شمالي الحجاز فخشى أن تفسد عليه البلاد والطرق والعربان الساكنين في فلسطين، فأرسل من يتربص بأخبار هذه القبائل وقد عرف أمر الجواسيس الذين أرسلوهم إلى غزة لجس البلاد وقد أرسل عساكره للقبض على هؤلاء، وقيل أن الشخص المُطَيْري المُرسل لبني عُقبة هو الذي أوشى عليهم وقد سار إلى حاكم غزة وأخبره الخبر، فلما سأله عن سبب هجرة هذه القبائل نحو غزة وأعدادها وزعمائها وأمزجتهم فهاله ما علمه من كثرة أعدادهم ورجالهم وخيولهم، وقال المُطَيري أنهم عبروا نقب الصفا نحو غزة ولن يردهم شيء، ونقب الصفا هو المدخل من شمالي غرب وادي عربة إلى بلاد بئر السبع وغزة بفلسطين.
وبعد تفكير ومشورة سأل حاكم غزة المملوكي الرجل المُطَيْري أن يفتن بين القوم بعضهم ببعض بعد ما علم بصغر من أمير المساعيد وميله الشديد وحبه للنساء والجمال، وأغرى الحاكم ذلك المُطَيْري بالمال الوفير والعطاء الجزيل والسماح له ولعشيرته بالتوطن في ديار غزة، فأخبره المُطَيْري أنه يستطيع فتنة القوم ذلك أنه طنيب على أمير بني عُقبة داود وأن له ابنة جميلة سيزينها ويجعل أمير المساعيد يراها بحضور أمير بني عُقبة، وهكذا كان فقد أعطى الحاكم للمُطَيْري ألبسة وزينة لابنته البدوية ليزينها ويسحر بها أمير المساعيد لتقوم الفتنة بينه وبين صديقه أمير بني عُقبة، فعاد المُطَيْري إلى القوم شأنه كشأن العيون الآخرين المُرسلة إلى غزة ولم يعلم أحد بشيء مما تم التخطيط له.
واقعة المُطَيْرية
حدثت هذه الواقعة في شمالي غرب وادي عربة إلى الجنوب الغربي من البحر الميت في الجزء الواقع بأرض فلسطين من وادي عربة، في موضع يعرف هناك باسم عين الحصب وحصى المدرة عند مصب نقب غارب إلى الجنوب الشرقي منه، وعلى عين الحصب كان ثمة شجرة سدر قديمة ضخمة تُعرف بشجرة الحصب لوقوعها على عين الحصب، وقد ذكر الدبَّاغ فقال في حديثه عن عين الحصب: أنها تقع على بعد ٣٦ كيلو من البحر الميت وسبعة كيلو مترات من الحدود الأردنية، قال: وقيل أن فيها شجرة قديمة عملاقة لها من العمر آلاف السنين. وقال قسطنطين خمار يذكرها عند ذكره لعين الحصب: توجد بقربها شجرة ضخمة جدًّا
стр. 142
يزيد عمرها على ألف عام. وقال علي نصوح طاهر الذي زار عين الحصب عام ١٩٤٦ م: وكان فيها شجرة ضخمة يبلغ قطر امتداد فروعها ما لا يقل عن عشرين مترًا!، وكانت هذه الشجرة. الوافرة بظلالها وقربها من الماء مقر لقاء أمير المساعيد وشيخ بني عُقبة، وكانوا يلتقون لتبادل الآراء والتشاور بشأن ارتحالهم إلى الديار الغزيَّة بانتظار عودة عيونهم والذين أُرسلوا للتجسس، وكانوا أثناء لقاءاتهم تحت ظلال شجرة الحصب يلعبون لعبة المنقلة التي يعرفها بدو اليوم باسم السيجة، وهي من الألعاب التي تعتمد على الذكاء والخبرة، ولم يمض وقت طويل حتى عاد الرسل وأخبروا المساعيد وبني عُقبة بوفرة خيرات غزة وبخصب مراعيها وضعف عربانها، وقد عاد المُطَيْري إلى قومه ليُنفِّذ اتفاقه مع حاكم غزة المملوكي ثم إنه أعطى ابنته اللباس والزينة والحلي التي جلبها من الحاكم، وقد زعم أنه اشتراها فتزينت الفتاة وتميزت عن غيرها بذلك فعُرفت بأنها المُطَيْرية في أوساط بني عُقبة، وذات يوم أمرها أبوها أن تسير إلى عين الحصب ساعة التقاء أميري المساعيد وبني عُقبة تحت شجرة الحصب فتَرِد الماء لتشرب وتكشف عن وجهها وجمالها للأمير المسعودي المغرم بالنساء عله يطلب يدها ويتزوجها، وهكذا نُفَّذت الخطة الجهنَّمية المرسومة بين المُطَيْري وحاكم غزة، فلما التقى الأميران أمير المساعيد سعود بن مسعود وأمير بني عُقبة داود العُقبي تحت الشجرة تجالسا وتحدثا ثم لعبا لعبة المنقلة (السيجة) كعادتهما، حينئذ مرت ابنة شيخ مُطيْر بهودج على جمل وقد تزينت بألبستها وحليها فوردت الماء وأخذت تشرب الماء وهي سافرة الوجه أي غير مُلثَّمة كغيرها من فتيات البدو، فبدت فاتنة جميلة ولا أحد يعلم أنها حيَّة رقطاء تريد دس السم الزعاف وتفتن القبائل لتقع الحرب وتسيل الدماء الغزيرة وتُرمَّل النساء وتُيتَّم الأطفال!.
ولما كانت تلك الفتاة بديعة الجمال رشيقة القد تنثني كالخيرزان، فما إن رآها الأمير المسعودي أُعجب بها وفُتن بجمالها ودلالها فصار ينظر إليها وتنظر إليه، فأخذ الأمير المسعودي يضع حجارة "حصى" السيجة فوق بعضها البعض دون وعي منه لما يفعل لانشغاله بالنظر إليها، فلما شربت الفتاة أخذت بالانصراف فتابعها ببصره وقد وقع في هواها ولم يدر من هي فأنشد يقول:
ما قال ابن مسعود شاف نظره … غزال بين الحنايا شقى بها
стр. 143
وفي رواية أنه قال:
وش شفت لي بين الحنايا شوفه … ياشوفه كِنْ عاد قلبي شقى بها
فالتفت الأمير العُقبي إلى الفتاة المُطَيْرية ليرى التي فتنت صديقه المسعودي فعرفها بزينتها وعرف أنها ابنة شيخ فرقة مُطَيْر الذين أطنبوا عليه وقال:
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من سمية … وطنيبها داود الذي ما يعيبها
وفي رواية أخرى أنه قال:
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من قبيلة … ولا هي من حمانا لك نجيبها
وهنا يوضح العُقبي أن الفتاة ليست من بني عُقبة ليعطوه أو يزوجوه إياها ولكنها طنيبة على بني عُقبة والتفريط بالطنيب صعب على العرب.
فقال الأمير المسعودي مهددًا:
نجيبها بالسُرد والمُرد والقنا … وضرب يعدي جارها مع طنيبها
فأجابه العُقبي بحزم صارم:
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وحربة تقد الجوف حامي لهيبها
نرعى بها حِسْمى وشقرة ونعمة وعاجات* ونثني ونعديها عن كل وبش يريدها
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من قبيلة … وطنيبة لداود الذي ما يعيبها
إن شاف الغر (١) يجنب ثوبها … لا يسأل عنها ولا يعتني بها
يا مادونها يا أمير من طعن سابق … وكم عودة في الميدان ما ينسخي (٢) بها
وهنا قوله نرعى بها حِسْمي وشقرة ونعمة وعاجات فهي مواضع في شمالي الحجاز من ديار جُذام ثم بني عقبة أحد بطونهم القديمة، فحِسْمي هي دار جُذام القديمة قبل الإسلام، وشقرة ونعمة من مياه حسمى، أما عاجَات فهي مرتفعات جبلية كانت من ديار بني عُقبة وهي جبال بارزةَ بين شروري شرقًا وبئر ابن هرماس غربًا شمال مدينة تبوك.
стр. 144
وفي رواية أخرى أن العُقبي قال:
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وعودة في الميدان ما ينسخي بها
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وحربة يا أمير ياضى (١) لهيبها
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وعين تغُض (٢) البكا علي حبيبها
فأجابه الأمير المسعودي قائلا بكل تحدٍ:
من لامني يبلى بحرب مِسْمة … والا بحية نايمة في كتيبها
وإن كان له ولدين يعدم خيارهم … والثاني يقرط له العصا ما يجيبها
وإن كان له بنتين يعدم خيارهن … والثانية يلقى عليها طنيبها
فافترق الأميران غاضبين للاستعداد للقتال وقد أخذ كل منهما يجمع جموعه ورجاله أو فرسانه استعدادًا للحرب والنزال، ثم إن الجمعين بعد انتهاء استعداداتهما التقيا في معارك حامية الوطيس في وادي سيف بفرَعة وادي الحصب عندما يميل إلى وادي الفقرة، قالوا:
ولكي يُجرِّئ بعضهم بعضا على القتال وعدم الهرب وضع الأمير داود وراء رجاله النساء ليرمين كل من تحدثه نفسه بالهرب من صف القتال بالنبلة وكذلك فعل أمير المساعيد، وقد احتدم قتال عنيف بين الجانبين في وادي سيف وحصى المدرة، وأسفرت المعركة عن انتصار المساعيد وانهزام بني عُقبة بعد أن استحر القتل في فرسانهم، وقد تم دفن القتلى في منطقة حصى المدرة، وقال نعوم شقير في تاريخ سيناء: "وفي حصى المدرة إلى الآن أي حتى عام ١٩١٤ م قبور قديمة قيل أنها مدافن قتلى واقعة المساعيد مع بني عُقبة"، وقد قُتل في هذه الواقعة كما يقول الرواة شيخ أو رئيس من المساعيد يُسمى سيف المسعودي وقد سُمي الموضع الذي قُتل فيه بودي - تصغير وادي - سيف وهو بجوار الحصب إلى الشمال الغربي وهذا الوادي يلتقي بوادي قصيب قبيل وصوله إلى وادي عربة، وفي هذا الوادي رجوم - أي حجارة وعلامات: كثيرة ذكرى تلك المذبحة الشرسة أو المعركة الدامية.
стр. 145
ويقال أن بعد انتصار المساعيد واندحار بني عُقبة سبى الأمير المسعودي الفتاة المُطَيْرية التي هي السبب في البلاء والحرب واصطحبها أسيرة إلى بيته وتزوجها واستمتع بجمالها عدة أيام، وقيل: أنه لم يلحق منها شيء، فعندما أدخلها بيته وعرفت أمه أنها الفتاة التي فتنت القوم تشاءمت منها وقالت هذه حيَّة خربت البيوت، وخرجت مُغْضبة، فلما سألها ابنها (أمير المساعيد) لماذا غضبت وخرجت من البيت؟
أجابت قائلة: لا أقيم تحت سقف واحد مع عروسك فلا تعجبك بزينتها وجمالها تراها صَلَبية!!، هنا قول المرأة على المُطَيرية هكذا لأنها تكرهها فأرادت ذمها وحتى يكرهها ابنها، وفعلًا طردها هي وأهلها إرضاءً لأمه وظلَّت بكرًا ولم يمسها!
فلما عرفت المُطَيْرية السبب وسمعت مقالة أم أمير المساعيد غضبت وتنكدت من هذا الظلم الواقع عليها وعلى أهلها من سب أصلها وهي تعتبر نفسها من قبيلة مُطَيْر المعروفة بنجد بقوتها وأصالتها بين العرب، فأخذت تخاطب الأمير المسعودي مدافعة عن أصلها ونسبها وأنها ليست من الصَّلَب وأنشدت تقول:
تقول المطيريه يا أمير ماني خفية … ولاني من اللِّي خافيات جدودها
أهلي أهل المرابيش والقنا (١) … وقومي حربة يرموا وراء الجب عودها
منزل أهلي بين الظفير وشمَّر (٢) … على مثل صلوا النار حامي وقودها
قَنَّاصهم يقنص بيومه وينثني … ويجيب من لحم الجوازي عضودها
وتقصد في البيت الأخير أن قومها مُطَيْر أهل نجدة وحمية يغزون القبائل ويرجعون سالمين ويعودون بالإبل والغنائم بحد السيف البتَّار، وقد مثلتهم بقناص أو صياد يرجع في نفس اليوم على عَجَل ويأتي بالغزلان في رحْله أو في صيده وهذا دليل مهارته وتفوته.
стр. 146
ما بعد انتهاء واقعة المطيرية
انقسم عرب مُطَيْر على أنفسهم فرافق قسم منهم بني عُقبة وعُرف هذا بالمطيريين، وقد استوطنوا البلقاء وديارهم اليوم في منطقة المشقر على نحو ٣٠ كيلو مترًا جنوبي عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، وعشرة كيلو مترات شمالي مادبا حيث يشكلون اليوم أهم بطون قبيلة العجارمة هناك، أما شيوخ العجارمة فهم الشهوان (اليسفة) وأصلهم بطن من اللحاوي من قبيلة الشراراث، ومن مُطَيْر فريق آخر وقتئذ سلك على بلاد الخليل من فلسطين، أما القسم الأكبر من مُطَيْر فقد دخل في أوائل القرن السابع الهجري إلى شمالي سيناء ومنهم الدواغرة، أما بقيتهم فنزلوا إلى الشرقية وتفرقوا في جهات الجيزة وأسيوط من الديار المصرية (انظر السرد عنهم).
أما بني عُقبة (١) فقد ساروا نحو الشراة من بلاد الأردن باتجاه الجنوب الشرقي نحو بلاد الشوبك عبر نقبي نملا والضحل. وقد ذكرهم الحمداني عام ٧٠٠ هـ - ١٣٠١ م، أي في أواخر القرن السابع الهجري، فقال: وعُقبة ديارهم من الشوبك إلى حِسْمى إلى تبوك إلى تيماء إلى الحريداء وهي شرق الحجار، ثم توسعوا فيما بعد في بلاد الكرك والطفيلة في شرق الأردن.
أما المساعيد فإنهم توجهوا مرتحلين تجاه بلاد غزة عبر نقب صفى وهو من أهم المداخل نحو بلاد بئر السبع وغزة من منطقة شمال غرب وادي عربة، وهذا النقب يقع إلى الشمال الغربي من عين الحصب في الطريق إلى غزة، وقد أخذ المساعيد يفرضون هيمنتهم على العشائر والقبائل الصغيرة القاطنة في بلاد فلسطين وقتئذ في آخر القرن السابع الهجري، أو فرضوا على أغلبها الخاوة، فلما وصلوا إلى بلاد غزة فرض عليهم حاكمها من دولة المماليك الأتراك وقتئذ ضريبة، بعدما
стр. 147
علم أن المساعيد وحدهم القادمون وأن تحالفهم مع بني عُقبة قد فض، بعدما كانوا مجتمعين يشكلون خطرًا جسيمًا على الدولة أو على ولاية غزة على الأخص، وقد فرض الحاكم المملوكي ضريبة سنوية على أمير المساعيد وهي فرس من جياد خيله يقدمه المساعيد للحاكم كل سنة، كما فرض عليهم دفع العشور. وقال نعوم شقير: إن المساعيد ساروا إلى بلاد غزة فضرب عليه حاكمها فرسًا من جياد خيله يقدمه كل سنة، وقد ظلَّ المساعيد يؤدون الضريبة والعشور حقبة من الزمن؛ لأنهم لا طاقة لهم بحرب الحاكم بعدما فقدوا خيرة فرسانهم في معركة المُطَيْرية علاوة على أنهم فقدوا تحالفهم مع بني عُقبة، حتى تولى إمرتهم الأمير سليمان بن عمرو الشهير بالمنطار والذي يسميه أهل غزة باسم على أبو سليمان الشهير بالمنطار وفي أحيان أخرى يسمونه الأمير أبو علي المنطار.
ولما تولى الأمير سليمان المسعودي إمرة المساعيد في أوائل القرن الثامن الهجري، وقال نعوم بك شقير: (بقى المساعيد يؤدون هذه الضريبة حتى قام عليهم أمير يُدعى سليمان المنطار فاستثقل الضريبة وأبى دفعها وجاهر بالعداوة للدولة في حينه).
وصار المساعيد بأمر من الأمير سليمان كلما جاءهم جباة الدولة لأخذ الضريبة يقومون بضربهم وطردهم فيعودون بلا فائدة، ثم تداعى بهم الأمر إلى أن يقوم من المساعيد أنفسهم جباة للضرائب بدلًا من الدولة وصاروا يأخذون العشور من العربان والأهالي في القرى الفلسطينية، فزاد حنق الحاكم في غزة على المساعيد الذين زادت سطوتهم على الدولة وشكلوا هم حكومة لا تدين بالولاء للمماليك، فقرر في نفسه شيئًا حينما تواتيه الفرصة، كما سنرى في سرد الأحداث التالي ذكرها.
стр. 148
حرب المساعيد وجَرْم (فُضَاعة) ومقتل المنطار
ذكر رواة المساعيد لما تواتر عن أجدادهم وأيده مخطوط جفر الذهب (١) ومفاده أن المساعيد بعد أن نشرهم الله في بلاد فلسطين أيام الأمير سليمان بن عمرو المسعودي ونسله ما يعرف بالأمراء حتى الوقت الحاضر، وكانت حينئذ قبيلة بني جَرْم (٢) (وهم بنو جَرْم بن رَبَّان بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قُضَاعة) كانت هذه القبيلة قبل القرن السابع الهجري عزيزة الجانب ومساكنها في جبال الشراة من شرق الأردن ثم هاجرت إلى فلسطين، وقد بأن عليها الانقراض وبدأ عليها الضعف في تلك الحقبة الزمنية، فنزل شيخ بني جَرم واسمه عَقِيل الجَرمي يرافقه ظعن من البدو من قومه على قبيلة المساعيد القوية التي امتد نفوذها من شرق غزة حتى مشارف نابلس، وبعد تسعين يومًا من الضيافة والكرم من عشائر البادية المساعيد لهؤلاء القوم من جَرْم الذين طنبوا عليهم، وذات صباح جاء الشيخ عقيل الجَرْمي ضيفًا على الأمير سليمان بن عمرو المسعودي، وبعد تناوله القهوة العربية أراد الأمير سليمان أن يتأكد من حسبه ونسبه ويعرف فطنته ومدى علمه ومعرفته، فقال للشيخ عَقِيل متسائلًا عن أصله ونسبه: هل أنت من كبار الجهود صغار الوهود قَتَّالة الفُرس واليهود؟ ويقصد هنا الأمير المسعودي قبيلة المساعيد لما
стр. 149
أنهم اشتهروا بقلة متاعهم وفي نفس الوقت بزيادة جودهم وكرمهم وسخائهم مع ضيفهم، ومعني قَتَّالة الفُرس يقصد شيبان الذين منهم المساعيد وقد انتصروا على الفُرس بقيادة جد المساعيد الأول هانئ بن مسعود في ذي قار آخر عهد الجاهلية، فأجاب الجَرْمي بفطنة وقال: مساعيد يا أمير ولا أنا منهم، فقال الأمير سليمان: هل أنت من مكَرْمين الضيوف شاهرين السيوف حافظين الجميل والمعروف؟ قال الجَرْمي: عَنَزة ربيعة ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساهرين المنام قليلين الكلام معروفين بالجرأة والإقدام؟ قال الجَرْمي: عُتَيبة هوازن يا أمير ولا أنا منهم. ثم قال له: هل أنت من مضمدين الجراح ضرَّابين الرماح؟ قال: هُذَيْل يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساقيين الحليب مكَرْمين الطنيب؟ قال: شَمَّر طيئ يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من لبَّاسين البشوت قليلين البخوت؟ قال: عُقْبَة جُذام يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من خيل دز لباسين القز؟ قال: بقوم يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من راكبين الدهايا (١) آخذين الخطايا (٢)؟ قال: تياها يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من وجوه السماح ضرَّابين الرماح؟ قال: تَميم يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساترين العريان شتاعين الجوعان؟ قالَ: شيبة قريش يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من عيون ظر صنقور الشر؟ قال: .... ولا أنا منهم. قال: هل أنت من قطَّاعين الطريق خائنين الرفيق؟ قال: .... ولا أنا منهم. قال: هل أنت من كبار العمايم قليلين الذمايم؟ قال: .... ولا أنا منهم، ومضى الأمير المسعودي يسأل والشيخ عَقيل الجَرْمي القُضاعي يجيب بدهاء وفطنة وسعة معرفة حتى وصل إلى تسعة وتسعين سؤالًا
стр. 150
وأخيرًا رد وقال: جَرْمي أنا جَرْمي يا أمير سليمان، وأسألك بحق رب الأنام وبحق النبي العدنان، وبحق جدك هانئ بن مسعود ومعه همَّام فرسان شيبان، وبحق المُسنَّا والمُعنَّا وهانئ بن قبيصة الشغموم وعمرو بن كلثوم (١) وبسطام الضرغام (٢)، وبحق رب الوجود والنبي صادق الوعد والعهود، وبحق بني مسعود وشيبان الأحرار محاربين عَبَدة النار في ذي قار ومعهم ربيعة الجمار اللِّي ضربوا رءوس الفُرس بالسيف البتَّار، أريد أن أطانبك يا مسعود يا نسل أهل الجود قصدي أقيم معك العهد والعهود. وبعد هذا الكلام المنظوم من الشيخ عَقِيل الجَرْمي قال الأمير سليمان بن عمرو المسعودي مجيبًا إياه: قبلت طنبك يا ابن جَرْم بشرط أن لا تُطنِّب عليك ولا تجير معك أحدًا من غير علمي، قال الجَرْمي: قبلت الشرط يا أمير المساعيد. وعقد المساعيد وجَرْم حلفًا قويا وعهدًا وميثاقا، وصاروا يغزون القبائل الأخرى ويأخذون عُشر المال وشاة المرعى وهي حق الرتاعة على كثير من القبائل الأخرى في فلسطين، وهذا الشيء أثار عليهم القبائل العربية من غيرهم في تلك النواحي، وقد دعا القبائل إلى التآمر لضرب التحالف ما بين المساعيد وجَرْم بأي ثمن، فقام بعض شياطين هؤلاء القوم بتدبير حيلة لبث الفتنة بين المساعيد وبني جَرْم، فأرسل هؤلاء المتآمرون المعادون أو الكارهون لوحدة القبيلتين عجوزًا وكانت داهية من دواهي نساء العرب، فصحبت ابنتها الشابة وكانت على قدر كبير من الجمال وفي نيتها تنفيذ الضغينة وإشعال نار الفتنة حسبما توجهت بالمال من شيوخ العشائر المعادية، فنزلت بعد الغروب على عَقِيل الجَرْمي وأطنبت عليه فقبل طنبها وكسر الشرط المعقود بينه وبين الأمير المسعودي وأخذه الغرور ووقع في المحظور، وكما هو العرف السائد بين قبائل العرب أن الطنيب لا يُطنِّب غيره ولذلك كتم
стр. 151
عَقِيل الجَرْمي طنب المرأة العجوز وابنتها، ولِما أنهن من النساء فقد خجل رد طنبهن عليه وأخذته العزة ولم يحب أن يظهر بمظهر الضعف أمامهن ويطلب الإذن من أمير المساعيد، ومرت الشهور وأجدبت البلاد في فلسطين وقلَّت المراعي وانتقل عرب المساعيد ومعهم بني جَرْم إلى مناطق جديدة بحثًا عن الكلأ والمراعي في مناطق الرابية وغيرها حول نابلس، فسبقت العجور هي وابنتها الظعن وأرادت أن تظهر نفسها لأمير المساعيد كي تُعرِّفه أنها طنيبة شيخ جَرْم بدون علمه، ولحقت بالأمير سليمان والشيخ عَقِيل اللذَيْن سبقا ظعن العرب على عادة الرؤساء أن يتبع الظعن آثارهم، فهم أدرى بمكان الرعي والإقامة، وقد جلس كلاهما تحت ظل بعض الأشجار في الخلاء، ولما قدمت المرأة وابنتها على هيئة غير هيئة نساء المساعيد أو بني جَرْم عرف الأمير المسعودي - وكان رجلًا بالغ الذكاء - أن هذه المرأة غريبة، فسأل صاحبه الجَرْمي عنهن فكان في غاية الحرج والضيق، وقبل أن يجيب أو يكذب بادرت العجوز بالجواب كي تثير الفتنة وقالت: أنا يا أمير المساعيد طنيبة على أمير جَرْم ولم أجد غيره في هذه البلاد ورحب بي ولم يردني أنا وابنتي اليتيمة، فقال الأمير سليمان بحدة: أيتها المرأة ألا تعلمي أن أمير جَرْم هذا بنفسه هو وقومه طُنباء عليَّ وعلى قومي المساعيد والطنيب لا يُطنِّب غيره؟ قالت: العفو والسماح يا أمير أنا وابنتي غرباء عن الديار ولا نعلم شيئًا عن العربان وحسبنا أن بني جَرْم هم أسياد البلاد والبوادي، قال لها الأمير المسعودي: كذب والله من أخبرك بهذا الهُراء. وحتى تزيد الفتنة قالت: أنا من ذا الحين طنيبة في وجهك يا أمير المساعيد وطَنَبي على الجَرْمي مردود عليَّ، فلما سمع شيخ بني جَرْم هذا القول من المرأة شعر بالهوان والمذلة أمام المرأتين، وانسحب من أمام أمير المساعيد يملؤه الخزي والعار لما أنه كسر الشرط والعهد معه أن لا يجير أحدا من البشر إلا بعلم سابق منه، وثانيًا أنه كشف عن فعلته القناع بطريقة لا يتوقعها ولا يدري عنها ولا يحسب أنها مقصودة ومُخطط لها من القبائل المعادية، وهكذا نجحت المؤامرة المدبَّرة وقامت الفتنة بين المساعيد وبني جَرم بعد أن تخاصم الأمير سليمان والشيخ عَقِيل، واندلع القتال بين فرسان المساعيد وفرسان بني جَرمِ، ولم يطل ذلك أكثر من ساعات فقد انتصر المساعيد نصرًا حاسمًا وشتتوا شمل جَرْم ومزقوهم شر ممزق
стр. 152
ونقضوا الحلف معهم، بعد ذلك استجار الشيخ عَقِيل بحاكم غزة أو ما كان يُسمَّى الأغا سنجق ويقال أن اسمه وقتئذ كان (أمين جور) تابع لدولة المماليك (١) في مصر، وكان هذا الحاكم يكره المساعيد وأميرهم كما أسلفنا لامتناعهم عن دفع ضريبة الدولة، فأراد أن يجمع القبائل المعادية للمساعيد مع بني جَرْم ليفرض عليهم الصلح كما يزعم أمام المساعيد وهو يكن شيئًا آخر ويضمر حقدًا ويتأهب للغدر بهم، فأرسل الحاكم إلى الأمير سليمان بن عمرو المسعودى يطلب منه الحضور للصلح بمعرفة الدولة الممثلة فيه، ولما توجه الأمير سليمان إلى قصر الحاكم ومقر الحكم في ديوان السلطة للبت في أمر التصالح وجد خيولًا عربية وليست مملوكة للحكومة، فعرف أنها لشيوخ قبائل من فلسطين تجمعوا على يد الحاكم، وأيقن أن هؤلاء هم المدبرون للفتنة من البداية، وهم الآن يدُسُّون للحاكم الضغط على المساعيد، مستغلين بغضه له ولقومه المساعيد، فكره الصلح والجلوس في حضرة الوالي ما دام هؤلاء الأعداء يُدبرون له ولقومه الدسائس، وأن الصلح لن ينفع وسيصبح امتهانًا له أمام الحاكم الذي أفسد رأيه هؤلاء، فقرر أن يقهر هؤلاء الرجال ويظهر بمظهر القوة وأنه لا يخشى الحاكم ولا يعمل لهم أي ورن أو مقدار، فأمر رفاقه بالانتظار خارج القصر ودخل ممتطيا جواده بعد أن أخرج الشلفا (حربة) ووضع سنها في بول فرسة أنثى كان يركبها أحد رفاقه بالخارج، ثم أطلق العنان لجواده ولكزه واقتحم على الحاكم ديوانه، فقال له الحاكم لما رآه ممتطيا جواده ولم يُوَقِّر أحدا: انزل يا أمير سليمان كي أصلحك مع بني جَرْم فقال له: يا سلطان لو كان بنو جَرْم هؤلاء وحدهم عندك لجلست للصلح والصفا بيننا، ولكن رجال القبائل الأخرى المعادين والحاقدين علينا وهم الذين دبروا الفتنة موجودون فلن أجلس إلا بعد مشورة جوادي. فقال الحاكم: شاور جوادك بما تريد يا أمير سليمان، فسحب الشلفا (الحربة) ووضعها عند أنف الجواد، فلما أروَّح أو اشتم رائحة البول للفرسة الأنثى بخارج القصر وبعادته الغريزية بدأ يصهل. ويقف على أرجله الخلفية، فقال الحاكم: ماذا جواب حصانك؟ فقال الأمير سليمان المسعودي أن جواده أخبره وقال له: مَسْكني روس الروابي وأداوي عِلَّتي بيدي تبرأ .. ولا
стр. 153
أطيع ولا أشاور ولا أنا تحت حكم كل ابن امرأة كانت عذرا .. واللِّي يريد الحرب يلحق بي!!، ففهم الحاكم فحوى ما يقصد الأمير المسعودي ورفضه التفاهم فقال له: إنك لا تريد السلام يا شيخ الساعيد - ولم يقل له يا أمير المساعيد - وأراك لا تُوَقِّر أحدا، وزاد غبنه وغله أن يجد العنجهية من رجل من البادية لا يحكم سوى قبيلة واحدة فكيف به وهو حاكم وسيد البلاد كلها، فدبر في نفسه شيئًا لكي يقضي على هذا الرجل المعارض له، وأما الشيخ سليمان أمير المساعيد فقد عاد إلى مضارب قومه وقد أمر الفرسان بحمل السلاح ليل نهار والتزام الحذر، وبعد ستين يومًا أرسل الحاكم رسالة للأمير سليمان يسترضيه ويطيِّب خاطره ويهدئ من ثورته، وطلب إليه الحضور ليعقد صلحًا واتفاقًا جديدًا بين حاكم غزة والساعيد لتحديد العلاقة بينهما وفقًا للتطورات الأخيرة، وذلك في موضع خان الزيت وهو موضع بداخل غزة، فتم الصلح مؤقتًا وتم بموجبه إلغاء الضريبة المفروضة على المساعيد، فهدأت ثورة الأمير سليمان المسعودي فيما كان الحاكم وجنوده يبيتون أمرًا آخر يقوم على الفتك بالمساعيد والغدر بهم بعد اطمئنانهم، وذات يوم جرى احتفال كبير مدبَّر فوجه حاكم غزة الدعوة لشيوخ المساعيد وكبارهم لحضور الاحتفال والذي تم التخطيط له كما يلي:
(أ) أن تقام مأدبة غذاء كبيرة يحضرها وجهاء المساعيد وكبارهم في غزة داخل المدينة التي كانت مسوَّرة ولها أبواب، وقد أعدَّت الدولة صواوين لأجل المأدبة واستقبال المدعوين.
(ب) إجراء سباق للخيول قبل الغذاء يشترك فيه رؤساء المساعيد وفرسانهم في ظاهر المدينة من الجنوب الشرقي.
وقد لبى المساعيد الدعوة حيث ذهب الأمير سليمان على رأس مجموعة من شيوخ وكبار المساعيد إلى ظاهر مدينة غزة للمشاركة في سباق الخيول، بينما كان فريق آخر من المساعيد وكبارهم قد أخذوا يتقاطرون نحو المدينة زرافات ووحدانا ليدخلوها عبر بواباتها، ليحلُّوا ضيوفًا على الدولة ممثلة في حاكم غزة بانتظار ساعة الغداء ليجتمعوا جميعًا للغداء، فكانوا يدخلون غزة عبر بوابات سورها، في الوقت الذي كان الحاكم وجنده قد أعدوا العدة لذبح الداخلين واحدًا إثر آخر أو مجموعة تلو أخرى دون إحداث شيء يظهر ذلك لباقي المساعيد.
стр. 154
ولم يتسرَّب الخبر إلى باقي المساعيد ولم يأخذ أي أحد منهم حذره، وقد تم قتل أربعة وأربعين رجلًا من كبار وشيوخ المساعيد الذين دخلوا المدينة دون أن يشعر الأمير سليمان ومن معه بهذا الغدر المبيت وهذا ما حدث بالفعل، فرأى رجل غزِّي تلك المكيدة وذلك الغدر فهاله الأمر واستاء فقال: "يا حسرتاه عليكي عرب لكي خاش أي داخل ولا لكي طالع"، وهنا يتحسر ويتلهف هذا الرجل على المساعيد فمن يدخل منهم المدينة لا يخرج لأنه يُقتل من عسكر المماليك، ويقال أن هذا الرجل كان مؤذنا فصعد على مأذنة أحد المساجد بغزة وأنذر الناس بتلك المكيدة، فتنبه المساعيد الباقين خارج البوابات للمدينة بعد فوات الأوان، أما الذين كانوا في السباق للخيول وعلى رأسهم الأمير سليمان المسعودي فلما حان موعد الغذاء تركوا خيولهم في خارج القصر المُعَدُّ لهم فيه الموائد وأخذوا سيوفهم معهم، فقال لهم الحاكم: هيَّا إلى الطعام؛ لأن الطعام يسبق الكلام، ويقصد أمر الصلح مع بني جَرْم، فلما جلسوا لم يقربوا المائدة إلا بعد أن يمد أميرهم يده فيها، فلما مدَّ الأمير سليمان المسعودي يده وأخذ لقمة فذاقها فلم يجد فيها ملح فعرف أن هناك غدرًا سيقع بهم في حضرة الوالي أو حاكم غزة وأنه نوى الغدر، والغدر من شيمة المماليك وعموم الأتراك ولا خير فيهم، فقال الأمير المسعودي صارخًا في رجاله: هيا اخرجوا من القصر على عَجَل قبل أن يفتك بكم السنجق الغادر، فخرجوا مسرعين نحو باب القصر مندفعين شاهرين سيوفهم، فلما همُّوا بركوب صهوات خيولهم في الخارج وجدوها مقطَّعة السروج، وكان الرجل منهم يضع قدمه على صهوة جواده أو فرسه فيقع من فوره على الأرض، وحينئذ داهمهم جنود المماليك على حين غرة فقتلوا أغلبهم، واستطاع بعضهم أن يمتطوا خيولهم أعراء وقد شقوا بحرابهم صفوف الجند وقاتلوا قتالًا مريرًا، وقد امتد القتال والمطاردة لهؤلاء الرجال وعلى رأسهم أميرهم المسعودي الذي أصابته الجراحات حتى وادي البها على نحو ١٦ كيلو مترًا جنوب شرق غزة، وطبعًا انتهى القتال غير المتكافئ بانتصار جند الحاكم وأصيب المساعيد بهزيمة فادحة قضت على خيرة فرسانهم، وقُتل فيها الأمير سليمان بن عمرو المسعودي في هذه المذبحة البشعة التي سميت بمذبحة غزة، وقد سقط هذا الفارس عند - تل - شرقي مدينة غزة عرف فيما بعد بتل المنطار وهو من النقاط المشهورة بظاهر غزة حتى الآن، وبعد
стр. 155
مقتل الأمير المسعودي أخذ باقي من نجا من المساعيد يهرب في شتى الاتجاهات بلا وعي أو تخطيط وقد أصابهم الهلع واضطرب جمعهم، وهذا راجع إلى أن جميع الرؤساء والقادة قد قتلوا مع الأمير سليمان في المجزرة الأليمة (مذبحة غزة).
وقال نعوم بك شقير: فلما تمرَّد الأمير سليمان المسعودي واستثقل الضريبة وأبى دفعها وجاهر بالعداوة للدولة، فجردت عليه وقتلته في واقعة مشهورة قرب غزة. وقيلت رواية أخرى أن الأمير سليمان لم يُقتل في حينه، وإنما هرب إلى قومه في البادية ومعه بعض الرجال الذين نجوا من المذبحة في غزة، وجمع فرسان من بعض حلفاء له وظل صامدًا نحو ثلاثة وثلاثين يومًا، وقد قلَّد النبي ﷺ في فتح مكة المكرمة، فأمر كل فارس معه بإشعال ناره في الليل كي يوهم أعداءه بكثرة عددهم، فكان المماليك يتركون عددًا من قوتهم خوفًا من الكمائن من الخلف أثناء المعارك في النهار، وهكذا استطاع أن يمد النزال عدة أسابيع وقد أباد عددًا وفيرًا من عسكر المماليك الترك، ثم قُتل شرق غزة أخيرًا في أحد المعارك الضارية مع أعدائه وكان عند تل عال ودفنه ابنه عمرو (١) هناك هو والباقي من أولاده.
سبب تسمية الأمير سليمان المسعودي بالمنطار
قال الرواة: بعد مقتل الأمير المسعودي سليمان بن عمرو ومن معه من فرسان المساعيد فقد ظلت جثث قتلاهم ملقاة على الأرض ومنها جثة الأمير سليمان عند التل، فلما حل الظلام في الليلة الأولى بعد المعركة رأى الجند نورًا عند الجثث فظنوا أن أحدًا قد جاء للجثث من المساعيد فبلَّغوا عن ذلك، فطلب إليهم أن يحرسوا الجثث للتحقيق في أمر هذا الضوء عند الجثث بجوار التل، فظل الجنود ينطرون، أي يحرسون منتظرين إلى أن حل الظلام ولم يأت أحد، وقد تأكدوا من رؤية الضوء أو النور يضيء الظلام على جثة هؤلاء الشهداء الذين قُتلوا بالحيلة والغدر، وقيل أن الضوء كان واضحا على جثة الأمير سليمان المسعودي
стр. 156
فوق التل وكان من أهل الصلاح والتقوى ولا يخشى في الحق لومة لائم. وقال نعوم شقير عن ذلك: وكان سليمان المذكور من أهل الصلاح والتقوى فرأى الترك قنديلًا أضاء فوق جثته. وثمة إشارة يوردها الدكتور عبد الكريم رافق حول الضريبة التي فُرضت على المساعيد وتمرد الأمير سليمان الولي الصالح بقوله: ولا ندري إذا كان المنطار هذا هو نفسه الذي أعطى اسمه إلى ضريبة منطقة عُرفت بضريبة ولي الله تعالى الشيخ أبو علي المنطار، وكانت ظاهر غزة من الجهة الشرقية.
قلت: والشيخ أبو علي هو سليمان بن عمرو المسعودي وعلي أكبر أبنائه، ولا توجد له سلالة والظاهر أنه قُتل معه.
قال الرواة: وبعد تأكد الجند المماليك من الضوء تركوا الجثث للكلاب، فلما اقتربت الكلاب إلى الجثث لتأكلها وأرادت افتراس جثث الأمير سليمان ومن معه فرَّت وهي تنبح!، فلما تبين لهؤلاء الجند كرامة هؤلاء وكبيرهم الأمير سليمان قاموا بدفن هذه الجثث بإكرام، وقيل قاموا ببناء قبة على الأمير سليمان عند التل الذي كانوا ينطرونه بالأمس، أي يحرسونه فسمي سليمان المنطار (١) وعُرف هذا التل بتل المنطار أيضًا وهو تل يرتفع نحو ١٧٠ قدمًا عن سطح البحر، ولا تزال القبة قائمة حتى الآن والعرب من أهل قطاع غزة يزورونه حتى الوقت الحاضر.
وقال نعوم بك شقير: فدفنوه بإكرام وبنوا قبة فوق قبره لا تزال قائمة والعرب تزورها إلى اليوم.
وقال عارف العارف في ذكر تل المنطار: وفيه مزار الشيخ علي وكنيته سليمان، وعلى قول اسمه سليمان وكنيته أبو علي واشتهر بالمنطار، وكان جامعا واليوم مزار فقط.
وقد كان لأهل غزة موسم يحتفلون فيه بزيارة الأمير سليمان الشهير بالمنطار في أوائل الربيع من كل سنة في يوم الخميس ويسمونه بخميس المنطار، حيث كانوا يخرجون جميعًا رجالا ونساء وأولادًا من صباح الخميس حتى العصر.
стр. 157
وقال الدبَّاغ: للغزيين موسم يحتفلون به في أوائل الربيع يعرف باسم موسم المنطار. وقال الرحَّالة التركي نعمان قسطلي في رحلته حين مرَّ بتلك المنطقة: في خميس المنطار يخرج أهل غزة لمحل مرتفع على تلة شرقي المدينة وبها مقام يسمونه بالشيخ أبو علي المنطار، وكان مقامًا له جامع يقصده الرواد من أنحاء بلاد وقرى غزة ويسمونه المنطار، أي الذي طار، ثم أضاف قائلًا: أما هذا المحل فهو أعلى تل مرتفع في جهات غزة وعلوه ينصرف أي يعلو المائة قدم من سطح البحر، وفي يوم عيده تخرج جميع أهالي غزة رجالًا ونساءً وأولادًا لزيارته إلا ما ندر منهم، ودائمًا يكون خروجهم صباحًا ويبقون هناك لما بعد الظهر بساعتين وأكثر، وتصير سوق لبيع المأكولات والحلوى، وقد خرجتُ في ذلك النهار فلم أجد شيئًا من أسباب الطرب الذي يتوهمون به في ذلك المحل، ولكن قد تبين لي بأنه حيث يصير لهم حرية ليرون بعض النساء أو الفتيات (١) ويعتبرون هذا الشيء طربًا لهم إذ إن كل صاحب غاية من رواد هذا المحل يفوز بمقاصده!!.
ويعود بنا الحديث عن باقي المساعيد السالمين من مذبحة غزة (٢) فقد أخذوا يبتعدون عن بلاد غزة هاربين من سطوة وعنف الدولة وبطشها بعد أن ظهرت قسوتها لأقصى درجة بقبيلتهم العزيزة المرهوبة الجانب، وقد تفرَّق المساعيد في شتى الاتجاهات فرارًا بأنفسهم من وجه حاكم غزة وزبانيته، وقد غيَّرت نساؤهم براقعهن الطويلة اللاتي كن يتميزن بها، وجعلنها على هيئة براقع نساء عربان ديار غزة لكيلا يُعرف المساعيد بزيِّهم، وكانت براقع المسعوديات تصل إلى السُّرَّة، وقد أخذ المساعيد يجمعون أنفسهم بعد ابتعادهم عن الديار الغزية، فقادهم الأمير عمرو ومن معه من أبناء عمومته الذين صمدوا في قتال المماليك مع الشهيد المنطار، وقد عاد بعضهم إلى حيث أتوا من شمالي الحجاز في منطقة العقبة ووادي عربة والبدع، وبعضهم نزل جنوب سيناء وهم بعض الأمراء ثم نزحوا إلى الشرقية في جوار من سبقوهم من المساعيد الآخرين، وإلى جانب من تفرق من المساعيد في فلسطين والأردن وجنوب سوريا، وسنوضح عن كل قسم من هؤلاء بالتفصيل.
стр. 158
زمان أحداث حروب المساعيد
مما لا ريب فيه أن الأحداث السابق ذكرها عن المساعيد قد وقعت في القرن السابع وأوائل القرن الثامن للهجرة وندلل على ذلك بالتالي:
١ - أن الحمداني وهو من رجال القرن السابع للهجرة وتوفي في آخر القرن السابع في عام ٧٠٠ هـ، قد ذكر أن بني عُقْبَة يقطنون في بلاد الشوبك ونقل عنه القلقشندي في آخر القرن الثامن، وقال عن بني عُقْبَة وديارهم من الشوبك إلى حِسْمى إلى تبوك إلى الحريداء وهي شرقي الحجاز. وقال ابن فضل الله العمري عام ٧٠٠ - ٧٤٣ هـ وأكد ما ذكره الحمداني فقال: وعُقْبَة من جُذام وديارهم من الشوبك إلى حِسْمى إلى تبوك إلى تيماء إلى برد ورواف إلى الحريداء.
ومعلوم أن بني عُقْبَة جُذام بعد افتراقهم عن المساعيد على أثر واقعة المُطَيْرية اتجهوا نحو بلاد الشوبك بشمالي غرب معان أو غرب جبال الشراة بالمملكة الأردنية الهاشمية، وما ذكره الحمداني يعدُّ أول إشارة حول وجود بني عُقبَة ببلاد الشوبك التي لم يكن لعُقْبَة وجود فيها في القرن السادس الهجري.
٢ - يذكر رواة المساعيد أن دولة غزة التي فتكت بهم كان جندها مماليك (١) من الأتراك، وأشار نعوم شقير الذي قال في ذكر الأمير سليمان المنطار: وكان سليمان المذكور من أهل التقوى فرأى الترك قنديلًا أضاء فوق جثته فدفنوه بإكرام، والمقصود هنا بالترك هم المماليك وليس بالأتراك العثمانيين، والمعروف أن المماليك الأتراك هؤلاء قد تولوا بلاد مصر ونواحي الشام، وقامت دولتهم عام ٦٤٨ هـ بعد الدولة الأيوبية، وقد استمروا حتى زحف العثمانيون من الأناضول على بلاد العرب في أوائل القرن العاشر الهجري أي عام ٩٢٣ هـ.
стр. 159
٣ - أن المساعيد كانوا من القبائل القوية منذ مطلع القرن السابع الهجري وكانوا يتقاضون أموالا من سلاطين المماليك، وكان المساعيد من قبائل الربع الأول في درب الحاج الذي امتد من بركة الحاج بأطراف القاهرة إلى العقبة الأردنية، كما كانوا من قبائل الربع الثاني الذي امتد من العقبة إلى الأزلم على ساحل الحجاز (المملكة العربية السعودية).
قلت: وهذا ما حدث بعد أن أخذ المساعيد يمتدون نحو الديار المصرية في بداية القرن الثامن الهجري بعد أحداث مذبحة غزة.
٤ - أننا نجد قبيلة أولاد سليمان من الأمراء المساعيد تتكاثر في جنوب الطور في خلال القرن الثامن والتاسع والعاشر الهجري، وقد ورد ذكر لبني سليمان ووجودهم في بلاد الطور منذ أوائل القرن الثامن الهجري، وهذا يؤكد أن أحداث المساعيد مع بني عُقبة قد دارت رحاها في القرن السابع الهجري، وأحداث مذبحة غزة ومقتل المنطار في آخر القرن السابع أو مطلع القرن الثامن الهجري.
التفصيل عن المساعيد في الديار المصرية
تمهيد:
ذكر الجزيري في منتصف القرن العاشر الهجري أن المساعيد من قبائل الشرقية وعدهم من بدنات صبي الباب وهو نائب أمير العايد (جُذام) في الشرقية وعادتهم ثلث حمل السويس وكامل حمل الأزلم وغالب حمل عقبة إيلة، وذكر أن قبيلة أخرى من المساعيد تقطن بنواحي رأس النقب والعقبة في شمال غرب الحجاز قال: "ومن أكابرهم عتيق بن مسعود بن دغيم وعليان بن مشور وعمران بن حويران من الحوارنة". وقال في موضع آخر: "وأما عربان المساعيد فهم أصحاب درك مُبشِّر الحاج في العود، منهم عتيق بن مسعود بن دغيم وعيسى قريبه وعليان بن مشور بن دغيم، ولهم عن درك الباب والضبة بخان عقبة إيلة قديمًا سبعة وأربعون دينارا، وهي مستمرة الصرف إلى تاريخه، ثم تقرر لمسعود بن دغيم في الأيام المُظَفرية إنعامًا عليه خمسون دينارًا استمرت بيد ولده من بعده، واعلم أنه مُبشِّر الحاج لهذه الطائفة، فمتى جهز أمير الركب مُبشِّره إلى القاهرة بالعود ولم يدفع لهم عادتهم ويرضي خاطرهم على ذلك توجهه على خطر كبير، كما اتفق مثل ذلك مرارًا عديدة وعاد الجاويش وهو مسلوب ومجروح ولم يقدر على التوجه
стр. 160
منهم، وذكر أن لهم الربع الثاني من درك النقب لعقبة إيلة الممتد من سفح عقبة إيلة إلى المناخ، كما ذكر أن المساعيد أولاد الأمير سعيفان كانوا ممن يتعرضون للجمال التي فرغت من الحمل وهي متوجهة إلى القاهرة ينتهبونها من أربابها، وتكرر ذلك منهم وتوالى شرهم واعتمادهم لذلك بين الأزلم والقاهرة. وما ذكره الرحالة الجزيري هنا يفيد التالي:
(١) أن مساعيد الشرقية يتصلون بمساعيد العقبة من خلال وصولهم إليها، وأن مساعيد الشرقية من عربان الحمل ومساعيد الحجاز من عربان الدرك على درب الحاج والبشير بعودته.
(٢) أن وجود المساعيد في سيناء قديم يعود لعهد الأيام المُظَفَّرية بل إلى ما قبل ذلك، حيث تبين أن عتيق بن مسعود بن دغيم من أكابر المساعيد في عهد الجزيري فيما أباه مسعود بن دغيم أدرك الأيام المُظَفَّرية نسبة للمظفر أبو السعادات أحمد بن شيخ الذي تسلطن على مصر لشهور قليلة سنة ٨٢٤ هـ.
(٣) أن مساعيد فلسطين وبلاد الكرك كان أهم تواجد في ديار المساعيد ككل في الحجاز ومصر حيث كانوا يعترضون إبل المحمل حين عودتها، كما مر.
(٤) أن مساعيد الديار المصرية كانوا ينالون خمسين دينارًا عن ربع درك النقب، وسبعة وأربعين دينارًا عن درك الباب والضبة بخان عقبة إيلة، ثم نال شيخهم مسعود بن دغيم إنعامًا عليه خمسين دينارًا، كما كان إخوانهم في الشرقية يشاركون في حمل السويس وحمل العقبة.
وقد كان سلاطين المماليك في مصر جعلوا بعض القبائل تقوم بحراسة درب الحاج، كل قبيلة في ديارها مقابل مبالغ معينة تدفعها الدولة لهذه القبائل، ومن قبائل الربع الأول من درب الحاج التي تولت خفارة هذا القسم وهي أقوى قبائل هذا القسم الممتد من بركة الحاج إلى إيلة (العقبة) قبيلة المساعيد، وكانوا يقبضون اثنين وأربعين دينارًا ما زالت تزداد حتى وصلت لخمسمائة، وكان إخوانهم مساعيد الحجاز من قبائل الربع الثاني من درب الحاج الممتد من إيلة (العقبة) إلى الأزلم على ساحل البحر في الحجاز، وكانوا ينالون المرتبات الوافرة ولهم خاصة مائتان وعشرون دينارًا.
стр. 161
مساعيد [أولاد سليمان]
قال نعوم شقير في حديثه عن تفرُّق المساعيد بعد واقعتهم مع الدولة في غزة في كتاب تاريخ سيناء عام ١٩١٦ م: "تفرَّق المساعيد ثلاث فرق: فرقة ذهبت شرقًا فسكنت فارعة المسعودي ووراء حوران، وفرقة ذهبت غربًا فسكنت جنوب سيناء وأرض مصر وعُرفت بأولاد سليمان، وبقي منها بقية في بر قطيَّة غرب العريش حافظت على اسم المساعيد، وفرقة عادت إلى البدع قرب وادي الليف على نحو خمسين ميلًا من مدينة العقبة، والبدع من القرى الشمالية الغربية في المملكة العربية السعودية، وقال في حديثه عن عربان بر قطيَّة: "هي فروع من القبائل المعروفة الأسماء في مديريتي الشرقية والقليوبية إلا المساعيد فإن إخوانهم في مصر يعرفون بأولاد سليمان، وقال يذكر وجودهم في جنوب سيناء:
وأما عرب بني سليمان فالظاهر أنهم كانوا قبيلة قوية في الجزيرة ولعلَّهم دخلوا الجزيرة مع بني واصل وكانوا حلفاءهم ثم ضاق بهم العيش، فرحلوا إلى مصر وسكنوا مديرية الشرقية ولم يبق منهم في جزيرة سيناء سوى بيت واحد انضم إلى القرارشة ضمن تحالف الصوالحة.
ونقل عن نشرة قانون العربان الرسمية المؤرخة في ٧/ ٢/ ١٩٠٦ م أن بني سليمان من قبائل الشرقية، ومما يدل على قوة نفوذهم قديمًا في بلاد الطور جنوبي سيناء ما ورد في وثيقة مؤرخة بيوم ٣ محرم ١٠٠٢ هـ الموافق ٢٩/ ٤/ ١٥٩٣ م وفيها: أنه بتاريخ ١١ رجب عام ١٠٠١ هـ الموافق ١٣/ ٤/ ١٥٩٣ م تم مسك شيخ العرب مرعي بن يحيى السليماني من أولاد سليمان شيخ الدرك ببندر الطور المعمور؛ لأنه من أهل الفساد وأهل الحرام على قطع حبال مركب الوزير حسن المتولي باليمن وغيرها، واقتضى الحال مسكه وإرساله إلى مصر لمن له ولاية ذلك وكان له سوابق ولواحق مع مكاسر عباس ناصر ومن جميع المكاسر، وقد فرَّ بمساعدة عبده الذي تصدى لعسكر السلطان إلا أنه تم إمساكه وإرساله إلى مصر، ومن بني سليمان (سعد بن سعد الله) السليماني الذي ورد اسمه شاهدًا على حجة بيع في طور سيناء في غُرة محرم ١٠٥٨ هـ الموافق ٢٧/ ٢/ ١٦٤٨ م.
стр. 162
وذكر الكاتب الإنجليزي ج. دبليو موري في كتابه الصادر في عام ١٩٣٥ م وقال في حديثه عن قبيلة المساعيد: ارتحل المساعيد إلى جوار غزة وتفرقوا إلى ثلاث فرق بعد حادثة هناك مع الدولة، الفرقة الأولى أولاد سليمان الذين اتجهوا إلى مصر وظل منهم قسم استقر في قطيَّة حافظ على اسم المساعيد، أما الفرقة الثانية من أولاد سليمان فقد اتجهوا إلى حوران، أما الفرقة الثالثة فكان منهم الأحيوات.
قلت: الفرقة التي اتجهت إلى بلاد حوران لا تزال تعرف باسم المساعيد حتى يومنا هذا، وهم فريقان فريق يقطن شمال الأردن وجنوب سورية في ضواحي جبل العرب، وفريق يقطن غرب نهر الأردن في فلسطين.
وأضاف ج. دبليو موري يقول: المساعيد احتفظوا بالاسم الأصلي فيما ذهب أولاد سليمان إلى مصر واستقرت الأحيوات في سيناء، وقال: أولاد سليمان الشرقيون قسم من المساعيد المستقرين في الشرقية وحوران، وأكد أنه لا علاقة لهم بأولاد سليمان من المرابطين (١) وأنه يجب عدم الخلط بينهما.
ويذكر الألماني أوبنهايم أن أولاد سليمان (٢) قسم من مساعيد سيناء وذلك في كتابه الصادر عام ١٩٤٣ م.
стр. 163
وقد ذكرهم الدكتور عباس مصطفى عمَّار في كتابه الصادر عام ١٩٤٦ م فقال: المساعيد تركت منطقة العقبة إلى غزة حيث تفرقت فسارت بطون منها جنوبا إلى العربة والحجاز، وسارت بطون أخرى عبر سيناء إلى وادي النيل حيث عُرفت هناك بأولاد سليمان، وتخلَّف منها شرقي القنطرة عدد ظل محتفظًا بتسميته الأصلية حتى الآن، وقال: بنو سليمان هؤلاء يفخرون بأنهم القبيلة الأصلية في سيناء ويرجح أنهم سكنوها مع بني واصل من عُقبة في زمان متقارب يرجح أن يكون في أوائل القرن الثامن الهجري بعد مذبحة غزة بعدة سنوات. ولقد قاسى أولاد سليمان من غارات الصوالحة والعليقات بعد ظهورهم بسيناء في القرن العاشر (١) وكثيرًا ما اشتبكوا مع أولاد سليمان المساعيد في حروب انتهت بتغلُّب الصوالحة والعليقات.
وأضاف عباس مصطفى عمار يقول: وضعف نفوذ بني سليمان في سيناء فهاجرت غالبيتهم إلى مديرية الشرقية بعد أن ضاق العيش بهم، والجماعة القليلة الباقية منهم في سيناء مركزة الآن في عدة عائلات صغيرة تسكن حول الطور منذ منتصف القرن الثامن عشر. وإذا كان بوكوك قد ذكر أن بطونًا من بني سليمان تنزل حول السويس فلعل هذه كانت بقية من بقاياها سكنت هناك، على حين هاجرت الغالبية العظمى إلى الشرقية، كما أشار عباس عمَّار إلى أن العلاقة بين بني سليمان في الطور وإخوانهم في الشرقية وثيقة فقال:
فطبيعي أن تكون تلك الفلول من قبائل بني واصل والنفيعات وبني سليمان المساعيد التي توجد قبائلها الكبرى الآن في وادي النيل متصلة كل الاتصال، وأن تقوم هناك علاقات قوية بين بني واصل في سيناء وقبائل بني واصل في أخميم بجرجا بصعيد مصر، وبين النفيعات بسيناء وبطونها في الشرقية، وبين بني سليمان وبطونهم من المساعيد في الشرقية أيضا.
وقال الجزيري رحَّالة الحج المتوفى عام ٩٧٧ هـ عن بني سليمان المساعيد فقال عام ٩٤٠ هـ: وأقاموا بنخل أياما وأكرت الحجاج كراءً ثانيًا مع بني سليمان، كما
стр. 164
ذكر أن بني سليمان (المساعيد) المقيمين في الشرقية من القبائل المشاركة في الحمل، والمقيمين في بلاد الطور كانوا من عربان الحمل قديمًا ثم عصوا وامتنعوا عن ذلك. كما ذكرهم الرحالة بيركهارت فيما كتبه بتاريخ ١٨/ ٥/ ١٨١٦ م حيث قال في كلامه عن البدو الذين يقطنون بلاد الطور جنوبي سيناء آنذاك: أولاد سليمان أو بني سليمان في الوقت الحاضر اقتصر وجودهم على بعض العائلات التي استوطنت الطور والقرى المجاورة له، كما قال مشيرًا إلى حروبهم مع الصوالحة والعليقات بعد حروب طويلة منها ضد بني سليمان بأنهم نجحوا في هذه الحروب فيما رحل الآخرون إلى وادي النيل وظلت منهم بقية تقطن بجوار الطور، وهم يفتخرون بأنهم أسياد شبه جزيرة سيناء.
كما ذكر أولاد سليمان كرنيليوس فنديك الأمير كاني في القرن الماضي وقال: وفي التيه بين جبل موسى وحدود فلسطين عدة قبائل من عرب البادية، منهم الصوالحة وأولاد سليمان، كما ورد لهم ذكر في عهد محمد علي حيث ذكر أن منهم فرع في بلاد الفيوم ويسمون أولاد سليمان منازلهم بالفيوم ورئيسهم محمد الكافي عام ١٨٣٠ م وعدد فرسانهم مائة، وعدد مشاتها نحو ثلاثمائة رجل.
وحين ذكرهم علي نصوح طاهر نسبهم لقبيلة المساعيد قال: وبني سليمان من نسل الأمير سليمان المنطار المسعودي المدفون شرقي غزة وهم يعرفون بالأمراء ومعهم في الشرقية مساعيد آخرون ليسوا من نسل الأمراء.
قلت: سنبين عنهم في موضعه.
стр. 165
نبذة عن أولاد سليمان في الفيوم (١) وبني سويف
هناك للآن جماعة من أولاد سليمان شرق نهر النيل في بني سويف، ثم ارتحل فريق منهم إلى الفيوم بسبب نزاع مع قومهم واستقروا بنواحي الفيوم غربًا، ولأن هذا الفريق قدم من ناحية الشرق أسماهم الناس هناك (المشارقة) وهم فرع من بني سليمان، ومن قراهم التي يقطنون فيها:
١ - بلدة أبو عوض بمركز إطسا بين أبو جندير وكوم مدينة ماضي.
٢ - بلدة مغني بمركز إطسا بين أبو جندير وطبهار في الشمال الشرقي.
٣ - بلدة خلف بمركز إطسا بجوار بلدة مغني.
كما يقطنون ضواحي أبو جندير وضواحي كوم مدينة ماضي وضواحي الغرق السلطاني، أما فروعهم كما يلي:
آل ريان، وآل محمد وهم أكبر الفروع وأكثرها عددا، وآل سلومة، وآل رزق وهم يلون آل محمد عددا، وآل صابر.
ديار المساعيد في سيناء المصرية
أشرنا إلى مساكن بطون المساعيد في وادي النيل، أما في سيناء فهي في الركن الشمالي الغربي حيث تمتد ديار المساعيد من القنطرة الشرقية شرقي قناة السويس باتجاه الشمال الشرقي إلى نواحي كيلو ٢٩ حيث يحادون هناك قبيلة الأخارسة، وتمتد ديارهم من قلعة الفرما على ساحل البحر المتوسط شرقًا وحتى نواحي بورسعيد الشرقية غربًا حيث يحدهم في هذه الأماكن شمالًا البحر المتوسط، وفي النواحي الشرقية تمتد ديارهم من تل حبوة إلى العلو حيث يحادون قبيلة العيايدة، وكما يحاددهم العقايلة والبياضية في منطقة واسط عند حدوده الشمالية الشرقية وتكاد ديارهم تلتقي بديار الصفايحة والأحيوات في جبل الشيخ حميد، وأهم مراكزهم في سيناء قرية جلبانة وخر وخرير والدويدار والحسية والطابق والبرج وأبو سمارة وهي مراكز غنية بالنخيل.
стр. 166
فروع المساعيد ومواطنهم في الديار المصرية
تمهيد:
تعتبر قبيلة المساعيد إحدى أهم قبائل الشرقية وشمالي سيناء، وقد ذكرهم نعوم بيك شقير: أن درك المساعيد على طريق العريش الذى يسير في شمال سيناء يمتد من تل حبوة شرقي قناة السويس حتى بئر الديدار على طريق العريش، كما ذكر أيضًا أن المساعيد كانوا إحدى قبائل إقليم الشرقية التي تتناوب عاما بعد آخر مع قبائل القليوبية في الالتزام بتقديم الإبل للمحمل المصري، وكان عليهم الالتزام بحفظ المحمل إلى العقبة إلا أن جمالهم كانت تسير مع المحمل إلى مكة المكرمة، وقال: وهم أقوى قبائل منطقة العريش بعد السواركة.
فروع (أرباع) المساعيد في الديار المصرية
أ - الأمراء (*):
أشهر عشائر الأمراء هم: البنايين وشيخهم إبراهيم بن سِلْمي بن عقيل بن عودة بن سلامة أبو بنية، وهو الشيخ العام للأمراء في مصر ومقره الجبل الأخضر بالقاهرة.
العقايلة وشيخهم حسين سالم عقيل، والعمايرة وشيخهم عميرة سلامة عميرة، والحصينات وشيخهم حسين عمرو سلامة، وأولاد أبو محسن (المحاسنة) فيهم أولاد الشاعر، والمطالحة وشيخهم سِلْمي عيد سليم، والدعادرة وشيخهم سليم سويلم، والجابيرة وشيخهم عيد حميد، والجراجرة (١) وشيخهم محمد سِلْمي
стр. 167
أبو شتيوي والشيخ جديد، والبحيرات (١) وشيخهم سليم مسلم البحيري، والطرافية (العماوية) (٢) وشيخهم سليمان الطرفاوي، والدهينات (٣) وشيخهم سليم أبو مبارك الدهينة، والظراطنة وشيخهم إبراهيم سليمان الظرطي، وآل شيبان شيخهم إبراهيم سِلْمي شيخ البنايين أيضًا.
وتسكن عشائر الأمراء في القرى والبلاد المصرية (٤) التالية:
جلبانة وهي بلدة في بر سيناء تابعة للإسماعيلية بعد تقسيم سيناء إلى محافظتين - بعد تحريرها بالكامل - عام ١٩٨٥ م، وتبعد عن القنطرة شرق إلى جهة الشمال الشرقي منها بنحو ٢٠ كيلو متر، وجلبانة هي عاصمة المساعيد في مصر، كما يقيم الأمراء في القنطرة شرق وفي قرى ذهب ومنشية الطور وفي غمازة باي غرب طرود ووادي الهيرة وفي صدر، وفي القنطرة غرب القناة في عرب المساعيد، وفي المنايف من أطراف مدينة الإسماعيلية، وفي مناطق عديدة من محافظة الشرقية منها بحر البقر وجزيرة سعود (٥) مركز الحسنية وجزيرة الزويليين وتل الدقيق والصالحية والقرين والخطَّارة والبرد وبنك السكر، وفي أتمي الأمديد دقهلية، وفي السويس بمناطق مثل الشلوفة وعرب أبو سيال، وفي مناطق كثيرة من الجيزة مثل العياط وجنوب الصف، وفي بني سويف، وفي الفيوم، وفي المحلة بالغربية، وفي مطوبس وفوة بكفر الشيخ، وفي القليوبية حول قها وعزبة عثمان بشبرا الخيمة وغيرها، وفي القاهرة على الأخص في الجبل الأخضر.
стр. 168
الأمراء في صعيد مصر:
أهم عشائر الأمراء هي: أولاد صابر، وأولاد عبد الكريم الحسن، وأولاد كامل (الكواملة)، وأولاد دياب، وأولاد أبو دومة، وأغلب هذه العشائر في قرى مركز البياضية جنوب الأقصر (محافظة قنا)، وعشيرة ولاد ناصر في نجع ولاد ناصر في الطوابية بقنا، وقد تفرَّق فخوذ من المساعيد في فرشوط والأقصر بقنا، وكذلك في جرجا بسوهاج، وفي أبو تيج بأسيوط، وبأدفو بأسوان، وسميت قرى بأسماء المساعيد أغلبهم من الأمراء مثل نجع المساعيد في أدفو ونجع المساعيد في جرجا ونجع المساعيد في أسوان ونجع المسعودي في أبو تيج بأسيوط.
وذكر لي الرواة أن بعض المساعيد من الأمراء دخلوا في الأُبيِّض بإقليم كردفان غرب بلاد السودان.
ب - العواهير (١):
يؤكد الرواة أن ربع أو بطن العواهير أصله من الأمراء وانفصم منذ وقت غير بعيد يرجحه الرواة بنصف قرن أو يزيد قليلًا، أي أن العواهير حتى أوائل هذا القرن كانوا ضمن رئاسة الأمراء، وفي العواهير عشائر مثل: الهواشلة وشيخهم محمد شحاتة هويشل، والصبيحات وشيخهم سلامة سعيد سلامة.
والغنادرة (٢) وشيخهم سالم سليم الغندور، والقناطرة وشيخهم سالم محمد القنطري، والعذرات وشيخهم سويلم سليم أبو عذارة، كما هناك عشائر أخرى أذكرها مثل العفوش، والغوانمة، وأولاد عيسى، والمصابحة، واللاوافية.
وكبير العواهير أذكر الشيخ منصور بن سالم بن سلامة المسعودي. ومساكن العواهير أغلبها في جلبانة، ومنشية أبو أعمر المشهورة بتل الدقيق، وفي بحر البقر
стр. 169
وفي الظواهرية في مركز الحسنية بالشرقية، وفي قرية نجيلة شمال سيناء، وفي البساتين (١) بأطراف القاهرة جنوبًا وغيرها.
جـ - المرابدة (٢):
وأهم عشائرهم التالي ذكرها:
البريِّديين وشيخهم محمد عيد البريِّدي والذي يعتبر كبير المرابدة في الديار المصرية، والهروش وشيخهم عبد الرحمن مسلم، والنواصرة وشيخهم سعد سليم نصر الله، والرواشدة (٣) وشيخهم سليمان حسن سلامة راشد، والعرابين وشيخهم سليمان عريبان سويلم، والعكالية وشيخهم رحيِّل سليم، والدوايدة وشيخهم حمدي سليمان سالم داود، وصرَّار وشيخهم محمد سليمان صرار. وأغلب عشائر المرابدة تسكن في جلبانة، وعرب الجزيرة بالقنطرة غرب، وأتمي الأمديد في السنبلاوين بالدقهلية، والمناجاة الكبرى في عرب الحصا في الشرقية، ومطوبس وفوة بكفر الشيخ.
د - الدغيمات:
وأشهر عشائرهم التالي ذكرها:
أبو عامر وشيخهم محمد عبد الله زيدان عامر (٤)، والعزازمة (٥) وشيخهم حسن بن مبارك أبو حميد، والجمايلة وشيخهم حامد أبو جميل الصهابين ومنهم
стр. 170
الغوانمة، وشيخ الصهابين محمد عطية جودة، وشيخ الغوانمة عودة أبو مغنم والشيخ العام جابر بن حسين، وأبو عياد وشيخهم حمد سليمان نصر ويعتبر كبير الدغيمات كلها، والجغاغمة وشيخهم عيد سليمان مسلم الجغَّام، واللبايدة وشيخهم رفيع سليم اللبيدي (١)، والبطاروة وشيخهم سعيد محمد البطراوي، والشقمان وشيخهم السيد علي سويلم، وأبو صالح وشيخهم محمد درويش سويلم، وأبو حرب وشيخهم سليمان حماد أبو حرب، والبعران (٢) وشيخهم محمد أحميدان نجم، والدراوشة، وأولاد أبو زايد، والنواصرة، والصوالحة.
وأغلب عشائر الدغيمات تسكن جلبانة وجزيرة المساعيد وجزيرة أبو مطاوع وكلها في الشرقية، وفي كيلو/ ٤ بالإسماعيلية، وفي جبر والحسية شمال غرب سيناء، وفي عرب الجزيرة غرب القنطرة الغربية، وفي الجفجافة ببلاد التيه بوسط سيناء، وكان الدغيمات هم شيوخ المساعيد في نقب العقبة ونواحيها وفي سيناء إبان القرن العاشر للهجرة، ومن أعلام الدغيمات وقتئذ: عتيق بن مسعود بن دغيم المسعودي، وعيسى بن دغيم المسعودي، وعليان بن أمشور بن دغيم المسعودي، ومسعود بن دغيم المسعودي.
هـ - الفراحين:
أشهر عشائر الفراحين الخضَّرة والوزيغات وأبو عشيبة والكيلات ويُطلق على الوزيغات وأبو عشيبة اسم القناونة (٣) وأحدهم قنوي، ومن الفراحين فرق كثيرة
стр. 171
نزلت من البدع إلى الديار المصرية بوادي النيل وسكن بعضهم القليوبية قرب مدينة قها وما حولها من القرى، وقسم آخر سكن سيناء، وقسم سكن في المسيد وهي منطقة بمركز أطفيح شرق النيل بالجيزة، وهناك قرية تُسمَّى الوزيغات باسم هذا الفخذ من القناونة (الفراحين) وتتفرق عائلة القناونة حتى قرى بني سويف، وفي القليوبية أذكر سالم أبو معوَّض ﵀ كان من كبار الفراحين ويسكن في نواحي قها، كما أذكر حماد بن حسين من كبار الكيلات (١) في نواحي قها بالقليوبية، كما يوجد فخذ الحراولة (٢) في نواحي الطور وشرم الشيخ وكبيرهم الشيخ عودة مِصَفْرة المسعودي، وكما يوجد أيضًا ذوي عمر وهم في قرية دهب على الساحل الشرقي لسيناء أو ساحل خليج العقبة الغربي المواجه لبلدة مقنا السعودية، ومن ذوي عمر (٣) فرقة تسكن حول قها بالقليوبية، وكما يوجد فريق من ذوي عبد الله (٤) يقطن في قها بالقليوبية أيضًا، ويوجد فريق يسمى الغضيَّات في قرية أجهور بالقليوبية وكبيرهم ناصر أبو غضيَّة.
و - الرواشدة (٥):
والشيخ العام للرواشدة في الديار المصرية هو حسين أبو غنَّام بن حمدي ومقره الحالي في القنطرة، ومن الرواشدة جماعة في قرية أبو سلطان بالإسماعيلية وكبيرهم حماد غنيم، ومنهم فرقة تحضَّرت وسكنت النعام بعين شمس والمطرية بضواحي القاهرة، وكان كبيرهم حماد حسين (٦) وحاليًّا ابنه عباس حماد، ويسكن الرواشدة في جنوب مركز الصف أو شرق أطفيح واختلط مع الرواشدة فخوذ من
стр. 172
القناونة، وكبير الرواشدة أذكر أحمد سالم سليمان الهزهوزي ويقيم في منشية الأشراف بمركز الصف، ومن الرواشدة فخذة أولاد سلامة ويقيم أغلبهم في حاجر منشية الأشراف شرق النيل، ومن الرواشدة فرق وعائلات متفرقة في هرم ميدوم بمركز الواسطى بمحافظة بني سويف.
نبذة لفروع أخرى للمساعيد في مصر
(١) الحجايجة (أبو حجاج): وشيخهم كان سويلم أبو حجاج وكان قاضيا مشهورًا في قضاة البدو ويسكن في قرية شرف الدين ما بين بلدة طنان ومدينة قها بالقليوبية. ومن الحجايجة جماعة في بلبيس بالشرقية في الحجرة شرق الحلوة (ترعة الإسماعيلية).
ويؤكد رواة الحجايجة في السعودية وعلى رأسهم علي بن حسن أبو حجاج في البدع أن النصيرات ما هم إلا فرع من الحجايجة والأخيرين هم الأصل، والنصيرات طلعوا الخمسة في حادثة "مقتل الفرحاني" على يد أحد الحجايجة وهذا معروف لدى عموم مساعيد الحجاز.
стр. 173
(٢) الظهور: يقطنون في الطور جنوب سيناء.
(٣) الذراعات: يقطنون في الطور وفي نواحي قها بالقليوبية.
(٤) السراجات: يقطنون في الحسنية بالشرقية.
لمحة عن تاريخ المساعيد في هذا القرن
أهم ما يُذكر للمساعيد إبان الحرب العالمية الأولي عام ١٩١٤ م هو تحالفهم مع الأتراك ضد الإنجليز ومن حالفهم كعصبية لدين الإسلام، وقد خسر المساعيد بعض رجالهم وفقدوا الأموال في سبيل نصرة جيش الأتراك ضد الإنجليز، ولما كانت هزيمة تركيا في سيناء وفلسطين تعرض بعض شيوخ المساعيد للسجن والآخر للغرامة من السلطة المصرية - وقتئذ - بسبب تعاون المساعيد مع الأتراك ورفضهم التعاون مع سلطات الاحتلال البريطاني وقتئذ.
نبذة عن عادات مساعيد مصر وطباعهم
يعمل أغلب عشائر المساعيد في الزراعة والتجارة والمقاولات وبعضهم من يسكن القرى وبعضهم في البادية، وأهم ما يلفت النظر عن المساعيد في القرى أو المدن هو تمسكهم الشديد بعادات البدو والقبائل العربية ولهجتهم التي لم تتغير، وكثير من المساعيد تقلدوا الوظائف الحكومية، ويتميز المساعيد في الديار المصرية بالترابط العشائري المتين والغيرة على أبناء عنصرهم وسمعة قبيلتهم بين القبائل العربية، وقد عرفت أن تماسك هذه القبيلة يترجم بالأفعال دائمًا هو قيام شيوخهم بعمل جمعية خيرية لأبناء القبيلة تقوم على تغطية نفقات اللوازم الهامة لجميع أبناء المساعيد، ويشتهر أغلب المساعيد بالتديُّن والصلاح، وقد أقام المساعيد الكثير من الزوايا أو المساجد على نفقتهم الذاتية في مختلف الجهات بمصر، وكما يتميز المساعيد بالاحترام الشديد لبعضهم والتآلف وعدم التفكك واجتماع الرأي الواحد في الخير أو الشر أي في الضيق والشدة، كما يتميز المساعيد بالصراحة والوضوح وإعلان ما في السريرة، وتجد الفرد منهم يظهر على ملامح وجهه وطريقة كلامه ما في نفسه، وقبيلة المساعيد من القبائل المحافظة على طباع الإسلام، ومن الأشياء الملفتة في أفراحهم أنه قلَّما توجد زغاريد للنساء، وذكر لي بعضهم أن هذا يرجع إلى اعتبار الزغاريد عورة للمرأة!، كما لا يوجد عويل أو بكاء على الموتى
стр. 174
عندهم، كما يتميز عرب المساعيد بحب الضيف، وكما يقال المثل في مصر أن الضيف (١) لا يخرج من عند المساعيد ساخطًا أو غضبان؛ لأن المساعيد يبالغون في تحية الضيوف وقضاء الواجب معهم أيًّا كانوا، ويقال عنهم أيضا: "صغار الوهود كبار الجهود"، أي مهما كان الرجل منهم قليل المتاع فدائمًا جهده كبير مع ضيفه، وهي شيمة غالبة على عنصر المساعيد في بلاد العرب.
القضاء المسعودي
في المساعيد قضاة عدة وأغلب الشيوخ المذكورين سلفًا في عشائر المساعيد هم قضاة، ولا أبالغ لو قلت أن المساعيد مدرسة القضاء العرفي عند القبائل، ويشكلون المحكمة العليا لجميع القضاء، لأن فيهم المنهى والمنشد كما أسلفنا في السرد عن مناقب هذه القبيلة العريقة، وقضاء المساعيد صارم وحكيم ولذلك رضي عنه العرب في القديم، وما زالوا يرضون حكم المساعيد حتى الآن كحكم نهائي لا نقض فيه ولا إبرام، ويعتبر واجب النفاذ بعد قطع الحق من القاضي المسعودي مباشرة.
المنشد: قال نعوم شقير: المنشد ويعرف بالمسعودي؛ لأن أهم قضاته من قبيلة المساعيد التابعة للعريش وقتئذ، أي حين تأريخ نعوم بيك لكتاب تاريخ سيناء قبيل عام ١٩١٦ م، وقال المسعودي: يحكم دائمًا في المسائل الشخصية الخطيرة مثل قطع الوجه والتسويد ومس الشرف أو العرض والإهانة الشخصية وحرمات البيوت. وقال أحمد أبو كف: قضايا الاعتداء على المنازل اشتهرت في هذا النوع من القضاء قبيلة المساعيد، كما قال أيضًا وقضايا النخيل اشتهرت فيها أيضًا قبيلة المساعيد. قلت: ويختص المساعيد بمعرفة الصنوف وهو نزاع في نسب طفل بين طرفين كل يدَّعيه لنفسه بحيث يختص المساعيد بمثل هذا النزاع الخطير، وكذلك يختص المساعيد برمي الوجوه (٢) بين المتخاصمين لفض النزاع حتى يتم حله، أي
стр. 175
إيقاف النزاع، ويختص المساعيد أيضًا بقطع الوجه على من ينتهك حرمة رامي الوجه أو تقطيع الوجه، وفي المال (١) يعتبر القاضي المسعودي هو آخر قاضٍ يحكم ويختص بأي نزاع كان، فهو عندهم آخر منتهى قضائي حيث يقال في اللغة الدارجة: "ما بعد حق المسعودي حق" وخاصة في قضايا العرض والشرف أو ما تسمى (الصائحة).
- والوَسْم العام للمساعيد في الديار المصرية هو العمود والمطرق والحنيك، والعمود عبارة عن مطرق عمودي يَسِمون به البعير على فخذه الأيمن.
مساعيد شمال الحجاز (أرض مدين) بالمملكة العربية السعودية
ما قاله الباحثون الأجانب والعرب:
حينما زار جورج أوغست فالين شمال الحجاز في شباط عام ١٨٤٨ م ذكر المساعيد وكتب يقول: هناك قبيلة عددها ليس كبيرًا تدعى المساعيد ولا تمت للحويطات بأي صلة، وقد نزحت في البدء إلى وادي الليف وعادتها النزول قرب مقنا، ومقنا هذه مكان قيل لي أنه مجموعة أكواخ من الخوص (بكاكير) على يومين (٢) إلى الجنوب من العقبة. وفي حديثه عن تفرق المساعيد بعد واقعة لهم في غزة قال نعوم بك شقير: "تفرق المساعيد ثلاث فرق: فرقة ذهبت شرقًا فسكنت فارعة المسعودي ووراء حوران بسوريا، وفرقة ذهبت غربًا فسكنت أرض سيناء ثم دخلت وادى النيل بمصر وعرفت بأولاد سليمان (الأمراء)، وبقي منهم بقية في بر قطيَّة غرب العريش حافظت على اسم المساعيد - كما أسلفنا في التفصيل، وفرقة ذهبت جنوبًا بشرق فسكنت وادي الليف قرب البدع من أعمال الحجاز على نحو خمسين ميلًا من العقبة، وتخلَّف من هذه الفرقة قوم في وادي الجرافي (٣) ففرغ زادهم فأخذوا يقتاتون بالحوَّي فسموا الأحيوات". وقال الكاتب الألماني أوبنهايم في كتابه الصادر عام ١٩٤٣ م: ينقسم المساعيد الآن إلى ثلاثة فروع: اتجه إلى
стр. 176
الشمال فرع وقد استقر في وادى الفارعة (نابلس - فلسطين) وفرع اتجه غربًا وهم مساعيد العريش وسيناء الذين تفرع منهم أولاد سليمان في مصر، والفرع الثالث هم مساعيد شمال الحجاز الذين تفرَّع منهم الأحيوات، وقال في حديثه عن مساعيد الحجاز: لا توجد صلة تدل على انتساب المساعيد للحويطات بل ليست هناك أي علاقة قربى بينهم، وأضاف يقول أن المساعيد يذكرون أنهم نزحوا لوادي الليف قديمًا، وقال: إن المساعيد هم القبيلة الأم لكل من مساعيد وأحيوات سيناء ومساعيد الطور. وفي رحلته إلى أرض مدين شمالي الحجاز في شباط عام ١٩٥١ م قال سنت جون فلبي المعروف بعبد الله فلبي يذكر المساعيد في حديثه عن وادي عفال قال: "بدو المساعيد هم أصحاب النخيل والوادي بأسره". وأضاف قائلًا: أن أحد شيوخ المساعيد ويسمى محسن قد دعانا لزيارة خيمته التي تبعد قليلًا في أسفل وادي عفال، ولكنه بات من الضروري عليَّ أن أتجاهل هذه الدعوة لأنني دعوت سعدًا ورجاله لتناول طعام العشاء معنا، وأضاف يقول: أنه قد عيَّن دليلًا جديدًا عوضًا عن زيد وكان اسمه عيد محيسن من قبيلة المساعيد، وذكر فلبي فيما كتبه عن أحداث يوم ١٦ شباط ١٩٥١ م فقال: وقد تقدمنا من البدع على امتداد سلسلة جبال درك لإلقاء نظرة أخيرة على بئر موسى (١) والتقينا في الطريق بالشيخ محسن من المساعيد الذي أصر على دعوتنا للغداء في مضارب قبيلته، ولكن الوقت كان يقارب الثانية بعد الظهر ولم أجد بدًّا من أن أرفض دعوته مرة أخرى، ومع ذلك فقد أرفقت رفضي هذه المرة لهذا الكرم منه بهدية مناسبة له جعلت الشيخ يغادرنا مسرورًا. قلت: الشيخ محسن الذي ذكره فلبي هو محسن محمد الطرفاوي من الطرافية الأمراء، وكان شيخ عام للمساعيد في بر الحجاز بالمملكة العربية السعودية وقتئذ وقد تولى ابنه الآن مكانه بعد وفاته، وأشار فلبي إلى بعض الأماكن التي تحمل اسم المساعيد ومنها جبل عظيمة المساعيد وهضاب المساعيد الواقعة غربي منطقة بئر ابن هرماس وإلى الجنوب الشرقي من محطة ذات حاج.
стр. 177
تخبُّط الباحثين في هذا القرن ونسبهم المساعيد للحويطات
أخطأ العديد من الباحثين في المملكة العربية السعودية وغيرها وذكروا أن المساعيد عشيرة ضمن عشائر الحويطات شمال الحجاز، وهذا خطأ فادح؛ لأن المساعيد قبيلة عريقة أقدم من الحويطات وبني عطية، ومساعيد السعودية لا يشكلون عُشر القبيلة التي تملأ الشام ومصر بالوقت الحاضر، ولا يعترف المساعيد إطلاقًا بأي صلات نسب تجمعهم مع الحويطات، ويشكل حساسية بالغة لهم من هؤلاء الذين لا يسْلَمون من الوهم والخطأ في نسب المساعيد المعروف عندهم. وذكر الدكتور حمود ضاوي القثامي من عُتيبة في كتابه معجم القبائل والمواضع والحكومات الطبعة الأولى أن المساعيد من عشائر الحويطات!! فقال: الحويطات منهم العمران والمساعيد والعميرات والذيابين والزماهرة والطقيقات والسليمانيين والجرافين والعبيات والموسة والمشاهير والقرعان والجواهرة والقبيضات والفحامين، وهذا من الدكتور حمود خطأ فادح ونقل حرفي عن فؤاد حمزة في كتابه "قلب جزيرة العرب الشهير عن قبائل المملكة العربية السعودية" المطبوع عام ١٩٣٣ م والمملوءة بالأخطاء رغم أنه كتيب مختصر جدا في سرده عن القبائل، والقثامي هنا لم يشر في كتابه إلى أن نقل هذا عن فؤاد حمزة، بل ذكر أنه أخذ معلوماته من بعض شيوخ الحويطات وهم الشيخ محمد بن غدير والشيخ مقبول بن ذياب، ومقبل حمد الطبير وكلهم من العمران في نواحي حقل، وكان الترتيب لعشائر الحويطات وفق ما ذكره فؤاد حمزة قصيدة شعرية يحفظها الناس عن ظهر قلب ويرددها الباحثون بعده في هذا القرن، وفي هذا تلفيق وتخبُّط في أنساب القبائل بدون علمها، وخداع وتضليل للمجتمع العربي على مر الأجيال القادمة وفي هذا العهد على حياة من قالوا كَذِبًا على الله والناس بدون استحياء.
وقال باحث أجنبي يسمى لويس موسل عن المساعيد: منهم اللبايدة والطرافية والجراجرة والفراحين ويقطنون المنطقة من وادي الحبط إلى قيال، وذكر أوبنهايم أن المساعيد فرعان وهما البداعين سكان البدع: الفراحين سكان أقيال.
стр. 178
فروع المساعيد ومساكنهم في المملكة العربية السعودية
تسكن عشائر المساعيد في البدع (١) ويملكون نخيله، وتمتد ديرتهم حتى وادي قيال، وقيال قرية وهي على شط البحر آخر الوادي الممتد والذي يقع جنوب غرب البدع في التَهَم غرب جبال زهد الشامخة، ولقبيلة المساعيد الغالبية العظمى من نخيله أيضًا عدا بعض النخيل للقرعان وتسمى نقرة القرعان من الحويطات، أو غيرها من البساتين التي شراها بعض الحويطات من المساعيد، وقيل أن القرعاني كان ابن أخت شيخ من المساعيد في عهد قديم وسمع حاج مغربي ينظر في بقعة منخفضة من وادي قيال ويقول: "إيه عليكي من نقيرة في النخل" أى ما أحلاكي في زرع النخيل كباقي الوادي أو أين أهلك يزرعونك!؟ فسمع القرعاني وهو يرعى إبله أو أغنامه ذاك المغربي فأسرع من حينه إلى خاله المسعودي فطلب منه قطعة الأرض من الوادي ليزرعها، فوهبها له فسميت نقرة القرعان، وهناك بيوتات من القرعان يجاورون قيال بالوقت الحاضر، أما أغلبهم فديرتهم في ضبا ووادي حرامل شمالي الوجه (انظر السرد عن الحويطات). وقد زرت هذه المنطقة في عام ١٤١٢ هـ شهر رجب وقد رأيت نخيلًا قديمًا في قيال وبعضها قد تكسَّر ولكن ما زال أغلبها مثمرا، وعلى شاطئ البحر بأقيال رأيت مراكب قديمة من عهد الأتراك قد دفنتها الرمال، وأشجار كثيرة من الدوم قيل أنها قديمًا كانت غابة تعيش فيها الذئاب وتفترس الأغنام في وضح النهار، كما يسكن بعض المساعيد في مقنا قرب البحر وبعضهم في الخبت، والخبت الآن منطقة في التَهَم غرب وادي قيال وقد رأيتها جرداء قليلة العشب، وهناك نسبة كبيرة من المساعيد في تبوك وتحضَّر أغلبهم كباقي القبائل السعودية في العهود الأخيرة.
стр. 179
عشائر المساعيد في البدع وقيال في شمالي الحجاز بالمملكة العربية السعودية
(١) الطرافية: وفخوذهم العودات، والجعلان، والعماوية. وكما أسلفنا أن الطرافية عشيرة من الأمراء المساعيد، ومنهم الشيخ العام للمساعيد في السعودية وهو سليمان محسن محمد الطرفاوي في البدع.
(٢) الجغاغمة: وهم أصلًا من الدغيمات، ومنهم عمدة المساعيد في البدع حسين سالم رشيد الجغَّام.
(٣) اللبايدة (١): وفخوذهم بنو محيسن، وذوي رشيدة، وذوي إبراهيم، والغمَّضة، والصواوين (٢)، وابن سعد، وذوي علي، وابن رفيع، وذوي موسى.
(٤) الدهينات (٣): وفخوذهم أبو رقيبة، والوسطي، وذوى سالم، وذوي حسن، والعفصان، والجداعين.
(٥) النصيرات: وأصلهم من الحجايجة وانفصلوا عنهم من مدة ليست بعيدة.
(٦) الحجايجة: ويقال أنهم من الضمادية المساعيد المشهورين.
(٧) البحيرات: وفخوذهم الجرابعة، والسلاميون، والسراحين، وقد ذكرنا سالفا أن البحيرات من الأمراء وثمة رأي آخر يرجعهم إلى الضمادية.
والبحيرات في السعودية لهم شيخ يوقع لهم ويدبر شئونهم ومقره بتبوك، وخاصة أن من البحيرات عددًا كبيرًا في نواحي تبوك وهو سليمان علي البحيري المسعودي.
стр. 180
(٨) الفراحين وفروعهم التالية:
- ذوي سلمان وفيه فخوذ الرجول، والرواجيد، والمجادرة، والكيلات (١)، والغضيات (٢).
- ذوي مسلم وفيه فخوذ الديان، والسحوب، وذوي رشيد، والغنادرة (٣)، والحروالة، وذوي عمر، والصبيحات (٤).
- ذوي عبد الله وفيه فخوذ أبو راس وأبو ظهر.
وهناك فروع أخرى أقل عددًا ومنها التالي:
الجراجرة، الرواشدة، الدغيمات، العقايلة، العفوش، ذوي حمود، العزايمة، الروسة، البداعين، الجلاوية، الغدايرة، ابن نجم.
ووَسْم المساعيد في السعودية هو العمود على الفخذ الأيمن للبعير والمطرق على العنق.
وقاعدة المساعيد الرئيسية هي البدع وعُرف ببَدْع المساعيد، وقال أحد الحجاج يذكر بَدْع المساعيد:
شدِّيتها بين غزة ونوران … ومقيلها خشم اعيهده من شمالِ
تَمْرق عالعُقبية عاقبة بالمكيلة … والكل منامه ارقالِ
تلفي عالبَدْع بَدْع المساعيد … يشرون ملاح الضيف لو كان غالي
وفي البيت الأخير وصف الشاعر المساعيد (٥) بالكرم والسخاء وهو شيء معروف عنهم للقاصي والداني في بلاد العرب.