا: إن ما ذكره المانعون من تراخي التخصيص من استلزام تراخيه لتلك اللوازم الباطلة التي ذكروها في أدلتهم كالتجهيل والتحكم والبيان بالملبس وغيرها لا يختلف موقف المخصص الأول عن المخصصِ الثاني منها. لأن المهمة المناطة بالمخصص الأول هي التي نيطت بالمخصص الثاني أيضاً وقد انعقد الاتفاق بين المانعين من تراخي التخصيص والمجيزين له، على جواز تراخي المخصص الثاني. وما تجويز ذلك إلا اعتراف بأن تلك اللوازم غير لازمة لتراخي المخصص الأول أيضا نظراً لاتحاد مهمتهما. وعندئذ يكون تجويز التراخي في أحدهما دون الآخر تحكماً لا يجوز المصير إليه. حاول المانعون التخلص من هذا التحكم فقالوا: إن مرادهم بتأخير المخصص الثاني تأخير المخصص التفصيلي عن المخصص الإجمالي. ومادام الإجمالي قد اقترن بالعام فلا مانع من تراخي التفصيلي لأن الواجب هو اقتران أحدهما بالعام. ولأن تأخير البيان التفصيلي عن الإجمالي إلى وقت الحاجة جائز. وقالوا: إن المخصص الثاني ليس مخصصاً حقيقة، وإنما المراد منه هو الكلام الذي ورد لبيان المخصص المجمل وإطلاق المخصص عليه تسامح، والذي سوغ هذا الإطلاق ما يربط بينهما من علاقة البيان في كل منهما٢. والذي يظهر أن هذه المحاولة لا تجدي نفعاً ولا يورِث تخلصاَ. لأن المخصص الثاني لا ينحصر في التفصيلي بعد الإِجمالي، بل قد يكون مستقلاَ عن الأول، يخرج عن العام أفراداً غير التي أخرجها المخصص الأول. ثانياً: إن قصر (ما تعبدون) على الأصنام فقط باعتبارها معبود أهل مكة، وهم المخاطبون في حيز المنع، لأن العبرة بعموم اللفظ وهو (ما) لا بخصوص السبب، ثم إن

стр. 37

انحصار المخاطبين في أهل مكة يحتاج إلى دليل ولم يأتوا به. بل المخاطب كل من يمكن أن تبلغه الآية سواء كان في مكة أو في غيرها، ولا نسلم أن كل ما عبدوه هو الأصنام فقط، فلم تكن الأصنام فقط هي الموصوفة بعبادة المخاطبين لها. ثم إن دعوى كون (ما) في هذه الآية لغير العاقل فقط غير مسلمة، بل (إن) ما تطلق على من يعقل ويعلم أيضا، يدلّ على ذلك عدة أدلة منها ما يدل على إطلاقه على العاقل عامة ومنها ما يدل على إطلاقه على من يعقل في هذه الآية. أما الأول: فمنه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٢ وقوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٣ " فإن (ما) في هذه الآيات لمن يعلم٤. ومن جهة أخرى فإن (ما) قد تطلق بمعنى "الذي" باتفاق أهل اللغة، ويصح إطلاق (الذي) على العاقل٥. وأما الثاني: فهو أن الإتيان بقيد (من دون الله) يدل على الحاجة إليه، وهذه الحاجة تنبعث من تناول (ما) لمن يعقل ويعلم، فأتى بهذا القيد لإخراج الله حيث كانت (ما) متناولة له بعمومها. فلو كانت مختصة بما لا يعقل لما احتيج إليه، ولما كان لها فائدة سوى التأكيد أما بناء على أن (ما) متناولة لما يعقل، تكون فائدة هذا القيد التأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد، لأنه الأصل فحمل الكلام عليه أولى٦. ومن جهة ثانية فإن ابن الزبعري٧ فهم تناول (ما) في هذه الآية لمن يعقل ولهذا بادر بسؤاله عن مصير عيسى وعزير والملائكة ﵈، وهو من فصحاء العرب عارف

стр. 38

بلغاتها ملم بمراميها وأسرارها. وكذلك الرسول ﷺ لم ينكر عليه سؤاله١ بل انتظر البيان بالتخصيص. فسؤال ابن الزبعري وعدم إنكار النبي ﷺ لسؤاله يدلان على أن (ما) في هذه الآية تعم من يعقل. بقي بعد ذلك، قول المانعين عن تراخي المخصص، إن المخصص في هذه الآية هو العقل بناء على فرض تسليم تناول (ما) لمن يعقل، ويجاب عنه بأن قيام المخصص العقلي عند نزول هذه الآية غير مسلم، لأن عدم رضا المسيح والملائكة بعبادة الناس لهم إنما يعرف بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية، لا بالعقل إذ لا مجال له في إدراكه، فإذاً تكون الآية هي المخصصة لا العقل٢. ثالثاً: إن دعوى اقتران التخصيص بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ بدليل قول الملائكة: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ، غير مسلمة لأن تعليل الملائكة الإهلاك بكونهم ظالمين، لا يدل على اختصاص الهلاك بالظالمين فقط حتى يخرج لوط ومن معه من لحوق الهلاك بهم، لأن الهلاك قد يلحق بمن لم يصدر منه الظلم بسبب ظلم الآخرين. يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٣ ولو كان لوط ومن معه خارجين عن الأهل لما احتيج إلى إخراجهم بقول الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ الآية، لأن الإِخراج فرع الدخول، ولم يكن لهذا القول فائدة إلا التأكيد وحمل الكلام على التأسيس هو الأصل والأولى. وكذلك لو لم يكن لوط ومن معه دخلوا في عموم الأهل، لما كان هناك إلى سؤال إبراهيم بقوله إن فيها لوطا داعٍ، فسؤاله هذا يدل على دخلوهم وإفادة الكلام لذلك. ثم إن اعتبار تخلل السؤال بين القولين بمثابة سعال أو انقطاع نفس وعدم اعتباره تأخيراً للتخصيص فيه نظر، فإن سؤال إبراهيم يدل على أن الملائكة أكملوا كلامهم بحيث عدوا معرضين عن كلامهم الأول فاستفسر منهم بهذا السؤال. رابعاً: إن قولهم إن المراد من الأهل الأتباع، يأبى عنه عطف جملة ﴿وَمَنْ آمَن﴾ على ﴿وَأَهْلَكَ﴾ لأن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. فإذا أريد من الأهل

стр. 39

الأتباع يكون المعطوف هو نفس المعطوف عليه، وتنتفي المغايرة بينهما، بل المراد من الأهل والله أعلم الأتباع الذين بينهم وبين نوح علاقة القرابة أيضاً، ويكون المراد من (من آمن) الأتباع الذين لا تربطهم بنوح علاقة القرابة فيكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه١. ثم إن جعل ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك﴾ بيان مجمل سواء كان المجمل الأهل أو الاستثناء المجهول، يلزمه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن وقت الحاجة هنا هو وقت الامتثال بالأمر بالإركاب، وقبل غرق الابن وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك﴾ كان بعد الغرق، وتأخير البيان من وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق، فدعوى كونه بيان مجمل في حيز المنع. ورغم دفع الاعتراض عن هذا الدليل، فإن هذا الدفع لا يبرر ضعف الدليلِ ولا يثبت صلاحيته لإِثبات كون (أنه ليس من أهلك) تخصيصاً، لأنه على كونه تخصيصًا يلزم تأخير بيان التخصيص عن وقت الحاجة وهذا ممتنع اتفاقاً٢. فإذاً لا يخلو هذا الدليل من ضعف ولا ينهض حجة للمستدلين به على جواز تراخي التخصيص. والذي يظهر أن الأصوب أن يكون ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك﴾ بيان تقرير لما أراده الله من الأهل وهو الأتباع مع القرابة، وأمره ﵇ ابنه بالركوب لظن إيمانه حيث كان مستور الحال كما ذكرنا، والله أعلم. خامساً: إنه بناء على جعل السلب للقاتل ناسخاً لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ الآية، يلزم المانعين من تراخي التخصيص القول بنسخ المحتمل، وهو خبر الواحد للقاطع وهو العام الكتابي، ولا يمكنهم القول به لأنه إبطال القاطع بالمحتمل، فيبطل دعوى النسخ، ولما أدركوا ورود هذا عليهم أرادوا أن يتلافوه بالجواب عنه وذلك بالتسوية بين النسخ والتخصيص وجعل الفرق بينهما تحكماً، حيث قالوا إن نسخ البعض بيان من وجه لأن المنسوخ لا يبطل به بالكلية وإنما يبقى معمولا في البعض فلا بد أن يجوز النسخ كالتخصيص تجنبا من التحكم٣، ولكن جوابهم هذا يمكن أن يدفع بأنه إن كان التحكم يلزم بناء على القول بالتخصيص فإنه يلزم أيضا بناء على القول بالنسخ، لأنهم ماداموا سووا بين النسخ والتخصيص هنا في جوازهما، فالقول بالنسخ دون

стр. 40

التخصيص ترجيح بلا مرجح، على أنه مادام الأمر تردد بين النسخ والتخصيص فإن التخصيص هو الراجح والأولى؛ لأن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص منع من إثبات الحكم ودفع له، والدفع أسبل من الرفع، فيكون أولى. وأما عن تخصيص العام الثاني في الآية وهو (ذي القربى) فقد أجابوا عنه بجوابين لم يسلما لهم. أما الجواب الأول: فقالوا: إن ذي القربى وإن كان عاماً إلا أن المراد به القرابة القريبة، وهي لا تشمل بني نوفل وبني أمية فلا يدخلون فيه، وماداما لم يدخلا فلا إخراج بالنسبة لهما١. وهذا الجواب مردود لأن بني أمية وبني نوفل وبني المطلب كلهم في درجة واحدة من القرابة٢. فهم جميعاً داخلون في ذي القربى وهو بعمومه يتناولهم لكن منع الرسول ﷺ لبني نوفل وبني أمية من الخمس خصص هذا العموم. الجواب الثاني: هو أن المراد بالقرابة قرابة النصرة والنسب٣. ويرد هذا الجواب بأنه تحميل للفظ ذي القربى معنى لا يفيده اللفظ وإنما هو تأويل واضح البعد. سادساً: إن التفريق بين النسخ والتخصيص من حيث جواز تأخير بيان الأول دون الثاني تحكم، لأن الخطاب المنسوخ كان ظاهراً في تناوله لجميع أوقات الحياة، كما أن العام ظاهر في تناوله لجميع الأفراد، فالأوقات في المنسوخ بمثابة الأفراد في العام، فإذا كان المخاطب يعتقد في العام إرادة جميع الأفراد فإنه في الخطاب الذي يراد نسخه يعتقد أيضاً إرادة جميع الأوقات. فإذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر في تناول جميع الأوقات بدليل متأخر جاز أيضاً تخصيص ما يتناوله اللفظ في تناوله لجميع الأفراد. ثمَّ إن المكلف كما يتمكن من العمل بما يطابق ما يراد من المنسوخ في نفس الأمر، فإنه أيضا يتمكن من العمل بما يطابق ما يراد من العام في نفس الأمر لأن التخصيص لا يتأخر عن وقت العمل، وقبله لا عمل للمكلف كما ذكرنا إنما العمل يبدأ بعد التخصيص وبعده يكون المكلف قد علم ما يراد من العام في نفس الأمر، فيكون عمله مطابقاً له.

стр. 41

هذا ومن نظر في عمومات القرآن الكريم والسنة الشريفة يرى كثيراً منها خصصت بأدلة متأخرة عنها مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ١ فهذا عام ثم ورد بعده قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ٢ مخصصاً لعمومه متأخراً وكذلك بقية الأعذار، ومثل قوله ﷺ : "ليس في الخضروات صدقة" ٣، ثم قال بعد ذلك: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"٤، ومثلٍ قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٥، ثم ورد قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة" ٦ بعد ذلك متأخرا. الحالة الثالثة: تقدم الخاص على العام ومثلوا له بما روي عن أنس٧ قال: "قدم أناس من عكل - أو عرينة - فاجتووا٨ المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح٩ وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ... الحديث " ١٠. وبما روي عن ابن عباس ١١ رفعه إلى النبي ﷺ وقال: "عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول " ١٢. فالحديث الأول خاص في الأمر بالشرب من أبوال الإبل. والحديث الثاني عام يشمل الأمر بالاستنْزاه من كل بول، أبوال الإبل وغيرها. وقد اختلف حكمهما بالنسبة لأبوال الإبل فاقتضى الأول جواز شربها للتداوي واقتضى الثاني عدم جواز شربها ضمن دلالته على.

стр. 42

وجوب الاستنْزاه والابتعاد عن كل بول المستلزم لعدم الشرب. وذكروا أن الحديث الثاني ورد بعد الأول١. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الحالة: فذهب الجمهور إلى أن الخاص يخصص العام٢. وذهب الحنفية إلى أن العام ينسخ الخاص٣. أدلة الجمهور: استدل الجمهور بأدلة منها ما يلي: أ - أن الخاص المتقدم على العام كالمعهود بين المتكلم والمخاطب. فإذا أطلق العام انصرف إلى الخاص. كما هو جار في انصراف الخطاب عند الإطلاق إلى المعهود٤. ومعنى انصراف العام إلى الخاص، أن الخاص لما سبق وعرف حكمه أصبح عالقاً بالذهن معهودًا فيه، فعندما يأتي العام - وهو متناول للخاص المتقدم - ويخالف حكمه حكمه يتبين أن المراد من العام غير الخاص فيختص حكم العام بأفراده التي تبقى بعد خروج أفراد الخاص من حكمه، فيكون الخاص المتقدم مخصصاً للعام المتأخر عنه. وقد اعترض على هذا الدليل: بأن هذا رجوع إلى محل الخلاف، لأن معنى كون الخاص كالمعهود أن المتكلم بين بما تقدم من الخاص أنه أراد بالعام سوى ما يتناوله الخاص. وكذلك السامع إنما يفهم منه ذلك. وهذا عين محل الخلاف فلا احتجاج به. إذ لا يحتج بمحل الخلاف لإثبات أحد طرفيه٥. ٢ - لو لم يخص العام بالخاص المتقدم عليه للزم إما إلغاء الخاص بناء على جعله منسوخاً بالعام أو إهمالهما معاً بناء على التوقف. وكلا الأمرين لا يجوز المصير إليه. أما الأول فلأنه يلزم منه إبطال القاطع بالمحتمل. لأن دلالة الخاص على مدلوله قطعية ودلالة العام على العموم محتملة، لاحتمال أن يراد به بعض أفراده التي هي غير ما دل عليه الخاص وتناوله من الأفراد، ودلالته على العموم تتوقف على تناوله لأفراد الخاص أيضاً وهذا الاحتمال يهزها. وإبطال القاطع بالمحتمل لا يجوز.

стр. 43

وأما الثاني فبطلانه واضح من كون الدليل ورد ليعمل به، فإهماله بلا مقتض من نسخ وغيره نقض لما وضع عليه وهو باطل١. وإذا امتنع الأمران، تعين الثالث الذي هو كون الخاص المتقدم مخصصًا للعام حيث انحصرت احتمالات الحالة فيها. وأجيب عن هذا الدليل: أ - أن كون دلالة العام على مدلوله محتملة غير مسلم، بل دلت الأدلة على أنها قطعية، فالعام يتساوى مع الخاص من هذه الجهة، فلا بأس بانتساخ كل منهما بالآخر. ب - على فرض تسليم كون دلالة العام محتملة، فإنها لا تمنع من نسخه الخاص، لأنه عام أيضاً مثل الناسخ وكونه خاصاً إنما هو بالإضافة إلى العام الذي يخصصه وليس خاصاً حقيقياً، إذ لا تخصيص في الشرع إلا بالعام. حسب ما دل على ذلك الاستقراء٢، وحينئذ يكون كل من العام والخاص محتملاً، فيجوز انتساخ كل منهما بالآخر٣. أدلة الحنفية ومن معهم: استدل الحنفية ومن معهم على نسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر وعدم تخصيصه به بما يلي: ١ - روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"٤، ولا شك أن العام المتأخر أحدث من الخاص المتقدم فيؤخذ بالعام، ومعنى الأخذ به انتساخ الخاص فيكون منسوخًا٥. وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن اتباع الأحدث فالأحدث والأخذ به يحمل على ما لا يقبل التخصيص كالخاص

стр. 44

الذي ورد بعده خاص يعارضه، فيؤخذ ويتبع الثاني الأحدث وينسخ الأول، وبهذا الحمل يجمع بين هذا الدليل وبين الأدلة الدالة على جواز التخصيص مطلقا١. ٢ - أستدل لهم - بأن الخاص يمكن أن ينسخه العام المتأخر فيكون ناسخاً له٢. وأجيب عن هذا الدليل: بأن إمكان نسخ الخاص المتقدم لا يستلزم نسخه فعلاً، لأن الامكان أعم من الفعلِ والأعم لا يستلزم الأخص. ثم إنه كما يمكن نسخه، كذلك يمكن أن يكون مخصصًا للعام. والعام كما يمكن أن يرفع الخاص المتقدم، كذلك يمكن أن يكون مخصوصاً بالخاصِ المتقدم فلو كان الامكان مستلزماً للوقوع، للزم أن يكون الخاص المتقدم منسوخاً ومخصصًا لناسخه في آن واحد، وهو محال. وتأتي الاستحالة من استلزام ذلك كون الخاص المتقدم مرتفعاً باعتباره منسوخاً وثابتاً باعتباره مخصصاً، والارتفاع عدم لا يجتمع مع الثبوت٣. ٣ - استدل لهم بأنه: لو كان الخاص المتقدم مخصصاً لزم البيان بالملبس لأن الخاص متردد بين أن يكون منسوخاً بالعام المتأخر عنه وبين أن يكون مخصصاً له، وهذا التردد يؤدي إلى أن يكون الخاص ملبساً، فلا يخصص لأن التخصيص بيان، فلا يجوز بالملبس٤ وأجيب عن هذا الدليل: بأن تردد الخاص المتقدم بين كونه منسوخاً ومخصصاً غير مسلم، بل إنه مخصص لثبوت أولوية ذلك، ولو سلم أنه متردد فإن هذا التردد إن منع من كونه بياناً للتخصيص فإنه يمنع أيضاً من كونه بياناً للنسخ. لأن المنع الأول ليس بأولى من المنع الثاني، فالمصير إلى الأول تحكم٥. ٤ - أستدل لهم: بأن التخصيص بيان، فلا يجوز أن يكون الخاص المتقدم مخصصاً، لأن المبين لا يجوز أن يتقدم على المبين، بل يجب أن يتأخر البيات عن المبين لاستدعاء كونه بياناً لذلك٦. وأجيب عن هذا الدليل:

стр. 45

بأن الواجب هو تأخر البيان عن المبين بوصف كونه بيانا بغض النظر عن تقدم ذاته أو تأخرها، لأنه لا يمتنع أن يرد كلام ليبين المراد بكلام آخر متأخر عنه، لأنه حينئذ يكون وصف كونه بياناً قد تأخر عن المبين وإن تقدمت ذاته عليه، فتقدم ذات الخاص لا امتناع منه، وإنما الممتنع تقدمه بصفة كونه مخصصاً، ولا يلزم هذا التقدم الممتنع بناء على التخصيص بالخاص المتقدم، لأنه وإن كان متقدماً ذاتا إلا أن وصف التخصيص إنما يعرض له بعد ورود العام، أما قبله فهو مجرد عن هذا الوصف١. الموازنة والترجيح بالرجوع إلى ما ساقه الطرفان من الأدلة وما قوبلت به من الإجابات نطلع على أن الجمهور أتوا بدليلين لإثبات جواز التخصيص بالخاص المتقدم على العام أجيب عنهما. وإنعام النظر فيهما يقودني إلى ما يلي: بالنسبة لدليلهم الأول المتمثل في جعل الخاص المتقدم كالمعهود، نرى أن الإِجابة عنه بأنه رجوع إلى محل النزاع قد أقعدته عن النهوض لإثبات ما سبق لإثباته لأن القواعد المنظمة للأدلة تأبى صلاحية ما هو محل النزاع أن يكون حلاً لأحد طرفيه، مثبتاً لأحد شقيه، ومعهودية الخاص المتقدم واضح كونها متنازعاً عليها. وأما بالنسبة لدليلهم الثاني المتمثل في استلزام نسخه بالعام وعدم تخصيصه له إبطال القاطع بالمحتمل، فإن الجواب بالتسوية بين الخاص والعام بقطعية دلالتهما تارة، واحتمالها تارة أخرى، يلاحظ عليه ما يلي: أولاً: أن التسوية بين الخاص والعام في القطعية لا تصلح جواباً عن الدليل لأمرين: أولهما: أنه عود إلى متنازع فيه بين المستدلين والمجيبين، ومن مسلمات قواعد البحث أن مثله لا ينهض جوابا يهز الدليل. ثانيا: أن التساوي في أصل القطعية لا يستلزم التساوي في قوة الدلالة التي تتفاوت درجاتها صعوداً ونزولا رغم استقرارها عند قاعدة واحدة هي أصل القطعية. صحيح أن دلالة العام قوية ولتكن قطعيتها أيضاً، ولكن عندما تكون أفراد الخاص هي المدلولة، تكون دلالة الخاصِ عليها أكثر قوة وأقوى قطعية من دلالة العام عليها، إذ أن الخاص يدل عليها وحدها منفردًا بها مصرحًا باسمها، في حين يدل العام عليها مع غيرها غير خاص عليها. فلا يتأتى التساوي الذي يشترطه العلماء بين الدليلين كي يتم النسخ بينهما.

стр. 46

ثانياً: أن التسوية بين الخاص والعام في الاحتمالية المبنية على عدم ورود تخصيص إلا بالعام الذي هو الخاص الإضافي لا الحقيقي، يلاحظ عليه: أنه وقع التخصيص بالخاص الحقيقي. مثل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، فإنه خصص قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢، ولا شك أن إباحة الأكثر من الأربع كانت خاصة بالرسول ﷺ والرسول ﷺ خاص حقيقي. وكذلك خص قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ ٣ بما بينه الرسول ﷺ من كفاية شهادة خزيمة٤ ﵁ لمن شهد له دون الحاجة إلى شاهد آخر٥. وخزيمة خاص حقيقي. وبهذا انتقض دعوى عدم التخصيص إلا بالعام. هذا، وأن الحنفية ومن معهم قد ساقوا دليلاً، وسيق لهم ثلاثة أجيب عنها كلها والذي يظهر لي - والله أعلم - أن تلك الإجابات قد أقعدت تلك الأدلة عن أن تنهض حججًا تثبت ما سيقت له. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الراجح هو التخصيص بالخاص المتقدم على العام. الحالة الرابعة: عدم معرفة التاريخ بين الخاص والعام يتحقق ذلك بأن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر. وقد مثلوا لها بحديث: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً٦ العشر، وما سقي بالنضح٧ نصف العشر" ٨. وحديث: "ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة"٩.

стр. 47

فالحديث الأول عام إذ أنه يتناول ما بلغ خمسة أوسق وما لم يبلغها، ويقتضي ظاهره وجوب الزكاة في الجميع. والحديث الثاني خاص إذ أنه لا يتناول إلا ما لم يبلغ خمسة أوسق، ويقتضي ظاهره عدم وجوب الزكاة فيه. فاختلف حكم الحديثين فيما دون خمسة أوسق، حيث اقتضى الأول وجوب الزكاة فيه والثاني عدمه. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الحالة: فذهب الجمهور إلى تخصيص العام بالخاص١. وذهب الحنفية إلى التوقف بقدر الخاص إلى ظهور دليل يرجح أحدهما على الآخر ويؤخر المحرم٢. الأدلة: استدل الجمهور على التخصيص في هذه الحالة بالدليل الآتي: إذا ورد خبران وجهل التاريخ بينهما، وجب حملهما على أنهما وردا معاً. كما إذا جهل الاقتران في الغريقين، حيث يحمل أمرهما على أنهما غرقا معاً ولا يقدم أحدهما على الآخر٣. وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن اعتبار الغريقين أنهما غرقا معاً ليس متفقاً عليه حتى يقاس عليهما الخبران اللذان جهل تأريخهما. لأن من الصحابة ﵃ من جعل كل واحد منهما كأنه لم يوجد أبدا فقضى بعدم التوارث بينهما٤ وما ذلك إلا لاشتباه حالهما. فإذا كان الخبران مجهولا التأريخ يقاسان على الغريقين اللذين لم يعرف اقتران غرقهما من جهة اعتبارهما غرقا معًا نظراً إلِى أن بعض الصحابة ﵃ ورثا كلا منهما من الآخر٥ فإن الخبرين يقاسان أيضًا على الغريقين من جهة اشتباه حالهما والتوقف في أمرهما نظراً إلى أن بعض الصحابة ﵃ لم يورث أحدهما من الآخر.

стр. 48

فيتوقف في أمر الخبرين أيضاً ولا يبنى أحدهما على الآخر، بل يصار إلى أمر آخر للترجيح، لأن القياس الأول ليس بأولى من الثاني١. دليل الحنفية ومن معهم: استدل الحنفية على التوقف وتأخير المحرم في هذه الحالة بما يلي: إن الخاص عند الجهل بالتأريخِ يحتمل أن يكون متقدما على العام، وحينئذ يترجح عليه العام فيكون منسوخاً بالعام مرجوحا. ويحتمل أن يكون متأخراً عن العام، وحينئذ يترجح على العام فيخصصه ويكون راجحاً وهذان الاحتمالان متعارضان، فتعارضهما يوجب التوقف ويؤخر المحرم احتياطًا، لأنه لا بأس بترك المباح الذي يترتب على تقديم المبيح وتأخير المحرم، ولكن البأس في فعل الحرام الذي يترتب على تقديم المحرم وتأخير المبيح٢. الموازنة والترجيح إن قياس الخبرين مجهولي التأريخ على الغريقين في الاقتران للوصول إلى التخصيص قد أجيب عنه. وفي نظري قدحت الإجابة في الدليل وحالت دون نهوضه حجة لأن الدليل ركز على توريث الصحابة ﵃ في مثلهما، أحدهما عن الآخر، وقد جاءت الإجابة بما يمكن أن يكون قياساً معارضاً لذلك الذي أتى به الدليل وهو عدم توريث بعض الصحابة لمثل الغريقين أحدهما عن الآخر فتعادل القياسان من جهتين: الأولى: أن كلاً منهما اعتمد على عمل بعض الصحابة فتساويا من هذه الجهة. الثانية: أن كلا العملين لبعض الصحابة ثبت بدرجة متساوية للآخر حيث كان إسناد كل واحد منهما صحيحاً حسبما بينه المحدثون. وهذا التعادل يجعل الأخذ بقياس الخبرين على أحدهما دون الآخر ترجيحاً بلا مرجح فلا يجوز المصير إليه إلا بمرجح خارجي، ولم يثبته المستدلون. والذي يظهر لي أن الخبرين لا يشبهان الغريقين إلا في الجهل بالتأريخ وأقصى ما يؤدي إليه هذا الشبه هو الحكم بالاقتران والاقتران ليس العنصر الوحيد الموصل إلى التخصيص بل إذا اعتبر عنصراً فإنه لابد أن تتحقق النسبة وهي الخصوص والعموم مطلقًا.

стр. 49

أو من وجه، وأعتقد أن هذه النسبة لم تتحقق في الغريقين، لأنهما شخصان متساويان في العموم والخصوص، فهما بمثابة عامين أو خاصين. ومن هنا جاء توريث كل منهما من الآخر، وهذا بمثابة إعمال كل من الخبرين في كل الآخر، بينما التخصيص إعمال الخاص في بعض أفراد العام، وإعمال العام في غير أفراد الخاص. إلا أن يقال إن الغرض ثبوت الإعمال، أما كيفيته فبحسب نسبة الخبرين بعضهما من بعض. يبقى بعد ذلك النظر فيما تمسك به الحنفية من تعارض الاحتمالين، وأدائه إلى التوقف. وتجاه هذا الدليل وجواباً عنه ينبغي أن يقرر أن التوقف ليس من السهولة بحيث يصار إليه لأدنى تردد بين أمرين يتصور التساوي في النسبة إليهما. وتكمن خطورة التوقف في أن فيه تعطيلاً للنصوص الواردة لتطبيقها والعمل بها بإعمالها. ولهذا لا يصار إليه إلا عند التعذر التام بالنسبة للعمل بها، وعند انتفاء إمكان الجمع بينها، وهذا وذاك لم يتأتيا بالنسبة للخبرين الخاص والعام مجهولي التاريخ. إذ يمكن إعمالهما والجمع بينهما على النحو الذي مر غير مرة من إعمال الخاص في أفراده والعام في غير أفراد الخاص من أفراده والجمع بينهما بجعل الخاص مبينا للمراد منه. ولما تقدم فإن الذي يظهر لي - والله أعلم - أن الراجح هو التخصيص في هذه الحالة. حالة الجهل بالتاريخ بين الخاص والعام.

стр. 50

خاتمة المطاف فيما عدا الحالة الأولى التي اتفق على التخصيص فيها وحالة الجهل بالتاريخ كان الخلاف يدور حول الأخذ بأحد الأمرين - النسخ والتخصيص. وقد تركز ترجيح أحدهما على النقاط التالية: الأولى: قوة دلالة العام. الثانية: فرض حالات لا تصلح إلا لأحدهما. الثالثة: كثرة الورود. الرابعة: إعمال الأدلة. بالنسبة للنقطة الأولى: اتخذ المرجحون للنسخ قوة دلالة العام مؤهلة له للنسخ في الحالات التي يمكن أن يكون فيها ناسخاً. وأوصلوا هذه القوة إلى درجة قوة الخاص الحقيقي، فقالوا: إن اللفظ العام في تناوله لأفراده بمثابة ألفاظ خاصة، كل لفظ منها يتناول واحدا فقط من تلك الأفراد فهو يجري مجرى هذه الألفاظ. فمثلاً قوله: "اقتلوا المشركين" يجري مجرى: " اقتلوا زيدا المشرك، اقتلوا عمروا المشرك، اقتلوا خلفا المشرك " إلى أن يأتي على أفراد العام واحدا بعد واحد حتى ينتهي، فقوله: "اقتلوا المشركين" إجمال لهذا المفصل. ولو قال هذا المفصل بعد ما قال: "لا تقتلوا زيدًا" لكان الثاني نسخاً للأول، فكذا ما هو بمثابة هذا المفصل. فيكون "اقتلوا المشركين" نسخاً لـ "لا تقتلوا زيداً المشرك "١. ولكن المرجحين للتخصيص وإن سلموا لهم أن هذا الإجمال بمثابة ذلك المفصل، غير أنهم حددوا ما هو بمثابته فيه بما لا يسد باب التخصيص في الإجمال فبينوا: أن كون اللفظ بمثابة ألفاظ خاصة إنما هو في تناوله لما تتناوله هذه الألفاظ فقط، وأما في امتناع دخول التخصيص على هذه الألفاظ الخاصة، فإن العام لا يجري مجراها. ففي المثال المذكور لو ذكر بدل " المشركين "في " اقتلوا المشركين " خصوصية زيد وعمرو وخلف، يصار إلى النسخ نظراً لعدم إمكان التخصيص، لأن التخصيص إخراج البعض، وذلك إنما يتصور فيما يندرج تحته أشياء ويكون ذا بعض، وزيد لا يتصور فيه ذلك، لأن اللفظ الخاص لشيء واحد لم يدخل تحته أشياء حتى يخرج منه بعضها، بخلاف ما لو كان المذكور لفظ "المشركين " حيث يمكن تخصيصه لأن اللفظ تناول أشياء يمكن إخراج بعضها ويراد به بعضها.

стр. 51

وإذا أمكن التخصيص صير إليه، ولا يصار إلى النسخ لكون التخصيص أولى منه١. هذا، ومما لا شك فيه أن إلقاء نظرة فاقهة في بيان الجانحين إلى التخصيص لهذه المثابتية تفصح عن وجاهته وكونه أدعى إلى القبول لأن المثابتية تبقي شيئاً من المغايرة بين الأمرين اللذين جعل أحدهما بمثابة الآخر، ولا تنفى هذه المغايرة لأن نفيها يجعل أحدهما هو الآخر وهذا ما يعارضه مقتضى كلمة "المثابة". ومما يدل على أن هذا الإجمال لا يماثل المفصل في كل حكمه أن المائلين إلى النسخ أنفسهم لا يجعلون الإجمال مثل المفصل عند المقارنة في الورود حيث يمنعون ورود المفصل مع الخاص عند اختلاف حكمهما، بينما يجيزون ذلك في المجمل، لأنهم يجعلون الأول مفضياً إلى التناقض الذي ينزه عنه نصوص الشارع، ويجعلون الثاني تخصيصا يؤخذ به فيها. فدلالة العام قوية بلا شك، ولكن كون دلالة الخاص على أفراده أقوى من دلالة العام عليها مما جنح إليه الأكثرون إن لم يكن الجميع. وبالنسبة للنقطة الثانية: فرض الناسخون حالات لا يصلح فيها إلا النسخ، وطرءان التخصيص فيها يفضي إلى اللغو من الكلام، ذلك اللغو المحذور في نصوص الشريعة، لأنها منزهة عنه بل يصان منه حتى كلام العقلاء. من هذه الحالات قالوا: إذا قيل في شهر "لا تكرم الجهال" ثم قيل في شهر آخر: "أكرم الناس" ثم قيل في شهر ثالث: "لا تكرم العلماء" فقد اتفق على أن قوله "أكرِم الناس" لا يعد لغوا، وعدم اعتباره لغواً إنما يتأتى بناء على عدد القول بالتخصيص مطلقا، لأنه لو قيل بالتخصيص مطلقاً سواء كان الخاص متقدما على العام أو متأخراً عنه لزم لغوه، لأن كلاًّ من (لا تكرم الجهال) و (لا تكرم العلماء) يجعل مخصصاً ومبينا أن المراد من (أكرم الناس) حين وروده كان غير الجهال والعلماء، وحينئذ لا يبقى شيء من الناس لأن الناس ينقسم إلى قسمين الجهال والعلماء، فإذا خص منه الجهال بـ (لا تكرم الجهال) يبقى العلماء فقط، وإذا خص العلماء منه أيضاً بـ (لا تكرم العلماء) لا يبقى منه شيء فيكون لغوًا وقد اتفق على عدم كونه لغواً. فلو كان الخاص مخصصاً للعام مطلقاً، لزم لغو ما اتفق على عدم لغوه١. ولكن المخصصين لم يعتبروا هذه الحالة من الحالات التي يتردد الأمر فيها بين النسخ

стр. 52

والتخصيص حتى يكون تحتم النسخ فيها مرجحاً للنسخ على التخصيص فقالوا: إن التخصيص إنما يقال به عند تعارض العام والخاص١. أما إذا تعارض الخاص مع الخاص فإن الثاني ينسخ الأول. وما ذكروه من المثال من قبيل الثاني دون الأول. لأن الناس إذا خص منه الجهال يبقى العلماء فقط وهم المأمور بإكرامهم. فإذا قيل: لا تكرم العلماء يكون نهياً عن إكرامهم. والنهي عن إكرام من أمر بإكرامهم يكون نسخاً لا تخصيصاً، لأن الأمر بالإكرام والنهي عنه وردا على شيء واحد، وهو العلماء٢. والممعن للنظر في هذه الحالة المفروضة يدرك أنها في غير محل البحث إذ البحث يجري فيما يمكن فيه التخصيص والنسخ، لا الحالة المتعينة لأحدهما ففي فرضها غض للنظر عما يجري فيه الخلاف فلا تصلح مثبتة للدعوى ولا ملزمة للمخالفين، لأنها مما اتفق الطرفان على تعينه للنسخ، فلا تصلح مرجحة للنسخ عندما يكون التخصيص ممكناً. وبالنسبة للنقطة الثالثة: ركز المخصصون على كثرة التخصيص وجعلوها مرجحة للتخصيص عند تردد الأمر بينه وبين النسخ واحتماله لهما. وقالوا: التخصيص أولى من النسخ، لأنه من جهة الوقوع أغلب من النسخ والحمل على الأغلب وقوعاً أولى. ولم يقف الأمر عند بعضهم في حدِّ اعتقاد كثرة التخصيص وأغلبيته، بل جاوزوا هذا الحد وقالوا: "ما من عام إلا وخص" وحتى هذا القول قد خص بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. ولكن الناسخين رفضوا هذه الكثرة ولم يسلموا بتلك الأغلبية، بل إنهم قالوا: "إن التخصيص أقل القليل " وعللوا أقليته بكونه لا يتم إلا بكلام مستقل مقارن وهذا قل أن يحدث ويوجد٤. وبتفحيص النظر وتدقيق الفكر فيما ذهب إليه الطرفان وما قالاه، نجد أن كلا القولين جاوز حد الاعتدال وتخطى رقاب ما هو واقع، ومن هنا جاء رفض استقراء النصوص الشرعية للقولين معاً. فإذا سلم بكثرة التخصيص فإنه لا يقرّ القول بأنه (ما من عام إلا

стр. 53

وخص) فلم تصل الكثرة إلى هذا الحد الذي ذهب إليه المخصصون. والمتتبع لنصوص الشريعة يجد كثرة كاثرة من عموماتها غير مخصوصة فالقارئ لكتاب الله الكريم يفتتح فاتحته بعمومات لم تخص: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ فالله رب كل العالمين وجميعهم بحيث لا يخرج من ذلك شيء فهو عام لم يدخله التخصيص نهائيا. وكذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٢ فكل ما في يوم الدين يملكه الله تعالى بأجمعه لا يخرج منه شيء فهو عام لم يدخله التخصيص٣. وهكذا من تتبع يجد الكثير والكثير مما يدحض دعوى (ما من عام إلا وخص) وكما لا يقر القول بندرة ما لم يخص، كذلك لا يقر القول بندرة ما خصص فالقول بأنه (أقل القليل) يرفضه استقراء النصوص الشرعية أيضاً ولعل فيما ذكر فيما سبق من البحث غنية عن ضرب الأمثال الذي يطيل بنا المقال. فالذي يظهر لي - والله أعلم - أن كثرة التخصيص لا تصلح نقطة يرتكز عليها ترجيح التخصيص، لأنها ما وصلت إلى حد ما ادعاه المخصصون، ولا ينبغي أن يغفل جانبها، ويغض النظر عنها لأنها ما انتفت إلى حد ما ادعاه الناسخون، فهي حقيقة قائمة يمكن أن تتعاضد بغيرها فترجح. وبالنسبة للنقطة الرابعة: ركز المخصصون والناسخون على إعمال الأدلة تركيزاً مكثفاً لأنه نقطة تمس جوهر ما سيق له الأدلة، والقصد الذي من أجله وردت فرأى كل فريق أنه سبيل للوصول إلى بغيته وتحقيق غايته من ترجيح التخصيص أو النسخ عند اختلاف حكم الخاص والعام. ذهب المخصصون إلى أن التخصيص هو الذي فيه إعمال الدليلين الخاص والعام، الخاص في جميع أفراده، والعام في بعض أفراده، وهو غير ما تناوله الخاص، وإعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر. فيكون أولى من النسخ عند تردد الأمر بينهما٤. وذهب الناسخون إلى أن النسخ هو الذي فيه إعمال الدليلين الخاص والعام حيث استعمل كل منهما في تمام مدلوله في زمن، فهما استعملا في مدلولهما في زمانين، لأنه في الزمن

стр. 54

الذي سبق نزول الناسخ استعمل المنسوخ في تمام مدلوله. فيكونان قد استعملا في تمام مدلولهما في زمانين، فيكون أولى من التخصيص١. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن التخصيص هو الذي يتحقق فيه إعمال الدليلين الخاص والعام على النحو الذي ذكره المخصصون. لأن ما تصوره الناسخون في النسخ إعمالا للدليلين ليس في الحقيقة إعمالاً لهما، لأن إعمالهما إنما يتأتى فيما لو أعملا معًا في وقت واحد. لأن هذا هو المتبادر من إطلاق إعمال الدليلين في موقف كهذا. وما قيل في النسخ من الإعمال ليس كذلك. لأنه في الوقت الذي يعمل فيه المنسوخ وهو وقت ما قبل ظهور الناسخ، يكون العمل لدليل واحد وهو المنسوخ. أما الناسخ فلا عمل له وفي هذا الوقت نهائياً ثم لمَّا يظهر الناسخ يبدأ هو بالعمل. ففي هذا الوقت وهو وقت ما بعد ظهور الناسخ يكون العمل للناسخ فقط أما المنسوخ فلا عمل له نهائياً. فتبين من هذا أن كلا من الناسخ والمنسوخ عمل في وقت معين على انفراد ولم يجمع وقت واحد بينهما في العمل. فدعوى إعمال الدليلين في النسخ غير مسلَّمة، لأنه في الوقت الذي يعمل فيه المنسوخ يكون الناسخ غير موجود وبالطبع لا عمل له، وفي الوقت الذي يعمل فيه الناسخ يلغى المنسوخ عن العمل نهائيًا. أما في التخصيص، ففيه إعمال الدليلين في وقت واحد، الخاص في جميع مدلوله، والعام في بعض مدلوله. وإعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إعمال أحدهما من جميع الوجوه وإلغاء الآخر كذلك. وهذه النقطة في نظري ينبغي أن يركز عليها في ترجيح أحد الأمرين النسخ والتخصيص عند احتمال الأمر لهما. وأهميتها تنبعث من انصبابها على الحفاظ على النصوص الشرعية وتحقيقها للهدف المقصود من ورودها. وهنا نختم مطافنا بالقول بأن الذي ظهر رجحانه، هو القول بالتخصيص في جميع حالات اختلاف حكم العام والخاص. والله أعلم.

стр. 55

المبحث الثاني: نقص الجزئي المطلب الأول: التخصيص ... المبحث الثاني: نقص الجزئي وبالنسبة للنوع الثالث: نقص الجزئي: فإنه يتفرع إلى فرعين هما: التخصيص والتقييد. ويتم دراسة ذلك في مطلبين: المطلب الأول: التخصيص وفيه فروع. الفرع الأول: تعريفه التخصيص: مصدر خصص. والتكثير الذي تفيد صيغة التفعيل غير مراد هنا فخصص بمعنى خص. والتخصيص في اللغة: الإِفراد. ومنه يقال: خصني فلان بكذا أي أفردني به. ويقال: اختص فلان بملك كذا، إذا انفرد بملكيته ولم يشترك معه غيره١. وفي اصطلاح الأصوليين: "قصر العام على بعض أفراده "٢ والعام: الشامل. وهو: "كلمة تستغرق

стр. 56

المطلب الثاني: التقييد وفيه فروع: الفرع الأول: تعريفه: التقييد على وزن التفعيل، مصدر قيد يقيد. وهو في اللغة: جعل القيد وهو الحبل ونحوه في رِجل دابة وغيرها فيمسكها١ وفي اصطلاح الأصوليين: "اتباع الخاص بلفظ يقلل شيوعه"٢ ويقصد بالخاص هنا المطلق على اعتبار أنه من أنواع الخصوص، والمقصود باللفظ هو القيد، والمقصود بتقليل شيوعه تقليل انتشاره بين أفراد جنسه. مثل: زيادة صفة الإيمان على حقيقة الرقبة فيقال: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فهذه الزيادة تعتبر تقييداً لأنها اتباع للخاص الذي هو الرقبة بلفظ وهو المؤمنة وهذا اللفظ قلل شيوع الرقبة، وحد انتشارها بين الأفراد التي هي الرقاب المشتركة معها في جنسها وهو كونها رقبة. وهذه الزيادة تجعل المطلق مقيداً. وبما أن تصور الكل يتوقف على تصور أجزائه المكونة له، وحيث إن التعريف قد اشتمل على أجزاء وعناصر منها المطلق والمقيد، فإنه ينير تصور التقييد كلاً، التطرق إلى ما يتيح تصور كل من المطلق، والمقيد الركيزتين المهمتين من ركائز التقييد وهو تعريفهما. ففيه نسوق الكلام الآتي: تعريف المطلق لغة: المطلق: اسم مفعول مأخوذ من الإطلاق وهو التخلية والإرسال. فالمطلق لغة: المرسل. يقال: أطلقت الأسير إذا خليته٣. تعريف المطلق اصطلاحاً: لعلماء الأصول في تعريف المطلق اتجاهان، حولهما دارت التعاريف المتعددة التي ذكرها العلماء له. الاتجاه الأول: النظر إلى المطلق من حيث الدلالة على الماهية التي تعد من المفهومات المعتبرة من الأمور العقلية.

стр. 57

الاتجاه الثاني: النظر إليه من حيث الدلالة على الأفراد الموجودة في الخارج. فأصحاب الاتجاه الأول عرّفوا المطلق بأنه: (الدال على الماهية بلا قيد) ١ ومعنى هذا التعريف أن المطلق هو اللفظ الذي يدل على الحقيقة والماهية من حيث هي بلا اعتبار قيد من وحدة أو وصف أو شرط أو زمان أو مكان أو غيرها. مثل: رجل. فإنه لفظ يدل على حقيقة وماهية هي: الإنسان الذكر. ولم يعتبر في اللفظ قيد من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره حيث لم يوصف الرجل بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في زمان لا أو مكان ما أو غير ذلك من القيود. ومما ينبغي ملاحظته أن المهم هو عدم اعتبار القيد في لفظ المطلق سواء وجد في الواقع ونفس الأمر ولكنه لم يعتبر في اللفظ أو لم يوجد. فعدم الاعتبار هو الذي يضفي على اللفظ صفة كونه مطلقاً، أما وجوده في نفس الأمر فليس بذي بال ولا ينفي كونه مطلقاً مادام لم يعتبر. ذلك أن الماهية إنما توجد بوجود جزئياتها، والجزئي عندما يوجد تصاحبه القيود، فمثلا عندما يوجد رجل لابد أن يكون في زمان ما ومكان ما ومتصفاً بصفة ما، فإذًا القيد وجد رغم كون اللفظ مطلقًا، ولكن هذه القيود أو واحداً منها مادام لم يعتبر في اللفظ فلا ضير حينئذ على كونه مطلقاً. فالماهية مأخوذة لا بشرط شيء، وبهذا الاعتبار تسمى مطلقاً٢. وأصحاب الاتجاه الثاني عرّفوه بأنه: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه٣. ومعنى هذا التعريف: أن المطلق هو اللفظ الذي يشمل فرداً واحداً غير معين بمعنى أن ذلك الفرد المتناول بالمطلق فرد منتشر شائع في جنسه، وشيوع المدلول في جنسه يعني كونه حصة محتملة لحصص كثيرة على سبيل البدل بمعنى أنها يمكن أن تصدق على كلِ حصة من تلك الحصصِ من غير أن تستغرقها وبلا تعيين. فمثلاً (رجل) لفظ يتناول شخصًا واحداً فليكن زيداً مثلاً، ولكن تناوله له ليس معناه أن ذلك الواحد تعين أن يكون مدلولا له، ولا يحتمل أن يصدق على غيره بل هو فرد منتشر في جنس الرجل، وحصة واحدة شائعة محتملة لحصص كثيرة كعمرو وبكر وسعيد وغيرهم ممن يشملهم جنس الرجل، فرجل يمكن أن يصدق على عمرو بدل زيد، وعلى بكر بدلهما، وعلى سعيد بدلهم، ولكنه عندما تصدق

стр. 58

عليهم لا يستغرقهم ولا يشملهم دفعة واحدة، ولا يعين واحداً منهم بالتناول بل يتناول واحدا منهم فقط. فتناوله لهم بدلي وليس استغراقيا ولا تعيينيا، وذلك باعتبار حقيقة وهي: الإنسان الذكر شاملة لجنس الرجل. وبهذا يخرج من التعريف العام لوجود الاستغراق فيه وكذلك خرج جميع المعارف لوجود التعيين فيه. وقد ذكر بعض العلماء أن تعريف أصحاب الاتجاه الثاني أقرب إلى أسلوب الأصوليين، لأنه يجعل مدلول المطلق هو الأفراد، أما تعريف أصحاب الاتجاه الأول فإنه يجعل مدلوله الماهية من حيث هي. ووجه الأقربية أن كلام الأصوليين في قواعد استنباط أحكام أفعال المكلفين والتكليف متعلق بالأفراد لا بالمفهومات الكلية التي هي أمور عقلية، والتي تعتبر الماهية من حيث هي هي منها وإجراء الأحكام على المطلق يكون في ضمن الأفراد لا في ضمن الماهية لأن المقصود وجود ما تعلق به التكليف والحكم، والوجود يتأتى للجزئيات والأفراد أما الماهية من حيث هي هي فلا وجود لها في الخارج. وقد قال الفريق الأول: إن الماهية وإن كانت لا توجد في الخارج من حيث تجردها إلا أنها توجد ضمن أفرادها وجزئياتها. فهي موجودة في الخارج بوجود جزئياتها لأنها جزء لجزئيه، وجزئيه موجود فتكون موجودة بوجوده؛ لأن جزء الموجود موجود، فمثلاً ماهية الرجل وهي الإنسان الذكر وإن لم تكن موجودة في الخارج مجردة، إلا أنها موجودة ضمن زيد مثلاً، فزيد وهو جزئي للرجل موجود في الخارج وهو مكون من جزئين الأول الإِنسان الذكر والثاني المتشخص، فالجزء الأول وهو الماهية يكون موجوداً بوجود زيد المكون منه ومن الجزء الآخر، لأن هذا المركب إنما يتأتى وجوده بوجود جزئيه، إذ وجود المركب بوجود أجزائه. وهذا القدر كافٍ في تحصيل الماهية ووجودها وتعلق التكليف والحكم بها. وقد أجاب الفريق الثاني بأن الماهية لما توقف وجودها على وجود جزئي وفرد من أفرادها كان ذلك الجزئي مطلوباً بالمطلق من حيث إن الماهية يتوقف وجودها عليه، فآل الأمر إلى أن المطلوب بالمطلق جزئي من جزئيات الماهية لا الماهية نفسها. كما أن موافقة التعريف الثاني لكلام أهل العربية تجعله أقرب إلى القبول منضما إلى ذلك وضوحه في بيان المراد منه، والوضوح من أهم مميزات التعريف.

стр. 59

تعريف المقيد: لماّ وجد بالنسبة لتعريف المطلق اتجاهان أصبح من الطبيعي أن يوجد هذان الاتجاهان في تعريف المقيد أيضاً، نظراً إلى أن المقيد هو ما يقابل المطلق ولذا عرّفه الفريق الأول بأن المقيد هو: "اللفظ الدال على الماهية الموصوفة بأمر زائد عليها" مثل (رجل كريم) فإنه يدل على الماهية وهي الإنسان الذكر الموصوفة بأمر وهو الكرم زائد على الماهية لأنها لا تتضمنه. وعرّفه الفريق الثاني بأنه: "اللفظ المتناول لمعين أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه "١ مثل: (رجل كريم) فإنه يدل على فرد غير معين موصوف بأمر وهو الكرم زائد على الحقيقة التي هي: الإنسان الذكر إذ هذه الحقيقة لا تتضمنه.

стр. 60

الفرع الثاني حكم المطلق والمقيد أ - حكم المطلق: الأصل أن المطلق على إطلاقه ما لم يوجد دليل يقيده، فانطلاقاً من هذا الأصل إن اللفظ إذا ورد مطلقاً في نص من النصوصِ ولم يرد مقيداً في أي نص آخر فإن الحكم أنه يعمل به على إطلاقه مثل لفظ ﴿أَزْوَاجاً﴾ الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ ١. فقد ورد هذا اللفظ في هذه الآية الكريمة مطلقاً غير مقيد بكونهن مدخولا بهن أو غير مدخول بهن. ولم يرد هذا اللفظ في نص آخر مقيداً بوصف الدخول أو عدمه، ولذا كان الحكم أن تعتد الزوجة المتوفى عنها الزوج هذه المدة المقدرة في الآية الكريمة لعدة الوفاة سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها. ب - حكم المقيد: الأصل أن المقيد على تقييده ما لم يوجد دليل على إطلاقه فاللفظ إذا ورد في نص مقيدا بقيد فإنه يعمل به مع قيده ما لم يقم دليل على إطلاقه بأن لم يرد في أي نص آخر مطلقا عن هذا القيد، مثل لفظ ﴿شَهْرَيْنِ﴾ الوارد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٢. فقد ورد هذا اللفظ في هذه الآية الكريمة مقيدا بمتتابعين، ولم يرد في نص آخر مطلقا عن هذا القيد ولذا كان الحكم في كفارة الظهار بالنسبة لمن وجب في حقه الصوم فيها أن يصوم شهرين متتابعين، ولا يخرج عن العهدة بصومهما متفرقين، عملا بالقيد الذي هو وصف التتابع الذي قيد به صيام شهرين٣.

стр. 61

حمل المطلق على المقيد معنى الحمل: هو أن يكون المقيد بيانا للمطلق، فيراد بالمطلق الذي ورد في نص المقيد الذي ورد في نص آخر، فيقلل من شيوع وانتشار المطلق. فمثلا ورد لغة (رقبة) في نص مطلقا، وفي نص آخر مقيداً بالإِيمان (رقبة مؤمنة) فإذا حملنا المطلق على المقيد يكون المقيد بيانا للمطلق بمعنى أن المقيد وهو الرقبة الذي ورد في نص بين أن المراد من المطلق وهو (رقبة) الوارد في النص الآخر رقبة مؤمنة أيضا وورود لفظ مطلقا في نص ومقيدا في نص آخر يحتمل حالات عدة، اتفق العلماء على حمل المطلق على المقيد في بعض منها، كما اتفقوا على عدم الحمل في بعض آخر، واختلفوا في الحمل وعدمه في حالات أخرى. الحالة الأولى: اتحاد الحكم والسبب١: مثاله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِير﴾ ٣. فقد ورد لفظ الدّم مطلقا في الآية الكريمة الأولى وورد مقيدا بكونه مسفوحا في الآية الكريمة الثانية والحكم فيهما واحد وهو التحريم كما أن السبب وهو ما في الدم من الإيذاء والمضرة واحد فيهما أيضا. ففي مثل هذه الحالة اتفق العلماء على حمل المطلق على المقيد، ولذا اتفقوا على أن الدم المحرم بموجب الآيتين إنما هو الدم المسفوح٤. وقد استدل العلماء لحمل المطلق على المقيّد في هذه الحالة (حالة اتحاد الحكم والسبب) بأن هذا الحمل فيه جمع بين الدليلين المطلق والمقيد؛ لأن العمل بالمقيد يلزم منه العمل بالمطلق، ذلك أن المطلق جزء من المقيد، إذ المقيد مركب من جزئين المطلق جزئه الأول، والمقيد جزئه الثاني، فمثلا ٍ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة﴾ مقيد قيدت الرقبة بوصف وهو الإيمان وهذا المقيد

стр. 62

مكون من جزئين أحدهما رقبه والثاني مؤمنة فلفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ وحده مطلق وهو هنا جزء من المقيد الذي هو الكل، وإذا كان المطلق جزءًا من المقيد والمقيد كلا، فإنه حينئذ يكون الإتيان بالمقيد مستلزما للإتيان بالمطلق؛ لأن الآتي بالكل آت بجزئه، فإذا كان المكلف قد كلف بعتق رقبة مطلقة في نص وكلف بعتقه رقبة مؤمنة في نص آخر، فأعتق رقبة مؤمنة يكون آتيا بموجب النصين، وعاملا بالدليلين لأن المطلق يفيد جواز الإتيان بأي رقبة سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة. فإذًا الرقبة المؤمنة وهي المطلوبة في النص المقيد فرد من أفراد المطلق سيكون معتقها منفذا للأمرين معا. وأما إذا لم يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة (حالة اتحاد الحكم والسبب) فإن عدم الحمل يكون إعمالا لأحد الدليلين وهو المطلق وإهمالا للآخر وهو المقيد؛ لأن العمل بالمطلق لا يلزم منه العمل بالمقيد لأن المطلق كما ذكرنا يفيد جواز الإتيان بأي فرد ففيما ذكرنا إذا أعتق المكلف رقبة غير مؤمنة فقد عمل بالمطلق فقط وأهمل المقيد. وإهمال الدليل لا يجوز فيجب المصير إلى إعمال الدليلين وذلك بحمل المطلق على المقيد١. ولأن في العمل بالقيد الذي يتحقق بحمل المطلق عليه خروجا عن العهدة بيقين سواء كان المطلوب الإتيان بالمطلوب أو المقيد، لأنه إن كان المطلوب المطلق لكان المقيد مجزئا لكونه فرداً من أفراد المطلق الذي يتحقق في ضمنه، وإن كان المطلوب المقيد يكون المقيد مجزئا أيضا لأنه المطلوب نفسه، وأمَّا العمل بالمطلق الذي يتأتى من عدم حمل المطلق على المقيد فإنه يحتمل عدم الخروج من العهدة، لأن المطلق كما ذكرنا يتحقق بأي فرد كَان سواء كان الفرد المقيد أو غيره، فربما يأتي المكلف بذلك الغير ويكون المطلوب الفرد المقيد فلا يخرج عن العهدة. ولأنه لو لم يحمل المطلق على المقيد يلزم أن يكون السبب الواحد موجبا للمتنافيين وهو الإطلاق. والتقييد في وقت واحد والسبب الواحد لا يوجبهما كذلك. وقد ذكرنا أن العلماء اتفقوا على حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة والأمر كذلك فيما إذا تقدم المقيد على المطلق فإن بعض العلماء ينقلون عن

стр. 63

بعض العلماء أنهم خالفوا في حمل المطلق على المقيد وأنهم ذهبوا إلى حمل المقيد على المطلق وبينوا المقصود من حمل المقيد على المطلق بأن يراد من المقيد ما أريد بالمطلق ويلغى القيد، فبدل أن يكون المقيد بيانا للمطلق أيضا كما هو مذهب جمهور العلماء يكون المطلق هو البيان للمقيد ولا يعتبر القيد في المقيد أيضا. واستدلوا على ذلك بأن المقيد جزئي للمطلق وفرد من أفراده، فذكر المقيد ذكر لجزئي من المطلق، فلا يقيده، كما أن ذكر فرد من أفراد العام لا يخصصه، والتقييد مثل التخصيص بجامع أن كلا منهما نقص للشيوع وقطع للحكم عن بعض الأفراد، فما لا يصلح أن يكون مخصصا لا يصلح أن يكون مقيدا أيضا. وقد أجابوا عن هذا الدليل بأن قياس التقييد على التخصيص قياس مع الفارق وجه الفرق أن المذكور في المقيد قيد ومفهوم القيد حجة عند القائلين بمفهوم المخالفة لأن القيد صفة، ومفهوها حجة عند الجمهور، أما الفرد من أفراد العام فهو لقب غالبا ومفهوم اللقب ليس بحجة، فلا يقاس ما هو حجة على ما ليس بحجة، فلا يلزم من عدم التخصيص بذكر فرد من أفراد العام عدم التقييد بالمقيد. ومع نقل هذا الخلاف فإن المحققين من العلماء على أنه لا خلاف يعتد به في حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة١. الحالة الثانية: اختلاف الحكم والسبب: مثاله قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٣. فقد ورد لفظ الأيدي مطلقا في الآية الأولى. ورد مقيدا بكونها إلى المرافق في الثانية والحكم فيهما مختلف إذ هو في الآية الأولى وجوب القطع، وفي الثانية وجوب الغسل، كما أن السبب مختلف فيهما أيضا إذ هو في الأولى السرقة وفي الثانية القيام إلى الصلاة. ففي مثل هذه الحالة اتفق العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه ويعمل به كذلك، والمقيد على تقيده، ويعمل به كذلك أيضا.

стр. 64

وقد استدل العلماء لعدم حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة بأنه لا منافاة بين المطلق والمقيد حتى يحمل أحدهما على الآخر، فلو حمل يكون حملا بلا دليل موجب وذلك لا يجوز لمخالفة ذلك لما هو الأصل فيهما من بقاء المطلق على إطلاقه ما لم يقيده دليل، وبقاء المقيد على تقيده ما لم يطلقه دليل١. واستثنى العلماء من حكم هذه الحالة صورة يحمل فيها المطلق على المقيد رغم اختلاف حكمهما. وهذه الصورة تتمثل في أن يتوقف أحد الحكمين على الآخر ويتلازم المطلق والمقيد. وقد مثلوا له بـ (اعتق رقبة) و (لا تملك رقبة كافرة) فالرقبة مطلقة في الكلام الأول مقيدة في الثاني، والحكم فيهما مختلف فهو في الأول الإعتاق وفي الثاني عدم الملك، والسبب أيضا مختلف إذ هو في الأول قد يكون الظهار مثلا، وفي الثاني سبب آخر. ورغم اختلاف الحكم والسبب فيهما، فإن المطلق يحمل على المقيد في هذه الصورة، فيقيد المطلق بنفي الكفر، ويكون المأمور بعتقها رقبة مؤمنة، لتوقف أحد الحكمين وهو الإِعتاق على الآخر وهو الملك، إذ الملك لازم للإعتاق والملزوم لا يوجد بدون لازمه، فلا يوجد الإعتاق بدون الملك، وقد نهى عن ملك الرقبة الكافرة فيكون عتقها منهيا عنه أيضا بمقتضى هذا الكلام، فيكون الأمر بالعتق إذًا أمرا بعتق الرقبة المؤمنة٢. الحالة الثالثة: اختلاف الحكم واتحاد السبب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ٣. فقد ورد لفظ الأيدي مقيدا في الآية الأولى بكونها إلى المرافق، وورد في الآية الثانية مطلقا عن هذا القيد والحكم فيهما مختلف، إذ هو في الآية الأولى وجوب الغسل وفي الثانية وجوب المسح، وأما السبب فهو متحد فيهما، إذ هو في الآيتين القيام إلى الصلاة وإرادتها.

стр. 65

ففي مثل هذه الحالة اتفق العلماء دون خلاف يعتد به على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه إلا إذا قيده دليل آخر غير هذا المقيد ويبقى المقيد على تقيده ما لم يطلقه دليل آخر غير هذا المطلق. ولعل دليل العلماء على عدم الحمل في هذه الحالة هو نفس ما استدلوا به على عدم الحمل في الحالة السابقة من نفي المنافاة بين المطلق والمقيد نظرا لاختلاف حكمهما، وكون الحمل حينئذ حملا بلاَ دليل. ونظرا إلى أن السبب وهو القيام إلى الصلاة وإرادتها يوجب الغسل في حالة وجدان الماء والقدرة على استعماله، وأنه يوجب المسح في حالة عدم وجدان الماء، أو عدم القدرة على استعماله، والحالتان مختلفتان، فإنه لا مجال للقول بأن عدم الحمل يؤدى إلى إيجاب السبب الواحد للمتنافيين وهو الإطلاق والتقييد، لأن امتناع إيجاب السبب للمتنافيين مقيد بكونه في وقت واحد وحالة واحدة أما عند اختلاف الحالات كما هنا فلا امتناع من ذلك. نظرا إلى أن السبب وإن اتحد في حد ذاته إلا أنه يختلف باعتبار حالته. هذا وإذا كانت هذه القاعدة تقتضي بقاء الأيدي في آية التيمم على إطلاقها فإن ذلك إنما هو بالنسبة إلى آية الوضع نظرا لاختلاف حكمهما، أما تقييدها بأدلة أخرى غير آية الوضوء فإنه لا مانع من ذلك، ولهذا فإن المذاهب المتفقة على عدم تقييد آية التيمم بآية الوضوء قد قيد بعض منهم الأيدي في آية التيمم بالكفين بما صح عندهم من السنة وهو: ما رواه عمار بن ياسر١- ﵁ قال: "تمعكت فأتيت النبي ﷺ فقال: "يكفيك الوجه والكفان " ٢. وقيدها البعض الآخر بالمرفقين وذلك بما صح عندهم من السنة وهو: "فضرب الحائط بيده ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى فمسح بها ذراعيه إلى المرفقين " ٣. فكل من الفريقين قيد إطلاق آية التيمم بالسنة التي صحت عنه لا بآية الوضوء ذلك أن وضع آية التيمم مع السُنّة الشريفة المذكورة يختلف عن وضعها مع آية الوضوء الكريمة،

стр. 66

فهي مع آية الوضوء تدخل ضمن حالة اختلاف الحكم واتحاد السبب المتفق لدى العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد في مثلها، وأما هي مع السُنّة الشريفة المذكورة فهي تدخل ضمن حالة اتحاد الحكم والسبب المتفق لدى العلماء على حمل المطلق على المقيد في مثلها ذلك أن آية التيمم الكريمة وحديث عمار أوٍ حديث المرفقين اتحد فيهما السبب وهو القيام إلى الصلاة وإرادتها واتحد فيهما الحكم أيضا وهو وجوب المسح١. الحالة الرابعة: اتحاد الحكم واختلاف السبب: مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٣. فقد ورد لفظ الرقبة مقيدا في الآية الأولى بكونها مؤمنة، وورد في الآية الثانية مطلقا عن هذا القيد، والحكم في الآيتين متحد وهو تحرير الرقبة، والسبب مختلف فيهما، إذ هو في الآية الأولى القتل الخطأ، وفي الثانية إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة. ففي مثل هذه الحالة اختلف العلماء في حمل المطلق على المقيد أو عدم حمله عليه إلى المذاهب التالية: الأول: حمل المطلق على المقيد مطلقا. وإليه ذهب جمهور الشافعية، وبعض المالكية، والحنابلة٤. الثاني: عدم الحمل مطلقا. وإليه ذهب جمهور الحنفية، وبعض المالكية والحنابلة ٥. الثالث: الحمل إذا اشترك المطلق والمقيد في العلة وعدم الحمل عند عدم اشتراكهما فيها. وإليه ذهب بعض علماء المالكية والشافعية والحنابلة٦. الأدلة: أولا: أدلة المذهب الأول: استدل القائلون بحمل المطلق على المقيد مطلقا في هذه الصورة بأدلة أهمها ما يلي:

стр. 67

ا - أن القرآن كالكلمة الواحدة فلا يختلف بالإِطلاق والتقييد، بل يفسر بعضه بعضا فيجب حمل المطلق على المقيد لتحقيق وحدة الكلمة، إذ إبقاء المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده يؤدي إلى اختلافه وإخراجه عن كونه كلاما واحدا. ولهذا فإن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة واحدة. وأطلقت في سائر الصور حمل المطلق على المقيد، وأصبحت العدالة شرطا في الشهادة١. فإذا نص على تقييد شيء بقيد في صورة ما كان منصوصا على تقييده به في سائر الصور. وقد اعترض على هذا الدليل بأن كون القرآن الكريم كالكلمة الواحدة لا يستلزم حمل المطلق على المقيد مطلقا؛ لأن معنى كونه كلاما واحدا يفسر بعضه بعضا أنه لا يتناقض فلا يناقض بعضه بعضا، وإلا فلو أريدت الوحدة في كل شيء لزم أن يتقيد كل مطلق بكل مقيد، وليس الأمر كذلك، فإن من جملة ذلك المطلق والمقيد اللذين اختلف حكمهما وسببهما وقد بينا فيما سبق اتفاق العلماء ومنهم المستدلون بهذا الدليل - على عدم حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة ثم إن الاختلاف بالإطلاق والتقييد لا ينافي وحدة الكلام. لأن ذلك حسب اختلاف تعلقاته، واختلاف التعلقات لابد منه نظرا لاختلاف المتعلقات، وهذا الاختلاف لا يؤدي إلى التناقض الذي يقدح في وحدة الكلام. ثم إن هذا الدليل - لو تم - ينفي النسخ مطلقا لأن الناسخ يختلف عن المنسوخ، ونفي الاختلاف عموما يؤدي إلى نفي النسخ في ضمنه ونفي النسخ مطلقا باطل، لأن وجوده من المسلمات. فيكون الدليل على عمومه غير مسلم. أضف إلى ذلك أن الكلام إذا كان عبارة عن العبارات والألفاظ الدالة على المعاني فإنها لا خفاء في تكثرها وتعددها، ولاشك في اختلافها وكذلك القرآن فيه الأحكام المختلفة، ففيه المنفى والإثبات والأمر والنهى، وغيرها فمع العلم بهذا لا يقبل تنزيل جهات الخطاب على حكم واحد٢. وأما بالنسبة لتقييد الشهادة بالعدالة في سائر الصور التي أطلقت فيها فإن ذلك التقييد كان لدليل قام عليه وهو قوله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣حيث

стр. 68

استنبط العلماء منه اشتراط العدالة الذي يستلزمه رد شهادة الفاسق. كما أن الإجماع انعقد على اشتراط العدالة والبحث بصدد الحمل لمجرد الورود، فما كان لدليل فهو خارج عن محل البحث. ثم إن هناك من الصور ما قيد في صورة وأطلق في سائر الصور ولم يحمل المطلق فيها على المقيد في تلك الصورة. مثل الوضوء والتيمم حيثما قيدت الأيدي في الأول بالمرافق، وأطلقت في الثاني عنها، ولم يحمل المطلق في الثاني على المقيد في الأول. وهذا يدل على أن مجرد التقييد في صورة لا يستوجب التقييد في سائر الصور١. ٢ - أن سنن العرب في كلامها هو حمل المطلق على المقيد، حيث تطلق الحكم في مكان وتحرره في آخر، وتقصد بالمطلق المقيد. والقرآن الكريم الذي نزل بلغة العرب جرى على هذا السنن. قال الله : ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٢. فالحافظات وإن كانت مطلقة إلا أنها قيدت بالفروج نظرًا لتقيدها بها في جانب الذكور. والذكر مطلق في جانب الإناث لكنه لما كان مقيدا بكونه لله تعالى وبالكثرة في جانب الذكور قيد بذلك في جانب الإناث. ليكون التقدير: والحافظات فروجهن، والذاكرات الله كثيرا. وقال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٣ فاليمين وإن كانت مطلقة، إلا أنها قيدت بالقعيد لما كان الشمال مقيدا به. وقد جرى على هذا الأسلوب الشعر العربي. قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف٤. فما عند المتكلمين لما قيد بالرضا، قيد ما عند المخاطب به أيضا. ليكون التقدير (نحن بما عندنا راضون) .

стр. 69

فدلت اللغة العربية على أن ما قيد في موضع وأطلق في آخر يراد بذلك المطلق ذلك المقيد، وهذا هو حمل المطلق على المقيد، فيكون عدم الحمل مخالفة للغة١. وأجيب عن هذا الدليل: بأن البحث يدور في حمل المطلق على المقيد لمجرد ورودهما دون أن يقوم دليل على التقييد، ودون أن تنتصب قرينة تعين القيد. وما ذكر قد قام فيه دليل التقييد، وانتصبت قرينة التعين، فنأى بذلك عن محل البحث. ففي الآيتين الكريمتين دل العطف فيهما على التقييد وتعين القيد بما يقتضيه من المشاركة في الحكم المتمثل فيهما بالتقييد بما تقيد به المعطوف عليه. الحافظين والذاكرين في الآية الكريمة الأولى، واليمن في الآية الكريمة الثانية. وكذلك في البيت المذكور حيث عطف المخاطب المقيد بالرضا على المتكلمين المطلقين عنه، فدل على تقيد الأول بما تقيد به الثاني. ثم إن البحث يدور حول مطلق ومقيد وردا في نصين مستقلين. وما ذكر لا يستقل فيه المطلق عن المقيد، بل وردا في كلام واحد وبهذا أيضا يكون الدليل بمنأى عن محل البحث٢. ٣ - أن المطلق ساكت عن القيد فيحتمل أن يكون مرادا والسكوت عدم، فلا يدل على إثبات القيد ولا ينفيه. والمقيد ناطق بالقيد فلا يحتمل عدم إرادته وإذا تقابل السكوت والنطق كان الناطق حريا أن يجعل أصلا يبنى عليه الساكت، إذ يكون كالمفسر له. فكان المقيد حريا أن يبنى عليه المطلق ويكون مبينا للمراد منه٣. وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن حمل أحد الدليلين على الآخر إنما يصار إليه عند التنافي بين مدلوليهما وذلك إنما يتأتى عند اتحاد مفادهما. ونظرا لعدم الاتحاد في هذا المفاد بين المطلق والمقيد لجواز إفادة

стр. 70

المقيد استحباب الإتيان بالقيد الذي لا يتنافى مع إفادة المطلق جواز عدم الإتيان به، أو جواز إفادة المقيد أن الإتيان بالقيد عزيمة، وإفادة المطلق أن الانفصال عنه رخصة، وإحداهما لا تنافي الأخرى. وقد دل على الجوازين النص على المقيد بعد دخوله تحت الاسم المطلق مما يدل على أهميته وشرفه، لا أنه لا يجزى غيره. فنظرا لكل ما ذكر لا يتحتم المصير إلى حمل المطلق على المقيد كما أفاده الدليل١. ٤ - أن الخبرين إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا يصار إلى التخصيص الذي هو حمل العام على الخاص. فينبغي أن يصار إلى التقييد الذي هو حمل المطلق على المقيد إذا كان أحد الخبرين مطلقا والآخر مقيدا. نظرا إلى تماثل نسبة المقيد إلى المطلق لنسبة الخاص إلى العام، وتشابه التقييد للتخصيص في كون كل منهما بيانا٢. وأجيب عن هذا الدليل: بأن قياس التقييد على التخصيص قياس مع الفارق. ووجه الفرق: أن التخصيص إنما يتم إذا ورد الخاص والعام في حكم واحد بالشخص. أو النوع أما في التقييد، فإن المقيد والمطلق في حكمين مختلفين شخصا، أو نوعا وما يذكر فيهما من اتحاد الحكم فإنما هو في الجنس فقط. فافترقا٣. ٥ - أن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة البيان، والقيد في المقيد زيادة على المطلق فيجعل بيانا له، وذلك يحمل المطلق على المقيد، فلو لم يجعل بيانا له يحمله عليه لزم إلغاء تلك الزيادة بالنسبة للمطلق فلا يحسن ذلك ولا ينبغي المصير إليه٤. ٦ - أن موجب المقيد متيقن لاندراجه في المطلق والمقيد، وموجب المطلق محتمل لاحتماله ما انتفى عنه القيد وما وجد فيه، والمصير إلى المتيقن أولى لأن فيه الخروج عن العهدة بيقين، وذلك إنما يتحقق بحمل المطلق على المقيد٥. دليل المذهب الثاني: استدل القائلون بعدم حمل المطلق على المقيد مطلقا في هذه الصورة بما يلي: أ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ٦.

стр. 71

وبينوا وجه الاستدلال: بأن الآية الكريمة نهت عن السؤال عن الأشياء غير البادية والقيد بالنسبة للمطلق يعتبر منها لسكوت المطلق عنه، وحمل المطلق على المقيد رجوع إلى المقيد ليعرف منه حكم المطلق، وهذا الرجوع بمثابة سؤال عن شيء لم يبد، فيكون ارتكابا لما نهت عنه الآية فلا يجوز. وبينوا أن مما يؤيد هذا المعنى قول الرسول ﷺ : "ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " ١. وأجيب عن هذا الاستدلال: بأن الأشياء المنهي عن السؤال عنها لا تنتظم القيد في سلكها، والنهى الوارد فيها لا يمس الرجوع إلى المقيد بالمنع، لأنه في السؤال عن تقييد الحكم ابتداء من غير أن يكون هناك مقيد، يدل على ذلك ما ذكر في سبب نزول الآية الكريمة، وورود الحديث الشريف من أن الرسول ﷺ لما قال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" قال رجل: "أكل عام يا رسول الله؟ " فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله لا: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم". ثم قال: الحديث المذكور" وقد ذكرت هذه الحادثة سببا لنزول الآية٢. وأما الرجوع إلى المقيد ليعرف منه حكم المطلق، فقالوا: إنه من التفقه في الدين المندرج ضمن ما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. ٢ - قالوا: لو حمل المطلق على المقيد مطلقا في هذه الصورة لزم التضييق من غير أمر الشارع، والعدول عن التزام ما جاء عن الشارع، وكل منهما لا يجوز. بيان ذلك - أن المطلق فيه توسعة على المكلف إذ يقتضي خروجه عن العهدة بالإتيان بالفرد الذي توفر فيه القيد المذكور في المقيد، وبالإتيان بالفرد الذي انتفى عنه ذلك القيد، إذ المطلق يتأتى بكل واحد منهما، فإلزامه بالفرد المقيد وذلك بحمل المطلق على المقيد يكون تضييقا. ثم إن كلا من المطلق والمقيد حجة قائمة بذاتها والأصل التزام ما جاء عن الشارع في دلالات ألفاظه على الأحكام كما هو إذا لم يدل دليل على العدول عنه وهذا الالتزام يقتضي

стр. 72

بقاء المطلق على إطلاقه فإذا حمل على المقيد يكون ذلك الحمل عدولا عن هذا الالتزام وحمل المطلق على المقيد إنما يصار إليه إذا لم يمكن العمل بكل منهما مستقلا بأن يكون بينهما تناف، ويؤدي العمل بكل على حدة إلى التناقض، وهذه الصورة بمأمن من ذلك، إذ يمكن العمل بكل منهما مستقلا دون أي تناف بينهما مادام سببهما مختلفا١. والجمهور يجيبون عن هذا الدليل بأن ما يقتضي حمل المطلق على المقيد من وجود النافي بينهما متحقق في هذه الصورة لأن المطلق والمقيد وردا في حكم واحد، والحكم الواحد لا يكون مطلقا ومقيدا في آن واحد، وهذا يستدعي جعل المقيد أصلا يبني عليه المطلق ويبين به، لسكوت المطلق عن المقيد ونطق المقيد به، وهذا ما يجعل القيد ذا فائدة متوخاة منه. وما دام المقيد دليلا شرعيا اقتضى تقييد المطلق واستدعى العدول عن إطلاقه فلا يكون في حمل المطلق على المقيد تضييق من غير أمر الشارع ولا عدول عن التزام ما جاء عن الشارع في دلالات ألفاظه على الأحكام. أضف إلى ذلك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة حمل المطلق على المقيد٢. أدلة المذهب الثالث: استدل القائلون بالحمل عند اشتراك المطلق والمقيد في العلة وعدم الحمل عند عدم اشتراكهما فيها بما يلي: أن المطلق والمقيد إذا اشتركا في علة التقييد فإن في حمل المطلق على المقيد حينئذ جمعا بين الأدلة وعملا بها، وفي عدم الحمل إعمال لدليل وترك لدليلين، ذلك أن القياس إذا اقتضى حمل المطلق على المقيد وحمل عليه يكون ذلك عملا بالمطلق والمقيد والقياس، وعدم الحمل يكون تركا لأحد من المطلق والمقيد وتركا للقياس وإعمال الأدلة جميعا أولى من إعمال بعضها وترك البعض الآخر٣.

стр. 73

وقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين: أحدهما: أن من شرط القياس أن لا يعارضه نص، وقياس المطلق على المقيد بحمله عليه عن طريقه يعارضه النص المطلق في الفرد الذي انتفى عنه القيد؛ ذلك أن المطلق عام، بدلي يدل بالتساوي على الفرد الذي وجد فيه القيد، والفرد الذي انتفى عنه ذلك القيد، فإن كان دالا على الإجزاء يدل على إجزاء كل منهما، فإذا قيس على المقيد، دل ذلك القياس على عدم إجزاء الفرد المنتفي عنه القيد، فيتعارض النص والقياس في الفرد الذي انتفى عنه القيد، حيث يدل النص المطلق على إجزائه، ويدل القياس على عدم إجزائه وعند تعارض النص والقياس يعمل بالنص ويترك القياس، فلا يصلح إذا مقتضيا لحمل المطلق على المقيد١. ففي كفارة الظهار أطلقت الآية الكريمة الرقبة، وهذا الإطلاق يفيد إجزاء الرقبة سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة، فإذا قيس على كفارة القتل الخطأ، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء - لاشتراكهما في العلة - وهي: حرمة سببهما، أو كونهما من الكفارات أو زيادة القربة، أو خلاص الرقبة المؤمنة من قيد الرق فإن هذا القياس يفيد عدم إجزاء الرقبة غير المؤمنة في كفارة الظهار فعندئذ يتعارض النص المطلق والقياس في الفرد الذي انتفى عنه القيد وهو الرقبة غير المؤمنة، حيث يدل النص على إجزائها ويدل القياس على عدم إجزائها وحينئذ يقدم النص ويعمل به ويترك القياس٢. ثانيهما: أن من شرط اعتبار القياس أن يكون حكم المقيس عليه حكما شرعيا، والذي يقاس عليه المطلق وهو عدم إجزاء غير المقيد ليس حكما شرعيا لأن ما يفيده النص المقيد هو أن الفرد المقيد يجزئ، أما عدم إجزاء غير المقيد فهذا ما لا يدل عليه النص المقيد، وإنما جاء بناء على الأصل وما كان كذلك لا يكون حكما شرعيا، لأنه لم يثبت بدليل وارد من الشرع، والشق الذي هو عدم إجزاء غير المقيد هو الذي يقاس عليه المطلق، فما دام هذا الشق غير حكم شرعي لا يصلح أن يكون أصلا يقاس عليه. ويحمل المطلق على المقيد عن طريقه. وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن المقيس عليه هو المقيد وحكمه (وهو إجزاء الفرد الثابت فيه القيد) حكم شرعي لأنه

стр. 74

ثبت بدليل شرعي وهو النص المقيد، وهذا الحكم هو الذي يعدى إلى المطلق، ويحمل على المقيد عن طريقه، فالاعتراض غير وارد من هذه الجهة ١. وهناك اعتراض ثالث يمكن أن يرد على هذا الدليل وهو: أن هذا الدليل - لو تم - فإنما يدل على جزء المدعى ذلك أن دعوى المستدلين ذات شقين: الأول: حمل المطلق المقيد إن اقتضى القياس ذلك. الثاني: عدم الحمل إذا لم يقتض القياس ذلك والدليل لو سلم فإنما يدل على الشق الأول دون الثاني لعدم تطرقه إليه بتاتا. ٢ - أن تقييد المطلق كتخصيص العام في أن كلا منهما تقليل لبعض الشيوع، ومنع الحكم عن بعض الأفراد وتخصيص العام بالقياس جائز فكذا تقييد المطلق٢. وقد أجابوا عن هذا الدليل بمثل ما أجابوه عن الدليل الأول. ٣ - أن القياس دليل شرعي ينبغي العمل بموجبه، وهذه الحالة للمطلق والمقيد إحدى الصور التي يكون القياس فيها دليلا، فإذا اقتضى القياس حمل المطلق على المقيد ينبغي المصير إلى هذا الحمل عملا بالدليل المقتضي للتسوية في الحكم بين المطلق والمقيد٣.

стр. 75

الموازنة والترجيح بالرجوع إلى الأدلة التي استدل بها الأطراف المختلفة نرى أن الأجوبة عنها كانت تلاحقها لتهبط بها عن مستوى الحجية، ماعدا دليلين للقائلين بالحمل مطلقا، سكت عنهما المجيبون، أو هكذا وصلا إلينا مسلمين، وهما الدليلان الأخيران المتضمن أولهما أن زيادة الحكيم في الكلام لزيادة البيان، والمتضمن ثانيهما أن موجب المقيد متيقن. وتدقيق الفكر فيهما يقول إلى ما يلي: ١ - بالنسبة للأول كون زيادة الحكيم في الكلام لزيادة البيان، قضية لا يمتنع من التسليم بها أحد فيما اعتقد، ولكن مساسها بموضوع الحمل مطلقا وإفضاءها إليه للنظر فيه مجال واسع، لأن التسليم بالنسبة لكلام واحد اتحد فيه الحكم والسبب، أما إلباس هذا الثوب لكلامين اختلف فيهما سبب الحكم، فإنه بمنأى عن هذا التسليم، لأن الزيادة من الحكيم إذا كانت لحكمة، فإن السكوت عنه أيضا يكون لحكمة، وما دام الجمع بين الحكمتين ممكنا فإنه ينبغي المصير إليه، واختلاف السبب يجعل التصادم بينهما منتفيا، لأنه يجعل إبقاء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ممكنا. ٢ - وأما بالنسبة للثاني، فإن القضايا الشرعية تحكمها نصوصها وما يقررها الشرع ولا يلغيها كون الشيء متيقنا، فإذا كان الشرع قد قرر إجزاء ما انتفى عنه قيد المقيد من أفراد المطلق فإن تيقن الموجب لا يلغي هذا التقرير. والخروج عن العهدة يقرره الشرع، وحسب تقريره يتأتى، وتيقنه في نص، لا يقضى على ما في نص آخر بالإلغاء مادام اختلاف السبب فيهما قد حال دون ذلك. وبعد الركون إلى وجاهة الأجوبة عن أدلة المانعين من الحمل مطلقا نعود إلى الجواب عن أدلة الحاملين بالقياس المتركز على اصطدام قياس المطلق على المقيد بالنص. والدي يظهر - والله أعلم - أن توهم هذا الاصطدام يتلاشى إذا علمنا أن القياس المقتضي للحمل بمثابة بيان لأحد محتملات لحمل المطلق، وليس إلغاء له والاصطدام إنما يتأتى بناء على الثاني لا الأولى، والثاني إنما يتحقق بناء على نفي النص المطلوب، لقيد المقيد وهو لم يتعرض له بالنفي حتى يكون إثبات القياس له مفضيا إلى التصادم. فإذا نأى القياس عن هذا التصادم بجانبه، ينبغي النظر إليه من حيث كونه دليلا أقره الشرع، وأعطاه هذا الإقرار صلاحية البيان.
следующие страницы →