← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وما إن يكتسب العبادي مهارة تعينه على المعيشة في البيئة الجديدة حتى ينزح إلى هذه المناطق ولكن على مشارفها. ففي الطرف الجنوبي للقصير يوجد تجمَّع للعبابدة وكذلك في حماضات بلد الفوسفات. ومن الجدير بالذكر أن العبابدة من سكان الجبال ينظرون إلى إخوانهم من العبابدة الذين استقروا عمال في المناطق الجديدة والمتجاورة للمناجم على أنَّهم مرفهون لدرجة أن الفتاة العبادية التي تعيش في الصحراء وقسوتها تأنف أن تقترن بشاب من بين أولئك المترفين! وضع المرأة العبادية: ويشارك الرجل العبادي نساءه في الأعمال التي يقمن بها، فهو يستطيع تشييد الموقد الخاص بالطعام كما أنه يستطيع خبز "الرقاق" وطهي اللحوم. كذلك فهي تقوم بأعماله أيضًا إن غاب في سفره فترعى الإبل والأغنام وتجيد الاحتطاب. كما أنَّها تعرف أسماء الأودية والجبال وتهتدي في طريقها بالجبال العالية ومواقع النجوم وتصنع ثياب زوجها وتغزل صوف النعاج ووبر الإبل. وتقوم المرأة العبادية ببناء الخيمة، لذلك فإن الخيمة تعد ملكا لها، وتقام الخيمة في الغالب في مكان مرتفع نسبيا. ولا يوجد في الواقع أي نوع من الأثاث سوى بعض الغطاءات الصوفية التي تقوم المرأة بغزلها (١). والمرأة العبادية مخلصة لزوجها فهي تتزوج عادة في سن الثانية عشرة من عمرها ولا غرابة في أن يكون زوجها صبيًا في مثل سنها أو شيخًا في عمر أجدادها، ففي كلتا الحالتين تكن له ولاء واحتراما. وإن مات لا تفكر في الزواج من غيره قبل مرور أعوام طويلة وتحت ضغط البيئة الصحراوية وضغط اجتماعي شديد. وتظل تحفظ عهده وذكراه مع زوجها الجديد الذي يشجعها بدوره على هذا ويشاركها احترام زوجها الراحل فيذهبا سويا لزيارة قبره في الوادي الذي دفن فيه مهما بعدت شقة السفر (٢). وتعد المرأة العبادية في الصحراء شديدة التحفظ ليس في الجوهر فقط وإنما أيضًا في المظهر. فإن مر بها أحد الغرباء أو سمعت صوت سيارة أدارت ظهرها

стр. 1227

وجلست القرفصاء ووضعت رأسها بين ساقيها ورمت غطاء على جسمها كله وبدت وكأنها كومة سوداء. وإذا كان هذا التحفظ يحدث تجاه الغرباء فإن هذا التحفظ يزول في مجتمع العبابدة الداخلي. فالمرأة العبادية تقابل الرجال من العبابدة وتناقشهم في كلّ شأن من شئون الحياة. وتلتقي الفتاة المخطوبة بخطيبها أمام الأهل، ويرعيان الأغنام معا طوال النهار ويجريان ويمرحان ويتسامران سويا في أي فج من فجاج الصحراء، وقد يسافران معا من بئر إلى أخرى (١). عادات وتقاليد: وهناك بعض العادات والتقاليد عند العبابدة حافظوا عليها. فعند ولادة طفل تذبح الذبائح ويأكل منها الجميع وكذلك عند الختان (الطهور). وأما بالنسبة للزواج فيختلف عند سكان الصحراء عن أمثالهم في الريف والمدن. ففي الصحراء يتم مبكرا جدًّا كما سبق الإشارة. وغالبا ما يكون المهر من الإبل الغنم (٢). وأما مسكن الزوجية فهو كسائر مساكن العبابدة في الصحراء يتكون من خيمة تعد للعروسين وهي تتكون من "الأبراش" ووبر الجمال. ويقام احتفال للعروسين تكثر فيه الذبائح وتأتي إليه بطون القبيلة من كلّ دروب الصحراء. ويظلون يرقصون بالسيوف ولهم في ذلك جلبة شديدة. وإذا كان هذا ما يحدث في الزواج فإن الطلاق يكاد لا يعرفه مجتمع العبابدة، بل عرف مسألة تعدد الزوجات. والأخيرة مرتبطة بالعدالة التي يحاول العبادي بقدر الإمكان أن يوفرها لزوجاته. وقد يكون مرد ذلك أن معظم الزيجات التي تتم تكون من داخل القبيلة الواحدة التي تجمع بينها أواصر القربى والجوار بالإضافة إلى عملية تبادل المصاهرة" - إن جاز هذا التعبير - فيما بين أبناء القبيلة الواحدة والتي يستحيل فيها الطلاق. فلو فرض أن طلق زوج زوجته ففي الحال سوف تلقى أخته نفس المصير. ويمكن أن نضيف سببا آخر لندرة الطلاق بين العبابدة وقبائل الصحراء يشكل عام من يجاورهم ويتمثل في شدة تمسك العبابدة

стр. 1228

بالدين الإسلامي، فعلى الرغم من ترخيصه الطلاق بشروط فهو يعتبر أبغض الحلال عند الله، ولذلك فمن النادر اللجوء إليه. وقد لاحظ بوركهارت في رحلته إلى السودان في أوائل القرن التاسع عشر أن عبابدة القراريش برغم فقرهم يأبون أن يزوجوا بناتهم للنوبيين (١). وأما العادات المرتبطة بالوفاة وبعد مواراة المتوفي التراب يتلقى أهله العزاء المدة تصل إلى أسبوع، ثم يجدد الاحتفال بذكرى المتوفى بعد أربعين يومًا، وأخيرا بعد حول كامل، ويسمى الاحتفال الأخير باسم (الحولية) (٢). ففي حالة وفاة شخص عظيم يستمر العزاء لمدة أطول حتى تحضر كافة القبائل الموزعة في الصحراء حيث إنه من المتعذر أن تعلم كافة القبائل في وقت واحد، وغالبا ما يأتي هؤلاء ومعهم الهدايا من الإبل والنقود لأهل المتوفي. والعبابدة بشكل عام لا يتكلمون كثيرًا كسائر أهل المدن أو المقيمين حول النهر. وربما يعود ذلك إلى حياة الصحراء التي علمتهم الصمت وربما تدربوا على هذه الخصلة كضرورة لحياتهم في تلك البقاع .. فالصمت يقلل من الظمأ فيوفر بعض الماء. وبالإضافة إلى هذا العامل فإن اتساع الصحراء وتفرق النّاس بين شعابها لا يتيح اللقاء كثيرًا فأصبحت الوحدة والانفراد بشكلان عالم الرجل العبَّادي والبدوي بشكل عام في الصحراء. ومن الأمور التي يجدر الإشارة إليها الطب عند العبابدة وهو عبارة عن وصفات ورثوها عن الأجداد بعد أن أخضعوها للتجربة على مدى العصور، فهم يتداوون ببعض الأعشاب الصحراوية مثل الشيح والحرجل وحلف البر والحنظل وغيرها ولهم وصفات للعلاج من لدغ العقرب أو الثعبان. وعلى أية حال فإنه يمكن القول بأن مجتمع العبابدة كان مجتمعا بسيطا غير معقد، يسوده الوئام. ومرد ذلك إلى طبيعة المجتمع الصحراوي المترامي الأطراف والذي يتسع للجميع، وتعارف أهله الذين تجمعهم أواصر القربى والمصاهرة والذين سرت بينهم عادات وتقاليد تناقلوها من الأجداد وأصبحت بمثابة قوانين تحكم وتربط نسيج مجتمعهم رغم اتساع المسافات فيما بينهم في الصحراء

стр. 1229

العبابدة وفتح السودان ١٨٢٠ - ١٨٢١ م: لعب العبابدة دورا رئيسيا في ضم أقاليم السودان إلى مصر (١). وقد تمثل هذا الدور في إمداد الحملة التي قادها إسماعيل كامل نجل محمد علي باشا لضم سنار والحملة التي قادها محمد بيك خسرو الدفتردار لضم كردفان بالجمال لنقل المؤن والذخائر والأفراد للقتال في حفوف الجيش الزاحف صوب الأراضي السودانية، بالإضافة إلى دورهم كأدلاء أو مرشدين في دروب الصحراء ولا سيما الطريق الشرقي الذي يربط بين السودان ومصر عبر صحراء العتمور، إذ إنهم كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة "سلاطين الصحراء". وإذا ما نظرنا إلى إعداد الحملة التي جهزت بقيادة إسماعيل كامل فسوف نلاحظ أنَّها كانت تتألف من أربعة آلاف مقاتل من بينها حوالي سبعمائة فرد من قبيلة العبابدة، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف جمل قدمها أفراد هذه القبيلة تحت رئاسة الشيخ خليفة العبَّادي ووكيله داود كاشف (٢). وقد شارك العبابدة في المعارك القليلة التي جرت خلال مسيرة الحملة صوب سنار ولا سيما التي جرت ضد جماعة الشايقية، كما أنهم لعبوا دورا هاما في الاتصال بأهالي المنطقة ونقل ورصد حركات المناوئين لحملة إسماعيل أو من يريد الدخول في السلم والانضواء تحت الإدارة المصرية.

стр. 1230

ومع تطور العمليات العسكرية في أرجاء السودان ازدادت الحاجة إلى الكثير من الجمال المتوفرة لدى العبابدة. فقد كثرت للرسائل إلى المسئولين الإداريين على طول الطرق الموصلة بقنا والبحر الأحمر وأسوان تحثهم على " … إحضار الجمال اللازمة لنقل أحمال وأثقال البيادة والسواري الذين سيذهبون بطريق البر من قرية دراو .. (١) ". كذلك فقد كانت هناك حاجة ماسة للجمال " .. لنقل الغلال والمهمات التي ستذهب إلى شونة وادي حلفا، من أراضي شلالات أسوان ووادي حلفا" (٢). ولتنفيذ هذه المهمة تعهد محمود أفندي محافظ القصير بإحضار الجمال المطلوبة بواسطة "عبيد بن جبران" شيخ العبابدة وإنزالها إلى قرية دراو. كذلك فقد أشير إلى على أغا كاشف إسنا للقيام بأمر ترتيب الجمال المطلوبة " .. والموجودة تحت أيدي فلاحي قرى إسنا وأسوان وجلب اللازم منها أولًا فأولا بالأجرة وتسليمها إلى ملا حسين أغا محافظ قنا المكلف بتنظيم مصالح وادي حلفا". وفي سبيل إتمام هذه المهمة بنجاح طلب إلى كشف إسنا تعيين "الرجال النافعين" لقرى إسنا وأسوان وإحضار مقدار كشاف من الجمال لاستخدامها في نقل الغلال والمهمات. كذلك فقد تم التنبيه على كافة المسئولين وهم يقومون بأداء هذه المهمة بألا " .. يتسلطوا على جمال العبابدة التابعة للشيخ عبيد بن جبران" (٣). ويبدو أن كثرة المطالب المتعلقة بإحضار الجمال من قبيلة العبابدة قد أصابت بعضهم بالكدر، الأمر الذي أبى إلى إصدار هذا التنبيه السابق، حيث إننا نقرأ في

стр. 1231

الوثائق بأن ملا حسين محافظ قنا حين توجه إلى جهات أسوان وأحضر عبيد بن جبران وتحدث إليه في مسألة الجمال اعتذر الأخير ذاكرا أن الجمال التي ذهبت مع إسماعيل كامل قد هلكت (١). وليس معنى ذلك توقف الاستعانة بقبيلة العبايدة من حيث الإمداد بالجمال ولكن ظلت الاستعانة بها مستمرة. وقد تم رصد عدة مبالغ لهذه المسألة حيث نقرأ أنه قد تم إرسال الشيخ جبران إلى الجبال لجلب الجمال، كما تم إرسال نجل الشيخ جبران لجمع جمال العبابدة الموجودة في إسنا وما حولها. وفي سبيل ذلك كله جرى أخذ "مبلغ خمسين ألف قرش من خزينة أسوان وتخصص مبلغ مائتين وخمسين كيسا نقديا" (٢). ونظرا لأهمية الاستعانة بالجمال فقد جرى تنظيم عملية الاستعانة بها حيث حددت أجورها وفقا للمناطق الذاهبة إليها من حيث قرب وبعد المسافة التي تقطعها الجمال. فقد حددت أجرة الجمل الذاهب إلى دنقلة بتسعين قرشا والذاهب إلى بربر بمائة وعشرين قرشا والذاهب إلى شندي بمائة وثلاثين قرشا مع مراعاة أن تكون عليقتها من طرف أصحابها. وقد قبل العبابدة هذه الأسعار وبقية الشروط المنظمة لهذه العملية (٣). كذلك فقد صدر أمر إلى ملا حسين محافظ قنا المعين على جهات وادي حلفا بتعويض العبابدة عن الجمال التي هلكت مع جيش إسماعيل كامل وذلك بدفع الأثمان المناسبة لها حسب أسعار تلك الجهات وبمعرفة شيخهم (٤).

стр. 1232

وكلما ازداد إسماعيل كامل توغلا في أراضي السودان زادت الحاجة إلى معونة العبابدة سواء من حيث الإتيان بالعساكر المشاة المتخلفين في المؤخرة من جهة ومن جهة أخرى لجمع المزيد من الجمال الضرورية للجيش سواء أكان ذلك بالاستئجار أو الشراء (١). ولم تقف الاستعانة بالعبابدة عند حدود إمداد حملة إسماعيل كامل بالجمال والأفراد بل امتدت هذه المساعدة إلى جيش محمد بيك الدفتردار الذي قام بضم كردفان. فقد استطاع على أغا كاشف إسنا - وهو بصدد الاستعداد لذلك - تدبير ألف وأربعمائة جمل من فلاحي إقليمي إسنا وأسوان، بل إن الحاجة كانت ماسة آنذاك لجمع ٢٢٧٥ جملا حسب تقرير كاشف إسنا، حتى يتم وصول الفرسان والمشاة إلى محل مأموريتهم بالسودان (٢). وقد طلب إلى متصرف جرجا الذهاب إلى وادي حلفا لجمع الجمال اللازمة الحملة الدفتردار بل والإقامة في أسوان " .. لغاية تدارك الجمال بالأجرة من العبابدة" (٣). كذلك فقد ضمت حملة الدفتردار - بالإضافة إلى إبل العبابدة الكثير من أفراد هذه القبيلة كجنود محاربين غير نظاميين وسط الجنود الذين ضمتهم الحملة. فمن بين ثلاثة آلاف مقاتل كان هناك حوالي ثلاثمائة فرد من العبابدة (٤). من ذلك كله يتبين لنا أن العبابدة قد لعبوا دورا رئيسيا وأساسيا في كلّ من حملة إسماعيل كامل لضم سنار وحملة محمد بيك خسرو الدفتردار لضم كردفان، وذلك من خلال إمداد هاتين الحملتين بالجمال والأفراد المقاتلين. وقد

стр. 1233

أهّلهم لهذا الدور معرفتهم بدروب الصحراء وتربيتهم للإبل القادرة على اجتياز هذه المفازات بين مصر والسودان. ولم يتوار دور العبابدة في أعقاب هاتين الحملتين المشهورتين بل ظل دورهم متصلا ومستمرا مع استمرار الإدارة المصرية في السودان. ففي عام ١٨٤٢ وعلى عهد الحكمدار أحمد باشا أبو ودان قام بشاريو العمراب بحركة عصيانية مستغلين انشغاله في حرب التاكه ضد الهدندوة، فطلب هذا الحكمدار من الشيخ سليمان نمر العبَّادي القضاء على حركتهم، فخرج سليمان من بربر معقل العبابدة على رأس قوة من جماعته تقدر بنحو ألفي رجل وباغت بهم البشاريين وألحق بهم هزيمة نكراء، لكن البشاريين أعدوا كمينا لسليمان وجنوده عند بلدة مرات (Murrat) وقتلوه مع كثير من جنوده (١). دور العبابدة في التجارة بين مصر والسودان: لعب العبابدة دورا متميزا في التجارة عبر مصر والسودان. وقد تنوع هذا الدور ما بين مهام أمنية وتجارية وإرشادية. وقد مارس العبابدة هذه المهام بمهارة شديدة، فقاموا بتأمين القوافل التجارية المارة بالصحراء الشرقية عبر بربر مركز العبابدة الرئيسي، وإمداد هذه القوافل التجارية "بالدلالين" أو المرشدين الذين يقومون بمهمة إرشاد التجار والسائرين في الصحراء إلى الطرق الصحيحة حتى لا يضلوا أو يتعرضوا للهجوم ومخاطر الصحراء. ولم تكن هذه المهام التي قام بها العبابدة قد بدأت مع الحكم المصري في السودان عام ١٨٢٠ فحسب ولكنها سبقت ذلك بكثير، وربما لا يعنينا هنا تتبع هذا الدور في عصور سابقة لهذا التاريخ لكن تكفي الإشارة إلى أن سلطنة الفونج - منذ قيامها في القرن السادس عشر وحتى سقوطها في الربع الأول من القرن التاسع عشر (١٨٢١ هـ) على يد إسماعيل كامل بن محمد علي - قد استخدمتهم

стр. 1234

في مهمة حراسة طرق القواقل بين مصر والسودان ولا سيما الفرع المسمى بالفقراء والمليكاب، وكانوا سادة الطريق الصحراوي بين مصر والسودان وحماته من أخطار القبائل المجاورة ولا سيما البشاريين (١). ولقد كان من الصعب على أي تاجر في ذلك الوقت أن يقصد السودان دون أن يُعرّض نفسه وأمواله للأخطار فقلت رءوس الأموال المستثمرة في التجارة مع السودان حتى قدرها بوركهارت عند زيارته للسودان بستين أو ثمانين ألف ريال (٢). وقد يُعزى هذا التدهور التجاري بين مصر والسودان قبيل عام ١٨٢٠ إلى أن السودان آنذاك كان مفكك الأوصال ولم يكن يخضع لقوة سياسية قرية وموحدة تستطيع ضبط الطريق التجاري والحفاظ على أمنه وسلامته، فكان من الطبيعي - والحالة هكذا - أن يشتد نشاط اللصوص وقطاع الطرق وتتعرض التجارة - ولا سيما في شرقي النيل - لأخطار جسيمة من جانب القبائل التي تقطن تلك المنطقة (٣). أما بعد عام ١٨٢٠ فقد خضع السودان لإدارة موحدة من جانب محمد علي فكان لابد أن يضع حدا لمثل هذه التجاوزات الخطيرة لا سيما وأن حركة التنقل بين مديريات السودان مصر قد ازدادت بشكل كبير، فهناك أدوات وأسلحة حكومية تنقل إلى السودان، وهناك عبيد ومواش وغير ذلك تأتي إلى مصر عبر هذه الطرق (٤).

стр. 1235

وبالإضافة إلى ذلك كثر تنقل الأفراد والحكام بين البلدين بعد ضم السودان .. كل ذلك اقتضى إعادة النظر في الاهتمام بالطرق الموصلة بين مصر والسودان ولا سيما البرية منها بعكس الطريق النيلي الذي لم يلاق اهتماما موازيا. وربما يرجع ذلك إلى كثرة العوائق الطبيعية به مثل الجنادل وغيرها. وقد سلكت التجارة بين مصر والسودان بوجه عام طرقا عدة أهمها طريق النوبة السفلى والعليا، والطريق الغربي أو ما عرف باسم درب الأربعين الذي يبدأ من كوبي بدارفور حتى أسيوط، وطريق سواكن - السويس. وقد لا تعنينا كل هذه الطرق السابقة بشكل أساسي ونحن نتكلم عن قبيلة العبابدة، وإنما يعنينا منها الطريق الأول وهو طريق النوبة السفلي والعليا حيث لعب العبابدة خلاله دورا كبيرا في التجارة بين البلدين. فكان هذا الطريق بحكم موقع النوبة أقرب إلى صعيد مصر وبمثابة حلقة وصل بين البلدين، كما كانت أسواق إسنا ودراو وأسوان أماكن لتصريف سلع ومنتجات النوبة السفلى كالتمر والشب والسنامكي في مقابل الذرة والمنسوجات القطنية. أما طريق النوبة العليا أو الجنوبية فكانت بربر وشندي أهم مراكزها التجارية وكانت تتصل بمراكز التجارة في صعيد مصر عن طريق القوافل الشرقي الذي يخترق الصحراء الشرقية ثم ينقسم إلى فرعين متوازيين: الأول: يخترق صحراء العتمور (طريق أبو حمد - كرسكو) والثاني إلى الشرق قليلا ويخترق صحراء العتباي "طريق بربر - دراو". فعلى سبيل المثال يمكن لقافلة شندي المتجهة إلى مصر أن تمر ببربر ثم عليها أن تختار السير إما في محازاة النيل حتى (أبو حمد) ومنها تخترق صحراء العتمور إلى كرسكو ثم إلى دراو أو أن تسير بعد أن تغادر بربر إلى الشرق قليلا مخترقة صحراء العتباي شمالا حتى تصل إلى بلدة دراو بأسوان. وكان التجار في الغالب يفضلون السير في طريق العتباي تاركين طريق العتمور رغم أن الأخير فصير؛ وذلك لأن القوافل كانت تعاني فيه شح المياه وقلة العشب الضروري للإبل، ناهيك عن تعرض القوافل في طريق العتمور لأعمال السلب ودفع المكوس.

стр. 1236

وتقطع القافلة طريق العتباي من دراو إلى بربر في مدة من ستة عشر إلى سبعة عشر يوما، ومن بربر إلى دراو في مدة اثني عشر يوما؛ وذلك لأن القافلة عقب مغادرتها لبربر تكون مزودة بعدد وافر من الإبل فيمكنها بذلك إراحة الإبل المحملة بالتناوب، بالإضافة إلى جدية رجالها في السير ليلا بحيث إنهم كانوا لا ينامون إلا قليلا، وأخيرا فإن نفقات القافلة المتجهة إلى مصر تقل لتوافر الإبل. ويقال أن راكب الهجين السريع من رجال البريد في إمكانه أن يقطع المسافة ما بين بربر ودراو في ثمانية أيام (١). وتعتبر بربر - مركز العبابدة الرئيسي في ذلك الوقت - بحكم موقعها الجغرافي ملتقى للقوافل الآتية من داخل السوادن وخارجه. فهي تستقبل بحكم موقعها شمال شندي وسنار القوافل الآتية من مصر عبر صحراء العتباي قبل أن تصل إلى هذه البقاع، وتمر بها قوافل شندي وسنار في طريقها إلى مصر. وبالإضافة إلى ذلك فهي تقع على أقصر طزيق يصل النيل النوبي بساحل البحر الأحمر (طريق بربر - سواكن) عبر الصحراء الشرقية الذي ازدادت أهميته وكثر استخدامه عقب فتح الطريق البحري بين سواكن والسويس (٢). وهكذا هيأ هذا الموقع شهرة تجارية شهد بها بعض الرُّحَّال الذين زاروها في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فقد كثر تردد قوافل بربر على دنقلة بانتظام حاملة التمر والتبغ، كما كانت قوافل سنار تحمل إليها الرقيق والأسِرَّة الخشبية وجلود الثيران بالإضافة إلى البن الذي يجلبه تجار سنار من الحبشة والذي كان يباع ببربر بسعر أقل من بن مخا اليمني. وقد وجدت جماعة من تجار سنار ودنقلة كان لها نشاطها التجاري الملحوظ في بربر. كذلك فقد كان لبربر صلات تجارية نشطة مع أقاليم التاكة، فقد تردد تجار هذا الإقليم على أسواق بربر لبيع الإبل والماشية والحصول على الأقمشة القطنية (الدمور) والتوابل (٣).

стр. 1237

كذلك فقد كانت بربر ملتقى لتجار الرقيق القادمين من سنار والخرطوم عن طريق صحراء كرسكو (١). وهكذا نرى بجلاء تام أن بربر - مركز العبابدة الرئيسي - كانت تمثل مركزا تجاريا هاما وملتقى لتجارة أقاليم السودان المحيطة بهذه البلدة بالإضافة إلى مركزها الخطير كمعبر تجاري بين مصر والسودان، الأمر الذي أضفى عليها وعلى سكانها من العبابدة دورا هاما لعبوه باقتدار طوال التاريخ. وفي ضوء هذه الأوضاع التي وجد العبابدة أنفسهم فيها ببلدة بربر وما حولها من حيث الموقع الوسيط سوف نحاول أن نتتبع تطور دورهم التجاري من عام ١٨٢٠ وحتى قرب نهاية القرن التاسع عشر. ففي عهد محمد علي جرى تكليف مشايخ العبابدة بحراسة القوافل التجارية المارة بهم بالإضافة إلى مهمات الحكومة التي كانت تتطلبها الإدارة المصرية بأقاليم السودان. ويمكن أن نصف العلاقة بين العبابدة وحكومة مصر طوال الفترة محل الدراسة بأنها كانت - بشكل عام - بين مد وجزر. فتارة نجدها في أبهى صورة لها طالما كانت التجارة وأدوات الحكومة ورجالها في أمان وسلام وهم يعبرون الصحراء الشرقية ما بين مصر والسودان وطالما التزمت الحكومة بتعهداتها تجاههم، وتارة أخرى يسودها التوتر إذا ما حدثت حادثة نهب أو سطو على التجارة أو حاول أحد زعماء العبابدة أن يفرض لنفسه شروطا جديدة أو حاول أن يكون له نفوذ كبير عبر هذا الطريق يعلو فوق قبضة الحكومة. وتبدأ هذه العلاقة منذ عهد إسماعيل كامل الذي فتح سنار حيث كافأ خدمات العبابدة له بالتأكيد على الحقوق الامتيازية التي كانوا قد حصلوا عليها من حيث مرافقة القوافل عبر طريق الصحراء الشرقية. كذلك فقد منحهم امتياز جمع

стр. 1238

ضريبة مقدارها ١٠%على صادرات السودان في مقابل الالتزام بحراسة الطريق والإمداد بالجمال وحماية القوافل (١). كذلك فقد أعفتهم الحكومة من أية ضرائب مباشرة ما عدا الذين كانوا يملكون حصصا من الأرض أو السواقي، فهؤلاء عوملوا معاملة الفلاحين العاديين القاطنين على ضفاف النيل ممن كانوا يدفعون ضريبة عن كل ساقية (٢). وفي عام ١٨٣٨ وقعت حادثة أخلت بالأمن في طريق المواصلات عبر الصحراء النوبية أرادت من خلالها الحكومة أن تقوي قبضتها على الطريق والقائمين عليه. فقد انتهز أحد رجال قبيلة البشارية الفرصة وقام بقتل بضعة جنود واحتمى بالشيخ خليفة العبادي في بربر ظنا منه أن مكانة هذا الرجل عند الحكومة باعتباره متعهدا لطريق مرور القوافل بين مصر والسودان سوف تكون شفيعا له للعفو عنه. وطبقا للتقاليد والعادات العربية منحه الشيخ خليفة الحماية والتمس من حاكم بربر أن يقوم بدفع الدية عن الرجال القتلى. ولما كان المدير يحكم وفقا لقانون الإدارة المصرية المدون في هذا الجانب وليس وفقا للأعراف العربية أصر على أن يسلم القاتل إلى الحكومة فلم يمتثل خليفة لذلك ورفض تسليم الرجل الذي احتمى به وشعر بأن في تسليمه إهانة له (٣). ويروى أحد أحفاد الشيخ خليفة أسباب وملابسات الحادث بأن مدير بربر عباس أغا الجندي قد استكثر على خليفة العبادي ما كان يأخذه من العشر على قيمة البضائع والسلع نظير تأمينه للقوافل من خطر اللصوص فأرسل كتابا إلى خليفة في أبي حمد حيث كان يقيم يأمره فيه بالتنارل عن أخذ العشر وأن يأخذ بدل ذلك ثلاثة ريالات عن كل جمل يمر بالعتمور؛ ريال من الحكومة وريال من

стр. 1239

التاجر وريال من صاحب الجمل، فرفض الشيخ خليفة أمره؛ لأن العشر قد أصبح حقا مكتسبا من قبل أن تحل الإدارة المصرية بالسودان. ولما أصر مدير بربر على تنفيذ أمره قام الشيخ خليفة بإغلاق الطريق بين أبي حمد وكرسكو، فطلب منه المدير الحضور إلى بربر للتفاوض وجاء ومعه أناس كثيرون من قبيلته كعادة القبائل العربية. وأعاد المدير مرة أخرى مطلبه فأصر خليفة على عدم تنازله عن العشر واستمراره في إغلاق الطريق إلى أن يقوم المدير بإلغاء أمره. وقد اعتبر عباس أغا عدم تنفيذ الشيخ خليفة لأوامره، بالإضافة إلى امتناعه عن تقديم القاتل للعدالة خروجا منه على الحكومة وعصيانا لها. ولما كان المدير يعلم تماما أن الشيخ خليفة رجل قوي وأنه إذا ما اتخذ ضده إجراءات علنية فلربما يقاومه ويتغلب عليه بما عنده من رجال فقام بقتله حرقا بالنار، كما قتل معه مائة واثنين وثلاثين رجلا من قبائل مختلفة. وإضافة إلى ذلك قام عباس أغا بقتل الرجل الذي احتمى بالشيخ خليفة (١). وبالإضافة إلى هذه المتاعب التي لاقاها شيخ العبابدة فقد قام حكمدار السودان أحمد باشا أبو ودان (١٨٣٩ - ١٨٤٤) بتخفيض أجرة الجمل من تسعين إلى ستين قرشا فامتنع العبابدة عن تقديم إبلهم ونتج عن ذلك " .. تعطيل حركة نقل المبيعات الأميرية وسرى العطب إلى بعضها .. " (٢). ومن وجهة نظر رجال الإدارة المصرية في بربر والخرطوم فقد انتهى الأمر عند هذا الحد من العقوبات لكن شقيق خليفة المقتول الذي يدعى بركة أسرّها في نفسه حتى تحين له الفرصة فيأخذ بثأر أخيه. وكان بركة هذا قد أصبح مسئولا (ملتزما) على الطريق الصحراوي كما كان شقيقه خليفة من قبل، وأثار متاعب للسلطات الحكومية لدرجة أن محمد علي كتب غاضبا إلى مسئوليه في بربر أن يقولوا لبركة بأنه (محمد علي) هو الذي قتل

стр. 1240

أخاه ولسوف تكون نهايته على نفس المنوال. ويبدو أن بركة لم يذعن لهذه التهديدات فبعث محمد علي بأمر قاطع للقبض على بركة وإحلال ابن أخيه حسن خليفة محله كمسئول عن طريق التجارة. لكن بركة انسحب إلى الصحراء واستقر قرب آبار مرات يترقب الأمر، ولم ينتظر بركة طويلا. فقد توفي عباس أغا حاكم بربر الذي قام بتنفيذ قتل خليفة، وكان أخو عباس أغا يجتاز الصحراء لإحضار أسرة المتوفى إلى مصر حيث هجم عليه بركة وقتله هو وجميع الرجال الذين كانوا برفقته عدا النساء حيث خيرهن في أن يرسلن إلى كرسكو أو إلى أبي حمد فاخترن الثانية (١). وقد سارعت الحكومة بالانتقام فعلم بركة بذلك فولى هاربا حتى انتهى به المطاف إلى جبل يسمى جبل (حلوس) للاعتصام به وهو يقع على بعد مسيرة نحو سبعة أيام في الشمال الشرقي من آبار المرات. وينفي حسن أحمد حسين خليفة العبادي أن يكون غرض بركة هو التوجه إلى الحجاز كما ذكر أحد المؤرخين الإيطاليين الذي قال "أن بركة لما سمع بأن الحكومة تبحث عنه ذهب قاصدا القصير للهروب إلى الحجاز" فلو كان هذا غرضه - كما يذكر - فهناك عدة مراسي بسواحل البحر الأحمر أقرب إليه كثيرا من القصير مثل مراسي محمد قول ونقناب وحلايب (٢). ولقد قام بمهمة تعقب بركة رجل من العبابدة أيضا يدعى سليمان نمر وهو من أسرة تنافس أسرة الشيخ خليفة في الرياسة. وقد تقدم سليمان إلى حكمدار السودان آنذاك وهو أحمد باشا أبو ودان وأخبره أن في مقدوره القبض على بركة وتقديمه للحكومة، فأرسله إلى صحراء عتباي وأعطاه نحو مائتي جندي من المغاربة ورافقه جماعة من قبيلة العامراب البشاريين وتم القبض على بركة عند جهة تسمى

стр. 1241

(حجر الزرقاء)، وقتل بركة عقب معركة حامية وقام سليمان بقطع رأسه وإرسالها إلى الحكمدار بالخرطوم (١). وقد ضيقت الحكومة على العبابدة بعد هذه الحادثة فنزح بعضهم إلى قلب الصحراء وأمرت بالقبض على حسن خليفة العبادي اعتقادا منها أنه سوف يدبر ثورة للانتقام لقتل عمه بركة لكن نظرا لخدماته التي أداها لمحمد علي عفي عنه (٢). وقد انتقلت حراسة طريق القوافل إلى حسن خليفة الذي كان شخصية بارزة ومعروفا لدى والي مصر محمد علي وكبار حاشيته. فقد كان مرافقا لمحمد علي في عودته من رحلته للسودان (أكتوبر ١٨٣٨ - مارس ١٨٣٩) في الطريق من برب إلى الإسكندرية وكان خبيره في عتمور أبي حمد وكرسكو (٣). وقد اشترط على حسن خليفة - وهو يتولى أمور الطريق - بعدم أخذ العشر من المسافرين بل صرح له بأخذ ثلاثة ريالات عن كل جمل يمر بالعتمور. ومن الجدير بالذكر أن الحكمدار أحمد باشا أبو ودان لم يكن راضيا عن تعيين حسن خليفة شيخا للعتمور؛ ذلك لأنه كان قد وعد سليمان نمر بتعيينه في هذه الوظيفة مكافأة له على قتله لبركة (٤). وعلى أية حال فقد سارت أحوال الطريق التجاري في عهد حسن خليفة - في بداية الأمر - سيرا حسنا، لكن نظرا لكثرة استخدام هذا الطريق سواء من جانب التجار أو رجال الحكومة لنقل المهمات من وإلى السودان فقد كان طبيعيا أن تحدث بعض المشاكل والتجاوزات التي أدت إلى تحذيره بل ومعاقبته. ففي إحدى الرسائل التي بعث بها محمد علي إلى مدير دنقلة في عام ١٨٤٤ نقرأ فيها أن حسن خليفة تعهد بأن يدفع على أقساط شهرية بواقع خمسة أكياس ومائة وخمسة وعشرين قرشا في الشهر تسديدا للأموال التي نهبت في الطريق.

стр. 1242

كذلك فإننا نقرأ في نفس الرسالة تهديدا بضرورة معاقبته فيما لو أهمل في هذا المشروع (١). وقد طفت إلى السطح مرة أخرى مشكلة وجود أو تعيين حسين خليفة كمتعهد للطريق أو إحلال شخص آخر مكانه وذلك من خلال ملتمس قدمه إلى الحكومة يطلب فيه " … رفع سليمان إدريس متعهد الطريق بين كرسكو والعتمور .. " ويبدو أن هذا الشخص قد وضع مكانه عقابا له لإهماله في ضبط أمور الطريق. وقد طلب مدير دنقلة مخاطبة مدير الوجه القبلي بشأن رفع سليمان إدريس المنافس لحسن خليفة (٢). وقد كان هذه المشكلة مثار جدل ونقاش بين عدة أطراف: محمد علي، ومدير عموم الوجه القبلي، ومدير دنقلة وبربر وحسن خليفة. ويبدو أن الأمر كله في هذه القضية قد أحيل إلى مدير عموم الوجه القبلي للنظر فيه. وقد تناقضت أحكام وآراء مدير عموم الوجه القبلي حول هذه القضية وهل يعود حسن خليفة إلى مباشرة وظيفته أم لا؟ فتارة نقرأ انحيازه لحسن خليفة على أن يتعهد الأخير بإدارة الطريق إدارة حسنة وأخذ شروط عليه وأن يتم ذلك كله بمعرفة مدير دنقلة وبربر. وتارة أخرى نقرأ لنفس المدير أن حسن خليفة "رجل مرتكب (مرتش) وغير قادر على إدارة الطريق ونقل المهمات في أسرع وقت" (٣). وقد علل مدير عموم الوجه القبلي رفضه لتعيين حسن خليفة بأنه لو أعطى الطريق رأسا فلا يمكن بسط السلطان عليه كما كان من قبل وسيظل معطلا. ويخلص في النهاية إلى إسناد مهمة حراسة الطريق إلى مدير دنقلة وبربر. وعزز مطلبه هذا بقوله: "إن حسن خليفة وأتباعه العبابدة موجودون داخل السودان وليس في داخل مديرية عموم الوجه القبلي" (٤).

стр. 1243

ويبدو أن الشيخ حسن خليفة قد عُرف بالإسراف الشديد في إنفاق موارد القبيلة والبذخ والكرم الزائد عن الحد وحرمان كبار رجال قبيلته منها فنصح مرارا بترك البذخ فلم يستمع إلى هذه النصائح، فاجتمع رجال قبيلته وقرروا إعفاءه من الشياخة وتعيين الأرشد من إخوته مكانه فرفض التنازل عن المشيخة فتقدموا ضده بشكاوى إلى الحكومة بالخرطوم زمن الحكمدار لطيف باشا (١٨٥٠ - ١٨٥١) وذلك في عام ١٨٥١ الذي حقق معه وعزله من وظيفته وعين مكانه شقيقه حسين خليفة العبادي (١). وقد ربطت الحكومة لحسين خليفة ماهية شهرية قدرها خمسة وعشرون جنيها مصريا مع أخذ ستة قروش عن كل جمل يمر بطريق كرسكو وأبي حمد، بالإضافة إلى ما يأخذه العبابدة خبراء الطريق وأصحاب الجمال أجرة لجمالهم في نقل مهمات الحكومة وبضائع التجار المسافرين وسلعهم. وقد رافق حسين خليفة سعيد باشا والي مصر في سنة ١٨٥٧ م أثناء زيارته للسودان فمنحه أراضي شاسعة في زمام إدفو بالإضافة إلى لقب البكوية. وقد عين حسين خليفة في عام ١٨٦٩ مديرا لبربر. وفي سنة ١٨٧٠ أصبح مديرا لبربر ودنقلة معا وأنعم عليه برتبة الباشوية، وقام بعدة إصلاحات كحفر الترع وإدخاله نظام تسجيل الأراضي بالمديريتين (٢). ازدياد وتفاقم مشكلات الطريق وأهم الجهود: إذا كان طريق التجارة الشرقي إلى السودان قد تعرض لبعض المشكلات وأشرنا إلى بعض منها، فهذا شيء طبيعي ولا سيما قبل عام ١٨٤١ أما بعد هذا العام فالأمر جد مختلف، وبالتالي فإن مشكلات الطريق قد تفاقمت بشكل بين؛ نتيجة لظروف جديدة قد يكون ظاهرها سياسيا ولكنها تحمل بين جنباتها طابعا تجاريا.

стр. 1244

ففي عام ١٨٤١ جرت تسوية لندن وفتحت بابا للتدخل الأجنبي في مصر وأيضا في السودان. ليس معنى ذلك أن محمد علي قبل هذا التاريخ كان لا يشجع قدوم التجار إلى البلاد الخاضعة ولكن بشكل منظم ومحكم حين كانت سيطرته الداخلية عليهم كاملة. أما في أعقاب ١٨٤١ فبدأ التسرب الأجنبي يزداد بشكل جلي ساعد على ذلك ظروف أوروبا الاقتصادية التي كانت تعيشها في ذلك الوقت، ونعني بها الانقلاب الصناعي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث بدأت أوروبا تشعر تدريجيا بحاجتها إلى مصادر جديدة للخام وأسواق خارجية أيضا لتصريف مصنوعاتها ذات الإنتاج الكبير، ووجدت في مصر بغيتها من حيث المناخ المعتدل والأرض الخصبة، والأهم من ذلك كله أن مصر بعد هذه التسوية أصبحت تطبق أو تسري فيها بنود أو معاهدات "الامتيازات الأجنبية". وبالنسبة للسودان فقد عانى - تفريبا - نفس المعاناة التي نجمت عن هذه التسوية. فقد صدرت فرمانات: ١٣ فبراير ١٨٤١، ٢٣ مايو ١٨٤١، يونيه ١٨٤١ من لدن الدولة العثمانية إلى محمد علي، وهذا كله يعني ضرورة سريان المعاهدات والقوانين التي أبرمتها أو تبرمها الدولة العثمانية مع الدول، وسريان قوانينها التي سنتها أو تسنها في السودان ومنها الامتيازات الأجنبية. كذلك فقد شجع الأجانب على القدوم إلى السودان - عدا ذلك - فتح النيل الأبيض بفضل رحلات سليم قبودان في الفترة ما بين ١٨٣٩ - ١٨٤١. وإذا كان مجيء الأجانب في بادئ الأمر قد اقتصر على الرحالة والمستكشفين سواء مع جيش إسماعيل كامل أو في أعقابه، إلا أن التجار والمسافرين الذين جاسوا السودان والطرق الموصلة إليه بعد عام ١٨٤١ من خيار القوم بل كانوا - كما وصفهم القنصل الإنجليزي في مصر "كوهون Col.Quhoun" - من المغامرين الذين اقتصرت تجارتهم على الرقيق، تحميهم الامتيازات الأجنبية ويرعاهم القناصل (١).

стр. 1245

وهكذا بدأ سيل منهمر من الأجانب ولا سيما التجار والمغامرون يفدون إلى السودان ويسلكون طريق الصحراء الشرقي وازدادت بالتالي مشاكل هذا الطريق. وقد تولت الرسائل التي تشكو مر الشكوى من الاعتداءات التي عمت طريق العتمور من جانب عربان البادية لدرجة أن مدير بربر طلب في عام ١٨٥٠ " … بأن لا يرسل أدوات ميري ولا تجاري بالعتمور ما لم يرسل خبير". كما أن مدير إسنا طلب من حكمدار السودان النظر في " .. طريقة مستحسنة لتمشية سكة العتمور". وفي ١٨ أكتوبر عام ١٨٦٤ ذكر نائب القنصل الفرنسي بالخرطوم في شكوى له المخاطر التي كانت تكتنف طريق العتمور (أبو حمد - كرسكو) وطريق العتباي (بربر - دراو) حيث كانا دائما مزدحمين باحتياجات الحكومة من السلاح والمؤن الحربية الخاصة بالجيش، وكان هذين الطريقين مسخران لخدمة الجيش وحسب". ويضيف قائلا: "إن كل ذلك يترك قليلا من الأمل للتجارة التي تعاني كثيرا من المواصلات والخسائر الجسيمة الناجمة عن ذلك. فهناك على سبيل المثال بضائع فرنسية مهملة ومعطلة بكورسكو نتيجة الأزمة المستحكمة لمدة شهور بسبب قلة الإبل، ناهيك عما يلقاه التجار من شح في الاحتياجات الضرورية ووهج الشمس المحرقة والجبال الجرانيتية المطبقة عليهم من كل جانب" (١). وراح القنصل الفرنسي في السودان يردد في رسائله تلك المخاطر التي لخصها في عبارة واحدة " … وللتجار اليوم في السودان عدوان: الحكومة بما تقوم به من تفتيش مستمر للتجار دونما معايير ثابتة، والعدو الآخر يتمثل في جماعة الأعراب التي تُغِير على القوافل .. " (٢).

стр. 1246

وإذا حاولنا مناقشة هاتين المشكلتين اللتين كانتا تواجهان التجارة والتجار في هذا الطريق فيمكننا القول بأنهما المشكلتان التقليديتان أمام أي تجارة في أي بقعة من العالم وإن اختلفت المسميات: فالأولى عبارة عن موقف الحكومة الرسمي من التجار سواء من ناحية تحصيل الضرائب وعمليات التفتيش، والثانية تتمثل في مشكلة الأمن المتعلقة بالتجارة والتجار. أما المشكلة الأولى وما تقوم به الحكومة من تفتيش للتجار دون معايير ثابتة فربما يكون مرد ذلك هو بداية حدوث خلل في الأوضاع الاقتصادية في مصر، الأمر الذي استدعى تحصيل الكثير من الأموال للخروج من الضائقة الاقتصادية التي استحكمت في عهد إسماعيل. أما قبل ذلك ولا سيما في عهد محمد علي فقد كانت الأمور تسير على ما يرام حتى بعد عام ١٨٤١ حين انهال التجار على السودان وبدأ يطبق معاهدة بلطة ليمان ١٨٣٨ - ١٨٣٩ بشكل جدي ويضع أسسا ثابتة للتعامل مع التجار ويخفف الجمارك المتحصلة من بعضهم لا سيما المسلمون منهم (١). أما في عهد إسماعيل فيبدو أن الرسوم قد وصلت إلى نسبة عالية ومبالغ فيها بلغت ٨% بعد أن كانت ٥% في عهد محمد علي، الأمر الذي أدى إلى شكوى التجار الأجانب ومطالبتهم بتخفيضها إلى ١% (٢). ووصلت شكوى الأجانب إلى حد أن تدخل غوردون في ٣١ مارس عام ١٨٧٧ لصالحهم طالبا استخدام موظفين أوروبيين في جمارك السودان خصوصا بجهات بربر وسواكن ومصوع وزيلع وتيجرة بالإضافة إلى أسوان. وقد وعد المسئولون ببحث هذا المطلب وإن كنا لم نقرأ في الوثائق - التي اطلعنا عليها ما يفيد تحقيق هذا المطلب (٣).

стр. 1247

ويمكن تفسير شكوى التجار الأوروبيين من الحكومة بأنها حلقة في سلسلة الضغوط على الحكومة ومحاولة تدخلهم في شئونها سواء في مصر أو في السودان في عهد إسماعيل تمهيدا للسيطرة ثم الاحتلال. فتدخل غوردون لصالح التجار الأوروبيين يقيم الدليل على ذلك ولا سيما إذا علمنا كذلك أنه رشح للعمل في السودان من جانب أمير بريطانيا حتى يستطيع تنفيذ سياسة بريطانيا في المنطقة وإن أخذ مجيئه إلى السودان مع باقي الموظفين الأوروبيين شكل معاونة الخديو إسماعيل في حكم السودان ومقاومة تجارة الرقيق التي تبنتها إنجلترا لخدمة مصالحها. فصراخ التجار في ذلك الوقت وطلب استخدام موظفين أوروبيين على موانئ سواحل البحر الأحمر الغربي كان خطوة في الوثوب للسيطرة على هذه المنطقة .. منطقة القرن الأفريقي وما جاورها نظرا لأهميتها الإستراتيجية ومواجهة بعض هذه الموانئ لمنطقة عدن التي سيطرت عليها إنجلترا … فكل هذه الصراخات من جانب التجار كان تمهيدا للاحتلال أو كما يقولون Flag Follows Merchants. أما المشكلة الثانية المتعلقة بأمن التجارة والتجار فلم تقف الحكومة إزاءها مكتوفة الأيدي، بل راحت تبذل الكثير لراحة التجار والمسافرين. ففي يولية عام ١٨٦٥ طلب من حكمدار السودان تأمين هذه الطرق، والقيام بإعدام الأشخاص الذين تم القبض عليهم بتهمة ارتكاب حوادث السلب، وإرسال البعض الآخر إلى جهات جنوب السودان. كما بعث المسئولون بمصر في أغسطس عام ١٨٦٦ إلى الشيخ حسين خليفة العبادي متعهد طريق العتمور آنذاك يحثونه على أداء مهمته في حراسة طريق التجارة قائلين له: "إن من أفم الأمور المرغوبة إلينا وأعظم المواد الملتزمة لدينا التي لم نزل نداوم على رعايتها والحض على مزيد ملاحظتها هو تأمين الطرق والمعابر وتسهيل السبل لكل وارد وصادر وصيانة كل تاجر ومسافر حتى لا يضيع لأحد عقال بعير ولا يصاب أحد في نفسه ولا في ماله بقليل أو كثير .. " (١).

стр. 1248

وقد وجه اللوم الشديد إلى الشيخ حسين خليفة على ذلك الإهمال الذي أدى إلى وقوع حوادث النهب والقتل محذرين ومنذرين من وقوع مثل ذلك مستقبلا (١). ومن الجهود التي بذلتها الحكومة في هذا السبيل حفر الآبار لما لها من أهمية بالغة في هذه الصحراء القاحلة الخالية من المياه. وقد نبه الحكومة إلى ذلك مشايخ العربان في هذه المنطقة أمثال العبابدة وغيرهم وغيرهم الذي حضروا إلى مدير دنقلة وبربر لاستكشاف هذه الآبار. ولما كان إسماعيل يعني بهذه الناحية ولديه هيئة أركان حرب في الجيش تقوم بهذه المهمة فقد طلب إعداد واستغلال هذه الآبار وعددها سبعة آبار بعضها عذب وبعضها مالحة تقع جميعها على طول الطريق ما بين أبي حمد (بالسودان حاليا) حتى الرديسية بأسوان (٢). ومن الجهود التي يمكن الإشارة إليها قيام الشيخ حسين خليفة شيخ العبابدة ومتعهد الطريق بفتح طريق قصير وآمن من كرسكو إلى أبي حمد حيث كانت القافلة الصغيرة تقطعه في مدة من ٨ - ١١ يوما، كما قام بتنظيف وإعداد آبار (مرات) العذبة، وقام ببناء مركز حصين للقوافل عند أبي حمد ضد هجمات البشاريين التي هددت طريق التجار والتجارة (٣). ولم يقتصر دور العبابدة في التجارة ما بين مصر والسودان على مهمة الحراسة والدلالة فحسب ولكنهم شاركوا بقدر في هذه التجارة. فقد صدر العبابدة الجمال إلى أسواق مصر ولا سيما سوق دراو الشهيرة، خصوصا إذا علمنا أن فروعا وأكداد كثيرة من الحبابدة تعيش في دراو وما حولها. ففي هذه السوق تعرض إبل العبابدة والبشارية والرشايدة الذين يقيمون حول العطبرة وكسلا. كذلك فقد تاجر العبابدة قي السنامكة والفحم النباتي ونقلوه إلى أسوان وقنا وموانئ البحر الأحمر. وكانوا يقومون بشراء حاجياتهم من سوق دراو والتي غالبا

стр. 1249

ما كانت تتكون من الذرة والمنسوجات والأواني النحاسية. وقد قدر وليم هودجسون Hodgson ضرائب جمرك دراو باعتبارها سوقا تجاريا هاما ومستقرا للعبابدة بعشرة آلاف دولار في عام ١٨٣٣ (١). وقد ظل العبابدة محافظين على امتياز النقل عبر الطريق ما بين مصر والسودان حتى إنشاء خطوط السكة الحديدية ما بين حلفا والخرطوم حيث فقد العبابدة الأموال التي كلانت تجبى نظير حراسة ومرافقة القوافل المارة بالطريق فتفرقوا في أنحاء مصر والسودان. العبابدة والثورة المهدية: لعب العبابدة دورا بارزا في حوادث الثورة المهدية منذ اندلاعها وحتى استرداد السودان. وقد بدأ هذا الدور من خلال زعيمهم ومدير بربر حسين باشا خليفة ورجال العبابدة، ثم بدأ هذا الدور يتعاظم بوصول غوردون إلى بربر في ١١ فبراير عام ١٨٨٤ وتطور الأحداث التي أفضت إلى انتصارات المهدي ثم بداية مرحلة جديدة فيما بعد للقضاء على دولة المهدية وبداية استرداد السودان. ولقد بدأت الثورة بتحقيق انتصارات عظيمة حيث أباد المهدي تجريدة هكس باشا في شيكان في الخامس من نوفمبر عام ١٨٨٣، وأصبح الاستيلاء على الخرطوم مسألة وقت. كذلك فقد رسخت أقدام المهدية في شرقي السودان وأبيدت جيوش الحكومة المصرية في سنكات وطمانيب، كما كانت كسلا محاصرة. أما في الجزيرة بين النيل الأبيض والنيل الأزرق فإن صهر المهدي ود البصير قد أحرز عدة انتصارات. هكذا كانت حالة البلاد عند وصول غوردون إلى بربر - معقل العبابدة - في فبراير عام ١٨٨٤ (٢). ومنذ هذا التاريخ بدأ دور العبابدة - بشكل مباشر - في أحداث الثورة المهدية حيث أرسل غوردون، وهو في أسيوط، رسالة إلى حسين باشا خليفة مدير

стр. 1250

بربر طلب منه إبلاغ العمد والأعيان بأنه أصبح واليا مفوضا على السودان وأنه عند وصوله سيعزل جميع الموظفين الأتراك والمصريين ويولي حكاما من أهل البلاد ليعيد الحكم إلى ما كان عليه قبل فتح السودان، وأنه أعفاهم من الأموال المتأخرة حتى عام ١٨٨٣، ومن دفع الأموال مدة سنتين في المستقبل، وأنه خفض الضرائب إلى نصف ما كانت عليه، وألغى الأوامر الصادرة بمنع تجارة الرقيق. وحين وصل غوردون إلى كرسكو أرسل إلى حسين باشا خليفة رسالة باسم محمد أحمد المهدي يسميه فيها سلطانا على كردفان، وطلب منه أن يرسل الرسالة مصحوبة بهدية عبارة عن جبة جوخ حمراء وقفطان حرير أحمر وطربوش أحمر ومركوب أحمر فقام حسين خليفة بإرسال الهدية. وحين وصل غوردون إلى بربر عقد مجلسا من العمد والأعيان وألقى عليهم خطابا أعاد فيه ما ورد في رسالته السابقة إلى حسين خليفة وأضاف أن الجناب العالي (الخديو توفيق) ترك السودان لأهله بناء على أمر منه إلى غوردون في ٢٦ يناير ١٨٨٤، وأنه قادم إلى السودان بهدف إعادة العساكر إلى مصر ليس إلا، ثم اختار اثني عشر عمدة وأمرهم أن يشكلوا مجلسا ويحكموا فيه بالشورى وأن لا ينفذ المدير أمرا إلا بعد إقرار هذا المجلس. ثم قام بعزل الحكام الأتراك وتعيين بعض الحكام السودانيين، وأعلن أن كل من أراد العودة إلى مصر سوف يرسل على نفقة الحكومة فرحل الكثيرون. ثم أصدر منشورا صرح فيه تسمية محمد أحمد سلطانا على كردفان وفتح الطريق بينه وبين بربر بعد أن كان موصدا وألصق المنشور على باب المديرية وفي شوارع المدينة. ومن هنا بدأت الأحداث تتطور وشعر الأهالي بخطورة الموقف وربما بضعف الحكومة أمام المهدي فبدأوا يفكرون في الهجرة إلى المهدي أفواجا لا سيما بعد علمهم بعزم الحكومة على إخلاء البلاد (١).

стр. 1251

ولقد أدى الكشف عن الوثيقة الخاصة بإخلاء السودان إلى إثارة القلق والخوف ولا سيما عند حسين باشا خليفة وغوردون واهتزار مكانة كل منهما وسلطته. وعندئذ أبرز غوردون وثيقة أخرى وصفها حسين خليفة .. بأنها مخالفة لتلك التي عرضت في الاجتماع السابق". ومن الواضح أتها كانت إحدى الوثيقتين الأوليين اللتين خلتا من أي إشارة إلى ترك السودان. وهنا بين له حسين خليفة بأنه "ما كان يجب عليه عرض الدكريتو السابق الذكر والسماح بقراءته لسكان الإقليم وشيوخه أولا مع تأجيل الوثيقة الأخرى التي عرضت فعلا حيث إنها تسببت في إثارة كثير من القلق وتأكد بها الشعب من تنازل الخديو عن السودان لأهله". وقد أعطى حسين خليفة - بناء على طلبه - نسخة من تلك الوثيقة لنشرها. وعند عودته إلى بربر قام بعقد اجتماع قرأ فيه نسخة الوثيقة التي جاء بها تعيين غوردون حاكما عاما للسودان. ويبدو أن ذلك اعتبر مناقضا لعمل غوردون إذ لا ترد به إشارة جديدة إلى مجلس الإقليم، كما لم تكن استجابة الناس لذلك مرضية. واعتقد العامة والشيوخ أن هذه الوثيقة قد وضعت بمعرفة حسين باشا خليفة حيث إنها لم تقرأ بواسطة غوردون نفسه. ولما وصل غوردون إلى الخرطوم صباح يوم ١٨ فبراير سنة ١٨٨٤ أمر بهدم الحصون التي عززها عبد القادر باشا حلمي حول الخرطوم وحرق السجلات الحكومية وأباح تجارة الرقيق، كما عني بموضوع ترتيب نوع من الحكم في السودان يصاحب التخلي عنه. وأخيرا هون كثيرا من شأن الثورة المهدية. ولم تكن القرارات والإجراءات التي أصدرها غوردون بدءا بقرارات بربر وانتهاءً بقرارات الخرطوم ذات فائدة كبيرة في التأثير على أهل السودان بشكل عام. فقد كان إعلان تعيين المهدي - مثلا - سلطانا على كردفان أمرا مثيرا للعجب

стр. 1252

والدهشة؛ لأن المهدي كان يحكم فعلا في كردفان، إذ اصبح محمد أحمد بالفعل - بعد موقعة شيكان - سلطانا معنويا على السودان كله وسلطانا فعليا على جميع السودان الغربي فهل يحفل بعد بلقب "سلطان كردفان" من حكومة جرد سيفه لقتالها وقهر جنودها المرة بعد المرة؟ ثم ما هي الفائدة في إخلاء السودان في مثل تلك الأحوال سوى إظهار العجز امام المهدي وحمل الأهالي الذين كان لهم بقية أمل في الحكومة على تركها نهائيا والانضمام إلى المهدي قبل فوات الفرصة. لقد كانت هذه الإجراءات منذ بدايتها وحتى وصوله إلى بربر خاطئة وخطيرة ساعدت على مزيد من انتصارات المهدي وتجمع الأهالي حوله وإظهار الحكومة بمظهر الضعف. ويعلق شكري على هذه الأحداث بأن إطلاع حسين باشا خليفة مدير بربر على كتاب الخديو توفيق لغوردون أو ما صار يعرف بالفرمان السري "خطأ تقدير". حقيقة أن غوردون لم ينشر رسميا، أي يصدر منشورا أو إعلانا يتضمن نص هذا الفرمان الخديوي أو فحواه، ولكن كان كافيا أن يطلع غوردون هؤلاء الأعيان في هذا الاجتماع السري لينتشر الخبر بسرعة كبيرة؛ ولذلك فقد وصف ستيوارت هذا العمل من جانب غوردون بأنه "قفزة في الظلام" Leap in the dark وأشار إليه السير ريجينالد وينجت Reginald wingat حكمدار السودان (١٨٩٩ - ١٩١٦) بأنه "المنشور ذو الأثر المميت الذي أضاع السودان". أما غوردون نفسه فقد اعترف بهذا الخطأ الذي ارتكبه في بربر فكتب في "جورناله" وقد اشتد عليه الحصار في الخرطوم في ٩ نوفمبر عام ١٨٨٤ "إذا حصل المهدي على هذا الفرمان (السري) لازدهى بنفسه عجبا وخيلاء. ومع هذا فقد يكون قد عرف به لأني اطلعت عليه - وأنا لا علم لي جيدا بمحتوياته - حسين باشا خليفة" (١). ويتساءل سلاطين باشا حول هذه الحادثة قائلا: ما الذي أغرى غوردون بإذاعة هذا المنشور والإعلان فيه إخلاء الحكومة المصرية للسودان، وقد نصح له

стр. 1253

حسين باشا خليفة ألا يقرأه في بربر ولكن عندما وصل إلى بلدة المتمة قرأه أمام جميع الناس. فهل لم تبلغ غوردون منشورات المهدي التي أرسلها عقب سقوط الأُبَيّض؟ ألم يعرف أنه كان يدعو الناس في هذه المنشورات إلى إعلان الجهاد على الحكومة وأن من يعصيه في هذا الأمر يعتبر خائنا للدين فتصفى أملاكه وتؤسر نساؤه وأولاده ويصيرون عبيدا للمهدي؟. وإذا كان غوردون يرمي بذلك إلى الحصول على معاونة هذه القبائل حتى يتمكن من سحب الحاميات فكان بإمكانه أن يتفق معها حول ذلك ولكنه أضاع الفرصة إذ كيف يمكن أن تساعده هذه القبائل إذا كان هو قد أعلن إخلاء السودان؟، ومعنى ذلك أن تترك هذه القبائل لرحمة المهدي. وما كان يفعل المهدي لو أنه علم أنهم عاونوا غوردون على أن يسحب الحاميات (١)؟. ولقد كانت هذه القبائل - حسب تعبير سلاطين - أعقل وأحصف مما حسبها غوردون. ولم تكن ثمة حاجة إلى رجل ذي مهارة خارقة تسحب الحاميات والذخائر على بواخر إلى بربر بحجة رفع الحصار عن المدينة وعندئذ تسحب جميع الحاميات أو معظمها ولكن كان ينبغي السرعة في هذا العمل ثم أنه لم يكن ممكنا بعد سقوط بربر في ١٩ مايو ١٨٨٤ كما سنرى. وعلى كل حال فإن إذاعة منشور غوردون قد عجل بسير الأحوال إلى حد مزعج، فقد عرف الأهالي نية الحكومة في إخلاء السودان وصار كك منهم ينظر إلى مصالحه الخاصة التي صارت على خلاف مع مصالح الحكومة التي قلبها مواطنهم المهدي (٢). وثمة خطأ آخر ارتكبه غوردون في بربر وهو إعلانه أن الأوامر الصادرة بمنع تجارة الرقيق قد ألغيت. فقد كان ذلك بمثابة توكيد آخر بأن الحكومة تعتزم إخلاء السودان. وقد أثار هذا الإعلان دهشة الناس وكان - لغرابته عليهم - أن الناس لم تصدقه في بادئ الأمر ثم إن هذا الإعلان قد ساعد على أن تزيد ثقة تجار الرقيق في أنفسهم وهم الذين قامت الثورة المهدية على أكتافهم (٣).

стр. 1254

سقوط بربر (١٩ مايو ١٨٨٤): وكما سبق أن أوضحنا فإن أكثر مناطق السودان قد وقعت في قبضة المهدي ولم يبق إلا القليل. وتعذر الزحف إلى المناطق الشمالية بقيادة محمد الخير أستاذ المهدي الذي قرر تعيينه مديرا على بربر ودنقلة. وتجدر الإشارة أنه حتى ذلك الوقت فإن كثيرا من كبار السودانيين - رغم الانتصارات الكبيرة التي أحرزها المهدي - كانوا على ولائهم للحكومة المصرية أمثال السيد أحمد الأزهري (جد السيد إسماعيل الأزهري) والشيخ عوض الكريم أبو سن شيخ الشكرية وزعيم العبابدة حسين باشا خليفة مدير بربر (١). ولكن حماسة الجنود الذين يقودهم المهدي ورجاله كانت جارفة فتقدم محمد الخير إلى بربر معقل العبابدة في أوائل شهر رجب عام ١٣٠١ هـ (مايو ١٨٨٤ م) ومعه نحو سبعين ألف مقاتل. ولما اقترب من بربر أرسل إنذارا إلى حامية بربر والسكان يدعوهم فيه للتسليم فامتنعوا، وأحاط رجال المهدي بالمدينة سبع ليال منذ الثاني عشر من مايو كانت المخابرات السرية خلالها جارية بين محمد الخير وبين حسين باشا خليفة مدير بربر الذي كان يؤمل أن المهدي لن يولي غيره عليها. وكان في بربر خمسون ألف جنيه أرسلت من مصر لنفقات حامية الخرطوم فأرسلت الباخرة (الفاشر) لحملها إلى الخرطوم فأخذ حسين باشا يماطل ربان الباخرة حتى لا يصل المال إلى الخرطوم ويكون غنيمة للمهدي. وقد وقعت آنذاك كثير من ملابس غوردون وأمتعته التي أرسلت خلفه من مصر في يد رجال المهدي. وكان محمد الخير قد أرسل رسالة موقعا عليها من شيوخ الإقليم إلى حسين باشا خليفة مدير بربر وضباط حاميتها تدعوهم إلى التسليم، ولكن حسين خليفة رفض ذلك. ومما جاء في هذه الرسالة " .. أن الحكومة المصرية تركت لنا بلادنا فسلموها لنا وإلا نخرجكم منها بالقوة" (٢).

стр. 1255

وكانت حامية بربر قليلة لم تزد على ألف وستمائة عسكري نصفهم من الباشبوزق "غير نظاميين" والنصف الآخر من العساكر النظامية تحت قيادة البكباشي محمد أفندي فهمي. وقد حفر حسين باشا خندقا حول المدينة (بربر المخيرف) طوله نحو سبعة كيلو مترأت، وكان حسين باشا قد طلب من غوردون باشا أن يرسل له مددا لتعزيز الحامية فكان يعده بقرب وصول النجدة إليه من مصر، فلما نفد صبره سأل مصر تلغرافيا فودت عليه بعدم تيسر إرسال جنود. ولما وصله كتاب محمد الخير المار ذكره جمع ضباط الحامية وقرأ عليهم الكتاب فأجمعوا رأيهم على عدم التسليم وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد الخير وخاطبهم هذا مرة ثانية ناصحا لهم فرفضوا. ولما أصبح محمد الخير قريبا من بربر ذهب إليه عبد الماجد أبو لكيلك الميرفابي وخشم الموسى محمد الميرفابي اللذين عينهما غوردون باشا - مأمورين وانضما إليه بما كان لديهما من أسلحة وذخيرة الحكومة التي صرفت لهما ولأتباعهما ولمحاربة أنصار المهدية، كما انضم إليه كثير من الميراف وقبيلة الجهيماب وبلغ جيش محمد الخير أربعين ألفا من المشاة والفرسان وأصبح من المحتم سقوط بربر لكثرة المهاجمين وقلة حاميتها (١). وقد قام أنصار المهدي بقطع اتصالات بربر بالشمال والجنوب وأعد حسين خليفة ما استطاع من استعدادات للمقاومة. وفي النهاية دخلت قوات محمد الخير المدينة عنوة دون أن يصيبهم أدنى ضرر وأثخنوا الأهالي قتلا، وتعرض العبابدة لمذبحة كبيرة. ويقال أن أكثر من ثلاثة آلاف من المصريين قد راحوا ضحية هذه المذبحة. أما حسين باشا فقد أحاط بداره حرس محمد الخير ومنعوا وصول أي أذى له رغم الحصار الذي ضرب حول بيته ومحاولة الفتك به. وقدم حسين باشا خليفة خضوعه لمحمد الخير. وقد أحسن الأخير معاملته لأنه كان صديقا له قبل قيام الثورة المهدية، كما عرف عن محمد الخير أنه كان عالما جليلا درس العلم في

стр. 1256

بلدة "الغبش" تجاه بربر على الشاطئ الغربي للنيل، وكان يتلقى مرتبا ماليا من الحكومة المصرية (١). وبعد شهرين من فتح بربر أرسل حسين خليفة إلى المهدي (٢). وهكذا سقطت بربر التي تعتبر مفرق طرق كبير الأهمية، بل إنها تعد النقطة الوحيدة التي يمكن الارتكاز عليها لإنقاذ الخرطوم سواء عن طريق البحر الأحمر أو عن طريق النيل. ولما وصل حسين باشا خليفة إلى مقر المهدي قابله الخليفة (علي ود حلو) وسأله عن حالة والتي بربر السابق والحالة في وادي النيل. فوصعف له حسين باشا خليفة البلاد التي بين بربر وفاشودة قائلا: إنها صارت تابعة للمهدي وإن المواصلات بينها وبين مصر قد انقطعت. أما الخرطوم فإن غوردون يدافع عنها ولكن عرب الجزيرة قد حاصروها. وكان حسين خليفة يصف الأحوال بالصيغة التي تروق للخليفة. وقد سر الخليفة بهذه الأخبار ووعده بأن يقدمه للمهدي وأنه سوف يعفو عنه. وبالفعل فقد تمت مقابلة حسين باشا خليفة للمهدي (٣). وفي تلك الأثناء كان سلاطين باشا مقبوضا عليه، ولما جيء بحسين خليفة وضعا في مكان واحد. وقد خلا كل منهما إلى الآخر وصارا - كما يروي سلاطين - يتحسران عن الحالة التي آل إليها السودان، الأمر الذي يؤكد إخلاص حسين باشا خليفة للإدارة المصرية. وقد سأله سلاطين عن الحالة في الخرطوم وما يفعله السكان هناك، فأجاب قائلا: "وا أسفاه هي كما وصفت للخليفة. فإن إذاعة المنشور بإخلاء السودان قد قلبت الحالة وكانت سببا غير مباشر في سقوط بربر، ولست أشك في أنها كانت ستسقط على أية حال، ولكن هذا المنشور أسرع في

стр. 1257

سقوطها. وأضاف أنه كان قد منع غوردون أثناء وصوله إلى بربر من اتخاذ هذه الخطوة ولا يدري ما الذي جعله يسلكها ثانيا" (١). وبالرغم من ذلك كله فقد تمكن حسين باشا خليفة من مخادعة المهدي حتى أقنعه أنه مخلص له في السر والجهر. ولما كان المهدي تسول له نفسه فتح مصر والشام والقسطنطينية ومكة المكرمة وإخضاع جميع الأمم، وكان الإنجليز آنذاك قد خرجوا من دنقلة، فقد شرع في الاستعداد لغزو مصر وكان لابد له من رجال يساعدونه على تحقيق ذلك فقام بتسمية حسين باشا خليفة عاملا عاما على قومه العبابدة الذين كانوا داخل حدود مصر ومن أراد الانضمام إليهم من أهله وطلب إلى حسين خليفة أن يوافق المصريين حتى يدركه بجيشه. وقد بعث المهدي في ٢٧ مايو سنة ١٨٨٥ إلى حسين باشا خليفة بمنشور في هذا الصدد وطلب منه تبليغ دعوة المهدي إلى الناس وإعطاءهم البيعة استنفارهم لإحياء الدين. وقد فوضه المهدي في تولية من يرى فيه إصلاح المسلمين وعزل من يرى فيه إفسادهم (٢). وفي ذات الوقت أرسل المهدي رسالة إلى الشيخ منتشح كرار العبادي يسميه أميرا على قومه "الشناتير"، وإلى الشيخ بشير جبران العبادي يسميه أميرا على قومه العشاباب، وأخبر كلا من الشيخين المذكورين بتولية حسين خليفة عاملا عاما على العبابدة. وقد خرج حسين باشا خليفة من أم درمان في ٣١ مايو سنة ١٨٨٥ إلى القاهرة وهو غير مصدق أنه نجا (٣). وبعد مبارحته أم درمان بأيام قلائل توفي الإمام المهدي فأرسل الخليفة عبد الله قوة من الأنصار تقتفي أثره وتعيده ولكن حسين باشا خليفة كان قد تمكن من دخول حدود مصر والوصول إلى أسوان ثم إلى القاهرة.

стр. 1258

وقد جرى تقديم حسين باشا في القاهرة إلى مجلس عسكري لمعرفة الدوافع التي أدت إلى سقوط بربر وضياع خمسين ألف جنيه كانت مودعة بخزانة مديرية بربر ومسئوليته تجاه ذلك كله، لا سيما وأن بعض الكارهين له قد استغلوا الصداقة التي كانت بينه وبين محمد الخير فأشاعوا أن حسين باشا كان ميالا لسقوط بربر. وكان تشكيل المجلس العسكري من اللواءات زهراب باشا ومحمد نصحي باشا وخسرو عزمي باشا. وفي نهاية المحاكمة بُرئ من هذه التهمة وعين مفتشا بوزارة الداخلية حتى توفي في عام ١٨٨٦ (١). وبعد وفاة المهدي عام ١٨٨٥ مضت الحملات في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، ثم كانت حملة النجومي للزحف صوب مصر. وقبل إرسال حملة النجومي وتمهيدا لها أرسل الخليفة عبد الله التعايشي رسائل إلى مشايخ العبابدة للخروج على طاعة المصرين والانضمام إلى جيشه للزحف إلى مصر. ففي أول أكتوبر عام ١٨٨٨ م كتب إلى بشير مصطفى أبي جبران قائلا: "ونعلمك أن المهدية قد اتسعت دائرتها وشاع في بلاد الله أمرها وقد التفت الآن لفتح الجهات البحرية والشروع في توجيه الجيوش إليها بعون رب البرية ولابد من وصولها لجهاتكم عن قريب فيلزم أيها المكرم أن تكون في غاية الأهبة والاستعداد والتحزب لجهاد أعداء رب السلام اخترناك أن تكون عاملا من طرفنا على أهاليك العشاباب وجميع من تبعهم وحررنا لك هذا بالعمالة عليهم وأمرنا المكرم محمد بحر كرار بمؤازرتك على ذلك ومساعدتك على تنفيذ إشارتنا والقيام بأمرنا في تأييد الدين وجهاد الكافرين" (٢). وقد طلب منه أن يقوم بالتنبيه على أهاليه بالاتحاد والاستعداد للجهاد والانفصال عن أعداء الله - كما يقول - حين

стр. 1259

يبلغه خبر قدوم الجيوش المهدية من دنقلة إلى حلفا والقيام بشن الغارة عليهم وقطع طرق المواصلات عنهم (١). وهكذا راح الخليفة يستثمر وجود العبابدة وزعمائهم في شمال السودان وجنوب مصر نظرا لدرايتهم بطرق الصحراء الشرقية بين مصر والسودان، ولوح للزعماء بالسلطة التي لم يكونوا في حاجة إليها، فلم يذعن العبابدة لذلك بل ظلوا - بشكل عام - مخلصين أوفياء للحكم المصري في السودان. ولما وصلت حملة النجومي زاحفة صوب الشمال بهدف الوصول إلى مصر لقيت هزيمة منكرة في توشكي في أغسطس عام ١٨٨٩ لتقضي على أحلام التعايشي ومن قبله المهدي في فتح مصر. ولقد كان أحمد بيك حسين خليفة وأخوه ياسين بيك وجماعة من قبيلتهم ومعهم مائة جمل مع جيش الحكومة في هذه الموقعة. وفي ذات التاريخ عينت نقطة من العبابدة المليكاب في آبار مرات بقيادة صالح بيك خليفة فقام باحتلالها وطرد حسن خليفة الموالي للخليفة عبد الله في ٣ أغسطس ١٨٨٩. وفي عام ١٨٩١ وصلت إلى مسامع صالح خليفة أن جنود المهدي في أبي حمد يستعدون للهجوم عليه ورجاله ونزل بهم إلى أبي حمد ودارت معركة بين الطرفين قتل فيها قائد رجال المهدي ويُدعى سليمان ودقمر. وكان من نتيجة هذه المعركة تعرض العبابدة من جماعة المليكاب في السودان للظلم فقام الخليفة بنفي أعداد كبيرة منهم إلى بحر الجبل، وصمم على الأخذ بالثأر من صالح خليفة فطلب إلى أمير دنقلة يونس الدكيم أن يتولى ذلك فأرسك الأخير عثمان أزرق على رأس ستمائة مقاتل بالأسلحة النارية لغزو آبار المرات وذلك في ١٢ نوفمبر عام ١٨٩٣ فدارت معركة بين الطرفين قتل خلالها صالح بيك خليفة بعد أن أبلى بلاءً حسنا. وتولى شقيقه عبد العظيم قيادة العبابدة وظلت المعركة حتى الليل فعاد

стр. 1260

رجال المهدي إلى دنقلة بعد أن قتل منهم تسعة وعشرون رجلا. وأما العبابدة فقد قتلهم منهم - عدا صالح بيك - أحد عشر رجلا. وقد عين السردار عبد العظيم محل أخيه (١). وقد شارك العبابدة في المعارك التي مهدت لاستعادة السودان. فقد ساهم عبد العظيم بيك خليفة في موقعة أبي حمد في ٧ أغسطس عام ١٨٩٧ حيث طلب منه السردار أن يوافي هنتر باشا في أبي حمد فوافاه إليها بأربعين رجلا (٢). كذلك فقد ساهم العبابدة في احتلال بربر عام ١٨٩٧ حيث بلغ إلى مسامع هنتر باشا أن الزاكي عثمان البقاري الذي كان أميرا على بربر قد تركها فأرسل أحمد بيك حسين خليفة (أخا عبد العظيم بيك) بأربعين رجلا من عربان العبابدة لتحقيق الخبر فوصل بربر في الحادي والثلاثين من أغسطس فوجد الخبر صحيحا وشارك في طرد سرية من أنصار المهدي بقيادة صالح التعايشي، كما طرد منها أيضا الأمير قريقر التعايشي ومن معه من الأنصار، وبعث رسولا إلى هنتر فحضر بأربع وابورات ودخل بربر في ٦ سبتمبر ١٨٩٧ ورفع العلم المصري عليها. وقد سر هنتر باشا لجهود أحمد حسين خليفة العبادي ووعده بمكافأة جزاء عمله هذا (٣). وفي شهر سبتمبر عام ١٨٩٧ أغار الأمير عبد الرحمن صغير على رأس كتيبة من خيالة المهدية على مدينة العبيدية ونهبوا البلدة واستولوا في الطريق على البوستة الأميرية والخصوصية المرسلة من مصر. فقام أحمد بيك حسين خليفة من بربر بصحبة مجموعة من رجاله واستطاعوا استرداد البوستة والمنهوبات وعاد إلى بربر فقابله كتشنر وهنتر باشا وتدوي بيك قومندان الهجانة عند بئر محوبك فسلمهم البوستة والمنهوبات فشكروه على ذلك (٤).

стр. 1261

وهكذا يتضح لنا في مسيرة العبابدة مع الثورة المهدية أنهم قاوموا الثورة المهدية في كل مراحلها ولا سيما في الجبهة الشمالية وتعرض بعض زعمائها للسجن والقتل ولم يذعنوا لإغراءات المهدي ورجاله للانسلاخ عن الإدارة المصرية بل واصلوا خدمة هذه الإدارة بإخلاص وظلوا يشاركون في القضاء على المهدية حتى استرداد السودان. الخاتمة: من ذلك كله يتراءى لنا أن العبابدة قد لعبوا دورا رئيسيا في خدمة الإدارة المصرية بالسودان، وكان هذا الدور هاما لعدة عوامل: العامل الأول: أن العبابدة قد تمركزوا في منطقة بربر وما جاورها التي تعتبر حلقة وصل بين مصر والسودان من جهة، وبين السودان وشرقه من ناحية أخرى حيث يبدأ من بربر طريق يصلها بالبحر الأحمر، وهذا الموقع الإستراتيجي أتاح لبربر أن تكون محطة تموين ومركز حشد لمعدات الحرب. العامل الثاني: أن العبابدة من خلال موقعهم الإستراتيجي الوسيط بين مصر والسودان كانوا أدلاء مهرة للقوافل واعتبروا بمثابة سلاطين للصحراء. فقد لعبوا هذا الدور باقتدار شديد وكانوا أشبه "بترمومتر" لقياس مدى ازدهار وكساد التجارة بين مصر والسودان. فكلما ضبطوا الطريق وحافظوا على التجارة والتجار، ولم تغال الحكومة في فرض المكوس والضرائب عليهم كان ذلك مدعاة لنشر الأمن وازدهار التجارة على طول الطريق، وفي المقابل فكلما أخل العبابدة أو تقاعسوا في أداء هذا الدور كسدت التجارة كنتيجة لخطورة الأمن على طول الطريق. العامل الثالث: أنه مع معظم الأحداث الهامة التي ارتبطت بتاريخ العلاقات بين مصر والسودان برزت خطورة العبابدة في أداء أو المساهمة في هذا الدور. ومن أمثلة ذلك ضم أو فتح السودان على يد إسماعيل كامل بن محمد علي وإمدادهم لهذه الحملة بالإبل والرجال، وكذلك أحداث الثورة المهدية واسترداد السودان. فقد لاحظنا كيف كان العبابدة يلعبون دورهم بحنكة عندما وجدوا

стр. 1262

أنفسهم في خضم أحداث الثورة المهدية وفي موقف لا يحسدون عليه، وكان زعيمهم آنذاك حسين باشا خليفة الذي كان يدين بالولاء للإدارة المصرية فإذا به يجد نفسه أمام تيار جارف للمهدية يكتسح السودان ويصل إلى شماله حيث معقل العبابدة وأنه لا محالة أن يكون من المغرقين فيه. وللحقيقة التاريخية نقرر أن حسين باشا خليفة العبادي قد أثبت أنه مخلص للإدارة المصرية رغم هزيمته في بربر على يد رجال المهدية وسوقه إلى المهدي ليلاقي جزاء إخلاصه لهذه الإدارة. وقد استطاع هذا الرجل بما أوتي من دربة وحنكة أن يقنع رجال المهدي بإخلاصه لهم وأنه سوف يحاول أن يقدم خدماته لهم لكنه لم يفعل. وحين قدم للمحاكمة لم يجدوا ما يدينه فبُرئ بل وأعيد للعمل في الإدارة المصرية حتى وفاته. العامل الرابع: وربما جاءت أهمية هذا الدور الذي لعبه العبابدة باقتدار أنهم كانوا موزعين بين أرجاء مصر والسودان وكانوا شديدي المعرفة بسيكولوجية الطرفين وكيفية التعامل معهما، وإن كانت الإدارة المصرية قد استثمرت فيهم هذه الخاصية إلى حد كبير. وأخيرا يمكننا أن نعتبر العبابدة مفتاحا لفهم الشخصية السودانية والمصرية وعاملا هاما للتقارب بين الشعبين السوداني والمصري لا سيما وأنه قد وجد اتهام من لدن بعض الساسة السودانيين - على طول مسيرة التاريخ بين الطرفين - بأن المصريين لا يريدون فهم الشخصية السودانية. فالعبابدة من خلال مصالحهم التجارية ومصاهراتهم للسودانيين ووجود عائلات مشتركة بين مصر والسودان على طول التاريخ يمكنهم أن يلعبوا دورا هاما لإيجاد لغة حوار مشتركة.

стр. 1263

البراعصة أصل القبيلة: أجمع الرواة من القبيلة والمحققون والباحثون في ليبيا ومصر أن مؤسس البراعصة هو محمد المُلقَّب "برعاص"، وهو من ذرية الولي المغربي الشهير عبد السلام بن مشيش المدفون في جهات طنجة من المغرب الأقصى "جبل العلم جنوب طنجة". وقد ذكرت المراجع العربية والأجنبية (١) أن محمد "برعاص" تربى في بيت حرب بن عقار جد قبيلة الحرابي من بني سُلَيْم في الجبل الأخضر (إقليم برقة). وهو محمد "برعاص" ابن محمود فخر الدين بن يحيى بن نايل بن يوسف بن يونس بن عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سلام بن مزوار بن علي بن محمود بن إدريس الأصغر ابن إدريس الأكبر ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) وفاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ . وقد اختلفت المراجع في ترتيب الأسماء أو إسقاط بعضها أو زيادة أسماء أخرى في سلسلة محمد الشهير "برعاص" حتى الإمام إدريس الأكبر. تاريخ القبيلة وما قاله بعض المؤرخين عن فروعها وشيوخها: وتعد قبيلة البراعصة من أكبر القبائل العربية في إقليم برقة بالجماهيرية العربية الليبية، حيث سيطر أفراد من هذه القبيلة على وظائف حساسة في العهد الملكي وساد نفوذهم آنذاك، ولا زال في هذا العهد يمثل البراعصة أهمية في إقليم برقة بليبيا ويتقلّد الكثير منهم الوظائف المدنية والعسكرية في القطر العربي الليبي الشقيق.

стр. 1264

وعُرفت قبيلة البراعصة بين القبائل العربية بمجموعة من الصفات أشهرها كما يقول الأمير شكيب أرسلان في تعليقه على مؤلف حاضر العالم الإسلامي في ج ١ ص ١١٢: الشجاعة والنجدة، وتلقَّب البراعصة بأشراف ووجهاء البوادي ومثقفين يتميزون بنظافة الملبس وحسن المظهر، وكانوا يحفظون القرآن الكريم في سن مبكرة بزوايا السادة السنوسية ولا زال أغلبهم يحفظ القرآن، ولا يميل البراعصة للتعصب القَبَلي. وكانت حكومة الخليفة العثماني في إقليم برقة تخشاهم كما يقول محمد الطيب بن أحمد بن إدريس الأشهب في مؤلفه برقة أمس واليوم ص ١٢٤ - ١٢٦: تُخشى قبيلة البراعصة ويحسب لها حساب كبير من الأتراك، وخاصة أن البراعصة قد انتصروا على القوات التركية بزعامة خليل باشا والي بني غازي في معركة حاسمة، وقد سجلت أشعار البراعصة هذا الانتصار الباهر على جيش الأتراك. كما خاضت قبيلة البراعصة معارك غديدة ضد الاحتلال الإيطالى الغاشم الذي بدأ في أوائل القرن العشرين وقد اعتمد المجاهد الكبير عمر المختار على أبناء البراعصة في حروبه ضد الطليان في الجبل الأخضر، وقد أشاد العديد من المؤرخين في ليبيا بالدور الوطني لهذه القبيلة وتحدثوا عن بطولات أبنائها. وكان الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا الأسبق قد اعتمد على رجال البراعصة في تصريف شئون دولته والتي أقيمت بعد خروج الطليان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من الأراضي الليبية. قال عبد السلام الحبوني عن البراعصة التالي (١): أملى علي البيد خليل العريضة البرعصي عضو مجلس الشيوخ الليبي قائلا عن قبيلته البراعصة: يرجع نسب هذه القبيلة إلى سلسلة الشرف، المعروف أن جدهم الأكبر المسمّى محمد فخر الدين، والذي ينتهي نسبه إلى سيدي عبد السلام بن مشيش، ويسكن أفراد هذه القبيلة في المكان المشهور المعروف (الجبل الأخضر) الذي يمتد طوله شرقا إلى مدينة درنة وغربا إلى مدينة بنغاري وأمكنتهم المشهورة هي جهات (مسى والبيضا) التي فيها قبر سيدي رويفع الأنصارى الصحابي الشهير وجنوبا (جروس والجراري) ومنهم عدد كبير بجهة الفيوم من الديار المصرية.

стр. 1265

وينقسم البراعصة إلى ثلاثة فروع كبيرة هي: مسعود، وعبد المولى، وحسين. أما مسعود فمن بيوته طامية وعريف وخزاعل واليتامى وفيهم رجال مشهورون فمن طامية أبو بكر حدوث بيك واسمه أشهر من نار على علم والذي كان عرب البادية يلقبونه (البيه باكير) وابن أخيه محمد أبو فروة وعمر أبو جرغاف وتوفى منهم في الجهاد المجاهد الكبير الشيخ عبد الله حفالش والشيخ أبو جيداور ومنهم المجاهد المشهور سيدي حسن الجويفي وله وقائع مشهورة يرويها عنه العرب من الشجاعة نادرة المثال، ومنهم حمد أبو مريم وحمد أبو سليمان وحمد أبو مؤمن والصيفات أبو فروة وأبو أشديق مازق والصغير أبو بكر حدوث. أما عريف بيوته شعيب وجريط ومنه أبو بكر سعيد عباس، والشيخ رقيبة أبو قفة وفيهم العمدة يوسف أبو سعيد، والشيخ مفتاح أبو زقيبة وعبد الله أبو إبراهيم وعبد السلام، دجاجات صاحب الصيت الطائل في حرب الطليان، والنائب المحترم ابريك حسن والشيخ السنوسي ابريدان والسيد الصاغ غيت أقدوره ضابط الحدود الليبية بجهة (كابتزو). والفرع الثاني عبد المولى ومنه بيوت النظيف والطويرية. والفرع الثالث حسين ومنه بيوت أحمدي ومن هذا البيت محمد أبو حماد السكران ﵀، وقد كان في زمنه عمدة لجميع أفراد القبيلة، والشيخ سعد أحويجه ﵀، لعائلة فاطمة، والعالم مفتاح أبو رجعة ﵀، ومن الأحياء المشايخ علي أبو رجعة ومحمد عبد الشجيع (عائلة أبو مخيشن). ثالثا عائلة عبد القادر وفروعهم كثيرة منهم العارف بالله تعالى سيدي عبد ربه ومنهم الشيخ المدهم ﵀ وابنه صاحب العلم سيدي عثمان، ومنهم الشيخ حمد العريضة وقد خلف سبعة أولاد منهم أربعة توفوا في الجهاد مؤدين حقوق الوطن، وكان أحدهم قائد الحملة التي جرها على الفرنسيين العارف بالله تعالى سيدي المهدي السنوسي والد الملك إدريس السنوسي وتوفي في عين كلك كما هو مدون بقلم فضيلة الشيخ الأخضر العيساوي، والثلاثة الباقون حاملون لكتاب الله تعالى: حسين العريضة وعبد السلام العريضة وموسى العريضة وكان في حملة السودان وتوفي مستشهدًا في بلدة أم العظام بالسودان ومعه المجاهد السيد عبد الله الطوير والموجود منهم الآن المشايخ التريكي أدهيم عمدة القبيلة ووالده كان له شأن يذكر في السخاء والشهامة وعبد الله عبد السيد الملقّب بالبوسته
следующие страницы →